← Общие книги

Общие книги · id 10056

تدريب الدعاة على الأساليب البيانية

عبد الرب نواب الدين

Полный текст (118 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فلا جرم أن إعداد الدعاة جزء أساس من الواجبات المنوطة بالأمة الإسلامية، فهي أمة دعوة وجهاد، تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلوْ آمَنَ أَهْل الكِتَابِ لكَانَ خَيْرًا لهُمْ مِنْهُمْ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الفَاسِقُونَ﴾ (١) ولا شك أن الدعوة إلى الله تعالى لا تصح ولا تتم إلا إذا أديت على الوجه الشرعي وتحقق في الدعاة المؤهلات العلمية والخُلقية والنفسية المتوخاة لأن الدعوة لا تصح إلا على بصيرة قال تعالى: ﴿قُل هَذِهِ سَبِيلي أَدْعُو إِلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنْ المُشْرِكِينَ﴾ (٢) . والبصيرة هي: الحق واليقين والعلم (٣) وإعداد الدعاة يشمل ذلك كله، وقد ورد في القرآن العظيم ما يدل على أن (إعداد الدعاة) بكل صور الإعداد من الواجبات الشرعية والمطالب الحياتية والضرورات الحضارية كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ ليَنفِرُوا كَافَّةً فَلوْلا نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ

стр. 2

وَليُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِليْهِمْ لعَلهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١) فالإعداد الجهادي الحربي يواكب ويضارع في فضله الإعداد الفقهي والإعداد البياني، وينبغي أن لا تخلو الأمة الإسلامية من طائفتين هما ركيزتا المجتمع: المجاهدون والدعاة بكل مؤهلاتهم وخصائصهم ومقوماتهم، فالمجاهدون في سبيل الله يدافعون عن العقيدة وينافحون عن العرض والأرض ويستخرجون حقوق المستضعفين المضطهدين، والدعاة يتفقهون في الدين ومن ثم يدعون إلى الله تعالى ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على نور وبصيرة. قال الإمام أبو السعود في الآية الشريفة: ﴿ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ أي يتكلفوا الفقه فيه ويتجشموا مشاق تحصيلها ﴿وَليُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي: وليجعلوا غاية سعيهم ومرمى غرضهم من ذلك إرشاد القوم وإنذارهم ﴿إِذَا رَجَعُوا إِليْهِمْ﴾ وتخصيصه بالذكر لأنه أهم، وفيه دليل على أن التفقه في الدين من فروض الكفاية، وأن يكون غرض المتعلم الاستقامة والإقامة، لا الترفع على العباد والتبسط في البلاد (٢) والتفقه في الدين ينتظم فيما ينتظمه (إعداد الدعاة) وهو باب واسع يشتمل على جوانب متعددة ومسالك متنوعة ومراحل مختلفة منها: الإعداد العلمي، والإعداد التربوي، والإعداد النفسي الروحي، والإعداد الخُلقي، والإعداد البلاغي والإعلامي، كما أن آلية الإعداد تختلف باختلاف النوع، وهي ما تسمى بمسميات متنوعة منها التطبيق والتدريب والممارسة والتجريب والتعويد والتربية والتوظيف وكل أولئك من فقه واجبات الدعاة. ولعل من أجل المضامين العالية والمطالب السَّنِية في إعداد الدعاة (الإعداد

стр. 3

المتعلق بسمة التبليغ والبيان والأداء) ويمكن تسميته بالإعداد البياني التعبيري، وسبيله بعد التحصيل العلمي الشرعي: الممارسة والأداء، فبالممارسة والتدريب تصقل المواهب الخطابية وتقوى العارضة البيانية وتتهذب العبارة وتنجلي الأخلاق الفاضلة، وبالتطبيق العملي يتعرف الداعية على مكامن التأثير ويتمكن من بلاغة التعبير. فالخطابة - مثلا - موهبة وعلم، لا تنجلي هذه الموهبة والملكة ولا تتكشف ولا تُكتشف إلا بالتدرب والتمرس، فقد يكون الإنسان خطيبا موهوبا مُمكّنا من الإمساك بأزمة البيان أوتي فصل الخطاب لكن ملكته تلك هامدة خامدة لم يثرها عامل ولا حركها فاعل! .. وقد تغشى النفس مشكلات معقدة مُشغلة تحول بينها وبين بروز ملكاتها التعبيرية الإبداعية فترى المرء بليد الحس ركيك الكلام خامد الفكر هدته المشكلات هداً فإذا ما حُلت مشكلاته وفُكت عقده انقلب أسدا هصورا وخطيبا مصقعا لا يشق له غبار ولا يخمد له أوار! .. وقد يكون الإنسان خطيبا في بني قومه وبين عشيرته وأهل لسانه وملته لا تتجاوز بلاغته حدودهم ولا تعدو منازلهم لتوافر العوامل التي أبرزت فيه هذا الجانب..وهكذا، فلا تبرز قدراته التعبيرية وملكاته الخطابية الجدلية إلا حين يتهيأ لها سبيل البروز، فالتدريب العملي والتطبيق الميداني مجال رحب لتفتيق المواهب وترسيخ القدرات وصقلها وتهذيبها نحو الرشد والسداد. أضف إلى ذلك أن عصرنا عصر الإعلام المقنن والموجه، تتسارع فيه فنون الخطاب والإعلام فتغطي مساحات واسعة من حياتنا على نحو لم يكن معهودا من قبل، وهذا يستدعي أن يكون الدعاة على معرفة واسعة ودقيقة بكل فنون والاتصال كالخطابة والحوار والمناظرة وإدارة الندوات وغيرها مما يجده القارئ في هذا البحث. وحبذا أن يتوافق ويتسهل مع الدراسة النظرية: التطبيق العملي والممارسة

стр. 4

الفعلية للخطابة وغيرها من ضروب البيان في المجالات المناسبة كالمساجد والمنتديات وبعض الأسواق ونحو ذلك، لتسير النظرية والتطبيق في خطين متوازيين ولكي تتحقق للطالب الداعية إلى جانب الدراسة النظرية الممارسة العملية على الوجه الأتم الأكمل. وقد ارتكز البحث في هذه الصفحات على محورين رئيسين: المحور الخطابي ويشمل المحاور الرئيسة للخطابة من حيث الأنواع والأجزاء وطرق الإعداد والإلقاء وصفات الخطيب وعيوبه، والمحور الإعلامي ويشمل الندوة والإذاعة والراي، وفي غضون هذين المحورين ترد المرتكزات الأساسية للمواقف التعبيرية البيانية للداعية. وتضمنت خطة البحث الفصول التالية: الفصل الأول (مفهوم التدريب وأهميته وخصائصه) وفيه مبحثان: المبحث الأول: مفهوم التدريب وأهميته. المبحث الثاني: خصائص التدريب البياني. الفصل الثاني (التدريب على الخطابة) وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف الخطابة وبيان خصائص الأسلوب الخطابي المبحث الثاني: مسالك التدريب على الخطابة الفصل الثالث (التدريب على الندوة) وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف الندوة وأنواعها ومحاورها العامة المبحث الثاني: مسالك التدريب على إقامة الندوات. الفصل الرابع (التدريب على الكلمة الإذاعية) وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مقدمة عن الإعلام وخصائصه ووسائله ووظائفه.

стр. 5

المبحث الثاني: تعريف الإذاعة، وخصائصها المبحث الثالث: مسالك التدريب على الكلمات الإذاعية. الفصل الخامس (التدريب على الكلمة المرئية) وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف الراي، خصائصه، نبذة عن بعض الأحكام المتعلقة به المبحث الثاني: مسالك التدريب على الكلمات المرئية الخاتمة. وقد حرصت في كتابي هذا على تقديم المعلومة الموثقة في تركيز وتلخيص، وكنت حثيثا على تتبع واستيفاء معالم الموضوع الأساسية، على ما هو المتوخى في الأبحاث العلمية ولأن تتبع المسائل الفرعية والإيغال فيها والإكثار من الاستطراد يضخم المادة وقد يذهب برونق البحث وبهائه ويقلل من قيمته الإبداعية. وقد أطلت الحديث في الفصل الثاني وهو في: (التدريب على الخطابة) لأنه تضمن أسسا ومرتكزات عامة ينبني عليها ما تلاها من فصول. وفي منهج البحث تتبعت النصوص المنقولة فأثبتها كما هي من مظانها ومصادرها لا سيما الأحاديث النبوية الشريفة، ورمزت في الحواشي في عزو الأحاديث إلى الصحاح الستة ومسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك بالرموز الآتية: (خ) صحيح البخاري طبعة فتح الباري المطبعة السلفية، (م) صحيح مسلم ترقيم محمد عبد الباقي، (د) سنن أبي داود ترقيم الموسوعة الالكترونية (صخر) ، (ت) سنن الترمذي ترقيم أحمد شاكر، (ما) سنن ابن ماجة ترقيم محمد عبد الباقي، (ط) موطأ الإمام مالك ترقيم الموسوعة الإلكترونية صخر، (أحمد) مسند الإمام أحمد ترقيم الموسوعة الإلكترونية صخر. وذكرت إثر كل رمز اسم الكتاب من المرجع الحديثي ورقم الحديث وذلك للاختصار وتحرير

стр. 6

الحواشي من ثقل الإطالة والتكرار، وعلى سبيل المثال فإذا قلت [خ: المغازي (٤٠٠١) ] فإنني أعني: رواه البخاري في كتاب المغازي حديث رقم (٤٠٠١) وهكذا في بقية الكتب الحديثية الأخرى.. وفيما عدا الكتب التسعة الآنفة فإني أذكرها باسمها دون رمز لقلة الإحالة إليها. والتزمتُ بطبعة واحدة في كل المراجع التي أحلت إليها، التزاما مني بمنهج البحث المتعارف عليه. وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يكرم هذا العمل بالقبول، وأن يعفو عن التقصير والقصور، وأن يلهم الكاتب والقراء الصواب والسداد، وأن يجزل للجميع المثوبة، له سبحانه الفضل والحمد ظاهرا وباطنا وسرا وعلانية وأولا وآخر، وهو الحكيم الخبير. وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين.

стр. 7

الفصل الأول: مفهوم التدريب وأهميته وخصائصه المبحث الأول: مفهوم التدريب وأهميته التدريب في اللغة: التدريب على وزن تفعيل من دَرِبَ بالأمر دَرَباً ودُرْبة، وتدرّب: ضَرِيَ ودرّبه به وعليه وفيه: ضَرّاهُ. والمدرَّب من الرجال: المجرّب.. والمدرّب: الذي قد أصابته البلايا ودربته الشدائد حتى قوي ومرن عليها. والدُّربة: الضراوة، والدُّربة: عادة وجرأة على الحرب وكل أمر. وقد درب بالشيء يدرُب ودرب به إذا اعتاده وضري به، تقول: ما زلت أعفو عن فلان حتى اتخذها دربة.. والدارب: الحاذق بصناعته (١) ومن هذه المعاني والمرادفات اللغوية يتبين أن التدريب يكون بمعنى التعويد والحذق والتمرين، بحيث يتأهل المتدرب ويتعرف على ما هو بصدده ليكون فيما يتدرب فيه حاذقا متقنا متمرسا خبيرا، بحيث يعرف دقائق صناعته وأسرارها ويعرف مع ذلك كيف يستفيد من ملكاته وقدراته بدقة وإحكام. والتدريب العملي اصطلاحا: يتطابق مفهومه مع التعريف اللغوي، لأن التّدرُّب والتعوّد والتمرّس والوقوف على أسرار الصناعة والولوع بها والنبوغ فيها من مقتضيات التدريب ولوازمه ومعانيه، ورُكبت الجملة من كلمتين هكذا: (التدريب العملي) لتعطي دلالات على الجانب التطبيقي الميداني الذي ينتهجه المتدرب بعد الوقوف على

стр. 8

الجانب النظري فيطبق عمليا ما يدرسه نظريا، فيسير التنظير والتدريب في خطين متواكبين متوازيين. وعليه فمن التعريفات الاصطلاحية لتدريب الدعاة إلى الله: (القيام بأنماط التعبير المشروعة لتبليغ الدين وإيصال الحق) . و (التمرس على أشكال التعبير البياني لتبليغ الدين الحق) . و (تجلية المواقف التعبيرية للداعية) . و (صقل المهارات الكلامية والقدرات البيانية) . وهذه التعاريف متقاربة تبرز المعنى المتوخى المراد، وتتضمن العناصر الرئيسة الثلاثة: ١- التدرب وبذل الجهد فيه. ٢- كون التدرب في شكل واحد وهو البيان التعبيري الكلامي. ٣- توخي المقصد من ذلك وهو تبليغ الحق للخلق وبه ينوي الداعية الخير فيؤجر. ويمكن تلخيصها في ثلاث كلمات: ممارسة البيان للتبليغ. هذا وللتدريب العملي في حياة الدعاة مفهومان: المفهوم الأول منصب نحو المناهج والخطط وجملة الوسائل والأساليب التي يتدرب عليها الداعية ويتمرس، كالوعظ والتذكير والتدرب على ذلك إما مشافهة أو من خلال وسائل الإعلام المختلفة، ومعرفة مواقع الكلام ووقفاته وسكتاته وتخير ألفاظه، وأيضا تأليف الكتب والنشرات وإقامة معارض الكتاب، وتأسيس وبناء دور الرعاية الاجتماعية والمعاهد العلمية، ومعرفة أولويات الدعوة ... إلى آخر متعلقات المناهج والخطط، وهذا مفهوم عام وليس هو

стр. 9

المقصود بالدراسة في هذه المادة. إذ يدرسها طلاب الدراسات العليا في مادة (مناهج الدعوة) . المفهوم الثاني: الأساليب البيانية خاصة، أي التي تعتمد على جارحة اللسان والبيان، كالخطابة والحوار والجدال والحديث الإذاعي وندوة الرائي، والصور التعبيرية المتنوعة، وغيرها من ضروب وألوان البيان والكلام، وهذا المفهوم هو المعني في هذا الكتاب. والتدريب باعتباره فناً يتخذ مفاهيم أخر بحسب كل مجال وتخصص، فهناك التدريب الخطابي البياني، وهناك التدريب الإعلامي الصحفي، وهناك التدريب الإعلامي الإذاعي، وهناك التدريب على صور الحوار.. أهمية التدريب الميداني في عمل الدعاة: ليس أدل على أهمية التدريب العملي (البياني) في إعداد الدعاة من كتاب الله تعالى وسنة النبي ﷺ وسيرته المباركة، يتضح ذلك من خلال ما يأتي: (أ) ورود مبادئ للصيغ البيانية في القرآن الكريم: ولا غرو فالقرآن الكريم كله بيان وهدى للناس، بل هو قمة البيان وذروة البلاغة، وحسبنا في هذا المقام الإشارة إلى قبسات من ذلك، فمن ذلك: - تضافر الكثير من الآيات على سوق الأدلة على قضايا الإيمان وتصديرها بقوله (قل) بصيغة الأمر المشعرة بأن الداعية ينبغي أن يصدع بالحق وأن يتخذ من القول المبين والحجة البالغة منهاجا وغاية، كما في قوله تعالى: ﴿قُل أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَليًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُل إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّل مَنْ

стр. 10

أَسْلمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ قُل إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُل أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُل اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِليَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلغَ أَئِنَّكُمْ لتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلهَةً أُخْرَى قُل لا أَشْهَدُ قُل إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (١) وتأمل أيضا ﴿قُل مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل اللهُ قُل أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْليَاءَ لا يَمْلكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُل هَل يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ أَمْ هَل تَسْتَوِي الظُّلمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلوا للهِ شُرَكَاءَ خَلقُوا كَخَلقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلقُ عَليْهِمْ قُل اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ (٢) ونجد فعل الأمر: (قل) وردت (٣٤٣) مرة في القرآن الكريم من تأملها وسبر غورها وصنف مضامينها وتدبر مقول القول: وقف على منهاج متكامل في صيغ البيان وطرائق الأداء ومسالك إقامة الحجة في إحقاق الحق ودحض الباطل، وهذا لون رفيع من بلاغة القرآن يتضمن التوجيه إلى ما ينبغي أن يكون عليه الداعية من قوة العارضة والتمرس على صيغ الخطاب. - وقد يأتي الأسلوب القرآني الجليل على شكل تعليم الحوار وعلى غرار (إن قالوا كذا فقل كذا) وهي صورة من التدريب على القول ومثاله قوله تعالى: ﴿وَقَالوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لمَبْعُوثُونَ خَلقًا جَدِيدًا * قُل كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُل الذِي فَطَرَكُمْ أَوَّل مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِليْكَ

стр. 11

رُءُوسَهُمْ وَيَقُولونَ مَتَى هُوَ قُل عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (١) وهذا يتضمن فيما يتضمنه التوجيه بتعلم صيغ الجدال والحوار ومعرفة متى يتكلم الداعية وكيف وبماذا.. مما هو من مؤهلات الدعاة ومقوماتهم الخطابية. (ب) اتخاذه ﷺ الخطابة أسلوباً في الدعوة: لقد اتخذ النبي ﵊ من الخطابة أسلوبا عمليا مباشراً في إيصال دعوته وأداء برسالته سواء خطبه الراتبة أيام الجمعة أو خطبه العارضة في النوازل وغيرها، فعامة الأحاديث النبوية القولية هي في حقيقتها مقاطع من خطبه البيانية الوعظية. لقد كان أصحابه يرونه ويعاينونه وهو يخطب بين أظهرهم ولننقل لمحة عن هدي النبي الكريم ﷺ في خطبه مما سطره يراع الإمام ابن القيم رحمه لله تعالى قال: ((فصل في هديه ﷺ في خطبته: خطب ﷺ على الأرض وعلى المنبر وعلى البعير وعلى الناقة، وكان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكان لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، وأما قول كثير من الفقهاء إنه يُفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيه سنة عن النبي ﷺ البتة، وسنته تقتضي خلافه وهو افتتاح جميع الخطب

стр. 12

بالحمد لله وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد وهو اختيار شيخنا قدس الله سره. وكان يخطب قائما، وفي مراسيل عطاء وغيره أنه ﷺ كان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس ثم قال السلام عليكم، قال الشعبي وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك وكان يختم خطبته بالاستغفار. وكان كثيراً ما يخطب بالقرآن، وفي صحيح مسلم عن أم هشام بنت حارثة ﵂ قالت: «ما أخذت ﴿ق وَالقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» (١) وذكر أبو داود عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد قال: «الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا» وقال أبو داود عن يونس أنه سأل ابن شهاب عن تشهد رسول الله ﷺ يوم الجمعة فذكر نحو هذا إلا أنه قال: "ومن يعصهما فقد غوى" (٢) وقال ابن شهاب: وبلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا خطب: "كل ما هو آت قريب لا بعد لما هو آت ولا يعجل الله لعجلة أحد يريد الله شيئا ويريد الناس شيئا ما شاء الله كان ولو كره الناس ولا مبعد لما قرب الله ولا مقرب لما بعد الله ولا يكون شيء إلا بإذن الله".

стр. 13

وكان مدار خطبه ﷺ على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده وتعليم قواعد الإسلام وذكر الجنة والنار والمعاد والأمر بتقوى الله وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه فعلى هذا كان مدار خطبه. وكان يقول في خطبه: "أيها الناس إنكم لن تطيقوا أو لن تفعلوا كل ما أمرتم به ولكن سددوا وأبشروا" (١) وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم ولم يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة ويذكر فيها نفسه باسمه العلم، وثبت عنه أنه قال: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" (٢) ولم يكن له شاويش يخرج بين يديه إذا خرج من حجرته ولم يكن يلبس لباس الخطباء اليوم لا طرحة ولا زيقا واسعا، وكان منبره ثلاث درجات فإذا استوى عليه واستقبل الناس أخذ المؤذن في الأذان فقط ولم يقل شيئا قبله ولا بعده فإذا أخذ في الخطبة لم يرفع أحد صوته بشيء البتة لا مؤذن ولا غيره. وكان إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر، كذا ذكره عنه أبو داود عن ابن شهاب وكان الخلفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك وكان أحيانا يتوكأ على قوس ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف وكثير من الجهلة يظن أنه كان يمسك السيف على المنبر إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف وهذا جهل قبيح من وجهين أحدهما أن المحفوظ أنه ﷺ توكأ على العصا وعلى القوس، الثاني: أن الدين إنما قام بالوحي وأما

стр. 14

السيف فلمحق أهل الضلال والشرك ومدينة النبي صلى الله عيه وسلم التي كان يخطب فيها إنما فتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف. وكان إذا عرض له في خطبته عارض اشتغل به ثم رجع إلى خطبته، وكان يخطب فجاء الحسن والحسين يعثران في قميصين أحمرين فقطع كلامه فنَزل فحملهما ثم عاد إلى منبره ثم قال: صدق الله العظيم ﴿إِنَّمَا أَمْوَالكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١) رأيت هذين يعثران في قميصيهما فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما، وجاء سليك الغطفاني وهو يخطب فجلس فقال له: «قم يا سليك فاركع ركعتين وتجوز فيهما» ثم قال وهو على المنبر: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" (٢) وكان يقصر خطبته أحيانا ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة وكان يخطب النساء على حدة في الأعياد ويحرضهن على الصدقة. والله أعلم)) (٣) وفي هذه اللمحة عن الخطابة النبوية يتبين لنا أهم أسس الخطابة وصفات الخطيب والمعايير التي ينبغي أن تراعى في الخطيب البارع والخطابة البليغة. (ج) تقويمه الخطباء وتصويبه لأخطائهم: لقد كانت الخطباء تخطب بين يديه، سواء كانوا من خطباء المجتمع المدني أو من خطباء الوفود القادمة من مختلف أنحاء الجزيرة العربية بعد الهجرة، وممن

стр. 15

اشتهر من الخطباء في ذلك العهد الميمون ثابت بن قيس ﵁ الذي خطب مقدم النبي ﷺ المدينة وكان يجيب بخطبه على خطباء الوفود التي كانت تقدم المدينة. ومن الأمثلة على تقويمه للخطباء وتعليمهم مواضع القول حديث عدي ابن حاتم ﵁: أن خطيبا خطب عند النبي ﷺ فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى قال: «قم أو اذهب فبئس الخطيب أنت» وفي رواية أخرى عنه قال: تشهّد رجلان عند النبي ﷺ فقال أحدهما من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله" (١) فهو هنا ﵊ أنكر عليه تشريكه مع الله في المعصية فقد قال: ((ومن يعصهما)) ولم يقل ومن يعص الله ورسوله، وهذا درس في التوحيد بليغ. ولقد كان ﷺ يستمع إلى خطيب الأنصار كثابت بن قيس بن الشماس وإلى شعرائهم، وكانت خطباء الوفود تخطب بين يديه فيستمع ويعلم ويوجه. (د) تربيته صلوات الله عليه أصحابه على أساليب البيان: كان يتعهدهم ويوجههم ويصوّب من أخطأ منهم حتى في الدقائق التي قد تخفى على كثيرين، لاسيما ما يمس جناب التوحيد والعقيدة، وكان ذلك شاملا لكل الأشكال التعبيرية البيانية من خطابة وحوار وجدال ... لذا برز عدد غير قليل من الصحابة ﵃ في الخطابة الحوار والجدال وجمعوا في هذه العلوم خصائصها ودقائقها على نحو قل مثيله.

стр. 16

ومن تأمل خطب هؤلاء الأماجد ﵃ يجد أنها مليئة بالمعالم العقدية والأسس الإيمانية والخصائص الخطابية والمقاصد السنية وهذا كله لم يأت من فراغ، ولولا أنه ﷺ كان يتعهدهم ويربيهم على ذلك ما كان لهم أن يحققوه، ومن خُطب الصحابة ﵃ الذين تبؤوا المكانة السنية في التدرب البياني ممن رباهم ﷺ على عينه: أ - جعفر ﵁ بين يدي النجاشي (خطبةً وحواراً) . ب- مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم ﵄ (تعليما وإقراءً) ج- معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري ﵄ (تعليما وإقراءً وإفتاءً) . د- عبد الله بن مسعود ﵁ (تعليما ووعظاً) هـ- عبد الله بن العباس ﵂ (حواراً وجدالاً) وإليك مقتبسات مختصرة من سير كل واحد من هؤلاء الأماجد والأسلوب البياني التعبيري الذي سلكه: أ - جعفر بين يدي النجاشي: تروي القصة أم المؤمنين أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي ﷺ بعد أن ساقت أحداث القصة قالت قال سفيرا قريش للنجاشي: ((أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه)) [وذكرت أحداث القصة] قالت فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له أيها الملك: ((كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام

стр. 17

ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قال فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك)) قالت فقال له النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شيء قالت فقال له جعفر نعم فقال له النجاشي فاقرأه علي فقرأ عليه صدرا من سورة ﴿كهيعص﴾ قالت فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال النجاشي: ((إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد)) (١) ومن هذه القصة يتبين كيف أن الكلمة الهادفة البناءة والحوار الصّيّب الحكيم كان سببا قويا بعد توفيق الله تعالى في صد كيد الأعداء وصيانة مصالح

стр. 18

المسلمين وإقامة الحجة والبرهان على المنكرين والمتشككين، ولقد كان جعفر ﵁ موفقا في خطابه وفي حواره. عارفا بمسالك الكلام ومكامن الحوار، ولا جرم أنه لم يكن بتلك المثابة من الحكمة والحنكة إلا بعد أن تعلم ذلك من النبي ﷺ وتفقه فيه على يديه. ب- مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم ﵄: لقد بعثهما النبي الكريم ﷺ إلى المدينة داعيين معلمين مقرئَين، ولم يكن اختياره ﵊ إلا بعد تأهلهما لهذه المهمة التربوية الإعلامية الجليلة تأهلا صقلته التجربة والممارسة والتربية على عينيه ﷺ ، قال البراء بن عازب ﵄: «أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ ثم قدم النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن قدم رسول الله ﷺ فما قدم حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور من المفصل» (١) ففي هذا الحديث أن مصعبا وعبد الله كانت مهمتهما إقراء الأنصار القرآن وللقرآن كما هو معروف تأثيره النافذ من خلال قوته البيانية وما اشتمل عليه من إعجاز، والقرآن العظيم أجل ما اشتغل به الدعاة تعلما وتعليما وتلقيا وأداءً ج - دعوة معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لأهل اليمن: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما

стр. 19

بعث معاذا ﵁ على اليمن قال: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس» (١) وتأمل كيف وجهه النبي ﷺ وهو يعلمه طرائق الدعوة ومنهجها إذ عرفه أولا بالمدعوين الذين سيدعوهم، وبين له بعد ذلك مراتب الدعوة وأولوياتها، ولم يكن اختيار النبي ﷺ لمعاذ ﵁ إلا لتأهله ومكنته في مجال ما بعث إليه. فهو يجمع بين فقه المفتي الأريب وفقه الداعية الحصيف، ومعاذ من فقهاء الصحابة وقرائهم ودعاتهم ﵁. د - عبد الله بن مسعود ﵁: لعبد الله أسلوب عرف به فهو فضلا عن كونه مرجعاً في إقراء القرآن وتفسيره، كما في الحديث الشريف: "استقرؤا القرآن من أربعة من ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل" (٢) نجده أيضا خطيبا مفوها وواعظا حكيما، فمن منهج ابن مسعود أنه كان يتحرى الوقت المناسب للوعظ والتعليم يستجلب بذلك في المستمعين والمتعلمين الاستيعاب ويدرأ عنهم السأم والملل، يدل على ذلك ما رواه شقيق أبي وائل قال كان عبد الله يذكرنا كل يوم خميس فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: «ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم إن رسول

стр. 20

الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا» (١) وكان عبد الله من المكثرين من ملازمة النبي ﷺ حتى يظنه من لا يعرفه أنه من أهل البيت من كثرة دخوله على النبي وملازمته له، وحسبنا في هذا شهادة الصحابي حذيفة ﵁ له قال حذيفة: «إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلاًّ وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُول اللهِ ﷺ لابْنُ أُمِّ عَبْدٍ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلى أَنْ يَرْجِعَ إِليْهِ لا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلهِ إِذَا خَلا» (٢) وهذا الشبه في السمت والهدي بالنبي ﷺ سببه كثرة ملازمته له والأخذ عنه والجلوس بين يديه، ومن جملة ذلك معرفته بأصول الخطابة وخصائصها ومضامينها ومعالمها ومتعلقاتها يشهد لذلك حديث الأسود أنه سمع أبا موسى يقول: «قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حينا ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت رسول الله ﷺ ، مما نرى من دخوله ودخول أمه عليه» (٣) إن هذه الملازمة بهذه المثابة أسلوب تربوي يتحقق معه التعلم والأخذ بطريق القدوة، وهي قدوة يصاحبها حب ورغبة في التشبه والإقتداء، فإذا كان ذلك بدافع الإيمان والتقوى لا لشيء آخر فكيف تراه يكون، وهذا ما كان من عبد الله بن مسعود ﵁ في أخذه من رسول رب العالمين ﷺ ، وفي رواية أخرى عن أبي الأحوص قال كنا في دار أبي موسى مع نفر من

стр. 21

أصحاب عبد الله وهم ينظرون في مصحف فقام عبد الله فقال أبو مسعود ما أعلم رسول الله ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم فقال أبو موسى: «أما لئن قلت ذاك لقد كان يشهد إذا غبنا ويؤذَن إذا حُجبنا» (١) وكل واحد من هؤلاء الأماجد وغيرهم ﵃ جميعا كان يقوم بالدعوة إلى الله بالخطابة تارة وبالموعظة تارة وبالجدال تارة وبالحوار تارة وبالنصح والتذكير تارة. ولولا أنه ﷺ كان يربّيهم على أساليب البيان بالتقويم وبالقدوة والتوجيه ما بلغوا رتبة السفارة ولا تصدوا للدعوة ولا تصدروا الإفتاء، إذ تلك مناصب لا يصلح لها إلا المتكلم البليغ.

стр. 22

المبحث الثاني: خصائص التدرب على أساليب الكلام يتسم الإنسان بسمة النطق والبيان، فهو يعبر بلسانه عما يستجيش في صدره ونفسه، ويحيل المشاعر والأحاسيس المتدفقة في قلبه إلى ألفاظ مفهومة وجمل مسموعة لها دلالاتها اللغوية ومعانيها التعبيرية المتنوعة، فالنطق والبيان من منن الرحمن على بني الإنسان، قال جل وعزّ: ﴿الرَّحْمَانُ * عَلمَ القُرْآنَ * خَلقَ الإِنسَانَ * عَلمَهُ البَيَانَ﴾ (١) أولى خصائص التدرب على أساليب البيان: أنه واجب شرعي يجب على من تقوم فيه وبه الكفاية كالدعاة والمعلمين والوعّاظ والخطباء ونحوهم ممن يتصدون للدعوة ويتصدرونها. وعليه فالتدريب البياني ليس من فضول العلوم، ولقد نوّه الإسلام - وهو دين رسالة ودعوة عالمية - بقيمة العلوم اللسانية على اختلاف أنواعها وتعدد أنماطها من خطابة وجدل وحوار وبيان ووعظ وتذكير ونصح وإقراء وإعلام.. ووجّه إلى توظيف هذه العلوم للخير والرشد والبناء بإخلاص النية فيها لله تعالى، والتأسي بالنبي ﷺ إمام الدعاة وقدوة المربين والمرشدين، وسيد البلغاء والفصحاء. وعلى هذا فإن نشأة العلوم التعبيرية إنما تنبع من صميم الدعوة الإسلامية، إذ بالتعبير والبيان يتحقق التبليغ وتقوم الحجة وتتضح المحجة. ولا صحة لما يذهب إليه بعض الباحثين أن العلوم الكلامية التعبيرية وليدة

стр. 23

الفلسفة الإغريقية واليونانية القديمة، حيث ترعرعت العلوم اللسانية وازدهرت إبان ظهور تلك الفلسفات ثم تبلورت قواعدها وتشكلت أسسها في غضون انبثاق الحضارة اليونانية حتى غدت علوما محددة المعالم واضحة القسمات. وهذا اتجاه نراه كثيرا في كتابات المؤرخين المعاصرين خاصة الذين يرون أن الخطابة والجدل وفنون التعبير والبيان الأخرى هي علوم فلسفية وأنها علوم عقلية راقية. فهذا رأي ليس يخلو من نظر، لأن ازدهار هذا اللون من صور التعبير كالخطابة والجدل في العصر اليوناني لا يعني بالضرورة أنها يونانية المنشأ أو فلسفية النّزعة. والذي تسكن إليه النفس أن هذه العلوم البيانية قديمة قدم البشرية، عرفتها البشرية قبل الحضارة اليونانية بآلاف السنين، فمنذ أن خلق الله تعالى أبا البشر آدم ﵇ علمه الأسماء كلها، قال تعالى: ﴿وَعَلمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلى المَلائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) وخاطبه ﵎ وحاوره وأمره ونهاه كما في قوله تعالى ﴿وَقُلنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالمِينَ﴾ (٢) وألهمه الله تعالى كلمات ليعرف الإنابة إلى الله والتوبة من الذنوب قال تعالى: ﴿فَتَلقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلمَاتٍ فَتَابَ عَليْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) وكان لآدم

стр. 24

وزوجه حواء ﵉ تعبير خاشع منيب وهو لون من علم البيان كما في قوله تعالى ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لمْ تَغْفِرْ لنَا وَتَرْحَمْنَا لنَكُونَنَّ مِنْ الخَاسِرِينَ﴾ (١) ثم تتابعت هذه الأنماط التعبيرية الراقية في كلام آدم على قول من قال بأنه كان نبيا مرسلا وأن رسالته كانت إلى أولاده يأمرهم بأمر الله وينهاهم عن محارم الله، ويعظهم ويبصرهم. وتتابعت من بعد آدم تلك الصور البيانية في رسالات الرسل الذين بعثهم الله من بعده على تباين عصورهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم كنوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعا الصلاة والتسليم. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلنَا منْ رَسُول إلاّ بلسَان قَوْمه ليُبَين لهُمْ فَيُضِل اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ﴾ (٢) فقوله ﴿إِلا بِلسَان قوْمه﴾ أي بلغتهم ليبينوا لهم أمر دينهم، ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم لأن المراد اللغة فهي اسم جنس يقع على القليل والكثير كما يقول الإمام القرطبي (٣) وتأمل كيف تدافعت في دعوة نوح عليه الصلاة والتسليم لقومه كل أشكال التعبير كالجدال والحوار والترغيب والترهيب وإقامة الحجة والبرهان، قال تعالى: ﴿وَلقَدْ أَرْسَلنَا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ*أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَليْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَليمٍ * فَقَال المَلأُ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الذِينَ هُمْ أَرَاذِلنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لكُمْ عَليْنَا مِنْ فَضْل بَل نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ *قَال يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ

стр. 25

كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَليْكُمْ أَنُلزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لهَا كَارِهُونَ * وَيَاقَوْمِ لا أَسْأَلكُمْ عَليْهِ مَالا إِنْ أَجْرِي إِلا عَلى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلونَ * وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَلا أَقُول لكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلا أَعْلمُ الغَيْبَ وَلا أَقُول إِنِّي مَلكٌ وَلا أَقُول للذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لنْ يُؤْتِيَهُمْ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لمِنْ الظَّالمِينَ * قَالوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * قَال إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِليْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١) فالآيات البينات جلت مواقف نوح التعبيرية المتعددة، منها الخطابة والحوار والجدال والترغيب والترهيب والنصح والتذكير، لقد أقام لهم الحجج والبراهين على ما دعاهم إليه، وعلى بطلان ماهم عليه في أسلوب علمي ولغة تتسم بالأدبيات البيانية الراقية، ومع ذلك لم يُقابل إلا بالجحود حتى ﴿قَالوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ﴾ فالخطابة قديمة قدم الرسالات السماوية وكذلك الجدل وسائر الأشكال التعبيرية الأخرى، لأن الخطابة من خصائص الإنسانية، ولكل قوم نمط خطابي به يتفاهمون ويتخاطبون، والتاريخ يحدثنا عن مدارس في الخطابة برزت وازدهرت عند قدماء الفلاسفة في الأمم الغابرة كأفلاطون وأرسطو وغيرهم كذلك ما كان لدى فارس والروم وغيرهم من فلسفات وفنون وكان لها روادها وأساطينها

стр. 26

منهم من خلده التاريخ ومنهم من طواه الغيب.. (ب) ومن خصائص التدرب على البيان أنه من المطالب العالية والمقاصد المنيفة، وإنما تسمو المطالب بسمو النيات والغايات، والمسلمون من أرفع الأمم في البيان بمقتضى رسالة الإسلام التي يحملونها وهي رسالة بيان وبلاغ فهم خير أمة أخرجت للناس، ولحكمة يريدها الله كان العرب قد فاقوا غيرهم من الأمم في قوة البلاغة ونصاعة البيان، تدل عليه الشواهد الآتية: - الإعجاز القرآني: فالله ﵎ تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن فعجزوا قال تعالى: ﴿قُل فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولونَ افْتَرَاهُ قُل فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢) ، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة فعجزوا قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولونَ افْتَرَاهُ قُل فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) وقال في موضع: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلنَا عَلى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لمْ تَفْعَلوا وَلنْ تَفْعَلوا فَاتَّقُوا النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّتْ للكَافِرِينَ﴾ (٤)

стр. 27

وإذا كانت العرب وهم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة والدراية قد عجزوا فإن غيرهم من الأمم أعجز ... فيتقرر حينئذ أن محمدا لم يتقوله ولم يختلقه..) (١) - نبوغ العرب في الشعر والنثر: وهو نبوغ لا مثيل له في ذلك الزمان لدى أية أمة أخرى، ومن الدلائل على ذلك قولهم الشعر وتذوقهم إياه وتداولهم خبر المعلقات السبع المشهورة في مجالسهم ومنتدياتهم، هذا عدا ما كان العرب يفاخرون به من الأشعار في أسواقهم ونواديهم، بحيث كان بيت من الشعر ربما يتسبب في حروب طاحنة وويلات مستحكمة! ولقد كان النبي عليه الصلاة والتسليم يستمع إلى الشعر وينوه بقيمته الأدبية الراقية لا سيما شعر الحكمة كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال قَال النَّبِيُّ ﷺ : "أَصْدَقُ كَلمَةٍ قَالهَا الشَّاعِرُ كَلمَةُ لبِيدٍ أَلا كُل شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِل وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلتِ أَنْ يُسْلمَ" (٢) وفي رواية الإمام أحمد أنه ﷺ كان يستنشد الشعر ويطلبه كما في حديث عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ اسْتَنْشَدَهُ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلتِ قَال فَأَنْشَدَهُ مِائَةَ قَافِيَةٍ فَلمْ أُنْشِدْهُ شَيْئًا إِلا قَال: "إِيهِ إِيهِ"، حَتَّى إِذَا اسْتَفْرَغْتُ مِنْ مِائَةِ قَافِيَةٍ قَال: "كَادَ أَنْ يُسْلمَ" (٣) .

стр. 28

وعن محمد بن سيرين ﵀ قال: كان شعراء أصحاب محمد ﷺ : عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك (١) وهو لم يرد الحصر فلقد كان الشعراء منهم ﵃ أكثر من هذا بكثير مما تواترت به الأخبار سواء من كان قد اشتهر بالشعر أو من كانت تجود قريحته بالأشعار في المناسبات على كثرتها. قال العلامة ابن القيم ﵀: ((فصل في شعرائه وخطبائه ﷺ : كان من شعرائه الذين يذبون عن الإسلام كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكان أشدهم على الكفار حسان بن ثابت وكعب بن مالك يعيرهم بالكفر والشرك وكان خطيبه ثابت بن قيس ابن شماس ﵃ جميعا)) (٢) فهذه الأحاديث والروايات - وهي غيض من فيض - في مجموعها تدل على أنه ﵊ كان يستمع إلى الشعر فيشيد بحسنه ويصوّب خطأه ويحث عليه تعلما وإنشادا بما يُدحَض به الباطل ويظهر الحق كما في حديث البَرَاءِ ﵁ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ لحَسَّانَ ﵁: " اهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيل مَعَكَ" (٣) ولا شك أن هذه الإشادة النبوية الكريمة بالشعر الحر النزيه والشعراء الدعاة إلى الخير، هي إشادة بالكلمة الطيبة البنّاءة، وهي كذلك دفعة قوية لباب عظيم من أبواب الأدب الإسلامي المستبصر. وأما ما ورد في ذم الشعر وأن

стр. 29

الشعراء يتبعهم الغاوون فهو منصب على الأغراض الشعرية الرديئة التي تخرج بالشعر عن معانيه الأدبية الرفيعة. فالشعر ديوان العرب منذ فجر الإسلام تتلاقى فيه آدابهم، وتسجل فيه أيامهم ويخلد تاريخهم فهو سجل حافل لتراثهم وعوائدهم ونمط حياتهم بحسب كل حقبة وجيل. - ورود الحوار والجدل في القرآن الكريم: تضمن القرآن الكريم نماذج قويمة من الجدل والحوار والمناظرة مثل ما جرى بين إبراهيم الخليل ﵇ والطاغية الذي حاجه في ربه وزعم أنه يحيي ويميت، والحوار بين مؤمن آل فرعون وقومه، والحوار بين إبراهيم وأبيه، وبين إبراهيم وقومه لما كسر أصنامهم، والحوار بين نوح وقومه حتى قالوا ﴿يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾ وقد تقدم تفصيله، وأيضا مناظرته ﷺ ومباهلته نصارى نجران (١) والجدال باعتباره من ألوان التعبير البياني أسلوب في الدعوة إذا احتيج إليه، ويكون إبانئذ محمودا لأنه به يتبين الحق ويدحض الباطل، وبغير هذا المقصد يكون مذموما، ومنه ما ورد عن السلف كرههم للجدل حتى عده الإمام الذهبي من الكبائر. أضف إلى ما تقدم كتبه ﷺ والرسل إلى الآفاق وفيه دلالة على استخدام وسائل الاتصال والإعلام لإيصال الخير إلى أكبر عدد ممكن من المستمعين والمتلقين، فكل ذلك من صور البيان (ج) ومن خصائص التدرب على أساليب البيان أنه لا يتأتى إلا لذوي

стр. 30

الموهبة اللسانية والمقدرة البيانية، فالفصاحة والبلاغة مواهب وملكات، والتدريب يصقل هذه المواهب والمهارت ولا يوجدها، وأفصح الناس قاطبة خاتم النبيين ﷺ ففي حديث أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُول: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي" قَال أَبُو عَبْد اللهِ: ((وَبَلغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الكَلمِ أَنَّ اللهَ يَجْمَعُ الأُمُورَ الكَثِيرَةَ التِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الكُتُبِ قَبْلهُ فِي الأَمْرِ الوَاحِدِ وَالأَمْرَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلكَ)) (١)

стр. 31

الفصل الثاني: التدريب على الخطابة المبحث الأول: مفهوم الخطابة وخصائص الأسلوب الخطابي ما هي الخطابة: الخطابة في اللغة: قال في اللسان: (الخِطابُ والمُخاطَبة: مُراجَعَة الكَلامِ، وقد خاطَبَه بالكلامِ مُخاطَبَةً وخِطاباً، وهُما يَتخاطَبانِ، قال الليث: والخُطْبةَ مَصْدَرُ الخَطِيبِ، وخَطَبَ الخاطِبُ على المِنْبَرِ، واخْتَطَبَ يَخْطُبُ خَطَابَةً، واسمُ الكلامِ: الخُطْبَة؛ قال أَبو منصور: والذي قال الليث، إِنَّ الخُطْبَة مَصْدَرُ الخَطِيبِ، لا يَجوزُ إِلاَّ على وَجْهٍ واحدٍ، وهو أَنَّ الخُطْبَةَ اسمٌ للكلام، الذي يَتَكَلمُ به الخَطِيب، فيُوضَعُ ... قال الجوهري: خَطَبْتُ على المِنْبَرِ خُطْبَةً، بالضم، أَن يكونَ وَضَعَ الاسْمَ مَوْضِعَ المصْدَرِ، وذهب أَبو إِسْحق إِلى أَنَّ الخُطْبَةَ عندَ العَرَب: الكلامُ المَنْثُورُ المُسَجَّع، ونحوهُ. ورَجُل خَطِيبٌ: حَسَن الخُطْبَة، وجَمْع الخَطِيب خُطباءُ. وخَطُبَ، بالضم، خَطابَةً، بالفَتْح: صار خَطِيباً...) (١) وخلاصة ما تقدم أن الخطابة: (كلام منثور بليغ) وهو كلام يضارع في أصالته وقوة تأثيره الشعر، وللخطابة أغراض وأنماط كثيرة تتنوع أساليبها تبعا لذلك. والخطابة اصطلاحا: عند أرسطو: (هي القدرة على النظر في كل ما يوصل إلى الإقناع في أي

стр. 32

مسألة من المسائل) (١) وعند ابن رشد: (الخطابة هي: قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء المفردة) (٢) ومن التعريفات الموضوعية ما تداوله كثير من الباحثين المعاصرين وهو قولهم: (الخطابة: فن مشافهة الجمهور للتأثير عليهم واستمالتهم) (٣) وبتأمل مفردات التعريفات السابقة يتبين أنها تتضمن العناصر الثلاثة الرئيسة وهي: المرسل والمستقبل والرسالة، أي الخطيب والجمهور والخطبة. وعليه فالخطابة علم له قواعد وأصول وأساليب وضوابط، لا بد من تعلمها ثم التمرس عليها والتعود، يؤازر ذلك المقدرة النفسية والموهبة الإلهية. والخطيب البارع المفوه هو الذي يجمع الله له بين العلم والموهبة، وقد أطنب الأدباء في إبراز جانب الموهبة والملكة في الخطيب وعدّوه من أسس التمكن الخطابي، وذكروا العناصر الخطابية التي ينبغي للخطيب الوقوف عليها والتدريب عليها مثل قولهم: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر الألفاظ (٤) . كما ذكروا عيوب الخطباء مثل قولهم: ((تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عُجز، والتشادق من غير أهل البادية بُغض، والنظر في عيون الناس عيّ، ومسّ اللحية هُلك، والخروج مما بني عليه أول الكلام إسهاب)) (٥) .

стр. 33

وعلى هذا فالخطابة من حيث هي مادة قابلة للتدريب والتطوير ترتكز على أمرين أساسين: (العلم، والموهبة) . وسبيل الخطابة (المشافهة) بين الخطيب والمستمعين من غير واسطة فالأصل فيها الارتجال مع سبق الإعداد على ما درج عليه العرب منذ الجاهلية إذ كانوا- وهم أميون- يخطبون عفو الخاطر وعلى السليقة والفطرة فالمستمعون يسمعون الخطيب ويرونه في آنه ولحظته، ولذلك من التفاعل بين المتكلم والمستمع وله من التأثير ما يجعل الخطابة أهم وسائل الدعوة والتبليغ المباشِرة. وثمة (جمهور) مختلفون في الثقافة ومتباينون في المشارب والمسالك: فيهم الصغير والكبير والعالم والجاهل والصديق والعدو والموافق والمخالف فالخطيب البارع هو الذي يتمكن من مخاطبة كل هؤلاء بما يناسبهم من فنون البيان وطرائق الخطاب. والخطابة تتوخى (الاستمالة) فالإقناع من أجلى خصائص الخطابة، وهذا يستلزم أن يكون الخطيب على علم بأساليب الاستمالة وكيفية توجيه عواطف الناس وعقولهم ومشاعرهم نحو المراد. خصائص الأسلوب الخطابي: باستقراء نماذج كثيرة من الخطب الأصيلة وبقراءة ما ذكره الباحثون في خصائص الأسلوب الخطابي يمكن تلخيص تلك الخصائص في الآتي: ١- القوة البيانية. ٢- الإقناع والاستمالة. ٣- التأثير النفسي. ودونك إيضاح لكل خاصية بما يناسب المقام:

стр. 34

١- أما القوة البيانية: فلأن الخطيب يعبر عما تستجيشه نفسه بأبلغ عبارة وأوفاها بعيدا عن التكلف والتنطع فهو ينطق عفو الخاطر، يمازج في أسلوبه الخطابي بين الخبر والإنشاء، ويحور أسلوبه وفق ما يراه من إقبال السامعين أو فتورهم، ويزين منطقه بالفصاحة والجزالة، قال البلاغيون: ((البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج وقوة المنطق، وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة كحاجته إلى الجزالة والفخامة، وأن ذلك أكثر ما تستمال به القلوب وتنثني به الأعناق وتزين به المعاني)) (١) . وفي كل أمة خصائص بيانية وملكات بلاغية بحسب لغاتها وثقافتها وعوائدها وإن كانت اللغة العربية أقدر اللغات قاطبة في قوة البيان إذ تمتلك ما تفتقده اللغات الأخرى من خصائص التعبير وقوة الحجة، لذا نزل القرآن العظيم باللغة العربية، وفي التنْزيل الحكيم: ﴿وَإنَّهُ لتَنْزِيل رَبّ العَالمِينَ * نَزَل به الرُّوحُ الأَمينُ * عَلى قَلبكَ لتَكُونَ مِنْ المُنذرينَ * بلسَان عَرَبِي مبِينٍ﴾ (٢) فالإبانة وقوة العارضة وتمام الإفصاح من خصائص اللسان العربي لا يضارعه في ذلك لسان آخر البتة. ٢- الإقناع والاستمالة: يحقق الخطيب الإقناع في خطابه بالحجة العقلية طورا، وبالتأثير العاطفي طورا آخر، وبهما معا طورا ثالثا، وبالمؤثرات الصوتية والإشارية والنفسية أيضا، قال ابن رشد: ((لا توجد قوة الإقناع إلا في الخطابة والجدل)) وقال: ((وليس

стр. 35

عمل هذه الصناعة- يعني الخطابة- أن تقنع ولابد.. وقد يقنع من ليس بخطيب، وان كان الأصل في الخطيب الإقناع كالبرء في الطبيب)) (١) . وهذا يقتضي أن يكون الخطيب عارفا بمجاري الكلام وأساليب الإقناع والتأثير. ولهذا الاعتبار وهو قدرة الخطيب على الإقناع والتأثير والاستمالة اطلق على البيان القوي سحرا كما في قوله ﷺ : " إن من البيان لسحرا " (٢) ولعل من أهم ما يعين الخطيب على تحقيق الاقناع معرفته الدقيقة الشاملة بالأساليب الخطابية وسعة اطلاعه بعوامل التأثير في النفوس البشرية ومكامن الشعور فيها، ومواضع استحثاثها، وكثيرا ما قاد الساسة المفوهون الجماهير لا بنفوذ سلطانهم بل بالكلمة القوية البليغة المؤثرة التي ينقاد لها الناس انقياداً ويسلمون لها الزمام وهم راضون. والأهم من هذا كله قوة الإيمان بالله واليقين بوعده ووعيده، وإن للإيمان لأثرا في تحقيق الإقناع لدى الآخرين، لما يستقر في أفئدتهم من التصديق والتسليم، ثم لما يدفعهم ذلك من الاستعداد للتضحية والبذل. وما تحقق للنبي ﷺ من انقياد العرب له والإذعان لأمره والتسليم والرضا بأمر الله معه إلا لشئ استقر في قلوبهم. ٣- التأثير النفسي: التأثير في الخطابة أمر أساس، وهو أمر لا جدال فيه، ولأجل ما تتسم به الخطابة من قوة التأثير وعمقه تسمى الخطابة سحراً كما تقدم.

стр. 36

والخطباء يتلاعبون بعواطف الناس بالتأثير الذي تحدثه الخطابة القوية البليغة حتى إن منهم من يقلب الحقائق بالمغالطة وقوة الجدل فيُري الناس الباطل حقا، والخطأ صواباً، لذا ترى الدهماء كيف يُسيّرهم الخطباء البلغاء فيسيرون وفق إراداتهم، وينقادون صوب مقاصدهم ورغباتهم، ولو كان في ذلك العطب والهُلك! وإلى تأثير الخطابة العميق يشير حديث أم سلمة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : " إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" (١) . ويعتمد التأثير الخطابي - بعد قوة العبارة وجودة الفكرة وحلاوة المنطق - على مكانة الخطيب الاجتماعية وجاهه ومنصبه، علما أو فضلا أو صلاحا أو إلفا أو لتفاعله أثناء الخطبة فيظهر صدقه في لهجته ونبرات صوته. وأيضا جرأته المحمودة وقدرته على البيان البليغ الذي هو من خصائص الرجولة، وقد جاء في التنزيل الحكيم أن العجز عن الإبانة من خصائص الأنوثة التي هي محل الستر وقلة المقارعة، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الحِليَةِ وَهُوَ فِي الخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (٢) وهي صفة مدح في الأنثى لأنها لا تساجل الرجال لكنها قدح في الرجل، فهو مثل ضربه الله لعيّ اللسان ورداءة البيان حين شبه أهله بالنساء والولدان! لذا عُدت قوة البيان من مقومات الرجولة. وعليه فإن من المؤثرات النفسية التي تؤازر الخطيب في أداء مهمته على

стр. 37

الوجه الأتم بعد قوة شكيمته مكانته الإجتماعية ومقوماته الشخصية وفضائله ومناقبه، وقد وردت في القرآن العظيم إشارة إلى ذلك، قال تعالى في قصة نوح ﵇: ﴿قَال يَاقَوْمِ ليْسَ بِي ضَلالةٌ وَلكِنِّي رَسُول مِنْ رَبِّ العَالمِينَ أُبَلغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لكُمْ وَأَعْلمُ مِنْ اللهِ مَا لا تَعْلمُونَ﴾ (١) فهو يثبت لنفسه العلم وينفيه عنهم ليدلل على أهليته ومكانته وأن عليهم أن يأخذوا عنه ويستفيدوا منه ويهتدوا بهديه فعنده ما ليس عندهم، والطريق السوي أن المفضول يأخذ من الفاضل أسباب الفضيلة ويتعلم مسالكها ... ولهذا المعنى تبعث الرسل في أشراف قومها ويكونون من أهل المدن لا من أهل البوادي لأن المدنية تضفي على أهلها معنى التحضر وهي مظنة العلوم والمعارف، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلنَا مِنْ قَبْلكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِليْهِمْ مِنْ أَهْل القُرَى أَفَلمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِنْ قَبْلهِمْ وَلدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ للذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلونَ﴾ (٢) قال الإمام القرطبي: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْل القُرَى﴾ يريد المدائن ولم يبعث الله نبيا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو ولأن أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم قال الحسن لم يبعث الله نبيا من أهل البادية قط ولا من النساء ولا من الجن. وقال قتادة: من أهل القرى أي من أهل الأمصار لأنهم أعلم وأحلم وقال العلماء من شرط الرسول أن يكون رجلا آدميا مدنيا

стр. 38

وإنما قالوا آدميا تحرزا من قوله يعوذون برجال من الجن والله أعلم (١) . وكان النبي ﷺ أشرف الناس وأرفعهم مكانة ففي حديث واثلة بن الأستع مرفوعا: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» (٢) . وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : " قال لوط: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٣) قال: قد كان يأوي إلى ركن شديد ولكنه عنى عشيرته فما بعث الله بعده نبيا إلا بعثه في ذروة قومه"، قال أبو عمر: فما بعث الله نبيا بعده إلا في منعة من قومه (٤) فالشرف والوجاهة والمنصب كل أولئك عوامل يتحقق بها التأثير الخطابي.

стр. 39

المبحث الثاني: مسالك التدريب على الخطابة المسلك الأول: التدريب على إعداد الخطبة وصياغتها. المسلك الثاني: التدريب على إلقاء الخطبة. المسلك الثالث: التدريب على التقويم. وفيما يلي بعض تفصيل كل واحد من هذه المسالك: المسلك الأول: التدريب على إعداد الخطبة وصياغتها. في أهمية الإعداد للخطابة قول عمر ﵁ وهو يحكي طرفا من الأحداث التي مر بها المسلمون عقب وفاة النبي ﷺ وتجمع المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة قال: ((وكنت قد زوّرتُ مقالة أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد)) (١) . وفي رواية لمالك: ((ما ترك - يعني أبو بكر - من كلمة أعجبتني في رويتي إلا قالها في بديهته)) ، والتزويق هنا هو بمعنى التحسين والتهيئة وحسن الإعداد. ولما بويع لعثمان ﵁ خرج إلى الناس فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أيها الناس! إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله)) (٢) . ويمكن التدريب على إعداد الخطبة بطريقين: الطريق الأول: الإعداد الذهني، سواء بالإطلاع على المصادر والمراجع، أو باستحضار النصوص المحفوظة ومعرفة أوجه الاستشهاد بها، أو بجمع العناصر

стр. 40

وترتيبها، أو بكل ذلك. الطريق الثاني: بالإعداد الكتابي، وذلك بتدوين المعلومات ثم تنسيقها وترتيبها ثم صياغتها وتحبيرها والتأنق فيها، وهي طريقة تلائم المبتدئين من الخطباء والوعاظ وعلى المحاضرين على اختلاف بيّن بين مناهج كل من الخطبة والمنبرية والوعظ والمحاضرة. . مراحل إعداد الخطبة: ١- مرحلة اختيار الموضوع. ٢- مرحلة جمع الشواهد. وهي في مجال الخطابة الوعظية وهي الدينية وهي كذلك الشرعية: (آيات القرآن العظيم، ثم ما صح من سنة النبي المصطفى ﷺ وسيرته، ثم فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين والعلماء الأثبات، والأشعار، والحكم، والأمثال، وشواهد التاريخ) ٣ - مرحلة وضع العناصر وتصنيفها وترتيبها: يراعى في استخراج العناصر أصالتها وخلوها عن التكلف، كما يراعى في ترتيب العناصر التسلسل المنطقي والترابط الموضوعي. وكثير من الخطباء البارعين يأتي حديثهم عفويا مسترسلا مترابطا وتكون مراعاتهم لهذه العناصر عفويا كذلك لكثرة تفكيرهم في موضوع الخطبة وكيفية إلقائها وأسلوب معالجتها، ثم ومع الممارسة ترسخ الكثير من المعايير والمفاهيم والشواهد الخطابية في أذهانهم، ومن ثم تظهر بجلاء في لغة الخطيب وأسلوبه وشخصيته وطريقة إلقائه.. ٤- مرحلة الصياغة: وهي: وضع الكلام وترتيب الحديث وإجادة سبكه، ومن الصياغة تزويق
следующие страницы →