← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

كما حمد الصب المتيم زورة تحمل فيها الهجر طول زمان فقال: دعوها بشعبانية ولو أنهم دعوها بشبعانية لكفاني ١٦ - وقال أبو عبد الله ابن خميس الجزائري: تحفظ من لسانك، ليس شيء أحق بطول سجن من لسان وكن للصمت ملتزماً إذا ما أردت سلامة في ذا الزمان وقال أيضاً (١) : كن حلس بيتك مهما فتنة ظهرت تخلص بدينك وافعل دائماً حسنا وإن ظلمت فلا تحقد على أحد إن الضغائن فاعلم تنشئ الفتن وقال: بدا لي أن خير الناس عيشاً من آمنه الإله من الأنام فليس لخائف عيش لذيذ ولو ملك مع الشآم وله (٢) : جانب (٣) جميع الناس تسلم منهم ... إن السلامة في مجانبة الورى وإذا رأيت من إمرئ يوماً أذى لا تجزه أبداً بما منه ترى وله (٤) :

стр. 2347

من أدب ابناً له صغيراً قرت به عينه كبيرا وأرغم الأنف من عدو يحسد نعماءه كثيرا ١٧ - وقال أبو محمد (١) ابن هرون القرطبي: بيد الإله مفاتح الرزق الذي أبوابه مفتوحة لم تغلق عجباً لذي فقر يكلف مثله في الوقت شيئاً عنده لم يخلق وقال أيضاً (٢) : لعمرك ما الإنسان يرزق نفسه ولكنما الرب الكيريم يسخره وما بيد المخلوق في الرزق حيلة تقدمه عن وقته أو تؤخره ١٨ - وقال الأديب الأستاذ أبو محمد ابن صارة رحمه الله تعالى: يا من يصيخ إلى داعي السفاة وقد نادى به الناعيان الشيب والكبر إن كنت لا تمسع الذكرى ففيما ثوى في رأسك الواعيان السمع والبصر ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان العين والأثر لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك ال أعلى ولا النيران الشمس والقمر ليرحلن عن الدنيا وإن كره فراقهما الثاويان البدو والحضر وقال رحمه الله تعالى في ابنة ماتت له: ألا يا موت كنت بنا رؤوفاً فجددت الحياة لنا بزوره حماد لفعلك المشكور لما كفيت مؤونة وسترت عوره فأنكحنا الضريح بلا صداق وجهزنا الفتاة بغير شوره

стр. 2348

١٩ - وأنشد أبو عبد الله ابن الحاج البكري الغرناطي: يا غادياً في غفلة ورائحاً إلى متى تستحسن القبائحا وكم إلى كم لا تخاف موقفاً يستنطق الله به الجوارحا يا عجباً منك وكنت مبصراً كيف تجنبت الطريق الواضحا كيف تكون حين تقرا في غد صحيفة قد ملئت فضائحا أم كيف ترضى أن تكون خاسراً يوم يفوز من يكون رابحا وممن روى عنه هذه الأبيات الكاتب الرئيس أبو الحسن ابن الجياب، وتوفي ابن الحاج المذكور سنة ٧١٥ رحمه الله تعالى. ٢٠ - وقال حافظ الأندلس ومحدثها أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي رحمه الله تعالى: إلهي مضت للعمر سبعون حجة ولي حركات بعدها وسكون فيا ليت شعري أين أو كيف أو متى يكون الذي لا بد أن سيكون والصواب أنهما لغيره كما ذكرته في غير هذا الموضع، وبالجملة فهما من كلام الأندلسيين، وإن لم يحقق ناظمهما بالتعيين (١) . ٢١ - وقال أبو بكر يحيى التطيلي رحمه الله تعالى: إليك بسطت الكف في فحمة الدجى نداء غريق في الذنوب عريق رجاك ضميري كيف تخلص جملتي وكم من فريق شافع لفريق ٢٢ - وحكي أن بعض المغاربة كتب إلى الملك الكامل بن العادل بن أيوب رقعة في ورقة بيضاء، إن قرئت في ضوء السراج كانت فضية، وإن قرئت في

стр. 2349

الشمس كانت زهبية، وإن قرئت في الظل كانت حبراً أسود، وفيها هذه الأبيات: لئن صدني البحر عن موطني وعيني بأشواقها زاهره فقد زخرف الله لي مكة بأنوار كعبته الزاهره وزخرف لي بالنبي يثربا وبالملك الكامل القاهره فقال الملك الكامل قل: وطيب لي بالنبي طيبة وبالملك الكامل القاهره وأظن أن المغربي أندلسي لقوله: لئن صدني البحر عن موطني، فلذلك أدخلته في أخبار الأندلسيين ولست على تحقيق ويقين، والله أعلم. ٢٣ - وأنشد ابن الوليد المعروف بابن الخليع قال: أنشدنا أبو عمر ابن عبد البر النمري الحافظ: تذكرت من يبكي علي مداوماً فلم ألف إلى العلم بالدين والخبر علوم كتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله مع صحة الأثر وعلم الألى من ناقديه وفهم ما له اختلفوا في العلم بالرأي والنظر وأنشد له أيضاً: مقالة ذي نصح وذات فوائد إذا من ذوي الألباب كان استماعها عليكم بآثار النبي فإنه من افضل أعمال الرشاد اتباعها ٢٤ - وقال أبو الحسن عبد الملك بن عياش الكاتب الأزدي اليابري، وسكن أبوه قرطبة (١) : عصيت هوى نفسب صغيراً وعندما رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر

стр. 2350

أطعت الهوى، عكس القضية ليتني خلقت كبيراً وانتقلت إلى الصغر وقيل: إن ابنه أبا الحسن علي بن عبد الملك قال بيتاً مفرداً في معنى ذلك، وهو: هنيئاً له إذ لم يكن كابنه الذي ... أطاع الهوى في حالتيه وما اعتبر (١) وقيل: إن هذا البيت رابع أربعة أبيات (٢) . ٢٥ - وقال أبو إسحاق ابن خفاجة لما اجتمع به أبو العرب (٣) وسأله عن حاله وقد بلغ في عمره إحدى وثمانين سنة، فأنشده لنفسه: أي عيش أو غذاء أو سنه لابن إحدى وثمانين سنه قلص الشيب به ظل امرئ طالم جر صباه رسنه تارة تسطو به سيئة تسخن العين وأخرى حسنه ٢٦ - وقال أبو محمد عبد الوهاب بن محمد القيسي المالقي: الموت حصاد بلا منجل يسطو على القاطن والمنجلي لا يقبل العذر على حالة ما كان من مشكل أو من جلي ٢٧ - وقال الشيخ عبد الحق الإشبيلي الأزدي صاحب كتاب العاقبة

стр. 2351

والإحكام وغيرهما: إن في الموت والمعاد لشغلاً وإدكاراً لذي النهى وبلاغا فاغتنم خطتين قبل المنايا صحة الجسم يا أخي والفراغا ٢٨ - وقال أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن حسان الغساني من أهل جليانة من عمل وادي آش (١) : ألا إنما الدنيا بحار تلاطمت فما أكثر الغرقى على الجنبات وأكثر من صاحبت يغرق إلفه وقل فتى ينجى من الغمرات وكان المذكور من أهل العلم والأدب، رحل وحج وتجول في البلاد، ونزل القاهرة المعزية، وكان أحد السياحين في الأرض، وله تآليف منها جامع أنماط الوسائل في القريض والخطب والرسائل وأكثره من نظمه ونثره، رحمه الله تعالى. ٢٩ - وقال عبد العليم بن عبد الملك بن حبيب القضاعي الطرطوشي: وما الناس ألا كالصحائف غيرت وألسنهم إلا كمثل التراجم إذا اشتجر الخصمان في فطنة الفتى فمقوله في ذاك أعدل حاكم ٣٠ - وقال أبو الحكم عبد المحسن البلنسي: من كان للدهر للدهر خدناً في تصرفه أبدت له صفحة الدهر الأعاجيبا من كان خلواً من الآداب سربله مر الليالي على الأيام تأديبا ٣١ - وقال أبو حاتم عمر بن محمد بن فرج من أهل ميرتلة، مدينة بغرب الأندلس، يمدح شهاب الأندلس، يمدح شهاب القضاعي (٢) :

стр. 2352

شهب السماء ضياؤها مستور عنا إذا أفلت توارى النور فانزع هديت إلى شهاب نوره متألق آماله تبصير تشفي جواهره القلوب من العمى ولطالما انشرحت بهن صدور فإذا أتى فيه حدبث محمد خذ في الصلاة عليه يا مغرور وترحمن على القضاعي الذي وضع الشهاب فسعيه مشكور ٣٢ - وقال الأستاذ أبو محمد غانم بن وليد المخزومي المالقي: ثلاثة يجهل مقدارها الأمن والصحة والقوت فلا تثق بالمال من غيرها ... لو أنه در وياقوت (١) وتذكرت بهذا قول الآخر: إذا القوت تأتى ل ك والصحة والأمن وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن وكل ذلك أصله الحديث النبوي [على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فإنه قال] (٢) : " من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، معه قوت يومه، فكأنما سيقت له الدنيا بحذافيرها ". وأخبرنا شيخنا القصار أبو عبد الله محمد بن قاسم القيسي مفتي مدينة فاس وخطيبها سنة عشر وألف، قال: حدثنا شيخنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل التونسي نزيل فاس الشهير بخروف [قال] حدثنا الإمام سيدي فرج الشريف

стр. 2353

الطحطاوي، قال: سمعت النبي ﷺ في النوم يقول " من أصبح آمناً في سربه..... الحديث ". رجع وقال الأستاذ العارف بالله سيدي أبو العباس أحمد بن العريف الأندلسي دفين مراكش، وقد زرت قبره سنة ١٠١٠ (١) : إذا نزلت بساحتك الرزايا فلا تجزع لها جزع الصبي فإن لكل نازلة عزاء بما قد كان من فقد النبي وقال رحمه الله تعالى: شدوا الرحال وقد نالوا المنى بمنى وكلهم بأليم الشوق قد باحا راحت ركائبهم تندى روائحها طيباً بما طاب ذاك الوفد أشباحا نسيم قبر النبي المصطفى لهم راح إذا سكروا من أجله فاحا يا راحلين إلى المختار من مضر زرتم جسوماً وزرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على شوق وعن قدر ومن أقام على عذر كمن راحا ٣٤ - وقال (٢) أبو محمد المحاربي: داء الزمان وأهله داء يعز له العلاج أطلعت في ظلمائه رأياً كما سطع السراج لمعاشر أعيا ثقا في من قناتهم اعوجاج كالدر ما لم تختبر فإذا اختبرت فهم زجاج

стр. 2354

٣٥ - وقال أبو عبد الله غربيب الثقفي القرطبي (١) : يهددني بمخلوق ضعيف يهاب من المنية ما أهاب له أجل ولي أجل وكل سيبلغ حيث يبلغه الكتاب وما يدري لعل الموت منه ... قريب أينا قبل (٢) المصاب وله (٣) : أيها الآمل ما ليس له طالما غر جهولاً أمله رب من بات يمني نفسه خانه دون مناه أجله وفتى بكر في حاجاته عاجلاً أعقب ريثاً عجله قل لمن مثل في أشعاره يذهب المرء ويبقى مثله نافس المحسن في إحسانه فسيكفيك مسيئاً عمله قال ابن الأبار: وهذا البيت الأخير في برنامج الطبني. ٣٦ - وقال أبو الحسين سليمان بن الطراوة النحوي المالقي (٤) : وقائلة أتصبو للغواني وقد أضحى بمفرقك النهار فقلت لها حثثت على التصابي أحق الخيل بالركض المعار ٣٧ - وقال الحافظ أبو الربيع ابن سالم: إذا برمت نفسي بحال أحلتها على أمل ناء فقرت به النفس

стр. 2355

وأنزل أرجاء الرجاء ركائبي إذا رام إلماماً بساحتي اليأس وإن أوحشتني من أماني نبوة فلي في الرضى بالله والقدر الأنس ٣٨ - وقال أبو الحسن سلام بن عبد الله بن سلام الباهلي الإشبيلي (١) مما أنشده لنفسه في كتابه الذي سماه الذخائر والأعلاق في أدب النفوس ومكارم الأخلاق: إذا تم عقل المرء تمت فضائله وقامت على الإحسان منه دلائله فلا تنكر الأبصار ما هو فاعله ولا تنكر الأسماع ما هو قائله وكان أبو المذكور من وزراء المعتمد بن عباد، رحم الله تعالى الجميع. ٣٩ - وقال أبو بكر الزبيدي اللغوي: اترك الهم إذا ما طرقك وكل الأمر إلى من خلقك وإذا أمل قوم أحداً فإلى ربك فامدد عنقك ٤٠ - وقال القاضي أبو الوليد هشام بن محمد القيسي الشلبي المعروف بابن الطلاء: فاوضت القاضي أبا عبد الله ابن شبرين (٢) ما يحذر من فتنة النظر إلى الوجوه الحسان، فقلت: لا تنظرن إلى ذي رونق أبداً واحذر عقوبة ما يأتي به النظر فكم صريع رأيناه صريع هوى زو نظرة قادها يوماً له القدر فأجابني في المعنى الذي انتحيته:

стр. 2356

إذا نظرت فلا تولع بتقليب فربما نظرة عادت بتعذيب ورب هنا للتكثير. ٤١ - وقال الأستاذ ابن حطوط الله: أتدري أنك الخطاء حقاً وأنك بالذي تأتي رهين وتغتاب الألى فعلوا وقالوا وذاك الظن والإفك المبين قال في " الإحاطة " (١) : أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن عمر بن حطوط الله الأنصاري الحارثي، كان فقيهاً جليلاً أصولياً كاتباً أديباً شاعراً متفنناً في العلوم ورعاً ديناً حافظاً ثبتاً فاضلاً، درس كتاب سيبويه ومستصفى أبي حامد الغزالي، وكان، رحمه الله تعالى، مشهوراً بالعقل والفضل، معظماً عند الملوك، معلوم القدر لديهم، يخطب في مجالس الأمراء والمحافل الجمهورية، مقدماً في ذلك بلاغة وفصاحة إلى أبعد مضمار، ولي قضاء إشبيلية وقرطبة ومرسية وسبتة وسلا وميورقة، فتظاهر بالعدل، وعرف بما أبطن من الدين والفضل، وكان من العلماء العاملين، مجانباً لأهل البدع والأهواء، بارع الخط، حسن التقييد، وسمع الحديث، فحصل له سماع لم يشاركه فيه أحد من أهل الغرب، وسمع على الجهابذة كابن بشكوال ةغيره، وقرأ أكثر من ستين تأليفاً بين كبار وصغار، منها الصحيحان، وأكثر عن ابن حبيش وابن الفخار والسهيلي وغيرهم، ومولده في محرم سنة ٥٤١، ومات بغرناطة سحر يوم الخميس ثاني ربيع الأول سنة٦١٢، ونقل منها في تابوته الذي ألحد فيه يوم السبت تاسع عشر شعبان من السنة المذكورة إلى مالقة فدفن بها، رحمه الله تعالى، انتهى، وبعضه بالمعنى مختصراً.

стр. 2357

وللمذكور ترجمة واسعة جداً، وألمعت بما ذكرت على وجه التبرك بذكره، رحمه الله تعالى ورضي عنه. ٤٢ - وقال أبو المتوكل الهيثم بن أحمد السكوني الإشبيلي (١) : يجفى الفقير ويغشى الناس قاطبة باب الغني، كذا حكم المقادير وإنما الناس أمثال الفراش فهم يرون حيث مصابيح الدنانير وقال تلميذه ابن الأبار: أنشدني بعض أصحابنا عنه هذين البيتين، ولم أسمعهما منه، انتهى. قلت: وبهذا تعرف وهم من نسب البيتين إلى عبد المهيمن الحضرمي، فإن هذا كان قبل أن يخلق والد عبد المهيمن الحضرمي، وقد أنشدهما الجلاب الفهري في روح الشعر وروح الشحر. ٤٣ - وقال أبو محمد القاسم بن الفتح الحجاري المعروف بابن افريولة: ركابي بأرجاء الرجاء مناخة ورائدها علمي بأنك لي رب وأنك علام بما أنا قائل كما أنت علام بما أضمر القلب لئن آدها ذنب تولت بعبئه لقد قرعت باباً به يغفر الذنب وقال أيضاً (٢) : عجباً لحبر قد تيقن أنه سيرى اقتراف يديه في ميزانه ثم امتطى ظهر المعاصي جهرة لم يثنه التأنيب عن عصيانه أنى عصى ولكل جزء نعمة من نفسه وزمانه ومكانه ٤٤ - وقال الشاعر الكبير الشهير أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن مجبر الفهري:

стр. 2358

إن الشدائد قد تغشى الكريم لأن تبين فضل سجاياه وتوضحه كمبرد القين إذ يعلو الحديد به وليس يأكله إلا ليصلحه وقال (١) : لا تغبط المجدب في عمله وإن رأيت الخصب في حاله إن الذي ضيع من نفسه فوق الذي ثمر من ماله ٤٥ - وقال أبو الحجاج يوسف بن أحمد الأنصاري المنصفي البلنسي (٢) : قال لي النفس أتاك الردى وأنت في بحر الخطايا مقيم هلا اتخذت الزاد قلت أقصري هل يحمل الزاد لدار الكريم وكان المنصفي المذكور صالحاً، وله رحلة حج فيها، ومال إلى علم التصوف، رحمه الله تعالى، وله فيه أشعار حملت عنه. ٤٦ - وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن الصائغ القرشي الأموي الأندلسي (٣) مخمساً أبيات عز الدين بن جماعة قاضي القضاة رحمه الله تعالى: هم الأبي على مقدار منصبه وبسط راحته في طي منصبه ما أنت والدهر تشكو من تقلبه يا مبتلى بقضاء قد بليت به عليك بالصبر واحذر يا أخي جزعك صبراً فللصبر في حرب العدا عدد ذر العدو يمته الغيظ والحسد ولا يكن لك إلا الله معتمد واعلم بأن جميع الخلق لو قصدوا أذاك لم يقدروا والله قد رفعك

стр. 2359

أعلاك في رتب غر معظمة بالعرف معروفة بالعلم معلمة ومن يناويك في بهماء مظلمة فاصرف هواك وجانب كل مظلمة واصحب فديتك من بالنصح قد نفعك قد اجتلبت من الأيام تبصرة وقد كفاك الهدى والذكر تذكرة فاشكر وقدم مع الإخلاص معذرة واسأل إلهك في الإسحار مغفرة منه وكن معه حتى يكون معك وتوفي المذكور بالقاهرة في الطاعون العام سنة ٧٤٩. ٤٧ - وقال أبو عبد الله الحميدي (١) : الناس نبت وأرباب القلوب لهم روض وأهل الحديث الماء والزهر من كان قول رسول الله حاكمه فلا شهود له إلا الألى ذكروا وقال أيضاً: من لم يكن للعلم عند فنائه أرج فإن بقاءه كفنائه بالعلم يحيا المرء طول حياته فإذا انقضى أحياه حسن ثنائه وقال أيضاً: دين الفقيه حديث يستضيء به عند الحجاج وإلا كان في الظلم إن تأوه ذو مذهب في قفر مشكلة لاح الحديث له في الوقت كالعلم ولما تعرض بعض من لا يبالي بما ارتكب إلى أصحاب الحديث بقوله: أرى الخير في الدنيا يقل كثيره وينقص نقصاً والحديث يزيد

стр. 2360

فلو كان خيراً كان كالخير كله ولكن شيطان الحديث مريد ولابن معين في الرجال مقالة سيسأل عنها والمليك شهيد فإن يك حقاً قوله فهي غيبة وإن يك زوراً فالقصاص شديد أجابه الإمام أبو عبد الله الحميدي بقصيدة طويلة، منها: وإني إلى إبطال قولك قاصد ولي من شهادات النصوص جنود إذا لم يكن خيراً كلام نبينا لديك فإن الخير منك بعيد وأقبح شيء أن جعلت لما أتى عن الله شيطاناً وذاك شديد وما زلت في ذكر الزيادة معجباً بها تبدئ التلبيس ثم تعيد كلام رسول الله وحي ومن يرم زيادة شيء فهو فيه عنيد ومنها (١) في ابن معين: وما هو إلا واحد من جماعة وكلهم فيما حكوه شهود فإن صد عن حكم الشهادة جاهل فإن كتاب الله فيه عتيد ولولا رواة الدين ضاع وأصبحت معالمه في اللآخرين تبيد هم حفظوا الآثار من كل شبهة وغيرهم عما اقتنوه رقود وهم هاجروا في جمعها وتبادروا إلى كل أفق والمرام كؤود وقاموا بتعديل الرواة وجرحهم فدام صحيح النقل وهو جديد بتبليغهم صحت معالم ديننا حدود تحروا حفظها وعهود وصح لأهل النقل منها احتجاجهم فلم يبق إلا عاند وحقود وحسبهم أن الصحابة بلغوا وعنهم رووا لا يستطاع جحود فمن حاد عن هذا اليقين فمارق مريد لإظهار الشكوك مريد

стр. 2361

ولكن إذا جاء الهدى ودليله فليس لموجود الضلال وجود وإن رام أعداه الديانة كيدها فكيدهم بالمخزيات مكيد ٤٨ - وقال أبو بكر محمد بن محرز الزهري البلنسي (١) ، والتزم الراء في كل كلمة: اشكر لربك وانتظر في إثر عسر الأمر يسرا واصبر لربك وادخر في ستر ضر الفقر أجرا فالدهر يعثر بالورى والصبر بالأحرار أحرى والوفر أظهر معشرا والفقر بالأخيار يغرى وقال أيضاً: اقنع بما أوتيته تنل الغنى وإذا دهتك ملمة فتصبر واعلم بأن الرزق مقسوم فلو رمنا زيادة ذرة لم نقدر والله أرحم بالعباد فلا تسل بشراً تعش عيش الكرام وتؤجر وإذا سخطت لضر حالك مرة ورأيت نفسك قد عدت فاستبصر وانظر إلى من كان دونك تدكر لعظيم نعمته عليك فتشكر ٤٩ - وقال الحافظ أبو محمد ابن حزم: أنشدني والدي أحمد بن سعيد ابن حزم (٢) : إذا شئت أن تحيا غنياً فلا تكن على حالة إلا رضيت بدونها ٥٠ - وقال القاضي أبو العباس أحمد بن الغماز البلنسي نزيل تونس: وقالوا أما تخشى ذنوباً أتيتها ولم تك ذا جهل فتعذر بالجهل

стр. 2362

فقلت لهم هبني كما قد ذكرتم تجاوزت في قولي وأسرفت في فعلي أما في رضى مولى الموالي وصفحه رجاء ومسلاة لمقترف مثلي وأنشد رحمه الله تعالى لنفسه في اليوم الذي مات فيه، وهو آخر ما سمع منه ليلة عاشوراء سنة ٦٩٣: أدعوك يا رب مضطراً على ثقة بما وعدت كما المضطر يدعوكا دارك بعفوك عبداً لم يزل أبداً في كل حال من الأحوال يرجوكا طالت حياتي ولما أتخذ عملاً إلا محبة أقوام أحبوكا ٥١ - وقال ابن الزقاق، ويقال إنها مكتوبة على قبره (١) : أإخواننا والموت قد حال دوننا وللموت حكم نافذ في الخلائق سبقتكم للموت والعمرطية وأعلم أن الكل لا بد لاحقي بعيشكم أو باضطجاعي في الثرى ألم نك في صفو من العيش رائق فمن مر بي فليمض لي مترحماً ولا يك منسياً وفاء الأصادق ٥٢ - وقال الخطيب (٢) أبو عبد الله محمد بن صالح الكتاني الشاطبي، ومولده سنة٦١٤ (٣) : أرى العمر يفنى والرجاء طويل وليس إلى قرب الحبيب سبيل حباه إله الخلق أحسن سيرة فما الصبر عن ذاك الجمال جميل متى يشتفي قلبي بلثم ترابه ويسمح دهر بالمزار بخيل دللت عليه في أوائل أسطري فذاك نبي مصطفى ورسول

стр. 2363

٥٣ - وقال أيمن بن محمد الغرناطي نزيل طيبة على ساكنها الصلاة والسلام: أرى حجرات قد أحاطت عراصها ببحر محيط حصره غير ممكن بحار المعالي والمعاني وإن طمت لدى لجة تفنى وعن هوله تني محمد المحمود في كل موطن أبو القاسم المختار من خير معدن نبي إذا أبصرت غرة وجهه تيقنت أن العز عز المهيمن لك الله من بدر إذا الشمس قابلت محياه قالت إن ذا طالع سني وله (١) : كل القلوب مطيعة لك في الهوى جانب فديتك من تشاء ووال الحسن وال، والقلوب رعية وعلى الرعية أن تطيع الوالي وقال أيضاً (٢) : ألا أيها الباكي على ما يفوته من الحظ في الدنيا جهلت وما تدري على فوت حظ من جوار محمد حقيق بأن تبكي إلى آخر العمر ستدري إذا قمنا وقد رفع اللوا وأحمدها ديناً إلى موقف الحشر من الفائز المغبوط في يوم عرضه أجار النبي المصطفى أم أخو الوفر وله: فررت من الدنيا إلى ساكن الحمى فرار محب لائذ بحبيب لجأت إلى هذا الجناب، وإنما لجأت إلى سامي العماد رحيب وناديت مولاي الذي عنده الغنى نداء عليل في الزمان غريب

стр. 2364

أمولاي إني قد أتيتك لائذاً وأنت طبيبي يا أجل طبيب فقال لك البشرى ظفرت من الرضى بأوفر حظ مجزل ونصيب تناومت في أطلال ليل شبيبتي فأدركني بالفجر صبح مشيبي ٥٤ - وقال أبو بكر الزبيدي اللغوي: لو لم تكن نار ولا جنة للمرء إلا أنه يقبر لكان فيه واعظ زاجر ناه لمن يسمع أو يبصر ولقد صدق رحمه الله تعالى ورضي عنه. ٥٥ - ولبعض فقهاء طلبيرة: رأيت الانقباض أجل شيء وأدعى في الأمور إلى السلامه فهذا الخلق سالمهم ودعهم فرؤيتهم تؤول إلى الندامه ولا تغنى بشيء غير شيء يقود إلى خلاصك يوم القيامه ٥٦ - وأمر الكاتب أبو بكر ابن مغاور بكتب هذه الأبيات على قبره، وهي له (١) : أيها الواقف اعتباراً بقبري استمع فيه قول عظمي الرميم أودعوني بطن الضريح وخافوا من ذنوب كلومها بأديمي قلت لا تجزعوا علي فإني حسن الظن بالرؤوف الرحيم ودعوني بما اكتسبت رهيناً غلق الرهن عند مولى كريم ٥٧ - وقال (٢) الخطيب ابن صفوان:

стр. 2365

رأيتك يدنيني إليك تباعدي فأبعدت نفسي لابتغائي في القرب هربت له منه إليه فلم يكن بي البعد في قربي فصح به قربي فيا رب هل نعمى على العبد بالرضى ينال بها فوزاً من القرب بالقرب وقال الوادي آشي: وهذا النظم معناه جليل، وتكرار القرب وإن قبح عند تاعروضي فهو المحب جميل، وهم القوم يسلم لهم في الأفعال والأقوال، وترتجى بركتهم في كل الأحوال، انتهى. ٥٨ - وقال بعض قدماء الأندلس: سئمت الحياة على حبها وحق لذي السقم أن سأما فلا عيش إلا لذي صحة تكون له للتقى سلما وذيله آخر منهم بقوله: ولا داء إلا لمن لم يزل يقارب في دينه مأثما فلست تعالج جرح الهوى هديت بمثل التقى مرهما ٥٩ - وقال أبو جعفر أحمد (١) السياسي القيسي المري: إذا ما جنى يوماً عليك جناية ظلوم يدق السمر بأساً ويقصف فلا تنتقم يوماً عليه بما جنى وكل أمره للدهر فالدهر منصف وقال أيضاً (٢) : ليس حلم الضعيف حلماً، ولكن حلم من لو يشاء صال اقتدارا

стр. 2366

من تغاضى عن السفيه بحلم أصبح الناس دونه أنصارا من يزوج كريمة الهمة العل يا علواً فقد أجاد الخيارا ستريه عند الولاد بنيها ال علم والحلم والأناة كبارا ٦٠ - وقال الخطيب الصالح أبو إسحاق ابن أبي العاصي: اعمل بعلمك تؤت علماً إنما جدوى علوم المرء نهج الأقوم وإذا الفتى قد نال علماً ثم لم يعمل به فكأنه لم يعلم وقال موطئاً غلى البيت الأخير: أمولاي أنت العفو الكريم لبذل النوال وللمعذره علي ذنوب وتصحيفها ومن عندك الجود والمغفره ٦١ - وقال الخطيب المتصوف الشهير أبو جعفر أحمد بن الزيات من بلش مالقة: يقال خصال أهل العلم ألف ومن جمع الخصال الألف سادا ويجمعها الصلاح فمن تعدى مذاهبه فقد جمع الفسادا وقال أيضاً: إن شئت فوزاً بمطلوب الكرام غداً فاسلك من العمل المرضي منهاجا واغلب هوى النفس لا يغررك خادعه فكل شيء يحط القدر منها جا ٦٢ - وقال الأديب الكبير الشهير أبو محمد عبد الله بن محمد بن صارة البكري الشنتريني رحمه الله تعالى (١) :

стр. 2367

بنوا الدنيا بجهل عظموها فجلت عندهم وهي الحقيره يهارش بعضهم بعضاً عليها مهارشة الكلاب على العقيره وقال: أي عذر يكون لا أي عذر لابن سبعين مولع بالصبابه وهو ماء لم تبق منه الليالي في إناء الحياة إلا صبابه وقال أيضاً: ولقد طلبت رضى البرية جاهداً فإذا رضاهم غاية لا تدرك وأرى القناعة للفتى كنز له والبر أفضل ما بخ يتمسك ٦٣ - وقال أبو محمد ابن صاحب الصلاة الداني، ويعرف بعبدون (١) : وعجل شيبي أن ذا الفضل مبتلى بدهر غدا ذو النقص فيه مؤملا ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى بها الحر يشقى واللئيم ممولا متى ينعم المعتر عيناً إذا اعتفى جواداً مقلاً أو غنياً مبخلا ٦٤ - وقال أبو الحكم عبيد الله الأموي مولاهم الأندلسي: إذا كان إصلاحي لجسمي واجباً فإصلاح نفسي لا محالة أوجب وإن كان ما يفنى إلى النفس معجباً فإن الذي يبقى إلى العقل أعجب ٦٥ - وقال الفقيه الزاهد أبو إسحاق إبراهيم ابن مسعود الإلبيري رحمه الله تعالى: لله أكياس جفو أوطانهم فالأرض أجمعها لهم أوكطان

стр. 2368

جالت عقولهم مجال تفكر وجلالة فبدا لها الكتمان ركبت بحار الفهم في فلك النهى وجرى بها الإخلاص والإيمان فرست بهم لما انتهوا بجفونهم ... مرسى لهم فيه غنى وأمان (١) ٦٦ - وقال أبو جعفر ابن خاتمة رحمه الله تعالى: يا من يغيث الورى من بعدما قنطوا ارحم عباداً أكف الفقر قد بسطوا عودتهم بسط أرزاق بلا سبب سوى جميل رجاء نحوه انبسطوا وعدت بالفضل في ورد وفي صدر بالجود إن أقسطوا والحلم إن قسطوا عوارف ارتبطت شم الأنوف لها وكل صعب بقيد الجود يرتبط يا من تعرف بالمعروف فاعترفت بجم إنعامه الأطراف والوسط وعالماً بخفيات الأمور فلا وهم يجوز عليه لا ولا غلط عبد فقير بباب الجود منكسر من شأنه أن يوافي حين ينضغط مهما أتى يمد الكف أخجله قبائح وخطايا أمرها فرط يا واسعاً ضاق خطو الخلق عن نعم منه إذا خطبوا في شكرها خبطوا وناشراً بيد الإجمال رحمته فليس يلحق منه مسرفاً قنط ارحم عباداً بضنك العيش قد قنعوا فأينما سقطوا بين الورى لقطوا إذا توزعت الدنيا فما لهم غير الدجنة لحف والثرى بسط لكنهم من ذرا علياك في نمط سام رفيع الذرى ما فوقه نمط ومن يكن بالذي يهواه مجتمعاً فما يبالي أقام الحي أم شحطوا

стр. 2369

نحن العبيد وأنت الملك ليس سوى وكل شيء يرجى بعد ذا شطط وقال رحمه الله تعالى: ملاك الأمر تقوى الله فاجعل تقاه عدة لصلاح أمرك وبادرنحو طاعته بعزم فما تدري متى يمضي بعمرك وقال أيضاً (١) : إذا كنت تعلم أن الأمور بحكم الإله كما قد قضى ففيم التفكر والحكم ماض ولا رد للحكم مهما مضى فخل الوجود كما شاءه مدبره وابغ منه الرضى وقال (٢) : إذا ما الدهر نابك منه خطب وشد عليك من حنق عقاله فكل لله أمرك لا تفكر ففكرك فيه خبط في حباله وقال (٣) : عدوك داره ما اسطعت حتى يعود لديك كالخل الشفيق فما في الأرض أردى من عدو وما في الأرض أجدى من صديق وقال (٤) : إن أعرضت دنياك عنك بوجهها وغدت ومنها في رضاك نزاع فاحذر بنيها واحتتفظ من شرهم إن النبين لأمهم أتباع

стр. 2370

وقال (١) : يا مجيب المضطر عند الدعاء منك دائي وفي يديك دوائي جذبتني الدنيا إليها بضبعي ودعتني لمحنتي وشقائي يا إلهي وأنت تعلم حالي لا تذرني شماتة الأعداء ٦٧ - وقال الحافظ الكبير الشهير أبو عبد الله الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين رحمه الله تعالى (١) : كتاب الله قولي وما صحت به الآثار ديني وما اتفق الجميع عليه بدءاً تكن منها على عين اليقين وقال: طريق الزهد أفضل ما طريق وتقوى الله بادية الحقوق فثق بالله يكفك، واستعنه يعنك، وذر بنيات الطريق ٦٨ - وقال أبو بكر مالك بن جبير رحمه الله تعالى: رحلت وإنني من غير زاد وما قدمت شيئاً للمعاد ولكني وثقت بجود ربي وهل يشقى المقل مع الجواد وتوفي المذكور بأريولة - أعادها الله تعالى إلى الإسلام - سنة ٥٦١. ٦٩ - وقال ابن جبير اليحصبي وهو الكتب أبو عبد الله محمد: كلما رمت أن أقدم خيراً لمعادي ورمت أني أتوب

стр. 2371

صرفتني بواعث النفس قسراً ... فتقاعست والذنوب ذنوب رب قلب قلبي لعزمة خير ... لمتاب ففي يديك القلوب ولتعلم أن كلام أهل الأندلس بحر لا ساحل له، ويرحم الله تعالى لسان الدين بن الخطيب حيث قال في صدر الإحاطة: وهذا الغرض الذي وضعنا له هذا التأليف يطلبنا فيه ما قصدنا به من المباهاة والافتخار بالإكثار، واستيعاب النظام والنثار، ويحملنا فيه خوف السآمة على الاختصار والاقتصار، وكفى بهذا جلاء في الأعذار، والله تعالى مقيل العثار، وساتر العيب المثار، بفضله، انتهى. ٧٠ - ولنختم هذا الباب بقول أبي زكريا يحيى بن سعد بن مسعود القلني: عفوك اللهم عنا ... خير شيء نتمنا رب إنا قد جهلنا ... في الذي قد كان منا وخطينا وخلطنا ... ولهونا ومجنا إن نكن رب أسأنا ... ما أسأنا بك ظنا وذيلته بقولي: فأنلنا الختم بالحس ... نى وإنعاماً ومنا آمين (١) .

стр. 2372

الباب الثامن في ذكر تغلب العدو الكافر على الجزيرة بعد صرفه وجوه الكيد إليها وتضريبه بين ملوكها ورؤسائها بمكره، واستعماله في أمرها حيل فكره، حتى استولى - دمره الله تعالى - عليها، ومحا منها التوحيد واسمه، وكتب على مشاهدها ومعاهدها وسمه، وقرر مذهب التثليث، والرأي الخبيث، لديها، واستغاث أهلها استغاثة أضرابها بالنظم والنثر، أهل ذلك العصر، من سائر الأقطار، حين تعذرت بحصصارها، مع قلة حماتها وأنصارها، المآرب والأوطار، وجاءها الأعداء من خلفها ومن بين يديها، أعاد الله تعالى إليها كلمة الإسلام، وأقام فيها شريعة سيد الانما، عليه أفضل الصلاة والسلام، ورفع يد الكفر عنها وعما حواليها، آمين. ظهور بلاي وخلفائه قال غير واحد من المؤلفين: أول من جمع فل النصارى بالأندلس - بعد غلبة العرب لهم - علج يقال له بلاي (١) ، من أهل أشتوريش من جليقية، كان رهينة عن طاعة أهل بلده، فهرب من قرطبة أيام الحر بن عبد الرحمن الثقفي، الثاني من أمراء العرب بالأندلس، وذلك في السنة السادسة من افتتاحها، وهي سنة ثمان وتسعين من الهجرة، وثار النصارى معه على نائب الحر بن عبد الرحمن، فطردوه وملكوا البلاد، وبقي الملك فيهم إلى الآنن وكان عدة من ملك منهم إلى آخر أيام الناصر لدين الله اثنين وعشرين ملكاً، انتهى. وقال عيسى ابن أحمد الرازي: في أيام عنبسة ابن سحيم الكلبي قام بأرض

стр. 2373

جليقية علج خبيث يقال له بلاي من وقعة أخذ النصارى بالأندلس، وجد الفرنج في مدافعة المسلمين عما بقي بأيديهم، وقد كانوا لا يطمعون في ذلك، ولقد استولى المسلمون بالأندلس على النصرانية وأجلوهم، وافتتحوا بلادهم، حتى بلغوا أريولة من أرض الفرنجة، وافتتحوا بلبونة من جليقية، ولم يبق إلا الصخرة فإنه لاذ بها ملك يقال له بلاي، فدخلها في ثلاثمائة رجل، ولم يزل المسلمون يقاتلونه حتى مات أصحابه جوعاً، وبقي في ثلاثين رجلاً وعشر نسوة، ولا طعام لهم إلا العسل يشتارونه من خروق بالصخرة فيتقوتون به، حتى أعيا المسلمين أمرهم، واحتقروا بهم، وقالوا: ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم فبلغ أمرهم بعد ذلك من القوة والمثرة ما لا خفاء به، وفي سنة مائة وثلاث وثلاثين، هلك بلاي المذكور، وملك ابنه فافله (١) بعده، وكان ملك بلاي تسع عشرة سنة، وابنه سنتين، فملك بعدهما أذفونش بن بيطر (٢) جد بني أذفونش هؤلاء اللذين اتصل ملكهم إلى اليوم، فأخذوا ما كان المسلمون أخذوه من بلادهم، انتهى باختصار. وقال المسعودي بعد ذكره غزوة سمورة أيام الناصر، ما صورته (٣) : وأخذ ما كان بأيدي المسلمين من ثغور الأندلس مما يلي الفرنجة ومدينة أربونة (٤) ، خرجت عن أيدي المسلمين سنة ثلاثمائة وثلاين مع غيرها مما كان بأيديهم من المدن والحصون، وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت وهو سنة ٣٣٦ (٥) من شرق الأندلس طرطوشة، وعلى سائر بحر الروم مما يلي طرطوشة آخذاً في الشمال إفراغه على نهر عظيم ثم لاردة، انتهى.

стр. 2374

الاستيلاء على طليطلة ومن أول ما استرد الإفرنج من مدن الأندلس العظيمة مدينة طليطلة من يد ابن ذي النون سنة ٤٧٥، وفي ذلك يقول عبد الله بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسال: يا أهل أندلس حثوا مطيكم فما المقام بها إلا من الغلط الثوب ينسل من أطرافه وأرى ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط ونحن بين عدو لا يفارقنا كيف الحياة مع الحيات في سفط ويروى صدر البيت الثالث هكذا: ومن جاور الشر لا يأمن بوائقه كيف الحياة مع الحيات في سفط وتروى الأبيات هكذا: حثوا رواحلكم يا أهل أندلس فما المقام بها إلا من الغلط السلك ينثر من أطرافه، وأرى سلك الجزيرة منثوراً من الوسط من جاور الشر لا يأمن عواقبه كيف الحياة مع الحيات في سفط وقال آخر: يا أهل أندلس ردوا المعار فما في العرف عارية إلا مردات ألم تروا بيدق الكفار فرزنه وشاهنا آخر الأبيات شهمات وقال بعض المؤرخين: أخذ الأذفونش طليطلة من صاحبها القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون بعد أن حاصرها سبع سنين، وكان أخذه لها في منتصف محرم سنة٤٧٨؛ انتهى. وفيه بعض مخالفة لما قبله في وقت أخذها، وسيأتي قريباً بعض ما يؤيده.

стр. 2375

قال: وهي مدينة حصينة قديمة أزلية من بناء العمالقة، على ضفة النهر الكبير، ولها قصبة حصينة في غاية المنعة، ولها قنطرة واحدة عجيبة البنيان على قوس واحد والماء يدخل تحته بعنف وشدة جرى، ومع آخر النهر ناعورة ارتفاعها في الجو تسعون ذراعاً، وهي تصعد الماء إلى أعلى القنطرة، ويجري الماء على ظهرها فيدخل المدينة، وطليطلة هذه دار مملكة الروم، وبها كان البيت المغلق الذي كانوا يتحامون فتحه حتى فتحه لذريق فوجد فيه صورة العرب؛ انتهى. وقد تقدم شيء من هذا فيما مر من هذا الكتاب (١) . وقد حكى ابن بدرون في شرح العبدونية (٢) أن المأمون يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة بنى بها قصراً تأنق في بنائه، وأنفق فيه مالاً كثيراً، وصنع فيه بحيرة، وبنى في وسطها قبة، وسيق الماء إلى رأس القبة على تدبير أحكمه المهندسون، فكان الماء ينزل من أعلى القبة حواليها محيطاً بها متصلاً بعضه ببعض، فكانت القبة في غلالة من ماء سكب لا يفتر، والمأمون بن ذي النون قاعد فيها لا يمسه من الماء شيء، ولو شاء أن يوقد فيها الشمع لفعل، فبينما هو فيها إذ سمع منشداً ينشد: أتبني بناء الخالدين، وإنما بقاؤك فيها، لو علمت، قليل لقد كان في ظل الأراك كفاية لمن كل يوم يعتريه رحيل فلم يلبث بعد هذا إلا يسيراً حتى قضى نحبه، انتهى. وقال ابن خلكان (٣) : إن طليطلة أخذت يوم الثلاثاء مستهل صفر سنة ٤٧٨ بعد حصار شديد، انتهى.

стр. 2376

وقال ابن غلقمة: إن طليطلة أخذت يوم الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة٤٧٨، وكانت وقعة الزلاقة في السنة بعدها، انتهى. وقعة الزلاقة نقلاً عن الروض المعطار وغيره ورأيت هنا أن أذكر وقعة الزلاقة التي نشأت عن أخذ طليطلة وما يتبع ذلك من كلام صاحب الروض المعطار وغيره فنقول (١) : إنه لما ملك يوسف بن تاشفين اللمتوني المغرب، وبنى مدينتي تلمسان ومراكش الجديدة، وأطاعته البربر مع شكيمتها الشديدة، وتمهدت له الأقطار الطويلة المديدة، تاقت نفسه إلى العبور لجزيرة الأندلس، فهم بذلك، وأخذ في إنشاء المراكب والسفن ليعبر فيها، فلما علم بذلك ملوك الأندلس كرهوا إلمامه بجزيرتهم، وأعدوا له العدة والعدد، وصعبت عليهم مدافعته، وكرهوا أن يكونوا بين عدوين الفرنج من شمالهم والمسلمين من جنوبهم، وكانت الفرنج تشتد وطأتها (٢) عليهم، وتغير تنهب، وربما يقع بينهم صلح على شيء معلوم كل سنة يأخذونه من المسلمين، والفرنج ترهب ملك المغرب يوسف بن تاشفين، إذ كان له اسم كبير وصيت عظيم، لنفاذ أمره وسرعة تملكه بلاد المغرب، وانتقال الأمر إليه في أسرع وقت، مع ما ظهر لأبطال الملثمين ومشايخ صنهاجة في المعارك من ضربات السيوف ورعب في قلوب المنتدبين لقتاله، وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظله، ويحذرونه خوفاً على ملكهم، مهما عبر إليهم وعاين بلادهم، فلما رأوا ما دلهم على عبوره إليهم وعلموا ذلك، راسل بعضهم بعضاً يستنجدون آراءهم في أمره، وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد، لأنه أشجع القوم، وأكبرهم مملكة، فوقع اتفاقهم

стр. 2377

على مكاتبته لما تحققوا أنه يقصدهم يسألونه الإعراض عنهم، وأنهم تحت طاعته، فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتاباً، وهو: أما بعد فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم، ولم تنسب إلى عجز، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل، ولم ننسب إلى وهن، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك، فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة، وإن في استباقك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت، والسلام. فلما وصله الكتاب مع تحف وهدايا، وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف باللسان العربي، لكنه ذكي الطبع، يجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية، فقال له: أيها الملك، هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه، ويعرفونك أنهم أهل دعوتك، وتحت طاعتك، ويلتمسون منك أن لا تجعلهم في منزلة الأعادي، فإنهم مسلمون وذوو بيوتات، فلا تغير بهم، وكفى بهم من وراءهم من الأعداء الكفار، وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر، فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل الغرب، فقال يوسف ابن تاشفين لكاتبه: فما ترى أنت فقال: أيها الملك اعلم أن تاج الملك وبهجته شاهده الذي لا يرد، فإنه خليق بما حصل في يده من الملك والمال أن يعفو إذا استعفي، وأن يهب إذا استوهب، وكلما وهب جليلاً جزيلاً كان لقدره أعظم، فإذا عظم قدره تأصل ملكه، وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته، وإذا كانت طاعته شرفاً جاءه الناس، ولم يتجشم المشقة إليهم، وكان وارث الملك من غير إهلاك لآخرته، واعلم أن بعض الملوك الحكماء الأكابر البصراء بطريق تحصيل الملك قال: من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد ملك البلاد، فلما ألقى الكاتب هذا الكلام على السلطان يوسف بلغته فهمه وعلم صحته، فقال للكاتب: أجب القوم، واكتب بما يجب في ذلك، واقرأ علي كتابك، فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من يوسف بن تاشفين، سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، تحية من سالمكم وسلم عليكم، وإنكم مما في أيديكم من الملك في أوسع إباحة، مخصوصين منا بأكرم إيثار

стр. 2378

وسماحة، فاستديموا وفاءنا بوفائكم، واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، والله ولي التوفيق لنا ولكم، والسلام. فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه، فاستحسنه، وقرن به ما يصلح لهم من التحف ودرق اللمط التي لا توجد إلا ببلاده، وأنفذ ذلك إليهم، فلما وصلهم ذلك وقرأوا كتابه فرحوا به، وعظموه، وسروا بولايته، وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج عنهم، وأزمعوا إن رأوا من الفرنج ما يريبهم أنهم يرسلون إلى يوسف بن تاشفين ليعبر إليهم، أو يمدهم بإعانة منه. وكان ملك الإفرنج الأذفونش لما وقعت الفتنة بالأندلس وثار الخلاف، وكان كل من حاز بلداً وتقوى فيه ملكه وادعى الملك وصار مثل ملوك الطوائف، فطمع فيهم الأذفونش بسبب ذلك، وأخذ كثيراً من ثغورهم، فقوي شأنه، وعظم سلطانه، وكثرت عساكره، وأخذ طليطلة من صاحبها القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون بعد أن حاصرها سبع سنين، وكان أخذه لها في نتصف محرم سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فزاد لعنه الله تعالىبملكه طليطلة قوة إلى قوته، وأخذ يجوس من خلال الديار، ويستفتح المعاقل والحصون. قال ابن الأثير في " الكامل " (١) : وكان المعتمد بن عباد أعظم ملوك الأندلس ومتملك أكثر بلادها (٢) ، مثل قرطبة وإشبيلية، وكان - مع ذلك - يؤدي الضريبة إلى الأذفونش كل سنة، فلما تملك الأذفونش طليطلة أرسل إليه المعتمد الضريبة المعتادة (٣) ، فلم يقبلها منه، وأرسل إليه يهدده ويتوعده بالمسير إلى قرطبة ليفتحها، إلا أن يسلم إليه جميع الحصون المنيعة (٤) ، ويبقى السهل للمسلمين، وكان الرسول في جمع كثير نحو خمسمائة فارس، فانزله المعتمد، وفرق أصحابه على قواد

стр. 2379

عسكره، ثم أمر قواده أن يقتل كل منهم من عنده من الكفرة، وأحضر الرسول وصفعه (١) حتى خرجت عيناه، وسلم من الجماعة ثلاثة نفر، فعادوا إلى الأذفونش وأخبروه الخبر، وكان متوجهاً إلى قرطبة ليحاصرها، فرجع إلى طليطلة ليجمع آلات الحصار، ويكثر العدد والعدة، انتهى. وقال الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن المنعم الحميري في كتابه الروض المعطار في ذكر المدن والأقطار ما ملخصه (٢) : إنه لما اشتغل المعتمد بغزو ابن صمادح صاحب المرية حتى تأخر الوقت الذي كان يدفع فيه الضريبة للأذفونش وأرسلها إليه بعد ذلك، استشاط الطاغية غضباً وتشطط، وطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة، وأمعن في التجني، وسأل في دخول امرأته القمجيطة (٣) إلى جامع قرطبة لتلد فيه، إذ كانت حاملاً، لما أشار عليه بذلك القسيسون والأساقفة لمكان كنيسة كانت في الجانب الغربي منه معظمة عندهم عمل عليها المسلمون الجامع الأعظم، وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بالمدينة الزهراء غربي مدينة قرطبة - وهي (٤) التي أنشأ بناءها الناصر لدين الله، وأمعن في بنائها، وأغرب في حسنها، وجلب إليها الرخام الملون والمرمر الصافي والحوض المشهور من البلاد والأقطار، وكان يثيب على السارية بكذا وكذا غير الثمن وأجرة الحمل، وأنفق فيها الأموال العظيمة، واشتغل بها، وكان يباشر الصناع بنفسه، حتى تخلف عن حضور الجمعة ثلاث مرات متواليات، وحضر في الرابعة، وكان الخطيب يومئذ الفقيه الزاهد منذر بن سعيد البلوطي، فعلض به في الخطبة، ووبخه على رؤوس الملأ، وقصته في ذلك مشهورة، وبناء الزهراء أيضاً من أغرب مباني الإسلام، فمن أراد الوقوف على ذلك فعليه بتاريخ ابن حيان -.

стр. 2380

ولنرجع إلى الأذفونش فإن الأطباء والقسوس لما أشاروا أن تكون المرأة المذكورة ساكنة بالزهراء، وتتردد إلى الجامع المذكور حتى تكون ولادتها بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة موضع الكنيسة من الجامع المذكور، وكان السفير في ذلك يهودياً كان وزير الأذفونش، فامتنع ابن عباد من ذلك، فراجعه، فأباه وأيأسه من ذلك، فراجعه اليهودي في ذلك، وأغلظ له في القول، وواجهه (١) بما لم يحتمله ابن عباد، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه وضرب بها رأس اليهودي، فأنزل دماغه في حلقه، وأمر به فصلب منكوساً بقرطبة، واستفتى لما سكن غضبه الفقهاء عن حكم ما فعله باليهودي، فبادر الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما استوجب به القتل، إذ ليس له في ذلك، وقال للفقهاء: إنما بادرت بالفتوى خوفاً أن سكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو، وعسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجاً. وبلغ الأذفونش ما صنعه ابن عباد، فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية، ويحاصره في قصره، فجرد جيشين جعل على أحدهما كلباً من مساعير كلابه وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس ويغير على تلك التخوم والجهات، ثم يمر على لبلة إلى إشبيلية، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه، ثم زحف الأذفونش بنفسه في جيش آخر عرمرم، فسلك طريقاً غير الطريق التي سلكها الآخر، وكلاهما عاث في البلاد وخرب ودمر، حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد، وفي أيام مقامه هنالك كتب إلى ابن عباد زارياً عليه: كثر بطول مقامي في مجلسي الذبان، واشتد علي الحر، فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي، وأطرد بها الذباب عن وجهي، فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة: قرأت كتابك، وفهمت خيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية تروح منك لا تروح عليك، إن شاء الله

стр. 2381

تعالى. فلما وصلت الأذفونش رسالة بن عباد، وقرئت عليه، وعلم مقتضاها، أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال. وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد، وما أظهر من العزيمة على جواز يوسف بن تاشفين، والاستظهار به على العدو، فاستبشر الناس، وفرحوا بذلك، وفتحت لهم أبواب الآمال. وأما ملوك طوائف الأندلس فلما تحققوا عزم ابن عباد وانفراده برأيه في ذلك، اهتموا منه، ومنهم من كاتبه، ومنهم من كلمه مواجهة، وحذروه عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعي الجمال خير من رعي الخنازير، ومعناه أن كونه مأكولاً ليوسف بن تاشفين أسيراً له يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقاً للأذفونش أسيراً له يرعى خنازيره في قشتالة. وقال لعذاله ولوامه: يا قوم إني من أمري على حالتين: حالة يقين، وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك فإني إن استندت لإلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي لي ويبقى على وفائه، ويمكن أن لا يفعل، فهذه حالة الشك، وأما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة، فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فحينئذ قصر أصحابه عن لومه. ولما اعتزم أمر صاحب بطليوس المتوكل عمر بن محمد وعبد الله بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة أن يبعث إليه كل منهما قاضي حضرته، ففعلا، واستحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم، وكان أعقل أهل زمانه، فلما اجتمع عنده القضاة بإشبيلية أضاف إليهم وزيره أبا بكر ابن زيدون، وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين، وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف بن تاشفين وترغيبه في الجهاد، وأسند إلى وزيره ما لا بد منه في تلك السفارة من إبرام العقود السلطانية، وكان يوسف بن تاشفين لا تزال

стр. 2382

تفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين، مجهشين بالبكاء، ناشدين الله والإسلام، مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته، فيسمع إليهم، ويصغي لقولهم، وترق نفسه لهم. فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد، ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم، وأكرم مثواهم، واتصل ذلك بابن عباد، فوجه من إشبيلية أسطولاً نحو صاحب سبتة، فانتظمت في سلك يوسف، ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات، ثم انصرفت إلى مرسلها، ثم عبر يوسف البحر عبوراً سهلاً، حتى أتى الجزيرة الخضراء، فتحوا له، وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات، وأقاموا له سوقاً جلبوا إليه ما عندهم من سائر المرافق، وأذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيه، فامتلأت المساجد والرحبات بالمطوعين، وتواصوا بهم خيراً، هذا مساق صاحب الروض المعطار. وأما ابن الأثير (١) فإنه لما ذكر وقعة الزلاقة ذكر ما تقدم من فعل المعتمد بالأرسال وقتلهم، وتخوف أكابر الأندلس من الأذفونش، وأنه اجتمع منهم رؤساء، وساروا إلى القاضي عبيد الله (٢) بن محمد بن أدهم وقالوا له: ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصغار والذلة وإعطائهم الجزية، بعد أن كانوا يأخذونها، وقالوا: قد غلب على البلاد الفرنج، ولم يبق إلا القليل، وإن طال هذا الأمر عادت نصرانية كما كانت أولاً، وقد رأينا رأياً نعرضه عليك، قال: وماهو قالوا: نكتب إلى عرب إفريقية، ونبذل لهم إذا وصلوا إلينا شطر أموالنا، ونخرج معهم مجاهدين في سبيل الله، فقال لهم: إنا نخشى إن وصلوا إلينا أن يخربوا بلادنا كما فعلوا بإفريقية، ويتركوا الإفرنج ويبدأوا بنا، والمرابطون أصلح منهم، وأقرب إلينا، فقالوا له: فكاتب أمير المسلمين، واسأله العبور إلينا أو إعانتنا بما تيسر من الجند، فبينما هم في ذلك يتراوضون إذ قدم عليهم المعتمد بن عباد

стр. 2383

قرطبة، فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما كانوا فيه، فقال له ابن عباد: أنت رسولي إليه في ذلك، فامتنع، وإنما أراد أن يبرئ نفسه من ذلك، فألح عليه المعتمد، فسار إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، فوجده بسبتة، وأبلغه الرسالة وأعلمه بما فيه المسلمون من الخوف من الأذفونش، ففي الحال أمر بعبور العساكر إلى الأندلس، وأرسل إلى مراكش في طلب من بقي من العساكر، فأقبلت إليه يتلو بعضها بعضاً، فلما تكاملت عنده عبر البحر، واجتمع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية، وكان المعتمد قد جمع عساكره أيضاً، وخرج من أهل قرطبة عسكر كثير، وقصده المطوعة من سائر بلاد الأندلس، ووصلت الأخبار إلى الأذفونش فجمع عساكره، وحشد جنوده، وسار من طليطلة، وكتب إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين كتاباً كتبه له بعض غواة أدباء المسلمين يغلظ له في القول، ويصف ما معه من القوة والعدد والعدد، وبالغ في ذلك، فلما وصله وقرأه يوسف أمر كاتبه أبا بكر ابن القصيرة أن يجيبه، وكان كاتباً مفلقاً، فكتب وأجاد، فلما قرأه على أمير المسلمين قال: هذا كتاب طويل، أحضر كتاب الأذفونش واكتب في ظهره: الذي يكون ستراه وأرسله إليه، فلما وقف عليه الأذفونش ارتاع له، وعلم أنه بلي برجل لا طاقة له به. وذكر ابن خلكان (١) أن يوسف بن تاشفين أمر بعبور الجمال فعبر منها ما أغص الجزيرة، وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا جملاً قط ولا خيلهم، فصارت الخيل تجمح من رؤية الجمال ومن رغائها، وكان ليوسف في عبور الجمال رأي مصيب، فكان يحدق بها عسكره، ويحضرها للحرب، فكانت خيل الفرنج تجمح منها، وقدم يوسف بين يديه كتاباً للأذفونش يعرض عليه فيه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب، كما هي السنة، ومن جملة ما في الكتاب: بلغنا يا أذفونش أنك دعوت إلى الاجتماع بنا، وتمنيت أن

стр. 2384

تكون لك سفن تعبر بها البحر إلينا، فقد عبرنا إليك، وقد جمع الله تعالى في هذه الساحة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " انتهى بمعناه، وأكثره بلفظه. ولنرجع إلى كلام صاحب " الروض المعطار " (١) فإنه أقعد بتاريخ الأندلس، إذ هو منهم، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه (٢) ، قال رحمه الله تعالى: فلما عبر يوسف وجميع جيوشه إلى الجزيرة الخضراء انزعج إلى إشبيلية على أحسن الهيئات، جيشاً بعد جيش، وأميراً بعد أمير، وقبيلاً بعد قبيل، وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف، وأمر عمال البلاد بجلب الأقوات والضيافات، ورأى يوسف من ذلك ما سره ونشطه، وتواردت الجيوش مع أمرائها على إشبيلية، وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارس وجوه أصحابه، فلما أتى محلة يوسف ركض نحو القوم، وركضوا نحوه، فبرز إليه يوسف وحده، والتقيا منفردين، وتصافحا وتعانقا، وأظهر كل منهما لصاحبه المودة والخلوص، وشكرا نعم الله تعالى، وتواصيا بالصبر والرحمة، وبشرا أنفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر، وتضرعا إلى الله تعالى في أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه، مقرباً إليه، وافترقا، فعاد يوسف لمحلته، وابن عباد إلى جهته، وألحق ابن عباد ما كان أعده من هدايا وتحف وضيافات أوسع بها على محلة يوسف بن تاشفين، وباتوا تلك الليلة، فلما أصبحوا وصلوا الصبح ركب الجميع، وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم نحو إشبيلية، ففعل، ورأى الناس من عزة سلطانه ما سرهم، ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من بادر أو أعان وخرج أو أخرج، وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف، كل صقع من أصقاعه رابطوا وصابروا (٣) . وكان الأذفونش لما تحقق الحركة والحرب استنفر جميع أهل بلاده

стр. 2385

وراءها ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم، ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له من الجلالقة والإفرنجة ما لا يحصى عدده، وجواسيس كل فريق تتردد بين الجميع، وبعث الأذفونش إلى ابن عباد: إن صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاده، وخاض البحور، وأنل أكفيه العناء فيما بقي، ولا أكلفكم تعباً، أمضي إليكم وألقاكم في بلادكم رفقاً بكم وتوفيراً عليكم، وقال لخاصته وأهل مشورته: إني رأيت أني إن مكنتهم من الدخول إلى بلادي، فناجزوني فيها وبين جدرها، وربما كانت الدائرة علي، يستحكمون البلاد، ويحصدون من فيها غداة واحدة، ولكني أجعل يومهم معي في حوز بلادهم، فإن كانت علي اكتفوا بما نالوه، ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبة أخرى فيكون في ذلك صون لبلادي، وجبر لمكاسري، وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أنا أن يكون في وفي بلادي إذا ناجزوني في وسطها، ثم برز بالمختار من جنوده، وأنجاد جموعه على باب دربه، وترك بيقة جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره منهم: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء، فالمقلل يقول: المختارون أربعون ألف ذراع، ولكل واحد أتباع. وأما النصارى فيعجبون ممن يزعم ذلك، ويرون أنهم أكثر من ذلك كله. واتفق الكل أن عدد المسلمين أقل من الكفرة، ورأى الأذفونش في نومه كأنه راكب فيل يضرب نقيرة طبل، فهالته الرؤيا، وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه أحد، فدس يهودياً عمن يعلم تأويلها من المسلمين، فدل على معبر، فقصها عليه، ونسبها لنفسه، فقال له المعبر: كذبت، ما هذه الرؤيا لك، ولا أعبرها لك إلا إن صدقتني بصاحب الرؤيا، فقال له: اكتم علي، الرؤيا للأذفونش، فقال المعبر: صدقت ولا يراها غيره، والرؤيا تدل على بلاء عظيم، ومصيبة فادحة فيه وفي عسكره، وتفسيرها قوله تعالى " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " وأما ضربه النقيرة فتأويلها " فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير " فانصرف اليهودي وذكر للأذفونش
следующие страницы →