ومن نظم صاعد:
قلت له والرقيب يعجله ... مودعاً للفراق: أين أنا
فمدّ كفاً إلى ترائبه ... وقال: سر وداعاً فأنت هنا وقال صاعد، لما أمر المنصور بن أبي عامر بمعارضة قصيدة لأبي نواس:
إنّي لأستحيي علا ... ك من ارتجال القول فيه
من ليس يدرك (١) بالرويّ ... ة كيف يدرك بالبديه وقال حاشد البغدادي في صاعد اللغوي، وكان صاعد ينشدهما ويبكي ويقول: ما هجيت بشيء أشد علي منهما:
اقبل هديت أبا العلاء نصيحتي ... بقبولها وبواجب الشكر
لا تهجونّ أسنّ منك فربما ... تهجو أباك وأنت لا تدري نعوذ بالله من لسان الشعراء، وأنواع البلاء، بجاه نبينا محمد ﷺ .
ومن نظم صاعد قوله (٢) :
بعثت إليك من خيريّ روضٍ ... محرّمة (٣) كأوراق العقيق
توكل بالغروب (٤) عن التصابي ... وتصطاد الخليع من الطريق وروى صاعد عن أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي، وأبي علي
стр. 1507
الحسن بن أحمد الفارسي، وأبي بكر ابن مالك القطيعي، وأبي سليمان الخطابي، وغيرهم.
قال الحميدي (١) : خرج من الأندلس في الفتنة وقصد صقلية، فمات بها قريباً من سنة عشر وأربعمائة.
وقال ابن حزم (٢) : توفي بصقلية سنة سبع عشرة وأربعمائة.
وقال ابن بشكوال في حقه: إنه يتهم بالكذب وقلة الصدق فيما يورده، عفا الله تعالى عنه؛ وقدم الأندلس من مصر أيام المؤيد وتحكم المنصور بن أبي عامر في حدود سنة ٣٨٠، فأكرمه المنصور، وزاد في الإحسان إليه، والإفضال عليه، وكان عالماُ باللغة والآداب والأخبار، سريع الجواب، حسن الشعر، طيب المعاشرة، فكه المجالسة.
وقال بعضهم (٣) : دخل صاعد على المنصور وعنده كتاب ورد عليه من عامل له في بعض الجهات اسمه مبرمان (٤) بن يزيد يذكر فيه القلب والتزبيل، وهما عندهم اسم الأرض قبل زراعتها (٥) ، فقال له: يا أبا العلاء، قال: لبيك يا مولانا، فقال: هل رأيت أو وصل إليك من الكتب القوالبة والزوالبة لمبرمان ابن يزيد قال: إي والله ببغداد في نسخة لأبي بكر ابن دريد بخط ككراع النمل، في جوانبها [علامات الوضاع] (٦) فقال له: أما تستحي أبا العلاء من هذا الكذب هذا كتاب عاملي ببلد كذا واسمه كذا يذكر فيه كذا، فجعل يحلف له أنه ما كذب، ولكنه أمر وافق. ومات عن سن عالية، رحمه الله تعالى.
стр. 1508
٦٠ - ومن الوافدين على الأندلس من المشرق الشيخ تاج الدين بن حمويه السرخسي (١) ، ولد سنة ٥٧٢، وقد ذكر في رحلته عجائب شاهدها بالمغرب ومشايخ لقيهم، فمنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله الأنصاري، قال: سمعت عليه سنة سبع وتسعين وخمسمائة الحديث وشيئاً من تصانيف المغاربة، وروى لنا عن الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف ابن إبراهيم بن قرقول، وولي ابن حوط الله المذكور قضاء غرناطة، وأدرك ابن بشكوال وابن حبيش وابن حميد المرسي النحوي وأبا يزيد السهلي صاحب الروض وغيرهم. ومن الشيوخ الذين لقيهم السرخسي المذكور بالمغرب (٢) الفقيه ابن أبي تميم، قال: وأنشدني:
اسمع أخيّ نصيحتي ... والنصح من محض الديانه
لا تقربنّ إلى الشّها ... دة والوساطة والأمانه
تسلم من أن تعزى لزو ... رٍ أو فضولٍ أوخيانه وذكر أنه أدرك الشيخ الولي العارف بالله سيدي أبا العباس أحمد بن جعفر الخزرجي السبتي صاحب الحالات والكرامات الظاهرة والطريقة الغربية والأحوال العجبية، قال: أدركته بمراكش سنة أربع وتسعين وخمسمائة وقد ناهز الثمانين، ومهما حصل عنده مال فرقه في الحال، وتركته في سنة ثمان وتسعين حياً يرزق، انتهى. وولي الله السبتي قد ذكرت في غير هذا الموضع بعض أحواله، فلتراجع في الباب الثامن من ترجمة لسان الدين ابن الخطيب، ومحله مقصود
стр. 1509
لقضاء الحاجات، وقد زرته مراراً عديدة سنة ١٠١٠.
وقال لسان الدين في " نفاضة الجراب ": كتبت عن السلطان الغني بالله محمد بن يوسف بن نصر ونحن بفاس يخاطب الضريح المقصود، والمنهل المورود، والمرعى المنتجع، والخوان الذي يكفي الغرثى، ويمرض المرضى، ويقوت الزمنى، ويتعداهم إلى أهل الجدة زعموا والغنى، قبر ولي الله سيدي أبي العباس السبتي نفعنا الله به، وجبر حالنا، وأعاد علينا النعم، ودفع عنا النقم:
يا وليّ الإله أنت جوادٌ ... وقصدنا إلى حماك المنيع
راعنا الدّهر بالخطوب فجئنا ... نرتجي من علاك حسن الصّنيع
فمددنا لك الأكفّ نرجّي ... عودة العزّ تحت شملٍ جميع
قد جعلنا وسيلةً تربك الزا ... كي وزلفى إلى العليم السميع
كم غريبٍ أسرى إليك فوافى ... برضىً عاجلٍ وخيرٍ سريع يا ولي الله جعل جاهه سبباً لقضاء الحاجات، ورفع الأزمات، وتصريفه باقياً بعد الممات، وصدق نقول الحكايات ظهور الآيات، نفعني الله بنيتي في بركة تربك، وأظهر علي أثر توسلي بك إلى الله ربك، مزق شملي، وفرق بيني وبين أهلي، وتعدي علي، وصرفت وجوه المكايد إلي، حتى أخرجت من وطني وبلدي، ومالي وولدي، ومحل جهادي، وحقي الذي صار لي طوعاً عن آبائي وأجدادي، عن بيعة لم يحل عقدتها الدين، ولا ثبوت جرحة تشين، وأنا قد قرعت باب الله سبحانه بتأميلك، فالتمس لي قبوله بقبولك، وردني إلى وطني على أفضل حال، وأظهر علي كرامتك التي تشد إليها ظهور الرحال، فقد جعلت وسيلتي إليك رسول الحق، إلى جميع الخلق، والسلام عليك أيها الولي الكريم، الذي يأمن به الخائف وينتصف الغريم، ورحمه الله، انتهى.
رجع - والسرخسي المذكور قال في حقه بعض الأئمة: إنه الشيخ الإمام
стр. 1510
شيخ الشيوخ، تاج الدين أبو محمد عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه، له رحلة مغربية، انتهى.
وهو من بيت كبير، وقال البدري في تاريخه في حقه ما صورته: تاج الدين، شيخ الشيوخ بدمشق، أحد الفضلاء المؤرخين المصنفين، له كتاب في ثماني مجلدات ذكر فيه أصول الأشياء، وله " السياسة الملوكية " صنفها للملك الكامل محمد، وغير ذلك، وسمع الحديث، وحفظ القرآن، وكان قد بلغ الثمانين، وقيل: لم يبلغها، وقد سافر إلى بلاد المغرب سنة ثلاث وتسعين، واتصل بمراكش، عند ملكها المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، فأقام هناك إلى سنة ستمائة، وقدم مصر، وولي مشيخة الشيوخ بعد أخيه صدر الدين ابن حمويه، انتهى.
وقال غيره: إنه كان فاضلاً متواضعاً نزهاً حسن الاعتقاد، قال أبو المظفر: كان يحضر مجالسي، وأنشدني يوماً:
لم ألق مستكبراً إلا تحوّل لي ... عند اللقاء له الكبر الذي فيه
ولا حلا لي من الدنّيا ولذّتها ... إلاّ مقابلتي للتيه بالتيه وقال السرخسي المذكور في رحلته: إني وإن كنت خراساني الطينة، لكني شامي المدينة، وإ، كانت العمومة من المشرق، فإن الخؤولة من المغرب، فحدث باعث يدعو إلى الحركات والأسفار، ومشاهدة الغرائب في النواحي والأقطار، وذلك في حال ريعان الشباب الذي تعضده عزائم النفوس بنشاطها، والجوارح بخفة حركاتها وانبساطها، فخرجت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة إلى زيارة البيت المقدس وتجديد العهد ببركاته، واغتنام الأجر في حلول بقاعه ومزاراته، ثم سرت منه إلى الديار المصرية، وهي آهلة بكل ما تتجمل به البلاد وتزدهي، وينتهي وصف الواصف لشؤونها ولا تنتهي، ثم دخلت الغرب من الإسكندرية في البحر ودخلت مدينة مراكش أيام السيد الإمام أمير المؤمنين
стр. 1511
أبي يوسف يعقوب المنصور ابن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، فاتصلت بخدمته، والذي علمت من حاله أنه كان يجيد حفظ القرآن، ويحفظ متون الأحاديث ويتقنها، ويتكلم في الفقه كلاماً بليغاً، وكان فقهاء الوقت يرجعون إليه في الفتاوى، وله فتاوى مجموعة حسبما أدى إليه اجتهاده، وكان الفقهاء ينسبونه إلى مذهب الظاهر، وقد شرحت أحوال سيرته، وما جرى في أيام دولته، في كتاب التاريخ المسمى " عطف الذيل ". وقد صنف كتاباً يجمع فيه متون أحاديثٍ صحاح تتعلق بالعبادات سماه " الترغيب ". وتهدده ملك الإفرنج الفنش في كتابه فمزقه، وقال لرسوله: " ارجع إليهم فلنأتينّهم بجنودٍ لا قبل لهم بها، ولنخرجنّهم منها أذلّة وهم صاغرون " إن شاء الله تعالى، ثم قال للكاتب: اكتب على هذه القطعة، يعني من كتابه الذي مزقه: الجواب ما ترى لا ما تسمع:
فلا كتب إلا المشرفّية والقنا ... ولا رسلٌ إلا الخميس العرمرم (١) ومن شعره أبيات كتب بها إلى العرب، وهي:
يا أيها الراكب المزجي مطيّته ... على عذافرة تشقى بها الأكم
بلّغ سليماً على بعد الديار بها ... بيني وبينكم الرحمن والرّحم
يا قومنا لا تشبّوا الحرب إن خمدت ... واستمسكوا بعرى الإيمان واعتصموا
كم جرّب الحرب من قد كان قبلكم ... من القرون فبادت دونها الأمم
حاشا الأعارب أن ترضى بمنقصةٍ ... يا ليت شعري هل ترآهم علموا
يقودهم أرمنيٌّ لا خلاق له ... كأنه بينهم من جهلهم علم يعني بالأرمني قراقوش مملوك بني أيوب الذي كان ذهب إلى بلاد الغرب
стр. 1512
الأدنى، وأوقد النار الحربية من طرابلس إلى تونس مع ابن غانية اللمتوني، وحديثه مشهور (١) ، وتمام الأبيات:
الله يعلم أنّي ما دعوتكم ... دعاء ذي قوّةٍ يوماً فينتقم
ولا لجأت لأمرٍ يستعان به ... من الأمور وهذا الخلق قد علموا
لكن لأجزي رسول الله عن نسبٍ ... ينمى إليه وترعى تلكم الذّمم
فإن أتيتم فحبل الوصل متصلٌ ... وإن أبيتم فعند السيف نحتكم ثم قال السرخسي: وبلغني أن قوماً من الغرباء قصدوه، ومعهم حيوانات معلمة منها أسد وغراب، أما الأسد فيقصده من دون أهل المجلس، ويربض بين يديه، وربما أومأ بالسجود ومد ذراعيه، وأما الغراب فكان يقول: النصر والتمكين لسيدنا أمير المؤمنين، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
أنس الشبل ابتهاجاً بالأسد ... ورأى شبه أبيه فقصد
أنطق الخالق مخلوقاته ... شهدوا والكلّ بالحقّ شهد
أنّك الخيرة من صفوته ... بعدما طال على الناس الأمد فأعطاهم وكساهم، وأحسن حباهم.
وبلغني أن قوماً أتوه بفيلٍ من بلاد السودان هدية، فأمر لهم بصلة، ولم يقبله منهم، وقال: نحن لا نريد أن نكون أصحاب الفيل.
وقال لي يوماً: كيف ترى هذه البلاد وأين هي من بلادك الشامية فقلت: يا سيدنا، بلادكم (٢) حسنة أنيقة مجملة مكملة، وفيها عيب واحد، فقال: ما هو فقلت: أنها تنسي الأوطان، فتبسم وظهر لي إعجابه
стр. 1513
بالجواب، وأمر لي من غد بزيادة رتبة وإحسان.
وحدثني بعض عمالهم أنه فرق على الجند والأمراء والفقراء في عيد سنة أربع وتسعين ثلاثة وسبعين ألف شاة من ضأن ومعز.
ودرج إلى رحمة الله تعالى سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وكان قد استخلف ولده محمداً وقرر الأمر له، انتهى.
قلت: بهذا وأمثاله تعلم فساد ما زعمه غير واحد أن يعقوب المنصور هذا تخلى عن الملك، وفر زاهداً فيه إلى المشرق، وأنه دفن بالبقاع، لأن هذه مقالة عامية لا يثبتها علماء المغرب، وسبب هذه المقالة تولع العامة به، فكذبوا في موته، وقالوا: إنه ترك الملك، وحكوا ما شاع إلى الآن وذاع مما ليس له أصل. ويرحم الله تعالى الإمام العلامة القاضي الشريف الغرناطي شارح الخزرجية، إذ قال في شرح مقصورة حازم عند ذكره وقعة الأرك ما معناه (١) : إن بعض الناس يزعمون أن المنصور ترك الملك وذهب إلى المشرق، وهذا كلام لا يصح، ولا أصل له. انتهى. وقال في " المغرب ": كان أبوه يوسف قد استوزره في حياته، وتخرج بين يديه، وتمرس، وهزم الفرنج الهزيمة العظيمة، وتولع بالعلم حتى نفى التقليد وحرق كتب المذاهب، وقتل على السكر، انتهى.
وحكى لسان الدين الوزير ابن الخطيب في شرح كتابه " رقم الحلل في نظم الدول " أن المنصور طلب من بعض أعيان دولته رجلين لتأديب ولده يكون أحدهما براً في عمله، والآخر بحراً في علمه، فجاءه بشخصين زعم أنهما على وفق مقترح المنصور، فلما اختبرهما لم يجدهما كما وصف، فكتب إلى الآتي بهما " ظهر الفساد في البر والبحر "، انتهى. وناهيك
стр. 1514
بهذا دلالةً على قوة فطنته ومعرفته، رحمه الله تعالى.
رجع إلى أخبار السرخسي:
وقال في رحلته لما ذكر السيد أبا الربيع سليمان بن عبد الله أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي (١) ، وكان في تلك المدة يلي مدينة سجلماسة وأعمالها: اجتمعت به حين قدم إلى مراكش بعد وفاة المنصور يعقوب لمبايعة ولده محمد، فرأيته شيخاً بهي المنظر، حسن المخبر، فصيح العبارة باللغتين العربية والبربرية، ومن كلامه في جواب رسالة إلى ملك السودان بغانة ينكر عليه تعويق التجار قوله: نحن نتجاور بالإحسان، وإن تخالفنا في الأديان، ونتفق على السيرة المرضية، ونتألف على الرفق بالرعية، ومعلوم أن العدل من لوازم الملوك في حكم السياسة الفاضلة، والجور لا تعانيه إلا النفوس الشريرة الجاهلة، وقد بلغنا احتباس مساكين التجار ومنعهم من التصرف فيما هم بصدده، وتردد الجلابة إلى البلد مفيد لسكانها، ومعين على التمكن من استيطانها، ولو شئنا لاحتبسنا من في جهاتنا من أهل تلك الناحية لكنا لا نستصوب فعله، ولا ينبغي لنا أن ننهى عن خلق ونأتي مثله، والسلام.
ووقع إلى عامل له كثرت الشكاوى منه: قد كثرت فيك الأقوال، وإغضائي عنك رجاء أن تتيقظ فتنصلح الحال، وفي مبادرتي إلى ظهور الإنكار عليك نسبة إلى شر الاختيار وعدم الاختبار، فاحذر فإنك على شفا جرف هار.
ومن شعره المشهور قصيدة يمدح فيها ابن عمه المنصور يعقوب (٢) :
стр. 1515
هبّت بنصركم الرياح الأربع ... وجرت بسعدكم النجوم الطّلّع
واستبشر الفلك الأثير تيقناً ... أن الأمور إلى مرادك ترجع
وأمدّك الرحمن بالفتح الذي ... ملأ البسيطة نوره المتشعشع
لم لا وأنت بذلت في مرضاته ... نفساً تفدّيها الخلائق أجمع
ومضيت في نصر الإله مصمّماً ... بعزيمةٍ كالسيف بل هي أقطع
لله جيشك والصوارم تنتضى ... والخيل تجري والأسنّة تلمع
من كلّ من تقوى الإله سلاحه ... ما إن له غير التوكّل مفزع
لا يسلمون إلى النوازل جارهم ... يوماً إذا أضحى الجوار يضيّع ومنها يصف انهزام العدو:
إن ظنّ أن فراره منجٍ له ... فبجهله قد ظنّ ما لا ينفع
أين المفرّ ولا فرار لهاربٍ ... والأرض تنشر في يديك وتجمع
أخلفية الله الرضى هنّيته ... فتحٌ يمدّ بما سواه (١) ويشفع
فلقد كسوت الدين عزّاً شامخاً ... ولبست منه أنت ما لا يخلع
هيهات سرّ الله أودع فيكم ... والله يعطي من يشاء ويمنع
لكم الهدى لا يدّعيه سواكم ... ومن ادعاه يقول ما لا يسمع
إن قيل من خير الخلائق كلّها ... فإليك يا يعقوب تومي الإصبع
إن كنت تتلو السابقين فإنّما ... أنت المقدّم والخلائق تبّع
خذها أمير المؤمنين مديحةً ... من قلب صدقٍ لم يشنه تصنّع
واسلم أمير المؤمنين لأمةٍ ... أنت الملاذ لها وأنت المفزع
فالمدح منّي في علاك طبيعةٌ ... والمدح من غيري إليك تطبّع
وعليك يا علم الهداة تحيةٌ ... يفنى الزمان وعرفها يتضوّع
стр. 1516
قال لي الفقيه أبو عبد الله محمد القسطلاني: دخلت إلى السيد أبي الربيع بقصرسجلماسة، وبين يديه أنطاع عليها رؤوس الخوارج الذين قطعوا الطريق على السفار بين سجلماسة وغانة، وهو ينكت الأرض بقضيب من الآبنوس، ويقول:
ولا غرو أن كانت رؤوس عداته ... جواباً إذا كان السيوف رسائله ومات بعد الستمائة، رحمه الله تعالى، انتهى.
وقال لما هجره أمير المؤمنين يعقوب المنصور، ووافق ذلك أن وفد على حضرة الخلافة مراكش جمع من العرب والغز (١) من بلاد المشرق، ونزلوا بتمرتانسقت ظاهر مراكش، واستأذنوا في وقت الدخول، فكتب إلى المنصور (٢) :
يا كعبة الجود التي حجّت لها ... عرب الشآم وغزّها والدّيلم
طوبى لمن أمسى يطوف بها غداً ... ويحلّ بالبيت الحرام ويحرم
ومن العجائب أن يفوز بنظرةٍ ... من بالشآم ومن بمكّة يحرم فعفا عنه، وأحسن إليه، وأمره بالدخول بهم، والتقدم عليهم.
وقال في " المغرب " في حق السيد أبي الربيع المذكور، ما ملخصه (٣) : لم يكن في بني عبد المؤمن مثله في هذا الشأن الذي نحن بصدده، وكان تقدم على مملكتي سجلماسة وبجاية، وكان كاتباً شاعراً أديباً ماهراً، وشعره مدون، وله ألغاز،
стр. 1517
وهو القائل في جارية اسمها ألوف (١) :
خليليّ قولا أين قلبي ومن به ... وكيف بقاء المرء من بعد قلبه
ولو شئتما إسم الذي قد هويته ... لصحّفتما أمري لكم بعد قلبه (٢) وله الأبيات المشهورة التي منها (٣) :
أقول لركب أدلجوا بسحيرة ... قفوا ساعة حتى أزور ركابها
وأملأ عيني من محاسن وجهها ... وأشكو إليها أن طالت عتابها
فإن هي جادت بالوصال وأنعمت ... وإلا فحسبي أن رأيت قبابها وقال يخاطب ابن عمه يعقوب المنصور (٤) :
فلأملأن الخافقين بذكركم ... ما دمت حيّاً ناظماً ومرسّلاً
ولأبذلن نصحي لكم جهدي وذا ... جهد المقلّ وما عسى أن أفعلا
ولأخلصنّ لك الدعاء، وما أنا ... أهلٌ له، ولعلّه أن يقبلا وله مختصر كتاب " الأغاني " انتهى.
رجع - وذكر السرخسي أيضاً في رحلته السد أبا الحسن علي بن عمر ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن، وقال في حقه: إنه كان من أهل الأدب والطرب، ولي بجاية مدة، ثم عزل عنها لإهماله وإغفاله وانهماكه في ملاذه، أنشدني محمد ابن سعيد المهدوي كاتبه قال: كتب الأمير أبو الحسن إلى أمير المؤمنين يعقوب يمدحه ويستزيده، ويطلب منه ما يقضي به ديونه:
стр. 1518
وجوه الأماني بكم مسفره ... وضاحكةٌ لي مستبشره
ولي أملٌ فيكم صادقٌ ... قريبٌ عسى الله قد يسّره
عليّ ديون وتصحيفها ... وعندكم الجود والمغفره يعني ذنوب.
وحدثني الشيخ أبو الحسن ابن فشتال (١) الكاتب وقد أنشدته:
أوحشتني ولو اطّلعت على الذي ... لك في ضميري لم تكن لي موحشا فقال: أنشدته هذا البيت في مجلس السيد أبي الحسن، فقال ولمن حضر: هل تعرفون لهذا البيت ثانياً فما فينا من عرفه، فأنشدنا:
أترى رشيت على اطّراح مودتي ... ولقد عهدتك ليس تثنيك الرّشا أوحشتني - البيت، انتهى.
وقال في " المغرب " في حق السيد المذكور، ما ملخصه: كان هذا السيد أبو الحسن قد ولي مملكة تلمسان وبجاية، وله حكايات في الجود برمكية، ونفس عالية زكية، كتب إليه السيد أبو الربيع يوم جمعة (٢) :
اليوم يوم الجمعة ... يوم سرورٍ ودعه
وشملنا مفترقٌ ... فهل ترى أن نجمعه فأجابه بقوله:
اليوم يوم الجمعة ... وربّنا قد رفعه
والشرب فيه بدعةٌ ... فهل ترى أن ندعه
стр. 1519
قال: ولفظة " السيد " في المغرب بذلك العصر لا تطلق إلا على بني عبد المؤمن بن علي، انتهى.
رجع - قال السرخسي، وقد ذكر في الرحلة المذكورة السيد أبا محمد عبد الله صاحب فاس: وله من أبيات في الفخر وقد انتحلها غيره:
ألست ابن من تخشى الليالي انتقامهم ... وترجو نداهم غاديات السحائب
يخطّون بالخطّيّ في حومة الوغى ... سطور المنايا في نحور المقانب
كتاباً بأطراف العوالي ونقسه ... دم القلب مشكولاً بنضج الترائب
وما كنت أدري قبلهم أنّ معشراً ... أقاموا كتاباً من نفوس الكتائب وأنشدني المقدم الأمير أبو زيد بن يكيت قال: أنشدني بعض السادة من بني عبد المؤمن:
فديت من أصبحت في أسره ... وليس لي من حكمه فادي
إن حلّ يوماً وادياً كان لي ... جنّة عدن ذلك الوادي ثم ذكر رحمه الله تعالى جملة من علماء الأندلس والمغرب لقيهم في هذه الرحلة.
ومن نظم السرخسي المذكور قوله رحمه الله تعالى:
يا ساهر المقلة لاعن كرىً ... غفلت عن هجعي وأوصابي
لو لم يكن وجهك لي قبلةً ... ما أصبح الحاجب محرابي وكان متفنناً في العلوم، وهو عم الأمراء الوزراء الرؤساء فخر الدين وإخوته، ومن مصنفاته " المسالك والممالك " و " عطف الذيل " في التاريخ، وله أمالٍ وتخاريج وقدمه المنصور صاحب المغرب على جماعة، وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية عند المنيبع، وكان عالي الهمة
стр. 1520
شريف النفس، قليل الطمع، لا يلتفت إلى أحد رغبة قي دنياه، لا من أهله ولا من غيرهم، وذكره صاحب " المرآة " وغيره، وترجمته واسعة، رحمه الله تعالى.
٦١ - ومن الوافدين على الأندلس ظفر البغدادي (١) ، سكن قرطبة، وكان من رؤساء الوراقين المعروفين بالضبط وحسن الخط كعباس بن عمرو الصقلي ويوسف البلوطي وطبقتهما، واستخدمه الحكم المستنصر بالله في الوراقة، لما علم من شدة اعتناء الحكم بجمع الكتب واقتنائها، وقد أشار ابن حيان في كتاب " المقتبس " إلى ظفر هذا، رحمه الله تعالى.
٦٢ - ومنهم الرازي، وهو محمد بن موسى بن بشير بن جناد بن لقيط، الكناني، الرازي (٢) ، والد أبي بكر أحمد بن محمد صاحب التاريخ، غلب عليه اسم بلده، وكان يفد من المشرق على ملوك بني مروان تاجراً، وكان مع ذلك متقناً (٣) في العلوم، وهلك منصرفه من الوفادة على الأمير المنذر بن محمد بإلبيرة، في شهر ربيع الآخر سنة ٢٧٣، ذكره ابن حيان في " المقتبس ".
٦٣ - ومنهم الوزير أبو الفضل محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز ابن الحارث بن أسد بن ليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان التميمي، الدرامي، البغدادي (٤) ، سمع من أبي طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص (٥)
стр. 1521
وغيره، وخرج من بغداد رسولاً عن أمير المؤمنين القائم بأمر الله العباسي رضي الله تعالى عنه إلى صاحب إفريقية المعز بن باديس، واجتمع مع أبي العلاء المعري بالمعرة، وأنشده قصيدة لامية يمدح بها صاحب حلب، فقبل عينيه، وقال له: لله أنت من ناظم، وخرج من إفريقية من أجل فتنة العرب، وخيم عند المأمون ابن ذي النون بطليطلة (١) ، وله فيه أمداح كثيرة، ومن فرائد شعره قوله (٢) :
يا ليل ألاّ انجليت عن فلق ... طلت ولا صبر لي على الأرق
جفا لحاظي (٣) التغميض فيك فما ... تطبق أجفانها (٤) على الحدق
كأنني صورةٌ ممثّلةٌ ... ناظرها الدّهر غير منطبق وقال:
يزرع ورداً ناضراً ناظري ... في وجنة كالقمر الطالع
أمنع أن أقطف أزهاره ... في سنّة المتبوع والتّابع
فلم منعتم شفتي قطفها ... والحكم أن الزرع للزارع هكذا نسبها له غير واحد كابن سعيد كتيلة (٥) ، وبعضهم ينسبها للقاضي عبد الوهاب.
قلت: وقد أجاب عنها بعض المغاربة بقوله:
سلّمت أنّ الحكم ما قلتم ... وهو الذي نصّ عن الشارع
стр. 1522
فكيف تبغي شفةٌ قطفه ... وغيرها المدعوّ بالزارع ورده شيخ شيوخ شيوخنا الإمام الحافظ أبو عبد الله التّنسي ثم التلمساني بقوله:
في ذا الذي قد قلتم مبحثٌ ... إذ فيه إيهامٌ على السامع
سلّمتم الحكم له مطلقاً ... وغير ذا نصّ عن الشارع يعني أنه يلزم على قول المجيب أن يباح له النظر مطلقاً، والشرع خلافه.
وأجاب بعض الحنفية بقوله:
لأنّ أهل الحبّ في حكمنا ... عبيدنا في شرعنا الواسع
والعبد لا ملك له عندنا ... فحقّه للسيّد المانع وهو جواب حسن لا بأس به.
ورأيت جواباً لبعض المغاربة على غير روية، وهو:
قل لأبي الفضل الوزير الذي ... باهى به مغربنا الشرق
غرست ظلماً وأردت الجنى ... وما لعرق ظالم حقّ قلت: وهذا مما يعين أن الأبيات لأبي الفضل الدرامي المذكور في الذخيرة، لا للقاضي عبد
الوهاب، والله تعالى أعلم.
ومن شعر الوزير المذكور قوله:
بين كريمين منزلٌ واسع ... والودّ حالٌ تقرّب الشاسع
والبيت إن ضاق عن ثمانيةٍ ... متسعٌ بالوداد للتاسع وولد رحمه الله تعالى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وهو من بيت علم وأدب، قال الحميدي: أخبرني بذلك أبو عمر (١) رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز
стр. 1523
ابن الحارث، وتوفي بطليطلة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وقال ابن حيان: توفي ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس وخمسين وأربعمائة، في كنف المأمون يحيى بن ذي النون، وذكر أنه كان يتهم بالكذب، فالله تعالى أعلم بحقيقة الأمر.
وقال ابن ظافر في كتابه " بدائع البدائه " (١) ما نصه: أبو الفضل الدرامي البغدادي مجلس المعز بن باديس، وبالمجلس ساقٍ وسيم قد مسك عذاره ورد خديه، وعجزت الراح أن تفعل في الندامى فعل عينيه، فأمر المعز بوصفه، فقال بديهاً:
ومعذّرٍ نقش الجمال بمسكه ... خدّاً له بدوم القلوب مضرّجا
لما تيقّن أن سيف جفونه ... من نرجسٍ جعل العذار بنفسجا وقوله في جارية تبخترت بالند (٢) :
ومحطوطة المتنين مهضومة الحشا ... منعّمة الأرداف تدمى من اللمس
إذا ما دخان الند من جيبها علا ... على وجهها أبصرت غيماً على شمس وقوله (٣) :
لأغرّرنّ بمهجتي في حبّه ... غرراً يطيل مع الخطوب خطابي
ولئن تعزز إنّ عندي ذلّةً ... تستعطف الأعداء للأحباب وقوله (٤) :
стр. 1524
دعتني عيناك نحو الصبا ... دعاء يكرر في كلّ ساعه
ولولا وحقّك عذر المشيب ... لقلت لعينيك سمعاً وطاعه وقد تمثل بهذين البيتين لسان الدين ابن الخطيب في خطبة تأليفه المسمى ب " روضة التعريف
بالحب الشريف ".
وقال أبو الفضل الدرامي المذكور أيضاً (١) :
سطا الفراق عليهم غفلةً فغدوا ... من جوره فرقاً من شدّة الفرق
فسرت شرقاً وأشواقي مغرّبةٌ ... يا بعد ما نزحت عن طرقهم طرقي
لولا تدارك دمعي يوم كاظمةٍ ... لأحرق الركب ما أبديت من حرق
يا سارق القلب جهراً غير مكترثٍ ... أمنت في الحبّ أن تعدى على السّرق
أرمق بعين الرضى تنعش بعاطفةٍ ... قبل المنيّة ما أبقيت (٢) من رمقي
لم يبق مني سوى لفظٍ يبوح بما ... ألقى فيا عجباً للّفظ كيف بقي
صلني إذا شئت أو فاهجر علانيةً ... فكلّ ذلك محمولٌ على الحدق وقال (٣) :
تذكّر نجداً والحمى فبكى وجدا ... وقال: سقى الله الحمى وسقى نجدا
وحيّته (٤) أنفاس الخزامى عشية ... فهاجت إلى الوجد القديم به وجدا
فأظهر سلواناً وأضمر لوعةً ... إذا طفئت نيرانها وقدت وقدا
ولو أنّه أعطى الصبابة حكمها ... لأبدى الذي أخفى وأخفى الذي أبدى
стр. 1525
وقال أيضاً (١) :
قلت للملقي على الخ ... دين من وردٍ خمارا
أسبل الصّدغ على خ ... دّك من مسكٍ عذارا
أم أعان الليل حتّى ... قهر الليل النهار
قال: ميدانٌ جرى الحس ... ن عليه فاستدارا
ركضت فيه عيونٌ ... فأثارته غبارا وقال (٢) :
وكاتبٍ أهديت نفسي له ... فهي من السوء فدا نفسه
فلست أدري بعد ما حلّ بي ... بمسكه أتلف أم نقسه
سلّط خدّيه على مهجتي ... فاستأصلتها وهي من غرسه وقال:
وشادنٍ أسرف في صدّه ... وزاد في التيه على عبده
الحسن قد بثّ على خدّه ... بنفسجاً يزهو على ورده
رأيته يكتب في طرسه ... خطّاً يباري الدّرّ من عقده
فخلت ما قد خطّه كفّه ... للحسن قد خطّ على خدّه وقال:
إنّي عشقت صغيراً ... قد دبّ فيه الجمال
وكاد يفشي حديث ال ... فضول منه الدّلال
لو مرّ في طرق الهج ... ر لاعتراه ضلال
стр. 1526
يريك بدراً منيراً ... في الحسن وهو هلال وقال:
ظبيٌ إذا حرّك أصداغه ... لم يلتفت خلقٌ إلى العطر
غنّى بشعري منشدا ًليتني الل ... فظ الذي أودعته شعري
فكلّما كرّر إنشاده ... قبّلته فيه ولم يدر وقال:
أينفع قولي إنّني لا أحبّه ... ودمعي بما يمليه وجدي يكتب
إذا قلت للواشين لست بعاشقٍ ... يقول لهم فيض المدامع يكذب وقال:
وهبني قد أنكرت حبّك جملةً ... وآليت أنّي لا أروم محطّها
فمن أين في الحبّ جرح شهادةٍ ... سقامي أملاها ودمعي خطّها وقال:
أنا أخشى إن دام ذا الهجر أن ين ... شط من حبّه عقال وثاقي
فأريح الفؤاد ممّا اعتراه ... وأردّ الهوى على العشّاق وقال:
كلانا لعمري ذائبان (١) من الهوى ... فنارك من جمرٍ وناري من هجر
فأنت على ما قد تقاسين من أذىً ... فصدرك في نارٍ وناري في صدري
стр. 1527
وقال:
ومن عجب العشق أن القتيل ... يحنّ ويصبو إلى القاتل وقال:
ألم أجعل مثار النقع بحراً ... على أنّ الجياد له سفين وقال:
أصبحت أحلب تيساً لا مدرّ له ... والتيس من ظنّ أن التيس محلوب وأما الحكيم أبو محمد المصري وهو القائل (١) :
رعى الله دهراً قد نعمنا بطيبه ... لياليه من سمش الكؤوس أصائل
ونرجسنا درٌ على التبر جامدٌ ... وخمرتنا تبرٌ على الدرّ سائل فقد ترجمه في " الذخيرة " فليراجع، فإن الذخيرة غريبة في البلاد المشرقية.
وقد كان عندي بالمغرب من هذا النوع ما أستعين به، فخلفته هنالك، والله تعالى يلم الشمل. وقد ذكر فيها أنه مغربي سافر إلى مصر، فقيل له " المصري " لذلك، فليعلم، والله تعالى أعلم.
٦٤ - ومن الوافدين على الأندلس أشهب بن العضد الخراساني. قال ابن سعيد: أنشدنا لما وفد على ابن هود في إشبيلية قصيدة ابن النبيه:
طاب الصّبوح لنا فهاك وهات (٢) ... وادعاها، وفيها:
стр. 1528
في روضة غنّا تخال طيورها ... وغصونها همزاً على ألفات ولم أجد هذا البيت في قصيدة ابن النبيه، انتهى.
٦٥ - ومن الوافدين على الأندلس من المشرق أبو الحسن البغدادي الفكيك (١) ، وهومذكور في الذخيرة، وكان حلو الجواب، مليح التندر، يضحك من حضرن ولا يضحك هو إذا ندر، وكان قصيراً دميماً، قال: ورأيته يوماً وقد لبس طاقاً أحمر على بياض، وفي رأسه طرطور أخضر، عمم عليه عمة لازوردية، وهو بين يدي المعتمد بن عباد ينشد شعراً قال فيه:
وأنت سليمان في ملكه ... وبين يديك أنا الهدهد وأنشد له في المعتمد:
أبا القاسم الملك المعظّم قدره ... سواك من الأملاك ليس يعظّم
لقد أصبحت حمصٌ بعدلك جنةً ... وقد أبعدت عن ساكنيها جهنم
ولي بحياك الريع عاماً وأشهراً ... أزخرف أعلام الثناء وأرقم
وأنفقت ما أعطيتني ثقةً بما ... أؤمّل فالدينار عندي درهم
وقلبي إلى بغداد يصبو وإنّني ... لنشر صباها دائماً أتنسّم وقال:
وذرّى على ربع العقيق دموعه ... عقيقاً ففيها توأمٌ وفريد
شهدت وما تغني شهادة عاشقٍ ... بأن قتيل الغانيات شهيد ومنها:
стр. 1529
إذا قابلوه قبّلوا ترب أرضه ... وهم لعلاه ركّعٌ وسجود
وقد هزّ منه الله للملك صارماً ... تقام بحدّي شفرتيه حدود وقال:
لأيّة حالٍ حال عن سنة الكرى ... ولم أصغي وماً في هواه إلى العذل ومنها:
كأنّ بقاء الطّلّ فوق جفونها ... دموع التصابي حرن في الأعين النّجل ومنها:
تملّكت رقّي بالعوارف منعماً ... وأغنيتني بالجود عن كلّ ذي فضل
وأنسيتني أرض العراق ودجلةً ... وربعي حتى ما أحنّ إلى أهلي وقال في المقتدر بن هود:
لعزّك ذلّت ملوك البشر ... وعفّرت تيجانهم في العفر
وأصبحت أخطرهم بالقنا ... وأركبهم لجود الخطر
سهرت وناموا عن المأثرات ... فما لهم في المعالي أثر
وجلّيت في حيث صلّى الملوك ... فكلٌّ بذيل المنى قد عثر ومنها:
وأنتم ملوكٌ إذا شاجروا ... أظلّتهم من قناهم شجر وقال الفكيك من قصيدة:
غنّى حسامك في أرجاء قرطبةٍ ... صوتاً أباد العدى والليل معتكر
حيث الدماء مدامٌ والقنا زهرٌ ... والقوم صرعى بكأس الحتف قد سكروا
стр. 1530
وكان مشهوراً بالهجاء، وله في نقيب بغداد وكانت في عنقه غدة:
بلع الأمانة فهي في حلقومه ... لا ترتقي صعداً ولا تتنزّل وقال ناصر الدولة بن حمدان:
ولئن غلطت بأن مدحتك طالباً ... جدواك مع علمي بأنّك باخل
فالدولة الغرّاء قد غلطت بأن ... سمّتك ناصرها وأنت الخاذل
إن تمّ أمرك مع يدٍ لك أصبحت ... شلاّء فالأمثال شىء باطل ومما ينسب إليه، وقيل لغيره:
ووعدتني وعداً حسبتك صادقاً ... فجعلت من طعمي أجيء وأذهب
فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلسٍ ... قالوا مسيلمةٌ وهذا أشعب ٦٦ - ومنهم إبراهيم بن سليمان الشامي، دخل الأندلس من المشرق في أخريات أيام الحكم شادياً للشعر، وهو من موالي بني أمية، ولم ينفق على الحكم، وتحرك في أيام ولده الأمير عبد الرحمن فنفق عليه، ووصله، ثم في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن، وكان أدرك بالمشرق كبار المحدثين كأبي نواس وأبي العتاهية. ومن شعره ما كتب به إلى الأمير عبد الرحمن:
يا من تعالى من أميّة في الذرى ... قدما ًفأصبح عالي الأركان
إن الغمام غياثه في وقته ... والغيث من كفّيك كلّ أوان
فالغيث قد عمّ البلاد وأهلها ... وظمئت بينهم فبلّ لساني وله في الأمير عبد الرحمن بن الحكم:
ومن عبد شمسٍ بالمغارب عصبةٌ ... فأسعدها الرحمن حيث أحلّها
دحا تحتها مهداً من العزّ آمناً ... ومدّ جناحاً فوقها فأظلّها
стр. 1531
٦٧ - ومنهم أبو بكر بن الأزرق، وهو محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن حامد بن موسى بن العباس بن محمد بن يزيد، وهو الحصني، ابن محمد ابن مسلمة بن عبد الملك بن مروان، من أهل مصر، خرج من مصر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وصار إلى القيروان، وامتحن بها مع الشيعة، وأقام محبوساً بالمهدية، ثم أطلق ووصل الأندلس سنة تسع وأربعين، فأحسن إليه المستنصر بالله الحكم، وكان أديباً حكيماً، سمع من خاله أبي بكر أحمد بن مسعود الزهري، وولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة بمصر، وتوفي بقرطبة في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ﵀ تعلى.
٦٨ - ومن الواردين على الأندلس من المشرق رئيس المغنين أبو الحسن علي بن نافع، الملقب بزرياب (١) ، مولى أمير المؤمنين المهدي العباسي، قال في " المقتبس ": زياب لقب غلب عليه ببلاده من أجل سواد لونه، مع فصاحة لسانه، وحلاوة شمائله، شبه بطائر أسود غرد عندهم، وكان شاعراً مطبوعاً، وكان ابنه أحمد قد غلب عليه الشعر أيضاً، وكان من خبره في الوصول إلى الأندلس أنه كان تلميذاً لإسحاق الموصلي ببغداد، فتلقف من أغانيه استراقاً، وهدي من فهم الصناعة وصدق العقل مع طيب الصوت وصورة الطبع إلى ما فاق به إسحاق، وإسحاق لا يشعر بما فتح عليه، إلى أن جرى بالرشيد مع إسحاق خبره المشهور في الاقتراح عليه بمغنٍ غريب مجيد للصنعة، لم يشتهر مكانه إليه، فذكر له تلميذه هذا، وقال: إنه مولىً لكم، وسمعت له نزعات حسنة، ونغمات رائقة ملتاطة بالنفس، إذا أنا وقفته على ما استغرب منها وهو من اختراعي واستنباط فكري، أحدث أن يكون له شأن، وقال الرشيد: هذا طلبتي، فأحضرنيه لعل حاجتي عنده، فأحضره، فلما كلمه الرشيد أعرب عن نفسه
стр. 1532
بأحسن منطق وأوجز خطاب، وسأله عن معرفته بالغناء، فقال: نعم أحسن منه ما يحسنه الناس، وأكثر ما أحسنه لا يحسنونه، مما لا يحسن إلا عندك ولا يدخر إلا لك، فإن أذنت غنيتك ما لم تسمعه أذن قبلك، فأمر بإختصار عود أستاذه إسحاق، فلما أدني إليه وقف عن تناوله، وقال: لي عود نحته بيدي وأرهفته بإحكامي، ولا أرتضي غيره، وهو بالباب، فليإذن لي أمير المؤمنين في استدعائه، فأمر بإدخاله إليه، فلما تأمله الرشيد وكان شبيهاً بالعود الذي دفعه قال له: ما منعك أن تستعمل عود أستاذك فقال: إن كان مولاي يرغب في غناء أستاذي غنيته بعوده، وإن كان يرغب في غنائي فلا بد لي من عودي، فقال له:ما أراهما إلا واحداً، فقال: صدقت يا مولاي، ولا يؤدي النظر غير ذلك، ولكن عودي وإن كان في قدر جسم عوده ومن جنس خشبه فهو يقع من وزنه في الثلث أو نحوه، وأوتاري من حرير لم يغزل بماء سخن يكسبها أناثه ورخاوة، وبمها ومثلثها اتخذتهما من مصران شبل أسد، فلها في الترنم والصفاء والجهارة والحدة أضعاف ما لغيرها من مصران سائر الحيوان، ولها من قوة الصبر على تأثير وقع المضارب المتعاورة بها ما ليس لغيرها، فاستبرع الرشيد وصفه وأمره بالغناء، فجس، ثم اندفع فغناه:
يا أيّها الملك الميمون طائره ... هارون راح إليك الناس وابتكروا فأتم النوبة، وطار الرشيد طرباً، وقال لإسحاق: والله لولا أني أعلم من صدقك لي على كتمانه إياك لما عنده وتصديقه لك من أنك لم تسمعه قبل لأنزلت بك العقوبة لتركك إعلامي بشأنه، فخذه إليك واعتن بشأنه، حتى أفرغ له، فإن لي فيه نظراً، فسقط في يد إسحاق، وهاج به من داء الحسد ما غلب صبره، فخلا بزرياب وقال: يا علي، إن الحسد أقدم الأدواء وأدواها، والدنيا فتانة، والشركة في الصناعة عداوة، لا حيلة في حسمها وقد مكرت بي فيما انطويت عليه من إجادتك وعلو طبقتك، وقصدت منفعتك
стр. 1533
فإذا أنا قد أتيت نفسي من مأمنها بإدنائك، وعن قليل تسقط منزلتي، وترتقي أنت فوقي، وهذا ما لا أصاحبك عليه ولو أنك ولدي، ولولا رعيي لذمة تربيتك لما قدمت شيئاً على أن أذهب نفسك، يكون في ذلك ما كان، فتخير في ثنتين لا بد لك منهما: إما أن تذهب عني في الأرض العريضة لا أسمع لك خبراً بعد ذلك الأيمان الموثقة، وأنهضك لذلك بما أردت من مال وغيره، وإما أن تقيم على كرهي ورغمي مستهدفاً إلي، فخذ الآن حذرك مني فلست والله أبقي عليك، ولا أدع اغتيالك باذلاً في ذلك بدني ومالي، فاقض قضاءك. فخرج زرياب لوقته، وعلم قدرته على ما قال، واختار الفرار قدامه، فأعانه إسحاق على ذلك سريعاً، وراش جناحه، فرحل عنه، ومضى يبغي مغرب الشمس، واستراح قلب إسحاق منه.
وتذكر الرشيد بعد فراغه من شغل كان منغمساً فيه، فأمر إسحاق بحضوره، فقال: ومن لي به يا أمير المؤمنين ذاك غلام مجنون يزعم أن الجن تكلمه وتطارحه ما يزهى به من غنائه، فما يرى في الدنيا من يعد له، وما هو إلا أن أبطأت عليه جائزة أمير المؤمنين وترك استعادته، فقدر التقصير به والتهوين بصناعته، فرحل مغاضباً ذاهباً على وجهه مستخفياً عني، وقد صنع الله تعالى في ذلك لأمير المؤمنين، فإنه كان به لمم يغشاه ويفرط خطبه، فيفزع من رآه، فسكن الرشيد إلى قول إسحاق، وقال: على ما كان به فقد فتنا منه سرور كثير.
ومضى زرياب إلى المغرب فنسي بالمشرق خبره، غذ لم يكن اسمه شهر هنالك شهرته بالصقع الذي قطنه ونزعت إليه نفسه وسمت به همته، فأم أمير الأندلس الحكم المباين لمواليه، وخاطبه وذكر له نزاعه إليه واختباره إياه ويعلمه بمكانه من الصناعة التي ينتحلها وسأله الإذن في الوصول إليه، فسر الحكم بكتابه وأظهر له من الرغبة فيه والتطلع إليه وإجمال الموعد ما تمناه، فسار زرياب نحوه بعياله وولده، وركب بحر الزقاق إلى الجزيرة الخضراء، فلم يزل بها حتى توالت عليه الأخبار بوفاة الحكم، فهم بالرجوع إلى العدوة، فكان معه منصور
стр. 1534
اليهودي المغني رسول الحكم إليه، فثناه عن ذلك ورغبه في قصد القائم مقام الحكم، وهو عبد الرحمن ولده، وكتب إليه بخبر زرياب، فجاءه كتاب عبد الرحمن يذكر تطلعه إليه والسرور بقدومه عليه، وكتب إلى عماله على البلاد أن يحسنوا إليه ويوصلوه إلى قرطبة، وأمر خصياً من أكابر خصيانه أن يتلقاه ببغال ذكور وإناث وآلات حسنة، فدخل هو وأهله البلد ليلاً صيانةً للحرم، وأنزله في دار من أحسن الدور، وحمل إليها جميع ما يحتاج إليه، وخلع عليه، وبعد ثلاثة أيام استدعاه، وكتب له في كل شهر بمائتي دينار راتباً، وأن يجرى على بنيه الذين قدموا معه - وكانوا أربعة: عبد الرحمن، وجعفر، وعبيد الله، ويحيى - عشرون ديناراً لكل واحد منهم كل شهر، وأن يجرى على زرياب من المعروف العام ثلاثة آلاف دينار، منها لكل عيد ألف دينار، ولكل مهرجان ونوروز خمسمائة دينار، وأن يقطع له من الطعام العام ثلاثمائة مدي ثلثاها شعير وثلثها قمح، وأقطعه من الدور والمستغلات بقرطبة وبساتينها ومن الضياع ما يقوم بأربعين ألف دينار. فلما قضى له سؤله وأنجز موعوده (١) وعلم أن قد أرضاه وملك نفسه استدعاه، فبدأ بمجالسته على النبيذ وسماع غنائه، فما هو إلا أن سمعه فاستهوله واطرح كل غناء سواه، وأحبه حباً شديداً وقدمه على جميع المغنين، وكان لما خلا به أكرمه غاية الإكرام وأدنى منزلته وبسط أمله، وذاكره في أحوال الملوك وسير الخلفاء ونوادر العلماء، فحرك منه بحراً زخر عليه مده، فأعجب الأمير به وراقه ما أورده، وحضر وقت الطعام فسرفه بالأكل معه هو وأكابر ولده، ثم أمر كاتبه بأن يعقد له صكاً بما ذكرناه آنفاً، ولما ملك قلبه واستولى عليه حبه فتح له باباً خاصاً يستدعيه منه متى أراده.
وذكر أن زرياباً ادعى أن الجن كانت تعلمه كل ليلة ما بين نوبة إلى
стр. 1535
صوت واحد، كان يهب من نومه سريعاً فيدعو بجاريتيه غزلان وهنيدة، فتأخذان عودهما، ويأخذ هو عوده، فيطارحهما ليلته ويكتب الشعر ثم يعود عجلاً إلى مضجعه، وكذلك يحكى عن إبراهيم الموصلي في لحنه البديع المعروف بالماخوري أن الجن طارحته إياه، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.
وزاد زرياب بالأندلس في أوتار عوده وتراً خامساً اختراعاً منه، إذ لم يزل العود ذا أربعة أوتار على الصنعة القديمة التي قوبلت بها الطبائع الأربع، فزاد عليها وتراً خامساً أحمر متوسطاً، فاكتسب به عوده ألطف معنى وأكمل فائدة، وذلك أن الزير صبغ أصفر اللون، وجعل في العود بمنزلة الصفراء من الجسد، صبغ الوتر الثاني بعده أحمر، وهو من العود مكان الدم من الجسد، وهو في الغلظ ضعف الزير، ولذلك سمي مثنى، وصبغ الوتر الرابع أسود، وجعل من العود مكان السوداء من الجسد، وسمي البم، وهو أعلى أوتار العود، وهو ضعف المثلث الذي عطل من الصبغ وترك أبيض اللون، وهو من العود بمنزلة البلغم من الجسد، وجعل ضعف المثنى في الغلظ، ولذلك سمي المثلث، فهذه الأربعة من الأوتار مقابلة للطبائع الأربع تقضي طبائعها بالعتدال، فالبم حار يابس يقابل المثنى وهو حار رطب وعليه تسويته، والزير حار يابس يقابل المثلث وهو حار رطب، قوبل كل طبع بضده حتى اعتدل واستوى كاستواء الجسم بأخلاطه، إلا أنه عطل من النفس، والنفس مقرونة بالدم، فأضاف زرياب من أجل ذلك إلى الوتر الأوسط الدموي هذا الوتر الخامس الأحمر الذي اخترعه بالأندلس، ووضعه تحت المثلث (١) وفوق المثنى، فكمل في عوده قوى الطبائع الأربع، وقام الخامس المزيد مقام النفس في الجسد.
وهو الذي اخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النسر، معتاضاً به من مرهف الخشب، فأبرع في ذلك للطف قشر الريشة ونقائه وخفته على
стр. 1536
الأصابع وطول سلامة الوتر على كثرة ملازمته إياه.
وكان زرياب عالماً بالنجوم وقسمة الأقاليم السبعة واختلاف طبائعها وأهويتها وتشعب بحارها وتصنيف بلادها وسكانها، مع ما سنح له من فك كتاب الموسيقى، مع حفظه لعشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها، وهذا العدد من الألحان غاية ما ذكره بطليموس واضع هذه العلوم ومؤلفها.
وكان زرياب قد جمع إلى خصاله هذه الاشتراك في كثير من ضروب الظرف وفنون الأدب، ولطف المعاشرة، وحوى من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة الملوكية ما لم يجده أحد من أهل صناعته، حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنه لهم من آدابه، واستحسنه من أطعمته، فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوباً إليه معلوماً به: فمن ذلك أنه دخل إلى الأندلس وجميع من فيها من رجل أو امرأة يرسل جمته مفروقاً وسط الجبين عاماً للصدغين والحاجبين، فلما عاين ذوو التحصيل تحذيفه هو وولده ونساؤه لشعورهم، وتقصيرها دون جباههم، وتسويتها مع حواجبهم، وتدويرها إلى آذانهم، ولإسبالها إلى أصداغهم - حسبما عليه اليوم الخدم الخصية والجواري - هوت إليه أفئدتهم، واستحسنوه. ومما سنه استعمال المرتك المتخذ من المرداسنج لطرد ريح الصنان من مغابنهم، ولا شيء يقوم مقامه، وكانت ملوك الأندلس تستعمل قبلة ذرور الورد وزهر الريحان وما شاكل ذلك من ذوات القبض والبرد، فكانوا لا تسلم ثيابهم من وضر، فدلهم على تصعيدها بالملح، وتبييض لونها، فلما جربوه أحمدوه جداً. وهو أول من اجتنى بقلة الهليون المسماة بلسانهم الإسفراج (١) ، ولم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله. ومما اخترعوه من الطبيخ اللون المسمى عندهم بالتفايا (٢) ، وهو مصطنع بماء الكزبرة
стр. 1537
الرطبة محلى بالسنبوسق والكباب، ويليه عندهم لون التقلية المنسوبة إلى زرياب.
ومما أخذه عنه الناس بالأندلس تفضيلة آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضة، وإيثاره فرش أنطاع الأديم اللينة الناعمة على ملاحف الكتان، واختياره سفر الأديم لتقديم الطعام فيها على الموائد الخشبية إذ الوضر يزول عن الأديم بأقل مسحة، ولبسه كل صنف من الثياب في زمانه الذي يليق به، فإنه رأى أن يكون ابتداء الناس للباس البياض وخلعهم للملون من يوم مهرجان أهل البلد المسمى عندهم بالعنصرة الكائن في ست بقين من شهر يونية الشمسي من شهورهم الرومية، فيلبسونه إلى أول شهر أكتوبر الشمسي منها ثلاثة أشهر متوالية ويلبسون بقية السنة الثياب الملونة، ورأى أن يلبسوا في الفصل الذي بين الحر والرد المسمى عندهم الربيع من مصبغهم جباب الخز والملحم والمحرر والدراريع التي لا بطائن لها لقربها من لطف ثياب البياض الظهائر التي ينتقلون إليها لخفتها وشبهها بالمحاشي، ثياب العامة، وكذا رأى أن يلبسوا في آخر الصيف وعند أول الخريف المحاشي المروية والثياب المصمتة وما شاكلها من خفائف الثياب الملونة ذوات الحشو والبطائن الكثيفة، وذلك عند قرس البرد في الغدوات، إلى أن يقوى البرد فينتقلوا إلى أثخن منها من الملونات، ويستظهرون من تحتها إذا احتاجوا إلى صنوف الفراء.
واستمر بالأندلس أن كل من افتتح الغناء قيبدأ بالنشيد أول شدوه بأي نقر كان، ويأتي إثره بالبسيط، ويختم بالمحركات والأهزاج تبعاً لمراسم زرياب. وكان إذا تناول الإلقاء على تلميذ يعلمه أمره بالقعود على الوساد المدور المعروف بالمسورة، وأن يشد صوته جداً إذا كان قوي الصوت، فإن كان لينه أمره أن يشد على بطنه عمامة، فإن ذلك مما يقوي الصوت، ولا يجد متسعاً في الجوف
стр. 1538
عند الخروج على الفم، فإن كان ألص الأضراس لا يقدر على أن يفتح فاه، أو كانت عادته زم أسنانه عند النطق، راضه بأن يدخل في فيه قطعة خشب عرضها ثلاث أصابع يبيتها في فمه ليالي حتى ينفرج فكاه، وكان إذا أراد أن يختبر المطبوع الصوت المراد تعليمه من غير المطبوع أمره أن يصيح بأقوى صوته: ياحجام، أو يصيح: آه، ويمد بها صوته، فإن سمع صوته بهما صافياً ندياً قوياً مؤدياً لا يعتريه غنة ولا حبسة ولا ضيق نفس عرف أن سوف ينجب وأشار بتعليمه، وإن وجده خلاف ذلك أبعده.
وكان له من ذكور الولد ثمانية: عبد الرحمن وعبيد الله ويحيى وجعفر ومحمد وقاسم وأحمد وحسن. ومن الإناث ثنتان: علية وحمدونة. وكلهم غنى ومارس الصناعة، واختلفت بهم الطبقة، فكان أعلاهم عبد الله ويتلوه عبد الرحمن، لكنه ابتلي من فرط التيه وشدة الزهو وكثرة العجب بغنائه والذهاب بنفسه بما لم يكن له شبه فيه، وقلما يسلم مجلس حضوره من كدر يحدثه، ولا يزال يجترىء على الملوك، ويستخف بالعظماء، ولقد حمله سخفه على أن يحضر يوماً مجلس بغض الأكابر الأعاظم في أنس قد طاب به سروره، وكان صاحب قنص تغلب عليه لذته، فاستدعى بازياً كان كلفاً به كثير التذكر له، فجعل يمسح أعطافه ويعدل قوادمه ويرتاح لنشاطه، فسأله عبد الرحمن أن يهبه له، فاستحيا من رده وأعطاه إياه مع ضنه به، فدفعه عبد الرحمن إلى غلامه ليعجل به إلى منزله، وأسر إليه فيه بسر لم يطلع عليه، فمضى لشأنه، ولم يلبث أن جاءه بطيفورية مغطاة مكرمة بطابع مختوم عليها من فضة، فغذا به لون مصوص قد اتخذ من البازي بعد ذبحه على ما حده لأهله، وذهب إلى الإنتقال عليه في شرابه، وقال لصاحب المجلس: شاركني في نقلي هذا فإنه شريف المركب (١) بديع الصنعة، فلما رآه الرجل أنكر صفته وعاب
стр. 1539
لحمه، وسأله عنه، فقال: هو البازي الذي كنت تعظم قدره، ولا تصبر عنه، قد صيرته إلى ما ترى، فغضب صاحب المنزل حتى ربا في أثوابه وفارقه حلمه وقال له: قد كان والله أيها الكلب السفيه على ما قدرته وما اقتديت فيه إلا بكبار الناس المؤثرين لمثله، وما أسعفتك به إلا معظماً من قدرك ما صغرت من قدري، وأظهرت من هوان السنة عليك باستحلالك لسباع الطير المنهي عنها، ولا أدع والله الآن تأديبك إذ أهملك أبوك معلم الناس المروءة، ودعا له بالسوط وأمر بنزع قلنسوته وساط هامته مائة سوط، فاستحسن جميع الناس فعله وأبوا الشماتة به.
وكان محمد منهم مؤنثاً، وكان قاسمهم أحذاقهم غناء مع تجويده، وتزوج الوزير هشام بن عبد العزيز حمدونة.
وذكر الشاعر أن أول من دخل الأندلس من المغنين علون وزرقون، دخلا في أيام الحكم بن هشام، فنفقا عليه، وكانا محسنين، لكن غناؤهما ذهب لغلبة غناء زرياب عليه.
وقال عبد الرحمن بن الشمر منجم الأمير عبد الرحمن ونديمه في زرياب:
يا عليّ بن نافعٍ يا عليّ ... أنت أنت المهذّب اللّوذعيّ
أنت في الأصل حين يسأل عنه ... هاشميّ وفي الهوى عبشميّ وقال ابن سعيد: وأنشد لزرياب والدي في معجمه:
علّقتهما ريحانةً ... هيفاء عاطرةً نضيره
بين السمينة والهزي ... لة والطويلة والقصيره
لله أيامٌ لنا ... سلفت على دير المطيره
لاعيب فيها للمتيّ ... م غير أن كانت يسيره انتهى.
стр. 1540
وكان لزرياب جارية اسمها متعة، أدّبها وعلّمها أحسن أغانيه حتى شبت، وكانت رائعة الجمال، وتصرفت بين يدي الأمير عبد الرحمن بن الحكم تغنيه مرة وتسقيه أخرى، فلما فطنت لإعجابه بها أبدت له دلائل الرغبة، فأبى إلا التستر، فغنته بهذه الأبيات، وهي لها في ظن بعض الحفاظ:
يا من يغطّي هواه ... من ذا يغطّي النهارا
قد كنت أملك قلبي ... حتى علقت فطارا
يا ويلتا أتراه ... لي كان، أو مستعارا
يا بأبي قرشيٌّ ... خلعت فيه العذارا فلما انكشف لزرياب أمرها أهداها إليه فحظيت عنده.
وكانت حمدونة بنت زرياب متقدمة في أهل بيتها، محسنة لصناعتها، متقدمة على أختها علية، وهي زوجة الوزير هاشم بن عبد العزيز كما مر، وطال عمر علية بعد أختها حمدونة، ولم يبق من أهل بيتها غيرها، فافتقر الناس إليها، وحملوا عنها.
وكانت مصابيح جارية الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل أخذت عن زرياب الغناء، وكانت غاية في الإحسان والنبل وطيب الصوت، وفيها يقول ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، وكتب به إلى مولاها (١) :
يا من يضنّ بصوت الطائر الغرد ... ما كنت أحسب هذا الضنّ من أحد
لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة ... أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد من أبيات، فخرج حافياً لما وقف على ذلك، وأدخله إلى مجلسه، وتمتع من سماعها، رحم الله تعالى الجميع.
стр. 1541
وقال علويه: كنت مع المأمون لما قدم الشام، فدخلنا دمشق، وجعلنا نطوف فيها على قصور بني أمية، فدخلنا قصراً مفروشاً بالرخام الأخضر، وفيه بركة يدخلها الماء ويخرج منها فيسقي بستاناً، وفي القصر من الأطيار ما بغني صوته عن العود والمزمار، فاستحسن المأمون ما رأى، وعزم على الصبوح، فدعا بالطعام فأكلنا وشربنا، ثم قال لي: غن بأطيب صوت وأطربه، فلم يمر على خاطري غير هذا الصوت:
لو كان حولي بنو أميّة لم ... ينطق رجال أراهم نطقوا فنظر إلي مغضباً، وقال: عليك لعنة الله وعلى بني أمية، فعلمت أني قد أخطأت، فجعلت أعتذر من هفوتي، وقلت: يا أمير المؤمنين، أتلومني أن أذكر موالي بني أمية، وهذا زرياب مولاك عندهم بالأندلس، يركب في أكثر من مائة مملوك وفي ملكه ثلاثمائة ألف دينار دون الضياع، وإني عندكم أموت جوعاً، وفي الحكاية طول واختلاف، ومحل الحاجة منها ما يتعلق بزرياب، رحم الله تعالى الجميع.
وذكرها الرقيق في كتاب " معاقرة الشراب " على غير هذا الوجه، ونصه: وركب المأمون يوماً من دمشق يريد جبل الثلج، فمر ببركة عظيمة من برك بني أمية، وعلى جانبها أربع سروات، وكان الماء يدخل سيحاً، فاستحسن المأمون الموضع، ودعا بالطعام والشراب، وذكر بني أمية، فوضع منهم وتنقصهم، فأخذ علويه العود واندفع يغني:
أرى أسرتي في كلّ يومٍ وليلةٍ ... يروح بهم داعي المنون ويغتدي
أولئك قومٌ بعد عزّ وثروة ... تفانوا فإلاّ أذرف العين أكمد فضرب المأمون بكأسه الأرض، وقال لعلويه: يا ابن الفاعلة، لم يكن لك وقت تذكر مواليك فيه إلا هذا الوقت فقال: مولاكم زرياب عند موالي بالأندلس يركب في مائة غلام، وأنا عندكم بهذه الحالة! فغضب عليه نحو شهر، ثم
стр. 1542
رضي عنه، انتهى.
ونحوه لابن الرقيق في كتابه " قطب السرور " وقال في آخر الحكاية: وأنا عندكم أموت من الجوع، ثم قال: وزرياب مولى المهدي، ووصل إلى بني أمية بالأندلس فعلت حاله، حتى كان كما قال علويه، انتهى.
ولما غنى زرياب بقوله (١) :
ولو لم يشقني الظاعنون لشاقني ... حمام تداعت في الديار وقوع
تداعين فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح ما تجري لهنّ دموع ذيلها عباس بن فرناس يمدح بعض الرؤساء بديهة فقال:
شددت بمحمودٍ يداً حين خانها ... زمانٌ لأسباب الرجاء قطوع
بنى لمساعي الجود والمجد قبلةً ... إليها جميع الأجودين ركوع وكان محمود جواداً، فقال له: يا أبا القاسم، أعز ما يحضرني من مالي القبة، يعني قبة قامت عليه بخمسمائة دينار، وهي لك بما فيها مع كسوتي هذه، ونكون في ضيافتك بقية يومنا، ودعا بكسوة فلبسها، ودفع إليه الكسوة.
٦٩ - ومن الوافدين من المشرق الأمير شعبان بن كوجبا (٢) ، من غز الموصل، وفد على أمير المؤمنين يعقوب المنصور ملك الموحدين، ورفع له أمداحاً جليلة، وقدمه على إمارة مدينة بسطة من الأندلس.
قال أبو عمران بن سعيد: أنشدني لنفسه:
يقولون إن العدل في الناس ظاهر ... ولم أر شيئاً منه سرّاً ولا جهرا
стр. 1543
ولكن رأيت الناس غالب أمرهم ... إذا ما جنى زيد أقادوا به عمرا
وإلاّ فما بال النطاسيّ كلّما ... شكوت له يمنى يدي فصد اليسرى ٧٠ - ومن الوافدين من المشرق على الأندلس أبو اليسر إبراهيم بن أحمد الشيباني (١) ، من أهل بغداد، وسكن القيروان، ويعرف بالرياضي، وكان له سماع ببغداد، من جلة المحدثين والفقهاء والنحويين، لقي الجاحظ والمبرد وثعلباً وابن قتيبة، ولقي من الشعراء أبا تمام والبحتري ودعبلاً وابن الجهم، ومن الكتاب سعيد ابن حميد وسليمان بن وهب وأحمد بن أبي طاهر وغيرهم، وهو الذي أدخل إفريقية رسائل المحدثين وأشعارهم وطرائف أخبارهم، وكان عالماً أديباً، ومرسلاً بليغاً، ضارباً في كل علم وأدبن سمع وكتب بيده أكثر كتبه، مع براعة خطه وحسن وراقته.
وحكي أنه كتب على كبره كتاب سيبويه كله بقلم واحد، ما زال يبريه حتى قصر، فأدخله في قلم آخر، وكتب به حتى فني بتمام الكتاب.
وله تآليف: منها " لقيط المرجان " وهو أكبر من " عيون الأخبار "، وكتاب " سراج الهدى " في القرآن ومشكلة إعرابه ومعانيه، و " المرصعة " و " المدبجة ".
وجال في البلاد شرقاً وغرباً من خراسان إلى الأندلس، وقد ذكر ذلك في أشعار له.
وكان أديب الأخلاق، نزيه النفس، كتب لأمير إفريقية إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، ثم لإبنه أبي العباس عبد الله، وكان أيام زيادة الله ابن عبد الله آخر ملوك الأغالبة على بيت الحكمة، وتوفي بالقيروان سنة ثمان وتسعين ومائتين في أول ولاية عبيد الله الشيعي، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وممن ألم بذكره المؤرخ الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم المعروف بالرقيق.
وقال عريب بن سعد في حقه: إنه كان أديباً شاعراً مرسلاً حسن التأليف،
стр. 1544
وقدم الأندلس على الإمام محمد بن عبد الرحمن، وذكر له معه قصة ذكرها ابن الأبار في كتابه " إفادة الوفادة " وحكى أن له مسنداً في الحديث، وكتاباً في القرآن سماه " سراج الهدى " والرسالة الوحيدة، والمؤنسة، وقطب الأدب، وغير ذلك من الأوضاع. قال: وكتب لبني الأغلب حتى انصرمت أيامهم، ثم كتب لعبيد الله حتى مات، ومن الرواة عنه أبوة سعيد عثمان بن سعيد الصيقل مولى زيادة الله بن الأغلب، وأسند إليه الحافظ ابن الأبار رواية شعر أبي تمام بأن قال: قرأت شعر حبيب علي أبي الربيع بن سالم، وقرأت جملة منه على غيره، وناولني جميعه وحدثني به عن أبي عبد الله بن زرقون عن الخولاني عن ابي القاسم حاتم بن محمد عن أبي غالب تمام بن غالب بن عمر اللغوي عن أبيه أبي تمام عن أبي سعيد المذكور، يعني ابن الصيقل، عن أبي اليسر عن حبيب، وهو إسناد غريب، انتهى.
٧١ - ومنهم إبراهيم بن خلف بن منصور، الغساني، الدمشقي، أبو اسحاق المعروف بالسنهوري (١) - وسنهور: من بلاد مصر - روى عن أبي القاسم ابن عساكر وأبي اليمن الكندي وأبي المعالي الفراوي وأبي الطاهر الخشوعي وغيرهم.
قال أبو العباس النباتي: قدم علينا - يعني إشبيلية - سنة ثلاث وستمائة، وسمى جماعة من شيوخه، وحكى أنه كان يروي موطأ أبي مصعب وصحيح مسلم بعلو.
وقال أبو سليمان ابن حوط الله: أجازني وابني محمداً جميع ما رواه عن شيوخه الذين منهم أبو الفخر فناخسرو بن فيروز الشيرازي، وذكر أن روايته بنزول، لأنه لم يرحل إلا بعد وفاة الشيوخ المشاهير بهذا الشأن.
وقال أبو الحسن ابن القطان، وسماه في شيوخه: قدم علينا تونس سنة
стр. 1545
اثنتين وستمائة، واستجزته لابني حسن فأجازه وإياي، قال: وانصرف من تونس إلى المغرب، ثم الأندلس، وقدم علينا بعد ذلك مراكش مفلتاً من الأسر، فظهر في حديثه عن نفسه تجازف واضطراب وكذب زهد فيه، وإثر ذلك انصرف إلى المشرق راجعاً، وقد كان إذا أجاز ابني كتب ببخطه جملة من أسانيده وسمى كتباً منها الموطأ والصحيحان وغير ذلك، قال: وقد تبرأت من عهدة جميعه لما أثبتوا من حاله، وحدثني أبو القاسم ابن أبي كرامة صاحبنا بتونس أن السنهوري هذا لما انصرف إلى مصر امتحن بملكها الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب لأجل معاداته أبا الخطاب ابن الجميل، فضرب بالسياط، وطيف به على جمل مبالغة في إهانته، انتهى.
وقال بعض المؤرخين في حقه ما نصه: الشيخ المحدث الرالة إبراهيم السنهوري صاحب الرحلة إلى البلاد، دخل الأندلس كما ذكره ابن النجار وغيره، وهو الذي ذكر لمشايخ الأندلس وعلمائها أن الشيخ أبا الخطاب ابن دحية يدع يأنه قرأ على جماعة من شيوخ الأندلس القدماء، فأنكروا ذلك وأبطلوه وقالوا: لم يلق هؤلاء ولا أدركهم وإنما اشتغل بالطلب أخيراً، وليس نسبه بصحيح فيما يقوله، ودحية لم يعقب، فكتب السنهوري محضراً وأخذ خطوطهم فيه بذلك، وقدم به ديار مصر، فعلم أبو الخطاب ابن دحية بذلك، فاشتكى إلى السلطان منه، وقال: هذا يأخذ عرضي ويؤذيني، فأمر السلطان بالقبض عليه، فقبض وضرب بالسياط (١) وأشهر على حمار، وأخرج من ديار مصر، وأخذ ابن دحية المحضر وحرقه، ولم يزل ابن دحية على قرب من السلطان إلى حين وفاته، وبنى له داراً للحديث، وهي الكاملية ببين القصرين، فلم يزل يحدث بها إلى أن مات.
وقد ذكرنا في ترجمة ابن دحية من هذا الكتاب شيئاً من أحواله وأن الناس