← Акыда

Акыда · id 1004

التعليقات السنية على العقيدة الواسطية - محمد خليفة التميمي

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (271 стр.). Показаны 246–271 · переход к 251.

стр. 246

قال المصنف ﵀: «ويُحِبُّونَ أهلَ بَيْتِ رسولِ الله- ﵌ ويَتَوَلَّوْنَهُمْ. وَيَحْفَظُونَ فيهم وَصِيَّةَ رَسُولِ الله ﵌، حيث قال يوم غَدِيرِ خُمٍّ: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي». وقال- أيضًا- للعبَّاس عَمِّهِ- وقد اشتكى إليه- أنَّ بعض قريش يجفو بني هاشمٍ، فقال: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُم؛ للهِ، ولِقَرَابَتِي». وقال: «إن اللهَ اصْطَفَى بني إسماعيلَ، واصطفى مِنْ بني إسماعيلَ كِنَانَةَ، واصطفى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، واصطفى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، واصطفاني مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». ويَتَوَلَّوْنَ أزواجَ النَّبي ﷺ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، ويؤمنون بأنهنَّ أَزْوَاجُهُ في الآخِرَة، خصوصًا خديجةُ ﵂ أمُّ أكثر أولاده، وأول من آمن بِهِ وعَاضَدَهُ على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصِّدِّيقَة بنت الصِّدِّيق ﵂، التي قال فيها النَّبي ﷺ : «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ». ويَتَبَرَّءُونَ مِنْ طريقة الرَّوَافِضِ الذين يُبْغِضُونَ الصَّحابة، ويَسُبُّونَهُم، ومن طريقة النَّواصب الذين يؤذون أهلَ البيت بقولٍ أو عملٍ. وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الآثَارَ المَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمَنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ: إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ. وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ

стр. 247

عَنْ كَبَائِرِ الإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ؛ بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الجُمْلَةِ، وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ- إِنْ صَدَرَ-، حَتَّى إنَّهُمْ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لأَنَّ لَهُمْ مِنَ الحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُمْ خَيْرُ القُرُونِ، وَأَنَّ المُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ. ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ، أَوْ أَتَى بَحَسَنَاتٍ تَمْحُوهُ، أَوْ غُفِرَ لَهُ؛ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ، أَوْ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ المُحَقَّقَةِ؛ فَكَيْفَ الأُمُورُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ: إنْ أَصَابُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَالخَطَأُ مغْفُورٌ. ثُمَّ إِنَّ القَدْرَ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْرٌ مَغْفُورٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ القَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ؛ مِنَ الإيمان بِاللهِ، وَرَسُولِهِ، وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالهِجْرَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالعِلْمِ النَّافِعِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ. وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيرَةِ القَوْمِ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم بِهِ مِنَ الفَضَائِلِ؛ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خَيْرُ الخَلْقِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ؛ لَا كَانَ وَلا يَكُونُ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُمُ الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ». الشرح من عقيدة أهل السنة: حُبُّ آل بيت النبي ﷺ ، فنحن مأمورون بحبِّهم؛ لأنَّ حُبَّهم من حب النبي ﷺ ، وقد جاءت الآثار ببيان

стр. 248

فضلهم والحث على محبتهم. لذا يجب علينا أن نتولاهم وأن نترضى عنهم، وألا نبغض أحدًا منهم، وهذا ما امتاز به منهج أهل السنة، وهو سلامة قلوبهم تجاه جميع الأصحاب بما فيهم آل بيته ﷺ . فمن حبِّ النبي ﷺ حبُّ آل بيته، فلا يكون الإنسان محبًّا للنبي ﷺ على الوجه الأكمل حتى يكون محبًّا لآله ﷺ ، كما أوصى ﷺ بذلك فقال: «وأهل بيتي، أُذكركم اللهَ في أهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (١)، «وقال- أيضًا- للعبَّاس عَمِّهِ- وقد اشتكى إليه- أنَّ بعض قريش يجفو بني هاشمٍ، فقال: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُم؛ للهِ، ولِقَرَابَتِي» (٢). فمحبتهم من الإيمان؛ لأن حبهم من حبه ﷺ ، فالله قد اختار نبيه ﷺ ، واختار لنبيه ﷺ آله وأصحابه، كم قال ﷺ : «إنَّ اللهَ اصْطَفَى بني إسماعيلَ، واصطفى مِنْ بني إسماعيلَ كِنَانَةَ، واصطفى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، واصطفى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، واصطفاني مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (٣). فلأن النبي ﷺ من بني هاشم صار لهم من الفضل ومن المنزلة ما يجب أن يُحفظ في نفوس أهل السنة، كما يحفظ حقُّ سائر الأصحاب. وهكذا الشأن في أزواجه ﷺ ؛ فهن أمهات المؤمنين، فيجب

стр. 249

أن يعلم ما لهن من الفضل والمكانة؛ فهناك مكانة لخديجة ﵁ ا، ومكانة لعائشة ﵁ ا، وكذلك باقي زوجاته ﵁ ن جمعاوات. فمحبتهن والترضي عنهن هو من محبة النبي ﷺ ، وفضائلهن مذكورة مبثوتة في كتب أهل السنة، فقَلَّما نجد كتابًا من كتب أهل الحديث إلا وفيه مِنْ ذِكر فضائلهن؛ فمثلًا كتب السنة كـ «صحيح البخاري» و «صحيح مسلم» والكتب الستة وغيرها مليئة ومرصعة ومزينة بتلك المناقب التي تدل على سلامة قلوب أهل السنة تجاه هؤلاء النسوة اللائي اختارهن الله لأن يكن زوجات لنبيه ﷺ . ولذلك نتبرأ من الروافض الذين أبغضوا وسَبُّوا أصحاب النبي ﷺ ، وطعنوا في بعض أزواجه بمطاعن يَستحي الإنسان من التلفظ بها وذِكرها، فضلًا عن أن تكون مُستقرة في قلب أيِّ مُسلم. فأولئك ما حَفظوا عِرضَ النبي ﷺ في عائشة ﵁ ا، وما حفظوا حقَّ أصحاب النبي ﷺ وما لهم من المنزلة والمكانة، وكما قال الشَّعبي لمالك بن معاوية- عند ذكر الرافضة-: «يا مالك، لو أردتُ أن يُعطوني رقابَهم عبيدًا وأن يملأوا بيتي ذهبًا على أن أكذبهم على عليٍّ كذبة واحدة لفعلوا، ولكني والله لا أكذب عليه أبدًا. يا مالك، إني درستُ الأهواء كلها، فلم أَرَ قومًا أحمق من الرافضة … ». «ثم قال: أُحَذِّرُك الأهواء المضلَّة، شرُّها الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة، يُبغضون الإسلام كما يُبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتًا لأهل الإسلام وبغيًا عليهم .... ». إلى أن قال: «ولليهود والنصارى فضيلةٌ على الرَّافضة في خصلتين: سئل اليهود: مَنْ خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب

стр. 250

موسى. وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة: مَنْ شَرُّ أهل مِلتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد. أَمَرَهم بالاستغفار لهم فشَتَموهم» (١). نعوذ بالله من حال أولئك الضُّلَّال. والطعن في أصحاب النبي ﷺ هو تجاسر على الله؛ لأن الله يُزكيهم وهم يطعنون فيهم، وكذلك هو اعتداء على حقِّ النبي ﷺ ، بل هو اتهام منهم له ﷺ بأنه ما أحسن تربية أصحابه! وكذلك شككوا فيما قاله النبي ﷺ من بيان فضلهم ومكانتهم. ثم قال المصنف رحمه لله: «وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الآثَارَ المَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمَنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ». إذ حاول الرَّوافض دسَّ شيءٍ كثير من المَرويات المغلوطة التي كذبوا فيها على أصحاب النبي ﷺ ، وشحنوا بها كتب التاريخ، ومن يَكذب على الله وعلى رسوله ﷺ فليست بغريب أن يكذب على أصحاب النبي ﷺ . وقال المصنف: «وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ: إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ». فإن صح شيء من الأحداث المروية عنهم فهم معذورون فيها، فهم بين مجتهد مصيب، فله أجران، أو مجتهد مخطئ فله أجرٌ واحدٌ. وأهل السنة مع ذلك لا يعتقدون أنَّ كل واحد من الصحابة

стр. 251

معصوم، فالعصمة لرسول الله ﷺ في تبليغ ما بَلَّغه عن ربه، أمَّا أصحابه فشأنهم كشأن سائر الأمة ليسوا بمعصومين، بل إن الذنوب قد تقع منهم كبائرها وصغائرها، ولكن لهم من السوابق ومن الفضائل ما يوجب مغفرة ما قد يَصدر عنهم- إن صدر- حتى إنَّه يُغفر لهم من السيئات ما لا يُغفر لِمَنْ بعدهم؛ لأن الله مَنَّ عليهم بفضل من الحسنات عظيم، فهؤلاء أهل بدر قال ﷺ عنهم: «لعلَّ اللهَ اطَّلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شِئتم، فقد وَجَبت لكم الجنة- أو- فقد غفرتُ لكم» (١)، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وهم كذلك خير القرون، كما قال ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢). فهذه (الخيرية) التي شهد النبي ﷺ بها لهذه القرون الثلاثة- تدلُّ على تفضيلهم وسبقهم وجَلَالة قدرهم وسَعَة علمهم بشرع الله، وشدة تمسكهم بسنة رسوله ﷺ . وكذلك تقدم في الحديث قوله ﷺ : «لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيدِه لو أنَّ أحدَكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نصيفَه» (٣)، قال الحافظُ ابن حجر: «قال البيضاوي: معنى الحديث: لا ينال أحدُكم بإنفاق مثل أُحُدٍ ذهبًا من الفضل والأجر ما يَنال أحدُهم بإنفاق مُدِّ طعام أو نصيفه. وسبب التفاوت: ما يقارن الأفضل مِنْ مَزيد الإخلاص وصدق النية. قلت-: أي- ابن حجر-: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية:

стр. 252

عِظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال، كما وقع في الآية: ﴿مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠]، فإنَّ فيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرتُه، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيمًا؛ لشدة الحاجة إليه وقِلَّة المُعتني به، بخلاف ما وقع بعد ذلك؛ لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فإنه لا يقع ذلك المَوقع المتقدم» (١). ثم إن كان قد صدر من أحدهم ذنبٌ؛ فإمَّا أن يكون قد تاب منه، أو أنَّ له من الحسنات ما يمحو هذا الذنب، أو يَغفر الله له بفضل سابقته، أو بشفاعة النبي ﷺ ؛ لأنهم أحق الناس بشفاعته، أو يُبتلى ببلاء في الدنيا يُكَفر به عنه ذلك الذَّنب. وهذا يُقال في موتى المسلمين من غير أصحاب النبي ﷺ ، فمن مات على الإسلام نرجو له النجاة من النار والفوز بالجنة وإن كان عنده سيئات؛ فلعل له حسنة تمحو جميع سيئاته، وربما قد عمل عملًا خفية يغفر الله له به؛ ألم يغفر الله لبغي؛ لأنها سقت كلبًا (٢)، فما بالنا بأصحاب الفضل الذين قال الله فيهم: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال عن أهل بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.

стр. 253

فأخبر الله بأنه رضي عنهم، وهؤلاء الروافض يقولون برِدَّتِهم! وما هذا إلا أضل الضلال. وهكذا طريقة النَّواصب الذين آذوا آلَ البيت بقولٍ أو فِعل؛ فكل مَنْ آذى آلَ البيت بقول أو فعل فنحن نتبرأ منهم ومن معتقدهم وقولهم وفِعلهم. وما شجر بين أصحاب النبي ﷺ فنحن نُمسك عن الخوض فيه، ونعلم أن ما صَحَّ وثبت منه فهو لا يُعد شيئًا في بحار حسناتهم، فحسناتهم وفضائلهم جليلة قد توافرت النصوص على إثباتها، وأنَّ ما وقع من القتال بينهم ما أرادوه. إذ هم أصحاب المواقف الناصعة التي نصروا بها النبي ﷺ ، ودافعوا عن الدين بأنفسهم وأموالهم وأهليهم، وأبلوا بلاءً حسنًا في نشره. ثم ذكر المصنف أنَّ لهم من السيرة مَنْ نَظَرَ فِيها بِعِلم وبصيرة، وَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم بِهِ مِنْ الفضائِل؛ علم يقينًا أنهم خَيْرُ الخلق بعد الأَنْبِيَاءِ؛ وأنه لا كان وَلا يكون مثلُهم، لما قَدَّموه للإسلام، فما جاء ولن يجيء بعدهم مثلهم، ولن يستطيع أحد أن يفِعل فعلهم، فهم صفوَةُ الصَّفوة مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ. فإذا كانت الأمة خير الأمم والصحابة خير هذه الأمة، فكيف يكون قَدْرُهم؟! وكيف تكون منزلتهم؟! ﵁ م أجمعين. وقد بَيَّن شيخُ الإسلام ﵀ الفارق بين أهل السنة وبين أهل الأهواء فقال: «الخوارج تُكَفِّر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يُكَفِّرون مَنْ خالفهم، وكذلك أكثر الرافضة، ومَن لم يُكَفِّر فَسَّق. وكذلك أكثر أهل الأهواء يَبتدعون رأيًا، ويُكَفِّرون مَنْ خالفهم فيه،

стр. 254

وأهل السنة يَتَّبعون الحقَّ مِنْ ربهم الذي جاء به الرسول، ولا يُكَفِّرون مَنْ خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحقِّ وأرحم بالخلق، كما وصف الله به المسلمين بقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران ١١٠]. قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس. وأهل السنة نقاوة المسلمين، فهم خير الناس للناس». ثم قصَّ شيخُ الإسلام بعضًا من مواقف الروافض المخزية أيام التتار، فقال: «وقد علم أنه كان بساحل الشام جبل كبير، فيه أُلوف من الرافضة يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم، وقتلوا خلقًا عظيمًا وأخذوا أموالهم، ولما انكسر المسلمون سنة غازان (١)، أخذوا الخيل والسلاح والأسرى وباعوهم للكفار النصارى بقبرص، وأخذوا مَنْ مَرَّ بهم من الجند، وكانوا أضرَّ على المسلمين من جميع الأعداء، وحمل بعض أمرائهم راية النصارى، وقالوا له: أيما خير: المسلمون أو النصارى؟ فقال: بل النصارى. فقالوا له: مَع مَنْ تُحشر يوم القيامة؟ فقال: مع النصارى. وسَلَّموا إليهم بعض بلاد المسلمين» (٢). فنسأل الله العفو والعافية من هذه الآراء والضلالات، ونسأله الثبات على الحقِّ حتى المَمات.

стр. 255

قال المصنف ﵀: «وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ: التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتَ الأَوْلِيَاءِ وَمَا يُجْرِي اللهُ عَلَى أَيْدِيهِم مِنْ خَوَارِقِ العَادَاتِ فِي أَنْوَاعِ العُلُومِ وَالمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ القُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ. كَالمَأْثُورِ عَنْ سَالِفِ الأُمَمِ فِي سُورَةِ الكَهْفِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرُونِ الأُمَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ اتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ، حَيثُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ. وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الكَلامِ كَلامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﵌. وَيُؤْثِرُونَ كَلَامَ اللهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كَلامِ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ. وَلِهَذَا سُمُّوا أَهْلَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَسُمُّوا أَهْلَ الجَمَاعَةِ؛ لأَنَّ الجَمَاعَةَ هِيَ الاِجْتِمَاعُ، وَضِدُّهَا الفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الجَمَاعَةِ قَدْ صَارَ اسْمًا لِنَفْسِ القَوْمِ المُجْتَمِعِينَ. وَالإِجِمَاعُ هُوَ الأَصْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي العِلمِ وَالدينِ.

стр. 256

وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِه الأُصُولِ الثَّلاثَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ. وَالإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ إِذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الخِلَافُ، وانْتَشَرَ في الأُمَّةُ». الشرح من أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجَمَاعَة التي خالفوا بها أهلَ البِدع: التَّصديق بكرامات الأولياء، وما يُجريه اللهُ على أيديهم من خوارق العادات. وأما أهل البدع فكعادتهم بين الإفراط والتفريط والغُلو والجفاء؛ فمنهم مَنْ أنكر كرامات الأولياء، ومِنهم مَنْ عدَّ فِعل السَّحرة والفَسَقة والمَلاحدة مِنْ الكرامات. وأولياء الله: هم كلُّ مَنْ جمع بين الإيمان والتقوى؛ فكل مؤمن تقي فهو لله وليٌّ؛ قال الله تَعَالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. قال شيخُ الإسلامِ ﵀: «وإذا كان أولياءُ الله هم المؤمنون المُتَّقون، فبحسبِ إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى؛ فَمَنْ كان أكمل إيمانًا وتقوى كان أكملَ ولاية لله، فالناس مُتَفاضلون في ولاية الله بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى» (١). وكراماتُ الأولياء ما حَصَلت إلَّا باتِّباع النبي ﷺ ؛ قال شيخُ الإسلام: «وكراماتُ أولياء الله إنَّما حَصَلت ببركة اتِّباع رسولِه ﷺ ،

стр. 257

فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ﷺ » (١)، وقال أيضًا ﵀: «فمن اعتقد أنَّ لأحدٍ من الأولياء طريقًا إلى الله غير متابعة محمَّد ﷺ ، فهو كافرٌ من أولياء الشيطان» (٢). وقد ذكر العلَّامة ابن عُثَيمين ﵀ أنَّ للكراماتِ دلالاتٍ، فقال: «وهذه الكَرَاماتُ لها أربع دلالات: أَوَّلًا: بيان كمال قُدرة الله حيث حَصَل هذا الخارق للعادة بأمر الله. ثانيًا: تكذيب القائلين بأنَّ الطبيعة هي التي تفعل؛ لأنَّه لو كانت الطبيعة هي التي تفعل لكانت الطبيعة على نَسَقٍ واحدٍ لا يتغير، فإذا تغيرت العادات والطبيعة دلَّ على أنَّ للكون مدبرًا وخالقًا. ثالثًا: أنَّها آيةٌ للنبيِّ المَتبوع. رابعًا: أنَّ فيها تثبيتًا وكرامة لهذا الوليِّ» (٣). وأمَّا قول المُصَنِّف ﵀: «فِي أَنْوَاعِ العُلُومِ وَالمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ القُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ» - فقد قال الشيخ الفوزان حفظه الله: إنه «إشارة إلى أنَّ الكرامة منها ما يكون من باب العِلم والكَشف بأن يَسمع العبدُ ما لا يَسمعه غيرُه، أو يرى ما لا يراه غيره يَقظة أو منامًا، أو يَعلم ما لا يعلمه غيره، ومنها ما هو من بابِ القدرة والتأثير. مثال النوع الأول: قول عُمر: يا ساريةُ، الجبلَ! وهو بالمدينة، وساريةُ

стр. 258

في المَشرق (١). وإخبار أبي بكر بأنَّ ببطن زوجته أُنثى (٢). وإخبار عُمر بِمَنْ يخرج مِنْ ولده فيكون عادلًا (٣). وقصة صاحب مُوسى وعِلْمه بحالِ الغلام (٤). ومثال النوع الثاني: قِصَّة الذي عنده عِلْمٌ من الكتاب، وإتيانه بِعَرش بَلقيس إلى سُليمان ﵇ (٥). وقِصَّة أهل الكهف (٦).

стр. 259

وقِصَّة مريم (١). وقِصة خالد بن الوليد لما شَرِب السُّمَّ، ولم يَحصل له منه ضررٌ (٢)» (٣). ثم قال المصنف: «كَالمَأْثُورِ عَنْ سَالِفِ الأُمَمِ فِي سُورَةِ الكَهْفِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرُونِ الأُمَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ». أي: أنَّ كرامات الأولياء قد حَدَثت في الأمم قبلنا وحدثت في صَدْر هذه الأمة، ولن تَنقطع إلى يوم القيامة؛ فَمَنْ الكَرامات في الأمم السابقة ما ذكره الله جل وعلا- في سورة الكهف عن أصحاب الكهف ولبثهم في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسع سنوات- وهم نيام- بلا آفة. وهكذا قِصة مريم، ومن ذلك: أنَّها حَمَلت ووَلَدت من غير زوجٍ مع كَمال عفافها وطهرها، ومن ذلك ما قاله الله عنها: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، وغير ذلك كثير. ومن كرامات الصَّحابة ﵃: ما رواه البخاري في «صحيحه»

стр. 260

عن أنس ﵁: «أنَّ رجلين خَرَجَا من عند النَّبي ﷺ في ليلة مُظلمة، وإذا نورٌ بين أيديهما حتى تَفَرَّقَا، فتفرق النورُ معهما. وقال معمر: عن ثابت، عن أنسٍ: «إنَّه أُسيد بن حُضَير ورجل من الأنصار». وقال حَمَّاد: أخبرنا ثابتٌ، عن أنسٍ كان أُسيد بن حُضَير وعَبَّاد بن بِشْر عند النَّبيِّ ﷺ » (١). ومن ذلك ما رواه مُسلم عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل: «أنَّ أَرْوى خَاصَمَتْه في بعضِ دارِه، فقال: «دَعُوها وإيَّاها، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا من الأرضِ بغيرِ حَقِّه طُوِّقه في سَبع أَرَضين يومَ القيامة»، اللَّهُمَّ إن كانت كاذبةً فَأَعْمِ بصرَها، واجعل قبرَها في دارِها. قال: فرأيتُها عَمياء تَلتمس الجُدُر تقول: أَصَابتني دعوةُ سَعيد بن زيد، فبينما هي تَمشي في الدَّار مَرَّت على بئرٍ في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرَها» (٢). وممَّا جاء في كَرامات التَّابعين فَمَنْ بعدهم: ما رواه مسلم في «صحيحه» أنَّ أهلَ الكوفة وَفَدوا إلى عُمَرَ، وفيهم رجلٌ مِمَّنْ كان يَسخر بأويسٍ، فقال عمر: هل هنا أحدٌ من القَرنيِّين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد قال: «إنَّ رجلًا يَأتيكم من اليَمن يُقال له: أُوَيْس، لا يَدَعْ باليَمن غيرَ أُمٍّ له، وقد كان به بياضٌ فَدَعا اللهَ فَأَذْهَبَه عنه إلا مَوضع الدِّينار أو الدِّرهم؛ فَمَنْ لَقِيَه مِنكم فَلْيَسْتَغْفِر لكم» (٣).

стр. 261

ثم قال المصنف: «ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ اتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ، حَيثُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ». منهج أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول الله ﷺ واتباع ما كان عليه أصحابه رضوان الله عليهم، وما كان عليه القرون المُفَضَّلة. فأهل السنة علمهم مستمد من هذه الأصول: من كلام الله ومن كلام رسوله ﷺ ، وفهم سلف هذه الأمة، وعلى رأسهم أصحاب النبي ﷺ ، وهذا ما أوجبه النبي ﷺ بقوله: «فإنَّه مَنْ يَعش بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المَهديين مِنْ بعدي؛ فتَمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١). فأوصى ﷺ بالتمسك وبأشد الحرص على هذا المنهج، ولذلك كتب ودروس مَنْ اتَّبع هذا المنهج مليئة بـ «قال الله، وقال رسوله ﷺ ، وقال السلف الصالح»، وكما قال الأوزاعي: «العلمُ: ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ ، فما كان غير ذلك فليس بعلم»، وكذا قال الإمام أحمد ﵀ (٢). وقال أيضًا: «اصبر نفسك على السُّنَّة، وقِف حيث وَقَف القوم،

стр. 262

وقل بما قالوا، وكُفَّ عما كفوا عنه، واسلك سبيلَ سلفك الصالح، فإنَّه يَسعك ما وَسِعهم» (١). وقيل لأبي حنيفة ﵀: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ قال: «مقالات الفلاسفة، عليكَ بالأثر وطريقة السلف، وإيَّاك وكلَّ محدثة؛ فإنَّها بِدعة» (٢). وكما قال الناظم: وكلُّ خير في اتباع مَنْ سلف … وكل شَرٍّ في ابتداع مَنْ خلف وقال الشافعي ﵀: كلُّ العلوم سِوى القرآن مَشغلة … إلا الحديث وإلا الفقه فِي الدِّين العلم ما كان فيه قَالَ: حدثنا … وما سِوى ذاك وسواس الشياطين (٣) وقد أمرنا الله باتباع هؤلاء السابقين فقال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵁ مْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وحذَّرَ مِنْ مخالفتهم فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾؛ وقال عن الفرقة الناجية من الأمة بعد الاختلاف أنها: «مَنْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٤). فطريقة أهل السنة اتِّباع كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ولا يصدرون في الاعتقاد والقول والعمل إلا عن فهم السلف.

стр. 263

وهذا- بحمد الله- تعالى ما تواصوا به جيلًا بعد جيلٍ، كما قال ابن مسعود ﵁: «إنا نقتدي ولا نَبتدي، ونتَّبع ولا نَبتدع، ولن نضلَّ ما تَمسكنا بالأثر» (١)، أي: لا نبتدأ شيئًا من عندنا، فنحن نقتدي برسول الله ﷺ وأصحابه من بعده، ونتبعهم ولا نبتدع. ومن صفات أهل السنة والجماعة أنهم يقدمون هدي النبي ﷺ على هدي كلِّ أحد، وَلِهَذَا سُمُّوا أَهْلَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَسُمُّوا أَهْلَ الجَمَاعَةِ؛ لأَنَّ الجَمَاعَةَ هِيَ الاِجْتِمَاعُ، وَضِدُّهَا الفُرْقَةُ، وهم بهذه الأصول (الكتاب والسنة والإجماع) يَزنون جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة وظاهرة مما له تعلق بالدين. وَالإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ (أي القرون الثلاثة المفضلة)؛ لأن الاختلاف قد كثر وانتشر في هذه الأمة بعدهم. وهذا الميزان مِنْ نعم الله على أهل السنة، ولذلك تجد هذا المنهج يتسم بالثبات، من أصحاب النبي ﷺ إلى وقت الناس هذا، ويتواصى به أهل السنة، ويوصون به من بعدهم، فهو منهج ثابت مهما مرت السنون، وصاحب السُّنَّة في المشرق شأنه كصاحب السنة في المغرب، فأنت تقرأ لابن تيمية كما تقرأ لابن عبد البر، وكما تقرأ للبخاري ومسلم، فالقول واحد لم يختلف ولم يتغير؛ لأن الأصل واحد، والمنهج واحد، مع اختلاف الأزمان، ومع اختلاف الأماكن، مع أنه في ذلك الزمان لم يكن بين هؤلاء وسيلة اتصال، ومع ذلك مَنْ هو في المشرق كمَن هو في المغرب. وكذلك أهل السنة في المشرق مثل أهل السنة في المغرب

стр. 264

ومثل أهل السنة في الهند، فقولهم واحد مهما اختلف المكان والزمان؛ لاتصاف منهجهم بالثبات. وكذلك اتصف منهجهم باتصال سنده إلى رسول الله ﷺ ، فليس قولًا منبتًّا أو منقطعًا، وما لم يكن في كلام الله ولا في كلام رسوله ﷺ ولا في كلام السلف- فأهل السنة منه بَرَاء. وأمَّا الآخرون فهم يتخبطون، فأسانيدهم منقطعة، ويقرون أن ما كان عليه السلف ليس ما هم عليه، وأن أقوالهم منحصرة في فلان وفلان من الناس، فشتان بين الفريقين!

стр. 265

قال المصنف ﵀: «ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الأُصُولِ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ، وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الحَجِّ وَالجِهَادِ وَالجُمَعِ وَالأَعْيَادِ مَعَ الأُمَرَاءِ أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا، وَيُحَافِظُونَ عَلَى الجمع والجَمَاعَاتِ. وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ للأُمَّةِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «المُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ؛ يَشُدُّ بَعْضَهُ بَعْضًا»، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوْلِهِ ﷺ : «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ». وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ البَلاءِ، وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَالرِّضَا بِمُرِّ القَضَاءِ. وَيَدْعُونَ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». وَيَنْدُبُونَ إِلَى أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ. وَيَأْمُرُونَ بِبِرِّ الوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَحُسْنِ الجِوَارِ، وَالإِحْسِانِ إلَى اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالرِّفْقِ بِالمَمْلُوكِ. وَيَنْهَوْنَ عَنِ الفَخْرِ، وَالخُيَلاءِ، وَالبَغْيِ، وَالاسْتِطَالَةِ عَلَى الخَلقِ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَيَأْمُرُونَ بِمَعَالِي الأَخْلَاقِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسَافِهَا.

стр. 266

وَكُلُّ مَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّمَا هُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَطَرِيقَتُهُمْ هِيَ دِينُ الإسلام الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ . لَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ- ﵌ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ كُلُّهَا فِي النَّار؛ إلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الجَمَاعَةُ. وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ اليَومَ وَأَصْحَابِي»، صَارَ المُتَمَسِّكُونَ بِالإسلام المَحْضِ الخَالِصِ عَنِ الشَّوْبِ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ. وهُم الطَّائفةُ المَنصورةُ الَّذِين قال فيهم النَّبيُّ ﷺ : «لا تَزَالُ طائفةٌ مِنْ أُمَّتِي على الحَقِّ ظاهرين، لا يَضُرُّهم مَنْ خَذَلَهم، ولا مَنْ خَالَفهم حتى تقومَ السَّاعةُ. فَنَسْأَل اللهَ العَظيمَ أن يَجعلنا منهم، وألَّا يُزيغ قُلُوبنا بعد إذ هَدَانا، وأن يَهِب لنا من لُدنه رَحمة؛ إنَّه هو الوَهَّاب، واللهُ أَعْلَم. والحمدُ لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على محمَّدٍ وآلِه وصَحْبه وسَلَّم تسليمًا كثيرًا». الشرح عُرِف مجتمع أهل السنة بأنه مجتمع صدق وبِر واستقامة، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقيم الحج والجهاد والجمع والأعياد، ويرون أنَّ ذلك يُقام مع الأمراء؛ سواء كانوا أبرارًا أو فُجَّارًا. فشعائر الإسلام- بحمد الله- قائمة ظاهرة في مجتمع أهل السنة، وهذا من فضل الله عليهم، ثم باتباعهم سنة النبي ﷺ ؛

стр. 267

فالمساجد ليست مهجورة، وحِلق الذِّكر عامرة، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر أمر قائم بفضل الله، وهكذا كل من يعيش في كَنَفهم أو يكون قريبًا منهم يجد هذا الفارق العظيم بينهم وبين أهل البدع؛ فتراهم- بحمد الله- مِنْ خيرة الناس خُلُقًا، ومِن خيرة الناس سيرة، ومن خيرة الناس فضلًا وكرمًا وإحسانًا إلى الجار وإحسانًا إلى الفقير والمحتاج، ونحو ذلك. وكذلك تراهم متواضعين مبتعدين عن الفخر والخيلاء، ويتواصون بهذا، ومن حاد من أفرادهم عن هذا الحقِّ قُوبل بالنصح والتوجيه. وترى الواحد من علمائهم لا تعرف أنه عالم؛ لأنه ليس عليه مِنْ مَظهر أو حب الشهرة ما تراه على أهل البدع من تَعَمُّمٍ معين، ولبس مُعَيَّن يتميزون به عن الناس. وكذلك تراهم متشابهين لا تعرف غنيهم من فقيرهم، فما تجد أحدًا منهم متباهيًا مختالًا يكسر نفس الفقير. ومجتمعاتهم مجتمعات الخير والأمن، وحسن الخلق قائم، وحفظ القرآن والسنة بحمد الله قائم، والمساجد عامرة بالصلوات الخمس، وبالدروس العلمية والجمع والأعياد. وكمثال يفرق بين أهل السنة والمبتدعة: تجد في مواسم الحج والعمرة أنَّ أهل السنة يتجهون وقت الصلاة إلى المسجد الحرام وإلى مسجد النبي ﷺ ، وأمَّا أهل البدع فتراهم يتسكعون في الشوارع ويقضون هذه الأوقات في الأسواق، فالناس مقبلة على الصلاة وهم باتجاه معاكس أدبروا عن هذا النداء؛ فشتان بين حال أهل السنة وحال غيرهم!

стр. 268

وأهل السنة يحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، فهم أعرف الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق، فإذا عاش بعض أهل البدع في مجتمعات أهل السنة لا يجدون عند أهل السنة شططًا ولا إجحافًا معهم، بل يبتعدون عن أذاهم أو ظلمهم؛ لأن الله حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرمًا. وإن تصرف بعض أفراد أهل السنة تصرفًا خاطئًا فذلك يعود إلى فعله، وليس الأمر دينًا أو عقيدة يدين بها أهل هذه المجتمعات. وعلى العكس انظر كيف يتعامل أهل البدع في بلادهم مع أهل السنة؟! كيف يؤذونهم ويضطهدونهم بل ويقتلونهم؟! وأهل السنة يحققون ما أمر به النبي ﷺ حيث أمر بالتراحم، ولذلك تجد أن أعمالهم في الخير عمَّت بلاد المسلمين جميعًا؛ فبنوا المساجد وحفروا الآبار؛ فتجد صاحب السنة (رجلًا كان أو امرأة) له مسجد في الصين وله مسجد في أقصى أفريقيا، وله مسجد في كل مكان، وله بئر هنا وبئر هناك، وله دار أيتام هنا، وله دار أيتام هناك، ويَكفلون آلاف الناس الذين لا يعرفونهم، وينفقون عليهم الأموال الطائلة؛ نشرًا للدين بينهم، ورحمةً بهم، وتأليفًا لقلوبهم، ومساعدة وعونًا لهم في الابتلاءات المختلفة. وليس بين هذا المسلم المنفق وبين غيره من إخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلا وشيجة هذا الدين التي تجعله يكفل أيتام المسلمين، ويقوم برعايتهم وتعليمهم، وهناك رجال نذروا أنفسهم لهذا العمل؛ فنشروا هذا الخير شرقًا وغربًا، وهذا تحقيق لقول النبي ﷺ : «مَثَلُ المُؤمنين في توادِّهم، وتَرَاحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عُضو تَدَاعى له سائر الجسد بالسَّهر

стр. 269

والحُمَّى» (١)، ولقوله ﷺ : «المُؤمن للمؤمن كالبُنيان يشدُّ بعضه بعضًا» (٢). فيحققون هذا ويقومون به- بحمد الله- خير قيام. وصاحب السنة في السراء شاكر لربه نعمه، وفي حال المصيبة صابر محتسب؛ فلا سخط ولا لطم للخدود ولا شق للجيوب، ولا دعاء بدعوى الجاهلية. وليس هناك- بحمد الله- من نائحة تنوح عند جنائز أهل السنة، ولا يصحبها شيء من البدع، وإنما يُغَسِّلون موتاهم ويكفنونهم ويصلون عليهم كما جاءت بذلك السنة. وكذلك ليس عندهم قبور تُشَيَّدُ، ولا سرادقات لعزاء تُقام، ولا اجتماع لأربعين، ولا لسنوية، ولا غير ذلك، وإنما يكتفى بما جاءت به السُّنَّة المشرفة. فانظر إلى حال أهل السنة وحال أهل البدع؛ لتعرف نعمة الله على أهل السنة؛ فهم في السراء شاكرون، وفي الضرَّاء صابرون، ويتواصون ويتناصحون بأن لله يبتلي بالسراء والضراء؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، أي: ليس النعمة إكرامًا، وليس التقدير إهانة، وإنما الكلُّ ابتلاء، قال ﷻ : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]. فصاحب السنة يعلم أنَّ ما هو فيه إنما هو ابتلاء؛ سواء كان رخاء أم شدة، وسواء كان غنى أم فقرًا، فنحن نشكر الله على نعمه،

стр. 270

ومن شكر النعم أداء ما افترض الله على العبد في هذا الحق؛ سواء كان مالًا أو صحة أو ولدًا. فمن شكر نعمة الأولاد: أن يحسن الوالدن تربيتهم، وأن يحرصوا على تعليمهم أمور الصلاة، وتعليمهم فرائض الإسلام؛ لكي ينشأوا مستقيمين على شرع الله، فينتشر الخير في المجتمع. وكذلك أهل السنة يقومون بالدعوة إلى الله، والحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والنبي ﷺ قال: «إنَّما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١)، وقال ﷺ : «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا» (٢)، وقد أمر الله نبيه ﷺ باللين والعفو فقال جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وأمر ﷺ بصلة الرِّحم، والصدق في المعاملة وحُسن الجوار حتى مع الكافر. وكان من أخلاقه ﷺ الرفق بالخدم وبكل مَنْ تحت يدك، يقول أنس ﵁: «خدمتُ النبيَّ ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أُف، ولا: لِمَ صنعتَ؟ ولا: أَلَا صنعتَ؟» (٣). وأهل السنة في وعظهم وإرشادهم يأمرون بالاقتداء بالنبي ﷺ والإحسان إلى الخلق، والرفق بالخَدَم والضعفاء، والنهي عن الفخر

стр. 271

والخيلاء والاستطالة على الناس، ويسعون في قضاء مصالحهم. وأهل السنة فيهم الصديقون والشهداء والصالحون، والعلماء العاملون، وكم تركوا من آثار علمية تتزود منها الأمة، وتغترف منها. فأهل السنة هم خير الأمة، وهم الطائفة المنصورة الباقية والظاهرة إلى يوم القيامة. نسأل الله أن يجعلنا من هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. اللهم يا مقلب القلوب ثَبَّت قلوبنا على هذه العقيدة الصحيحة، واجعلنا من الملتزمين بها علمًا وعملًا، وأَحْيِنا على ذلك غير مبدلين ولا فاتنين ولا مفتونين، ولا تَقبضنا إلا وأنت راض عنا .. آمين.