← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

على الكبائر والقساوة، وأنّ أم كل واحد منهما بربرية. وكان الداخل يقعد للعامة، ويسمع منهم، وينظر بنفسه فيما بينهم، ويتوصل إليه من أراده من الناس، فيصل الضعيف منهم إلى رفع ظلامته إليه دون مشقة، وكان من عادته أن يأكل معه من أصحابه من أدرك وقت طعامه، ومن وافق ذلك من طلاب الحوائج أكل معه. وفي كتاب ابن زيدون (١) أنّه كان أصهب، خفيف العارضين، بوجهه خالٌ، طويل القامة، نحيف الجسم، له ضفيرتان، أعور أخشم؛ والأخشم: الذي لا يشم، وكان يلقب بصقر قريش لكونه تغرّب وقطع البر والبحر، وأقام ملكاً قد أدبر وحده. ولمّا ذكر الحجاري أنّه أعور قال: ما أنشد فيه إلاّ قول امرئ القيس (٢) : لكن عوير وفى بذمّته ... لا عورٌ شانه ولا قصر وقال ابن خلدون (٣) : وفي " سنة ست وأربعين سار العلاء بن مغيث اليحصبي من إفريقية إلى الأندلس، ونزل بباجة الأندلس داعياً لأبي جعفر المنصور، واجتمع إليه خلق، فسار عبد الرحمن إليه ولقيه بنواحي إشبيلية، فقاتله أيّاماً، ثمّ انهزم العلاء، وقتل في سبعة آلاف من أصحابه، وبعث عبد الرحمن برؤوس كثير منهم إلى القيروان ومكّة، فألقيت في أسواقها سرّاً، ومعها اللواء الأسود، وكتاب المنصور للعلاء (٤) "، فارتاع المنصور لذلك وقال: ما هذا إلا شيطان، والحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر، أو كلاماً هذا معناه، وقد مرّ ذكر ذلك.

стр. 352

وكثرت ثورة رؤساء العرب بالأندلس على عبد الرحمن الداخل، ونافسوه ملكه، ولقي منهم خطوباً عظيمة، وكانت العاقبة له، واستراب في آخر أمره بالعرب، لكثرة من قام عليه منهم، فرجع إلى اصطناع القبائل من سواهم، واتخاذ الموالي، ثم غزا بلاد الإفرنج والبشكنس ومن وراءهم، ورجع بالظّفر، وكان في نسته أن يجدّد دولة بني مروان بالمشرق، فمات دون ذلك الأمل، وكانت مدة ملكه ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، إذ دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة، ومات سنة اثنتين وسبعين، وقيل: إحدى وسبعين ومائة، في خلافة الرشيد، وأمّه أم ولد بربرية اسمها راح، ومولده سنة ثلاث عشرة ومائة، بدير حنا من أرض دمشق، وقيل: بالعلياء من تدمر، ومات أبوه في أيام أبيه هشام سنة ثماني عشرة عن إحدى وعشرين سنة، وكفله وإخوته جدّهم هشام، ووهب لعبد الرحمن هذا جميع الأخماس التي اجتمعت للخلفاء بالأندلس، وأقطعه إيّاها، ووجّه لحيازتها من الشام سعيد بن أبي ليلى، وقيل: إنّه لما قصد المغرب من فلسطين خرج معه أربعة: بدر مولى أبيه، وأبو شجاع، وزياد، وعمرو، وقيل: إن بدراً لحقه ولم يخرج معه، فالله أعلم، وخلف من الولد عشرين، ومنهم أحد عشر رجلاً وتسع إناث. وحكى غير واحد أنّه لما هرب من الشام إلى إفريقية قاصداً الأندلس نزل بمغيلة، فصار بها عند شيخ من رؤساء البربر يدعى وانسوس، ويكنى أبا قرّة، فاستتر عنده وقتاً، ولحق به بدر مولى أبيه بجوهرٍ وذهبٍ أنفذته أخته إليه، فلمّا دخل الأندلس واستتبّ أمره به سار إليه أبو قرة وانسوس البربري، فأحسن إليه وحظي عنده وأكرم زوجته تكفات البربرية التي خبأته تحت ثيابها عندما فتشت رسل ابن حبيب بيتها عنه، فقال لها عبد الرحمن مداعباً حين استظلت بظلّه في الأندلس: لقد عذبتني بريح إبطيك يا تكفات على ما كان بي من الخوف، وسعطتني (١) بأنتن من ريح الجيف، فكان جوابها له مسرعة: بل ذلك

стр. 353

كان والله يا سيدي منك خرج ولم تشعر به من فرط فزعك، فاستظرف جوابها، وأغضى عن مواجهتها بمثل ذلك، وهذا من آفات المزاح. ومن محاسنه أنّه أدار السور بقرطبة، رحمه الله تعالى. [هشام بن عبد الرحمن] وتولى الملك بعده ابنه هشام بعهد منه إليه، وأمّه أم ولد اسمها حلل (١) ، وأفضى إليه الملك وهو بماردة والٍ عليها، وكان أبوه يوليه في صباه ويرشحه للأمر، وكان الداخل كثيراً ما يسأل عن ابنيه سليمان وهشام، فيذكر له أن هشاماً إذا حضر مجلساً امتلأ أدباً وتاريخاً وذكراً لأمور الحرب ومواقف الأبطال، وما أشبه ذلك، وإذا حضر سليمان مجلساً امتلأ سخفاً وهذياناً، فيكبر هشام في عينه بمقدار ما يصغر سليمان (٢) ، وقال يوماً لهشام: لمن هذا الشعر: وتعرف فيه من أبيه شمائلاً ... ومن خاله أو من يزيد ومن حجر سماحة ذا، وبرّ ذا، ووفاء ذا، ... ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر فقال له: يا سيدي لامرئ القيس ملك كندة، وكأنّه قاله في الأمير أعزّه الله؛ فضمّه إليه استحساناً بما سمع منه، وأمر له بإحسان كثير، وزاد في عينه. ثم قال لسليمان على انفراد: لمن هذا الشعر؟ وأنشده البيتين، فقال: لعلهما لأحد أجلاف العرب، أما لي شغل غير حفظ أقوال بعض الأعراب (٣) ؟ فأطرق عبد الرحمن، وعلم قدر ما بين الاثنين من المزية. ولمّا ولي هشام (٤) أشخص المنجم المعروف بالضبي من وطنه الجزيرة الخضراء

стр. 354

إلى قرطبة، وكان في علم النجوم والمعرفة بالحركات العلوية بطليموس زمانه حذقاً وإصابة، فلمّا أتاه خلا به وقال له: يا ضبي، لست أشك أنّه قد عناك من أمرنا إذ بلغك ما لم يدّع تجديد (١) النظر فيه، فأنشدك الله إلا ما نبأتنا بم اظهر لك فيه، فلجلج وقال: أعفني أيها الأمير، فإنّي ألممت به، ولم أحقّق النظر فيه لجلالته في نفسي، فقلا له: قد أجّلتك لذلك، فتفرّغ للنظر فيما بقي عليك منه، ثمّ أحضره بعد أيّام، فقال: إن الذي سألتك عنه جدّ منّي، مع أنّي والله ما أثق بحقيقته، إذ كان من غيب الله الذي استأثر به، ولكنّي أحبّ أن أسمع ما عندك فيه، فالنفس طلعة، وألزمه الصّلة أو العقوبة، فقال: اعلم أيها الأمير أنّه (٢) سوف يستقر ملكك، سعيداً جدّك، قاهراً لمن عاداك، إلا أن مدّتك فيه فيما دل عليه النظر تكون ثمانية أعوام أو نحوها، فأطرق ساعة ثمّ رفع رأسه وقال: يا ضبي ما أخوفني أن يكون النذير كلّمني بلسانك، والله لو أن هذه المدّة كانت في سجدة لله تغالى لقلّت طاعةً له، ووصله وخلع عليه، وزهد في الدنيا، والتزم أفعال البرّ (٣) . ومن حكاياته في الجود (٤) أنّه كان قاعداً لراحته في عليّة على النهر في حياة والده، فنظر إلى رجل من قدماء صنائعه من أهل جيّان قد أقبل يوضع السير في الهاجرة، فأنكر ذلك، وقدّر شرّاً وقع به من قبل أخيه سليمان، وكان والياً على جيّان، فأمر بإدخاله عليه، فقال له: مهيم يا كناني، فلأمر ما جئت، وما أحسبك إلا مزعجاً لشيء دهمك (٥) ، فقال: نعم يا سيدي، قتل رجل من قومي رجلاً خطأ، فحملت الدية على العاقلة، فأخذ بها من كنانة عامة، وحمل (٦)

стр. 355

عليّ من بينهم خاصّة، وقصدني أخوك بالاعتداء إذ عرف مكاني منك، فمد هشام يده إلى جارية كانت وراء الستر، وقطع قلادة عقد نفيس كان في نحرها، وقال له: دونك هذا العقد يا كناني، وشراؤه عليّ ثلاثة آلاف دينار، فلا تخدعنّ عنه، وبعه، وأدّ عن نفسك وعن قومك، ولا تمكن الرجل من اهتضامك، فقال: يا سيدي، لم آتك مستجدياً ولا لضيق المال عمّا حملته، ولكنّي لما اعتمدت بظلم صراح أحببت أن يظهر عليّ عزّ نصرك، وأثر ذبّك وامتعاضك (١) ، فأتمجّد بذلك عند من يحسدني على الانتماء إليك، فقال هشام: فما وجه ذلك؟ فقال: أن تكتب إلى أخيك في الإمساك عنّي، والقيام بذّمتك لي، فقال: أمسك العقد، وركب من حينه إلى والده الداخل، واستأذن عليه في وقت أنكره، فانزعج، وقال: ما أتى بأبي الوليد في هذا الوقت إلاّ أمر مقلق، أئذنوا له، فلمّا دخل سلّم عليه، ومثل قائماً بين يديه، فقال له: اجلس يا هشام، فقال: أصلح الله الأمير سيدي، وكيف جلوسي بهمّ وذل مزعج، وحقّ لمن قام مقامي أن لا يجلس إلا مطمئنّاً، ولن يقعدني إلا طيب نفسي بإسعاف الأمير لحاجتي، وإلا رجعت على عقبي، فقال له: حاش لك من انقلابك خائباً، فاقعد مجاباً مشفّعاً، فجلس، فقال له أبوه: فما الحدث المقلق؟ فأعلمه، فأم وحمل الدية عنه وعن عشيرته من بيت المال، فسرّ هشام وأطنب في الشكر، وكتب الأمير إلى ولده سليمان في ترك التعرض لهذا الكناني. ولما دخل الكناني لوداع هشام قال له: يا سيدي قد تجاوزت بك حدّ الأمنية، وبلغت غاية النصر، وقد أغنى الله عن العقد المبذول بين يدي العناية الكريمة، فتعيده إلى صاحبته، فأبى من ذلك، وقال: لا سبيل إلى رجوعه إلينا. وكان هشام يذهب بسيرته مذهب عمر بن عبد العزيز، وكان يبعث بقوم

стр. 356

من ثقاته إلى الكور (١) فيسألون الناس عن سير عمّاله، ويخبرونه بحقائقها، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم أوقع به وأسقطه وأنصف منه، ولم يستعمله بعد. ولمّا وصفه زياد بن عبد الرحمن لمالك بن أنس (٢) قال: ليت أن الله تعالى زين موسمنا بمثل هذا (٣) . وفي أيامه فتحت أربونة الشهيرة (٤) ، واشترط على المعاهدين من أهل جليقية من صعاب شروطه انتقال عدد من أحمال التراب من سور أربونة المفتتحة يحملونها إلى باب قصره بقرطبة، وبنى منه المسجد الذي قدّام باب الجنان، وفضلت منه فضلة بقيت مكوّمة. وقاسى مع المخالفين له من أهل بيته وغيرهم حروباً، ثم كانت الدائرة له. وقصد إلى بلاد الحرب غازياً، وقصد ألبة والقلاع، فلقي العدوّ وظفر بهم، وفتح الله عليه سنة خمس وسبعين (٥) . وبعث العساكر إلى جليقية مع يوسف بن بخت (٦) فلقي ملكها برمند (٧) ، وهزمه، وأثخن في العدوّ. وفي سنة ست وسبعين (٨) بعث وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث لغزاة العدوّ، فبلغ ألبة والقلاع، فأثخن في نواحيها، ثمّ بعثه في العساكر سنة سبع وسبعين إلى أربونة وجرندة (٩) فأثخن فيها، ووطئ أرض برطانة، وتوغل

стр. 357

عبد الملك في بلاد الكفر وهزمهم، ثم بعث العساكر مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة والقلاع سنة ثمان وسبعين، ومع أخيه عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد جليقية، فانتهى إلى استرقة (١) ، فجمع له ملك الجلالقة واستمد بملك البشكنس، ثم خام عن اللقاء، ورجع أدراجه، واتبعه عبد الملك، وكان هشام قد بعث الجيوش من ناحية أخرى، فالتقوا بعبد الملك، وأثخنوا في البلاد، واعترضتهم عساكر الفرنج فنالوا منهم بعض الشيء، ثم خرجوا سالمين ظافرين. ومن محاسنه أنّه جدّد القنطرة التي يضرب بها المثل بقرطبة كما سبق، وكان بناها السّمح الخولاني عامل عمر بن عبد العزيز ﵁، فأحكم هشام بناءها إلى الغاية، وقال يوماً لأحد وزرائه (٢) : ما يقول أهل قرطبة؟ فقال: يقولون: ما بناها الأمير إلا ليمضي عليها إلى صيده وقنصه، فآلى هشام على نفسه أن لا يسلك عليها، فلم يمرّ عليها بعد، ووفى بما حلف عليه. ومن محسنه (٣) أيضاً إكمال بناء الجامع بقرطبة، وكان أبوه شرع فيه؛ ومن محاسنه أنّه أخرج المصدّق لأخذ الزكاة على الكتاب والسنّة، ﵀. ثمّ توفّي سنة ثمانين ومائة، لسبع سنين وتسعة أشهر من إمارته، وقيل: لثمان - وكان من أهل الخير والصلاح، كثير الغزو والجهاد - وعمره أربعون سنة وأربعة أشهر، وولد في شوال سنة ١٣٩ (٤) . [الحكم بن هشام] وولي بعده ابنه الحكم (٥) بعهدٍ منه إليه، فاستكثر من المماليك، وارتبط

стр. 358

الخيل، واستفحل ملكه، وباشر الأمور بنفسه، وفي خلال فتنة كانت بينه وبين عميه اغتنم العدوّ الكافر الفرصة في بلاد المسلمين، وقصدوا (١) برشلونة فملكوها سنة خمس وثمانين، وتأخرت عساكر المسلمين إلى ما دونها، وبعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث (٢) إلى بلاد الجلالقة، فأثخنوا فيها، وخالفهم العدو إلى المضايق، فرجع على التعبية، وظفر بهم، وخرج إلى بلاد الإسلام ظافراً. وكانت له الواقعة الشهيرة مع أهل الرّبض (٣) من قرطبة لأنّه في صدر ولايته كان قد انهمك في لذّاته، فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة، مثل يحيى بن يحيى الليثي (٤) صاحب مالك وأحد رواة الموطّإ عنه وطالوت الفقيه (٥) وغيرهما، فثاروا به، وخلعوه، وبايعوا بعض قرابته، وكانوا بالرّبض الغربيّ من قرطبة، وكان محلّةً متصلةً (٦) بقصره، فقاتلهم الحكم فغلبهم وافترقوا وهدم دورهم ومساجدهم، ولحقوا بفاس من أرض العدوة، وبالإسكندرية من أرض المشرق، ونزل بها جمع منهم، ثم ثاروا بها، فزحف إليهم عبد الله بن طاهر صاحب مصر للمأمون بن الرشيد، وغلبهم، وأجازهم إلى جزيرة أقريطش، فلم يزالوا بها إلى أن ملكها الإفرنج من أيديهم بعد مدّة.

стр. 359

وكانت في أيّام الحكم حروب وفتن مع الثوّار المخالفين له من أهل طليطلة وغيرهم. وفي سنة ثنتين وتسعين (١) جمع لذريق (٢) بن قارله ملك الفرنج جموعه، وسار إلى حصار طرسونة (٣) ، فبعث الحكم ابنه عبد الرحمن في العساكر، فهزمه، ففتح الله على المسلمين، وعاد ظافراً. ولمّا كثر عيث الفرنج في الثغور بسبب اشتغال الحكم بالخارجين عليه سار بنفسه إلى الفرنج سنة ست وتسعين (٤) ، فافتتح الغثور والحصون، وخرّب النواحي، وأثخن في القتل والسبي والنهب، وعاد إلى قرطبة ظافراً. وفي سنة مائتين (٥) بعث العساكر مع ابن مغيث إلى بلاد الفرنج فخرب وهدم عدّة حصون، وأقبل عليه أليط (٦) ملك الجلالقة وفي جموع عظيمة، وتنازلوا على نهر، واقتتلوا عليه أيّاماً، ونال المسلمون منهم أعظم النّيل، وأقاموا كذلك ثلاث عشرة ليلة، ثم كثرت الأمطار، ومدّ النهر، وقفل المسلمون ظافرين ظاهرين. وهو أوّل من جند الأجناد، واتخذ العدّة، وكان أفحل (٧) بني أميّة بالأندلس، وأشدّهم إقداماً ونجدة، وكان يشبّه بأبي جعفر المنصور من خلفاء بني العبّاس في شدّة الملك وتوطيد الدولة وقمع الأعداء، وكان يؤثر الفقيه زياد بن عبد الرحمن (٨) ، وحضر يوماً عنده، وقد غضب فيه على خادم له لإيصاله

стр. 360

إليه كتاباً كره وصوله، فأمر بقطع يده، فقال له زياد: أصلح الله الأمير، فإن مالك بن أنس حدّثني في خبر رفعه أن " من كظم غيظاً يقدر على إنفاذه ملأه الله تعالى أمناً وإيماناً يوم القيامة "، فأمر أن يمسك عن الخادم، ويعفى عنه، فسكن غضبه، وقال: آلله إن مالكاً حدّثك بهذا؟ فقال زياد: ألله إن مالكاً حدثني بهذا (١) . وكانت المجاعة الشديدة سنة سبع وتسعين ومائة (٢) ، فأكثر فيها مواساة أهل الحاجات، وفي ذلك يقول عباس بن ناصح الجزيري فيه (٣) : نكد الزّمان فآمنت أيّامه ... من أن يكون بعصره عسر ظلع الزّمان بأزمة فجلا له ... تلك الكريهة جوده الغمر وكان نقش خاتمه " بالله يثق الحكم ويعتصم ". وذكور ولده عشرون، وإناثهم عشرون، وأمّه جارية اسمها زخرف. وكان أسمر، طوالاً، وأشمّ، نحيفاً. ومدّة ملكه ست وعشرون سنة، سامحه الله. وقال غير واحد: إنّه أول من جعل للملك بأرض الأندلس أبّهة، واستعدّ بالمماليك حتى بلغوا خمسة آلاف: منهم ثلاثة آلاف فارس، وألفا راجل. ثمّ توفّي الحكم بن هشام آخر سنة ست ومائتين لسبع وعشرين سنة من ولايته، ومولده سنة ١٥٤. وقال ابن خلدون وغير واحد (٤) : إنّه أوّل من جنّد بالأندلس الأجناد

стр. 361

والمرتزقة، وجمع الأسلحة والعدد، واستكثر من الخدم والحواشي والحشم، وارتبط الخيول على بابه، واتخذ المماليك، وكان يسميهم الخرس لعجمتهم، وحكى في عدّتهم ما تقدم، ثم قال: وكانت له عيون يطالعونه بأحوال الناس، وكان يباشر الأمور بنفسه، ويقرب الفقهاء والعلماء والصالحين، وهو الذي وطّأ الملك لعقبه بالأندلس، انتهى. وكان له - فيما حكى غير واحد - ألفا فرس مرتبطة على شاطئ النهر بقبليّ قصره يجمعها داران. وهو القائل لما قتل أهل الرّبض وهدم ديارهم وحرثها (١) : رأبت صدوع الأرض بالسيف راقعا ... وقدماً لأمت الشّعب مذ كنت يافعا فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرةٌ ... أبادرها مستنضي السيف دارعا تنبّيك أني لم أكن في قراعهم ... بوانٍ، وقدماً كنت بالسيف قارعا وهل زدت أن وفّيتهم صاع قرضهم ... فوافوا منايا قدّرت ومصارعا فهذي بلادي، إنّني قد تركتها ... مهاداً، ولم أترك عليها منازعا وقال ابن حزم في حقّه (٢) : إنّه كان من المجاهرين بالمعاصي، السافكين الدماء، ولذلك قام عليه الفقهاء والصلحاء. وقال غيره (٣) إنّه تنصّل أخيراً، وتاب، سامحه الله. ومن نظمه قوله متغزلاً (٤) : قضبٌ من البان ماست فوق كثبان ... ولّين عنّي وقد أزمعن هجراني

стр. 362

ومنها: من لي بمقتضبات الرّوح من بدني ... يغصبنني في الهوى عزّي وسلطاني وقيل: إنّه كان يمسك أولاد الناس ويخصيهم، ونقلت عنه أمور، ولعلّه تاب منها كما قدّمنا، والله أعلم بحقيقة أمره. ومن بديع أخبار الحكم (١) أن العباس الشاعر وتوجّه إلى الثّغر، فلمّا نزل بوادي الحجارة سمع امرأة تقول: واغوثاه بك يا حكم، لقد أهملتنا حتى كلب العدوّ علينا، فأيّمنا وأيتمنا، فسألها عن شأنها، فقالت: كنت مقبلة من البادية في رفقة، فخرجت علينا خيل عدو، فقتلت وأسرت، فصنع قصيدته التي أوّلها: تململت في وادي الحجارة مسهرا ... أراعي نجوماً ما يردن تغوّرا (٢) إليك أبا العاصي نضيت مطيّتي ... تسير بهم سارياً ومهجّرا تدارك نساء العالمين بنصرة ... فإنّك أحرى أن تغيث وتنصرا فلمّا دخل عليه أنشده القصيدة، ووصف له خوف الثغر واستصراخ المرأة باسمه، فأنف ونادى في الحين بالجهاد والاستعداد، فخرج بعد ثلاث إلى وادي الحجارة ومعه الشاعر، وسأل عن الخيل التي أغارت من أيّ أرض العدوّ كانت، فأعلم بذلك، فغزا بتلك الناحية وأثخن فيها، وفتح الحصون، وخرب الديار، وقتل عدداً كثيراً، وجاء إلى وادي الحجارة فأمر بإحضار المرأة وجميع من أسر له أحد في تلك البلاد، فأحضر، فأمر بضرب رقاب الأسرى بحضرتها، وقال للعباس: سلها: هل أغاثها الحكم؟ فقالت المرأة، وكانت نبيلة: والله لقد شفى الصدور، وأنكى العدوّ، وأغاث الملهوف، فأغاثه الله، وأعزّ نصره؛

стр. 363

فارتاح لقولها، وبدا السرور في وجهه وقال: ألم تر يا عبّاس أنّي أجبتها ... على البعد أقتاد الخميس المظفّرا فأدركت أوطاراً وبرّدت غلّةً ... ونفّست مكروباً وأغنيت معسرا فقال عبّاس: نعم، جزاك الله خيراً عن المسلمين، وقبّل يده. وممّا عيب به أنّه قتل الفقيه أبا زكريا يحيى بن مضر القيسي، وكان قدوة في الدين والورع، سمع من سفيان ومالك بن أنس، وروى عنه مالك وقال: حدّثنا يحيى بن مضر عن سفيان الثوري أن الطّلح المنضود هو الموز، وكان قتل المذكور مع جماعة من العلماء وغيرهم. [عبد الرحمن بن الحكم] وقام بأمره (١) من بعده ابنه عبد الرحمن، بعهد منه إليه، ثم لأخيه المغيرة بعده، فغزا عبد الرحمن لأول ولايته إلى جليقية وأبعد، وأطال المغيب، وأثخن في أمم النصرانية هنالك، ورجع. وقدم عليه سنة ست ومائتين زرياب المغني من العراق (٢) ، وهو مولى المهدي ومتعلم إبراهيم الموصلي، واسمع علي بن نافع، فركب بنفسه لتلقّيه، على ما حكاه ابن خلدون، وبالغ في إكرامه، وأقام عنده بخير حال، وأورث صناعة الغناء بالأندلس وخلّف أولاداً فخلفه كبيرهم عبد الرحمن في صناعته وحظوته. وفي سنة ثمان (٣) أغزى حاجبه عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة

стр. 364

والقلاع، فخرّب كثيراً من البلاد وانتسفها، وفتح كثيراً من حصونهم، وصالح بعضها على الجزية وإطلاق أسرى المسلمين، وانصرف ظافراً. وفي سنة أربع وعشرين بعث قريبه عبيد الله بن البلنسي في العساكر لغزو ألبة والقلاع، فسار ولقي العدوّ فهزمهم وأكثر القتل والسبي، ثم خرج لذريق ملك الجلالقة، وأغار على مدينة سالم (١) بالثغر، فسار إليه فرتون بن موسى، وقاتله، فهزمه وأكثر القتل والسبي في العدو والأسر، ثم سار إلى الحصن الذي بناه أهل ألبة بالثغر نكايةً للمسلمين، فافتتحه وهدمه، ثم سار عبد الرحمن في الجيوش إلى بلاد جليقية، فدوّخها وافتتح عدّة حصون منها، وجال في أرضهم، ورجع بعد طول المقام بالسبي والغنائم. وفي سنة ست وعشرين بعث عبد الرحمن العساكر إلى أرض الفرنجة، وانتهوا إلى أرض بريطانية، وكان على مقدمة المسلمين موسى بن موسى عامل تطيلة (٢) ، ولقيهم العدوّ، فصبر حتى هزم الله عدوّهم، وكان لموسى في هذه الغزاة مقام محمود. وفي سنة تسع وعشرين بعث ابنه محمداً بالعساكر، وتقدم إلى بنبلونة (٣) ، فأوقع بالمشركين عندها، وقتل غرسية صاحبها، وهو من أكبر ملوك النصارى. وفي أيامه ظهر المجوس (٤) ، ودخلوا إشبيلية، فأرسل إليهم عبد الرحمن العساكر مع القوّاد من قرطبة، فنزل المجوس من مراكبهم، وقاتلهم المسلمون،

стр. 365

فهزموهم بعد مقام صعب، ثم جاءت العساكر مدداً من قرطبة فقاتلهم المجوس، فهزمهم المسلمون وغنموا بعض مراكبهم وأحرقوها، ورحل المجوس إلى شذونة فأقاموا عليها يومين، وغنموا بعض الشيء، ووصلت مراكب عبد الرحمن إلى إشبيلية فأقلع المجوس إلى لبلة، وأغاروا وسبوا ثم إلى باجة ثم أشبونة، ثم انقطع خبرهم حين أقلعوا من أشبونة، وسكنت البلاد، وذلك سنة ثلاثين، وتقدّم عبد الرحمن بإصلاح ما خربوه من البلاد، وأكثف حاميتها. وفي سنة إحدى وثلاثين (١) بعث العساكر إلى جليقية فدوّخوها، وحاصروا مدينة ليون ورموها بالمجانيق، وهرب أهلها عنها وتركوها، فغنم المسلمون ما فيها وأحرقوها، وأرادوا هدم سورها فلم يقدروا عليه، لأن عرضه كان سبعة عشر ذراعاً، فثلموا فيه ثلمة ورجعوا. ثم أغزى عبد الرحمن حاجبه عبد الكريم في العساكر إلى بلاد برشلونة، فعاث في نواحيها وأجاز الدروب التي تسمّى البرت إلى بلاد الفرنجة فدوّخها قتلاً وأسراً وسبياً، وحاصر مدينتها العظمى جرندة، وعاث في نواحيها، وقفل. وقد كان ملك القسطنطينية من ورائهم توفلس (٢) بعث إلى الأمير عبد الرحمن سنة خمس وعشرين بهدية يطلب مواصلته ويرغّبه في ملك سلفه بالمشرق من أجل ما ضيق به المأمون والمعتصم حتى إنّه ذكرهما له في كتابه له وعبّر عنهما بابني مراجل وماردة، فكافأه الأمير عبد الرحمن عن الهدية، وبعث إليه يحيى الغزال (٣) من كبار أهل الدولة، وكان مشهوراً في الشعر والحكمة، فأحكم

стр. 366

بينهما الوصلة، وارتفع لعبد الرحمن ذكر عند منازعيه من بني العباس. ويعرف الأمير عبد الرحمن بالأوسط، لأن الأول عبد الرحمن الداخل، والثالث عبد الرحمن الناصر. ثم توفّي عبد الرحمن الأوسط سنة ثمان وثلاثين ومائتين، بربيع الآخر، لإحدى وثلاثين سنة من إمارته؛ ومولده بطليطلة في شعبان سنة ست وسبعين ومائة. وكان عالماً بعلوم الشريعة والفلسفة، وكانت أيّامه أيّام هدوء وسكون، وكثرت الأموال عنده، واتخذ القصور والمتنزهات، وجلب إليها المياه من الجبال، وجعل لقصره مصنعاً اتخذه الناس شريعة، وأقام الجسور، وبنيت في أيّامه الجوامع بكور الأندلس، وزاد في جامع قرطبة رواقين، ومات قبل أن يستتمه (١) ، فأتمّه ابنه محمد بعده، وبنى بالأندلس جوامع كثيرة، ورتب رسوم المملكة، واحتجب عن العامّة. وعدد ولده مائة وخمسون من الذكور، وخمسون من الإناث (٢) ، ونقش خاتمه عابد الرحمن بقضاء الله راض وفي ذلك قيل (٣) : خاتمٌ للملك أضحى ... حكمه في الناس ماضي عابد الرحمن فيه ... بقضاء الله راضي

стр. 367

وهو أول من أحدث هذا النقش، وبقي وراثة لمن بعده من ولده. قال ابن سعيد (١) : وفي أيّامه انتهى مال الجباية إلى ألف ألف دينار في السنة، وكان قبل لا يزيد على ستمائة ألف، وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما يخالف هذا فليراجع، والله أعلم. ومن توقيعاته (٢) : ومن لم يعرف وجه طلبه، فالحرمان أولى به. ومن شعر عبد الرحمن المذكور قوله: ولقد تعارض أوجهٌ لأوامر ... فيقودها التوفيق نحو صوابها والشيخ إن يحو النّهى بتجارب ... فشباب رأي القوم عند شبابها وفي زيادته في جامع قرطبة يقول ابن المثنى (٣) رحمه الله تعالى: بنيت لله خير بيتٍ ... يخرس عن وصفه الأنام حجّ إليه بكل أوبٍ ... كأنّه المسجد الحرام كأنّ محرابه إذا ما ... حفّ به الركن والمقام وقال آخر (٤) : بنى مسجداً لله لم يك مثله ... ولا مثله لله في الأرض مسجد سوى ما ابتنى الرحمن والمسجد الذي ... بناه نبيّ المسلمين محمّد له عمد حمر وخضر كأنّما ... تلوح يواقيت بها وزبرجد ألا يا أمين الله، لا زلت سالماً ... ولا زلت في كلّ الأمور تسدّد فيا ليتنا نفديك من كلّ حادث ... وأنّك للدّنيا وللدّين تخلد

стр. 368

وكان كثير الميل للنساء، وولع بجاريته طروب (١) ، وكلف بها كلفاً شديداً، وهي التي بنى عليها الباب ببدر المال حين تجنّت عليه. وأعطاها حلياً قيمته مائة ألف دينار. فقيل له: إن مثل هذا لا ينبغي أن يخرج من خزانة الملك، فقال: إن لابسه أنفس منه خطراً، وأرفع قدراً، وأكرم جوهراً، وأشرف عنصراً، وفيها يقول: إذا ما بدت لي شمس النّها ... ر طالعةً ذكّرتني طروبا أنا ابن الميامين من غالبٍ ... أشبّ حروباً وأطفي حروبا وخرج غازياً إلى جليقية فطالت غيبته فكتب إليها: عداني عنك مزار العدا ... وقودي إليهم سهاماً مصيبا فكم قد تخطّيت من سبسبٍ ... ولاقيت بعد دروبٍ دروبا ألاقي بوجهي سموم الهجير ... إذ كاد منه الحصى أن يذوبا تدارك بي الله دين الهدى ... فأحييته وأمتّ الصليبا وسرت إلى الشّرك في جحفلٍ ... ملأت الحزون به والسّهوبا وساق بعض المؤرخين قصة طروب هذه بقوله: إن السلطان المذكور أغضبها فهجرته، وصدت عنه، وأبت أن تأتيه، ولزمت مقصورتها، فاشتد قلقه لهجرها، وضاق ذرعه من شوقها، وجهد أن يترضاها بكل وجه فأعياه ذلك، فأرسل من خصيانه من يكرهها على الوصول إليه، فأغلقت باب مجلسها في وجوههم، وآلت أن لا تخرج إليهم طائعة، ولو انتهى الأمر إلى القتل، فانصرفوا إليه وأعلموه بقولها، واستأذنوه في كسر الباب عليها، فنهاهم وأمرهم بسد الباب عليها من خارجه ببدر الدراهم، ففعلوا، وبنوا عليها بالبدر، وأقبل حتى وقف بالباب وكلّمها مسترضياً راغباً في المراجعة على أن لها جميع ما سد به الباب،

стр. 369

فأجابت وفتحت الباب، فانهالت البدر في بيتها فأكبّت على رجله تقبلها، وحازت المال، وكانت تبرم الأمور مع نصر الخصيّ فلا يردّ شيئاً ممّا تبرمه. وأحبّ أخرى اسمها مدثرة فأعتقها وتزوجها، وأخرى كذلك اسمها الشفاء، وأمّا جاريته قل فكانت أديبة، حسنة الحظ، راوية للشعر، حافظة للأخبار، عالمة بضروب الأدب. وكان مولعاً بالسماع، مؤثراً له على جميع لذّاته، وله أخبار كثيرة، ﵀. [محمد بن عبد الرحمن] ولمّا مات وليّ ابنه محمدٌ (١) ، فبعث لأوّل وليته عساكر مع موسى بن موسى صاحب تطيلة (٢) ، فعاث في نواحي ألبة والقلاع، وفتح بعض حصونها، ورجع، وبعث عساكر أخرى إلى نواحي برشلونة وما وراءها، فعاثوا فيها وفتحوا حصوناً من برشلونة ورجعوا. ولما استمدّ أهل طليطلة المخالفون (٣) من أهل بلاد الأمير محمد عليه بملكي جليقية والبشكنس لقيهم الأمي محمد على وادي سليطة (٤) ، وقد أكمن لهم، فأوقع بهم، وبلغت عدّة القتلى من أهل طليطلة والمشركين عشرين ألفاً. وفي سنة خمس وأربعين ظهرت مراكب المجوس (٥) ، وعاثوا في الأندلس،

стр. 370

فلقيهم مراكب الأمير محمد، فقاتلوهم وغنموا منهم مركبين، واستشهد جماعة من المسلمين. وفي سنة سبع وأربعين (١) أغزى محمد إلى نواحي بنبلونة وصاحبها حينئذٍ غرسية بن ونقه (٢) ، وكان يظاهر أردون (٣) بن أذفنش، فعاث في نواحي بنبلونة، ورجع وقد دوّخها وفتح كثيراً من حصونها، وأسر فرتون ابن صاحبها، فبقي أسيراً بقرطبة عشرين سنة. ثم بعث سنة إحدى وخمسين أخاه المنذر في العساكر إلى نواحي ألبة والقلاع فعاثوا فيها، وجمع لذريق للقائهم، فلقيهم وانهزم، وأثخن المسلمون في المشركين بالقتل والأسر، فكان فتحاً لا كفاء له. ثم غزا الأمير محمد بنفسه سنة إحدى وخمسين بلاد الجلالقة، فأثخن وخرب. وفي سنة ثلاث وستين أغزى الأمير محمد ابنه المنذر إلى دار الحرب، وفي السنة التي بعدها إلى بلاد بنبلونة فدوّخها ورجع. وفي سنى ثمان وستين أغزاه أيضاً إلى دار الحرب، فعاث في نواحيها وفتح حصوناً. وفي أيام الأمير محمد خربت ماردة وهدمت ولم يبق لها أثر. وذكر بعضهم أنّه رأى بالمشرق هذه الأبيات قبل أن تخرب ماردة بأعوام، ولم يعلم قائلها، وذلك سنى ٢٥٤: ويلٌ لماردة التي مردت ... وتكبرت عن عدوة النهر كانت ترى لهم بها زهرٌ ... فخلت من الزهرات كالقفر فالويل ثم الويح حين غزا ... بجميعهم من صاحب الأمر

стр. 371

ثمّ توفّي الأمير محمّد في شهر صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين، لخمس وثلاثين سنة من إمارته، ومولده سنة سبع ومائتين. [المنذر بن محمد] وولي بعده ابنه المنذر (١) ، ولم تطل مدّته، وأقام في الملك سنتين إلا نصف شهر، وتوفيّ منتصف صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وفيه قيل: بالمنذر بن محمّدٍ ... صلحت بلاد الأندلس [عبد الله بن محمد] ثمّ ولي أخوه عبد الله، قال ابن خلدون (٢) : كان خراج الأندلس قبله ثلاثمائة ألف دينار: مائة ألف للجيوش، ومائة ألف للنفقة في النوائب وما يعرض، ومائة ألف ذخيرة ووفراً، فأنفق الوفر حين اضطربت عليه نواحي الأندلس بالثّوار والمتغلّبين في تلك السنين، وقلّ الخراج، انتهى. ومن نظم الأمير عبد الله قوله (٣) : يا مهجة المشتاق ما أوجعك ... ويا أسير الحبّ ما أخشعك ويا رسول العين من لحظها ... بالردّ والتبليغ ما أسرعك تذهب بالسرّ فتأتي به ... في مجلس يخفى على من معك كم حاجةٍ أنجزت إبرازها ... تبارك الرحمن ما أطوعك

стр. 372

وهذه الأبيات عنوان فضله، وبراعة استهلال نبله. وكان الوزراء يطالعون بآرائهم الخليفة في بطاقة، فطالعه وزيره النّضر بن سلمة (١) برأيه في أمر في ورقة، فلمّا وقف عليها لم يعجبه ذلك الرأي، فكتب (٢) : أنت يا نضر آبده ... ليس ترجى لفائده إنّما أنت عدّةٌ ... لكنيفٍ ومائده وتوفّي الأمير عبد الله سنة ثلاثمائة، ومدة ملكه نحو من خمس وعشرين سنة. [عبد الرحمن الناصر] وولي حافده عبد الرحمن الناصر (٣) ابن ابنه محمد قتيل أخيه المطرف، وكانت ولايته من الغريب، لأنّه كان شابّاً، وأعمامه وأعمام أبيه حاضرون، فتصدّى إليها واحتازها دونهم، ووجد الأندلس مضطربة بالمخالفين، مضطرمة بنيران المتغلبين، فأطفأ تلك النيران، واستنزل أهل العصيان، واستقامت له الأندلس في سائر جهاتها بعد نيّف وعشرين سنة من أيّامه، ودامت أيّامه نحو خمسين سنة استفحل فيها ملك بني أميّة بتلك الناحية، وهو أول من تسمّى منهم بالأندلس بأمير المؤمنين، عندما التاث أمر الخلافة بالمشرق، واستبدّ موالي الترك على بني العباس، وبلغه أن المقتدر قتله مؤنس المظفر مولاه سنة سبع عشرة وثلاثمائة (٤) فتلقب ألقاب الخلافة، وكان كثير الجهاد بنفسه والغزو إلى دار الحرب، إلى أن هزم عام الخندق سنة ثلاث وعشرين (٥) ، ومحّص الله فيها

стр. 373

المسلمين، فقعد عن الغزو بنفسه وصار يردّد الصّوائف في كل سنة، فأوطأ عساكر المسلمين من بلاد الإفرنج ما لم يطؤوه قبل في أيّام سلفه، ومدّت إليه أمم النصرانية من وراء الدروب يد الإذعان، وأوفدوا عليه رسلهم وهداياهم من رومة والقسطنطينية في سبيل المهادنة والسلم والاعتمال فيما يعنّ في مرضاته، ووصل إلى سدّته الملوك من أهل جزيرة الأندلس المتاخمين لبلاد المسلمين بجهات قشتالة وبنبلونة وما ينسب إليها من الثغور الجوفية، فقبّلوا يده، والتمسوا رضاه، واحتقبوا جوائزه، وامتطوا مراكبه، ثم سما إلى ملك العدوة فتناول سبتة - قفل الفرضة (١) - من أيدي أهلها سنة سبع عشرة وثلاثمائة (٢) ، وأطاعه بنو إدريس أمراء العدوة وملوك زناتة والبربر، وأجاز إليه الكثير منهم كما يعلم من أخباره، وبدأ أمره أول ولايته بتخفيف المغارم عن الرعايا، انتهى كلام ابن خلدون. وقيه يقول ابن عبد ربّه صاحب العقد يوم تولّى الملك (٣) : بدا الهلال جديداً ... والملك غضٌّ جديد يا نعمى الله زيدي ... إن كان فيك مزيد إن كان للصّوم فطرٌ ... فأنت للدهر عيد وأراد بأوّل الأبيات أنّه وليّ مستهلّ ربيع الأول كما علم. وما أشار إليه ابن خلدون في غزوة الخندق فصّله المسعودي فقال (٤) ، بعد أن أجرى ذكر مخالفة أمية بن إسحاق على الناصر ودخوله أرض النصارى ودلالته إياهم على عورات المسلمين، ما ملخصه: وغزا عبد الرحمن صاحب الأندلس

стр. 374

سمّورة دار الجلالقة، وكان عبد الرحمن في مائة ألف أو يزيدون، وكانت الوقعة بينه وبين رذمير (١) ملك الجلالقة في شوّال سنة ٣٢٧ بعد الكسوف الذي كان في هذا الشهر بثلاثة أيّام، فكانت للمسلمين عليهم، ثم ثابوا بعد أن حوصروا وألجئوا إلى المدينة، فقتلوا من المسلمين بعد عبورهم الخندق خمسين ألفاً، وقيل: إن الذي منع رذمير من طلب من نجا من المسلمين أميّة بن إسحاق، وخوّفه الكمين، ورغّبه فيما كان في عسكر المسلمين من الأموال والعدّة والخزائن، ولولا ذلك لأتى على جميع المسلمين، ثمّ إن أميّة استأمن بعد ذلك إلى عبد الرحمن وتخلّص من رذمير، وقبله عبد الرحمن أحسن قبول. وقد كان عبد الرحمن بعد هذه الوقعة جهز عساكر مع عدّة من قوّاده إلى الجلالقة، فكانت لهم بهم عدّة حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف ما قتل من المسلمين في الوقعة الأولى، وكانت للمسلمين عليهم إلى هذه الغاية، ورذمير ملك الجلالقة إلى هذا الوقت وهو سنة ٣٣٢ (٢) ، انتهى. وقال في موضع آخر ما ملخّصه (٣) : إن عبد الرحمن غزا في أزيد من مائة ألف من الناس، فنزل على دار مملكة الجلالقة، وهي مدينة سمّورة، وعليها سبعة أسوار من أعجب البنيان قد أحكمته الملوك السابقة، وبين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة، وافتتح منها سورين، ثم إن أهلها ثاروا على المسلمين فقتلوا منهم ممّن أدركه الإحصاء وممّن عرف أربعين ألفاً، وقيل: خمسين ألفاً، وكانت للجلالقة والبشكنس على المسلمين، انتهى كلام المسعودي. رجع إلى أخبار الناصر - فنقول: إن الناصر ﵀ كان له نظم، وممّا نسب إليه بعضهم قوله: لا يضرّ الصغير حدثان سنّ ... إنّما الشأن في سعود الصغير

стр. 375

كم مقيمٍ فازت يداه بغنم ... لم تنله بالرّكض كفّ مغير هكذا ألفيت البيتين منسوبين إليه بخط بعض الأكابر، ثم كتب بأثره ما نصّه: الصحيح أنهما لغيره، والله أعلم، انتهى. [؟ هدية ابن شهيد للناصر] وكان الناصر ﵀ قد استحجب موسى بن محمد بن حدير، واستوزر عبد الملك بن جهور، وأحمد بن عبد الملك بن شهيد، وأهدى له ابن شهيدٍ هديته المشهورة المتعدّدة الأصناف، وقد ذكرها ابن حيّان وابن خلدون (١) وغيرهما من المؤرخين، قال ابن خلدون: وهي ممّا يدل على ضخامة الدولة الأموية، واتساع أحوالها؛ وكان ذلك (٢) سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، لثمان خلون من شهر جمادى الأولى، وهي هدية عظيمة الشأن، اشتهر ذكرها إلى الآن، واتّفق على أنّه لم يهاد أحد من ملوك الأندلس بمثلها، وقد أعجبت الناصر وأهل مملكته جميعاً، وأقروا أن نفساً لم تسمح بإخراج مثلها ضربةً عن يدها، وكتب معها رسالة حسنة بالاعتراف للناصر بالنعمة والشكر علها استحسنها الناس وكتبوها، وزاد الناصر وزيره هذا حظوة واختصاصاً، وأسمى منزلته على سائر الوزراء جميعاً، وأضعف له رزق الوزارة، وبلّغه ثمانين ألف دينار أندلسية، وبلغ مصروفه إلى ألف دينار، وثنى له العظمة لتثنيته له الرزق، فسمّاه " ذا الوزارتين " لذلك، وكان أول من تسمى بذلك بالأندلس امتثالاً لاسم صاعد بن مخلد وزير بني العباس ببغداد، وأمر بتصدير فراشه في البيت، وتقديم اسمه في دفتر الارتزاق أول التسمية، فعظم مقداره في الدولة جدّاً.

стр. 376

وتفسير هديته المذكورة على ما ثبت في كتاب ابن خلدون على ما يفسر: خمسمائة ألف مثقال من الذهب العين، وأربعمائة رطل من التّبر، ومصارفةً خمسة وأربعون ألف دينار من سبائك الفضّة في مائتي بدرة، واقتصر ابن الفرضيّ على خمسمائة ألف دينار فقط؛ واثنا عشر رطلاً من العود الهندي الذي يختم عليه كالشمع، ومائة وثمانون رطلاً من العود المتخير، ومائة رطل من العود الشبه المنتقى، هكذا ذكره ابن خلدون. وقال ابن الفرضيّ مستنداً إلى الكتاب الذي وجّهه ابن شهيد مع الهدية: إن العود الغالي من ذلك أربعمائة رطل، منها في قطعة واحدة مائة وثمانون رطلاً. وقال ابن خلدون: ومائة أوقية من المسك الذكي المفضل في جنسه، انتهى. وقال ابن الفرضيّ، نقلاً عن الكتاب المصحوب مع الهدية: إن المسك مائتا أوقية، واثنتا عشرة أوقية. ومن العنبر الأشهب الباقي على خلقته بغير صناعة خمسمائة أوقية، منها قطعة عجيبة ململمة الشكل وزن مائة أوقية، هكذا في تاريخ ابن خلدون. وفي ابن الفرضيّ أن الكل مائة أوقية، وأن هذه القطعة أربعون أوقية. ومن الكافور المرتفع النقيّ الذكيّ ثلاثمائة أوقية. قال ابن خلدون: ومن اللباس ثلاثون شقّة من الحرير المختم المرقوم بالذهب كلباس الخلفاء المختلف الألوان والصنائع، وعشرة أفرية (١) من عالي جلود الفنك الخراسانية. وخالفه ابن الفرضيّ (٢) ، إذ قال: ومن أنواع الثياب ثلاثون شقّة خنجٍ (٣) خاصية للباسه بيضاء وملوّنة، وخمس ظهائر شعيبية (٤) خاصية له، وعشر فراء من

стр. 377

عالي الفنك منها سبعة بيض خراسانية وثلاث ملوّنة، وستة مطارف عراقية خاصية له، وثمان وأربعون ملحفة زهرية لكسوته، ومائة ملحفة زهرية لرقاده. ولم يذكر ابن خلدون ذلك، وابن الفرضي أعرف، لا سيّما وقد استند إلى كتاب المهدي، وصاحب البيت أدرى. قال ابن خلدون: وعشرة قناطير شدّ فيها مائة جلد سمّور، وقاله ابن الفرضي أيضاً، وزاد ابن خلدون: وستة من السرادقات العراقية، وثمانية وأربعون من الملاحف البغدادية لزينة الخيل من الحرير والذهب، ثم قالا معاً: وأربعة آلاف رطل من الحرير المغزول، وألف رطل من لون الحرير المنتقى للاستغزال، وزاد ابن خلدون: وثلاثون شقة من الفريون (١) لسروج الهبات، وزاد ابن الفرضيّ في الحرير المذكور: قيل: إنّه قبضه منه صاحب الطراز ولم يأت به مع الهدية، وإنّما دفعه لصاحب الطراز، وأثبته في الدفتر، قالا: وثلاثون بساطاً من الصوف مختلفة الصناعات طول كل بساط منها عشرون ذراعاً، وقال ابن خلدون: منتقاة مختلفة الأوان، قالا: ومائة قطعة مصلّيات من وجوه الفرش المختلفة، زاد ابن الفرضيّ: الصناعات من جنس البسط، قالا: وخمسة عشر نخّاً (٢) من عمل الخز المقطوع شطرها، قال ابن الفرضيّ: وسائرها من جنس البسط الوجوه، قال ابن خلدون: ومن السلاح والعدّة ثمانمائة من التجافيف المزينة أيام البروز والمواكب، وقال ابن الفرضيّ: مائة تجفاف بأبدع الصناعات وأغربها وأكملها، قالا: وألف ترس سلطانية، ومائة ألف سهم، زاد ابن خلدون: من لنبال البارعة الصنعة، قال ابن خلدون: ومن الظهر خمسة عشر فرساً من الخيل العراب المتخيرة لركاب السلطان فائقة النّعوت، وقال ابن الفرضي: ومن الخيل مائة فرس منها من الخيل العراب المتخيرة لركابه خمسة عشر فرساً، وخمس من عرض هذه الخيل مسرجة ملجمة لمراكب الخلافة

стр. 378

مجالس سروجها خز عراقي، وثمانون فرساً ممّا يصلح للوصفاء والحشم، وقال ابن خلدون: مائة فرس من الخيل التي تصلح للركوب في التصرف والغزوات، وقال ابن الفرضي: وخمسة أبغل عالية الركاب، وقال ابن خلدون: وعشرون من بغال الركاب مسرجة ملجمة لمراكب الخلافة مجالس سروجها خز جعفري عراقي، قالا: ومن الرقيق أربعون وصيفاً وعشرون جارية من متخير الرقيق بكسوتهم وجميع آلاتهم، وقال ابن خلدون في الجواري: متخيرات بكسوتهن وزينتهن، وقال ابن خلدون: ومن سائر الأصناف قرية تغلّ آلافاً من أمداد الزرع، ومن الصخر للبنيان ما أنفق عليه في عام واحد ثمانون ألف دينار، وعشرون ألف عود من الخشب من أجمل الخشب وأصلبه (١) وأقومه قيمتها خمسون ألف دينار، انتهى. وقال ابن الفرضي نقلاً عن كتاب ابن شهيد المصحوب مع الهدية عندما ذكر الرقيق ما صورته: وكان قد أمرني (٢) - أيّده الله - بابتياعهم من مال الأخماس، فابتعتهم من نعمته عندي، وصيرتهم من بعثي، ومع ذلك عشر قناطير سكر طبرزذ لا سحاق فيه. وفي آخر الكتاب: ولمّا علمت تطلّع مولاي - أيده الله تعالى - إلى قرية كذا بالقنبانية (٣) المنقطعة الغرس في شرقها، وترداده - أيده الله تعالى - لذكرها لم أهنأ بعيشٍ حتى أعملت الحيلة في ابتياعها بأحوازها، وأكتبت وكيله ابن بقيّة الوثيقة فيها باسمه، وضمّها إلى ضياعه، وكذلك صنعت في قرية شيرة من نظر جيّان عندما اتصل بي من وصفه لها وتطلّعه إليها، فما زلت أتصدّى لمسرّته بها حتى ابتعتها الآن بأحوازها وجميع منازلها وربوعها واحتاز ذلك

стр. 379

كلّه الوكيل ابن بقية، وصار في يده له أبقاه الله سبحانه، وأرجو أنّه سيرفع فيها في هذه السنة آلاف أمداد من الأطعمة إن شاء الله تعالى. ولمّا علمت نافذ عزمه - أبقاه الله تعالى - في البنيان، وكلفه به، وفكرت في عدد الأماكن التي تطلع نفسه الكريمة إلى تخليد آثاره في بنيانها - مد الله تعالى في عمره، وأوفى بها على أقصى أمله - علمت أن أسه وقوامه الصخر والاستكثار منه، فأثارت لي همتي ونصيحتي حكمة حيلة أحكمها سعدك وجدّك اللذان يبعثان ما لا يتوهم عليه، حيلة أقيم لك فيها بعام واحد عدد ما كان يقوم على يدي عبدك ابن عاصم في عشرين عاماً، وينتهي تحصيل النفقة فيه إلى نحو الثمانين ألفاً أعجل شأنه في عام، سوى التوفير العظيم الذي يبديه العيان قبلاً إن شاء الله تعالى، وكذلك ما ثاب إليّ في أمر الخشب لهذه المنية المكرمة، فإن ابن خليل عبدك المجتهد الدؤوب انتهى في تحصيل عدد ما تحتاج إليه إلى ثلاثمائة ألف عود ونيّف على عشرين ألف عود، على أنّه لا يدخل منه في السنة إلاّ نحو الألفي عود، ففتح لي سعدك رأياً أقيم له بتمامه جميع هذا الخشب العام على كماله بورود الجليبة (١) لوقتها، وقيمته على الرخص ما بين الخمسين ألفاً والستين ألفاً، انتهى. [عود إلى أخبار الناصر] ومن غريب ما يحكى (٢) عن أمير المؤمنين الناصر المذكور أنّه أراد الفصد، فقعد بالبهو في المجلس الكبير المشرف بأعلى مدينته بالزهراء، واستدعى الطبيب لذلك، وأخذ الطبيب الآلة وجسّ يد الناصر، فبينما هو إذ أطل زرزور فصعد على إناء ذهب بالمجلس، وأنشد: أيّها الفاصد رفقاً ... بأمير المؤمنينا

стр. 380

إنّما تفصد عرقاً ... فيه محيا العالمينا وجعل يكرّر ذلك المرّة بعد المرة، فاستظرف أمير المؤمنين الناصر ذلك غاية الاستظراف، وسرّ به غاية السرور، وسأل عمن اهتدى إلى ذلك وعلّم الزّرزور، فذكر له أن السيدة الكبرى مرجانة أم ولده وليّ عهده الحكم المستنصر بالله صنعت ذلك، وأعدّته لذلك الأمر، فوهب لها ما ينيّف على ثلاثين ألف دينار. وذكر ابن بسّام (١) أن أبا عامر بن شهيد أحمد بن عبد الملك الوزير أهدي له غلام من النصارى لم تقع العيون على شبهه، فلمحه الناصر فقال لابن شهيد: أنّى لك هذا؟ قال: هو من عند الله، فقال له الناصر: تتحفوننا بالنجوم وتستأثرون بالقمر، فاستعذر واحتفل في هدية بعثها مع الغلام، وقال: يا بني كن مع جملة ما بعثت به، ولولا الضرورة ما سمحت بك نفسي، وكتب معه هذين البيتين (٢) : أمولاي هذا البد سار لأفقكم ... وللأفق أولى بالبدور من الأرض أرضّيكم بالنفس وهي نفيسةٌ ... ولم أر قبلي من بمهجته يرضي فحسن ذلك عند الناصر، وأتحفه بمال جزيل، وتمكنت عنده مكانته، ثم إنّه بعد ذلك أهديت إليه جارية من أجمل نساء الدنيا، فخاف أن ينهى (٣) ذلك إلى الناصر فيطلبها فتكون كقصة الغلام، فاحتفل في هدية أعظم من الأولى، وبعثها معها، وكتب له: أمولاي هذي الشمس والبدر أوّلاً ... تقدّم كيما يلتقي القمران

стр. 381

قرانٌ لعمري بالسعادة قد أتى ... فدم منهما في كوثر وجنان فما لهما والله في الحسن ثالثٌ ... وما لك في ملك البريّة ثاني فتضاعفت مكانته عنده. ثمّ إن أحد الوشاة رفع للملك أنّه بقي في نفسه من الغلام حرارة، وأنّه لا يزال يذكره حين تحرّكه الشّمول، ويقرع السن على تعذر الوصول، فقال للواشي: لا تحرك به لسانك، وإلاّ طار رأسك، وأعمل الناصر حيلة في أن كتب على لسان الغلام رقعة منها: يا مولاي، تعلم أنّك كنت لي على انفراد، ولم أزل معك في نعيم، وإنّي وإن كنت عند الخليفة مشارك في المنزلة، محاذر ما يبدو من سطوة الملك، فتحيّل في استدعائي منه، وبعثها مع غلام صغير السن، وأوصاه أن يقول: من عند فلان، وإن الملك لم يكلّمه قط، إن سأله عن ذلك، فلمّا وقف أبو عامر على تلك الرسالة واستخبر الخادم علم من سؤاله ما كان في نفسه من الغلام، وما تكلم به في مجالس المدام، فكتب على ظهر الرقعة ولم يزد حرفاً: أمن بعد إحكام التجارب يبتغى ... لديّ سقوط الطير (١) في غابة الأسد وما أنا ممّن يغلب الحبّ قبله ... ولا جاهل ما يدّعيه أولو الحسد فإن كنت روحي قد وهبتك طائعاً ... وكيف يردّ الروح إن فارق الجسد فلمّا وقف الناصر على الجواب تعجب من فطنته، ولم يعد إلى استماع واشٍ به. ودخل عليه بعد ذلك فقال له: كيف خلصت من الشّرك؟ فقال: لأن عقلي بالهوى غير مشترك، فأنعم عليه، وزادت محبته عنده، وممّن ذكر هذه الحكاية صاحب " مطالع البدور، في منازل السرور " (٢) .

стр. 382

[غزوات الناصر] وأخبار الناصر طويلة جدّاً، وقد منح الظفر على الثوّار، واستنزلهم من معاقلهم، حتى صفا له الوقت، وكانت له في جهاد العدو اليد البيضاء، فمن غزواته أنّه غزا سنة ثمان وثلاثمائة إلى جليقية وملكها أردون بن أذفونش، فاستنجد بالبشكنس والإفرنجة وظاهر شانجة (١) بن غرسية صاحب بنبلونة أمير البشكنس، فهزمهم، ووطئ بلادهم، ودوّخ أرضهم، وفتح معاقلهم، وخرب حصونهم، ثم غزا بنبلونة سنة ثنتي عشرة، ودخل دار الحرب، ودوّخ البسائط، وفتح المعاقل، وخرّب الحصون، وافسد العمائر، وجال فيها، وتوغل في قاصيتها، والعدو يحاذيه في الجبال والأوعار، ولم يظفر منه بشيء، ثم بعد مدّة ظفر ببعض الثوّار عليه، وكان استمدّ بالنصارى فقتل الناصر من كان مع الثائر من النصارى أهل ألبة، وفتح ثلاثين من حصونهم، وبلغه انتفاض طوطة (٢) ملكة البشكنس فغزاها في بنبلونة ودوّخ أرضها واستباحها، ورجع إلى قرطبة، ثم غزا غزوة الخندق سنة سبع وعشرين إلى جليقية فانهزم وأصيب فيها المسلمون، وقعد بعدها عن الغزو بنفسه، وصار يردد البعوث والصوائف إلى الجهاد، وبعث جيوشه إلى المغرب فملك سبتة وفاساً وغيرهما من بلاد المغرب، وطار صيته وانتشر ذكره كما سبق. ولم هلك غرسية بن شانجة ملك البشكنس قام بأمرهم بعده أمه (٣) طوطة، وكفلت ولده، ثم انتقضت على الناصر سنة خمس وعشرين، فغزا الناصر بلادها، وخرب نواحي بنبلونة وردد عليها كما مرّ الغزوات، وكان قبل ذلك سنة ثنتين وعشرين غزا إلى وخشمة (٤) ،

стр. 383

ثم رحل إلى بنبلونة، فجاءته طوطة بطاعتها وعقد لابنها غرسية على بنبلونة، ثم عدل إلى ألبة وبسائطها فدوّخها وخرب حصونها، ثم اقتحم جليقية وملكها يومئذ رذمير بن أردون، فخام عن لقائه، ودخل وخشمة، فنازله الناصر فيها، وهدم برغش (١) وكثيراً من معاقلهم، وهزمهم مراراً، ورجع، ثم كانت بعدها غزوة الخندق السابقة، وهابته أمم النصرانية. [الوفود على بلاط الناصر] ثم وفدت عليه سنة ست وثلاثين رسل صاحب قسطنطينية وهديته - وهو يومئذ قسطنطين - واحتفل الناصر لقدومهم في يوم مشهود، قال ابن خلدون (٢) : ركبت في ذلك اليوم العساكر بالسلاح في أكمل شكّة، وزين القصر الخلافي بأنواع الزينة وأصناف الستور، وجمّل السرير الخلافي بمقاعد الأبناء والإخوة والأعمام والقرابة، ورتب الوزراء والخدمة في مواقفهم، ودخل الرسل فهالهم ما رأوه، وقرّبوا حتى أدّوا رسالتهم، وأمر يومئذ الأعلام أن يخطبوا في ذلك الحفل، ويعظّموا من أمر الإسلام والخلافة، ويشكروا نعمة الله على ظهور دينه وإعزازه، وذلة عدوّه، فاستعدّوا لذلك، ثم بهرهم هول المجلس فوجموا، وشرعوا في القول فأرتج عليهم، وكان فيهم أبو علي القالي وافد العراق، كان في جملة الحكم ولي العهد وندبه لذلك استئثاراً بفخره (٣) ، فلمّا وجموا كلهم قام منذر بن سعيد البلّوطي من غير استعداد ولا رويّة وما تقدّم له أحد بشيء من ذلك، فخطب واسحنفر (٤) وجلّى في ذلك القصد، وأنشد

стр. 384

شعراً طويلاً ارتجله في ذلك الغرض (١) ، ففاز بفخر ذلك المجلس، وعجب الناس من شأنه أكثر من كل ما وقع، وأعجب به الناصر، وولاّه القضاء بعدها، وأصبح من رجالات المعالم (٢) ، وأخباره مشهورة، وخطبته في ذلك اليوم منقولة في كتب ابن حيّان وغيره. ثم انصرف هؤلاء الرسل، وبعث الناصر معهم هشام بن هذيل (٣) بهديّة حافلة ليؤكد المودة ويحسن الإجابة، ورجع بعد سنتين وقد أحكم من ذلك ما شاء وجاءت معه رسل قسطنطين. ثم جاء رسول من ملك الصقالبة - وهو يومئذ هوتو (٤) - ورسول آخر من ملك الألمان، ورسول آخر من ملك الإفرنجة وراء البرت - وهو يومئذ أوقه (٥) - ورسول آخر من ملك الإفرنجة بقاصية المشرق - وهو يومئذ كلدة (٦) - واحتفل الناصر لقدومهم، وبعث مع رسول الصقالبة ربيعاً الأسقف إلى ملكهم هوتو ورجع بعد سنين. وفي سنة أربع وأربعين جاء رسول أردون يطلب السلم، فعقد له، ثم بعث في سنة خمس وأربعين يطلب إدخال فرذلند قومس قشتيلة في عهده، فأذن له في ذلك، وأدخل في عهده، وكان غرسية بن شانجة قد استولى على جليقية بعد أبيه شانجة بن فرويلة (٧) ثم انتقض عليه أهل جليقية، وتولى كبرهم قومس قشتيلة فرذلند المذكور، ومال إلى أردون بن رذمير، وكان غرسية بن شانجة حافداً لطوطة ملكة البشكنس، فامتعضت لحافدها غرسية، ووفدت على الناصر سنة

стр. 385

سبع وأربعين ملقية بنفسها في عقد السلم لها ولولدها شانجة بن رذمير الملك، وإعانة حافدها غرسية بن شانجة على ملكه، ونصره من عدوّه، وجاء الملكان معها، فاحتفل الناصر لقدومهم، وعقد الصلح لشانجة وأمه، وبعث العساكر مع غرسية ملك جليقية فردّ عليه ملكه، وخلع الجلالقة طاعة أردون إليه، وبعث إلى الناصر يشكره على فعلته، وكتب إلى الأمم في النواحي بذلك، وبما ارتكبه فرذلند قومس قشتيلة في نكثه ووثوبه، ويعيره بذلك عند الأمم، ولم يزل الناصر على موالاته وإعانته إلى أن هلك، ولمّا وصل رسول كلدة ملك الإفرنجة بالشرق كما تقدّم وصل معه رسول ملك برشلونة وطرّكونة راغباً في الصلح، فأجابه الناصر، ووصل بعده رسول صاحب رومة يخطب المودة فأجيب؛ انتهى كلام ابن خلدون ببعض اختصار. ولنفصّل بعض ما أجمله فنقول: ذكر ابن حيّان وغير واحد أن ملك الناصر بالأندلس كان في غاية الضخامة ورفعة الشأن، وهادته الروم، وازدلفت إليه تطلب مهادنته ومتاحفته بعظيم الذخائر، ولم تبق أمّة سمعت به من ملوك الروم والإفرنجة والمجوس وسائر الأمم إلا وفدت عليه خاضعة راغبة، وانصرفت عنه راضية، ومن جملتهم صاحب القسطنطينية العظمى، فأنّه هاداه، ورغب في موادعته، وكان وصول أرساله في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وتقدّم في كلام ابن خلدون أنّها ست وثلاثون، فالله أعلم أيهما أصح، وتأهب الناصر لورودهم وأمر أن يتلقّوا أعظم تلقٍّ وأفخمه، وأحسن قبول (١) وأكرمه، وأخرج إلى لقائهم ببجانة يحيى بن محمد بن الليث وغيره لخدمة أسباب الطريق، فلمّا صاروا بأقرب المحلاّت من قرطبة خرج إلى لقائهم القوّاد في العدد والعدّة والتعبية، فتلقوهم قائداً بعد قائد، وكمل اختصاصهم بعد ذلك، بأن أخرج إليهم الفتيين الكبيرين الخصيين ياسراً وتماماً، إبلاغاً في الاحتفال بهم، فلقياهم بعد القوّاد،

стр. 386

فاستبان لهم بخروج الفتيين إليهم بسط الناصر وإكرامه، لأن الفتيان حينئذ هم عظماء الدولة، لأنّهم أصحاب الخلوة مع الناصر وحرمه وبيدهم القصر السلطانيّ، وأنزلوا بمنية وليّ العهد الحكم المنسوبة إلى نصر (١) بعدوة قرطبة في الرّبض، ومنعوا من لقاء الخاصة والعامة جملة ومن ملابسة الناس طرّاً، ورتّب لحجابتهم رجال تخيروا من الموالي ووجوه الحشم فصيروا على باب قصر هذه المنية ستة عشر رجلاً لأربع دول، لكل دولة أربع منهم، ورحل الناصر لدين الله من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول وفود الروم عليه، فقعد لهم يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من السنة المذكورة في بهو المجلس الزاهر قعوداً حسناً نبيلاً، وقعد عن يمينه وليّ العهد من بنيه الحكم ثم عبيد الله ثم عبد العزيز أبو الأصبغ ثم مروان، وقعد عن يساره المنذر ثم عبد الجبار ثم سليمان، وتخلف عبد الملك لأنّه كان عليلاً لم يطق الحضور، وحضر الوزراء على مراتبهم يميناً وشمالاً، ووقف الحجّاب من أهل الخدمة من أبناء الوزراء والموالي والوكلاء وغيرهم، وقد بسط صحن الدار أجمع بعتاق البسط وكرائم الدرانك (٢) ، وظلّلت أبواب الدار وحناياها بظلل الديباج ورفيع الستور، فوصل رسل ملك الروم حائرين ممّا رأوه من بهجة الملك وفخامة السلطان، ودفعوا كتاب ملكهم صاحب القسطنطينية العظمى قسطنطين بن ليون، وهو في رقّ مصبوغ لوناً سماويّاً مكتوب بالذهب بالخط الإغريقي (٣) ، وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة أيضاً مكتوبة بفضّة بخط إغريقي أيضاً فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها، وعلى المتاب طابع ذهب وزنه أربعة مثاقيل، على الوجه الواحد منه صورة المسيح، وعلى الآخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده، وكان الكتاب بداخل درج فضّة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطين

стр. 387

الملك معمولة من الزجاج الملون البديع، وكان الدرج داخل جعبة ملبسة بالديباج، وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه: قسطنطين ورومانس (١) المؤمنان بالمسيح الملكان العظيمان ملكا الروم، وفي سطر آخر: العظيم الاستحقاق المفخر الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة الحاكم على العرب بالأندلس، أطال الله بقاءه؛ ولما احتفل الناصر لدين الله هذا الاحتفال أحبّ أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه، لتذكر جلالة مقعده وعظيم سلطانه، وتصف ما تهيّأ من توطيد الخلافة في دولتهن وتقدم الأمير الحكم ابنه ولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، ويقدّمه أمام نشيد الشعراء، فأمر الحكم صنيعه الفقيه محمد بن عبد البر الكسنياني (٢) بالتأهب لذلك، وإعداد خطبة بليغة يقوم بها بين يدي الخليفة، وكان يدّعي من القدرة على بتأليف الكلام ما ليس في وسع غيره؛ وحضر المجلس السلطاني، فلمّاقام يحاول التكلّم بما رأى هاله وبهره هول المقام وأبهة الخلافة، فلم يهتد إلى لفظة، بل غشي عليه وسقط إلى الأرض، فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي صاحب الأمالي والنوادر، وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام وبحر اللغة: قم فارقع هذا الوهي، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه ﷺ ؟ هكذا ذكر ابن حيان وغيره وكلام ابن خلدون السابق يقتضي أن القالي هو المأمور بالكلام أوّلاً والمعدّ لذلك، ونحوه في المطمح، والخطب سهل؟ ثم انقطع القول بالقالي، فوقف ساكتاً مفكراً في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه، وقال في المطمح (٣) : إن أبا علي القالي انقطع، وبهت وما وصل إلاّ قطع، ووقف ساكتاً متفكّراً، لا ناسياً ولا متذكراً، فلمّا رأى ذلك منذر بن سعيد؟ وكان ممّن حضر في زمرة الفقهاء؟ قام من

стр. 388

ذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي علي لأوّل خطبته بكلام عجيب، ونادى في الإحسان من ذلك المقام كلّ مجيب، يسحّه سحّاً كأنّما كان يحفظه قبل ذلك بمدة، وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو عليّ البغدادي، فقال (١) : أمّا بعد حمد الله والثناء عليه، والتعداد لآلائه، والشكر لنعمائه، والصلاة والسلام على محمد صفيّه وخاتم أنبيائه، فإن لكل حادثة مقاماً، ولكل مقام مقال، وليس بعد الحق إلا الضلال، وإنّي قد قمت في مقام كريم، بين يدي ملك عظيم، فأصغوا إلي معشر الملإ بأسماعكم، والقنوا (٢) عني بأفئدتكم، إن من الحق أن يقال للمحق صدقت، وللمبطل كذبت، وإن الجليل تعالى في سمائه، وتقدّس بصفاته وأسماءه، أمر كليمه موسى، صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع أنبيائه، أن يكّر قومه بأيّام الله، جلّ وعزّ، عندهم، وفيه وفي رسول الله، صلى الله عليه وسلّمن أسوة حسنة، وإنّي أذكركم بأيّام الله عندكم (٣) ، وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمّت شعثكم (٤) ، وأمنّت سربكم، ورفعت فرقكم (٥) ، بعد أن كنتم قليلاً فكثركم، ومستضعفين فقوّاكم، ومستذلّين فنصركم، ولاّه الله رعايتكم، واسند إليه إمامتكم، أيّام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق، وأحاطت بكم شعل النفاق، حتى صرتم في مثل حدقة البعير، من ضيق الحال ونكد العيش والتغيير، فاستبدلتم بخلافته من الشدّة بالرخاء، وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد كنف العافية بعد استيطان البلاء، أنشدكم (٦) الله معاشر الملإ ألم تكن الدماء مسفوكة فحقنها، والسبل مخوفةً فأمّنها، والموال منتهبة فأحرزها وحصّنها؟ ألم تكن البلاد خراباً فعمرها، وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ونصرها؟ فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته، وتلافيه جمع

стр. 389

كلمتكم بعد افتراقها بإمامته، حتى أذهب الله عنكم غيظكم، وشفى صدوركم، وصرتم يداً على عدوّكم، بعد أن كان بأسكم بينكم، ناشدتكم (١) الله ألم تكن خلافته قفل الفتنة بعد انطلاقها من عقالها؟ ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ولم يكل ذلك إلى القوّاد والأجناد، حتى باشره بالقوّة (٢) والمهجة والأولاد، واعتزال النسوان، وهجر الأوطان، ورفض الدّعة وهي محبوبة، وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة، بطويّة صحيحة (٣) ، وعزيمة صريحة، وبصيرة ثابتة (٤) نافذة ثاقبة، وريح هابّةٍ غالبة، ونصرة من الله واقعة واجبة، وسلطان قاهر، وجدّ ظاهر، وسيف منصور، تحت عدل مشهور، متحمّلاً للنّصب، مستقلاًّ لما ناله في جانب حدّتها، ولم يبق لها غارب إلا جبّه، ولا نجم لأهلها قرن إلا جذّه، فأصبحتم بنعمة الله إخواناً، وبلمّ أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائه أعواناً، حتى تواترت لديكم الفتوحات، وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات (٥) ، وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم، وآمال الأقصين والآدنين مستخدمة إليه وإليكم، يأتون من كل فجّ عميق، وبلد سحيق، لأخذ حبل بينه وبينكم جملة وتفصيلاً، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولن يخلف الله وعده، ولهذا الأمر ما بعده، وتلك أسباب ظاهرة بادية، تدل على أمور باطنة خافية، دليلها قائم، وجفنها غير نائم " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصّالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم " وليس في تصديق ما وعد الله ارتياب،

стр. 390

ولكل نبإ مستقر ولكل أجل كتاب، فاحمدوا الله أيّها الناس على آلائه، واسألوه المزيد من نعمائه، فقد أصبحتم بيمن خلافة أمير المؤمنين أيّده الله بالعصمة والسّداد، وألهمه بخالص التوفيق إلى سبيل الرشاد، أحسن الناس حالاً، وأنعمهم بالاً، وأعزهم قراراً، وأمنعهم داراً، وأكثفهم جمعاً، وأجملهم صنعاً، لا تهاجون ولا تذادون، وأنتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون، فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم، والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عم نبيّكن، ﷺ ، فإن من نزع يداً (١) من الطاعة، وسعى في تفريق الجماعة، ومرق من الدّين، فقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، وقد علمتم أن في التعلّق بعصمتها، والتمسّك بعروتها، حفظ الأموال وحقن الدماء، وصلاح الخاصّة الدّهماء، وأن بقوام الطاعة تقوم الحدود، وتوفى العهود، وبها وصلت الأرحام، ووضحت الأحكام، وبها سدّ الله الخلل، وأمّن السّبل، ووطّأ الأكناف، ورفع الاختلاف، وبها طاب لكم القرار، واطمأنّت بكم الدار، فاعتصموا بما أمركم الله بالاعتصام به، فإنّه ﵎ يقول " أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم "، وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين، وصنوف الملحدين، الساعين في شقّ عصاكم، وتفريق ملاكم (٢) ، الآخذين في مخاذلة دينكم، وهتك حريمكم، وتوهين دعوة نبيّكم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين، أقول قولي هذا وأختم بالحمد لله رب العالمين، مستغفراً الله الغفور الرحيم فهو خير الغافرين.
следующие страницы →