وهذا معنى مطروق أكثرت الشعراء استعماله، فمن ذلك قول بعضهم وهو أبو محمد عبد الله بن قاضي ميلة:
جاءت بعود يناغيها يسعدها ... انظر بدائع ما يأتي به الشجر
غنت عليه ضروب الطير ساجعة ... حيناً فلما ذوى غنى به البشر
فلا يزال عليه الدهر مصطخب ... يهيجه الأعجمان: الطير والوتر ولبعضهم في المعنى أيضاً (١) :
وعود له نوعان من لذة المنى ... فبورك جان يجتنيه وغارس
تغنت عليه وهو رطب طيروها ... وغنت عليه قينة وهو يابس ولولا خوف الإطالة والخروج عما نحن بصدده لذكرت عدة مقاطيع في هذا المعنى.
ولبهاء الدين زهير المقدم ذكره من قصيدة يمدح بها اقسيس بن الملك الكامل:
وتهتز أعواد المنابر باسمه ... فهل ذكرت أيامها وهي أغصان (٢٧٩) ثم قال العماد في بقية الترجمة: وكان ولده محمد ذكياً، وله شعر حسن، هاجر إلى الملك العادل نور الدين بالشام سنة أربعة وستين وكان يومئذ بصرخد، فمرض فأنفذه إلى دمشق، فمات في الطريق بقرية يقال لها رشيدة (٢) ؛ انتهى كلا العماد.
ومن شعر المؤيد المذكور من جملة قصيدة له، رحمه الله تعالى:
فيا بردها من نفحة حاجرية ... على حر صدر ليس تخبو سمائمه
ويا حسنه طيفاً وشى نور وجهه ... بطيفي فغطاني من الشعر فاحمه
يجول وشاحاه على غصن بانة ... سقاها الحيا فاخضر واهتز ناعمه
стр. 2347
فلما رمى في شملنا الصبح بالنوى ... ولم يبق منها غير معنى ألازمه
وقفت بجزوى وهي منها معالم ... قواء وجسمي قد تعفت معالمه
وقوف بناني (١) في يميني ولم أقف ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
ولم يبق لي رسماً بجسمي صدوها ... فيشجى بدمعي كلما انهل طاسمه
ولا مقلة أبقت فتغرم نظرة ... بثانية والمتلف الشيء غارمه
فلله وجدي في الركاب كأنه ... دموعي وقد حنت بليل روازمه
وقد مد من كف الثريا هلالها ... فقبلته حتى تهاوت مناظمه وهي قصيدة طويلة أجاد فيها، وقد وازن بها قصيدة المتنبي في سيف الدولة ابن حمدان التي أولها:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وقد استعمل في قصيدته أنصاف أبيات من قصيدة المتنبي على وجه التضمين وأكثر شعره جيد.
وله أيضاً من جملة أبيات قالها وهو محبوس:
رحلوا فأفنيت الدموع تشوقاً (٢) ... من بعدهم وعجبت إذ أنا باقي
وعلمت أن العود يقطر ماؤه ... عند الوقود لفرقة الأوراق
وأبيت مأسوراً وفرحة ذكركم ... عندي تعادل فرحة الإطلاق
لا تنكر البلوى سواد مفارقي ... فالحرق يحكم صنعة الحراق وكانت (٣) ولادته سنة أربع وتسعين وأربعمائة بألوس، ونشأ بها. وتوفي الخميس الرابع والعشرين مم شهر رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة بالموصل، وكان خروجه من بغداد سنة ست وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 2348
ولما ذكرت تاريخ ولاية المستنجد ذكرت نكتة غربية أحببت ذكرها، وهو ما أخبرني به بعض مشايخ العراق الفضلاء أن المستنجد رأى في منامه في حياة والده المقتفي كأن ملكاً نزل من السماء فكتب في كفه أربع خاءات، فلما استيقظ طلب معبر الرؤيا، فقص عليه مارآه، فقال له: تلي الخلافة في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فكان الأمر كذلك، وكان ذلك قبل وفاة والده بمدة.
والألوسي: بضم الهمزة واللام وبعدها واو ساكنة ثم سين مهملة، هذه النسبة إلى ألوس، وهي ناحية عند حديثة عانة على الفرات، هكذا ذكره عز الدين بن الأثير - المقدم ذكره - فيما استدركه على الحافظ ابن السمعاني، لأنه قال: ألوس موضع بالشام في الساحل عند طرسوس (١) ، وهو بغدادي الدار والمنشأ - لأنه دخل بغداد في صباه - وقيدها ابن النجار الآلسي ومد الهمزة وضم اللام، والله أعلم.
٧٥٤ - (٢)
المهلب بن أبي صفرة
أبو سعيد المهلب بن أبي صفرة - كانت له بنت اسمها صفرة وبها كان يكنى - واسمه ظالم بن سراق بن صبح بن كندي بن عمرو بن عدي بن وائل بن الارث بن العتيك بن الأزد، ويقال الأسد بالسين الساكنة، ابن عمران بن عمرو مزيقياء ابن عامر ماء السماء بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، الازدي العتكي البصري؛ قال الواقدي: كان أهل دبا أسلموا في عهد رسول الله صلى
стр. 2349
الله عليه وسلم، ثم ارتدوا بعده ومنعوا الصدقة، فوجه إليهم أبو بكر الصديق ﵁ عكرمة بن أبي جهل المخزومي ﵁، فقاتلهم فهزمهم وأثخن فيهم القتل، وتحصن فلهم في حصن لهم وحصرهم المسلمون، ثم نزلوا على حكم حذيفة بن اليمان، فقتل مائة من رؤسائهم (١) ، وسبى ذراريهم، وبعثهم إلى أبي بكر الصديق ﵁، وفيهم أبو صفرة غلام لم يبلغ، فأعتقهم أبو بكر ﵁ وقال: اذهبوا حيث شئتم، فتفرقوا، فكان أبو صفرة ممن نزل البصرة.
وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف: هذا الحديث باطل، أخطأ فيه الواقدي لأن أبا صفرة لم يكن في هؤلاء ولا رآه أبو بكر قط، وإنما وفد على عمر بن الخطاب ﵁ وهو شيخ أبيض الرأس واللحية، فأمره أن يخضب فخضب، وكيف يكون غلاماً في زمن أبي بكر، وقد ولد المهلب وهو من أصاغر ولده قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين (٢) . وقد كان في ولده من قبل وفاةالنبي ﷺ بثلاثين سنة أو أكثر.
وكان المهلب المذكور من أشجع الناس، وحمى البصرة من الخوارج، وله معهم وقائع مشهورة بالأهواز استقضى أبو العباس المبرد في كتابه الكامل أكثرها، فهي تسمى بصرة المهلب لذلك، ولولا طولها وانتشار وقائعها لذكرت طرفاً منها.
وكان سيداً جليلاً نبيلاً، روي أنه قدم على عبد الله بن الزبير أيام خلافته بالحجاز والعراق وتلك النواحي، وهو يومئذ بمكة، فخلا به عبد الله يشاوره، فدخل عليه عبد الله بن صفوان بن امية بن خلف بن وهب القرشي الجمحي فقال: من هذا الذي قد شغلك يا أمير المؤمنين يومك هذا قال: أو ماتعرفه قال: لا، قال: هذا سيد أهل العراق، قال: فهو المهلب بن أبي صفرة، قال: نعم، فقال المهلب: من هذا يا أمير المؤمنين قال: هذا سيد قريش، فقال: فهو عبد الله بن صفوان، قال: نعم.
стр. 2350
قال ابن قتيبة في المعارف (١) : ولم يكن يعاب بشيء إلا بالكذب وفيه قيل: راح يكذب، ثم قال ابن قتيبة بعد هذا: وأنا أقول: كان المهلب أتقى الناس لله عزوجل، وأشرف وأنبل من أن يكذب، ولكنه كان محرباً، وقد قال النبي ﷺ : الحرب خدعة، وكان يعارض الخوارج بالكلمة فيوري بها من غيرها، يرهب بها الخوارج، وكانوا يسمونه الكذاب ويقولون: راح يكذب، وقد كان النبي ﷺ إذا أراد حرباً ورى بغيرها.
وقال أبو العباس المبرد في الكامل (٢) في شرح أبيات رمي فيها المهلب بالكذب، ما صورته: وقوله الكذاب لأن المهلب كان فقيهاً، وكان يعلم ما جاء عن رسول الله ﷺ من قوله " كل كذب يكتب كذباً إلا ثلاثة: الكذب في الصلح بين الرجلين، وكذب الرجل لامرأته يعدها، وكذب الرجل في الحرب يتوعد ويتهدد ". وكان المهلب ربما صنع الحديث ليشد به أمر المسلمين ويضعف به من أمر الخوارج، وكان حي من الأزد بقال لهم الندب إذا رأوا المهلب رائحاً قالوا: قد راح المهلب يكذب، وفيه يقول رجل منهم:
أنت الفتى كل الفتى ... لو كنت تصدق ما تقول وذكر المبرد في كتاب الكامل (٣) في أواخره في فصل قتال الخوارج وما جرى بين المهلب والأزارقة: وكانت ركب الناس قديماً من الخشب، فكان الرجل يضرب بركانه فينقطع، فإذا أراد الضرب والطعن لم يكن له معين أو معتمد، فأمر المهلب فضربت الركب من الحديد، فهو أول من أمر بطبعها وأخبار المهلب كثيرة.
وتقلبت به الأحوال، وآخر ما ولي خراسان من جهة الحجاج بن يوسف الثقفي - المقدم ذكره - فإنه كان أمير العراقين، وضم إليه عبد الملك بن مروان خراسان وسجستان، فاستعمل على خراسان المهلب المذكور، وعلى سجستان
стр. 2351
عبيد الله بن أبي بكرة، فورد المهلب خراسان والياً عليها سنة تسع وسبعين للهجرة.
وكان قد أصيب بعينه على سمرقند لما فتحها سعيد بن عثمان بن عفان ﵁، في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵁ (١) ، فإنه كان معه في تلك الغزوة، وفي تلك الغزوة تلك قلعت عين سعيد أيضاً، وفيها قلعت أيضاً عين طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي المعروف بطلحة الطلحات المشهور بالكرم والجود، وفي تلك يقول المهلب:
لئن ذهبت عيني لقد بقين نفسي ... وفيها بحمد الله عن تلك ما ينسي
إذا ماجاء أمر الله أعيا خيولنا (٢) ... ولا بد أن تعمى العيون لدى الرمس وقيل إن المهلب قلعت عينه على الطالقان. ولم يزل المهلب والياً بخراسان حتى أدركته الوفاة هناك، ولما حضره أجله عهد إلى ولده يزيد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وأوصاه بقضايا وأسباب، ومن جملة ما قال له: يا بني، استعقل الحاجب، واستظرف الكاتب، فإن حاجب الرجل وجهه وكاتبه لسانه؛ ثم توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين للهجرة، بقرية يقال لها زاغول من أعمال مرو الروذ من ولاية خراسان، رحمه الله تعالى.
وله كلمات لطيفة وإشارات مليحة تدل على مكارمه ورغبته في حسن السمعة والثناء الجميل، فمن ذلك قوله: الحياة خير من الموت، والثناء الحسن خير من الحياة، ولو أعطيت مالم يعطه أحد لأحببت أن تكون لي أذن أسمع بها ما يقال في غداً إذا مت؛ وقد قيل إن هذا الكلام لولده يزيد، والله أعلم.
وكان المهلب يقول لبنيه: يا بني، أحسن ثيابكم ما كان على غيركم، وقد أشار إلى هذا أبو تمام الطائي فيما كتبه إلى من يطلب كسوة (٣) :
فأنت العليم الطب أي وصية ... بها كان أوصى في الثياب المهلب
стр. 2352
وقد ذكر الطبري في تاريخه أنه توفي سنة اثنتين وثمانين، والله أعلم، والكلام على وفاته مذكور في ترجمة ابنه يزيد، فلينظر هناك فإنه مستوفى.
ولما حضرته الوفاة جمع من حضره من بنيه ودعا بسهام فحزمت، ثم قال: أترونكم كاسريها مجمعة قالوا لا، قال: أفترونكم كاسريها مفرقة قالوا: نعم، قال: هكذا الجماعة، ثم مات (١) .
ولما مات رثاه الشعراء وأكثروا، وفي ذلك يقول نهار بن توسعة الشاعر المشهور:
ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب
أقاما بمرو الروذ لا يبرحانها ... وقد قعدا من كل شرق ومغرب وخلف المهلب عدة أولاد نجباء كرماء أجوادً أمجاداً، وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف ويقال: إنه وقع إلى الأرض من صلب المهلب ثلثمائة ولد - وقد تقدم في حرف الراء ذكر حفيديه روح ويزيد ابني حاتم بن قبيصة بن المهلب، وسيأتي ذكر يزيد في حرف الياء إن شاء الله تعالى.
(٢٨٠) ومن سراة أولاده أبو فراس المغيرة، وكان أبوه يقدمه في قتال الخوارج، وله معهم وقائع مأثورة تضمنتها التواريخ أبلى فيها بلاء أبان عن نجدته وشهامته وصرامته، وتوجه صحبة أبيه إلى خراسان واستنابه عنه بمرو الشاهجان، وتوفي بها في حياة أبيه سنة اثنتين وثمانين في شهر رجب، ورثاه أبو أمامة زياد الأعجم، وهو زياد بن سليمان، ويقال ابن جابر، وهو ابن عبد القيس الشاعر المشهور، بقصيدته الحائية السائرة التي أولها:
قل للقوافل والغزاة إذا غزو ... للباكرين وللمجد الرائح:
إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبراً بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرف سابح
وانضج جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح
واظهر ببزته وعقد لوائه ... واهتف بدعوة مصلتين شرامح (٢)
стр. 2353
آب الجنود معاقباً أو قافلاً ... وأقام رهن حفيرة وضرائح
وأرى المكارم يوم زيل بنعشه ... زالت بفضل فواضل ومدائح
رجفت لمصرعه البلاد وأصبحت ... منا القلوب لذاك غير صحائح
الآن لما كنت أكرم من مشى ... وافتر نابك عن شباة القارح
وتكاملت فيك المروءة كلها ... وأعنت ذلك بالفعال الصالح
وكفى بنا حزناً يبيت حله ... أخرى المنون فليس عنه بنازح
فعفت منابره وحط سروجه ... عن كل طامحة وطرف طامح
وإذا يناح على امرىء فلتعلمن ... أن المغيرة فوق نوح النائح
تبكي المغيرة خلينا ورماحنا ... والباكيات برنة وتصايح
مات المغيرة بعد طول تعرض ... للقتل بين أسنة وصفائح
وإذا الأمور على الرجال تشابهت ... وتنوزعت (٢) بمغالق ومفاتح
قتل (٢) السحيل بمبرم ذي مرة ... دون الرجال بفضل عقل راجح
وأرى الصعالك للمغيرة أصبحت ... تبكي على طلق اليدين مسامح
كان الربيع لهم إذا انتجعوا الندى ... وخبت لوامع كل برق لائح
كان المهلب بالمغيرة كالذي ... ألقى الدلاء إلى قليب المائح
فأصاب جمة ما استقى فسقى له ... في حوضه بنوازع وموانح
أيام لو يحتل وسط مفازة ... فاضت معاطشها بشرب سائح
إن المهلب لن يزال لها فتى ... يمري قوادم كل حرب لاقح
بالمقربات لواحقاً آطالها ... تجتاب سهل سباسب وصحاصح
متلبباً تهفو الكتائب حوله ... ملح المتون من النضيح الراشح
ملك أغر متوج يسمو له ... طرف الصديق بغض طرف الكاشح
رفاع ألوية الحروب إلى العدا ... بسعود طير سوانح وبوارح
стр. 2354
وهذه القصيدة من غرر القصائد ونخبها، ولولا خوف الإطالة لأثبتها كلها وهي طويلة تزيد على خمسين بيتاً، وقد ذكرها أبو القالي - المقدم ذكره في حرف الهمزة (١) - في كتابه الذي جعله ذيلاً على أماليه (٢) ، وتكلم علي بعض أبياتها، وقال: إنها قد تنسب إلى الصلتان العبدي الشاعر المشهور، ولكن الأصح أنها لزياد الأعجم. والبيت الثاني منها تستشهد به النحاة في كتبهم على جواز تذكير المؤنث إذا لم يكن له فرج حقيقي، وهو أشهر بيت في هذه القصيدة لكثرة استعمالهم له، وقد أخذ بعض الشعراء معنى البيت الثالث والرابع فقال (٣) :
احملاني إن لم يكن لكما عق ... ر إلى جنب قبره فاعقراني
وانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان (٢٨١) وصاحب هذين البيتين هو الشريف أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن أبي الضوء العلوي الحسيني نقيب مشهد باب التبن ببغداد، وهما من جملة قصيدة يرثي بها النقيب الطاهر والد عبيد الله، ذكر ذلك العماد الكاتب في كتاب الخريدة وقال أيضاً: إن الشريف أبا محمد المذكور توفي سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ببغداد، رحمه الله تعالى.
ثم بعد وقوفي على ما ذكره العماد في الخريدة وجدت هذين البيتين في كتاب معجم الشعراء تأليف المرزباني لأحمد بن محمد الخثعمي، وكنيته أبو عبد الله، ويقال أبو العباس، ويقال إنه الحسن، وكان يتشيع ويهاجي البحتري.
وكان المغيرة بن المهلب المذكور قد مزق قباء ديباجاً كان على زياد الأعجم فقال زياد في ذلك:
لعمرك ما الديباج مزقت وحده ... ولكنما مزقت عرض المهلب
стр. 2355
فبلغ ذلك المهلب فأرضاه واستعطفه.
وذكر أبو الحسين علي بن أحمد السلامي في كتاب تاريخ ولادة خراسان أن رجلاً سمع من زياد الأعجم هذه القصيدة قبل أن يسمعها المهلب فجاءإلى المهلب فأنشده إياها، فأعطاه مائة ألف درهم، ثم أتاه زياد الأعجم فأنشده إياها، فقال له: قد أنشدنيها رجل قبلك، فقال: إنما سمعها مني، فأعطاه مائة ألف درهم.
وللمهلب عقب كثير بخراسان يقال لهم المهالبة وفيهم يقول بعض شعراء الحماسة وهو الأخنس الطائي يمدح المهلب (١) :
نزلت على آل المهلب شاتياً ... بعيداً عن الأوطان في الزمن المحل
فما زال بي معروفهم وافتقادهم ... وبرهم حتى حسبتهم أهلي والوزير أبو محمد المهلب - المقدم ذكره في حرف الحاء (٢) - من نسله أيضاً، ﵏ أجمعين.
وفي أوائل هذه الترجمة أسماء تحتاج إلى الضبط والكلام عليها.
فأما العتيك والأزد فقد تقدم الكلام عليهما.
وأما مزيقياء فهو بضم الميم وفتح الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر القاف وفتح الياء الثانية وبعدها همزة ممدودة، وهو لقب عمرو المذكور وكان من ملوك اليمن، وإنما لقب بذلك لأنه كان يلبس كل يوم حلتين منسوجتين بالذهب، فإذا أمسى مرفهما وخلعهما، وكان يكره أن يعود فيهما، ويأنف أن يلبسهما أحد غيره، وهو الذي انتقل من اليمن إلى الشام لقصة يطول شرحها، والأنصار من ولده، وهم الأوس والخزرج، وحكى أبو عمر ابن عبد البر صاحب كتاب الاستيعاب في كتابه الذي سماه القصد الأمم في أنساب العرب والعجم (٣) وهو كتاب لطيف الحجم أن الأكراد من نسل عمرو مزيقياء
стр. 2356
المذكور، وأنهم وقعوا إلى أرض العجم فتناسلوا بها وكثر ولدهم، فسموا الكرد، وقال بعض الشعراء في ذلك وهو يعضد ما قاله أبو عمر ابن عبد البر:
لعمرك ما الأكراد أبناء فارس ... ولكنه كرد بن عمرو بن عامر وأما أبوه عامر فإنما لقب بماء السما لجوده وكثرة نفعه، فشبه بالغيث.
وأما المنذر بن ماء السماء اللخمي أحد ملوك الحيرة، فإن أباه امرؤ القيس ابن عمرو بن عدي، وماء السماء أمه، وهس بنت عوف بن جشم بن النمر بن قاسط، وإنما لها ماء السماء لحسنها وجمالها.
وأما دبا بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها ألف مقصورة، وهو اسم موضع بين عمان والبحرين أضيفت جماعة من الأزد إليه لما نزلوه، وكان الأزد عند تفرقهم - حسبما ذكرناه في أول هذه الترجمة - أضيفت كل طائفة إلى شيء يميزها عن غيرها، فقيل أزد دبا، وأزد شنوءة، وأزد عمان، وأزد السراة، ومرجع الكل إلى الأزد المذكور، فلا يظن ظان أن الأزد مختلف باختلاف المضافين إليه، وقد قال الشاعر - وهو النجاشي، واسمه قيس بن عمرو بن مالك ابن حزن بن الحارث بن كعب بن الحارث الحارثي (١) -:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل بها ريب من الحدثان
فأما التي صحت فأزد شنوءة ... وأما التي شلت فأزد عمان ولما هزم المهلب قطري بن الفجاءة - المقدم ذكره (٢) - بعث إلى مالك بن بشير فقال: إني موفدك إلى الحجاج فسر فإنما هو رجل مثلك، وبعث إليه بجائزة فردها وقال: لإنما الجائزة بعد الاستحقاق، وتوجه فلما دخل على الحجاج قال: ماسمك قال: مالك من بشير، قال: ملك وبشارة، ثم قال: كيف تركت المهلب قال: أدرك ما أمل وأمن ما خاف، قال: فكيف هو بجنده
стр. 2357
قال: والد رءوف، قال: كيف رصاهم عنه قال: وسعهم بالفضل وأقنعهم بالعدل، قال: كيف تصنعون إذا لقيتم عدوكم قال: نلقاهم بجدنا فنقطع فيهم ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا، قال: فما حال قطري بن الفجاءة قال: كادنا بمثل ماكدناه به، قال: فما منعكم من اتباعه قال: رأينا المقام من ورائه خيراً من اتباعه قال: فأخبرني عن ولد المهلب قال: رعاة البيات حتى يؤمنوه وحماة السرح حتى يردوه، قال: أيهم أفضل قال: ذلك إلى أبيهم، قال: لتقولن، قال: هم كحلقة مفرغة لا يعلم طرفاها، قال: أقسمت عليك هل رويت في هذا الكلام قال: ما أطلع الله أحداً على غيبه. فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله الكلام المصنوع، قلت: كان حق هذا الفضل أن يكون متقدماً، لكنه كذا وقع، والله تعالى أعلم بصوابه وصحته.
٧٥٥ - (١)
مهيار الديلمي
أبو الحسن مهيار بن مروزيه الكاتب الفارسي الديلمي الشاعر المشهور؛ كان مجوسياً فأسلم، ويقال إن سلامه كان على يد الشريف الرضي أبي الحسن محمد الموسوي - المقدم ذكره - وهو شيخه، وعليه تخرج في نظم الشعر، وقد وازن كثيراً من قصائده. وذكر شيخنا ابن الأثير الدزري في تاريخه (٢) أنه أسلم في سنة أربع وتسعين وثلثمائة، فقال له أبو القاسم ابن برهان: يا مهيار قد انتقلت بأسوبك في النار من زاوية إلى زاوية، فقال: وكيف ذاك قال: كنت مجوسياً فصرت تسب أصحاب رسول الله ﷺ في شعرك.
стр. 2358
وكان شاعراً جزل القول، مقدماً على أهل وقته، وله ديوان شعر كبير يدخل في أربع مجلدات، وهو رقيق الحاشية طويل النفس في قصائده.
ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد وأثنى عليه وقال: كنت أراه يحضر جامع المنصور في أيام الجمعات، يعني ببغداد، ويقرأ عليه ديوان شعره ولم يقدر لي أسمع منه شيئاً.
وذكره أبو الحسن الباخرزي - المقدم ذكره - في كتاب دمية القصر فقال في حقه: هو شاعر، له مناسك الفضل مشاعر، وكاتب، تجلى تحت كل كلمة من كلماته كاعب، وما في قصيدة من قصائده بيت، يتحكم عليه لو وليت، وهي مصبوبة في قوالب القلوب، وبمثلها يعتذر الزمان المذنب عن الذنوب؛ ثم عقب هذا الكلام بذكر مقاطيع من شعره وأبيات من جملة قصائده.
وذكره أبو الحسن علي بن بسام في كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة وبالغ في الثناء عليه وذكر شيئاً من شعره. ومن نظمه المشهور قصيدته التي أولها (١) :
سقى دارها بالرقمتين وحياها ... ملث يحيل الترب في الدار أموالها ومنها:
وكيف بوصل الحبل من أم مالك ... وبين بلادينا زرود وحبلاها
يراها بعين الشوق قلبي على النوى ... فيحظى، ولكن من لعيني برؤياها
فلله ما أصفى وأكدر حبها ... وأبعدها مني الغداة وأدناها
إذا استوحشت عيني أنست بأن أرى ... نظائر تصبيني إليها وأشباها
وأعتنق الغصن الرطيب لقدها ... وأرشف ثغر الكأس أحسبه فاها
ويوم الكئيب استرشقت لي ظبية ... مولهة قد ضل بالقاع خشفاها
يدله خوف الثكل حبة قلبها ... فتزداد حسناً مقلتاها وليتاها
فما ارتاب طرفي فيك يا أم مالك ... على صحة التشبيه أنك إياها
стр. 2359
فإن لم تكوني خدها وجبينها ... فإنك أنت الجيد أو أنت عيناها
ألومه في حب دار عزيزة (١) ... يشق على رجم المطامع مرماها
دعوه ونجداً إنها شأن قلبه ... فلو أن نجداً تلعة ما تعداها
وهبكم منعتم أن يراها بعينه ... فهل تمنعون القلب أن يتمناها
وليل بذات الأثل قصر طوله ... سرى طيفها، آها لذكرته آها
تخطت إلي مشياً على الهوى ... وأخطاره، لا يصغر الله ممشاها
وقد كاد أسداف الدجى أن تضلها ... فما دلها إلا وميض ثناياها وله من أبيات (٢) :
إن التي علقت قلبك حبها ... راحت بقلب منك غير علوق
عقدت ضمان وفائها من خصرها ... فوهى، كلا العقدين غير وثيق ومن سائر شعره أيضاً قوله رحمه الله تعالى (٣) :
بكر العارض تحدوده النعامي ... فساقك الري يا دار أماما
[وتمشت فيك أنفاس الصبا ... يتناجين بأنفاس الخزامى] (٤) ومنها:
وبجرعاء الحمى قلبي فعج ... بالحمى واقرأ على قلبي السلاما
وترجل فتحدث عجبا ... أن قلباً سار عن جسم أقاما
قل لجيران الغضى آها على ... طيب عيش بالغضى لو كان داما
نصل العام ولا ننساكم ... وقصارى الوجد أن نسلخ عاما
حملوا ريح الصبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وثماما
стр. 2360
وابعثوا أشباحكم في الكرى ... إن أذنتم لجفوني أن تناما وهي قصيدة طويلة نقتصر من أطايبها على هذا القدر طلباً للاختصار. ومن رقيق شعره قصيدته التي منها (١) :
أرقت فهل لهاجعة بسلع ... على الأرقين أفئدة ترق
نشتك بالمودة ياابن ودي ... فإنك بي من ابن أبي حق
أسل بالجزع دمعك إن عيني ... إذا استبررتها (٢) دمعا تعق
وإن شق البكاء على المعافى ... فلم أسألك إلا ما يشق وله في القناعة، وقد أحسن (٣) فيها كل الاحسان (٤) :
يلحى علىالبخل الشحيح بماله ... أفلا تكون بماء وجهك أنجلا
أكرم يديك عن السؤال فإنما ... قدر الحياة أقل من أن تسألا
ولقد أضم إلي فضل قناعتي ... وأبيت مشتملاُ بها متزملا
وأري العدو على الخاصاصة شارة ... تصف الغنى فيخالني متمولا
وإذا امرؤ أفنى االليالي حسرة ... وأمانيا أفنيتهن توكلا ومن بدبع مدائحه (٥) قوله من جملة قصيدة:
وإذا رأوك تفرقت أرواحهم ... فكأنما عرفتك قبل الأعين
وإذا أردت بأن تفل كتيبة ... لاقيتها فتسم فيها واكتن وله من جملة قصيدة أبيات تتضمن العتب (٦) :
стр. 2361
إذا صور الإشفاق لي كيف أنتم ... وكيف إذا ما عن ذكري صرتم
تنفست عن عتب، فؤادي مفصحٌ ... به، ولساني للحافظ يجمجم
وفي فيّ ماءٌ من بقايا ودادكم ... كثيراً به من ماء وجهي أرقتم
أضم فمي ضنا عليه وبينه ... وبين انسكاب ريثما أتكلم وديوانه مشهور فلا حاجة إلى الإطالة في إيراد محاسنه.
ويعجبني كثيراً قوله من جملة قصيدة طويلة بيت واحد وهو (١) :
بنا أنتم من ظاعنين وخلفوا ... قلوباً أبت أن تعرف الصبر عنهم وتوفي ليلة الأحد لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
وفي تلك السنة توفي الرئيس أبو علي ابن سينا الحكيم المشهور - حسبما تقدم ذكره في ترجمته (٢) - رحمهما الله تعالى؛ رأيت في بعض التواريخ أنه توفي سنة ست عشرين، والأول أصح، والله أعلم.
وذكر الباخرزي المذكور في كتابه " الدمية " أيضاً ولده الحسين بن المهيار، ونسب إليه القصيدة الحائية التي من جملتها:
يا نسيم الريح من كاظمة ... شطر ثانيشد ما هجت البكا والبرحا وهي قصيدة طويلة، وهي من مشاهير قصائد مهيار، ولا أعلم من أين وقع له هذا الغلط.
ومهيار: بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف راء.
ومرزويه: بفتح الميم وسكون الراء وفتح الزاي والواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم هاء ساكنة، وهما اسمان فارسيان لا أعرف معناهما.
стр. 2362
فراغ
стр. 2363
حرف النون
стр. 2364
فراغ
стр. 2365
٧٥٦ - (١)
نافع مولى ابن عمر
أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر، ﵃؛ كان ديلمياً، وأصابه مولاه عبد الله بن عمر في غزاته، وهو من كبار الصالحين (٢) التابعين، سمع مولاه وأبا سعيد الخدري، وروى عنه الزهري وأيوب السختياني ومالك بن أنس، ﵃. وهو من المشهورين بالحديث، ومن (٣) الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به، ومعظم حديث ابن عمر عليه دار. وقال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا أسمعه من أحد؛ وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة.
وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، في كتاب " المهذب " في باب الوليمة والنثر عن نافع قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر، ﵄، فسمع زمارة راع، فوضع إصبعيه في أذنيه ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع أتسمع حتى قلت: لا، فأخرج إصبعيه عن أذنيه ثم رجع إلى الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع.
وفي هذا الأثر إشكال تسأل (٤) عنه الفقهاء، وهو أن عمر كيف سد أذنيه
стр. 2366
عن استماع صوت الزمارة، ولم يأمر مولاه نافعاً بفعل ذلك بل مكنه منه، وكان يسأله كل وقت: هل انقطع الصوت أم لا وقد أجابوا عن الإشكال بأن نافعاً حينئذ كان صبياً، فلم يكن مكلفاً حتى يمنعه من الاستماع، ويرد على هذا الجواب سؤال آخر، وهو أن الصحيح أن أخبار الصبي غير مقبول، فكيف ركن ابن عمر إلى إخباره في انقطاع الصوت وهذا الأثر يعضد حجة من قال: إن رواية الصبي مقبولة، وفي ذلك خلاف مشهور، وليس هذا موضع الكلام عليه.
وأخبار نافع كثيرة؛ وتوفي سنة سبع عشرة، وقيل سنة عشرين ومائة، ﵁.
٧٥٧ - (١)
نافع المقرئ
أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، مولى جعونة بن شعوب الشجعي، المقرئ المدني أحد القراء السبعة؛ كان إمام أهل المدينة والذي صاروا إلى قراءته ورجعوا إلى اختياره، وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة، رضوان الله عليهم، وكان محتسباً فيه دعابة، وكان أسود شديد السواد، قال ابن أبي أويس، قال لي مالك ﵁: قرأت على نافع، وقال الأصمعي، قال لي نافع: أصلي من أصبهان، هكذا قاله الحافظ أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " وكان قرأ على أبي ميمونة مولى أم سلمة زوج رسول الله (٢) ﷺ ، وكان له راويان: ورش، وقنبل، وقد سبق ذكرهما في حرف العين (٣) . وتوفي
стр. 2367
نافع المذكور سنة تسع وخمسين، وقيل غير ذلك، بالمدينة، والأول أصح. وقيل إن كنيته أبو الحسن، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو نعيم، والله أعلم بالصواب.
وجعونة: بفتح الجيم وسكون العين المهملة وفتح الواو والنون وبعدها هاء ساكنة، وهو في الأصل اسم الرجل القصير، ثم سمي به الرجل وإن لم يكن قصيراً وجعل علماً عليه، وكان جعونة حليف حمزة بن عبد المطلب، وقيل حليف العباس بن عبد المطلب، ﵄، وقيل حليف بني هاشم.
وشعوب: بفتح الشين المعجمة وضم العين المهملة وسكون الواو وبعدها باء موحدة، وهو في الأصل اسم المنية.
والشجعي: بكسر الشين المعجمة وسكون الجيم وبعدها عين المهملة، هذه النسبة إلى بني سجع، وهم من بني عامر بن ليث، ولم يتعرض السمعاني إلى ذكر هذه النسبة (١) .
٧٥٨ - (٢)
المطرزي
أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم عبد السيد بن علي المطرزي الفقيه الحنفي النحوي (٣) الأديب الخوارزمي؛ كانت له معرفة تامة بالنحو واللغة والشعر وأنواع الأدب، قرأ ببلده على أبيه وعلى أبي المؤيد الموفق بن أحمد بن محمد المكي خطيب خوارزم وغيرها، وسمع الحديث من أبي عبد الله بن محمد بن علي بن أبي سعد التاجر
стр. 2368
وغيره وكان تام المعرفة بفنه، رأساً في الاعتزال داعياً إليه، ينتحل مذهب الإمام أبي حنيفة، ﵁ في الفروع، فصيحاً، وكان في الفقه فاضلاً وله عدة تصانيف نافعة منها: " شرح المقامات " للحريري، وهو على وجازته مفيد محصل للمقصود، وله كتاب " المغرب (١) " تكلم فيه الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من الغريب، وهو للحنفية بمثابة كتاب الأزهري للشافعية، وما أقصر فيه، فإنه أتى جامعاً للمقاصد، وله " المعرب في شرح المغرب " وهو كبير وقليل الوجود، وله " الإقناع " في اللغة و " مختصر الإقناع " و " مختصر إصلاح المنطق " و " الصباح " في النحو و " المقدمة " المشهورة في النحو أيضاً، وله غير ذلك، وانتفع الناس به وبكتبه.
ودخل بغداد حاجاً سنة إحدى وستمائة وكان معتزلي الاعتقاد، وجرى له هناك مباحث مع جماعة من الفقهاء، وأخذ أهل الأدب عنه. وكان سائر الذكر مشهور السمعة بعيد الصيت. وله شعر، فمن ذلك - وفيه صناعة:
وزند ندى فواضله وري ... ورند ربا فضائله نضير
ودر جلاله أبداً ثمين ... ودر نواله أبداً غزير وله أيضاً:
وإني لأستحي من المجد أن أرى ... حليف غوانٍ أو أليف أغاني وله أيضاً:
تعامى زماني عن حقوقي وإنه ... قبيح على الزرقاء تبدي تعاميا
فإن تنكروا فضلي فأن رغاءه ... كفى لذوي الأسماع منكم مناديا وله أشعار كثيرة يستعمل فيها التجانيس.
وكانت ولادته في رجب سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بخوارزم، وهو كما يقال خليقة الزمخشري، فإنه توفي في تلك السنة بتلك البلدة كما سبق في ترجمته.
стр. 2369
وتوفي المطرزي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة عشر وستمائة بخوارزم أيضاً، رحمه الله تعالى، ورثي بأكثر من ثلثمائة قصيدة عربية وفارسية.
والمطرزي: بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء وكسرها ة بعدها زاي، هذه النسبة إلى من يطرز الثياب ويرقمها، ولا أعلم هل كان يتعاطى ذلك بنفسه، أم كان في آبائه من يتعاطى ذلك فنسب له، والله أعلم.
(٢٨٢) [وتوفي شيخه الموفق بن أحمد الخطيب المذكور في حادي عشر صفر الخير سنة ثمان وستين وخمسمائة بخوارزم، رحمه الله تعالى] (١) .
(٢) ٧٥٩
نزار العبيدي
أبو المنصور نزار، الملقب العزيز بالله، ابن المعز بن منصور بن القائم بن المهدي سيدي، صاحب مصر وبلاد الغرب؛ قد تقدم ذكر والده وأجداده وولده وأحفاده. ولي العهد بمصر يوم الخميس رابع شهر (٣) ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثمائة واستقل بالأمر بعد (٤) وفاة أبيه، وكان يوم الجمعة حادي عشر الشهر المذكور - وفيه الخلاف المذكور في ترجمته - وسترت وفاة أبيه وسلم عليه بالخلافة. وكان كريماً شجاعاً حسن العفو عند المقدرة، وقصته مع أفتكين (٥) التركي غلام معز الدولة مشهورة، وعفا عنه لما ظفر به، وكان قد غرم في محاربته مالاً جزيلاً، ولم يؤاخذه بما صدر منه، - وقد سبق في ترجمة عضد الدولة بن بويه
стр. 2370
المقدم ذكره في حرف الفاء طرف من خبره فلا حاجة إلى إعادته (١) - وهي قضية تدل على حلمه (٢) وحسن عفوه.
وذكر الأمير المختار المعروف بالمسبحي أنه الذي اختلط أساس الجامع بالقاهرة مما يلي باب الفتوح، وحفر وبني، وبدئ بعمارته سنة ثمانين وثلثمائة في شهر رمضان. ثم قال المسبحي أيضاً: وفي أيامه بني قصر بالقاهرة الذي لم يبن مثله في شرق ولا غرب، وقصر الذهب وجامع القرافة والقصور بعين شمس. وكان أسمر أصهب الشعر أعين أشهل العين عريض المنكبين حسن الخلق قريباً من الناس لا يؤثر سفك الدماء، بصيراً بالخيل والجارح من الطير، محباً للصيد مغرى به وبصيد السباع (٣) ويعرف الجوهر والبز، وكان أديباً فاضلاً.
ذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر " (٤) وأورد له شعراً قال في بعض الأعياد وقد وافق موت بعض أولاده وعقد عليه المآتم، وهو:
نحن بنو المصطفى ذوو محن ... يجرعها في الحياة كاظمنا
عجيبة في الأنام محنتنا ... أولنا مبتلى وخاتمنا (٥)
يفرح هذا الورى بعيدهم ... طراً وأعيادنا مآتمنا ثم قال بعد فصل طويل: وسمعت الشيخ أبا الطيب يحكي أن المرواني صاحب الأندلس كتب إليه نزار صاحب مصر كتاباً يسبه فيه ويهجوه، فكتب إليه " أما بعد، فإنك قد عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك، والسلام " فاشتد على نزار وأفحمه عن الجواب.
وذكر أبو الحسن الروحي في كتاب " تحفة الظرفاء في تاريخ الخلفاء " (٦) أن هذه
стр. 2371
الواقعة كانت بين الحكم المستنصر بالله بن عبد الرحمن الناصر لدين الله، وهو المرواني صاحب الأندلس وبين العزيز المذكور، وأن المستنصر كتب إلى العزيز يسبه ويهجوه، فكتب إليه العزيز هذه الكلمات (١) والله أعلم بالصواب.
وقد تقدم في ترجمة جده المهدي (٢) عبيد الله طرف من أخبار نسبهم والطعن فيه، وأكثر أهل العلم بالنسب لا يصححونه، وقد تقدم في ترجمة الشريف أبي محمد عبد الله بن طباطبا ما دار بينه وبين المعز والد هذا العزيز في أمر النسب وما أجاب به المعز، وصار هذا كالمستفيض بين الناس. وفي مبادي ولاية العزيز المذكور صعد المنبر يوم الجمعة فوجد هناك ورقة فيها مكتوب:
إنا سمعنا نسباً منكراً ... يتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما تدعي صادقاً ... فاذكر أباً بعد الأب الرابع (٣)
وإن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع
أو لا دع الأنساب مستورةً ... وادخل بنا في النسب الواسع
فإن انساب بني هاشم ... يقصر عنها طمع الطامع وإنما قال: " فانسب لنا نفسك كالطائع " لأن هذه القضية (٤) جرت في خلافة الطائع لله خليفة بغداد.
وصعد العزيز يوماً آخر المنبر (٥) ، فرأى ورقة فيها مكتوب:
بالظلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقه
стр. 2372
إن كنت أعطيت علم غيبٍ ... فقل لنا كاتب البطاقه وإنما كتب هذا لأنهم كانوا يدعون علم المغيبات، وأخبارهم في ذلك مشهورة.
ولأبي الرقعمق أحمد بن محمد الأنطاكي - المقدم ذكره (١) - قصيدة رائية يمدح بها العزيز المذكور، وهي من أجود مدائحه فيه.
وزادت مملكته على مملكة أبيه، وفتحت له حمص وحماة وشيزر وحلب، وخطب له أبو الدواد محمد بن المسيب وهو أخو المقلد بن المسيب العقيلي، صاحب الموصل بالموصل وأعمالها في المحرم سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، وضرب اسمه على السكة والبنود، وخطب له باليمن، ولم يزل في سلطانه وعظم شأنه إلى أن خرج إلى بلبيس متوجهاً إلى الشام، فابتدأت به العلة في العشر الأخير من رجب سنة ست وثمانين وثلثمائة، ولم يزل مرضه يزيد وينقص، حتى ركب يوم الأحد لخمس بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة إلى الحمام بمدينة بلبيس، وخرج منها إلى منزل الأستاذ أبي الفتوح برجوان - المقدم ذكره - وكان صاحب خزائنه بالقصر، فأقام عنده، وأصبح يوم الاثنين، فاشتد به الوجع يومه ذلك وصبيحة نهاره الثلاثاء، وكان مرضه من حصاة وقولنج فاستدعى القاضي محمد بن النعمان وأبا محمد الحسن (٢) بن عمارة الكتامي الملقب أمين الدولة، وهو أول من تلقب من المغاربة (٣) ، وكان شيخ كتامة وسيدها، وخاطبهما بما خاطبهما به في أمر ولده الملقب الحاكم - المقدم ذكره - ثم استدعى ولده المذكور وخاطبه أيضاً بذلك، ولم يزل العزيز المذكور في الحمام والأمر يشتد به إلى بين الصلاتين من ذلك النهار، وهو الثلاثاء الثامن (٤) والعشرون من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة، فتوفي في مسلخ الحمام، هكذا قال المسبحي.
وقال صاحب " تاريخ القيروان ": إن الطبيب وصف له دواء يشربه في
стр. 2373
حوض الحمام، وغلط (١) فيه، فشربه فمات من ساعته، ولم ينكتم موته ساعة واحدة، وترتب موضعه ولده الحاكم أبو علي المنصور - المقدم ذكره - وبلغ الخبر أهل القاهرة، فخرج الناس غداة الأربعاء لتلقي الحاكم، فدخل البلد وبين يديه البنود والرايات وعلى رأسه المظلة، يحملها ريدان (٢) الصقلبي - المذكور في ترجمة برجوان - فدخل القصر بالقاهرة عند اصفرار الشمس، ووالده العزيز بين يديه في عمارية، وقد خرجت قدماه (٣) منها، وأدخلت العمارية القصر، وتولى غسله القاضي محمد بن النعمان، ودفن عند أبيه العز في حجرة من القصر، وكان دفنه عند العشاء الآخرة، وأصبح الناس يوم الخميس سلخ الشهر، والأحوال مستقيمة، وقد نودي في البلد: أن لا مؤنة ولا كلفة، وقد أمنكم الله تعالى على أموالكم وأرواحكم، فمن عارضكم أو نازعكم فقد حل ماله ودمه.
وكانت ولادة العزيز المذكور يوم الخميس رابع عشر المحرم سنة أربع وأربعين وثلثمائة بالمهدية من أرض افريقية " وقال الفرغاني في تاريخه الصغير: كان مولد العزيز بالله يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم من السنة المذكور " (٤) .
وقال المختار المسبحي صاحب التاريخ المشهور: قال لي الحاكم وقد جرى ذكر والده العزيز: يا مختار، استدعاني والدي قبل موته، وهو عاري الجسم، وعليه الخرق والضماد، فاستدناني وقبلني وضمني إليه وقال: وأغمي عليك يا حبيب قلبي، ودمعت عيناه. ثم قال: امض يا سيدي والعب فأنا في عافية، قال: فمضيت والتهيت بما يلتهي به الصبيان من اللعب إلى أن نقل الله العزيز إليه، قال: فبادر إلي برجوان وأنا على (٥) جميزة كانت في الدار فقال: انزل ويحك، الله الله فينا وفيك، قال: فنزلت، فوضع العمامة بالجوهر على رأسي، وقبل لي الأرض وقال: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى
стр. 2374
وبركاته، قال: وأخرجني حينئذ إلى الناس على تلك الهيئة، فقبل جميعهم لي الأرض، وسلموا علي بالخلافة.
وأخبار كثيرة، والاختصار أولى، رحمه الله تعالى.
٧٦٠ - (١)
نصر الخبزأرزي
أبو القاسم نصر بن أحمد بن نصر (٢) بن مأمون البصري، المعروف بالخبزأرزي (٣) الشاعر المشهور؛ كان أمياً لا يتهجى ولا يكتب، وكان يخبز خبز الأرز بمربد البصرة في دكان، وكان ينشد أشعاره المقصورة على الغزل والناس يزدحمون عليه ويتطرفون باستماع شعره ويتعجبون من حاله وأمره، وكان أبو الحسين محمد بن محمد (٤) المعروف بابن لنكك، البصري الشاعر المشهور - مع علو قدره عندهم - ينتاب دكانه ليسمع شعره، واعتنى به، وجمع له ديواناً، وكان نصر المذكور قد وصل إلى بغداد وأقام بها دهراً طويلاً.
وذكره الخطيب في تاريخه وقال: قرأ عليه ديوانه، وروى عنه مقطعات من شعره المعافى بن زكريا الجريري، وأحمد بن منصور بن محمد بن حاتم (٥) النوشري، وعد جماعة رووا عنه.
وذكره الثعالبي في كتاب " اليتيمة " وأورد له مقاطيع، فمن ذلك قوله:
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولىً تمشى إلى عبد
стр. 2375
أتى زائراً من غير وعد وقال لي: ... أجلك عن تعليق قلبك بالوجد (١)
فما زال نجم الوصل بيني وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسعد
فطوراً على تقبيل نرجس ناظر ... وطوراً على تعضيض (٢) تفاحة الخد وأورد له أيضاً:
ألم يكفني ما نالني من هواكم ... إلى أن طففتم بين لاه وضاحك
شماتتكم بي فوق ما قد أصابني ... وما بي دخول النار بي طنز (٣) مالك وذكر له أيضاً (٤) :
كم أناس وفوا لنا حين غابوا ... وأناس جفوا وهم حضار
عرضوا ثم أعرضوا، واستمالوا ... ثم مالوا، وجاوروا ثم جاروا
لا تلمهم على التجني فلو لم ... يتجنوا لم يحسن الاعتذار ومن شعره أيضاً:
وكان الصديق يزور الصديق ... لشرب المدام وعزف القيان
فصار الصديق يزور الصديق ... لبث الهموم وشكوى الزمان ومن شعره أيضاً:
كم أقاسي لديك قالاً وقيلا ... وعدات (٥) ٍ تترى ومطلاً طويلا
جمعةٌ تنقضي وشهر يولي ... وأمانيك بكرة وأصيلا
إن يفتني منك الجميل من الفع ... ل تعاطيت عنك صبراً جميلا
стр. 2376
والهوى يستزيد حالاً فحالاً ... وكذا ينسلي قليلاً قليلا
ويك لا تأمنن صروف الليالي ... إنها تترك العزيز ذليلا
فكأني بحسن وجهك قد صاح ... ت به اللحية الرحيل الرحيلا
فتبدلت حين بدلت بالنو ... ر ظلاماً، وساء ذاك بديلا
فكأن لم تكن قضيباً رطيباً ... وكأن لم تكن كثيباً مهيلا
عندها يشمت الذي لم تصله ... ويكون الذي وصلت خليلا وله أيضاً:
رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر
فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال الدجى من (١) هلال البشر
ولولا التورد في الوجنتين ... وما راعني من سواد الشعر
لكنت أظن (٢) الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر وقال أحمد بن منصور بن محمد بن حاتم الموشري: أنشدنا أبو القاسم نصر ابن أحمد الخبرأرزي لنفسه:
بات الحبيب منامي ... والسكر يصبغ وجنتيه
ثم اغتدى وقد ابتداء ... صبغ (٣) الخمار بمقلتيه
وهبت له عيني الكرى ... وتعوضت نظراً إليه
شكراً لإحسان الزما ... ن كما يساعدني عليه وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " (٤) ما مثاله: حكى أبو محمد عبد الله بن محمد الأكفاني النصري، قال: خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني الشاعر
стр. 2377
وأبي الحسين ابن لنكك (١) وأبي عبد الله المفجع وأبي الحسن (٢) السباك، في بطالة عيد، وأنا يومئذ صبي أصحبهم، فمشوا حتى انتهوا إلى نصر بن أحمد الخبرأرزي، وهو جالس يخبر على طابقه، فجلست الجماعة عنده يهنونه بالعيد ويتعرفون خبره، وهو يوقد السعف تحت الطابق، فزاد في الوقود فدخنهم، فنهضت الجماعة عند تزايد الدخان، فقال نصر بن أحمد لأبي الحسن ابن لنكك: متى أراك يا أبا الحسين فقال له أبو الحسين: إذا اتسخت ثيابي، وكانت ثيابه يومئذ (٣) جدداً على أنقى ما يكون من البياض للتجمل بها في العيد، فمشينا في سكة بني سمرة، حتى انتهينا إلى دار أبي أحمد ابن المثنى، فجلس أبو الحسين ابن لبكك، قال: يا أصحابنا إن نصراً لا يخلي هذا المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله فيه، ويجب أن نبدأه قبل أن يبدأنا، واستدعى دواة وكتب:
لنصر في فؤادي فرط حبٍ ... أنيف به على كل الصحاب
أتيناه فبخرنا بخوراً ... من السعف المدخن للثياب
فقمت مبادراً وظننت نصراً ... أراد بذاك طردي أو ذهابي
فقال: متى أراك أبا حسين ... فقلت له: إذا اتسخت ثيابي وأنفذ الأبيات إلى نصر، فأملى جوابها، فقرأناه فإذا هو قد أجاب:
منحت أبا الحسين صميم ودي ... فداعبني بألفاظ عذاب
أتى وثيابه كقتير شيب ... فعدن له كريعان الشباب
ظننت جلوسه عندي لعرس ... فجدت له بتمسيك الثياب
فقلت: متى أراك أبا حسين ... فجوابني: إذا اتسخت ثيابي
فإن كان الترفه (٤) فيه خير ... فلم يكنى الوصي أبا تراب
стр. 2378
وحكى أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم الخالديان الشاعران المشهوران في كتاب " الهدايا والتحف " (١) أن الخبرأرزي أهدى إلى ابن يزداد والي البصرة فصاً وكتب معه:
أهديت ما لو أن أضعافه ... مطرحٌ عندك ما بانا
كمثل بلقيس التي لم يبن ... إهداؤها عند سليمانا
هذا امتحانٌ لك إن ترضه ... بان لنا أنك رضانا والشيء بالشيء يذكر - وجدت في هذا الكتاب نادرة طريقة فأحببت ذكرها، وهي (٢) : كان بأصبهان رجل حسن النعمة واسع النفس كامل المروءة يقال له سماك بن النعمان، وكان يهوى مغنية من أهل أصبهان لها قدر ومعنى تعرف بأم عمرو. فلإفراط حبه إياها وصبابته بها (٣) وهبها عدةً من ضياعه، وكتب عليه بذلك كتباً، وحمل الكتب إليها على بغل، فشاع الخبر بذلك، وتحث الناس به واستعظموه؛ وكان بأصبهان رجل متخلف بين الركاكة يهوى مغنية أخرى فلما اتصل به ذلك ظن بجهله وقلة عقله أن سماكاً أهدى إلى أم عمرو جلوداً بيضاً لا كتابة فيها، وأن هذا من الهدايا التي تستحسن ويجل موقعها عند من تهدى إليه، فاتباع جلوداً كثيرة، وحملها على بغلين لتكون هديته ضعف هدية سماك، وأنفذها إلى التي يحب، فلما وصلت الجلود إليها ووقفت على الخبر فيها تغظيت عليه، وكتبت إليه رقعة تشتمه وتحلف أنها لا تكلمه أبداً، وسألت بعض الشعراء أن يعمل أبياتاً في هذا المعنى لتودعها الرقعة، ففعل، وكانت الأبيات:
لا عاد طوعك من عصاكا ... وحرمت من وصلٍ مناكا (٤)
فلقد فضحت العاشقي ... ن بقبح ما فعلت يداكا
стр. 2379
أرأيت من يهدي الجلو ... د إلى عشيقته سواكا
وأظن أنك رمت أن ... تحكي بفعلك ذا سماكا
ذاك الذي أهدى الضيا ... ع لأم عمرو والصكاكا
فبعثت منتنةً كأن ... ك قد مسحت بهن فاكا
من لي بقربك يا رقي ... ع ولست أهوى أن أراكا
لكن لعلي أن أقط ... ع ما بعثت على قفاكا ونقلت من هذا الكتاب أيضاً (١) أن اللبادي الشاعر خرج من بعض مدن أذربيجان يريد أخرى، وتحته مهر له رائع، وكانت السنة مجدبة، فضمه الطريق وغلاماً حدثاً على حمار له، قال: فحادثته فرأيته أديباً راوية للشعر، خفيف الروح حاضر الجواب جيدة الحجة، فسرنا بقية يومنا، فأمسيا إلى خان على ظهر الطريق فطلبت من صاحبه شيئاً نأكله، فامتنع (٢) أن يكون عنده شيء، فرفقت به إلى أن جاءني برغيفين، فأخذت واحداً ودفعت إلى ذلك الغلام الآخر، وكان غمي على المهر أن يبيت بغير علف أعظم من غمي على نفسي، فسألت صاحب الخان عن الشعير فقال: ما أقدر منه على حبة واحدة، فقلت: فاطلب لي، وجعلت له جعيلة على ذلك، فمضى وجاءني بعد طويل وقال: قد وجدت مكوكين عند رجل حلف بالطلاق أنه لا ينقصهما عن مائة درهم، فقلت: ما بعد يمين الطلاق كلام، فدفعت إليه خمسين درهم، فجاءني بمكوك، فعلقته على دابتي وجلست أحادث الفتى، وحماره واقف بغير علف، فأطرق ملياً ثم قال: تسمع، أيدك الله، أبياتاً حضرت الساعة فقلت: هاتها، فأنشد:
يا سيد شعري نفياية شعركا ... فلذاك نظمي ما يقوم بنثركا
وقد انبسطت إليك في إنشاد ما ... هو في الحقيقة قطرةمن بحركا
стр. 2380
آنستني وسررتني وبررتني ... وجعلت أمري من مقدم أمركا
وأريد أذكر حاجة إن تقضها ... أك عبد مدحك ما حييت وشكركا
أنا في ضيافتك العيشة ها هنا ... فاجعل حماري في ضيافة مهركا فضحكت واعتذرت إليه من إغفالي أمر حماره، وابتعت المكوك الآخر بخمسين درهماً، ودفعته إليه.
وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود.
وأخبار نصر المذكور ونوادره كثيرة. وتوفي سنة عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وتاريخ وفاته فيه نظر، لأن الخطيب ذكر في تاريخه أن أحمد ابن منصور النوشري المذكور سمع منه سنة خمس وعشرين وثلثمائة [لكن نقلت تاريخ وفاته على هذه الصورة من تاريخ ابن أزرق الفارقي، والله أعلم] (١) .
والخبرأرزي: بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي وبعدها همزة ثم راء ثم زاي؛ وفتح الهمزة وضمها وتشديد الزاي وتخفيفها في الأرز يختلف باختلاف اللغات في هذه الكلمة، وفيها ست لغات: الواحدة بضم الهمزة والراء وتشديد الزاي، والأخرى بفتح الهمزة والباقي مثل الأولى، والثالثة أرز: بضم الهمزة وسكون الراء وتخفيف الزاي، والرابعة مثل الثالثة لكن الراء مضمومة، والخامسة رز، بضم الراء وتشديد الزاي، والسادسة رنز، بضم الراء وسكون النون وتخفيف الزاي؛ وإنما نسب نصر المذكور هذه النسبة لأنه كان يتعاطى هذه الحرفة كما تقدم ذكره في أول هذه الترجمة.
ابن لنكك: بفتح اللام وسكون النون وكافين متواليين، وهو لفظ أعجمي، معناه بالعربي أعيرج، تصغير أعرج، لأن كلمة لنك معناها أعرج، وعادة العجم إذا صغروا اسماً ألحقوا في آخره كافاً.
ومربد البصرة: بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وبعدها دال مهملة، وهو اسم موضع بالبصرة مشهور، وهو في الأصل اسم لكل مكان تحبس فيه الإبل وغيرها، ثم صار علماً على الموضع المذكور.
стр. 2381
(١) ٧٦١
أبو المرهف النميري
أبو المرهف نصر بن منصور بن الحسن بن جوشن بن منصور بن حميد (٢) بن أثال بن ورد (٣) بن عطاف بن بشر بن جندل بن عبيد الراعي بن الحصين بن معاوية بن جندل بن قطن بن ربيعة بن عبد الله بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، النميري، الضرير الشاعر المشهور؛ قدم بغداد في صباه، وسكنها إلى حين وفاته، وحفظ القرآن المجيد، وتفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ﵁، وسمع الحديث من القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وأبي البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماط وأبي الفضل محمد بن ناصر وغيرهم. وقرأ الأدب على أبي منصور ابن الجواليقي، وقال الشعر، ومدح الخلفاء والوزراء والأكابر، وحدث، وكان زاهداً ورعاً، حسن المقاصد في الشعر، له ديوان شعر.
وذكره العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " وذكر شيئا (٤) ً من شعره، وأورد نسبه على هذه الصورة وقال: هو الذي أملاه علي.
وعبيد الراعي المذكور في عمود نسبه هو الشعر المشهور، صاحب الديوان الشعر، وكان بينه وبين جرير مهاجاة (٥) .
стр. 2382
وكان أبو المرهف المذكور قد كف بصره بالجدري وعمره أربه عشرة سنة، وذكر له العماد في " الخريدة " هذا المقطوع من شعره، وهو:
ترى يتألف الشمل الصديع ... وآمن من زماني ما يروع
وتأنس بعد وحشتنا بنجدٍ ... منازلنا القديمة والربوع
ذكرت بأيمن العلمين عصراً ... مضى والشمل ملتئمٌ جميع
فلم أملك لدمعي رد غربٍ ... وعند الشوق تعصيك الدموع
ينازعني إلى خنساء قلبي ... ودون لقائها بلدٌ شسوع
وأخوف ما أخاف على فؤادي ... إذا ما أنجد البرق اللموع
لقد حملت من طول التنائي ... عن الأحباب ما لا أستطيع وشعره فيه رقة وجزالة، وكان ببغداد كثير الانقطاع إلى الوزير عون الدين ابن هبيرة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وله فيه مدائح. وكانت ولادته يوم الثلاثاء بعد العصر، ثالث عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة بالرقة. وتوفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب حرب، رحمه الله تعالى (١) .
والنميري: بضم النون وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، هذه النسبة إلى نمير بن عامر المذكور في عمود النسب في أول الترجمة، والباقي معروف.
стр. 2383
(١) ٧٦٢
ابن قلاقس
أبو الفتح نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس، اللخمي الأزهري الإسكندري، الملقب القاضي الأعز، الشاعر المشهور؛ كان شاعراً مجيداً وفاضلاً نبيلاً " ولم يكن له لحية بل كان سناطاً، وقيل أشعار بسب ذلك فأضربت عن ذكرها لفحشها " (٢) . صحب الشيخ الحافظ أبا طاهر أحمد بن محمد السلفي - المقدم ذكره - وانتفع بصحبته، وله فيه غرر المدائح، وقد تضمنها ديوانه، وكان الحافظ المذكور كثيراً ما يثني عليه ويتقاضاه بمديحه (٣) ، وقصد القاضي الفاضل عبد الرحيم - المقدم ذكره - بقصيدة موسومة أحسن فيها كل الإحسان، وأولها (٤) :
ما ضر ذاك الريم أن لا يريم ... لو كان يرثي لسليم سليم (٥)
وما على من وصله جنة ... ألا أرى من صه في جحيم
أعندما همت به روضةً ... أعل جسمي لأكون النسيم
رقيم خد نام عن ساهرٍ ... ما أجدر النوم بأهل الرقيم
وكيف لا يصرم ظبيٌ وقد ... سمعت في النسبة ظبي الصريم
وعاذلٍ دام ودوام الدجى ... بهيمة نادمتها في بهيم
стр. 2384
يغظني وهو على رسله ... والمرء في غيظ سواه حليم
قلت له لما عدا طوره ... والقلب مني في العذاب الأليم
اعذر فؤادي إنه شاعرٌ ... من حبه في كل واد يهيم
يا رب خمر فمه كاسها ... لم أقتنع من شربها بالشيم
أتبعت رشفاً قبلاً عندها ... وقلت هذا زمزمٌ والحطيم
فافتر إما عن أقاحي الربا ... يضحك أو در العقود النظيم
أو كان قد قبل مستحسناً ... ما قبل الفاضل عبد الرحيم وكان كثير الحركات والأسفار، وفي ذلك يقول (١) :
والناس كثرٌ ولكن لا يقدر لي ... إلا مرافقة الملاح والحادي وفي آخر وقته دخل بلاد اليمن، وامتدح بمدينة عدن أبا الفرج ياسر بن أبي الندى بلال بن جرير المحمدي وزير محمد وأبي السعود ولدي عمران بن محمد بن الداعي سبأ بن أبي السعود (٢) بن زريع بن العباس اليامي، صاحب بلاد اليمن، فأحسن إليه وأجزل صلته، وفارقه وقد أثرى من جهته، فركب البحر، فانكسر المركب به، وغرق جميع ما كان معه بجزيرة الناموس بالقرب من دهلك، وذلك يوم الجمعة خامس ذي القعدة سنة ثلاث وستين وخمسمائة، فعاد إليه وهو عريان، فلما دخل عليه أنشده قصيدته التي أولها (٣) :
صدرنا وقد نادى السماح بنا ردوا ... فعدنا إلى مغناك والعود أحمد وهذه القصيدة من القصائد المختارة، ولو لم يكن فيها سوى هذا البيت لكفاه، ثم أنشده بعد ذلك قصيدة يصف فيها غرقه، وأولها (٤) :
стр. 2385
سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا
والماء يكسب ما جرى ... طيباً ويخبث ما استقرا
وبنقلة الدر النفي ... سة بدلت بالبحر نحرا ومنها:
يا راوياً عن ياسر ... خبراً ولم يعرفه خبرا
اقرأ بغرة وجهه ... صحف المنى إن كنت تقرا
والثم بنان يمينه ... وقل السلام عليك بحرا
وغلطت في تشبيه ... بالبحر، فاللهم غفرا
أو ليس نلت بذا غنى ... جماً ونلت بذاك فقرا
وعهدت هذا لم يزل ... مداً، وذاك يعود جزرا وهي قصيدة طويلة أحسن فيها كل الإحسان، ومعنى البيت الثاني منها مأخوذ من قول بديع الزمان صاحب المقامات - المقدم ذكره في حرف الهمزة - في أول رسالة قد ذكرتها في ترجمته، وهي " الماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه "، والبيت الثالث من هذه القصيدة أيضاً مأخوذ من قول صردر الشاعر - المقدم ذكره في حرف العين - وهو (١) :
قلقل ركابك في الفلا ... ودع الغواني للخدور
فمحالفو أوطانهم ... أمثال سكان القبور
لولا التنقل ما ارتقت ... درر البحور إلى النحور وله في جارية سوداء، وهو معنى غريب:
رب سوداء وهي بيضاء معنى ... نافس (٢) المسك عندها الكافور
مثل حب العيون يحسبه النا ... س سواداً، وإنما هو نور