المراد لو أن قائل قال: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، هذا يُفهم منه أن الله داخل السماء وأن السماء مُحيطة به، هل يُقبل هذا؟!
فيُقال له: هذا فهمك أنت الخاطئ، ولكن الذي يَفهمه العلماء ويفهمه أصحاب المعتقد الصحيح السليم أن قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي: على السماء.
فلفظ "السماء" هنا في الآية له معنيان:
الأول: العلو.
والثاني: الجرم المخلوق المعروف، الذي هو السقف المحفوظ.
فإذا قال أهل السنة: "الله في السماء" فمعنى السماء هنا: العلو.
ومن أراد بلفظ السماء ذلك الجرم المخلوق: فإنه يجعل "في" بمعنى "على".
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀": وأما قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ)] الملك الآية: ١٦ [فمعناه: مَنْ على السماء يعني: على العرش.
وقد يكون "في" بمعنى "على"، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)] التوبة الآية: ٢ [أي: على الأرض، وكذلك قوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)] سورة طه: ٧١ [" انتهى (١).
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "معنى كون الله في السماء: معناه على السماء أي فوقها، فـ (في) بمعنى "على"، كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) أي: عليها.
ويجوز أن تكون (في) للظرفية، و (السماء) على هذا بمعنى العلو، فيكون المعنى: أن الله في العلو، وقد جاءت السماء بمعنى العلو في قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء﴾
ولا يصح أن تكون (في) للظرفية إذا كان المراد بالسماء الأجرام المحسوسة؛
стр. 737
لأن ذلك يوهم أن السماء تحيط بالله، وهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته" انتهى. (١)
وقوله: "ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، كان المفهوم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾: أنه في السماء، أنه في العلو وأنه فوق كل شيء.
وكذلك الجارية لما قال لها: (أين الله؟). قالت: في السماء، إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها".
أشار المصنف هنا إلى دليل الفطرة على إثبات صفة العلو لله ، فدليل الفطرة أمرٌ الله -جَبَلَ النفوس عليه، فما من قائلٍ يقول: يا الله، إلا ويجد في نفسه ضرورة تطلب جهة العلو، لا يلتفت يمنةً ولا يسرة، فأنت إن شئت انظر بعد أن تصلي في مساجد المسلمين كيف يرفع الناس أيديهم في الدعاء، ويتجهون إلى جهة العلو، ولا يلتفتون يمنةً ولا يسرة.
فقد قال إمام الأئمة محمد بن خزيمة ﵀: «باب ذكر البيان أن الله في السماء، كما أخبرنا في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وعلى لسان نبيه ﵇، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين علمائهم وجُهَّالِهِمْ وأَحْرَارِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِم بَالِغِيهِم وأَطْفَالِهِم، كل مَنْ دعا الله جل وعلا فإنه يرفع رأسَه إلى السماء ويمد يدَيْه إلى الله إلى أعلاهُ، لا إلى أسفل» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم، فهذا أمرٌ معلومٌ بالفطرةِ الضروريةِ التي يشترك فيها جميع بني آدم.
стр. 738
وكُلُّ مَنْ كان بالله أعرفَ وله أَعْبَدَ ودُعَاؤُهُ له أكثرَ وقَلْبُهُ له أَذْكَرَ كان علمُه الضروريُّ بذلك أقوى وأكملَ، فالفطرة مُكَمَّلَةٌ بالفطرة المنزَّلة؛ فإن الفطرةَ تعلم الأمر مُجْمَلًا والشريعة تُفَصِّلُهُ وتُبَيِّنُهُ وتَشْهَدُ بما لا تَسْتَقِلُّ الفطرة به، فهذا هذا، والله أعلم» (١).
فالله تعالى فطر القلوب على إثبات علوه عز جل، ولذلك لما تكلم أبو المعالي الجويني في إنكار صفة العلو؛ وقال على المنبر: كان اللهُ ولا عَرْشَ، فقال له أبو جعفر الهمداني: يا أستاذ دَعْنَا مِنْ ذكر العرش- يعني لأن ذلك إنما جاء في السَّمْعِ- أَخْبِرْنَا عن هذه الضرورة التي نَجِدُهَا في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قَطُّ (يا الله) إلا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ، لا تلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حَيَّرَنِي الهمذانيُّ، حَيَّرَنِي الهمدانيُّ، ونزل (٢).
فالله فطر هذه القلوب على إثبات علوه فأنت في كل أحوالك إذا سألت الله اتَّجهت إلى جهة واحدة، وهي جهة العلو، فلا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ لأن الله فطر القلوب على معرفته، ومن ذلك جواب الجارية على النبي ﷺ لما سألها الجارية: «أين الله؟». فقالت: «في السَّماء». فقال ﷺ : «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة» (٣).
فإذًا هذا أمرٌ مغروسٌ في الفِطَرِ، الله تعالى فَطَرَ الناس على ذلك، وما من إنسانٍ صاحب فطرةٍ سليمة إلا وهذا الأمر في فطرته، وهذا يؤكده حديث الجارية، لما سألها النبي ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء، وهذا جاء في صحيح مسلم.
بل إن هذا أمرٌ مغروسٌ في فطر الأمم جميعًا، على اعتقاد بأن الله تعالى في
стр. 739
السماء؛ ولذلك ما من إنسان يحزبه أمر إلا إذا أراد أن يدعو الله تعالى وأن يناجي الله -مد يديه إلى السماء، واتجه بقلبه إلى جهة السماء، يسأل الله ، ويطلب الله .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقراراً بذلك، وتصديقاً من غير أن يتواطؤا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم.
وكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجهاً إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلب عن قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.
فهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك" (١).
وقول المصنف: "وإذا قيل: «العلو»، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله، كما لو قيل: إن العرش في السماء، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق.
وإذا قُدِّر أن «السماء» المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها، كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١]، وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾
стр. 740
[آل عمران الآية: ١٣٧]، وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة الآية: ٢]، ويقال: فلان في الجبل، وفي السطح. وإن كان على أعلى شيء فيه".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀": السلف، والأئمة، وسائر علماء السنَّة إذا قالوا: " إنه فوق العرش "، و " إنه في السماء فوق كل شيء ": لا يقولون إن هناك شيئاً يحويه، أو يحصره، أو يكون محلاًّ له، أو ظرفاً، ووعاءً، عن ذلك، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغنٍ عن كل شيءٍ، وكل شيءٍ مفتقرٌ إليه، وهو عالٍ على كل شيءٍ، وهو الحامل للعرش، ولحملة العرش، بقوته، وقدرته، وكل مخلوق مفتقرٌ إليه، وهو غنيٌّ عن العرش، وعن كل مخلوق.
وما في الكتاب والسنة من قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴿ونحو ذلك: قد يَفهم منه بعضُهم أن "السماء" هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه، فيقولون: قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ ﴿بمعنى: "على السماء"، كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١]، أي: على جذوع النخل، وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران الآية: ١٣٧]، أي: على الأرض.
ولا حاجة إلى هذا، بل " السماء " اسم جنس للعالي، لا يخص شيئاً، فقوله: ﴿فِي السَّمَاءِ ﴿أي: في العلو دون السفل.
وهو العلي الأعلى فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره، العلي الأعلى، " (١)
стр. 741
النصوص الداله على تدبر القرآن وتفهم معانيه
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "القاعدة الخامسة: أنَّا نعلم ما أُخبرنا به من وجه دون وجه، فإن الله تعالى قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء الآية: ٨٢]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون الآية: ٦٨]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الأَلْبَابِ﴾ [ص الآية: ٢٩]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد الآية: ٢٤]، فأمر بتدبر الكتاب كله.
الشرح
من المعلوم أن الله تعبدنا بهذا القرآن ألفاظًا ومعان، وأننا مأمورون بأن نسلم ونصدق بما ورد فيه، وإن كان أحياناً قد لا يصل الإنسان إلى فهم النص، أو معرفة معنى النص، أو أن هناك في النص أمراً متعلقاً بالكيفية لا تبلغه عقول البشر.
فالواجب على الإنسان أن يُسلم ويصدق بهذا الجانب، فالنصوص لم تأت بما يصادم وترده العقول، لكن أحياناً لا تبلغ العقول مبلغ فهم هذا النص، فهذا يأتي من حالين:
إما حال المعنى.
أو حال الكيف.
فالحال الأول: حال المعنى.
فقد يكون الأمر بما يسمى بالاشتباه النسبي، بمعنى: أن النص قد يتضح لك وقد
стр. 742
يخفى علي، أو العكس، بأن يتضح لي ويخفى عليك، فالمعنى قد لا يبلغه عقلك أو فهمك، وهذا وقع حتى لبعض أصحاب النبي ﷺ .
فالصحابة رضوان الله عليهم لما سمعوا قول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، جاءوا يبكون ويقولون للنبي: "وأينا لم يظلم نفسه" ففهموا من الظلم ظلم النفس، فأرشدهم النبي ﷺ إلى المعنى الحق، وقال: «ألم تسمعوا لقول العبد الصالح يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم» (١)، فأفهمهم بأن المراد من الظلم هنا هو الشرك؛ لأن الظلم على ثلاثة أنواع:
ظلم النفس، وظلم الغير، والظلم بمعنى الشرك.
وهذا عدي بن حاتم عربي قُح، عندما سمع قول الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، جاء بحبلين بعقالين أحدهما أسود والثاني أبيض ووضعهما تحت وسادته وأخذ ينظر إليهما، يريد أن يتبين إليه الأبيض من الأسود، فلما جاء إلى النبي ﷺ قال: «إن قفاك لعريض ألم يقل من الفجر» (٢)، فبين له أن المعنى هنا بياض النهار وسواد الليل.
فيقع التباس وعدم قدرة على الفهم من جهة المعنى.
стр. 743
والحال الثاني: حال الكيف.
أي أن الأمر متعلق بالكيفية كمعرفة كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، فنحن لا نعلم كيفية نزوله، ولا كيفية استوائه، لا نعلم هذه الكيفيات فهي أمورٌ لا تبلغها عقولنا، فما جاء النص بما يصادم العقل، لكن قد يأتي النص بما لم يبلغه العقل.
وما لم يصل إليه عقل الإنسان، إما معنىً من جهة قصور فهمنا، أو حقيقة من جهة أن هذا الأمر غيبٌ من الغيوب، فهذه النصوص نقابلها بالتسليم والتصديق.
وإذا كان الأمر متعلقاً بالمعنى سألنا من كان فيها أفقه وأعلم وأعرف، فبالتالي سيبين لك ما هو المعنى المراد من هذا النص.
وإن كان أمراً متعلقاً بالكيفية من الأمور الغيبية فليس لنا إليه سبيل؛ لأنه محجوبٌ عنا، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فليس لنا أن تتخوض في شأن الكيف الذي لا سبيل لنا إليه.
فلا سبيل إلى الكيفيات التي غيبت عنا فهذه الروح بين جنبينا وأقرب شيء إلينا، ومع ذلك لا سبيل إلى معرفة كنهها وكيفيتها مع أنها مخلوقة وبين جنبي الإنسان، فإذاً علينا التسليم والتصديق والتفويض، فالتفويض هنا متعلقٌ بالكيف، أما تفويض المعنى فليس هناك أبداً في النصوص ما لا يُعلم معناه، اعلم هذا جزما، أنه ليس في النصوص ما لا يُعلم معناه، ولا يقول قائل: هذه الحروف المقطعة في أوائل السور لا يُعلم معناها، فهذه ليست كلاماً وإنما هي حروف، ولذلك أنت تقرأها ألف لام ميم، تقرأها حرفاً حرفاً، ومعلوم أن الكلام مركبٌ من الحروف.
فأنت عندما تنطقها تنطقها حروفاً لا تنطقها كلمة ليس ألف لام ميم مثل (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)، فهذه تقرأ حرفاً حرف وهذه تُقرأ كلمة،
стр. 744
فكيف تطلب لها معنى وهي ليست كلمة، وكما قال في ذلك ابن مالك:
كَلَامُنَا لَفْظٌ مُفِيْدٌ كَاسْتَقِمْ … وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ (١)
فالكلام ما أفاد معنى، ولا يكون كلاماً حتى يكون مركباً من حروف.
أما الحروف فهي ليست كلاماً حتى تطلب لها معنى.
ثم من معلوم أن الله تعبدنا بالنصوص ألفاظا تلاوة، وتعبدنا بالقرآن كذلك معنى، فنحن متعبدون بإتباع ما جاء فيه، ولا يُعقل أن الله يتعبدنا بأمرٍ ليس لنا سبيل إلى معرفة معناه، فأمر المعنى أهل السنة لا يفوضون فيه المعاني، وإنما يفوضون الكيفيات.
فليس لإنسان أن يفسر شيئاً من ذلك بهواه أو يرده فإذا رده كان شأنه شأن الجهمية؛ لأن الجهمية هم الذين عطلوا النصوص، عطلوها ألفاظاً بردها، وعطلوها معانٍ بتحريف معانيها، فقالوا: استوى استولى، وقالوا: "اليد بمعنى النعمة والقدرة" (٢) وقالوا: "وجاء ربك وجاء أمر ربك" (٣) فهذا شأن الجهمية رد النصوص، إما ردها ألفاظاً بقوله: " إنها أخبار آحاد ولا يُحتج بها في باب العقائد أو ردوها معانٍ بحيث أولوا أو حرفوا معانيها من المعاني الحقة إلى المعاني الباطلة" (٤)
وبحمد الله تعالى هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو محكم في تنزيله ومحكم في معانيه لكن إذا كان الإنسان يجهل التعامل مع ألفاظ النصوص ومعرفة معانيها فذاك الذي يروج عليه تأويلات هؤلاء، وتأويلاته في غاية من الحمق.
стр. 745
وفي بيان حدود العقل يقول الإمام السفاريني-﵀: ((إن الله خلق العقول وأعطاها قوة الفكر، وجعل لها حداً تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة للوهب الإلهي، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدِّها، ووفت النَّظر حقَّه، أصابت بإذن الله تعالى، وإذا سلَّطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها، ووراء حدِّها الذي حدَّه الله لها، ركبت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء)) (١).
وقول المصنف: "وقد قال: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُو الألْبَابِ﴾ [آل عمران الآية: ٧].
وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾، وهذا هو المأثور عن أُبَيّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، ورُوي عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه، تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب.
وقد رُوي عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها".
يتحدث المصنف هنا عن مسألة مهمة تتعلق بفهم ظاهر النصوص وفحوى هذه المسألة هل في النصوص ما لا يعلم معناه.
стр. 746
وقد تقدم بيان أن الفهم إما أن يتعلق بالمعنى أو بالكيف، وذكر الفرق بينهما.
وهذه الآية يستدل بها كل من أهل السنة من طرف كما يستدل بها أهل التعطيل سواء منهم من يسمون أهل التأويل أو من يسمون أهل التفويض من طرف آخر، ومن باب توضيح المعاني المقصودة بالآية من جهة الوقف في الآية وهل هو على قوله (إلا الله) أو على قوله: (والراسخون في العلم)، من جهة بيان المقصود بالمحكم والمتشابه، والمقصود بمعنى التأويل عمومًا وفي الآية خصوصًا.
وسيتم شرح النص بحسب نوع المسألة:
стр. 747
فالمسألة الأولى: مسألة الوقف في الآية.
وقد ذكر المصنف أن لعلماء السلف في مسألة الوقف في الآية قولان معتبران.
القول الأول: قول: "جمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ "
وأشار المصنف إلى أن معنى "التأويل" على هذا القول يكون حقيقة الأشياء وكيفياتها التي هي عليها من أمور المغيبات واستشهد المصنف لذلك بما "رُوي عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه، تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب".
فالنوع الرابع من الأنواع التي ذكرها ابن عباس هو المقصود بالتأيل في هذه الآية إذا كان الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾.
القول الثاني: أن الوقف يكون على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فيكون معنى التأيول في الآية هو التفسير.
وأشار المصنف إلى أن هذا المعنى روي عن بعض السلف فقال: "رُوي عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها".
وقال المصنف عن الترجيح بين القولين: "ولا منافاة بين القولين عند التحقيق" وهذا ما سيأتي توضيحه.
стр. 748
المسألة الثانية: معاني التأويل عموما وفي الآية خصوصًا.
فإن لفظ «التأويل» قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملا في ثلاثة معان:
أحدها- وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله- أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به؛ وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وترك تأويلها، وهل هذا محمود أو مذموم، وحق أو باطل؟ ".
هذا هو أحد المعاني التي استعمل فيها اصطلاح التأويل، وهذا الاستعمال ليس هو المقصود في الآية بحسب ما فسرت به عند علماء السلف، وإنما اصطلاح حادث يرد في كلام الأصوليين والفقهاء والمتكلمين، وهذا الاصطلاح نصه كما ذكر المصنف: "أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به".
فتخصيص لفظ التأويل بهذا المعني إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين، وأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعني، بل يريدون المعني الثاني أو الثالث كما سيأتي.
ولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالي ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ آل عمران: ٧، أريد به هذا المعني الاصطلاحي الخاص، واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ لزم من ذلك أن يعتقدوا أن لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها، وأن ذلك المعني
стр. 749
المراد بها لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن، وهو جبريل ولا يعلمه محمداً صلي الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء، ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأن محمداً صلي الله عليه وسلم كان يقرأ قوله تعالي ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه: ٥ قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر: ١٠ وقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة: ٦٤ وغير ذلك من آيات الصفات، بل ويقول: "ينزل ربنا كل ليلة إلي السماء الدنيا" ونحو ذلك، وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال، بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله، ويظنون أن هذه طريقة السلف.
من قول أهل السنة الإيمان بالنصوص على ظاهرها ورد التأويل الفاسد، ويقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النص عند متأخري الأصوليين، والظاهر عندهم على حد تعريفهم: ما احتمل معنى راجحاً وآخر مرجوحاً، والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، (فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين) (١).
فالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم، ونفيه يكون تكذيباً للمتكلم، أو اتهاماً له بالعي وعدم القدرة على البيان عما في نفسه، أو اتهاماً له بالغبن والتدليس وعدم النصح للمكلف، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله الأمين ﷺ .
ومراد المتكلم يعلم:
أ - إما باستعماله اللفظ الذي يدل بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق
стр. 750
عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة.
ب - أو بأن يصرح بإرادة المعنى المطلوب بيانه.
ت - أو أن يحتف بكلامه من القرائن التي تدل على مراده.
وعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر -من غير دليل يوجبه أو يبين مراد المتكلم-تحكم غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، وهذا وإن سماه المتأخرون تأويلاً إلا أنه أقرب إلى التحريف منه إلى التأويل.
ولا يسلم لهذا المتأول تأويله حتى يجيب على أمور أربعة:
أحدهما: أن يبين احتمال اللفظ لذلك المعنى الذي أورده من جهة اللغة.
الثاني: أن يبين وجه تعيينه لهذا المعنى أنه المراد.
الثالث: أن يقيم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره؛ لأن الأصل عدمه.
قال ابن الوزير ﵀: "من النقص في الدين رد النصوص والظواهر، ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل" (١).
الرابع: أن يبين سلامة الدليل الصارف عن المعارض، إذ دليل إرادة الحقيقة والظاهر قائم، وهو إما قطعي، وإما ظاهر، فإن كان قطعيا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهراً فلابد من الترجيح (٢).
قال ابن القيم: «والمقصود أن التَّأْوِيل يتجاذبه أصلان: التفسير، والتَّحْرِيف.
فتأويل التفسير هو الحق، وتأويل التَّحْرِيف هو الباطل.
فتأويل التَّحْرِيف مِنْ جنس الإلحاد؛ فإنه هو الميلُ بالنصوصِ عن ما هي عليه،
стр. 751
إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها، وكذلك الإلحاد في أسماء الله يكون بجحد معانيها وحقائقها، وتارةً يكون بإنكار المسمَّى بها، وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها.
فالتَّأْوِيل الباطل هو إلحادٌ وتحريفٌ، وإن سماه أصحابه تحقيقًا وعرفانًا وتأويلًا.
فمِن تأويل التَّحْرِيف والإلحادِ تأويلُ الجهمية قولَه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: جَرَحَ قلبَه بالحِكم والمعارف تجريحًا.
ومن تحريف اللفظ إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: (وكلَّم اللهَ) أي: موسى كلم اللهَ، ولم يكلمه اللهُ، وهذا من جنس تحريف اليهود، بل أقبح منه، واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم.
ولما حرَّفها بعضُ الجهمية هذا التَّحْرِيف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنعُ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! فَبُهِتَ المحرِّف.
ومن هذا أنَّ بعض الفرعونيَّة سأل بعضَ أئمة العربية هل يمكن أن يُقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ وقصد الفرعونيُّ بهذا التَّحْرِيف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق، لا للخالق.
ولو تَيَسَّر لهذا الفرعوني هذا التَّحْرِيف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الصفات» (١).
الثاني- أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنِّفين في التفسير: «واختلف علماء التأويل». ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم- فإذا ذكر أنه يعلم
стр. 752
تأويل المتشابه، فالمراد به معرفة تفسيره.
أي أن لفظ التأويل يطلق ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وهذا اصطلاح السلف، وجمهور المفسرين، وهو موافق لقول من قال بالوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران الآية: ٧]. (١).
وضرب المصنف أمثلة على استعمال هذا المعنى في كلام السلف:
المثال الأول: قوله: "كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنِّفين في التفسير: «واختلف علماء التأويل» ". فيستعملون لفظ التأويل ويريدون به التفسير.
المثال الثاني: قوله: "يعلم تأويل المتشابه" أي يعلم تفسير المتشابه.
الثالث- من معاني التأويل- هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف الآية: ٥٣]. فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه، مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته قال: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف الآية: ١٠٠]، فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا.
فالتأويل الثاني هو تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يُفسَّر به اللفظ حتى يُفهم معناه أو تُعرف علته أو دليله، وهذا التأويل الثالث هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم ربنا
стр. 753
وبحمدك، اللهم اغفر لي)) يتأول القرآن" (١). تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر الآية: ٣]. وقول سفيان بن عيينة: "السُّنة هي تأويل الأمر والنهي" (٢)، فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبَر عنه هو تأويل الخبر، والكلام خبر وأمر، ".
المعنى الثالث من معاني التأويل كما ذكر المصنف: "هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وهي وقوع المخبر به في وقته الخاص إذا كان الكلام خبراً، أو امتثال ما دلَّ عليه الكلام إذا كان الكلام طلباً، وهذا اصطلاح آخر قال به السلف الصالح (٣).
وبين المصنف أن الكلام ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الخبر. فإذا كان الكلام من هذا القسم، فإن تأويله هو وقوع المخبر به في وقته الخاص، ومثاله ما وقع في قصة يوسف ﵇ كما ومثاله:
١ - مثل المعاد وما يكون فيه من القيامة والحساب والجزاء، وهذا القسم هو المقصود بقول المصنف: "كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف الآية: ٥٣]. فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه، مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك".
стр. 754
٢ - ومنه كذلك قول المصنف: "كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته قال: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف الآية: ١٠٠ [فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا".
والقسم الثاني: الأمر.
فإذا كان الكلام من هذا القسم، فإن تأويله امتثال ما دلَّ عليه الكلام إذا كان الكلام طلباً، كما قال المصنف: "فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به".
ومثاله: "قول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن. تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾. وقول سفيان بن عيينة: السُّنة هي تأويل الأمر والنهي".
وقول المصنف: "ولهذا يقول أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة. كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصَّمَّاء، لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أُمر به ونفس ما نُهي عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ ، كما يعلم أتباع أبقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهم ما لا يُعلم بمجرد اللغة".
أعطى المصنف هنا مثالًا على تأيل الأمر بقول "أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة" (١).
أي لما كان تأويل الأمر والنهي-وهو امتثالهما-يحتاج إلى العلم به كان الفقهاء أعلم بتأويل الأحكام من أهل اللغة لأنهم يعلمون مقاصد الشريعة، ولهم ممارسة الألفاظ الوحيين، لهذا قال الإمام ابن خزيمة: "ومحال أن يكون أهل الشعر أعلم بلفظ الحديث من علماء الأثر الذين يعنون بهذه الصناعة يروونها ويسمعونها من ألفاظ العلماء ويحفظونها، وأكثر طلاب العربية إنما يتعلمون من
стр. 755
الكتب المشتراة والمستعارة من غير سماع" (١)
مثال ذلك:
«أن النبي نهى عن اشتمال الصماء» (٢)؟ قال الأصمعي (٣): أي أن يشتمل الرجل بثوبه فيجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا ولا يخرج منه يده، فهذا قول أهل اللغة.
قال أبو عبيد (٤): "والفقهاء يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه على منكبيه فيبدو منه فرجه. والفقهاء أعلم بالتاويل في هذا، وذاك أصح لغة" (٥) ولكن كلا من التفسيرين معمول به عند الفقهاء، والله أعلم.
وهكذا فإن أهل كل فن أعلم بمقاصده من غيرهم، فمثلا يعلم بقراط (٦) في الطب ما لايعلمه غيره عن الطب بمجرد معرفته للغة.
وهكذا سيبويه (٧) في النحو فمثلا إذا قيل: محمد قائم، أو قام محمد، فالظاهر أن محمدا فاعل في العبارتين لكن عند النحاة محمد مبتدأ في الأولى وفاعل في
стр. 756
الثانية (١).
وقول المصنف: "ولكن تأويل الأمر والنهي لا بد من معرفته بخلاف تأويل الخبر".
أي أن الفرق بين تأويل الأمر وتأويل الخبر هو:
أن الأمر يجب معرفته حتى يفعل، فلا بد في الأوامر والنواهي أن تمتثل.
أما الخبر فلا يجب معرفته، فإنه يقع وإن جهل.
وقول المصنف: "إذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدَّسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء والصفات هو حقيقة نفسه المقدَّسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد".
أي أن كيفية ذات الله وصفاته داخلة في هذا المعنى من معاني التأويل، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو الكيف المجهول الذي قال به السلف الصالح-﵃ (٢)، كما في أثر الإمام مالك-﵀، وغيره، والتي سيأتي إيرادها.
стр. 757
المسألة الثالثة: الاتفاق في الاسم لا يلزم منه تماثل المسمى.
المتن
قال المصنف ﵀: "ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة، تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلاً وماء وخمرًا ونحو ذلك، وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكن ليس هو مثله، ولا حقيقته كحقيقته. فأسماء الله تعالى وصفاته أَوْلى- وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه- أن لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته".
الشرح
بين المصنف أننا في شأن ما ورد في كلام الله وكلام زسوله ﷺ الواجب علينا أن نعمل بمحكمه، وأن نؤمن بمتشابهه فإيماننا صحيحٌ بحقِّ ما كُلِّفنا به وإن لم نَعرف حقيقة ماهيته وكيفيته.
والموقف الصحيح من الألفاظ المتشابهة سواء ما كان منها يتعلق بالله أو ما كان منها يتعلق ببعض المخلوقات يبينه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
فالأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشكك، فالحق فيها هو أن يقال إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع،
стр. 758
والبصر، والعلم ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.
ولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.
وللعبد منها ما يليق به.
وذلك لأن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات:
الاعتبار الأول: اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد.
الاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًّا به.
الاعتبار الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد كل مقيدًا به.
فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.
وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات.
والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات.
والعليم والقدير وسائر الأسماء.
فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباتها للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل يثبت له على وجه لايماثله فيه خلقه ولا يشابههم.
فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله، ومن أثبته على وجه لا يماثل فيه خلقه به، كما يليق بجلاله وعظمته فقد بريء من فرث التشبيه ودم التعطيل، وهذا طريق أهل السنة.
وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله كما يلزم حياة العبد من
стр. 759
النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك، وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم علوَّه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولاً به، مفتقرًا إليه، محاطا به، كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎.
وما لزم الصفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق.
فإذا أحطت بهذه القاعدة خبرًا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين:
ا-آفة التعطيل ٢٠ - وآفة التشبيه.
فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة فخلصت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب) (١).
стр. 760
المسألة الرابعة: أن الله يُخبر عن الغائب بالمعنى المعلوم في الشاهد وإن كانت الحقيقة مختلفة.
المتن
قال المصنف ﵀: "والإخبار عن الغائب لا يُفهم أن لم يُعبَّر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويُعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميِّز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يُعلم في الشاهد، وفي الغائب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار، علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منّا فهمه بذلك الخطاب، وفسّرنا ذلك".
الشرح
قال ابن تيمية: "الإنسان يعتبر بما عرفه على ما لم يعرفه، ولولا ذلك لانسدت عليه طرق المعارف للأمور الغائبة، فإن الإنسان يعلم أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير، فإنه لولا تصوره لهذه المعاني من نفسه ونظره إليها لم يمكن أن يفهم ما غاب عنه.
كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن
стр. 761
يكون الغيب مثل الشهادة، فقد قال ابن عباس ﵄: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء"، فإن هذه الحقائق التي أخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع ما يمتنع عليها، ويكون مادتها مادتها ويستحيل استحالتها، فإنا نعلم أن ماء الجنة لا يفسد ولا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يصدع شاربها ولا ينزف عقله، فإن ماءها ليس نابعًا من تراب ولا نازلاً من سحاب مثل ما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقًا من أنعام كما في الدنيا وأمثال ذلك.
فإذا كان المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم وبينهما قدر مشترك وتشابه فعلم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة.
فالخالق ﷻ أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا، فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير لم يلزم أن يكون مماثلاً لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق، وكل واحد من صغار الحيوان له حياة وقوة وعمل وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئًا من المخلوقين" (١).
стр. 762
المسألة الخامسة: بعض حقائق الأشياء لا يمكن للخلق العلم بكنهها وكيفيتها.
المتن
قال المصنف ﵀: "وأما نفس الحقيقة المخبَر عنها، مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة، فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان. فبيّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة.
ومثل هذا يوجد كثيرا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو.
وقد قال النبي ﷺ : (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) وهذا في صحيح مسلم وغيره، وقال في الحديث الآخر: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك). وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم.
وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه الأسماء التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره".
стр. 763
الشرح
لا زال حديث المصنف موصولًا عن بيان أحد معاني التأويل الذي هو حقيقة الشيء وكيفيته، وقد سبق بيان أن هذا النوع من التأويل ينقسم بحسب نوع الكلام، وأن الكلام ينقسم إلى قسمين فمنه ما هو خبر ومنه ما أمر، وسبق بيان الفرق بين تأويل الأمر وتأويل الخبر هو:
أن الأمر يجب معرفته حتى يفعل، فلا بد في الأوامر والنواهي أن تمتثل.
أما الخبر فلا يجب معرفته، فإنه يقع وإن جهل.
قال ابن القيم: "وقد أخبرنا الله عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يَعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشكُّ المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته؛ كما قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء».
فكذا الأسماء والصفات لا يَمنع انتفاء نظيرها في الدنيا مِنْ فهم معانيها وحقائقها والإيمان بذلك واعتقاد اتصاف الله بها" (١).
ويجب على طالب العلم أن يفرق بين معاني التأويل الشرعية عمومًا عمومًا ليعرف مقصود السلف في التعامل مع كل معنى، ومما يوضح ذلك أنه.
أولًا: إذا قصد بمعنى التأويل التفسير.
فإنه على هذا المعنى يقال إن السلف يجرون هذه النصوص على ظاهرها، ولكن الظاهر الذي يليق بجلال الله وكماله، فيثبتون اليد، ويثبتون السمع،
стр. 764
ويثبتون البصر، ويثبتون العلم، ويثبتون الاستواء، ويثبتون النزول، ويثبتون سائر الصفات، ولكن على ما يليق بجلال وكمال الله ، فالله هو الذي أخبر بهذه الصفات، ووصف نفسه بهذه الصفات، كما وردت بذلك نصوص الكتاب والسنة.
وهذا المعنى هو المقصود بقول الإمام مالك " الاستواء معلوم".
ثانيًا: إذا قصد بمعنى التأويل الحقيقة والكيفية.
فإن السلف يقولون: إن الإيمان بهذه الصفات هو إيمان وجود، لا إيمان بمعرفة حقيقتها وكيفيتها.
فمع أن هذه الصفات صفات ثابتة حقيقة لله ، ولكن مع هذا لا نعقل ولا نعلم كيفية تلك الصفات.
وهذا المعنى هو المقصود بقول الإمام مالك: "والكيف مجهول".
وقول المصنف: "ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان. فبيّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة.
قول الإمام مالك-﵀ (١٧٩ هـ) حينما سأله رجل عن قوله تعالى:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١)، كيف استوى؟ قال: ((الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالاً"، فأمر به فأخرج)) (٢).
وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: "سُئل
стр. 765
ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة من غير وجه، منها: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني، وأبو بكر البيهقي، عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟، فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُّحَضَاء ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يُخرج" (٢).
فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافقٌ لقول الباقين: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة) (٣).
وقد علَّق الإمام الذهبي-﵀، على قول الإمام مالك بقوله: ((وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمِّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً ولا إثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقيناً مع ذلك أن الله لا مثل له لا في صفاته، ولا في استوائه ولا في نزوله ) (٤).
стр. 766
وقال الوليد بن مسلم-﵀: ((سألت مالك بن أنس، وسفيان الثورى، واللَّيث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: "أمروها كما جاءت"، وفى رواية فقالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف)) (١).
فقولهم: ((بلا كيف))، صريح في نفي العلم بالكيفية، وقولهم: ((كما جاءت)) صريح في إثبات المعنى؛ لأن هذه الأخبار جاءت بلسان عربي مبين، وهم أهل هذا اللسان، فلا يتصور عاقلٌ أنهم لم يدركوا معانيها وسكتوا عن السؤال عنها.
"فقولهم ﵃: "أمِرُّوها كما جاءت" ردٌّ على المعطلة، وقولهم: "بلا كيف" رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون هم أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهما" (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف" (٣)، فإن الاستواء حينئذٍ لا يكون معلومًا، بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم.
وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية، إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان
стр. 767
من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.
وأيضًا: فقولهم: أمِرُّوها كما جاءت. يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن الله لا يُوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيفية عما ليس بثابت لغوٌ من القول" (١).
وقول المصنف: "ومثل هذا يوجد كثيرا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو".
طلب معرفة كيفية صفات الله بدعة، فالله تعالى ما أطلعنا ولا أخبرنا ولا تعبدنا بمعرفة كيفية استوائه. فمعرفة كيفية الصفات غير حاصل للعباد؛ لأن العلم بكيفية الصفات فرع العلم بكيفية الموصوف، فإذا كان الموصوف لا تُعلم كيفيته، امتنع أن تُعلم كيفية صفاته (٢)،
وأكدَّ المصنف على اتفاق أهل السنة والجماعة على نفي معرفة حقيقة الله وكيفية صفاته، وقالوا: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، ولا يحيط أحد من المخلوقين على حقيقة ذاته (٣).
أما أقوال السلف-رحمهم الله تعالى-في تقرير هذه القاعدة، فكثيرة جداً، ويصعب استقصاؤها، لكن أكتفي بإيراد نماذج منها من مختلف العصور، حتى
стр. 768
يستبين لك التوافق التام بين عقيدة أهل السنة والجماعة، على اختلاف الأزمان وتباعد الأوطان، فمن ذلك:
ما نُقل من اتفاقهم على نفي العلم بالكيفية، مع إثبات الصفات على ظاهرها المتبادر، وقد نقل هذا الاتفاق عنهم، الإمام الخطابي (١)، والخطيب البغدادي (٢)، والإمام أبو القاسم التيمي (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والإمام الذهبي (٥).
• ومن ذلك: ما روي عن الإمام أبي حنفية-﵀ (١٥٠ هـ) عندما سُئل عن النزول، فقال: ((ينزل بلا كيف)) (٦).
فقد أثبت هذا الإمام-﵀-النزول، لكن نفى العلم بالكيفية، وفق ما سبق بيانه من مراد السلف بقولهم: "بلا كيف".
• وقول عبد العزيز بن الماجشون-﵀ (ت ١٦٤ هـ): (( … في صفة الرب العظيم، الذي فاتت عظمته الوصف والتقدير، وكلَّت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره؛ فلم تجد العقول مساغاً فرجعت خاسئة حسيرة، وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق، وإنما يقال: كيف؟ لمن لم يكن مرةً ثم كان، أما من لا يحول ولا يزول، وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو)) (٧).
стр. 769
فبيَّن-﵀-أن الله لا يقال عنه كيف، كما يُسأل بذلك عن المخلوق؛ لأنه تعالى لم يخبرنا بكنه ذاته وصفاته، وقد انحسرت العقول عن معرفة ذلك؛ ولأنه تعالى لا مثيل له ولا نظير، فلا يعلم كيف هو إلا هو.
• وعن الإمام الفضيل بن عياض-﵀ (١٨٧ هـ) قال: ((ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف؛ لأن الله وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآيات: ١ - ٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف الله نفسه، وكل هذا النزول والضحك، وهه المباهاة، وهذا الاطلاع كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يباهي، وكما شاء أن يضحك، وكما شاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف)) (١).
• وقال الإمام ابن قتيبة (٢) ﵀ (ت ٢٧٦ هـ) أثناء مناقشته لمنكري الرؤية: ((فإن قالوا لنا: كيف ذلك المنظور والمنظور إليه؟ قلنا: نحن لا ننتهي في صفاته ﷻ إلا حيث انتهى إليه رسول الله ﷺ ، ولا ندفع ما صحَّ عنه؛ لأنه لا يقوم في أوهامنا ولا يستقيم على نظرنا، بل نؤمن بذلك من غير أن نقول فيه بكيفيةٍ وحدٍّ، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت، ونرجو أن يكون في ذلك من القول والعقد بسبيل النجاة والتخلص من الأهواء كلها غداً إن شاء الله تعالى)) (٣).
وذكر-﵀: ((أن الله وضع عن عباده أن يفكروا كيف كان، وكيف قدَّر، وكيف
стр. 770
خلق، وأن البحث عن ذلك مستحيل ممتنع؛ لأنه تكليف بما لا يقدر عليه العبد، ولم يكن إدراك ذلك في وسعه ولا في تركيبه)) (١).
• وعقد الإمام ابن منده (٢) ﵀ (ت ٣٩٥ هـ) في كتابه "التوحيد" فصلاً بعنوان: ((ذكر بيان النهي عن تقدير كيفية صفات الله ، والدليل على إثبات صفاته، وأن الله وصف نفسه بالسمع والبصر واليمين بترك التشبيه والتمثيل)) (٣)، وأورد تحته العديد من النصوص الدالة على ما ذكر.
• ومن كلام الإمام أبي محمد الجويني (٤) ﵀ (ت ٤٣٨ هـ)، قال: ((صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد، فيكون المؤمن بها مبصراً من وجه، أعمى من وجه، مبصراً من حيث الإثبات والوجود، أعمى من حيث التكييف والتحديد)) (٥).
• وقد بيَّن الإمام ابن عبد البر-﵀ (ت ٤٦٣ هـ) أن أهل السنة والجماعة لا يخوضون في شأن الكيفية بل: ((يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عياناً وقد جلَّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون؛ فلا يصفه ذووا العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ،
стр. 771
فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]) (١).
• وقال الإمام البغوي-﵀ (ت ٥١٠ هـ): ((إن الامتناع عن الخوض في صفات الله تعالى بالتكييف والتشبيه واجب، وأن المهتدي من سلك في نصوص الصفات طريق التسليم، وأن الخائض فيها زائغ، والمنكر معطِّل، والمكيِّف مشبِّه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]) (٢).
• ومما ذكره الإمام ابن القيم-﵀ (ت ٧٥١ هـ) في تقرير هذه المسألة قوله: ((إن العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها؛ فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: "بلا كيف"، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته، ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا لا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فَعَجْزُنَا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم)) (٣).
قال المصنف: "وقد قال النبي ﷺ : ((لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) وهذا في صحيح مسلم وغيره، وقال في الحديث الآخر: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك). وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم.
وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه
стр. 772
الأسماء التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره".
جانب الإثبات لا يمكن أن يحاط به بحال، وله من الكمالات التي يحمد عليها ما لم يطلِّع عليه أحد، وما لا يُطلَّع عليه إلا يوم القيامة، كما دل على ذلك الحديث المشهور بسيد الاستغفار، وفيه عن النبي ﷺ أنه قال: ((مَا أَصَابَ عَبْداً قَطٌ هَمٌّ وَلَا غَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمِ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ … )) الحديث (١).
والشاهد من الحديث قوله: ((أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ … ))، دليل على أن أسماء الله منها ما هو غير معلوم للبشر، وأسماؤه مشتقة
من صفاته، فدلَّ على أنَّ له صفات أخرى لم يطلع عليها أحد.
وقوله ﷺ في سجوده: ((اللَّهُمَ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) (٢).
ووجه الشاهد قوله: ((لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))، فإنه لو أحصى ثناءً عليه، لأحصى أسماءه، وبالتالي يحصي صفاته؛ لأنها مشتقة منها.
стр. 773
المسألة السادسة: أسماء الله وصفاته متنوعة في معانيها متفقة في دلالتها على ذات الله.
المتن
قال المصنف ﵀: "والله أخبرنا أنه عليم، قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته؛ فنحن نفهم معنى ذلك، ونميّز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات.
وكذلك أسماء النبي ﷺ مثل محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب.
وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن، والفرقان، والهدى، والنور، والتنزيل، والشفاء، وغير ذلك.
ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها؛ هل هي من قبيل المترادفة لاتحاد الذات، أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات، كما إذا قيل: السيف، والصَّارِم، والمُهَنَّد؛ وقصد بالصّارم معنى الصّرم، وفي المهند النسبة إلى الهند؟ والتحقيق أنها مترادفة في الذات متباينة في الصفات.
الشرح
لا يزال الحديث متصلًا عن ظواهر النصوص وتفسيرها، ويتحدث المصنف هنا عن جانب مهم وهو معرفة أنواع الألفاظ واستعمالاتها، وقد يُشكل على البعض: أن
стр. 774
الله قد سَمَّى نفسه بصفات وسَمَّى عباده بنظير ذلك؛ فيتردد عند ذلك: هل يُثبت تلك الصفات لله حقيقة أم لا؟
فَمِنْ أجل توضيح هذه المسألة أقول: اعلم-وَفَّقَك الله-أن الألفاظ منها:
١ - ما هو مترادف: هو ما اختلف لفظه واتَّحد معناه؛ مثال ذلك: الليث-الأسد-أسامة-الغضنفر.
فهذه ألفاظ مختلفة والمسمى بها واحد؛ لذا تُسَمَّى الألفاظ المترادفة.
٢ - ما هو مشترك: وهو ما اتَّحد لفظه واختلف معناه؛ مثال ذلك: لفظ: (العين)؛ فهي تُطلق على (العين الباصرة-والعين الجارية-والجاسوس-والحسد).
فاللفظ واحد والمعاني مختلفة، وهذه تُسَمَّى الألفاظ المشتركة.
٣ - ما هو متباين: وهو ما اختلف لفظه ومعناه؛ مثال ذلك: (السماء والأرض-والجنة والنار).
فلكل لفظ من هذه الألفاظ معنى يختلف عن الآخر، فهذه تُسَمَّى الألفاظ المتباينة.
٤ - ما هو متواطئ: وهو ما اتفق لفظه ومعناه، وهو نوعان:
الأول: التواطؤ المُطلق: وذلك إذا كان المعنى متساويًا في الجميع؛ مثاله: لفظ (الرجل) يقال: زيد رجل وعمر رجل، فالمعنى متساو في الجميع.
الثاني: التواطؤ المشكِّك: وذلك إذا كان المعنى متفاوتًا متفاضلاً.
وسُمِّي بالمشكك؛ لتشكك السامع: هل هذا اللفظ مِنْ قبيل المتواطئ أم من المشترك؟
مثاله: لفظ (النور)؛ فيقال: (نور الشمس ونور السراج)، فالمعنى في الاثنين
стр. 775
واحد، ولكن هناك تفاوت وتفاضل؛ فشتان بين نور الشمس ونور السِّراج (١).
فالأسماء التي تُطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشُكك؛ فالحق فيها هو أن يقال: إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تُطلق على الله وعلى العباد؛ كـ (الحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع، والبصر، والعلم) ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.
ولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.
وللعبد منها ما يَليق به.
وعليه فإن النظر لأسماء الله وصفاته لا يخلو من حالين:
الحال الأول: باعتبار دلالتها على ذاته . فهي بهذا الاعتبار تكون من نوع الألفاظ المترادفة.
قال ابن تيمية: "فأسماؤه كلها مُتَّفقة في الدلالة على نفسه المقدسة" (٢).
الحال الثاني: باعتبار ما تضمنه كل اسم أو صفة من معنى
قال ابن تيمية: "ثم كلُّ اسم يدل على معنى مِنْ صفاته ليس هو المعنى الذي دل على الاسم الآخر" (٣).
ومن الأمثلة على ذلك:
فـ (العزيز) يدل على نفسه مع عِزَّته.
و (الخالق) يدل على نفسه مع خلقه.
و (الرَّحيم) يدل على نفسه مع رحمتها.