مقدمة الشارح
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ مَنْ يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد:
أَوَدُّ قَبل الشروع-بإذن الله تعالى-في شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أن أُقَدِّم بثلاث مقدمات:
المقدمة الأولى: أهمية طلب العلم.
لا بد أن نُذَكِّر أنفسنا بِعِظَم الأمانة التي نَصَّبنا أنفسنا لها، واستجبنا فيها لنداء الله تعالى، وهي: حمل العلم وتعليمه.
قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
فهذه الآية الكريمة قد أشارت إلى أمرين:
الأمر الأول: أمانة التحمل في قوله: ﴿ليتفقهوا﴾.
والأمر الثاني: مسئولية الأداء في قوله: ﴿ولينذروا﴾.
ولا بد من التحمل والفقه أَوَّلًا قبل الأداء والبلاغ والبيان، ونحن نعلم أن هذا الأمر شريف وعظيم، فالله قد امتن على نبيه بتعليمه ما لم يعلم من قبل، فقال جل وعلا: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
стр. 2
ونحن طلبة العلم إذ نسلك هذا المَسلك فإننا نزداد من هذا العلم ونتزود منه ولا شك، وكلما ازددنا علمًا كلما ازددنا شرفًا ورفعة في الدنيا والآخرة وقربًا من الله تعالى؛ وذلك لابد فيه من شرطين:
الشرط الأول: الإخلاص.
والشرط الثاني: إتباع العلم العمل.
قال ﷻ : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة ١١].
وفي الحديث: «أن نافع بن عبد الحارث لقي عُمر بعُسْفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: مَنْ استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومَن ابن أبزى؟ قال: مَولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنَّه قارئ لكتاب الله ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أَمَا إنَّ نبيَّكم ﷺ قد قال: «إنَّ اللهَ يَرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويَضع به آخرين» (١).
وطالب العلم حري أن يكون أخشى الناس لله، وأَتْبَع الخلق لطاعته؛ قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]، وتأَمَّل قولَه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]؛ لتتبين الفرق بين مَنْ عَلِم وبَين مَنْ لم يَعلم.
وقد قرن الله ﷻ شهادته بشهادة الملائكة الذين هم عباده المكرمون وشهادة أهل العلم له جل وعلا بالألوهية؛ فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
والإنسان يجب أن ينظر إلى نفسه قبل سلوك طريق طلب العلم؛ هل حاله بعد
стр. 3
أن قطع فيه مراحل كحاله قبل الطلب!
والطالب الذي وَفَّقَه الله وحَصَّل شيئًا من العلم الشرعي؛ عليه أن يَنظر إلى أقرانه الذين كانوا معه في الدراسة أو في بداية الطلب ونشأ بينهم، ولم يُكملوا السَّير فيه؛ ليعلم أن الله قد اختاره دون غيره من أقرانه؛ لسلوك ذلك السبيل العظيم المُوَصِّل إلى الجنة؛ وليضع نُصب عينيه ما رواه أبو داود والترمذي عن كثير بن قيس، قال: «كنت جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل، فقال: يا أبا الدرداء: إني جئتك من مدينة الرسول ﷺ لحديثٍ بَلغني أنَّك تُحدثه عن رسول الله ﷺ ما جئت لحاجة، قال: فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ سلك طريقًا يَطلب فيه علمًا سَلَك الله به طريقًا مِنْ طُرُق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإنَّ فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا دِرهمًا؛ وَرَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» (١).
فلا شكَّ أن ميراث المرء يناله في الدنيا أقرب الناس إليه؛ وهذا يدل على أن أهل العلم هم أقرب الناس للنبي ﷺ ، والنبي إنما وَرَّث هذا العلم وخَلَّفه؛ وطلاب العلم هم الذين حملوا ميراثه، وهذا فضل عظيم وشرف رفيع.
ففضل العلم معلوم، ومهما بذل طالب العلم مِنْ وقت وجهد فهو في نجاح وفلاح، وهو في طريق عليه أن يلزمه ولا يحيد عنه أبدًا؛ فإن نهايته إلى جنة الله ورضوانه، وقد بَشَّره النبيُّ ﷺ بقوله: «مَنْ يُرِد الله به خيرًا يُفقهه في الدين، وإنما أنا
стр. 4
قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يَضُرهم مَنْ خالفهم، حتى يأتي أمر الله» (٢)، فالله قد أراد بطالب العلم الخير وأراده له.
ولينظر طالب العلم إلى حاله وحال عَوَامِّ الناس وجُهَّالهم؛ ليعلم أنه في منزلة رفيعة وشأن عظيم قد اختاره الله له ويَسَّره وهَيَّأه له، لذا يقول ﷻ : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].
وهذا الشرف الذي جاءت به النصوص لا شك أنه عظيم، وفضل من الله جليل، حقه أن يُرعى، وأن يُحرص على نَيله وتحصيله، وقد قَسَّم النبيُّ ﷺ الناس إلى ثلاثة أصناف؛ فقال: «مَثَلُ ما بَعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقيَّة، قَبِلت الماء، فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس؛ فشَربوا وسَقُوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قِيعان لا تُمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مَثَلُ مَنْ فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم، ومَثَل مَنْ لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يَقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١)؛ فقسم النبيُّ ﷺ السامعين لهذا العلم والهدى إلى ثلاثة أصناف:
الأول: (الأرض الطيبة)، وهم مَنْ أعطاهم الله ذكاء وزكاء؛ فأعطاهم ذكاء استطاعوا به أن يحفظوا العلم وأن يحصلوه ويدركوا به مسائله. وأعطاهم زكاء حملهم على العمل بالعلم والدعوة إليه وتبليغه.
والثاني: (أجادب، أمسكت الماء)، وهم الذين أُوتوا ذكاء ولم يُؤتوا زكاء؛ فاستطاعوا بذكائهم أن يحفظوا العلم، وأن يدركوا مسائله، لكنهم لم يستفيدوا به في
стр. 5
ذات أنفسهم، وإنما حفظوه ليستفاد منه غيره؛ كما قال ﷺ : «نَضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه» (١).
والثالث: (قيعان)، وهم مَنْ حرموا الذكاء والزكاء، فلم يُحَصِّلوا العلم وبالتالي لم يعملوا به.
لذلك لا بد أن يحرص طالب العلم على أن يكون من الصنف الأول.
وأما أفضل طريقة لتحصيل العلم والاستفادة منه: هي كما قال ابن القيم: «وللعلم سِتُّ مَرَاتِب:
أولها: حُسْن السُّؤَال.
الثَّانِيَة: حُسْن الإنصات.
الثَّالِثَة: الاستماع.
الرَّابِعَة: حُسْن الفَهم.
الْخَامِسَة: الحِفْظ.
السَّادِسَة: التَّعْلِيم، وَهِي ثَمَرَته، وَهِي الْعَمَل بِهِ ومراعاة حُدُوده.
فَمن النَّاس مَنْ يُحرمه لعدم حُسْن سُؤَاله، إمَّا لأنه لَا يَسأل بِحَال أَوْ يسأل عَنْ شَيْء وَغَيره أهم إليه مِنْهُ؛ كمن يَسْأَل عَنْ فضوله الَّتِي لَا يَضر جَهلُه بهَا ويدع مَالا غِنى لَهُ عَنْ مَعْرفَته. وَهَذِه حَال كثير من الْجُهَّال المُتعلمين.
وَمن النَّاس مَنْ يُحرمه لِسُوء إنصاته؛ فَيكون الْكَلَام والممارات آثرَ عِنْده وَأحبَّ إليه من الإنصات، وَهَذِه آفَة كامنة فِي أكثر النُّفُوس الطالبة للْعلم، وَهِي تمنعهم علمًا
стр. 6
كثيرًا» (١).
فإذا طبق طالب العلم هذه المراتب فهو أهل لِنَيْل العِلم.
فأولًا: حُسن الإنصات، وهذا يُستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، فليحرص طالب العلم جيدًا على أن يسمع قبل أن يتكلم.
ثانيًا: حُسن السؤال، فعَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أَصَبْتَ هذا العِلمَ؟ قال: «بِلِسَانٍ سَؤُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ» (٢).
وقالت عائشة ﵂: «نِعم النساءُ نِساءُ الأنصار؛ لم يَمنعهن الحياء أن يَتفقهن في الدِّين» (٣).
وقال مجاهد: «لا يتعلم العلمَ مُستحي ولا مستكبرٌ» (٤).
وكما جاء في الحديث: «شِفَاءُ العِيِّ السُّؤال» (٥).
ثالثًا: حُسن الفهم، ويستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]؛ فلا بد من حسن الفهم ومعرفة المسائل والأقوال والأدلة.
رابعًا: الحفظ والكتابة، فعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «قَيِّدُوا
стр. 7
العِلْمَ بِالْكِتَابِ» (١).
وكما روي عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال:
العِلمُ صَيدٌ والكِتابةُ قَيدُهُ … قَيِّدْ صيودكَ بالحِبالِ الواثِقَه
فَمِنْ الحَماقَةِ أَنْ تَصيدَ غَزالَةً … وتَرُدَّها بَينَ الخَلائقِ طالِقه
وكما قال الخليل بن أحمد: «ما سمعت شيئًا إلا كتبتُه، ولا كتبت شيئًا إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا إلا انتفعتُ به» (٢).
خامسًا: السعي لتعليمه، فإذا أرادت طالب العلم أن يبقى ما تعَلَّمه، فعليه أن يبذله، كما قال عليٌّ ﵁: «العلم يزكو على الإنفاق» (٣).
فالشيخ والمُعَلِّم هو الطالب الأول، وهو أول مُستفيد من العلم الذي يشرحه ويَنشره.
ومن نظر إلى من اشتغل عن العلم بوظيفة ودنيا يرى أنه ينسى العلم سريعًا، ويرجع إلى الحال التي كان عليها قبل الطلب.
سادسًا: العمل به، كما قال عليُّ بن أبي طالب ﵁: «هتف العلم بالعمل؛ فإن أجابه، وإلَّا ارتحل» (٤).
فإذا حرص طالب العلم على تطبيقه والعمل به، فهذا أدعى لبقائه؛ فقدر العلم ومنزلته وطلبه يرتقي بهها المرتبة.
стр. 8
وضد هذه المراتب الست موانع تصد عن تحصيل العلم وتصرف عن طلبه أو بقائه.
ولا بد لطالب العلم من آداب حتى يتأدب بأخلاق أهل العلم، وأهمها:
أولها: الإخلاص، وهو عزيز، وعلى الإنسان أن يجاهد أن يكون نفسه في تحصيله؛ ليكون كل عمله لوجه الله، وخاصة طلبه للعلم وبذله، والأمر- كما قال عن سفيان الثوري-: «ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ مِنْ نيتي؛ لأنَّها تَنقلب عليَّ». وعن يوسف بن أسباط، قال: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد» (١).
ويُشترط في العبادات- حتى يَقبلها الله ، ويُثيب عليها العبد- شرطان:
الشرط الأول: الإخلاص لله ؛ قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ [البينة: ٥]، ومعنى الإخلاص هو: أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا﴾ [الإنسان: ٩]، وعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (٢).
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ ﵎: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٣).
الشرط الثاني: مُوافقة العمل للشرع الذي جاء به النبيُّ ﷺ ؛ فقد جاء في الحديث
стр. 9
عن النبي ﷺ : «مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (١).
قال الإمام ابن رجب ﵀: «هذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كلُّ عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل مَنْ أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء» (٢).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: «فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سَبَبَا لقبول الأعمال، فإذا فقد لم تُقبل الأعمال» (٣).
فاحرص- يا طالب العلم- على الإخلاص وإصلاح الطوية وترك المعاصي؛ فقد قال الإمام الشافعي ﵀:
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي … فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ … ونورُ الله لا يُهدى لعاصي
فلا يمكن أن يجتمع النور والظلمة معًا.
فليس من الحكمة أن يقوم الغارس ببذر الأرض قبل حرثها وإصلاح بيئتها؛ لذا مَنْ طلب العلم فعليه أن يُصلح نيته ويَعمل على تهذيب نفسه؛ لكي يُحَصِّل العلم ويعود عليه بالنفع.
وليس طالب العلم بمعصوم، ولكن حياة القلب كحياة البدن، فالبدن لا يقوم إلا بالغذاء النافع (الطعام والشراب) وحميته مما يضرُّه، واستفراغ الفاسد منه؛ كالبول
стр. 10
والبراز والعرق. وهذا ما يحرص عليه أطباء البدن.
ويقابل إصلاح البدن إصلاح الرُّوح والنفس، وهو ما يقوم به العلم النافع والعمل الصالح.
فالله قد أودع في الإنسان قُوَّتين: قوة في النظر وقوة في الإرادة، والشيطان لا يَدخل على الإنسان إلا منهما؛ أي: من باب الشبهة التي تتسلط على نظره، ومن باب الشهوة في الحرام التي تتسلط على إرادته.
والشبهات المُضللة تُدفع بالعلم النافع، والشهوات المحرمة تدفع بالعمل الصالح.
فالدواء النافع هو في طلب العلم ولزوم الطاعة والحرص عليها.
والأمر ليس هينًا في البداية، ولكنه يحتاج إلى مجاهدة حتى تألفه النفس؛ وساعتها لن تبغي به بديلًا.
فإذا صحت النفس واستقامت على العلم النافع والعمل الصالح لن تبغي به بديلًا.
فهذا سبيل طالب العلم الذي يجب عليه أن يجاهد في مدارسته، وأن يثني الركب في مجالس العلماء من أجل تحصيله.
فإذا انشغل المسلم بطلب العلم فلن يكون عنده وقت لتفكير فاسد في شبهة أو انشغال بشهوة محرمة.
فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، ولذلك قال ﷺ : «أصدق الأسماء: حارثٌ وهَمَّامٌ» (١)؛ لأن الإنسان في فكر دائم وعمل دائب.
стр. 11
ثم لا بد من استفراغ الفاسد؛ لأن الإنسان من طبعه التقصير، والخطأ يلازمه في كثير من أحواله، فيستفرغ ما دخل على النفوس من أمور لا يرضاها الله تعالى- بالتوبة والاستغفار، فعن أبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ ﵁، عن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ؛ لِيَتُوب مُسيءُ النَّهَارِ، وَيبْسُطُ يَدهُ بالنَّهَارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغْرِبِها» (١). فباب التوبة مفتوح على مدار الوقت، وليس بين العبد وبين ربه واسطة، وهو جل وعلا ينادي على عباده كل ليلة ليسألوه ويستغفروه؛ فعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يَنزل ربُّنا- ﵎ كُلَّ ليلة إلى السماء الدُّنيا حِين يَبقى ثُلُثُ الليل الآخر يقول: مَنْ يَدعوني، فأستجيبَ له؟ مَنْ يسألني فأعطيَه؟ مَنْ يَستغفرني فأغفرَ له؟» (٢).
فالله غفور رحيم؛ يغفر الذنوب، بل يُبدلها حسنات كرمًا منه سبحانه، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
فطالب العلم بحاجة بعد الإخلاص إلى تطهير النفس وتهيئتها لتَقَبُّل العلم.
والذي يفسد على طلاب العلم أمر التحصيل: أمراض النفوس وعللها التي تحمل على الكسل، ومصاحبة رفقاء السوء، والوقوع في المعاصي.
ولا نجاة لنا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بصلاح النفوس؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]؛
стр. 12
والقلب لا يكون سليما إلا بالسلامة من الشرك والشبهة والحسد والغل والمعاصي.
ومن حفظ طالب العلم لنفسه وعمله على صلاحها: ألا يصاحب إلا الأخيار الذين يعينونه على الطلب؛ لقوله ﷺ : «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (١).
وأما ما يفعله طلاب العلم من الجلوس مع أقرانهم؛ ليتدارسوا مسائل العلم، دون الذهاب إلى مجالس العلماء؛ فهذه آفة يجب التنبه لها؛ لأنهم جميعًا صغار أَغْرار في بداية الطلب؛ فيُضيعون الأوقات، ولا يُحْكِمون ما يتدارسونه، وقد يكون فهم أحدهم أسوأ من فهم الآخر، فلا يزدادون إلا سوء فهم وبُعد عن الطلب الصحيح، وقد يكون هذا سببًا في انحرافهم عن الفهم المستقيم.
وكذلك لا بد أن يكون لطالب العلم أن يكون كسبه طيبًا حلالًا، فإن هذا مما يعينه على الطلب والتحصيل؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إنَّ الله تعالى طَيِّبٌ لا يَقبل إلا طيبًا، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المُرسلين؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجلَ يُطيل السفر، أشعث، أغبر، يَمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومَطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له؟!» (٢).
ثم على طالب العلم بعد حفظ نفسه من فتنة الشبهات والشهوات: أن يحفظ وقته؛ فلا يضيعه فيما لا يفيد، ولا يضيع لحظة بدون فائدة، وليحذر فضول الطعام والشراب والنوم، وليأخذ نفسه بالمجاهدة حتى تألف الطاعة وحفظ الوقت؛ كما قيل:
стр. 13
والنفس كالطفل إن تهمله شَبَّ على … حُبِّ الرضاع وإن تَفطمه ينفطم
وجاهد النفس والشيطان واعصهما … وإن هما مَحَضَّاك النصح فاتَّهِم
فعليك بتنظيم الوقت، فأول النهار بعد الفجر للحفظ والاستذكار. ووسط النهار للكتابة والتصنيف.
إلى جملة آداب يجدها طالب العلم مبسوطة في كتب أهل العلم التي ذكرت آداب طلب العلم والسبيل إلى تحصيله.
هذا، والعلم يحتاج إلى الصبر وحبس النفس عليه وتحمل المشقة على سبيل تحصيله؛ ليكون ما يطلبه معينًا له على فهم هذا الدين؛ وقد قال ابن القيم عن الصبر: «إنَّه يُورث صاحبه درجة الإمامة؛ سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- قَدَّس الله رُوحه- يقول: بِالصَّبر واليقين تُنال الإمامة في الدِّينِ. ثم تلا قوله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ [السجدة: ٢٤]» (١).
فالأمر جِدٌّ لا هزل فيه، على حَدِّ قول الشاعر:
قد هَيَّئوك لأمرٍ لو فَطنت له … فأربأ بنفسك أن تَرعى مع الهَمَلِ
وعن إبراهيم بن عيسى، عن عبد الله بن مسعود أنه قال لأصحابه: «كُونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سُرُج الليل، جُدُد القلوب، خُلْقان الثياب؛ تُعرفون في السماء وتَخفون على أهل الأرض» (٢).
لذا نجد طالب العلم من أحسن الناس، وقلبه من أطهر القلوب ونفسه من أنقى النفوس؛ لأنه دائمًا متجدد في إيمانه يسمع ويدرس ويذاكر كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
وهناك أنواع لا يَصلحون لحمل العلم:
стр. 14
النوع الأول: مَنْ جعل هذا العلم مطيَّة لدنياه.
النوع الثاني: رجل مُنقاد لشهوته.
النوع الثالث: رجل ذو هِمَّة وَضِيعة.
النوع الرابع: ورجل همه كسب المال وجمعه؛ فهو يريد أن يكون صاحب دنيا؛ كتاجر ونحو ذلك.
فإذا أراد أحد هذه الأصناف أن يطلب العلم؛ فليعلم أنه سيكون في واد والعلم في واد آخر.
وهناك أربعة أصناف ضد أهل العلم؛ يقول ابن القيم ﵀: «قال محمدُ بن الفضل: ذهابُ الإسلام على يدي أربعة أصنافٍ من الناس: صنفٍ لا يعملون بما يعلمون. وصنفٍ يَعملون بما لا يعلمون. وصنفٍ لا يتعلَّمون ولا يعملون. وصنفٍ يمنعونَ الناسَ من التعلُّم» (١).
قلتُ- أي: القيم-: الصنفُ الأول: مَنْ له علمٌ بلا عمل؛ فهو أضرُّ شيءٍ على العامَّة، فإنه حجَّةٌ لهم في كلِّ نقيصةٍ ومَبْخَسَة
والصنفُ الثاني: العابدُ الجاهل؛ فإنَّ الناسَ يُحسنون الظنَّ به؛ لعبادته وصلاحه، فيقتدون به على جهله.
وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعضُ السَّلف في قوله: «احذروا فتنةَ العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإنَّ فتنتهما فتنةٌ لكل مفتون» (٢)؛ فإنَّ الناسَ إنما يقتدون
стр. 15
بعلمائهم وعبَّادهم، فإذا كان العلماءُ فَجَرةً والعبَّادُ جَهَلةً عمَّت المصيبةُ بهما وعَظُمَت الفتنةُ على الخاصَّة والعامَّة.
والصنفُ الثالث: الذين لا علمَ لهم ولا عمل؛ وإنما هم كالأنعام السائمة.
والصنفُ الرابع: نُوَّابُ إبليس في الأرض؛ وهم الذين يثبِّطون الناسَ عن طلب العلم والتفقُّه في الدين، فهؤلاء أضرُّ عليهم من شياطين الجنِّ، فإنهم يحُولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه.
فهؤلاء الأربعةُ أصنافٍ الذين ذكرهم- رحمةُ الله عليه- كلُّهم على شفا جُرفٍ هار، وعلى سبيلِ هَلَكة، وما يَلقى العالِمُ الداعي إلى الله ورسوله ما يلقاه من الأذى والمحاربة إلا على أيديهم، والله يَستعملُ من يشاءُ في سخطه كما يستعملُ مَنْ يحبُّ في مرضاته؛ إنه بعباده خبيرٌ بصير.
ولا ينكشفُ سرُّ الطوائف المنحرفة وطريقتُهم إلا بالعلم؛ فعاد الخيرُ بحذافيره إلى العلم ومُوجَبه، والشرُّ بحذافيره إلى الجهل ومُوجَبه» (١).
وقال عمر ﵁: «إنَّ أخوف ما أخاف عليكم ثلاثة: منافق يَقرأ القرآن لا يخطئ فيه واوًا ولا ألفًا؛ يجادل الناس أنه أعلم منهم؛ ليضلهم عن الهدى. وزَلَّة عالم. وأئمة مُضلون» (٢).
وقال ابن المبارك:
وهلْ أفسدَ الدينَ إلا الملوكُ … وَأحبارُ سُوءٍ وَرُهبانها
فباعُوا النفوسَ ولمْ يربحَوا … ولمْ تغلُ في البيعِ أثمانها
لقد وقع القوم في جيفةٍ … يَبين لذي اللُّبِّ إنتانُها
стр. 16
لذلك كان هم السلف الصالح هو قيام الدِّين.
فالعبرة بقيام هذا الدين وإرجاع الناس إليه، وليس العبرة بتكثير الأتباع والاغترار بهم؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
فلا ينبغي أن نجمع الناس كيفما اتفق، وإنما الواجب أن نعمل أن يهتدي الناس للدين الحق القائم على التمسك بالكتاب والسنة.
وكما يقول عليٌّ ﵁: «النَّاس ثلاثة: فعالم ربَّانيٌّ. ومتعلِّم على سبيل نجاة. وهمج رعاع أتباع كلِّ ناعق؛ لم يَستضيئوا بنور العلم، ولم يَلجؤوا إلى ركن وثيق … » (١).
فالعالم الرباني: هو الذي عَلِم وعمل ودعا وعَلَّم.
والمتعلم على سبيل نجاة: هو الذي في طريق أن يكون في طريق العلماء الرَّبانيين.
وهمج رعاع: هم كَذُباب القُرى، حمقى لا عقول لهم؛ لذا فهم أتباع كل ناعق لا يُميزون بين الحق والباطل.
وبالمجمل فإن طلب العلم لا شك أنه عظيم، ومع ذلك فمسئوليته كبيرة فإذا لم يعطه الطالب حقه من الرعاية تَحَمُّلًا؛ فكيف في المستقبل يكون أهلًا لأدائه؟! إذ فاقد الشيء لا يعطيه، وكل إناء بالذي فيه يَنضح.
فهذه مقدمة أردت أن أُقَدِّم بها بين يدي شرح هذا الكتاب؛ لتكون حافزًا لإخواني على طلب العلم، والمثابرة عليه والجد في تحصيله، والله الموفق والهادي على سواء السبيل.
стр. 17
المقدمة الثانية: مناهج الناس في مسائل العقيدة.
فلابد من إعطاء نبذة عن المناهج التي انقسم إليها الناس عند الخوض في هذه المسائل: فحقيقة الخلاف والنزاع قائم بين منهجين لا ثالث لهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية موضحًا هذه الأقسام: "الْفِرَقِ بَيْنَ الْمِنْهَاجِ النَّبَوِيِّ الْإِيمَانِيِّ الْعِلْمِيِّ الصلاحي وَالْمِنْهَاجِ الصَّابِئِ الْفَلْسَفِيِّ (١) وَمَا تَشَعَّبَ عَنْهُ مِنْ الْمِنْهَاجِ الْكَلَامِيِّ
стр. 18
وَالْعِبَادِيِّ الْمُخَالِفِ لِسَبِيلِ الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ. وَذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ دَعَوْا النَّاسَ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ أَوَّلًا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعِبَادَتُهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ. فَأَصْلُ عِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ: هُوَ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ وَالْعَمَلُ لِلَّهِ (١) ".
فالمنهج الأول: المنهاج النبوي الإيماني
وهو منهج الأنبياء والرسل من أولهم إلى أخرهم القائم على العلم والعمل معًا وهذا ما عناه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "وَذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ دَعَوْا النَّاسَ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ أَوَّلًا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعِبَادَتُهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ. فَأَصْلُ عِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ: هُوَ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ وَالْعَمَلُ لِلَّهِ".
وهؤلاء هم أهلُ السنَّة الذين اعتنوا بالعلمٌ والعمل معًا.
стр. 19
والمنهج الثاني: المنهج الصابئ الفلسفي.
وهذا المنهج مخالف لمنهج الأنبياء والرسل وهو منقسم إلى قسمين: وهو ما عناه شيخ الإسلام بقوله: "وَمَا تَشَعَّبَ عَنْهُ مِنْ الْمِنْهَاجِ الْكَلَامِيِّ وَالْعِبَادِيِّ".
ويفهم منه أن المنهاج الفلسفي منقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المنهج الكلامي. وهم أهل الكلام ومن وافقهم.
وهؤلاء قومٌ اعتنوا بالعلم دونَ العمل وإن كان علمهم لم ينبنِ على الكتابِ والسنَّة:
وهم أهلُ الكلام الذين بنوا علمهم على الرأيِ والقياس وعلى الفلسفة وخلا علمهم من العمل، إذ لا يوجد عندهم منهج عمل.
القسم الثاني: المنهج العبادي. وهؤلاء هم المتصوفة.
وقومٌ اعتنوا بالعمل دون العلم: وهم المتصوفة وأشباههم فهؤلاءِ عملٌ بلا علم.
وهؤلاء وقعوا في مفسدتين:
فالمتكلم لم يبنِ علمه على الكتابِ والسنَّة، ثم إنه تركَ العمل.
والمتصوِّف لم يبنِ عمله على الكتابِ والسنَّة، ثم إنه تركَ العلم فبالتالي ضلوا وأضلوا.
وأما أهل السنَّة فإن منهجهم يقومُ على العلمِ والعمل معاً، وهذا العلمُ والعمل مبنيٌ على كتابِ الله وسنَّةِ نبيه ﷺ وعلى ما كان عليه السلفُ الصالح.
قال ابن تيمية: "وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: كَانُوا يَقُولُونَ مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْيَهُودِ وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ النَّصَارَى. وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُ: "احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ
стр. 20
مَفْتُونٍ".
فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَشْبَهَ الْيَهُودَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَلْ بِالْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ أَشْبَهَ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
فَالْأَوَّلُ مِنْ الْغَاوِينَ، وَالثَّانِي مِنْ الضَّالِّينَ. " (١)
ولذلك كان منهج السلف في التوحيد يقوم على أمرين؛ هما:
١ - العلم بالله.
٢ - والعمل لله.
فجمعوا بذلك بين التصديق العِلمي والعَمل الحُبِّي، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة (السلف) عن المناهج الأخرى.
حيث حققوا كِلا الأمرين؛ من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة. والعمل الإرادي، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
ولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر، وهؤلاء هم المسلمون حقًّا؛ الذين سَلِموا من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.
فوقعت كل طائفة من هاتين الطائفتين المنحرفتين في مفسدتين:
إحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا، والعمل بلا علم إن كان متصوفًا.
والمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل، وفوت المتصوف القول والكلام (٢).
стр. 21
وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.
فالكلاميون: ويدخل فيهم الفلاسفة ومن سار على نهجهم، أو على بعض مناهجهم من المتكلمين، كمتكلمة الفرق من المعتزلة والجهمية والفرق الكلامية التي جاءت بعدها، والتي تسمى بالفرق الصفاتية الكلامية (الكلابية والأشاعرة والماتريدية)، وكذلك من دخل منهم أو معهم في هذا المجال من متكلمة الخوارج ومتكلمة الشيعة الرافضة ومتكلمة القدرية ومتكلمة المرجئة وغيرهم، فكلهم يجمعهم وصف واحد، أعني: وصفهم بأنهم أهل النظر.
غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر؛ فاعتنوا بجانب علمي لم يَنْبَنِ على الكتاب والسنة؛ لذلك عَطَّلوا أسماء الله تعالى، وعَطَّلوا صفاتِه .
وعندما عَرَّفوا التوحيد؛ قالوا: «واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله». وأهملوا جانب توحيد العبادة: «واحد في ذاته» قالوا: «لا شريكَ له». و «واحد في صفاته»: «لا نظير له». و «واحد في أفعاله»: «لا نِدَّ له». فهذا تقسيمهم للتوحيد (١).
ويُلاحظ أنه قد خلا في هذه الثلاثة من الجانب العملي، فلا يوجد عمل، ثم إذا تحدثوا عن ذات الله تعالى تحدثوا بالتعطيل؛ فقالوا بما قالوا: "ليس في جهة، ولا في عُلو، ولا في مكان، ولا في حيز" ولا إلى غير ذلك؛ فجعلوه والعدم سواء، وإذا تحدثوا عن صفات الله تعالى تحدثوا عن سبع صفات فقط، وإذا تحدثوا عن أفعال الله تعالى وهذا هو الذي سَلِم لهم: «توحيد الربوبية»؛ فلم يَسلم لهم إلا توحيد الربوبية، ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا مُقِرِّين بتوحيد الربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]؛ فهذا حاصل توحيد هؤلاء.
стр. 22
وأمَّا الصُّوفيون: فغالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية؛ فاعتنوا بجانب العمل، وأهملوا جانب العلم، وكذلك عملهم لم ينبنِ على السنة، وإنَّما انبنى على البدعة؛ إذ غايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.
وهكذا إذا جئنا إلى أهل التصوف لم نجد عندهم من حقيقة التوحيد شيء.
أمَّا توحيدُ أهل السُّنَّة فيقوم على هذين الأصلين العظيمين: أن تَعرف اللهَ، وذاك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وردت في الكتاب والسُّنَّة. وأن تعبد الله، وهذا باتِّباع شرع الله على لسان رسوله ﷺ .
فالسلف وأتباعهم جعلوا من توحيد الأسماء والصفات إحدى الرَّكيزتين التي قام عليها منهجهم المعتمد على نصوص الكتاب والسنة، وذلك لما لهذا التوحيد من أهمية ومنزلة، وهذا ما تشهد له كثرة النصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن.
فلذلك لا بد لصاحب السُّنَّة أن يدرس هذا الباب، وأن يَبني هذه الدراسة على الكتاب والسنة؛ ليعرف الله ، فلن تكون من أصحاب السنة ولن تكون من أتباع السلف حتى تُعنى بهذا الباب، والعلم بهذا الباب-كما ذكر العلماء- مطلوب لذاته، ليس وسيلة للعمل كما يزعم البعض؛ فكلٌّ من العِلم بالله والعمل لله مطلوب لذاته؛ فقد يكون منه ما هو وسيلة، ومنه ما هو غاية؛ فيجب أن نعلم أنه لا بد من معرفة هذا الباب وتعلمه؛ باعتبار أنه أمر مطلوب لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بد وأن يجتمع معه عبادة الله ، وإلا فإن العبد لا يكون مؤمنًا، وبهذا نعلم أن من أهمية هذا الباب أنه أصلٌ عظيمٌ في منهج أهل السنة والجماعة.
стр. 23
المقدمة الثالثة: بيان قاعدة مهمة بين يدي شرح الكتاب:
هناك قاعدة مهمة يجدر التنبه لها لفهم مسائل هذا الباب بل ولفهم جميع مسائل الدين، فإذا كانت الحكمة هي وضع الشيء في موضعه والله يقول: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة: ٢٦٩].
قال أبو إسماعيل الهروي: "الحِكْمَة اسم لإحكام وضع الشيء في موضعه" (١).
وقال ابن القيِّم: "الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي. (٢) "
فإن من الحكمة أن تدرك أن هذه القسمة الثنائية للتوحيد يرجع أصلها إلى أن النظر إلى الشريعة يكون من عدة اعتبارات، ومن بين تلك الاعتبارات أننا لو نظرنا للشرع من جهة ما يجب على الإنسان، باعتبار أن هذا الوحي أنزل ليخاطب الإنسان، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
وبما أن الإنسان مركب من (جسد وروح).
وهذا الجسد خلق من تراب؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وقد جعل الله غذاء هذا الجسد وقوامه إنما يكون من الأرض وما يخرج منها، وما يعيش عليها. فهذا هو أصل الجسد أصله من التراب، ويعيش على ما يخرج من التراب.
стр. 24
وأما الجزء الثاني من الإنسان فهو (الروح)؛ فقد قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وهذه الروح نحن لا نعلم طبيعتها ولا حقيقتها، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ولكن الروح لها غذاء كغذاء البدن، وحياة كحياة البدن، ولكن غذاء الروح هو العلم النافع والعمل الصالح، وإذا لم تتناول الروح هذا الغذاء فإنها سوف تمرض أو تموت، كما أن الجسد إذا لم يتناول غذاءه سيمرض أو يموت.
قال ابن القيم ﵀: «ومدار الصحة على حفظ القوة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة … فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وهو الإيمان وأوراد الطاعات، وإلى حمية عن المؤذي الضار، وذلك باجتناب الآثام والمعاصي، وأنواع المخالفات، وإلى استفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح» (١).
وحياة القلب والروح وغذاؤهما إنما يكون بما أنزله الله تعالى من دينه وشرعه.
وهذه الروح قد تكلم العلماء في بعض ما يتعلق بها كالعقل، وهل هو هذه المضغة التي تسمى بالقلب والتي قال عنها النبي ﷺ : «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» (٢)، أم هي ما يدور في الدماغ من الأفكار والإرادات ونحوها، أم هو مجموع الأمرين؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " لفظ القلب قد يُرَادُ به:
ا-المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، التي جوفها علقة سوداء، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت
стр. 25
صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" متفق عليه (١).
٢ - وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة، واللوزة والجوزة، ونحو ذلك، ومنه، سمي القُليب قُليبًا، لأنه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: (إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ).
والتحقيق "أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن:
مبدأ الفكر والنظر في الدماغ.
ومبدأ الإرادة في القلب.
والعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلابد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء.
وكلا القولين له وجه صحيح" (٢).
ولو نظرنا إلى طبيعة الإنسان لوجدنا أن الله ركب ركَّب في الإنسان:
- قوةً في التفكير والعلم والنظر.
- وقوةً في الإرادة والعمل.
стр. 26
بيان القوة العلمية والقوة العملية في القلب
القلب معناه: الباطن، ومنه سمي البئر قليبًّا؛ لأنه يحتوي على الماء في باطنه.
وهل القلب هو الباطن فقط أم يتعلق به الأفكار التي هي في الدماغ؟
عندما ننظر نجد أنه يقصد به مجموع الأمرين، فعندما زكى ربنا تعالى النبي ﷺ زكاه بأمرين فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].
وعندما زكى النبي ﷺ الخلفاء زكاهم بقوله: «الرَّاشدين المهديين» (١)، فعندما تجمع بين الآية والحديث تجد أنهما متقابلين فنفي الضلال هو الرشد ونفي الغواية هو الهدى.
والرشد يكون في العقل، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وهاتان القوتان (قوة العلم وقوة العمل) جمع بينهما النبي بقوله (أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ" (٢) لأن معنى (حارث) أي: عامل، ومعنى (همام): مريد.
قال ابن القيم ﵀: «وينبغي أن يعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان في القلب، بل إن استعمل قوته العلمية في معرفة الحق وإدراكه، وإلا استعملها في معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل، وإن استعمل قوته الإرادية العملية في العمل به، وإلا استعملها في ضده، فالإنسان حارث هَمَّام بالطبع، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «أَصْدَقُ الأَسْمَاءِ: حَارِثٌ وَهَمَّامٌ"، فالحارث: الكاسب العامل، والهمام: المريد، فإن النفس متحركة بالإرادة، وحركتها الإرادية لها من لوازم ذاتها، والإرادة تستلزم مرادًا يكون متصوَّرًا لها، متميزًا عندها، فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتريده
стр. 27
تصورت الباطل وطلبته، وأرادته ولا بد" (١).
وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾] الحاقة: ٤٠ - ٤١ - ٤٢ [
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾] الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢ - ٢٢٣ [.
والسؤال: لماذا جمع بين الشاعر والكاهن في السورتين؟
الجواب: جمع بينهما لأن كلًّا منهما يؤثر على العلم والإرادة، فالشاعر يؤثر على الجانب العملي في القلب، الذي هو الإرادة، فيلهب المشاعر، ويحرك القلوب، وأما الكاهن فإنه يؤثر على الجانب العلمي فيتلاعب بالحقائق العلمية.
والخلاصة: أن الإنسان فيه قوتان: قوة العلم والفكر والنظر، وقوة الإرادة والعمل، ولذلك قال أهل السنة: الإيمان قول وعمل، فيقصدون بالقول: العلم، وقول القلب هو التصديق الذي هو العلم بالله تعالى وشرعه.
والإسلام منهج كامل يحوي جانب العلم وجانب العمل، فإذا صلح القلب الذي هو الباطن فلا بد أن يصلح الظاهر، فما الذي يجعل شخصًا يمر على الأغاني فيحبها ويطرب لها، ويمر عليها آخر فيبغضها ويتضجر منها؟
إن الفرق هو ما اشتمل عليه قلب كل منهما من العلم والعمل.
ومن النصوص الدالة على وجود هاتين القوتين:
قول الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].
وقول النبي ﷺ : ««اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر
стр. 28
نفسي»» (١)،
وقول النبي ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (٢).
وضع خطوطًا تحت ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، وقوله ﷺ : «اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر نفسي»» (٣)، وقوله ﷺ : «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (٤).
ستجد إرشاداً ودليلاً على أن في الإنسان:
قوةً في العلم: فإذاً هو أُلهِم الرشد، وسَلِم من الغواية؛ استقامت عنده قوة العلم.
وقوة في العمل: فإذا هو هُدِي لطريق الحق وعرفه، وسَلِم من الضلال، فعند ذلك تسقيم عنده قوة العمل.
فإذًا قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، دليل على سلامة علمه وفكره واعتقاده، وسلامة عمله وسلوكه.
ولذلك قال النبي ﷺ في تزكية أصحابه: «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ»، والرشد ضد الغواية، والهدى ضده الضلال، فلذلك كما نعلم أن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، فكان يدعو بهذا الدعاء ««اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر نفسي»».
لأنك إذا أُلهمت الرشد استقام وسُدِّد فكرك، وإن سلمت من شر النفس؛ فبالتالي استقام عملك وسلوكك، وبعد ذلك حصلت لك الهداية في الدنيا وفي
стр. 29
الآخرة؛ لأن الإنسان يُخشى عليه من أمرين: الشهوات والشبهات، فهما جيشان من الباطل الشيطان يغزوك بهما، جيش الشهوات المحرمة، وجيش الشبهات المضللة، فأنت إن نجوت من الشهوات المحرمة ومن الشبهات المضللة؛ فبالتالي تكون قد نلت الخير كله.
فلا بد أن تسقيم عند الإنسان كل من القوَّتين.
فقوة التفكير والعلم: يتم بناؤها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، وليس على الفلسفة والمنطق، وعلى آراء الرجال.
وقوة العمل والسلوك: ينبغي كذلك أن يكون العمل الذي يطبِّقه العبد ويعمله مبنيًا على نصوص الكتاب والسُنَّة.
فينبغي ألا تغيب هذه المسألة؛ لأنها مسألة أساسية، ما دام العبد قد اختار لنفسه طريق العلم، فعليه أن يدخل من باب السُنَّة، ويتعمق ويقرأ، ويستقرئ هذا المنهج من خلال القرآن، ومن خلال السُنَّة ومن خلال كلام السلف الصالح، وحينها سيجد ينابيع العلم.
وعلى هذا الأساس فما من مسألة من مسائل الدين إلا وهي تخاطب الإنسان في هذين الجانبين وتجد فيها هذه القسمة الثنائية، ومن الأمثلة على ذلك
مسألة الإيمان بالله فإن الإنسان لا يعد مؤمنًا بالله إلا بأمرين هما:
أن يعرف الله.
وأن يعبد الله.
وكذلك الإيمان بالقرآن لا يتم إلا بأمرين هما:
أن يصدق بأخباره.
وأن يتبع أوامره.
стр. 30
وهكذا الإيمان بالنبي ﷺ لا يتم إلا بأمرين هما:
أن يصدقه بما أخبر.
وأن يتطيعه فيم أمر.
تقسيم آيات القرآن إلى أخبار وأوامر هو من هذا الباب:
ورده من أهل (تَدْمُرَ) (١) وهي بلدة من بلاد الشام.
ثانيًا: مادة الرسالة ومحتواها:
تُعد هذه الرسالة من أهم المراجع التي أَصَّلت لاعتقاد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات والقَدَر.
وبين المصنف أن مادة هذه الرسالة ستتناول بيان أصلين مهمين من أصول الاعتقاد، وهما:
الأصل الأول: التوحيد والصفات.
الأصل الثاني: الشرع والقدر.
ثالثًا: سبب تأليف الكتاب:
بدأ المصنف ﵀ كتابه ببيان السبب والداعي إلى تصنيف هذا الكتاب، وقد ذكر أن هناك عدة أسباب دعته إلى تأليفه، وهي كما يلي:
١ - أنه قد سأله بعض الفضلاء ممن تعينت إجابتهم أن يكتب لهم كتابًا في بيان العقيدة الصحيحة وخاصة مسألة (التوحيد والصفات) ومسألة (الشرع والقدر).
٢ - مسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين السابق ذكرهما.
٣ - كثرة الاضطراب في هذين الأصلين، مع شدة الحاجة إليهما لكل أحد.
٤ - أن أهل النظر والعلم والإرادة والعباد لا بد أن يخطر لهم في ذلك ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال.
٥ - وقوع الخلط والتخبط والشبهات في قلوب البعض بسبب كثرة الخائضين في
стр. 33
هذين الأصلين بغير علم ولا هدى.
لهذه الأسباب السابقة صنف شيخ الإسلام كتابه هذا.
الأصل الثاني: (باب الشرع والقدر).
وهذا نوع من أنواع تقسيمات التوحيد
وأهل السنة عندما يقسمون التوحيد يقسمونه إلى قسمين:
- التوحيد العلمي الخبري.
والتوحيد الإرادي الطلبي.
- أو يقولون: توحيد المعرفة والإثبات.
وتوحيد القصد والطلب.
- أو يقولون: التوحيد العلمي.
والتوحيد العملي.
- أو يقولون: توحيد السيادة.
وتوحيد العبادة.
فأكثرهم على هذه القسمة الثنائية.
ومنهم من يقسمه إلى ثلاثة أقسام:
توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية.
وهي تقسيمات وإن اختلفت في عباراتها، فإنها متحدة في مضموناتها.
وقد قال ﵀: «إن الحاجة ماسة إلى تحقيق هذين الأصلين».
فقول المصنف: "فَالْكَلَامُ فِي بَابِ (التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ) " يقابله في التقسيمات الأخرى من حيث التقسيم الثنائي:
التوحيد العلمي الخبري.
أو توحيد المعرفة والإثبات.
стр. 36
أو التوحيد العلمي.
أو توحيد السيادة.
ومن حيث التقسيم الثلاثي:
توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
فقول المصنف: "وَالْكَلَامُ فِي (الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ) " فقوله (الشرع) المقصود به هنا (الاتباع) ويقابله في التقسيمات الأخرى من حيث التقسيم الثنائي:
التوحيد الإرادي الطلبي.
أو توحيد القصد والطلب.
أو التوحيد العملي.
أو توحيد العبادة.
ومن حيث التقسيم الثلاثي:
توحيد الألوهية.
وقول المصنف: "بَابِ (التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ) هُوَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ الدَّائِرِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ"
مبحث أقسام الكلام من حيث كونه خبراً أو إنشاءاً، يتناوله علماء اللغة، والمعاني، والأصول، والكلام، وغيرهم، ويَرِد كثيراً في كتب العقائد.
أما تعريفه عند أهل اللغة:
الخبر في لغة العرب يطلق ويراد به: النبأ والعلم، ذكر في اللسان: (الخَبَر: النَّبأ، والجمع: أَخْبار، وأَخابير جمع الجمع … وخَبَّرَه بكذا وأَخْبَره: نَبَّأه) (١)، وقال
стр. 37
ابن فارس: (أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه إعلام، تقول: أَخْبَرتُه أُخْبِرُه، والخُبْر هو العلم) (١).
وللفرق بين الاستعمالين اللغوي من جهة والبلاغي والأصولي وغيره من الاستعمالات الأخرى.
قال ابن فارس": أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه: إعلام، تقول: أخبرته، أُخْبِره، والخبر هو العلم.
وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه.
وهو إفادة المخاطب أمراً في ماض من زمان، أو مستقبل، أو دائم نحو: قام زيد، ويقوم زيد، وقائم زيد.
ثم يكون واجباً وجائزاً، وممتنعاً؛ فالواجب قولنا: النار محرقة، والجائز قولنا: لقي زيد عمراً، والممتنع قولنا: حَمَلَتْ الجَبَلُ) (٢)
فقد عرف بعدة تعريفات عند الأصوليين والبلاغيين لا تخلو من وجود استدراك عليها (٣).
فقيل الخبر: تعريفه: عرف بأنه: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته.
وقيل: الخبر ما يصح أن يقال لقائله: إنه صادق فيه أو كاذب؛ فإن كان مطابقاً
стр. 38
للواقع كان قائله صادقاً، وإن كان غير مطابق للواقع كان قائله كاذباً" (١)
وذكر الشيخ ابن عثيمين في الخبر أنه: "الكلام الدائر بين النفي والإثبات من قبل المتكلم، المقابل بالتصديق أو التكذيب من قبل المخاطب" (٢)
وهذا التعريف يجمع بين بعض التعريفات التي ذكرها العلماء، ولا يرد عليه كثير إشكال، ولو اقتصر على الجزء الثاني لكان أسهل وأضبط، فيقال:
الخبر هو: الكلام الذي يقابل بالتصديق أو بالتكذيب.
وهذا ضابط سهل للمتعلمين، لأنه يضبط الخبر بأخص أوصافه الظاهرة (٣)
وقد ذكر عبد القاهر الجرجاني أن العقلاء "جعلوا من خاص وصفه أنه يحتمل الصدق والكذب" (٤)
وقال ابن وهب: "وليس في صنوف القول وفنونه ما يقع فيه الصدق والكذب غير الخبر والجواب؛ إلا أن "الصدق والكذب" يستعملان في الخبر، ويستعمل مكانهما في الجواب: "الخطأ والصواب"، والمعنى واحد وإن فرق اللفظ بينهما، وكذلك يستعمل في الاعتقاد في موضع "الصدق والكذب": "الحق والباطل"، والمعنى قريب" (٥)
وقول المصنف: "وَالْكَلَامُ فِي (الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ) هُوَ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ"
الطلب هو قسيم الخبر، وقد يعبر عنه أحياناً بالإنشاء، والحديثُ عنه سيتناول ما يلي:
стр. 39
أ - تعريفه: قيل: هو الكلام الذي لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.
وعلى حد تعبير البلاغيين: هو ما يستدعي مطلوباً غير حاصل في وقت الطلب.
أو-كما يقولون بعبارة أخرى-: هو ما يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه" (١).
ب - أمثلة للإنشاء:
١ - قال أحد الحكماء لابنه: "يا بني تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث".
٢ - قال ابن عباس-﵄-يوصي رجلاً: "لا تتلكم بما لا يعنيك، ودع الكلام في كثير مما يعنيك حتى تجد له موضعاً" (٢)
ج- ما سبب كون الإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب لذاته؟: لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق واقع خارجي يمكن أن يقارن به؛ فإن طابقه قيل: إنه صادق، وإن خالفه قيل: إنه كاذب.
ولمزيد من التوضيح يمكننا النظر إلى المثالين الماضيين في فقرة (ب).
ففي المثال الأول نداء وأمر، وفي المثال الثاني نهي وأمر.
وأنت لا تستطيع أن تقول لمن ينادي شخصاً، ويأمره، وينهاه: إنك صادق أو كاذب؛ لأنه لا يُعلمنا بحصول شيء أو عدم حصوله.
إن من ينادي أو يأمر أو ينهى ليس لندائه، أو أمره، أو نهيه وجود خارجي قبل حصول النداء أو الأمر أو النهي؛ فكيف يحتمل كلامه الصدق أو الكذب، وذلك لا يكون إلا بمطابقة الواقع، أو عدم المطابقة.
وفي مثل هذه الأساليب لا واقع تعرض عليه مدلولاتها وتقارن به.
стр. 40
ومثل هذا القول ينطبق على سائر أساليب وأنواع الإنشاء الأخرى من استفهام، وتمنٍّ، وغيرها.
وعدم احتمال الأسلوب الإنشائي للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الأسلوب بغض النظر عما يستلزمه.
وإلا فإنه يستلزم خبراً يحتمل الصدق والكذب؛ فقول القائل: (يا بني تعلم) يستلزم خبراً هو: أنا طالب منك التعلم، وقول القائل: (لا تتكلم) يستلزم خبراً هو: أنا طالب منك عدم التكلم، وهكذا …
ولكن ما تستلزمه الصيغة الإنشائية من الخبر ليس مقصوداً ولا منظوراً إليه.
إنما المقصود والمنظور إليه هو ذات الصيغة الإنشائية.
وبذلك يكون عدم احتمال الإنشاء للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الإنشاء" (١).
د- أقسام الإنشاء: ينقسم الإنشاء إلى قسمين: طلبي وغير الطلبي.
القسم الأول: الإنشاء الطلبي:
وتعريفه هو: الذي يستدعي مطلوباً غير حاصل وقت الطلب.
وأنواعه: هو خمسة أنواع:
أولًا: الأمر: وهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام نحو قوله - تعالى -: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُوا) [آل عمران: ٢٠٠].
وللأمر أربع صيغ تنوب كل منها مناب الأخرى في طلب أي فعل من الأفعال على وجه الاستعلاء والإلزام، وهي:
أ - فعل الأمر: كما في المثال الماضي، وكما في قوله -تعالى-: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ