وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِر﴾
أفادت الآية بطريق عكس النقيض الموافق المعلوم عند أرباب فن المنطق أن من لا أسوة له حسنة في رسوله ﷺ فهو ليس ممن يرجو الله واليوم الآخر. وكفى بهذا التهديد العظيم في التحذير للعاقل.
وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
ولا فرق في الاستدلال بهذه الآية الكريمة على ما نحن بصدده بين رجوع الضمير إلى الله أو إلى الرسول.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلأالْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
فأقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل. ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه. ولم يكتف أيضا بذلك حتى يسلموا تسليما وينقادوا انقيادا لحكمه.
فما بالك بمن حكم بغير ما أنزل الله فإنه أولى بسلب الإيمان عنه.
стр. 37
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾
فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله حيا أو ميتا. ومن تخير فقد عصى الله ورسوله. ومن عصاهما فقد ضل ضلالا مبينا.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
روي عن ابن عباس ﵄ في تفسيرها: "لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة".
وقال مجاهد: "لا تقدموا لا تفتاتوا على رسول الله قيم حتى يقضى الله على لسانه".
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾
فلينظر فإنه إذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم. فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم. ومعارفهم. وقوانينهم. وأوضاعهم عامدين عالمين على ما جاء به ورفعها عليه، أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم؟ بلى وربك.
فالله عزوجل لولا أنه علم أن نظام العالم في الدين والدنيا معا لا يقوم إلا بهذه الشريعة الجامعة المانعة العادلة تمام العدل لبعث رسولا
стр. 38
ينسخ منها ما لا يوافق هذا الزمان، بزعم المارقين، كما قد كان يفعل قبل، فلما جعل نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين فلم يرسل بعده من رسول كان ذلك دليلا أي دليل على أن هذه الشريعة وافية كافية. كاملة شافية. كافلة بجميع المصالح دينا ودنيا لا نحتاج معها إلى شيء من آراء الرجال وسياستهم إلا فيما يكون استيضاحا للحق الذي يرضاه الله ورسوله بعد معرفة مقاصد الشارع تمام المعرفة.
ولذلك كان تقديم آراء الغير وعقولهم وأذواقهم ووجداناتهم وسياستهم المخالفة المنابذة للسياسة الشريعة الحقة الصحيحة محبطا للعمل البتة، وربما كان ردة ومروقا عن الأمة الإسلامية والملة الحنفية أعاذنا الله منها.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
فليحذر السياسيون أن يسوسوا الناس بغير ما أنزل الله فإنهم مع أنه لا يتم لهم أمر ولا يستقيم لهم حال يخشى عليهم من الردة والمروق من الدين فيكونون ممن خسر الدنيا والآخرة
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾
فجعل من لوازم الإيمان أن لا يذهبوا مذهبا إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فما بالك بالذهاب في دين الله والحكم بين الناس، فإنه أولى أن يكون من لوازم الإيمان أن لا يذهبوا ذلك المذهب إلا بعد استئذانه بدلالة ما جاء به ﷺ على أنه أذن فيه.
стр. 39
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
فبين أن المؤمنين ليس لهم إلا السمع والطاعة لحكم الله ورسوله وأنه ليس لهم إلى المخالفة سبيل أبدا.
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
أخرج ابن ماجه في سننه عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي ﷺ فخط خطا وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: "هذا سبيل الله"، ثم تلا هذه الآية".
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾
فإذا كان قد أمرهم بإتباع أحسن ما أنزل إليهم فيما يعترضهم فيه الأمران، الوجوب والندب، أو الندب والإباحة على ما قيل في التفسير وأنذرهم مفاجأتهم العذاب إن لم يفعلوا ذلك، فما الشأن فيما سبيله القطع فيه بالافتراض والتحتيم قولا واحدا كالحكم بين الناس بما أنزل الله.
وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
فأمر بالائتمار والانتهاء، وحذر عن المخالفة.
(هذا) وكم من أمثال هذه الآيات الجليلة المحذرة عن مخالفة الكتاب والسنة، وكفى بواحدة منها لمن أوتي رشده. ومن لا فلا تغنيه قراءة جميع الكتب الإلهية عليه.
ثم ليس العجب من قوم يدعون الإسلام يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، وغلب عليهم هواهم. فأصمهم وأعماهم. حتى رفضوا العمل بقانون ربهم الذي أنزله على نبيه، وعملوا بقوانين أهل الكفر والصليب إقامة لرياستهم وقضاء لشهواتهم. غفلة منهم عن اليوم الموعود الذي تجد فيه كل نفس ما عملت من خير أو شر محضرا بين يديها.
وإنما العجب العجاب ممن يتزيون بزي أهل القرآن ويتسمون بأسماء أهل الإيمان. يختلقون الإفك والفشار. ولا يخشون المسبة والعار. بلغوا من الجهل مبلغا دونه جهل اليهود والنصارى فيزعمون أن الشريعة المحمدية مانعة لهم من ترقيهم. أو معوقة عن مرامهم ومراميهم. فلا تصلح لأهل هذا الزمان. وانقطع حكمها ووقع في حيز خبر كان فنسخوها بآرائهم الكاسدة وأهوائهم الفاسدة. ومشتهيات أطباعهم الخبيثة العاطلة. ومقتضيات أميالهم الخسيسة الباطلة. مسخهم الله تعالى ظاهرا كما قد مسخهم باطنا ليكونوا عبرة للغابرين، ومثلة في الحاضرين.
فهؤلاء المردة المارقون لا دواء أنجع فيهم من تمكين الصوارم البواتر من رقابهم، وقطع دابرهم حتى لا يقوى حزبهم. ولا يكثر جمعهم، أبادهم الله ودمرهم وشتت شملهم ومزقهم كل ممزق.
стр. 42
وهؤلاء الأوغاد لم يقدروا الشريعة حق قدرها، ولم يعلموا أن مبناها على الحكم ومصالح العباد. في المعاش والمعاد. وأنها عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه. وظله في أرضه وهي نوره الذي به أبصر المبصرون. وهداه الذي به اهتدى المهتدون. وشفاه التام الذي به دواء كل عليل. وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل. فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح. فيها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها. وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها. ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم.
وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا. فإذا أراد الله ﵎ خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها. فهي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
والعجب أيضا من قوم لا يرون تمام الترقي إلا في التشبيه بالكفار وعبدة الأصنام لزعمهم أنهم بلغوا من التمدن والترقي مبلغا لم يبلغه غيرهم من الأنام، فإن هؤلاء أيضا قوم لا خلاق لهم قد قصروا نظرهم على النعيم الفاني العاجل. ونسوا النعيم المقيم الآجل. فهم أشبه بالأنعام. بل هم أضل وإن لبسوا ثياب الأنام. دينهم وديدنهم تقليد أولئك والتزيي بزيهم والاحتذاء بهم في أقوالهم وأفعالهم ومطاعمهم ومشارحهم وملابسهم فلهم في أولئك الأسوة التامة، لا في رسوله الله ﷺ فهم ليسوا ممن يرجو الله واليوم الآخر. وهذا مصداق قوله ﷺ الثابت من طرق في الصحيح: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى
стр. 43
لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: اليهود والنصارى قال: "فمن " فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فإياكم إياكم عباد الله ومخالفة الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ من عند ربه قيد شبر فإن المخالفة والله الذي لا إله غيره عين الهلاك والعمى والخسران المبين.
وإياكم إياكم أن تظنوا أن الكتاب والسنة اللذين هما الشريعة لم يفيا بجميع أحكام الحوادث فإن هذا خطأ جسيم وبهتان عظيم.
فقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾ .
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾
стр. 44
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُْ﴾ أي للحالة أو للملة أو للطريقة التي هي أقوم الحالات أو الملل أو الطرق.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
إذا تأمل المتأمل قوله: ﴿فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ وعرف عظم موقعه وبلاغته، وعلم أن علوم العالمين أجمعين كلها تتلاشى وتضمحل في جنب علم الله تعالى بما ينفع ويصلح وما يضر ويفسد لم يشك أن القرآن قد تكفل ببيان ما فيه صلاح المعاش والمعاد ونظام الدين والدنيا معا على أكمل وجه وأبلغه حيثما تولى تفصيله العليم الخبير الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض مما كان أو يكون.
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾
стр. 45
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ .
فبين سبحانه للعباد جميع ما يتقونه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ﴾
قال أهل التفسير عموما: الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إليه ذاته في حياته، والرد إلى سنته وهي أقواله وأفعاله وتقريراته بعد وفاته.
فأمر الله بالرد إليه وإلى الرسول ليس إلا، لأن كتاب الله ببيان الرسول فاصل للنزاع وقاطع للخلاف ولابد.
هذا فيما تنازع فيه المؤمنون. فما بالك بما أتفقوا عليه فالرد فيه أوجب وأوجب.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
стр. 46
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
فأنتم ترون أنه سبحانه أخبر في هذه الآيات، أنه أنزل الكتاب لبيان حكم ما يختلف فيه الناس، وجعله، هدى وجعله رحمة، وجعله شفاء للقلوب والصدور من الظلمات، وجعله مخرجا من الظلمات إلى النور، وجعله نورا وجعل إليه التنازع والتحاكم، إلى غير ذلك من أوصافه التي لا تحصى.
فكيف يكون بهذه الأوصاف التي وصفه الله سبحانه بها، وبالناس حاجة إلى قوانين البشر وأوضاعهم وسياساتهم فما دام في الناس حاجة ما في أية جزئية إلى أي قانون ورأي يكن بتلك الأوصاف والله أصدق القائلين.
فتبين بذلك أنه ما غادر صغيرة ولا كبيرة من أمور الدين والدنيا وما يتعلق بصلاح المعاش والمعاد إلا وتكفل بها واحدة واحدة عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله قال الشرف البوصيري في آيات القرآن.
لها معان كموج البحر في مدد ... وفوق جوهره في الحسن والقيم
فما تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسأم
قرت بها عين قاريها فقلت له ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
ولكن الأفهام والعقول متفاوتة، فمن يصادف فهمه المحز ويطبق المفصل، فهذا هو الذي له أجران- ومن يخطئه ولا يصيبه بعد بذل
стр. 47
الوسع، وهذا هو الذي له أجر واحد كما ثبت ذلك في الصحيح ومن فاهم ومستنبط من آية حكما ومن فاهم ومستنبط حكمين، ومن فاهم ومستنبط أكثر، ففضل الله تعالى ليس بمحظور عن أحد يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ولذلك قال ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي".
وبالجملة فالقرآن متكفل بنظام المعاد والمعاش في التفرق والاجتماع على أكمل وجه وأجمله لمن كحل بنور التوفيق بصيرته. وطهر بماء الإيمان سريرته. ووجه إليه همته. وصرف فيه ملله.
قال الإمام الشافعي في سورة العصر: "لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم".
وفي لفظ عنه: "لو لم ينزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم".
وقد بين معناه وأوضح مغزاه الإمام ابن القيم في مفتاح دار السعادة بأبلغ وجه وأعلاه فقال ما نصه: "وبيان ذلك أن المراتب أربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله.
إحداها: معرفة الحق.
الثانية: عمله به.
الثالثة: تعليمه من لا يحسنه.
الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه. فذكر تعالى المرات الأربعة في هذه السورة.
стр. 48
وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر أن كل أحد في خسر إلا الذين آمنوا وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة. وعملوا الصالحات وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة أخرى. وتواصوا بالحق وصى به بعضهم بعضا تعليما وإرشادا فهذه مرتبة ثالثة. وتواصوا بالصبر صبروا على الحق ووصى بعضهم بعضا بالصبر عليه والثبات فهذه مرتبة رابعة. وهذا نهاية الكمال.
فإن الكمال أن يكون الشخص كاملا في نفسه مكملا لغيره. وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية.
فصلاح القوة العلمية بالإيمان. وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره بتعليمه
إياه وصبره عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل. فهذه السورة على اختصارها هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيرها والحمد لله الذي جعل كتابه كافيا عن كل ما سواه شافيا من كل داء هاديا إلى كل خير اهـ.
وأخرج الترمذي في جامعه عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ستكون فتن كقطع الليل المظلم" قيل فما النجاة منها يا رسول الله قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو فصل ليس بالهزل، من تركه تجبرا " وفي رواية: "من جبار" قصمه الله. ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تتشعب معه الأراء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تمله الأتقياء، من علمه سبق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن اعتصم به فقد هدى إلى صراط مستقيم".
стр. 49
وفي مراسيل أبي داود السجستاني عن يحيى بن جعدة أن النبي ﷺ أتي بكتاب في كتف قال: "كفى بقوم ضلالة أن يبتغوا كتابا غير كتابهم إلى نبي غير نبيهم" فأنزل الله عزوجل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾
وعن أبي قلابة أن عمر مر بقوم من اليهود فسمعهم يذكرون دعاء من التوراة فانتسخه ثم جاء به إلى النبي ﷺ فجعل يقرؤه ووجه النبي ﷺ يتغير فقال رجل: "يا ابن الخطاب ألا ترى ما في وجه رسول الله ﷺ " فوضع عمر الكتاب فقال رسول الله ﷺ : "إن الله عزوجل بعثني خاتما وأعطيت جوامع الكلم، وخواتمه، واختصر لي الحديث اختصارا، فلا يلهينكم المتهوكون"، فقلت لأبي قلابة: ما المتهوكون؟ قال: المتحيرون اهـ
وأخرج البخاري في كتاب الاعتصام في باب قول النبي ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء" عن عبيد الله بن عبد الله أن ابن عباس ﵄ قال: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث١ تقرؤونه محضا لم يشب٢ وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم. لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم".
стр. 50
وأخرج البخاري فيه ومسلم في الوصايا عنه عن ابن عباس قال لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال وفيهم عمر بن الخطاب قال: "هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده" فقال عمر إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله تعالى، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: "قربوا يكتب رسول الله ﷺ كتابا لن تضلوا بعده". ومنهم من يقول: "ما قال عمر"، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي ﷺ قال: "قوموا عني". قال عبيد الله فكان ابن عباس يقول: "إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم".
فتأمل هذه الأحاديث وأعطها حقها من التأمل الصادق تعلم أن الله لم يحوجنا معشر أهل القرآن إلى كتاب آخر من الكتب السماوية بل اشتمل كتابنا على جميع ما فيها من المحاسن وعلى زيادات كثيرة لا توجد فيها فلهذا كان مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها يقرر ما فيها من الحق ويبطل ما حرف منها وينسخ ما نسخه الله فيقر الدين الحق وهو جمهور ما فيها وببطل الدين المبدل الذي لم يكن فيها والقليل الذي نسخ منها.
وأما قول ابن عباس ﵄: "إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم فقد قال المتكلمون في شرح هذا الحديث: أن عمر ﵁ كان أفقه من ابن عباس وأدق نظرا لاكتفائه بالقرآن وعلمه أن الله تعالى أكمل دينه بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم﴾ وأمنه الضلال على الأمة.
стр. 51
ولا يقال: إن عمر رضي الله لم يرتض أمره ﷺ بكتابة الكتاب فخالفه وعصاه لأنه ﵁ فهم أن الكتاب الذي أراد أن يكتبه لا يخرج عن كتاب الله، لعلمه أنه معصوم في تبليغه عن ربه وتثبيت الله له لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وعلمه أنه لم يترك بيان شيء مما أنزله إليه ربه، فخرج ذلك الأمر منه في حال اشتداد الوجع به ﷺ مخرج كلام النصوح الحريص على هداية شخص فهو لا يزال ينصحه بالعبارات المختلفة والأساليب المتعددة حتى يرسخ في فؤاده ما يريده منه فلذلك رأى عدم التثقيل عليه ﷺ في كتابة ذلك الكتاب مع الاستغناء عنه بالقرآن فافهم هذا المعنى فلعله أحسن شيء يندفع به الاعتراض على سيدنا عمر فيما صورته صورة المخالفة.
وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر دلالة على حسن فهم عمر وتيقظه
لمراده ﷺ الذي هو الأخذ بكتاب الله بعده حتى لا يضلوا، وإلا فلو كان مراده ﷺ أن يكتب لهم ما لا يستغنون عنه مما لم يبينه لهم من قبل لم يتركه لاختلافهم ولا لغيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه ومعادات من عاداه كما أمرهم في تلك الحال بثلاث:
كما أخرجه مسلم عن سعيد بن جبير، "أمرهم بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم"، وسكت عن الثالثة أو ذكرها ونسيها سعيد الراوي قالوا: الثالثة: هي تجهيز جيش أسامة ﵁.
ويحتمل أنها قوله: "لا تتخذوا قبري وثنا يعبد".
стр. 52
فانظر فإنه لم يرجعه تنازعهم واختلافهم ولغطهم عنده عن بيان هذه الثلاث التي ما كان بينها لهم قبل، فلو كان مضمون الكتاب الذي أراد أن يكتبه لهم مما لم يسبق بيانه ما كان ليسكت عن بيانه بحال، فرضي الله عن عمر ما أدى نظره وألطف فهمه وأصوب فكره.
والقصد هنا أن الله لم يحوجنا بمنه وكرمه إلى شيء آخر من الكتب السالفة كما كان أحوج أهل الانجيل لفهم التوراة وإتباعها لكون المسيح ﵇ كان متبعا في الأكثر لشريعة التوراة: ولذا قال: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم﴾ .
فكيف يحوجنا إلى شيء من قوانين البشر وأوضاعهم وسياستهم حاشا الله ومعاذ الله. ومن ظن ذلك فإن كان جاهلا بين له وفهم وإلا فهو كافر حلال الدم والمال في جميع مذاهب علماء المسلمين قولا واحدا.
فإن من ظن أن هذه الشريعة الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول الله آخر غير رسولهم الذي يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.
وكذلك من ظن أن شيئا من أحكام الكتاب والسنة النبوبة الثابتة الصحيحة بخلاف السياسة والمصلحة التي يقتضيها نظام الدنيا فهو كافر قطعا. ولا يظن ذلك إلا من بلغ به الجهل بمرتبة الشريعة الغراء. وأحكامها الحقة النقية البيضاء أي أسفل سافلين.
وأيما فرد ظن ذلك أو تخالج الشك في صدره في حكم من أحكامها
стр. 53
فليعرض ذلك على أهل العلم بالكتاب والسنة حقيقة دون أهل الفلسفة وفضول العلوم حتى تتبين له حقيقة الحال. وتنقشع عن سماء قلبه سحائب الأوهام والضلال.
قال الحافظ ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة" ما نصه: "وتأمل حكمته ﵎ في إرسال الرسل في الأمم واحدا بعد واحد بعد واحد كلما مات واحد خلفه آخر لحاجتها إلى تتابع الرسل والأنبياء لضعف عقولها وعدم اكتفائها بآثار شريعة الرسول السابق، فلما انتهت النبوة إلى سيدنا محمد بن عبد الله رسول الله. ونبيه أرسله إلى أكمل الأمم عقولا ومعارف وأصحها أذهانا وأغزرها علوما وبعثه بأكمل شريعة ظهرت في الأرض منذ قامت الدنيا إلى حين مبعثه فأغنى الله الأمة بكمال رسولها وكمال شريعته وكمال عقولها وصحة أذهانها عن رسول يأتي بعده أقام له من أمته ورثة يحفظون شريعته ووكلهم بها حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، فلم يحتاجوا معه إلى رسول آخر ولا نبي ولا محدث (أي ملهم) ولهذا قال ﷺ : "إنه قد كان قبلكم في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر".
فجزم بوجود المحدثين في الأمم وعلق وجودهم في أمته بحرف الشرط وليس هذا بنقصان في الأمة عمن قبلهم بل هذا من كمال أمته على من قبلها فإنها لكمالها وكمال نبيها وكمال شريعته لا تحتاج إلى محدث، بل إن وجد فهو صالح للمتابعة والاستشهاد، لا أنه عمدة لأنها في غنية بها بعث الله به نبيها عن كل منام أو مكاشفة أو إلهام أو تحديث: وأما من قبلها فللحاجة إلى ذلك جعل فيهم المحدثون" اهـ.
стр. 54
وإذا ثبت أن الله تعالى قد أغنانا أهل الإيمان والقرآن بكتابه وسنة نبيه عن جميع الشرائع وقوانين أهل الإفك والبهتان. فما وافقهما فهو العدل.
كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقّ﴾
فأمره أن يحكم بينهم بالقسط، وأن يحكم بما أنزل الله، فدل ذلك على أن القسط هو ما أنزل الله ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وما خالفهما فهو عين الظلم والبغي والعدوان، وإن ظن أنه عدل ومصلحة قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه﴾
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
ولله در البوصيري حيث قال في آيات القرآن:
وكالصراط وكالميزان معدلة ... فالقسط من غيرها في الناس لم يقم
стр. 55
ثم الشرع الذي أنزل الله ويجب على كل حكام المسلمين العمل به، كما أنه عدل كله، رحمة كله، ومصلحة كله، وحكمة كله، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشرع وإن أدخلت فيه بشبهة. فليس في الشرع ظلم أو قسوة أو عبث أصلا بل حكم الله أحسن الأحكام كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
فكل من حكم بما أنزل الله فقد حكم بالعدل، وكل من حكم بغيره فقد ظلم: ومن لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله واستحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير إتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه لا عبرة بما يراه عدلا من غير أن يكون موافقا لما أنزل الله، إذ ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، لكن قد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعادتهم الجارية بينهم التي لم ينزلها الله، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر.
فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالا ضلالا لا يعلمون.
والحاصل، أن الحكم بالعدل واجب مطلقا في كل زمان ومكان على كل أحد ولكل أحد، والحكم بما أنزل الله على محمد ﷺ هو أكمل أنواع العدل وأحسنها، والحكم به واجب على النبي ﷺ وكل من اتبعه.
стр. 56
ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر.
ومن اعتقد أن يحكم ببن الناس بقول أي أحد كان ولا يحكم بينهم بالكتاب والسنة فهو كافر وظالم لنفسه ولغيره من المحكوم له وعليه ولله حسن الختام.
وجملة القول أنا معشر أهل الإيمان والقرآن لا يجوز لنا أن نتبع قانونا سوى قانون ربنا ﵎ ولا نرضاه ولا نقبله بل هو رد على من جاء به بحكم الله ورسوله.
هذا ما وجب علينا كتابته شرعا بحكم وجوب أداء الأمانة التي ائتمننا الله عليها معشر أهل العلم، وما علينا إلا البلاغ. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا آمين والحمد لله رب العالمين.
(تمت الرسالة)