← Акыда

Акыда · id 10006

تاريخ الفكر الديني الجاهلي

محمد إبراهيم الفيومي

Полный текст (634 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمات مقدمة الطبعة الرابعة ... مقدمة الطبعة الرابعة: لقد نفدت طبعات ثلاث من هذا الكتاب: "في الفكر الديني الجاهلي"، أما هذه الطبعة الرابعة فتأتي في ثوب جديد، فغير في عنوانها بعد أن استوفى الكتاب موضوعات تاريخية، كنت قد اشرت إليها إشارات سريعة، ظننت القارئ تكفيه تلك الإشارة. ولكن تبين لي في مراجعاتي أنها موضوعات حرية بالبحث والدراسة، تغلقها الإشارة ولا تفض معناها، فأخذت في عرضها وتقصيها. وشأن البحث؛ تتابعت المسائل مسألة إثر مسألة، وتداعت القضايا، وتجددت زوايا، وامتدت آفاق أبعادها، وتغيرت رؤيتين فما كنت أحسبه بالأمس داخلا في عداد القضايا الزائدةن لم يعد الحال كما كان يخيل إلي قبل. من هنا توسعت النظرة المنهجية في إعادة النظر إلى موضوع الكتاب من جديد، على ضوء ما نشرته المطابع جديدا من المصادر القديمة، وما ترجم من دراسات حديثة، وما تكشفت عنه بعثا الآثار، والبحث عن اللقى والخفايا المطوية في باطن الأرض، وشواهد باقية للأمم الخالية. لذلك جاءت تلك الطبعة تحمل عنوانا جديدا يتناسقب مع ما استوفاه من زيادة وتحرير ومراجعات، وهو "تاريخ الفكر الديني الجاهلي". وهو على هذه الصورة الجديدة التي حاولنا أن نستوفي فيها الدقة والتحرير ما زال يحمل في ثناياه صفات النقص البشري وضعف مسعاه والله نسأل أن يتجاوز عن أخطائنا ويجعله مقببولا وبالله التوفيق. د. محمد إبراهيم الفيومي تحريرا في ١٠ يونيو ١٩٩٤م غرة المحرم ١٤١٥هـ.

стр. 2

مقدمة الطبعة الثالثة: طرح العرب قديما قضية "علاقة الرسول بالأديان السابقة" على بعثته إبان دعوته التي دونها القرآن ورد عليها وكان أهم ما يبغون من ورائها دعوى: "بشرية القرآن". وتعني بشرية القرآن من حيث السند التاريخي: عزوه إلى تاليف محمد أي أن القرآن من وضع بشري. وليس من قول إلهي، وتعني القضية أيضا أن محمدا ليس برسول لكنه هو مفكر استطاع أن يؤلف القرآن. هذه هي جوانب قضية "بشرية القرآن". سجلها القرآن، على أنها دعوى مفتراه من العرب على الرسول في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ١، هذه الآية على قصرها تناولت القضية شكلًا ومضمونًا، دعوى وردًّا عليها حين قالت: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ هذه هي الدعوى، أما الرد عليها فجاء تاليا بعدها مشارًا إليه في الآية ذاتها في قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . فالدعوى والرد عليها من قبل القرآن أفادانا من حيث الجانب التاريخي: أنها قديمة منذ أن بلغ الرسول رسالته وقام بعبء الدعوة إليها. كذلك تفدينا من جانب آخر أن القضية حين سجلها القرآن -ونحن نعلم أن القرآن كتاب عالمي، لا يختص بزمان ولا بمكان ولا بأمة- كان معنى ذلك أن تسجيلها إنما هو تسجيل للرد على تلك القضية، قضية "بشرية القرآن"، وعلى العقل الإنساني -أنى وجد وحيثما اتفق- أن يدرس تلك الدعوى على الرسول، فالقرآن سجلها؛ ليعين المسلم وهو بصدد التيارات الفكرية على أن يدفع تلك القضية؛ لأن القرآن دافع عنها، ثم هي في النهاية تصيب صميم دينه هذا ما تعنيه قضية بشرية القرآن بشكل عام. أما شكلها التفصيلي -وهو موضوع الدراسة- فإنه يحتاج إلى تسطيح القضية

стр. 3

بعد تحليلها تاريخيا من جانب، وواقعيا من جانب آخر مع الاهتمام بالجانب المنطقي في مناقشة بعض القضايا الموضوعية التي سوف نعرض لها فيما نعرض؛ ليطرح العقل سؤاله من خلال إثارة دعوى بشرية القرآن. وحقيقة إن هناك أسئلة كثيرة لكن من الممكن أن ترتد إلى سؤال واحد يقول: إذا كان الرسول ألَّف القرآن وهو الآن بين أعيننا وبين أيدينا فيا ترى متى تعلم الرسول؟ وفي أي مدرسة من المدارس القديمة انتظم فيها؟ وهل ترى -عندما ألف القرآن- استمده من المسيحية؟ أو من اليهودية؟ أو تلك الصابئة؟ أو من المجوسية؟ أو من الوثنية؟ وهل كانت هذه الأديان أو تلك الملل منتشرة في الجزيرة العربية؟ وبأي لغة كانت، ونحن نعلم أن هذه الأديان ليست ناشئة في مكة وإنما نشأت بعيدا عن الجزيرة العربية، وحقيقة كانت بلسان أعجمي. فالمسيحية لم تكن بلسان عربي وإنما كان لسانها لسانًا سريانيًّا. واليهودية لم تكن بلسان عربي وإنما كان لسانها لسانًا عبرانيًّا. والمجوسية كذلك لم تكن بلسان عربي وإنما كان أعجمية وباللسان الفارسي. وكذلك الصابئة لم تكن بلسان عربي وإنما كان لسانها لسانًا آراميًّا. وكذلك الوثنية الفكرية لم تكن باللسان العربي وإنما كان لسانها إغريقيًّا رومانيًّا على أساس أن الفلسفة اليونانية كانت لا تعتقد بعقيدة دينية وإنما كانت تؤمن فيما تؤمن بالعقل الإنساني وفكره فحسب، فإذا ما تكلمنا عن الوثنية الفكرية فلا بد للذهن أن يتجه نحو اليونان. أما الوثنية المنتشرة في العرب فإنها كانت وثنية ساذجة ليس لها مضمون فكري. وهي أيضا -كما تذكرة الرواية العربية- وفدت إلى العرب على يد عمرو بن لحي حينما جاء "بهبل" من بلاد "البلقان" أيام الإسكندر الأكبر هكذا جاء في المراجع العربية. فالوثنية العربية -على الرغم من أنها وفدت إلى العرب- كانت وثنية لا تخرج

стр. 4

عن عبادة الحجر من غير شكل فني أي من غير صورة يخلعها العربي على هذا الحجر نحتا أو تصويرا ولكنه كان يكتفي من الحجر بعبادته فحسب. وواضح مما قدمناه سابقا أن الأديان التي انتشرت في الجزيرة العربية ومكة منها والتي جمعها الله في قوله تعالى١: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى آخر الآية. هذه الأديان -كما عرضنا سابقا- كانت أعجمية وفق ما قال القرآن: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ ، فتسجيل القرآن لتلك الأديان يعني من وجهة النظر التاريخية أن العرب كانوا يعلمون شيئا أو أشياء عن تلك الملل والنحل "الأديان والمذاهب" المنتشرة في أجواء الجزيرة العربية. فهل ترى أي شيء تعلَّم منها محمد؟ وما اللغة التي قدر لمحمد أن يتعلمها؟ قطعا الإجابة سوف توجه بشكل تحليلي، بمعنى أننا سوف نسير بخطوط متوازية مع تلك الأديان وعلاقة الرسول بها. وذلك موضوع الكتاب. وليس في هذه الطبعة جديد أضفناه سوى تحرير ما رأينا تحريره وتنقيحه فهي الطبعة الثالثة التي تزيد كثيرا على الطبعة الثانية. والله من وراء القصد مصر الجديدة يوم الاثنين محمد إبراهيم الفيومي ٧ صفر سنة ١٤٠٢ ٢ أكتور ١٩٨٢

стр. 5

مقدمة الطبعة الثانية: نفدت الطبعة الأولى في العام الأول من طبعه، وكنت غير راضٍ عنها إخراجا وتحريرا؛ لأني لم أشرف عليه حال طبعه حيث سافرت إلى جامعة قطر. لذلك تأتي هذه الطبعة وقد حرر فيها وزيد عليها وتلافينا بقدر الإمكان ما انبثَّ بين سطور الطبعة الأولى من أخطاء، ولولا أن الطبيعة الإنسانية تتميز بأنها تصيب وتخطئ وهي في صوابها تعمد إليها وتتحراه وفي خطئها لا تعمد إليه ولا تتحراه إنما تندفع إليه حين تتخيله أنه صواب لولا ذلك لقلنا: إنه جاء غير منقوص. والله ولي التوفيق محمد إبراهيم الفيومي مصر الجديدة يوم الخميس الموافق: ٥ رمضان ١٤٠٠هـ ١٧ يولية ١٩٨٠م

стр. 6

مقدمة: أما قبل: فمنذ أن كان للشرق تراث كان ينقسم قسمين: - قسم مقدس. - وقسم غير مقدس. أما القسم المقدس؛ فهو الذي أوحى الله به للإنسان أي: ما كان أصله الوحي الإلهي. وأما القسم الآخر: فهو ما سوى ذلك. ونعني بصفة التقديس: ١- أنها تشتمل على معنى تعبدي. ٢- أن الإنسان مطالب بعدم ردها. ٣- أنها محددة من حيث الاتجاه العام بأوصاف معينة: فهي من حيث الزمان: لا يُسأل عنها الإنسان إلا في سن معينة، ومن حيث المكان: يتعين على الإنسان في عبادته أن تكون نحو مكان معين. ويرتبط الإنسان بها من خلال مستوياته العامة: من مستواه العقلي إلى مستواه الوجداني وتبرز في سلوكه تطبيقًا عمليًّا. ولها أركانها المكونة لها من حيث أساس بنيانها: الركن الأول: الله، والركن الثاني: الوحي، والركن الثالث: الرسول. والتراث المقدس يرتبط بالمادة والروح معا غالبا. وتصبح الصفة العامة للتراث المقدس: أنه موضوع للعبادة أو للتعظيم مثل الكعبة والحجر الأسود؛ فإنها مثل للتعظيم وليست للعبادة. والعبادة تقتضي: عابدا ومعبودا وعلاقة: عابدا: وهو الإنسان، ومعبودا: وهو الله، وعلاقة: وهو الرسول.

стр. 7

والإنسان مع التراث المقدس بين أمرين: - لأنه إما مؤمن. - وإما غير مؤمن. فنلمس هنا أننا أمام أمرين: إما وإما، أي أننا في حرية من حيث الاعتقاد في التراث المقدس، ولكن حرية الاعتقاد مقرونة بالتخويف والوعيد وسوء العاقبة والطرد من رحمة الله. فعدم الإيمان على المستوى النفسي: يؤدي إلى تهويش في الرؤية نحو غد الآخرة، هذا من حيث مستوى الإنسان النفسي. ومن ناحية عضويته في الهيئة الاجتماعية: نراه -أيضا- مهددا بالطرد منها، وغير مشهود له بالعدالة، وقد تنادي بعض طبقات الهيئة الاجتماعية بحل دمه، فلا رفق ولا لين -من ناحية الهيئة الاجتماعية- مع مريض الإيمان؛ لأن هذا المرض الذي يلم بصاحبه تنتشر عدواه في المجتمع، وهو من الأمراض الخبيثة التي يرى المجتمع أنه يجب عليه مكافحتها، ويحجر على من في قلوبهم زيغ مخافة الفتنة، هذا من ناحية عضويته في الهيئة الاجتماعية. أما من حيث صلته بتراثه التاريخي: فهو بموقفه الرافض للإيمان يشق عصا طاعة تراثه، وتلك وصمات سياط قاسية يتعرض لها من يزور عن الإيمان ويجاهر بازوراره. ونرى حالات شتى لمن توقفوا بين الإيمان وعدمه؛ فنرى منهم من التزم الصمت بعدم المجاهرة مع دأبه في البحث والمطالعة مثل: الإمام الغزالي، الذي قال واصفا حاله -عندما انتابته هذه الحالة- حالة تهديد إيمانه الراسخ- "مكث على هذه الحالة قرابة شهرين بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال" أي أنه ظل صامتا دأبه على البحث عن جسر الحقيقة، ثم انتهى بعد مرحلة صمته إلى نتائجه الإيمانية التي ربطته بالهيئة الاجتماعية وبعقيدته وتراثه التاريخي، وجعلته عن جدارة يُوصف بحجة الإسلام. ويبدو أن الغزالي كان يرى وصفه بذلك اللقب حقا في نفسه، وذلك عندما قال في كتابه "المنقذ" لما رأى حالته وما هو عليه من قلق في حله وترحاله قال: وارتبك الناس في الاستنباطات وقالوا: عين أصابت أهل الإسلام.

стр. 8

أي أن ما أصاب الغزالي أصاب أهل الإسلام، وعلى أي حال هذا نوع من الإسراف في فهم الذات، وإلا فكيف نفهم أو يفهم الغزالي: أن ما طرأ عليه -من اضطراب أو قلق في أهل الإسلام؛ هذا صنف. وهناك نوع آخر من الناس تلابسه تلك الحال -حال التوقف في مسائل الإيمان- التي تراهم يهربون منها وبها إلى آراء فلسفية ويلبسونها ألبسة دينية، وفي النهاية لا ندري أهي فلسفة أو دين؟ وعلى أي حال هو نوع من الملق الفكري الاجتماعي يلجأ إليه صاحبه حذر التنكيل به أو اضطهاده من قبل الهيئة الاجتماعية، وقد عرف التاريخ الفكري هذا اللون أيضا وحفظ شعاره وهو: التوفيق بين الفلسفة والدين، وهو شعار طريف فيه طرافة ومتعة للعقل بيد أننا من ناحية النقد العقلي أو العلمي نراه هشًّا ومهوشًا؛ لأننا فيه نساوي بين ما هو مقدس -ونحمل أنفسنا على الدينونة به- وما هو غير مقدس نرى فيه حريتنا الفكرية وذاتيتنا وتمردنا. فهل يا ترى أي الصفتين أردنا إلباسها بالأخرى؟ هل أردنا إلباس صفة التقديس للفلسفة أم أردنا إلباس صفة البشرية للدين؟ على أي حال جانب الطرافة واضح وجانب التهويش في القضية أوضح، لذلك قلنا: إن هذا اللون من الملق الفكري للهيئة الاجتماعية وفي الوقت نفسه توسعة في مفهوم المقدس، وفي توسعة مفهومة جور على العقل والدين. بعد ما سبق نرى: أن التراث المقدس ضروري، وتظهر ضرورته في حياة الإنسان الدينية وفي المجتمع حين لا يحجر على الفرد إلا بعد مجاهرته بعدم الإيمان، وأما حقيقة العقيدة فهي تحدد في المستوى النفسي وأمام الله. على أن التراث المقدس وهو ما كان من الله أو من رسوله، وصفة التقديس تطلق حقيقة على ذلك شكلًا وموضوعًا. وأصبحت القاعدة في مصدر المقدس وغيره قولهم: كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب الروضة الشريفة. تبدُّل مفهوم المقدس: ثم تبدل مفهوم المقدس في نفس الإنسان وفي علاقته به، وكما لاحظنا أن الالتزام بالمقدس شيء ضروري، وأنه ليس بالهين ولا باليسير على الإنسان تركه،

стр. 9

ولا سيما أن تركه فيه ما يعرضه لمصاعب نفسية واجتماعية لا يقوى على تحملها فسوف يكون في تحملها انتحاره. وعلى الرغم من أن المقدس تكتنفه تلك الصعوبات أو كما وصفه القرآن بقوله١: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ . وقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ٢. نقول: على الرغم من تلك التبعات وجد بجانب الأديان الصادقة والنبوءات الصادقة أديان كاذبة؛ أي: وجد بجانب المقدس الحقيقي مقدس غير حقيقي. معنى ذلك -كما يفيدنا التاريخ- أن في الإنسان جانبا يحب الالتزام ببعض المبادئ وعليه أن يرعاه بالاعتقاد المقدس، فطلبا لحاجات الإنسان الروحية تبني متنبئون كثيرون هذا الجانب وأثروه بما شاءوا له من ثروات وبما طاب لهم من قول. فالنبوءات الكاذبة توسع وتخييل في مفهوم المقدس، وقلنا: "توسع"؛ لأنها في حقيقة الأمر ليست من عند الله، لا وحيًا ولا تكليفًا، وتبين لنا في وضوح أن وجود الشيء المقدس الذي حمل الإنسان نفسه عليه كان لا يرى فيه أنه يلغي حريته؛ لأن عدم وجوده دعاه إلى طلبه وأعانه عليه شعوره بالحاجة إليه. كذلك النبوءات الكاذبة: هي التي شلت العقل الشرقي عن أن يتابع وظيفته، وكان دور العقل معها شاقًا وعسيرًا حينما عزلته عن مناقشتها أو حتى عن فهم رمزها كما عرضت الأنبياء الصادقين لمحن القتل والاضطهاد وهم بصدد تحرير الفكر البشري والتشريع الإلهي من زيف المزيفين، وقد لبست النبوءات الكاذبة ثوب الصادقين؛ لتلبي حاجة الإنسان الضرورية إلى المقدس الحقيقي، وفي ذلك كله ما يؤكد أن في الإنسان حبًّا وميلًا طبعيًّا يدفعانه إلى الالتزام بمبادئ مقدسة إن غابت يبحث عنها في نفسه ويصاب بالقلق إن لم يجدها، ويبحث عنها المجتمع إن غابت عنه؛ فهي عامل أساسي في بنائه وتوجيه علاقاته.

стр. 10

ويصبح التاريخ في سيره من غير النبوءات الصادقة عاجزا عن السمو نحو الله. فالنبوءات الكاذبة شاركت في تزييف معتقدات الإنسان الدينية وألهته عن معتقداته الصادقة، ووسعت مفهوم المقدس حتى انحرفت بعبادة الإنسان الصحيحة إلى شتى الأنماط؛ كالنار والكواكب وغيرها، وعلمت الإنسان الشرقي كيف يخضع عن ذلة لغير الله، وأن الشرق -من الناحية التطبيقية- لا يحكمه إلا مستبد؟ وكيف يستبد وهو يعدل؟ وهو أيا معنى من معاني النبوءات الكاذبة التي عودت الإنسان الشرقي أن يخضع لغير الله باسم الإنسان المعصوم من الخطأ وهو العادل. بهذه الأوصاف التي ألبسها المزيفون عليه آمن الشرقي بأنه حقيقة وليس أسطورة، وبات يمني نفسه به كما منى "الفارابي" به نفسه في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة"، وما زال بيننا من يعتقد في حكم المستبد العادل، وهو على أمل اللقاء به، وما زال ينتظره باسم المهدي المنتظر، أو الإمام المعصوم، أليس هذا المستبد العادل -المثل الأعلى في نظرية الشرق السياسية- يماثل نظرية الحزب الواحد في روسيا الشرقية من حيث الاهتمام بالرأي الواحد، وعدم الخوض في تصرفاته بالتعديل أو النقد، وعلى الإنسان -أخيرا- أن يقدم ولاءه للحزب فقط أو المستبد العادل، وأن ما لدى الحزب من آراء تماثل المقدس. وفي النهاية: إنها رؤية واحدة لرأي واحد، وما وراء ذلك كله من تخويف وإرهاب، وذلك عين التطرف والاستبداد المقدس فالإنسان الشرقي -هو رائد في حضارته العصرية- حكم نفسه من خلال تراث تاريخي مزيف وهو نظرية الواحد المستبد العادل، وهذا لون من التوسعة في معنى المقدس على المستوى السياسي. ووثنية الإغريق تعني من جانب الإنسان: إشباع حاجته الضرورية إلى إيجاد معنى المقدس في حياته، ورحلات فيثاغورث وأفلاطون إلى الشرق ساعدتهما على أن يرفضوا وثنيتهم؛ ليحلوا بدارهم وفكرهم فكرة: مثال المثل، أي: الذي لا يتغير ولا يتبدل، وهو المثال الأعلى الذي تتحول الإنسانية إليه محاولة العود إلى ما كانت عليه في رحاب الله. هذا توسع في مفهوم معنى المقدس، ومحاولة منهم لإيجاد صورة

стр. 11

طبق الأصل لما عليه الدين الحق، غير أنها في النهاية تفتقر إلى شعار خاتم النبوة؛ ليجيز معناها الحقيقي المقدس، على أي حال نرى في فكرة أفلاطون الفلسفية تمردا حقيقيا على الوثنية؛ لأنه كان يرى أن الوثنية إن صحت عقيدة شعبية، فإنها لا تصح عقيدة للفلاسفة الكبار أو حتى صغار الفلاسفة. هدف فكرة أفلاطون الفلسفية -ذات الطابع الديني الشرقي- السعي بها إلى تنزيه الله عن مستوى الفكر الفلسفي، عن مستوى العقيدة الشعبية الوثنية، وشاعت فكرة أفلاطون على يد من بعده من الفلاسفة الذين رضوا لأنفسهم أن يأخذوا بفكرته، ثم راحوا يطبقونها على القرآن، الذي أنزله الوحي الإلهي، وقالوا: إن ما فيه يلائم الحياة الروحية السائدة بين العامة وذوي السذاجة في الرأي، أما العلماء المستنيرون فيرون -من وراء استبطانه وما يعين عليه الإدراك- أن ما فيه حق وصدق، وهم أهل التأويل، ومنهم أهل التوفيق بين الفلسفة والدينن الذين يرون أنه ليس من المصلحة الدينية أن يكشف للعامة. أما من ناحية الموازنة العامة بين أفلاطون وأهل مدرسته من بعده فإنا نرى في موقف أفلاطون جدوى وله مسوغاته، وهو تمرده على الوثنية الإغريقية، أما موقف هؤلاء الفلاسفة كالفارابي مثلا: فإني رجوت نفسي أن تفهمه أو تنظر جدوى رأيه فتأبى عليها أن تفهمه، وتحصل لها من البحث في جدواه أن فيه من التقليد والتعصب الذي بجانب عقل الفيلسوف أو المفكر ما فيه. رُوي عن علي: وقد سئل: هل خصكم رسول الله بشيء؟ فقال: "ما عندنا غير هذه الصحيفة، أو فَهْمٌ يؤتاه الرجل في كتابه"، فعلاقة المقدس الحقيقي بالإنسان هي كما قال على: "فهم يؤتاه الرجل في كتابه" من غير مصادرة، أو تمييز خاص؛ لأن معايشة فهم كتاب الله حق للجميع بشروطه. على أي حال شاركت نظرية أفلاطون في مجال السياسة، فخلقت حرية الرأي واحترامه، أو الرأي ومعارضته، فلا يكافح أحدهما الآخر. وكان هذا معنى من معاني الديمقراطية اليونانية. ومن الذين توسعوا في "مفهوم المقدس" أولئك الذين دعوا إلى عبادة الوثنية في شتى أشكالها:

стр. 12

فمنهم الذين دعوا إلى عبادة الكواكب، وربطوا مصير الإنسان بمطالعها وإن ميلاده مرتبط بالمصادفة، فهو إن صادف ميلاده سعودًا في طالعه فهو سعيد، وإن صادف نحوسًا في طالعه فهو نحس أو شقي، فعبادة الكواكب خلفت: مشاكل الجبر، والتسيير، والمصادفة، والحظ، وفيها مصادرة حقيقية لحرية الإنسانية، وأصبح الوجود معها يشكل حرجًا في الوجود الإنساني، ومع ذلك عبدها الإنسان، واستلطف الارتماء في أحضانها، واستعذب شقاءه في عبادتها، فجبلته على رضا فيه معنى المذلة حين منحها الإنسان معنى المقدس الذي لا رد فيه ولا مراجعة. ومع ذلك وجد من الإنسان من ثار على ذلك النوع من العبادة، ورد للإنسان حريته واعتباره، فاستحدث السحر؛ ليلغي به سيطرة الكواكب عليه وعلى مصيره. وبالسحر استطاع الإنسان أن يعلن سيطرته على الأرواح ومدى قدرته على تسخيرها، ألهمته عرفانا بالغيب وأعانته على قضاء حوائجه، فغير بها من مستقبله ورفع بها من عظمته، وألغى من حياته سيطرة الكواكب عليه، وبوساطة السحر استبانت قدرة الإنسان في تمرده على عبادته. ولأول مرة تقع دولة الأرواح مستعمرة للإنسان، يجندها لخدمته، ولا تقوى على النفور منه إلا برسالة إلهية، قام بها نبي الله موسى، وذلك حينما بات الناس في خوف وعدم أمن من كيد السحرة، فرهبهم الناس، أي وقع الناس -وهم يفرون من سيطرة الكواكب- في أسر السحرة، ودخل الإنسان مرة ثانية تحت سيطرة الإنسان وهو من نوعه وجنسه، خوفا من سحر السحرة وألاعيبهم، وبه اقتناع أن عبادة الأرواح أصبحت غير مجدية إلا عن طريق سحرة وإرضاء أهوائهم فأصبح السحر يؤدي إلى نوع من الاستعباد للإنسان. ومن ثم اقتضت الحكمة الإلهية -وهي دائما تقف بجانب الحرية الإنسانية- أن ترسل رسولا؛ ليبطل كيد السحرة ويحقق الحرية الإنسانية التي لا تدين لغير الله. ودائما رسالة الله ترعى الإنسان في حريته وفي عبادته وما توحي به لا سيطرة لأحد عليه، وليس عليها قيم سوى كتاب، وأما من يدعي القوامة على كتابه فإنه يدفعه إلى ذلك حبه النفسي لأن يكون شيئا في الهيئة الاجتماعية.

стр. 13

وفي عبادة الحجر والشجر وأشكال الوثنية المختلفة توسع من الإنسان في معنى المقدس، ونلاحظ من وراء توسع الإنسان في الرمزيات المقدسة شيئا جوهريًّا يدفعه؛ ليحدث هذا التوسع؛ ذلك هو: شعور الإنسان بإرادته وحريته وخوفه من الكون وليس حبه له. وعلى رداءة الوثنية في مظهرها نجد أن معنى الحرية الإنسانية كامن فيها، فالإنسان الوثني شاء أن يقدس، فصنع إلهه، واختار حجره، ومثل شكله، وحدد مكانه، فأقامه، ثم إن شاء أن يستبدل بحجر آخر أو بشكل أحسن، ثم إن شاء الإنسان الوثني أن يسخر من إلهه، فعل غير مبالٍ لمعنى تقديسه فهنا سيطرة للإرادة الإنسانية على ما صنعت من رمزيات المقدس. لكنها حرية وجلة ذليلة حين منحت عظمتها لرمزيات ضئيلة لا تغني عنها شيئا ولكن لماذا فعلت ذلك؟ نرى -من وجهة نظرنا- أن التوسع في مفهوم المقدس يرتبط أيضا بمعنى الخوف المتزايد عند الإنسان الشرقي، وذلك حينما عجز الإنسان عن فهم الكون، ثم خافه فقدسه، فصفة الخوف من الكون استغلها دعاة الأديان الوضعية المتعددة في الشرق؛ فالديانات الوضعية المتعددة وراءها نزعة الخوف الناشئة من عدم تعقل الوجود. فالإفراط في المظهر التقديسي للأشياء مظهر من مظاهر الخوف. والتوسع في مفهوم المقدس: فيه راحة لوجدان الشرقي، وإلغاء لعقله وإلا فلماذا توسع في المقدس وهو يعلم أن التوسع ليس من مصلحة العقل. لذلك نقول -ومن غير إفراط- فيما نقول: إن الشرقي عندما يعجز عن فهم الشيء يخافه، ثم لا ينصرف عنه حتى يخلع عليه أثرا من آثاره النفسية، وهو التقديس، ومن خلال نزعة الخوف الكامنة في نفسه من الوجود تسهل قيادته، كذلك يتميز الشرقي بالإسراف في فهم ذاته، وذلك من خلال نصوص مقدساته فلا يكف عن نجوى ذاته بها. فاليهودية تقول: نحن أبناء الله وأحباؤه، نحن شعبه المختار. والمسيحية تقول القول نفسه مع اعتقادهم بأنهم أمة الخلاص.

стр. 14

والمسلمون على حالهم هذا يقولون: "خير أمة أخرجت للناس" من غير أخذ بالقرآن الذي يهدي للتي هي أقوم. فهو لا يحب أن يفهم ذاته من خلال واقعها ويواجه أخطاءه، وهو لا يحب أن يفهم ذاته فقط إنما يتعالى على فهمها ويعتبر كل من يشير إلى خطئه متحسسا العورات. فالتعالي عن فهم واقع الذات خلق له من الأسباب ما يسوغه مثل: تسويغ الأخطاء، كأن يسوغ الشعب أخطاء الحاكم وهو يعلم أنه ينافقه. وإلقاء المعاذير أسلوب لازم للمنطق التسويفي. ومن ذلك كله الإفراط في أساليب المجاملات. كل هذه خصال وادعاءات، تخدم التعالي وترفع من شأن الفردية في نفس الشرقي؛ لأنها أساليب نابعة من نزعة الخوف، تشيع في نرجسية الذات غرورة واستبدادًا، دون أن تساعدها على فهم أخطائها، وليس ذلك يعني أن الإنسان الشرقي ليس عنده طاقة تمييز الخطأ من الصواب، قطعًا لا نعني هذا، إنما نعني أن عنده قدرة التمييز، إنما يغلب أسلوب التسويغ والمعاذير والمجاملات على مواجهة المخطئ بما أخطأ فيه، ولذلك نراه فيما بعدُ يحكى العمل نفسه ثم يصفه بالخطأ -الذي سوغه من قبل- على شكل رواية تاريخية، وبعد أن يزول عامل القهر مصدر خوفه. فإذا قدر للشرقي أن يفهم قبل أن تحتويه نزعة الخوف تمرد وغلب وسيطر، وذلك كان منه على حِقَبٍ متطاولة في تاريخه، وسوف أسوق مثالًا شاهدًا على ذلك وهو منهاج الإسلام. تعثَّر الشرقي كثيرًا وهو يبحث عن ذاته من خلال الديانات المتعددة، وبينما هو يتعثر عثر على حقيقته في نظام الإسلام ومنهاجه، ووجد فيه ما يجيب على أسئلة شتى، استغلق عليه فهمها، خلال رحلته الطويلة في البحث عن حقيقته، وفيه ألفى ما تتجاوب معه النفس الإنسانية من حيث هي نفس إنسانية؛ لأنه -وهو الصيغة النهائية لسلسلة الوحي الإلهي- قدم المزيد مما يساعد الإنسان على تفهم حقيقته من خلال واقعة وجوده، وعلاقاته بالله. وأن شرعية مبدأ التوبة في حد ذاته ألغى تصوراتنا عن

стр. 15

الإنسان الملائكي وإمكانية وجوده، ومعنى ذلك أن على الإنسان أن يفهم ذاته من خلال بشريته أو من خلال قول الرسول: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". لذلك نرى أن الإسلام ركز على أمور نبرز منها: أولا: حدد مفهوم المقدس من غيره، وحدد مصدره وهو الله وما أوحى به إلى رسله، وبذلك التحديد كفل للعقل مجاله وحريته. ثانيا: سد الطريق على كل متنبئ بقوله ﵇: "أنا العاقب فلا نبي بعدي". وقوله تعالى١: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ . وتلك مكرمة الإسلام الحقيقية؛ لأن هذا المبدأ الذي قرره الإسلام حمل العقل الإنساني مسئولية الكفاح ضد الذين يحاولون أن يعوقوا من مسيرة العقل الإنساني باسم التنبؤ أو باسم الأوصياء الشرعيين من قبل الله، وأبطل قول كل من يدعي العصمة، ولا يفيد معنى انتهاء النبوة انتهاء الدين؛ لأن الحياة الدينية باقية ببقاء الوحي الإلهي وهو القرآن وسنة نبيه. ثالثا: دعا الإسلام العقل إلى أداء وظيفته، ووظيفة العقل في نظر الإسلام: أن يقوم بعبء وظيفته الشرعية، وهي الفهم، والتدبر، والتفكر، وألا يدع وظيفته هذه لأي مضلل ينهاه عنها. قال تعالى٢: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ . بذلك أرشد العقل إلى أخص وظائفه: وهو الفكر، حتى ولو كان في القرآن أو في مصدره. وكان هذا الوضع طبيعيا من دين ألغى طريقا طويلا ازدحم فيه متنبئون كاذبون، وإنها لدعوة استجاب لها التاريخ نفسه على مستواه العالمي.

стр. 16

رابعا: ألغى الخوف الذي يدفع الإنسان؛ ليتوسع في المقدسات بقوله تعالى١: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ . بذلك رفع عن كاهل الإنسان عبء الخوف الدافع إلى الذلة؛ ليحل محلها الخشية لله فقط، فرد بذلك إلى الإنسان اعتباره. خامسًا: يعتبر الإنسان في نظر الإسلام "خليفة الله"، وصور الرسول مهمة هذا الخليفة بقوله: "لو تعلقت همة ابن آدم بما وراء العرش لنالته"، ومعنى ذلك أن على الإنسان أن ينهض بعبء خلافته، وأن عليه في سبيل ذلك: الأخذ بمبدأ الشورى الذي قرره الإسلام، فإن سلك سبيل الإسلام ألغى الحكم الفردى من طريقه وكل تصوره عن المستبد العادل. والله -وهو حقيقة العقيدة الإسلامية- ليس جبارًا ولا متحيزًا للمسلمين، كإله اليهود أو أي إله في أي دين؛ إنما الله في الإسلام هو من تتحدث عنه آياته في الكون حديث العقل تارة وحديث الوجدان تارة أخرى، وفي ذلك كله ما يؤكد المعرفة في النفس الإنسانية، ويعين الإنسان على تفهم وجوده في واقع الوجود. فعقيدة المسلم قوة من الحب، وليست ضعفا من الخوف، فجعلها الإنسان حين حملها مما يتفتح بها عقله ويطمئن إليه وجدانه. أما حين تخلى عن رسالة الإسلام -وكفاه منها انتسابه الأسمى إليها- فإنه تردى إلى طبيعة الخوف، فجبن دون مسئوليته أمام الإسلام، وانقاد مع الخرافة التي تسللت إلى مخاوف، وأعانته على توسعة معنى المقدس مرة ثانية، وتلك مرحلة يقاسيها دعاة الإصلاح. بذلك كان الدين الإسلامي بما قدمه للعقل الإنساني -من بين سائر الأديان التي حفلت بها المنطقة العربية- هو الصورة الوحيدة في التاريخ التي تجاوبت معها الإرادة العربية.

стр. 17

أما الآن فإن الإرادة العربية متخلفة كثيرًا عن فكرها لعوامل كثيرة ترجع -في نظرنا- إلى نوع الولاء والحكم، فبعض هذه الدول محكوم بعصبية الزعامة الأسرية، والبعض الآخر، محكوم بعصبية الزعامة الثورية، وفي الشكلين معًا كان ولاء الحاكم لنوع عصبة انتمائه، أما الولاء للشعب فغير متبادل بينهما إلا بما تحتمه ضرورة المجاملات، وإذا كان الفكر لا يعرف ولاءً غير ولائه الإنساني، فإن نظم الحكم عاقت تجاوب الإرادة معه، وفي هذا كله ما يعوق النهضة العربية الإسلامية عن بعضها الحقيقي، لكن متى تتجاوب الإرادة العربية؛ لتقوم بعبء رسالتها مرة ثانية؟ دكتور/ محمد إبراهيم الفيومي مصر الجديدة في ١٠/ ١١/ ١٣٩٩هـ. ١/ ١٠/ ١٩٧٩م.

стр. 18

الباب الأول: الشرق السامي وحدة حضارية ودينية مدخل ... الباب الأول: الشرق السامي وحدة حضارية ودينية مفهوم الشرق وأهمية دراسته: إن التصورات حول انقسام المعمورة إلى غرب وشرق، قد تشكلت -على ما يبدو- في غزو الإسكندر للشرق، ثم أخذت تظهر مع عصر الحروب اليونانية- الفارسية، وبدأ الصراع يزداد مع الصراع الثقافي، وسيطرت على العقل اليوناني فكرة تصارع الهلينية والبابرة: الغرب والشرق، ثم أخذ الصراع بينهما يزداد في الاهتمام بتغير الفروق الحضارية من خلال الاختلافات الجغرافية والظروف الاجتماعية والتاريخية والثقافية. ومع تطور البحوث عن الشرق القديم ازدادت الحاجة إلى تحديد مفهوم الشرق في صيغة دقيقة متعارف عليها جغرافيا ويكون مفهوما تاريخيا حضاريا، وذلك في إطار قضية أوسع، وهي قضشية العلاقات بين الشرق والغرب. ولم يكن مفهوم الشرق في تصور العلماء المعاصرين قد تحدد جغرافيًّا ولا زمنيًّا بقدر ما هو مفهوم حضاري، ولم يكن بعدُ قد حصل على صيغة دقيقة متعارف عليها لدى المختصين بشئون الشرق القديم. فمفهوم الشرق بالنسبة للرومان، يعني كل ما يقع شرق إيبريا ثم أصبحوا في عصر الإمبراطورية يقصدون: مصر والأقاليم الواقعة في آسيا الأمامية، وكذلك جزء من تراقيا، ثم انحصر المفهوم بسورية فقط، ثم بدأ يتحدد مع بداية القرن التاسع عشر والقرن العشرين حتى شمل المجتمعات القديمة كمصر، وبلاد ما بين النهرين، وفلسطين، وإيران، ثم توسعت نتيجة الاكتشافات الأثرية التي جرت، وأصبحت تضم هضبة الأناضول والجزيرة العربية، ثم مجتمعات الهند والصين؛ وذلك تبعا للظواهر الاجتماعية المتشابهة. وإذا كانت عادة المؤرخين قد جرت على اعتبار أن التاريخ في المعنى الحقيقي للكلمة يبدأ بظهور النصوص الكتابية الأولى، أي في تخوم الألفين الرابع والثالث ق. م. وكل ما يسبق ذلك التاريخ قبل هذا الزمن فيطلق عليها ما قبل التاريخ، ولذلك فإن كل ما يتسنى معرفته حول هذه المرحلة يندرج اندراجا عضويا في نطاق تاريخ الشرق القديم.

стр. 19

وفي بدايات اللقاءات بين الشرق والغرب في العصر الحديث اصطلحت أوربا على تسمية الشرق القديم بالشرق الأدنى، وبصورة غير محددة على الجزء الجنوبي الغربي من آسيا المتاخمة لأوربا، ثم اقتبسته الولايات المتحدة وأضافت إلى رقعته بلدانا هي أقرب إلى الشرق الأقصى منها إلى الشرق الأدنى، وقد ظل هذا المصطلح الجغرافي -الشرق الأدنى- شائع الاسعمال حتى الحرب العالمية الثانية، وذلك كما يقول فيليب حتى: عندما أنشأت الحكومة البريطانية منطقة عسكرية تمتد من إيران إلى ليبيا وأطلقت عليها اسم الشرق الأوسط، وهو مصطلح كان حتى ذلك الحين يضم عادة الهند والبلدان المجاورة لها، ثم أنشئ بعد ذلك في القاهرة مركز تموين الشرق الأوسط، الذي أصبح فيما بعد مشروعا إنجلو أمريككانيا، وهكذا أصبح هذا المصطلح الجغرافي: الشرق الأوسط مصطلحا شائع الاستعمال، وتبرز أهمية دراسة الشرق الأوسط من عدة وجوه؛ من حيث موقعه الجغرافي: فهو يقع في المنطقة الذي يجعل منها مركزا للمواصلات الدولية التي تربط القارة الإفريقية بأوربا وآسيا. - إنه مهد أعرق حضارة توصل فيها الإنسان إلى أقدم الاكتشافات وأعظمها خطورة، وأبعدها أثرا في تقدم الحضارة الإنسانية. - وفيه أيضا نشأت ثلاث ديانات سماوية موحدة. - وأنه منطقة تضم أقدم الوثائق التاريخية حول حياة الإنسان القديم وأطولها بقاء في الزمن. لذلك خلف الشرق القديم للأجيال التالية تراثا غنيا من العلم والفن والأدب والفلسفة، وليس هناك رقعة جغرافية أخرى تناظره في حضارته توفر لنا سجلا حضاريا حرص الإنسان القديم على تدوينه؛ ليكون سجلا مطردا مثله استمر أكثر من خمسة آلاف سنة. لذلك تذهب الدراسات التاريخية الحديثة إلى أن تاريخ الشرق القديم هو: أول فصل من تاريخ البشرية الحضاري لما له من فضل السبق الحضاري الديني، والثقافي. كما أظهرت الدراسات التاريخية الحديثة أيضا أن لحضارات الشرق القديم أعظم التأثير على الحضارة الإغريقية الرومانية والحضارات العربية الإسلامية.

стр. 20

وليست دراسة الشرق القديم وليدة اليوم أو الأمس، فمنذ أن عرف الإنسان سبيله إلى كتابة التاريخ وظهر مؤرخون وحديثهم عن الشرق لا ينقطع، فقد تضمنت أعمال المؤرخين: اليونان والرومان القدماء معلومات قيمة حول تاريخ وحضارة وديانات المصريين القدماء والبابليين والفرس والهنود والعرب وشعوب أخرى، ولكن الدراسات العلمية الحديثة للشق القديم لم تبدأ في أوربا إلا عصر التنوير، وطوال القرن التاسع عشر بدأ العلماء يتجهون إلى أعمال البحث والتنقيب عن معالم الحضارات الدراسة فيما يظهر لهم من اللقى والآثار والنقود وما عليها من رموز كتابية، ويعكفون على فك ما يظهر لهم من كتابات حضارات الشرق القديم من الهيروغليفية، المصرية القديمة، والفارسية، والبابلية، والآرامية. ولقد أحدثت البحوث، التي جرت في مصر وبلاد ما بين النهرين وإيران والجزيرة العربية، نجاحًا جديدًا في مجال دراسة حضارات الشرق القديم؛ إذ تطورت طرق وأساليب القيام بالحفريات الأثرية، وارتقى المستوى النظري للدراسات والبحوث المكتبية، وأصبح علماء الآثار والمؤرخون، وعلماء اللغة، يستعملون طرقا جديدة تماما لمعالجة المصادر الأثرية والتاريخية، ويستخدمون بصورة واسعة منجزات العلوم الطبيعية وغيرها مما أتاح لهم تناول المادة على نحو جديد، واستخلاص معلومات غزيرة من أدلة الماضي التي لم تؤخذ سابقا بعين الاعتبار إطلاقا؛ فإن علم النباتات القديمة -مثلا- يتيح استرجاع الظروف البيئية التي كانت تعيش فيا القبائل الزراعية الباكرة، كما أن استخدام الوسائل التكنيكية الحديث لدراسة الأدوات تطورت تبعا لدرجة رقة أطرافها القاطعة. كذلك وتشكّل معطيات علم تاريخ اللغات أهمية فائقة بالنسبة لبحث بعض مراحل ما قبل التاريخ البشري، وهنا تجدر الإشارة بشكل خاص إلى بعض الفرضيات الهامة جدا التي طرحها العلماء السوفييت وإلى المشاريع التي يقومون بتحقيقها، وربما كانت أهم هذه الأعمال وأنجحها؛ البحوث المتعلقة بعلم اللغة التاريخي المقارن، وخاصة في مجال التشبيهات اللغوية البعيدة.

стр. 21

ومما تجدر الإشارة إليه: الإشارة إلى اكتشاف ما يسمى بمخطوطات البحر الميت في عداد أهم المكتشفات العلمية في القرن العشرين؛ ففي عام ١٩٤٧ عثر الفتى البدوي محمد الديب من عشيرة "تعامره" على لفائف جلدية مليئة بمختلف الكتابات في إحدى مغارات الشاطئ الشمالي الغربي للبحر الميت في منطقة مقفرة بوادي قمران "الأردن" التي أسفرت عن اكتشاف ٤٠ ألف قطعة من المخطوطات تمثل بقايا لحوالي ٦٠٠ من المؤلفات المختلفة التي تتضمن الكتب المقدسة والأسفار والمؤلفات الدينية التي وضعها أفراد طائفة دينية سكنت في هذه الأماكن المعزولة في أواخر القرن الثاني ق. م. واصطلح على تسميتها حاليا بجماعة قمران، إن مقتطفات كتب التوراة المكتشفة في وادي قمران تتيح تتبع تاريخ النصوص المقدسة، وهذه الكتب أقدم بخمسمائة سنة تقريبا من المخطوطات المعروفة، وتفتح فصلا جديدا في ميدان نقد التوراة، إن المؤلفات الهامة لجماعة قمران: الميثاق، والوثيقة الدمشقية، ملف الحرب، والأناشيد وغيرها، تعبر عن أيديولوجية هذه الطائفة الدينية المعارضة لليهودية الرسمية وعن نظرتها الاجتماعية، ومبادئها التنظيمية، وكان مؤسس هذه الجماعة وزعيمها الروحي شخص مجهول الاسم لقب بالمعلم الصالح، وكان القمرانيون يعتقدون أن الإله أودعه الأسرار المجهولة حتى للأنبياء. إن النظرات الثنوية والمهدوية والأخوية لجماعة قمران ومبادئهم الاجتماعية والتنظيمية قد مارست على ما يبدو تأثيرا كبيرا على تشكل الجماعات المسيحية المبكرة في القرن الأول الميلادي، من هنا كان اختراع الكتابة من أعظم منجزات العصر القديم، ولا يمكن المبالغة في تقدير أهمية هذا الاختراع، وكان القدماء أنفسهم يدركون هذه الحقيقة تمام الإدراك، فليس عبثًا أنهم اعتبروا الكتابة هبة من الآلهة فقد كان الإله طوط عند المصريين خالقا لفن الكتابة وراعيا له، وعند البابليين الإله نايو، وعند الهيليين الإله هرميس. ولم تصبح الكتابة مجرد وسيلة لحفظ وتخزين المعلومات وأداة لمساعدة الذاكرة البشرية المحدودة الإمكانيات فحسب، بل غدت كذلك قوة فعالة وعاملا من أهم العوامل لتحويل حياة المجتمع وثقافته، ومن المعروف أن ممارسة الكتابة والقراءة تغير طابع تفكير الإنسان المرتبط بها، ومع ظهور الدولة والكتابة يفصل العصر القديم

стр. 22

عن العصور البدائية ويشير إلى فجر الحضارة وبداية تاريخ البشرية الحقيقي، وتعتبر كتابة ما بين النهرين أقدم كتابة في العالم، كما اكتشفت في مغارات الصحراء اليهودية بعض المخطوطات التي تعود إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين والمدونة باللغات الآرامية والنبطية واليونانية، ونتيجة لأعمال التنقيب التي جرت خلال العامين ١٩٥٢، ١٩٥٣م في "ضربة مرد" وقعت في أيدي العلماء مخطوطات باللغتين السريانية واليونانية، وكذلك مخطوطات عربية تعود إلى القرون ٤-٨ الميلادية، ومقتطعات من المؤلفات الإنجيلية والأسفار الدينية والوثائق العملية، بل وحتى مقطع من مسرحية "يوريدبيدوس" اندروماخا -القرن السادس. إن مخطوطات البحر الميت ذات أهمية عظيمة بالنسبة لفهم العمليات التاريخية المعقدة التي كانت تجري في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط في أواخر القرن الأول ق. م، ومطلع القرن الأول الميلادي، فهي تلقي ضوءًا ساطعا على الوضع والظروف الاجتماعية والمناخ الديني والأخلاقي والفكري، الذي كان يكتنف عملية تكون المسيحية ولقيام لجنة دولية من العلماء أنشئت خصيصا لهذا الغرض١. ويبرز لنا من خلال نشاط علماء الآثار أن الشرق الأوسط يشكل وحدة حضارية ودينية يتسع مداها مع التاريخ، ويقوي تفاعلها الديني بين شعوبه، ويعتبر هذا الإرث الروحي يفوق هذه التقدمات المادية خطورة وأهمية وإن بدا ذا مظاهر وثنية فهو ينبئ عن عراقة الجانب الديني والعقدي في الإنسان وقوته في البناء الحضاري وتوجيهه.

стр. 23

الشرق وحدة حضارية ودينية: نسوق بعضًا من نماذج كثيرة ليتبين أن أعرق شيء في الأساس الحضاري هو الدين؛ من حيث هو حقيقة موجهة إلى الله، وإن كانت الطفولة البشرية تدنسه بمظاهر الوثنية. أ- حفائر البحرين: - خلال الفترة الواقعة بين أواخر الخمسينيات وبداية السبعينيات عملت في البحرين والساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية بعثة أثرية إنجليزية وهولندية مشتركة بإشراف ج. بيبي، والمعروف لدى علماء الآثار أن البحرين "ديلمون أو تلمون" كانت تشغل مكانا خاصا في التصورات الميثولوجية والتاريخية لسكان ما بين النهرين القدماء، ففي النصوص السومرية القديمة كانت هذه الجزيرة تسمى أرض السعداء وتعتبر بمثابة الجنة السومرية، وقد تسنى للعلماء أن يبرهنوا على أن البحرين لم تكن عند السومريين مركزا هاما للعبادة فحسب بل كانت أيضًا منطقة عبور هامة للتجارة البحرية التي كان يمارسها التجار السومريون والبابليون في الألفين الثالث والثاني ق. م. وعن طريق البحري كانت تعقد الصلات مع "مالوه" حضارة حوض السند، وعثر علماء الآثار في البحرين على بعض المعابد الضخمة لشعوب ما بين النهرين التي شيدت في الآلاف ٣-١ ق. م كما اكتشفوا عند الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة العربية عدة حضارات أثرية شبيهة بحضارة ما بين النهرين يرجع عهدها إلى الألف الرابع ق. م. كما أن لقايا الأختام المنبسطة الطلاسم من طراز "حرابا" تسترعي اهتماما خاصًّا؛ لأنها تشهد على الصلات النشيطة القائمة بين الحضارات القديمة للهند وسومر. ٢- حفائر جورجيا: - إن حفريات علماء الآثار الجورجيين في مدينة فاني -مدينة صغيرة تقع عند ثغر سولوري الرافد الأيسر لنهر فازيس القديم الذي يسمى حاليا ريوني- لا تزال مستمرة، ولا شك في أنها ستغني العلم بشواهد وأدلة جديدة وهامة حول الحضارة القديمة والفريدة لشعوب القوقاز، وقد أتاحت أعمال علماء التاريخ والآثار إعادة النظر في تقييم مساهمة منطقة ما وراء القوقاز في تطور حضارات الشرق القديم والحضارة اليونانية الكلاسيكية. ٣- حفائر تركستان: - وفي عام ١٩٥٤ بدأت دراسة الحضارات القديمة لتركستان الجنوبية لمعهد الآثار التابع لأكاديمية العلوم التركمانية برئاسة ف. ساسون، منذ عام ١٩٦٥م تجري دراسة شاملة للمركز الضخم لحضارات آسيا الوسطى القديمة، وقد أدرجت الآثار

стр. 24

المكتشفة في مدار المقارنات الحضارية الواسع مع معطيات الشرق الأوسط وهندستان التي تعكس الاحتكاكات والعلاقات الثقافية والاقتصادية القديمة، قد أتاحت إظهار عملية تطور الحضارة منذ المشاعة الزراعية المبكرة القديمة، وحتى المنظومة المعقدة ذات الطابع الديني، ففي ذلك الوقت كان هناك مركز عبادة ذو برج مدرج أقيم على غرار الزقورات السومرية، كما شهدت السنوات الأخيرة اكتشافات هامة في أراضي أوزبكستان أيضًا حيث إن بعثة معهد حمزة لتاريخ الفن طشقندة قد ساهمت بقسط كبير في دراسة تاريخ هذه المنطقة، وضمن الاكتشافات الجديدة يمكن الإشارة إلى المعبد البوذي الثاني الذي يقع داخل المدينة. ٤- حفائر: داريكا، أوزبكستان، طاجيكستان، أفغانستان: - لقد أطلق المؤرخون الإغريق على بالكتريا التي كانت تضم شمال أفغانستان وجزءا من منطقة سرحان داريكا أوزبكستان، وكذلك جنوب طاجيكستان -اسم بلد الألف مدينة، وخلال عشرة مواسم حفرية تم بصورة كاملة الكشف عن المعبد الذي يمثل تصميمه مخططا كلاسيكيا متطورا لمعبد النار الشرقي، وتتصل بإيوان المعبد من الشمال والجنوب حجرات خزانات للنار المقدسة وكانت تملأ بالرماد والفحم، وقد ساعد اكتشافه على توضيح الجوانب المبهمة أو المفاهيم الخاطئة حول التراكيب الهندسية لبعض معابد النار، وإن الكتابات اليونانية القديمة المنقوشة على أحد مذابح المعبد العديدة لتشير إلى أن المعبد كان يحمل اسم إله وكسوس الذي كان يقع على ضفته، وعلى مذبح آخر بقيت في صورة واضحة حروف يونانية، واستنادا إلى كمية كبير من المعطيات الميدانية تسنى للعلماء أن يبرزوا على نحو واضح دور التقاليد المحلية في نشوء الحضارة الهلينية البالكترية وإبراز شتى جوانب العلاقات بين شعوب هذه المنطقة ومختلف مناطق الحضارات القديمة الممتدة من الهند إلى البحر الأبيض المتوسط. وهكذا تبدو بوضوح تام العناصر المكونة للفن اليوناني البالكتري في ضوء المواد الأثرية المكتشفة في معبد أوكسوس التي تضم تقدمات الأهالي والسلاح والأدوات المستخدمة في الطقوس الدينية، وهي العنصر الشرقي الأصلي والعنصر الهليني.

стр. 25

المستورد والعنصر الغانداري المنصهر في بوتقة واحدة ضمن التركيب اليوناني-الهندي، ومن السمات المميزة الهامة لهذا العصر انتشار البوذية في بالتيريا، وبعض مناطق آسيا الوسطى. ٥- معطيات حفائر آسيا: - وتشير معطيات العلم المعاصر إلى أن آسيا كانت تضم ثلاثة مراكز أولية هامة للاقتصاد المنتج القديم كانت تقع في آسيا الأمامية وجنوب شرق آسيا وشرقها، وظهر في إفريقيا مركز واحد على الأقل "شمال شرق إفريقيا" كما نشأت مراكز ثانوية فريدة للزراعة القديمة ذات طابع خاص في أفغانستان وإيران وشبه الجزيرة الهندية وبعض المناطق الأخرى لقد كان مركز آسيا الأمامية من أقدم مراكز الزراعة المبكرة، وهو يمتد من آسيا الصغرى إلى الحدود العراقية الإيرانية. "جبال زجروس" ومن فلسطين حتى ما وراء القوقاز، وفي العديد من مناطق آسيا الأمامية كانت تنمو بعض أصناف الحبوب البرية والنباتات القرنية. وفي الألف السابع ق. م. مارس مركز الساحل الشمالي للبحر الأبيض المتوسط "فلسطين وجنوب غرب سورية"، والمراكز الواقعة في شمال سورية وجنوب شرق الأناضول وجنوبها وزجروس من شمال العراق حتى جنوب غرب إيران ومركز ما وراء القوقاز، بعض التأثير على المنطقة الإفريقية المجاورة له، وقد تشكل في جنوب شرق الأناضول وشمال سورية مركز مبكر للزراعة القديمة فريد من نوعه، وينقسم هذا المركز من وجهة النظر التاريخية للحضارة إلى منطقتين: جنوب شرق الأناضول، وشمال سورية، وكان سكان شمال سورية في العصر الحجري الحديث يجرون تبادلا تجاريا نشيطًا مع أهالي الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، إن هذه المناطق كانت تقع ضمن منطقة انتشار الزراع السوريين الشماليين، وأنه تشكلت هنا بالذات في النصف الأول للألف السادس الوحدة البشرية التي أرست بداية سكن واستقرار الزراع في مختلف أرجاء بلاد ما وراء النهرين.

стр. 26

أما المركز الصغير الثالث فقد كان يقع في جنوب الأناضول، وفي مطلع العصر الحجري الحديث تقاربت الجماعات القاطنة في هذه المنطقة حضاريا مع سكان جنوب شرق الأناضول وتأثيرهم. ٦- حفائر شبه الجزيرة العربية: - لقد كان مناخ الجزيرة خلال الآلاف ٦-٣ ألطف بكثير مما هو عليه الآن، وتوفرت هنا في العديد من الأماكن الظروف الملائمة لتطور الزراعة والرعي، وللأسف لا يزال تاريخها المبكر جدا غير مدروس حتى الوقت الحاضر، ولكن من المعروف أن مستوى مجتمعات الجزء الشرقي من الجزيرة العربية لم يكن أدنى إلى حد ملحوظ من مستوى حضارات ما بين النهرين، وكانت تزرع هناك آنذاك أشجار النخيل، وبعض النباتات الأخرى، وفي المناطق الداخلية للجزيرة العربية كان السكان يمارسون الرعي، ومع مرور الزمن استطاعوا تدجين الجمل ذي السنام الواحد. ٧- حفائر مصر: وفي مصر اكتسبت مراقبة الفيضانات وضبطها أهمية بالغة بالنسبة للزراع القدامى عندما بدأ المصريون بناء الأقنية وإقامة السدود والجسور والقناطر لمجابهة نزوات نهر النيل الهائج، وتنظيم منسوب مياه النهر، وأصبحت مصر العليا ضمن منطقة التأثير المباشر أو غير المباشر لمركز آسيا الأمامية، لكن أعمال الري الضخمة لم تبدأ إلا في عصر الفراعنة، وبفضل الانتقال إلى الزراعة والرعي أرسيت المقدمات المادية الثابتة لتشكيل الحضارة. ٨- دراسة تاريخ الكتابة: - منذ زمن طويل يعكف العلماء على دراسة تاريخ الكتابة، وبالرغم من أنه لم تتضح بعد أشياء عديدة في هذا المجال قد تسنى تحقيق الكثير فيه، فقد استطاع العلماء أن يبينوا كيفية نشوء بعض الأبجديات، وأن يتقصّوا أصل العديد من الأنظمة اللغوية وطرق تطورها، وأن يظهروا الترابطات والتعاقبات القائمة بينها، وهم يفترضون أن

стр. 27

أقدم الكتابات قد ظهرت بمعزل عن بعضها البعض، وذلك في عدة مراكز في مصر وبلاد ما بين النهرين "جنوب العراق" ثم في الصين خلال فترة لاحقة؛ ويبدو أنه كانت ثمة مراكز أخرى مبكرة لتشكل الكتابة في أوربا بشمال شبه جزيرة البلقان وفي شبه الجزيرة الهندية، بمنطقة وادي الهندوس. ٩- كتابة ما بين النهرين: - وتعتبر كتابة ما بين النهرين أقدم كتابة في العالم، وأغلب الظن كما يذهب علماء الآثار أن الفضل في اختراع هذه الكتابة يعود إلى السومريين، وهم شعب كان يعيش في جنوب العراق خلال الألفين الرابع والثالث ق. م. وفي أوقات لاحقة استخدمت هذه المنظومة الكتابية أيضا شعوب آسيا الأمامية القديمة الأخرى كالأكاديين والعيلاميين والإييلائيين والحيثيين والأوغاريتيين والأورانيين والفرس، وذلك بعد تبسيطها وتكييفها مع حاجات لغاتها، وقد استمر استعمال الكتابة السومرية أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وترجع آخر النصوص المعروفة المدونة بالخط السومري إلى منتصف القرن الأول الميلادي، أما أقدم هذه النصوص فتعود إلى حوالي عام ٣١٠٠ ق. م، وعلى هذا النحو فقد بدأ تاريخ الكتابة السومرية الأولية على تخوم الألفين الرابع والثالث ق. م، وبلغ خمسة آلاف سنة. - ويرى بعض علماء الآثار والتاريخ أن اكتشاف أواني بلاد ما بين النهرين في منطقة بعيدة يتيح الحديث عن وجود تجار سومريين في المستوطنات السورية والعيلامية، وحتى فصائل عسكرية سومرية كانت تقوم بحراسة طرق القوافل. - وعندما نقرأ الكتب نجد أنها تجسدت فيها روح العباقرة البشريين العظماء، ويجدر بنا أن نتوقف أحيانا ونذكر بالامتنان والعرفان رواد الكتابة الأوائل وأن نتصور ولو مرة واحدة يوما قائظا وبرجا مستديرا لعنبر يجلس تحت ظلاله نفر من الشيوخ شبه عراة يكومون الكرات الطينية بأصابعهم.

стр. 28

١٠- ديانة مصر القديمة: - وضع العالم السوفيتي كورستوفتسيف وهو عالم أثري تخصص في مجال المعربات كتابا عنوانه: "ديانة مصر القديمة"، ويتسم هذا العمل بالأصالة من حيث الاستنتاجات ويتميز بمستوى علمي رفيع وتحليل للنصوص، وقد أدخل الكثير من الأمور الجديدة على علم المصريات العالمي. ويتناول الكتاب بالبحث مختلف أوجه المعتقدات الدينية عند المصريين القدماء مثل عبادة: الرقى والطوطمية، واللاهوت، والكونيات، والتصورات حول الحياة الآخرة، ويؤكد المؤلف على أن نشوء الأديان هو عملية تاريخية، وأن الدين ذاته، وفي مصر بالذات هو بناء فوقي إيديولوجي يرتفع فوق القاعدة المادية للمجتمع، إلا أنه يكتسب بعد ظهوره نوعا من الاستقلالية تجاه النباء التحتي، ويبين المؤلف أنه لم تكن في مصر أبدا عقائد دينية واحدة لكل بلد، فقد كانت الديانة المصرية تمثل ظاهرة معقدة جدا تتجلى في المجتمع بين معتقدات متناقضة غالبا، ومتعارضة أحيانا، وقائمة في أوقات مختلفة وفي شتى البلاد. ١١- حفائر تل مرديخ: - في منتصف الطريق بين المدينتين السوريتين: حلب وحماة، تنتصب هضبة كبيرة تسمى "تل مديخ"، وفي مطلع القرن الحالي قامت بعثة أثرية فرنسية بحفريات اختيارية في موقع تل مرديخ، واتضح أن أهالي تلك المدينة الرئيسية لهذه الإمبراطورية التي قامت في آسيا الأمامية كانوا يتكلمون باللغة الكنعانية القديمة، التي تعتبر سلف اللغتين؛ الفينيقية والعبرية القديمة، وضمن الأديان التي كانوا يعبدونها كان الرب باوم يشغل مكانًا خاصًّا، كما تبين أن أحد ملوك المملكة المكتشفة حديثا كان يدعى إيبريوم، مما حدا ببعض العلماء إلى مقارنته بجد الساميين عبر، ونصادف في النصوص أسماء أعلام مثل: دل أو دو "داوود" وميكائيل وإسرائيل، وكذلك تسميات العديد من المدن الفلسطينية، وحتى مدينتي سدوم، وعمورية، ويبدو أن شعب إيبلا كان أول من استخدم الكتابة السومرية لتدوين لغته، ولقد

стр. 29

برع الإييلاثيون في استخدام هذه الكتابة إلى حد لا يقل عن السومريين والأكاديين ذاتهم، وكان شعب إييلا يعبد آلهة متعددة، وكان مجمع الأرباب يضم الآلهة الكنعانية القديمة مثل بعل وكيموش، وتذكر لوحات الأرشيف في إييلا حوالي ٥٠٠ من مختلف الأرباب، ويبدو أن "دجن" كان أهم رب عندهم والذي ظل يتصدر لائحة مجمع الأرباب الكنعانية، ويعني اسم "دجن": الغيمة أو المطر، أما زييش إله الشمس فكان شأنه شأن إله الرعد حدد عدا، والإلهان كورا وكاكاب كانا يظهران بصفة شاهد وكفيل لدى توقيع المعاهدات وعقدها، والإله كاشارو، والإله الكنعاني المشترك بعل، وهناك إلهان: رب الأنهار، وكانوا يعتبرون الرب دابر حاميا لمدينتهم، وهو الرب الذي يرد ذكره في التوراة، ولكن ليس كإله وإنما بمعنى "وياء الإله عقابه" من هنا يظهر أن العديد من الظواهر الحضارية والتاريخية التي عرفتها سورة وفلسطين إلى حضارات النيل والفرات مما يشكل معنى التزاوج الحضاري، ولا سيما وحدته الدينية. ١٢- بابل: - وإن السمة الأساسية لبابل كما يرى "دنداماييل" كانت تكمن في عدم غرس روح التعصب الديني تجاه معتقدات الشعوب الأخرى، وكان الغرباء المقيمون في بابل يتخذون أسماء بابلية مركبة تتضمن أسماء الآلهة مثل: ندنتو بعل هبة الرب بعل، وبعل ابن مخلوق الرب بعل، وقد كان البابليون يسمون أولادهم بأسماء مركبة من أسماء آلهة الشعوب مثل: متريدات عطية الرب مترا، نسبة إلى اسم الرب الإيراني، وإلى جانب ذلك فإن الشرق القديم لم يعرف الخلافات والصراعات القائمة على أساس ديني أو الحقد العرقي أو الشعور بتفوق شعب على شعوب أخرى، وكان الغرباء يندمجون بسهولة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية لوطنهم الجديد، وكان ذلك مثار إعجاب المؤرخ اليوناني هيرودت، فعلى سبيل المثال كان السورميون والأكاديون؛ وهما شعبان مختلفان من النواحي العرقية واللغوية والحضارية يعيشان جنبا إلى جنب في سلام في منطقة واحدة، وعلى قرون عديدة

стр. 30

إلى أن خرجت اللغة السومرية من حيز الاستعمال الواسع إلى لغة العبادة، والأدب والعلوم. أما السومريون أنفسهم فقد اندمجوا بالأكاديين في عملية تاريخية طبيعية، وكذلك عندما أنشأ الآشوريون إمبراطوريتهم الضخمة في القرون ٩-٧ ق. م أخذوا ينتقلون بالتدريج إلى استعمال لغة القبائل الآرامية، ثم اندمج الآشوريون بالآراميين، ويغدو تمازح وتفاعل عناصر الثقافات الشرقية واليونانية من أهم ملامح الحضارة الهلينية، ولكن بابل لم تقطع تقاليدها المحلية في عهد ملوك الفرس واستمرت الحضارة. ١٣- حفائر الشرق الأدنى: البابلية القديمة في تطورها الذي لم يتوقف بعد احتلال المقدونيين. بعد الاكتشافات التاريخية الأثرية العظيمة التي جرت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين في بلدان الشرق الأدنى ومصر وإيران والهند والتي جعلت الآثار الرائعة للحضارات القديمة في هذه البلدان في متناول العلم العالمي والحضارة العالمية، وساعدت على إعادة رسم لوحة التاريخ البشري في مراكزه الرئيسية، وأصبحت دراسة الجزيرة العربية تكتسب أهمية أكبر فأكبر باعتبارها واحدة من أبرز قضايا العلوم التاريخية المعاصرة، مهد الإسلام وأحد مراكز الحضارة البشرية غير المدروسة وتحولا من بلاد غامضة إلى بلاد معروفة، وتحديد مكانتها الحقيقية في المسار العام وللتاريخ العالمي، وإن الفحص التاريخي الأثري للقسم الشمالي الشرقي -البحرين- والقسم الجنوبي الغربي -اليمن- والبحوث التي تجري في أواسط الجزيرة العربية؛ قد بينت وجود مراكز قديمة للحضارات البشرية هناك أسهمت منجزاتها بقسط كبير في تاريخ الحضارة العالمية، وقد لعبت هذه المناطق من الجزيرة العربية دورا هاما في إقامة الاتصالات البرية والبحرية بين دول الشرق القديم، وفي عملية تبادل المواد الطبيعية والمصنوعات الحرفية والإنجازات الحضارية والتكنولوجية بين شعوب حوض البحر

стр. 31

الأبيض المتوسط والشرق الأدنى والأوسط والهند وشمال شرق إفريقيا في العصور القديمة، وكذلك في القرون الوسطى جزئيا، مثل هذه الصلات كانت عاملا هامًّا من عوامل الحياة الاقتصادية والثقافية خلال العصور القديمة والوسطى التي أعطت زخما لعملية التقدم العام، وأخيرًا فإن الجزئين الشمالي الشرقي والجنوبي الغربي من الجزيرة العربية لم يقعا على مفترق الصلات التجارية الدولية فحسب بل كانا -ومنذ أوائل العصر الحجري- حلقة وصل تارة ونقطة انطلاق تارة أخرى لحركات النزوح الكبيرة التي حددت في نهاية المطاف الملامح العامة للخارطة الحضارية واللغوية للشرق الأدنى والبلدان المتاخمة له، ولقد أسفرت الكشوف البحرينية: معبد مكرس لإلهة الخصب عشترم، ومعبد آخر لإله الشمس، ومعبد لإلهة الأمومة والحب، وتشير بعض النقوش إلى أن التقرب للآلهة تجزى وفاء النذر أو توسلا لغفران الذنوب المقترفة، وهذه النقوش تسمى "المسند"، وتعتبر مصدرا هاما جدًّا لمن يشتغل في تاريخ ولغة وحضارة جنوب الجزيرة العربية، وهي المادة الأساسية اللازمة لإعادة السند التاريخي لهذه المنطقة، ويرى علماء الآثار أن هناك تقاربًا بين لغة أقدم نصوص الكتاب المقدس للفرس القدامى أفيستا، والكتاب المقدس للهنود القدامى الفيدا، وكذلك بين ديانتيهما من حيث: التصورات، الجنة والنار، ومصطلحات الطقوس، وتقديم النبيذ للآلهة، والمشعل، والمذبح، والخلود، وعبادة الآلهة، والالتزام ... يذهب فان وديل -وهو من أوائل الذين عملوا في فك الرموز- إلى أن السومريين والآراميين في عصر الفيدي هم شعب واحد على أساس أنه قرأ أسماء الآلهة السومرية وأبطال ملاحم هندية من خلال ما عثر عليه من أصول سومرية لكلمات من مختلف اللغات الهنداوريين اليونانية والسنسكريتية والهندوسية.

стр. 32

نظريات ومذاهب في تحديد موطن الساميين الأصلي: اختلف المؤرخون حول موطن الساميين الأصل اختلافا كبيرا يدور على عدة مذاهب: أولا: المذهب الإفريقي يرى: أن الساميين نشأوا في بلاد أفريقية أول الأمر وأقاموا بها زمنا طويلا، ولما ضاقت بهم هاجروا إلى الأماكن التي استقروا فيها فيما بعد، ويبين أصحاب هذا الرأي رأيهم على أسس جسمانية فيقولون: إن هناك تشابها في الخلقة بين الحاميين، أو سكان أفريقيا، والساميين، وبخاصة من كانوا يسكنون جنوبي بلاد العرب. وينقسم أصحاب هذا الرأي إلى طائفتين: فطائفة تقول: إن الساميين كانوا مع الحاميين يسكنون شمالي أفريقيا في مصر وما حولها، وأن هجرتهم إلى آسيا كانت بطريق برزخ السويس. وطائفة أخرى تقول: إنهم كانا معا في بلاد الحبشة وإن هجرتهم منها إلى بلاد العرب كانت بطريق بوغاز باب المندب، هذا رأي دلت الدلائل على أنه ضعيف مردود؛ لأن التاريخ يذكر لنا أن أول هجرة للساميين كانت من آسيا إلى أفريقيا لا العكس، وأما ما عرف من تشابه بين الحاميين وبعض الساميين في بعض الصفات الجسمانية؛ فسببه أن الساميين سكان جنوب الجزيرة العربية اختلطوا هناك بالكوشيين المنحدرين من أصل الحاميين، لأنكوش من أبناء حام وتصاهروا معهم١.

стр. 33

ثانيا: المذهب الأرميني يقول: إن المواطن السامي الأصلي هو قاطن ببعض جهات أرمينية، ويرى أصحاب هذا الرأي، وفي مقدمتهم -أرنست- صاحب كتاب تاريخ اللغات السامية، الذي كتبه بالفرنسية؛ يذهب فيه إلى أن الساميين هاجروا أولا من جهات في مقاطعات أرمينية الواقعة حول إقليم أرمينيا الجبلي في شمال الكردستان الحالية، الواقعة شمال العراق، ويستدلون على ذلك بأدلة مستقاة من روايات التوراة، ومما نقل عن بعض أحبار اليهود. فهذا الرأي يوصف بأنه رأي نقلي؛ لأنه مأخوذ عن الغير، وليس له أي دليل، وهذا الرأي لا يمكن الأخذ به؛ لأنه أصبح من المؤكد الآن، أن مؤلف سفر التكوين، الذي هو مصدر تلك الروايات لم يستند فيما كتب إلى أدلة علمية يقنية، بل كان يأخذ المعلومات من أفواه الرواة والقصاصين، الذين ذهبوا في رواياتهم مذاهب شتى، غير يقينية فيما يتعلق بموطن الساميين الأصلي. يقول نولدكه المستشرق الألماني: قل أن يوجد عالم محقق الآن يعتقد أن موطن الساميين الأصلي هو الشمال الأقصى من بلاد العراق١. ثالثًا: الرأي التركستاني يذهب إلى هذا الرأي طائفة كبيرة، من مستشرقي أوربا، وفي مقدمتهم "فون كريمر"، يقوم هذا الرأي على نتيجة هامة؛ وهي: أن الساميين قبل تفرقهم، وتفرق لغاتهم الأصلية إلى لهجات مختلفة، كانوا يستعملون اسما مشتركًا فيما بينهم، ولكن لم يكن لديهم اسم عام مشترك للنخيل، ولا للتمر، ولا كلمة واحدة تدل على النعامة؛ أي أن الكلمات التي تدل على نخل، وتمر، ونعامة لا

стр. 34

توجد بصورة واحدة، ولا بصورة متقاربة في جميع اللهجات السامية، أما الكلمات التي تدل على جمل، فهي كلمة واحدة تقريبا في جميع اللهجات، واستنبط فون كريمر من هذه الظاهرة حقيقة جغرافية هامة، وهي: أن موطن الساميين الأصلي، لا بد أن يكون بيئة قد استوطنها الجمل منذ أقدم العصور؛ وفي الوقت نفسه لا تعيش فيها النعامة، ولا يوجد فيها نخل. ويوصف هذا الرأي بأنه رأى لغوي؛ لأنه يقوم على أساس لغوي بحت، ومن ثم يصعب على الباحث، المحقق أن يجعله القول الفصل في هذا البحث المشكل؛ فإن هناك أسبابا قوية تدعونا إلى الشك فيه، وتحول دون قبوله، وعده نهائيًّا في حل المشكلة. ومن بين هذه الأسباب: ما ذكره نولدكه شيخ المستشرقين، وهو: أن من الممكن أن نجمع عدة ألفاظ، تعد من الألفاظ العامة المشتركة، التي ورثتها جميع اللهجات السامية، والتي لا تنطبق مدلولاتها على أشياء واحدة في البلاد، التي يقول أصحابها هذا الرأي، أنها كانت موطن الساميين الأول، ولا في بلاد بابل، والتي يقال إنها موطن الساميين الأول. رابعا: الرأي العربي يتلخص هذا الرأي: في أن جزيرة العرب هي الموطن الأصلي للساميين؛ أول من قال بهذا الرأي هو: سايك الإنجليزي Sayce فقد ذكر في كتاب ألفه في قواعد اللغة الآشورية، وظهر في سنة ١٨٦٢ العبارة التالية: "إن جميع التقاليد السامية تدل على أن جزيرة العرب هي موطن الساميين الأول؛ فإنها البلاد الوحيدة التي تدل على أن جزيرة العرب هي موطن الساميين الأول؛ فإنها البلاد الوحيدة التي بقيت؛ أي لم يؤثر فيها نفوذ أجنبي يخرجها عن طبيعتها، وأن مميزات الجنس السامي؛ التي منها: القوة في العقيدة الدينية، والشجاعة الخلقية، وقوة الخيال؛ لا بد أن يكون مصدرها الصحراء، وفي سنة ١٨٧٣ أعلن شريدر الألماني الرأي نفسه في مجلة "تاس أو سلاند" بحث فيه العلائق الدينية، والجغرافية، والتاريخية، واللغوية، التي كانت تربط الأمم السامية بعضها ببعض، ثم وصل إلى النتيجة نفسها، وهي: أن بلاد العرب كانت مهد هؤلاء جميعًا قبل أن يتفرقوا، وفي سنة ١٨٧٥ نشر

стр. 35

سبرنجر الألماني Sprnger جغرافية بلاد العرب القديمة، يذهب إلى نفس الرأي. ولقد أيد "رايتر" الرأي القائل: بأن الهجرات السامية خرجت من قلب الجزيرة العربية إلى ما جاورها؛ فقد هاجرت جموع من العرب إلى سوريا، وما بين النهرين، واستولوا عليها؛ وقد حدث في القرون المسيحية الأولى أن استولى فريق من تجار العرب على مملكة "تدمر" غرب بلاد العرب، وأخضعوها لسلطانهم؛ وكذلك اقتسمت سهول سوريا الجنوبية ثلاث دويلات عربية هي: دويلات الغسانيين، والحيريين؛ وفي إبان الصراع مع الفرس، والروم كان الأكاسرة، والقياصرة يعتمدون على العرب المناذرة، حكام الحيرة، والغساسنة حكام الشام. ولهذه الهجرات يذهب المؤرخون إلى تمييز الساميين إلى: - الساميين الجنوبيين: بلاد العرب وأثوبيا. - الساميين الأواسط: يسكنون كنعان. - الساميين الشماليين: الآراميين في سوريا. - الساميين الشرقيين: في بابل وآشور. ولكن كلهم على السواء كانوا أولاد بيت عربي واحد وأواصرهم المتبادلة تبرز في وضوح في اللغة والدين، والثقافة١. وخرجت هذه الهجرات بسبب تصدع سد مأرب في الركن الجنوبي من الجزيرة العربية، الذي ترتب على تصدعه إغراق جميع الأراضي الجنوبية، وهجرة كثير من القبائل القحطانية إلى الشمال في العراق، والحجاز، والشام، وكان منهم المناذرة والغساسنة، والأوس، والخزرج. يقول فيليب حتى: والحجة الجغرافية بالنسبة للجزيرة العربية تقوم على أن البلاد صحراوية يحيط بها البحر من ثلاث جهات؛ ولذلك فإنه عندما يزيد السكان عن قدرة الأرض المأهولة الضيقة لإعاشتهم؛ فإنهم

стр. 36

يميلون إلى البحث عن مجال حيوي متيسر فقط في الأراضي الشمالية الخصبية التي تجاورهم؛ ويؤدي ذلك إلى الحجة الاقتصادية التي تقول: إن أهل الجزيرة الرحل كانوا دومًا يعيشون على ما يقرب من الجوع، وإن الهلال الخصيب كان أقرب مكان يزودهم بما يحتاجون إليه١. خامسًا: الرأي الديني يذهب المؤرخون القدماء إلى تقسيم الأجناس البشرية إلى ثلاثة أجناس: ١- الجنس السامي. ٢- الجنس الحامي. ٣- الجنس اليافثي. وذلك نسبة في رأيهم إلى أبناء نوح ﵇ الثلاثة، سام، حام، يافث على حسب ما ورد في الفصل العاشر من سفر التكوين، وقد قرروا أن أي جنس آخر لا بد أن يكون متفرعا من أحد هذه الأجناس الثلاثة؛ يقصدون بذلك أن جميع سكان الكرة الأرضية هم من نسل نوح؛ وقد بنوا رأيهم هذا على ما يستفاد من التوراة، من أن الطوفان الذي حدث في عهد نوح كان طوفانا عاما، شمل الأرض جميعا. وهذا الرأي الذي يستند إلى مصدر ديني؛ يتضمن حقيقتين؛ هما: أولا: أن جميع لغات العالم انحدرت من لغة واحدة، هي اللغة التي كان يتكلم بها أبناء نوح بعد الطوفان. ثانيا: أن جميع الشعوب البشرية، التي تسكن جميع أنحاء الأرض، قد انحدرت من أصل واحد، هو نوح ﵇ وقد ظل هذا الرأي سائدا حتى عصر النهضة الأوربية. سادسا: الرأي المتطرف وجاء عصر إحياء العلوم، والمعارف في مستهل العصور الحديثة، التي تقدمت فيها العلوم الطبيعية، وانتشرت المباحث البيولوجية، وتعددت المصادر التاريخية بالنقوش وغيرها من الآثار التي خلفها القدماء، فتغيرت وجهة الباحثين في هذا الموضوع، وكان من نتائج تلك البحوث أن أنكر فريق من العلماء هذه القصة من أولها إلى آخرها، وعدوها من الأساطير الموضوعة، والأحاديث المختلفة، التي وضعها قدماء

стр. 37

القصاص من الأمم السامية، وخاصة بني إسرائيل؛ ثم أخذوا يعلنون آراءهم، التي تخالف ما ورد في تلك القصة النقلية في جملتها وتفصيلها. سابعا: يتوسط بينهما غير أن فريقا من العلماء الذين يحرصون على القديم، هبوا يقولون: إن كل أسطورة لا بد أن يكون لها أصل تاريخي تستنند إليه، وإن قصة خلق العالم كما ذكرت في سفر التكوين، وفي بعض آثار بابل القديمة على فرض أنها غير مقبولة في تفصيلها، لا بد أن تنطوي على شيء من الحقيقة، وعلى هذا الأساس أخذوا يوفقون بين المذهبين: الديني والعلمي، وأقبلوا يؤولون ما يقبل التأويل من النصوص المدونة في الكتب المقدسة خاصة بهذا الموضوع؛ كان تفسيرهم لحادثة الطوفان، المروية في سفر التكوين أنها حصلت بالفعل؛ ولكنها كانت حادثة محلية، ويرجح أن منشأها هو فيضان دجلة والفرات، وما يتصل بهما من نهيرات فيضانا خارقا للعادة؛ وكانت حادثة مروعة لم يعهد لها التاريخ نظيرا من قبل. نظريات حديثة في تقسيم الأجناس: لقد ظهرت آراء كثيرة مستنبطة من العلوم، التي تبحث في شئون الإنسان، يستفاد منها أن النوع الإنساني ينقسم على أساس اختلاف بنيته؛ واختلاف ألوان بشرته إلى أربعة أقسام: أولا: الجنس الأبيض: الذي يوصف أحيانا بأنه الجنس القوقازي؛ وقد انتشرت منذ آلاف السنين في أوربا؛ ثم في حوض البحر المتوسط الشمالي، والجنوبي، وغرب آسيا. ثانيا: الجنس الأصفر: الذي يوصف بأنه الجنس المغولي أو الطوراني، وقد انتشر في شرق آسيا، وبعض جهات أمريكا١. ثالثا: الجنس الأسود: الذي يوصف بأنه الجنس النوبي، وقد انتشر في أفريقيا، واستراليا.

стр. 38

رابعا: جنس رابع: ليست له مميزات خاصة، بارزة، كان يسكن بعض جهات استراليا، وغينيا الجديدة. وهذا التقسيم تقريبي؛ وليس معناه أن هذه الأجناس عاشت مستقلة بعضها عن بعض، بعيدة عن الاختلاط بغيرها. ويرى العلماء أن الجنس الأبيض القوقازي ينقسم إلى ثلاثة أقسام فرعية: ١- الجنس الأصهب الشمالي. ٢- الجنس الأسمر الجنوبي. ٣- جنس بين هذين الجنسين. ومن بين هذه الشعوب التي تنتمي إلى الجنس الأسمر الجنوبي، المنتشر حتى الآن في جنوب آسيا الغربي، وعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط الجنوبية، شعوب خاصة اصطلح المؤرخون من القدم أن يسموها الشعوب السامية١. كذلك نرى أن الجنس العربي أو السامي الأصلي قد فقد شخصيته، ومميزاته بالاختلاط بالأجناس والشعوب الأخرى؛ وذلك لأن الإسلام لم يمنع من اختلاط العرب بالعجم، والمصاهرة بين الجنسين، ومن ثم نرى أن القبائل العربية التي تركت الجزيرة العربية، وانتشرت في بقاع الأرض بانتشار الإسلام امتزجت بالشعوب المختلفة، وأصبح من الصعب في كثير من الأحيان تمييزهم من الأجانب٢. ويرى فيليب حتى: أن هذه التسمية من وجهة علمية هي تسمية لغوية، وتطلق على الذين يتكلمون أو تكلموا لغة سامية، واللغات السامية كما هو معترف بها اليوم هي مجموعة لغوية خاصة تضم اللغة الآشورية، والبابلية، الأكادية، والكنعانية "الفينيقية"، والآرامية، والعبرية، والعربية، والحبشية، وأهم خواص التشابه ضمن هذه المجموعة اللغوية؛ هي وجود فعل ثلاثي كمصدر

стр. 39

أساسي، ووجود زمنين للفعل كما في الماضي، والمضارع؛ وتصريف الفعل يتبع نفس الأسلوب؛ وفي جميع لغات المجموعة السامية؛ نجد تشابهًا بين الكلمات الأساسية؛ كالضمائر الشخصية، والأسماء التي تدل على الغرابة، والأعداد، وأعضاء الجسم الرئيسية؛ هذه القرابة اللغوية بين الشعوب التي تتكلم اللغات السامية هي أهم رابطة تبرر ضمهم تحت اسم واحد، ولكنها ليست الرابطة الوحيدة؛ فإذا ما قارنَّا مؤسساتهم الاجتماعية، وعقائدهم الدينية، وصفاتهم النفسية، وأوصافهم الطبيعية؛ اتضحت لنا نواحٍ هامة للتشابه؛ وعندئذ لا بد من الاستنتاج بأن بعض أسلاف الذين تكلموا البابلية، الآشورية، والكنعانية، والعبرية، والآرامية، والعربية، والحبشية، كانوا غالبا يتكلمون جماعة واحدة، قبل أن تحصل بينهم هذه الاختلافات؛ وأن هذه الجماعة كانت تتكلم اللغة نفسها، وتعيش في المكان نفسه١.

стр. 40

الأمة السامية بطونها، وتراثها الحضاري والديني: أولا: السومريون توحي العناصر المشتركة بين حضارات الشرق الأوسط بأن عوامل نشوئها متشابهة؛ وتتضمن كلمة الشرق الأوسط: مصر، الأناضول، سوريا، لبنان، فلسطين، العراق، إيران، الجزيرة العربية كلها، وكان وادي نهر الهند وأرض الرافدين ووادي النيل خلال ٣٢٠٠ ق. م. نهاية مطاف أولئك الرعاة من البدو الذين يتحركون في أعماق التاريخ إلى تلك الروافد الخصيبة في اندفاع كالموج الهادر يشق مجراه، ومع مصبه يكون ظعنهم وإقامتهم. ومن هنا يرجع المؤرخون حضارة ما بين النهرين إلى السومريين، الذين عبروا بالعراق إلى خصائص العصور التاريخية بما تركوه من آثار عبرت عن حضارتهم التي بدأت في القرن الثلاثين ق. م، وتعدد مراكز التجمع والتحضر حينذاك في النصف الجنوبي من سهول النهرين؛ وبهم عرف التاريخ باسمهم السومريين؛ ثم استخدمه الساميون خلفاؤهم في قولهم: "مات شوميرين" بمعنى أراض شومير؛
следующие страницы →