المبحث السابع: آثاره
إن الغزو الفكري الحديث أحدث انقلاباً جذرياً في حياة المسلمين في معظم البلاد الإسلامية وابتعد بكثير منهم عن الطريق المستقيم، وأصبحت كثير من الدول رهينة للغزو الفكري، عدا هذه البلاد- المملكة العربية السعودية – فقد حفظها الله من آثار الغزو الفكري، وذلك بسبب عقيدة التوحيد ونشرها التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأنصاره من آل سعود وعلماء هذه البلاد في دوريها الأول والثاني، إلى أن قام بتأييدها ونشرها مؤسس هذا الكيان الشامخ الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀، وسار على ذلك أبناؤه الميامين، إلا أنَّ خطر الغزو الفكري ما يزال يزحف ويشتد، والمكر يتعاظم ويتنامى. وقى الله المسلمين كيد الكفار، وشر الأشرار.
قال تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ ١.
وكان من أبرز آثاره: إفساد العقيدة وتحطيم مظلة الأعراف الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية، فانطلقت تسري في أوصالها كل موبقات الحضارة الأوربية حتى وصلت في ظل الاحتلال إلى مرحلة الشيوع والاستعلان، ثم إلى مرتبة الاستقرار والاستحسان، ثم وصلت إلى درجة أصبحت فيها تحت حماية القوانين الوافدة، ودخل في روع المغلوبين أن الانحلال والفساد من ضروريات التحضر والمدنية في جوانبها الصحيحة، وقد ظهر هذا الانحلال في البداية في السلوك الفردي، فانحرف الناس عن نهج الدين واستهوتهم مظاهر الحياة الغربية، فأقبل كثير منهم على الخمور والفجور والقمار والربا ونحو ذلك، ثم دب دبيب
стр. 37
التهاون في الدين فتناول العبادات والعقائد وغيرها من أنواع الانحلال، فتكاسل الناس عن أداء العبادات، وانتشرت في الجو ضروب من الفلسفة والمذاهب الضالة، واستمالة الشباب وغيرهم، وصارت العلاقة الجنسية والنزعة الاباحية الشغل الشاغل للسينما وكثير من المجلات والصحف ابتغاء وفرة الربح والدخل، فانحرف الشباب وفسدت روابط الأسرة ثم عمَّ السيل وطمَّ ـ إلا من رحم ربك ـ فانهارت الفضائل الاقتصادية والاجتماعية عندما شهد العالم الإسلامي تغييراً اجتماعياً استجابة لدعوات التغريب على يد المستعمرين ومؤسساتهم التبشيرية والاستشراقية ... ولكنه وفق الأسلوب الجديد أصبح يتم على أيدي المسلمين أنفسهم من تلاميذ المستشرقين والمبتعثين، يساندهم في تنفيذ هذا المخطط بعض الحكام المسلمين.
كما أثمرت جهود المنصرين عن تنصير كثير من أبناء المسلمين الذين درسوا في مدارسهم، أو ألجأتهم الحاجة أو الإعجاب إلى إتباع دين النصارى، كما اعتقد كثير من المنتسبين إلى الإسلام الأفكار الكافرة، كالفكرة الشيوعية، أو القومية البعثية١، أو العلمانية، أو غير ذلك من الفلسفات الضالة٢.
وكثمرة لتشجيع المستعمرين ازدهرت المظاهر الوثنية في كثير من البلاد الإسلامية من عبادة القبور، والتبرك بها، والحج إلى المشاهد، والطرق الصوفية الضالة، التي استحوذت على كل من فيه نزعة إلى التدين.
стр. 38
أما الاقتصاد: فقد وجه الاستعمار موارد البلاد الإسلامية إلى مصالحه الخاصة.. واحتكر التجارة الخارجية للبلاد الإسلامية، ومعظم التجارة الداخلية، وعمد إلى توطين الأوربيين في البلاد الإسلامية عن طريق التجارة ... واتجه الاستعمار إلى محاربة الصناعة الوطنية في العالم الإسلامي ... وربط عملات العالم الإسلامي بعملته١، بالاضافة إلى تأسيس اقتصاد العالم الإسلامي على الربا، وعلى نظريات ونُظم الغرب الرأسمالي، أو الشرق الاشتراكي الشيوعي، وأصبح موجهاً ومرتبطاً بالدول الإستعمارية، أو المنظمات الاقتصادية العالمية إلا ما شاء ربك.
وأما الناحية السياسية فقد وزع المستعمرون العالم الإسلامي إلى دويلات ومناطق نفوذ، اقتسمتها الدول الاستعمارية الغربية أو الشرقية، وأسفرت هذه الآثار عن إقصاء الشريعة الإسلامية عن ميدان الحكم في العالم الإسلامي ـ إلا من ﵀ وحوربت العقيدة محاربة شديدة، كما حوربت اللغة العربية، وشوه التاريخ الإسلامي، وعمل الاستعمار على نشر لغته، وتاريخه، وعاداته ... وأصبح الخلاف والخصام سمة مميزة للدول الإسلامية في علاقاتها فيما بينها.
وفقد المسلمون الكثير من بلادهم، وحول الكثير منها إلى دول نصرانية أو شيوعية، وأعطيت فلسطين إلى شرار الخلق من اليهود الصهاينة ٢.
(وكان من أخبث آثار الهجوم الفكري هو قيام مدرسة فكرية جديدة بين المسلمين، ترمي إلى تقريب الشقة بين تعاليم الإسلام، وبين ما جاءت به حضارة الغرب من أفكار ونتائج ونظريات في ميادين الحياة.
стр. 39
وكان عماد هذا العمل هو تفسير الإسلام تفسيراً عصرياً، يلائم الفكر السائد، ومحاولة إيجاد نقط التقاء بين الخطين على تباينهما، أو على الأقل تباعدهما.
وقد ألجأ الهجوم الفكري هذه المدارس إلى مواقف دفاعية غريبة عن الإسلام، إذ جردته من كثير من أحكامه الصريحة) ١.
أقول: لكن كل هذا الكيد الماكر، ومع هذا النجاح الذي يتحقق لأعداء الإسلام، ومع هذا الضعف والفرقة والانحراف في المجتمعات الإسلامية، مع هذا كله، فإن الإسلام باق بحمد الله تعالى قال سبحانه ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ ٢وقال ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ ٣.
стр. 40
الفصل الثاني: طرق تحصين المجتمع المسلم ضد الغزو الفكري
المبحث الأول: ضرورة التمسك بالعقيدة الصحيحة ونشرها في المجتمعات الإسلامية
يدور معنى العقيدة في اللغة على اللزوم والاستيثاق والتصميم، قال تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ ١ وتعقيد الأيمان توكيدها بالقصد والغرض الصحيح، وتعقيدها: المبالغة في توكيدها ٢.
والعقد: نقيض الحل،. .وعاقدته أو عقدت عليه فتأويله أنك ألزمته ذلك باستيثاق ... ٣.
واعتقدت كذا: عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة: ما يدين الإنسان به، وله عقيدة حسنة سالمة من الشك ٤.
والعقيدة هي الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده ٥.
والاعتقاد: الحكم الذهني الجازم فإن طابق الواقع فصحيح وإلا ففاسد٦.
стр. 41
والعقيدة في الاصطلاح: هي الأمور التي يجب على المسلم الإيمان بها، إيماناً صادقاً، ويقيناً راسخاً، تطمئن بها نفسه، لا يخالطها شك ولا شبهة١.
والعقيدة الصحيحة تتلخص في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمداً ﵊، ويتفرع عن هذه الأصول كل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب، وجميع ما أخبر الله به ورسوله ﷺ ٢.
والعقيدة الصحيحة تقوم على التوحيد الخالص الذي بعث الله من أجله الرسل، وأنزل الكتب، وخلق الثقلين، وجميع الأحكام تابعة له، قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ٣ وقد مكث النبي صلوات الله وسلامه عليه بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد، ويحذر من الشرك، ويصحح للناس عقائدهم، قبل أن تفرض عليهم الصلاة والزكاة وغيرهما من العبادات، اللهم ما كان يأمر به من معالي الأخلاق كصلة الرحم، والصدق، وحسن الجوار وغير ذلك، فأمضى حياته ﷺ كلها في الدعوة إلى التوحيد والتحذير مما يضاده، حتى لما هاجر إلى المدينة كان هذا منطلق دعوته وأساسها، واستمر على ذلك طيلة حياته صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 42
ولا يخفى أن أول واجب على الخلق، وأول ما يُدعون إليه، التوحيد الخالص الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، والشهادة لرسوله ﷺ بالرسالة، وقد بين هذا النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن، فعن ابن عباس ﵄ قال "قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ..." الحديث١.
وإن كل دارس لأحوال المسلمين يرى العجب إذ يرى فيهم اختلافاً كثيراً، يختلفون فيما يعتقدون نحو ربهم وخالقهم، ويختلفون في عبادته في أسمائه وصفاته، ويختلفون في سلوكهم وسيرهم إلى الله، ويختلفون في القرآن الذي نزل لهدايتهم، رحمة ونوراً، بل إنهم يختلفون في تصور دينهم وإسلامهم أحياناً.
فما أشد حاجة الناس إلى تصحيح عقائدهم من كل شائبة وبدعة، ليرجع المسلمون إلى دينهم، وليقيموا حياة إسلامية، فيها السعادة والهناء، حياة تقوم على التوحيد الخالص، والعبادة لله وحده، وعلى العدالة والحق، والإخوة في الله والمحبة فيه، حياة تكون على علم ومعرفة، تسودها المحبة والتعاون والتآزر بين الأمة الإسلامية، فينعم فيها الإنسان بالأنس بربه ومولاه وولي نعمه، ويسعد في الدنيا
стр. 43
المبحث الثاني: أثر الإيمان والتقوى في تحصين المجتمع المسلم
أثر الإيمان في تحصين المجتمع المسلم
...
No pages