Полный текст (61 стр.). Показаны 36–61 · переход к 41.
стр. 36
عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه، ويكون منعه منها حمايةً له وصيانةً، والمعصوم من عصمه الله، والإنسان على نفسه بصيرة.
وعلامة هذا: أنك ترى من صانه الله من ذلك وهو يجهل حقيقة الأمر، إذا رآه يقضي حوائج غيره يسيء ظنّه به تعالى، وقلبه محشو بذلك وهو لا يشعر.
وأمارة ذلك: حمله على الأقدار، وعتابه في الباطن لها، ولقد كشف الله - تعالى - هذا المعنى غاية الكشف في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلاّ﴾ أي: ليس كل من أعطيته ونعّمته وخوّلته فقد أكرمته، وما ذاك لكرامته عليّ، ولكنه ابتلاء منَّي وامتحان له، أيشكرني فأعطيه فوق ذلك، أم يكفرني فأسلبه إيّاه وأحوّله عنه لغيره؟، وليس كل من ابتليته فضيّقت عليه رزقه، وجعلته بقدر لا يفضل عنه، فذاك من هوانه عليّ، ولكنه ابتلاء وامتحان منّي له، أيصبر فأعطيه أضعاف ما فاته، أم يسخط فيكون حظّه السّخط؟.
وبالجملة: فأخبر تعالى أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرّزق وتقديره، فإنه يوسّع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه عليه، وإنّما يكرم من يكرم من عباده بأن يوفّقه لمعرفته ومحبّته وعبادته واستعانته، فغاية
стр. 37
سعادة الأبد في عبادة الله والاستعانة به عليها.
القسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان:
أحدهما: أهل القدر، القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانةً على الفعل، فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق وإرسال الرّسول، وتمكينه من الفعل، فلم يبق بعدها إعانةً مقدورةً يسأله إياها. وهؤلاء مخذولون موكولون إلى أنفسهم، مسدودٌ عليهم طريقة الاستعانة والتّوحيد.
قال ابن عبّاس ﵄: " الإيمان بالقدر نظام التّوحيد، فمن آمن بالله وكذّب بقدره نقض توحيده ".
النوع الثاني: من لهم عبادة وأوراد، ولكن حظّهم ناقص من التّوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وأنها بدون المقدور، كالموت الذي لا تأثير له، بل كالعدم الذي لا وجود له، وأن القدر كالرّوح المحرّك لها، والمعوّل على المحرّك الأول، فلم تنفذ بصائرهم من السّبب إلى المسبّب، ومن الآلة إلى الفاعل، فقلّ نصيبهم من الاستعانة. وهؤلاء لهم نصيب من التصرّف بحسب
стр. 38
استعانتهم وتوكلهم، ونصيب من الضعف والخذلان بحسب قِلّة استعانتهم وتوكلهم، ولو توكّل العبد على الله حقّ توكّله في إزالة جبل عن مكانه لأزاله.
فإن قيل ما حقيقة الاستعانة عملاً؟:
قلنا: هي التي يعبّر عنها بالتّوكل، وهي حالة للقلب تنشأ عن معرفة الله - تعالى -، وتفرده بالخلق والأمر والتّدبير والضّر والنّفع، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فتوجّب اعتمادًا عليه، وتفويضًا إليه، وثقةً به، فتصير نسبة العبد إليه تعالى كنسبة الطّفل إلى أبويه فيما ينوبه من رغبته ورهبته، فلو دهمه ما عسى أن يدهمه من الآفات لم يلتجئ إلى غيرهما. فإن كان العبد مع هذا الاعتماد من أهل التّقوى، كانت له العاقبة الحميدة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: كافية.
القسم الرابع: من له استعانةٌ بلا عبادة، وتلك حالة من شهد بتفرّد
стр. 39
الله بالضّر والنّفع، ولم يدر بما يحبّه ويرضاه، فتوكّل عليه في حظوظه، فأسعفه بها. وهذا لا عاقبة له، سواء كانت أموالاً أو رياسات، أو جاهًا عند الخلق، أو نحو ذلك، فذلك حظّه من دنياه وآخرته.
واعلم أن العبد لا يكون متحققًا بعبادة الله - تعالى - إلاّ بأصلين:
أحدهما: متابعة الرّسول ﷺ .
والثاني: إخلاص العبودية.
والنّاس في هذين الأصلين على أربعة أقسام:
أهل الإخلاص والمتابعة: فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم ومنعهم وإعطاؤهم وحبّهم وبغضهم كل ذلك لله - تعالى -، لا يريدون من العباد جزاءً ولا شكورًا، عدّوا النّاس كأصحاب القبور، لا يملكون ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. فإنه لا يعامل أحدًا من الخلق إلاّ لجهله بالله وجهله بالخلق.
والإخلاص هو العمل الذي لا يقبل الله من عامل عملاً صوابًا عاريًا منه، وهو الذي ألزم عباده به إلى الموت، قال الله - تعالى -: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ، وأحسن العمل: أخلصه وأصوبه.
فالخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على وفق سنّة رسول الله ﷺ .
وهذا هو العمل الحسن المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ، وهو العمل الصالح في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ ، وهو الذي أمر به النّبي ﷺ في قوله: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"، وكل عمل بلا متابعة فإنه لا يزيد
стр. 40
عامله إلاّ بعدًا من الله - تعالى -، فإن الله - تعالى - إنما يعبد بأمره، لا بالأهواء والآراء.
الضرب الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة له، وهؤلاء شرار الخلق، وهم المتزينون بأعمال الخير، يراءون بها النّاس. وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف عن الصراط المستقيم من المنتسبين إلى الفقه والعلم والفقر والعبادة، فإنهم يرتكبون البدع والضلال والرّياء والسّمعة، ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا. وفي أضراب هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
стр. 41
الضرب الثالث: من هو مخلص في أعماله، لكنها على غير متابعة الأمر، كجهال العباد، والمنتسبين إلى الزّهد والفقر، وكل من عبد الله على غير مراده. والشأن ليس في عبادة الله فقط، بل في عبادة الله كما أراد الله. ومنهم من يمكث في خلواته تاركًا للجمعة، ويرى ذلك قربة، ويرى مواصلة صوم النّهار والقيام بالليل قربة، وصيام يوم الفطر قربة، وأمثال ذلك.
الضرب الرّابع: من أعماله على متابعة الأمر، لكنها لغير الله - تعالى -، كطاعات المرائين. وكالرّجل قاتل رياءً وسمعةً وحمّيةً وشجاعةً
стр. 42
وللمغنم، ويحجّ ليقال، ويقرأ ليقال، ويعلّم ويّؤلف ليقال. فهذه أعمال صالحة لكنها غير مقبولةٍ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ، فلم يأمر النّاس إلاّ بالعبادة على المتابعة والإخلاص فيها.
والقائم بهما هم أهل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
ثم أهل مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقّها بالإيثار والتخصيص، أربعة طرق، وهم في ذلك أربعة أصناف:
الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها وأشقها على النّفوس وأصعبها، قالوا: لأنه أبعد الأشياء من هواها، وهو حقيقة التّعبّد، والأجر على قدر المشقّة، ورووا حديثا ليس له أصل: "أفضل الأعمال أحمزها"
стр. 43
أي: أصعبها وأشقّها. وهؤلاء هم أرباب المجاهدات، والجور على النّفوس، قالوا: وإنما تستقيم النّفوس بذلك، إذ طبعها الكسل والمهاونة والإخلاد إلى الرّاحة، فلا تستقيم إلاّ بركوب الأهوال، وتحمّل المشاق.
الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات وأنفعها: التّجرّد والزّهد في الدّنيا، والتقلل
стр. 44
منها غاية الإمكان، وإطراح الاهتمام بها، وعدم الاكتراث لما هو منها. ثم هؤلاء قسمان:
فعوامّهم: ظنّوا أن هذا غاية، فشمّروا إليه وعملوا عليه، وقالوا: هو أفضل من درجة العلم والعبادة، ورأوا الزّهد في الدّنيا غاية كل عبادة ورأسها.
وخواصهم: رأوا هذا مقصودًا لغيره، وأن المقصود به عكوف القلب على الله - تعالى -، والاستغراق في محبّته، والإنابة إليه، والتّوكل عليه، والاشتغال بمرضاته، فرأوا أفضل العبادات: دوام ذكره بالقلب واللسان.
ثمّ هؤلاء قسمان:
فالعارفون: إذا جاء الأمر والنّهي بادروا إليه، ولو فرّقهم وأذهب جمعهم.
والمنحرفون منهم يقولون: المقصود من القلب جمعيّته، فإذا جاء ما يفرّقه عن الله لم يلتفتوا إليه، ويقولون:
يطالب بالأوراد من كان غافلاً ... فكيف بقلب كل أوقاته ورد
ثم هؤلاء - أيضا - قسمان:
منهم: من يترك الواجبات والفرائض لجمعيّته.
ومنهم: من يقوم بها ويترك السّنن والنّوافل، ويعلّم العلم النّافع لجمعيّته.
والحق: أن الجمعيّة حظ القلب، وإجابة داعي الله حقّ الرّب، فمن آثر
стр. 45
حقّ نفسه على حقّ ربّه فليس من العبادة في شيء.
الصنف الثالث: رأوا أن أفضل العبادات ما كان فيه نفعٌ متعدٍّ، فرأوه أفضل من النّفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح النّاس، وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالجاه والمال والنّفع أفضل، لقوله ﷺ : "الخلق عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله"، قالوا: وعمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النفّاع متعدّ إلى الغير، فأين أحدهما من الآخر؟، ولهذا كان "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ". وقد قال ﷺ لعلي: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ من حمر النّعم"، وقال ﷺ : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا"، وقال ﷺ : "إن الله وملائكته يصلّون
стр. 46
على معلمي الناس الخير"، وقال ﷺ : "إن العالم يستغفر له من في السّموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر، والنملة في جحرها". قالوا وصاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النّفع لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذي تسبّب فيه. والأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - إنما بعثوا
стр. 47
بالإحسان إلى الخلق، وهدايتهم، ونفعهم في معاشهم ومعادهم، لم يبعثوا بالخلوات والانقطاع، ولهذا أنكر النّبي ﷺ على أولئك النّفر الذين همّوا بالانقطاع والتّعبّد، وترك مخالطة النّاس. ورأى هؤلاء أن التّفرغ لنفع الخلق أفضل من الجمعيّة على الله بدون ذلك، قالوا: ومن ذلك العلم والتّعليم، ونحو هذه الأمور الفاضلة.
الصنف الرّابع: قالوا أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرّب ، وشغل كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته.
فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النّهار، بل من ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضّيف: القيام بحقّه والاشتغال به. والأفضل في وقت السّحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والذّكر والدّعاء. والأفضل في وقت الأذان: ترك ما هو فيه من الأوراد والاشتغال بإجابة المؤذن. والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجدّ والاجتهاد في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أوّل الوقت، والخروج إلى المسجد وإن بعد. والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج: المبادرة إلى مساعدته بالجاه والمال والبدن. والأفضل في السّفر: مساعدة المحتاج، وإعانة الرّفقة، وإيثار ذلك على الأوراد والخلوة. والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعيّة القلب، والهمّة على تدبّره، والعزم على تنفيذ أوامره، أعظم من جمعيّة قلب من جاءه كتابٌ من السّلطان على ذلك. والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التّضرّع والدّعاء والذّكر. والأفضل في أيام عشر ذي الحجّة: الإكثار من التّعبّد، لا سيما التّكبير والتّهليل
стр. 48
والتّحميد، وهو أفضل من الجهاد غير المتعيّن. والأفضل في العشر الأواخر من رمضان: لزوم المساجد، والخلوة فيها، مع الاعتكاف والإعراض عن مخالطة النّاس، والاشتغال بهم، حتى أنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم، وإقرائهم القرآن عند كثيرٍ من العلماء. والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادته وحضور جنازته، وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيّتك. والأفضل في وقت نزول النّوازل وإيذاء النّاس لك: أداء واجب الصّبر مع خلطتك لهم، والمؤمن الذي يخالط النّاس ويصبر على أذاهم وإيذائهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط النّاس ولا يصبر على أذاهم، وخلطتهم في الخير أفضل من عزلتهم فيه، وعزلتهم في الشّر أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله وقلّله فخلطتهم خير من اعتزالهم.
وهؤلاء هم أهل التّعبّد المطلق، والأصناف التي قبلهم أهل التّعبّد المقيّد، فمتى خرج أحدهم عن الفرع الذي تعلّق به من العبادة وفارقه؛ يرى نفسه كأنه قد نقص ونزل عن عبادته، فهو يعبد الله - تعالى - على وجه واحد، وصاحب التّعبّد المطلق ليس له غرض في تعبّد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبّع مرضات الله - تعالى -: إن رأيت العلماء رأيته معهم، وكذلك في الذّاكرين، والمتصدّقين، وأرباب الجمعيّة، وعكوف القلب على الله، فهذا هو الغذاء الجامع للسّائر إلى الله في كل طريق، والوافد عليه مع كل فريق.
واستحضر ههنا حديث أبي بكر الصدّيق ﵁، وقول النّبي ﷺ بحضوره: "هل منكم أحدٌ أطعم اليوم مسكينا؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "هل منكم أحدٌ أصبح
стр. 49
اليوم صائما؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "هل منكم أحدٌ عاد اليوم مريضا؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال ﷺ : "هل منكم أحدٌ اتبع اليوم جنازةً؟ ". قال أبو بكر: أنا ... الحديث.
هذا الحديث روي من طريق عبد الغني بن أبي عقيل، حدّثنا نعيم بن سالم، عن أنس بن مالك ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ جالسًا في جماعةٍ من أصحابه فقال: "من صام اليوم؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "من تصدّق اليوم؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "من عاد اليوم مريضا؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "من شهد اليوم جنازةً؟ ". قال أبو بكر: أنا. قال: "وجبت لك". يعني: الجنّة.
ونعيم بن سالم وإن تُكلِّم فيه لكن تابعه سلمة بن وردان، وله أصل صحيح من حديث مالك، عن محمد بن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنّة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصّلاة نودي من باب الصّلاة، ومن كان من أهل الجهاد نودي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريّان" فقال
стр. 50
أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ما على من يدعى من هذه الأبواب كلها من ضرورة، فهل يدعى أحدٌ من هذه الأبواب كلها؟. قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم".
هكذا رواه عن مالك موصولاً مسندًا عن يحيى بن يحيى، ومعن بن عيسى، وعبد الله بن المبارك. ورواه يحيى بن بكير، وعبد الله بن يوسف، عن مالك عن ابن شهاب، عن حميد مرسلاً. وليس هو عند القعنبي لا مرسلاً ولا مسندًا.
ومعنى قوله: " من أنفق زوجين" يعني: شيئين من نوعٍ واحدٍ، نحو درهمين، أو دينارين، أو فرسين، أو قميصين، وكذلك من صلّى ركعتين، أو مشى في سبيل الله - تعالى - خطوتين، أو صام يومين، ونحو ذلك، وإنما أراد والله أعلم أقل التكرار، وأقل وجوه المداومة على العمل من أعمال البرّ، لأن الاثنين أقل الجمع، فهذا كالغيث أين وقع نفع، صحب الله بلا خلق، وصحب الخلق بلا نفس، إذا كان مع الله عزل الخلائق من البين وتخلّى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلّى عنها، فما أغربه بين النّاس،
стр. 51
وما أشدّ وحشته منهم، وما أعظم أنسه بالله وفرحه به وطمأنينته وسكونه إليه.
واعلم أن للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرقا أربعةً، وهم في ذلك أربعة أصناف:
الصنف الأول: نفاة الحكم والتعليل، الذين يردّون الأمر إلى نفس المشيئة، وصرف الإرادة. فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلاّ لمجرّد الأمر، من غير أن يكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد، ولا سببا لنجاة، وإنما القيام بها لمجرّد الأمر ومحض المشيئة، كما قالوا في الخلق: لم يخلق لغايةٍ ولا لعلّةٍ هي المقصودة به، ولا لحكمةٍ تعود إليه منه، وليس في المخلوق أسباب تكون مقتضيات لمسبباتها، وليس في النّار سبب للإحراق، ولا في الماء قوّة الإغراق ولا التّبريد. وهكذا الأمر عندهم سواء، لا فرق بين الخلق والأمر، ولا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا، من غير أن يقوم بالمأمور صفةٌ تقتضي حسنه، ولا بالمنهي عنه صفةٌ تقتضي قبحه.
ولهذا الأصل لوازمٌ فاسدةٌ، وفروعٌ كثيرةٌ.
стр. 52
وهؤلاء غالبهم لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذّتها، ولا يتنعّمون بها، ولهذا يسمّون الصّلاة والصّيام والزّكاة والحجّ والتّوحيد والإخلاص ونحو ذلك تكاليف، أي: كلّفوا بها، ولو سمّى مدّعي محبّة ملك الملوك أو غيره ما يأمره به تكليفًا لم يعد محبا له.
وأول من صدرت عنه هذه المقالة: الجّعد بن درهم.
الصنف الثاني: القدريّة النّفاة، الذين يثبتون نوعا من الحكمة
стр. 53
والتّعليل لا يقوم بالرّب ولا يرجع إليه، بل يرجع لمحض مصلحة المخلوق ومنفعته، فعندهم: أن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب والنّعيم، وأنها بمنزلة استيفاء الأجير أجره. قالوا: ولهذا يجعلها عوضًا، كقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا
стр. 54
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، وفي الصحيح: "إنّما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثمّ أوفيكم إيّاها". قالوا: وقد سماها جزاءً وأجرًا وثوابا لأنه شيء يثوب إلى العامل من عمله، أي: يرجع إليه. قالوا: ويدل عليه الموازنة، فلولا تعلّق الثواب بالأعمال عوضًا عليها لم يكن للموازنة معنى.
وهاتان الطائفتان متقابلتان:
فالجبريّة: لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتّة، وجوّزت أن يعذّب الله من أفنى عمره في الطّاعة، وينعّم من أفنى عمره في مخالفته، وكلاهما سواء بالنسبة إليه، والكل راجع إلى محض المشيئة.
والقدرية: أوجبت عليه رعاية المصالح، وجعلت ذلك كله بمحض الأعمال، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنقيص باحتمال منّة الصدقة عليه بلا ثمن، فجعلوا تفضّله على عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد، وإعطائه ما يعطيه أجرةً على عمله، أحبّ إلى العبد من أن يعطيه فضلاً منه بلا عمل. ولم يجعلوا للأعمال تأثيرًا في الجزاء البتّة.
والطائفتان منحرفتان عن الصّراط المستقيم، وهو: أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب، والأعمال الصّالحات من توفيق الله وفضله، وليست قدرًا لجزائه وثوابه، بل غايتها إذا وقعت على أكمل الوجوه أن تكون شكرًا على أحد الأجزاء القليلة من نعمه ، فلو عذّب أهل سمواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالمٍ، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم، وتأمّل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مع قوله ﷺ : "لن يدخل أحدٌ
стр. 55
منكم الجنّة بعمله" تجد الآية تدل على أن الجنان بالأعمال، والحديث ينفي دخول الجنّة بالأعمال، ولا تنافي بينهما، لأن توارد النّفي والإثبات ليس على محلٍ واحدٍ، فالمنفي باء الثمنيّة واستحقاق الجنّة بمجرّد الأعمال، ردًّا على القدريّة المجوسيّة التي زعمت أن الفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكدير المنّة. والباء المثبتة التي وردت في القرآن هي باء السببيّة، ردًّا على القدريّة
стр. 56
الجبريّة الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال وجزائها، ولا هي أسباب لها، وإنما غايتها أن تكون أمارة.
والسنّة النبويّة هي: أن عموم مشيئة الله وقدرته لا تنافي ربط الأسباب بالمسببات وارتباطها بها.
وكل طائفة من أهل الباطل تركت نوعا من الحق فإنها ارتكبت لأجله نوعًا من الباطل، بل أنواعًا، فهدى الله أهل السنّة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.
الصنف الثالث: الذين زعموا أن فائدة العبادة رياضة النّفوس واستعدادها لفيض العلوم والمعارف عليها وخروج قواها من قوى النّفس السَّبُعيّة والبهيميّة، فلو عطلت العبادة لالتحقت بنفوس السباع والبهائم، فالعبادة تخرجها إلى مشابهة العقول، فتصير قابلةً لانتقاش صور المعارف فيها.
وهذا يقوله طائفتان:
إحداهما: من يقرب إلى الإسلام والشرائع. من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وعدم الفاعل المختار.
والطائفة الثانية: من تفلسف من صوفيّة الإسلام ويقرب إلى الفلاسفة، فإنهم يزعمون أن العبادات رياضات لاستعداد النّفوس للمعارف العقليّة ومخالفة العوائد.
ثمّ مِن هؤلاء من لا يوجب العبادة إلاّ بهذا المعنى، فإذا حصل لها ذلك بقى متحيرًا في لفظ أوراده والاشتغال بالوارد منها.
ومنهم: من يوجب القيام بالأوراد وعدم الإخلال بها، وهم صنفان
стр. 57
- أيضًا -:
أحدهما: من يقول بوجوبها حفظًا للقانون، وضبطًا للناموس.
والآخرون: يوجبونها حفظًا للوارد، وخوفًا من تدرّج النّفس بمفارقتها إلى حالها الأولى من البهيميّة.
فهذه نهاية أقدامهم في حكمة العبادة وما شرعت لأجله.
ولا تكاد تجد في كتب المتكلمين على طريق السلوك غير طريق من هذه الطرق الثلاث، أو مجموعها.
والصنف الرّابع: هم القائلون بالجمع بين الخلق والأمر، والقدر والسبب، فعندهم أن سرّ العبادة وغايتها مبني على معرفة حقيقة الإلهيّة، ومعنى كونه إله: أن العبادة موجَب الإلهية وأثرها ومقتضاها، وارتباطها كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وكارتباط المعلوم بالعلم، والمقدور بالقدرة، والأصوات بالسّمع، والإحسان بالرّحمة، والإعطاء بالجود.
فعندهم: من قام بمعرفتها على نحو الذي فسرناها به لغةً وشرعا مصدرًا وموردًا استقام له معرفة حكمة العبادات وغايتها به، وعلم أنها هي الغاية التي خلقت لها العباد، ولها أرسلت الرّسل، وأنزلت الكتب، وخلقت الجنّة والنّار. وقد صرّح بذلك في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، فالعبادة هي التي ما وجدت الخلائق كلها إلاّ لأجلها، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ أي: مهملاً. قال الشافعي - رحمه
стр. 58
الله -: "لا يؤمر ولا ينهى". وقال غيره: "لا يثاب ولا يعاقب"، وهما تفسيران صحيحان، فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر والنّهي، والأمر والنّهي هو طلب العبادة وإرادتها. وحقيقة العبادة: امتثالها. ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَق﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ، فأخبر الله - تعالى - أنه خلق السّموات والأرض بالحق المتضمّن أمره ونهيه وثوابه وعقابه. فإذا كانت السّموات والأرض إنما خلقتا لهذا وهو غاية الخلق، فكيف يقال: إنه لا غاية له ولا حكمة مقصودة، أو إن ذلك بمجرّد استئجار العمّال حتى لا يتكدّر عليهم الثواب بالمنّة، أو لمجرّد استعداد النفوس للمعارف العقلية وارتياضها لمخالفة العوائد؟!.
وإذا تأمّل اللبيب الفرق بين هذه الأقوال، وبين ما دلّ عليه صريح الوحي؛ علم أن الله - تعالى - إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبّته، مع الخضوع له والانقياد لأمره.
فأصل العبادة: محبّة الله، بل إفراده تعالى بالمحبّة، فلا يحبّ معه سواه، وإنما يحبّ ما يحبّه لأجله وفيه، كما يحبّ أنبياءه
стр. 59
ورسله وملائكته، لأن محبّتهم من تمام محبّته، وليست كمحبّة من اتّخذ من دونه أندادًا يحبّهم كحبّه.
وإذا كانت المحبّة له هي حقيقة عبوديّته وسرّها، فهي إنما تتحقق باتِّباع أمره واجتناب نهيه، فعند اتِّباع الأمر والنّهي تتبيّن حقيقة العبوديّة والمحبّة، ولهذا جعل اتِّباع رسوله ﷺ عَلَما عليها وشاهدًا لها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ، فجعل اتِّباع رسوله ﷺ مشروطا بمحبّتهم لله - تعالى - وشرطا لمحبّة الله لهم، ووجود المشروط بدون تحقق شرطه ممتنع. فعلم انتفاء المحبّة عند انتفاء المتابعة للرّسول ﷺ ، ولا يكفي ذلك حتى يكون الله ورسوله ﷺ أحبّ إله مما سواهما، ومتى كان عنده شيءٌ أحبّ إليه منهما فهو الإشراك الذي لا يغفره الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ، وكل من قدّم قول غير الله على قول الله، أو حكم به، أو حاكم إليه؛ فليس ممن أحبّه. لكن قد يشتبه الأمر على من يقدّم قول أحد أو حكمه أو طاعته على قوله، ظنا منه أنه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلاّ ما قال الرّسول ﷺ فيطيعه، ويحاكم إليه، ويتلقّى أقواله كذلك، فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك.
стр. 60
وأمّا إذا قدر على الوصول إلى الرّسول ﷺ ، وعرف أن غير من اتَّبعه أولى به مطلقا، أو في بعض الأمور، كمسألةٍ معيّنةٍ، ولم يلتفت إلى قول الرّسول ﷺ ، ولا إلى من هو أولى به؛ فهذا يخاف عليه. وكلّ ما يتعلل به من عدم العلم، أو عدم الفهم، أو عدم إعطاء آلة الفقه في الدّين، أو الاحتجاج بالأشباه والنظائر، أو بأن ذلك المتقدّم كان أعلم منّي بمراده ﷺ ، فهذه كلها تعلّلات لا تفيد.
هذا مع الإقرار بجواز الخطأ على غير المعصوم، إلاّ أن ينازع في هذه القاعدة فتسقط مكالمته، وهذا هو داخل تحت الوعيد، فإن استحلّ مع ذلك ثلب من خالفه، وقرض عرضه ودينه بلسانه، وانتقل من هذا إلى عقوبته، أو السعي في أذاه، فهو من الظلمة المعتدين، ونوّاب المفسدين.
واعلم أن العبادة أربع قواعد: وهي التحقيق بما يحبّ الله ورسوله ﷺ ويرضاه، وقيام ذلك بالقلب واللسان والجوارح.
فالعبوديّة: اسم جامع لهذه المراتب الأربع.
فأصحاب العبادة حقا هم أصحابها.
فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله - تعالى - عن نفسه، وأخبر رسوله ﷺ عن ربّه من أسمائه وصفاته وأفعاله، وملائكته ولقائه، وما أشبه ذلك.
وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدّعاء إليه، والذبُّ عنه، وتبيين بطلان البدع
стр. 61
المخالفة له، والقيام بذكره تعالى، وتبليغ أمره.
وعمل القلب: كالمحبّة له، والتّوكّل عليه، والإنابة، والخوف، والرجاء، والإخلاص، والصّبر على أوامره ونواهيه، وإقراره، والرّضا به، وله، وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والإخبات إليه، والطّمأنينة، ونحو ذلك من أعمال القلوب التي فرضها آكد من فرض أعمال الجوارح، ومستحبّها إلى الله - تعالى - أحبّ من مستحبّ أعمال الجوارح.
وأمّا أعمال الجوارح: فكالصلاة، والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك.
فقول العبد في صلواته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ التزام أحكام هذه الأربعة وإقرار بها. وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ طلب الإعانة عليها والتوفيق لها. وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ متضمّنٌ للأمرين على التفصيل وإلهام القيام بهما، وسلوك طريق السّالكين إلى الله - تعالى -.
والله الموفّق بمنّه وكرمه.
والحمد لله وحده.
وصلّى الله على من لا نبيّ بعده، وعلى آله وصحبه ووارثيه وحزبه.
تمّ الكتاب والحمد لله أولاً وآخرًا