الصفات. وشرح هذا الوجه يتبين بثلاثة أمور:
الأمر الأول: موقف الفريقين من الصفات عمومًا.
وأما موقف المعتزلة ومن وافقهم:
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه، فردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به (١) لأنهم يقولون إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، وينفون أن يكون لله وصف قائم به علم أو قدرة أو إرادة أو كلام (٢)
وأما موقف الكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية: فيفرقون بين الوصف والصفة
فيجعلون الوصف: هو القول
ويجعلون الصفة: المعنى القائم بالموصوف (٣)
فقالوا: إن الوصف الذي هو القول يراد به الأفعال، وزعموا أنها لا تقوم به، والصفة: هي الصفات اللازمة القائمة بالذات
فظنوا أن هناك نوعين مختلفين من الصفات:
أحدهما: قائم بالذات لازم لها، كصفات المعاني السبعة التي هي العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام
والثاني: صفات أفعال لا تقوم عندهم بالذات، بل هي نسب إضافية عدمية تنشأ من إضافة المفعول لفاعله، ولا يعقل لها وجود إلا بتلك الإضافة، فوجودها أمر
стр. 912
سلبي، وليس لها وجود في نفسها، فليس ثمت عندهم موجود إلا المفعولات، وأما الأفعال فنسب وإضافات (١).
الأمر الثاني: أن كلا الفريقين يستدل بنفس الدليل ولكن لكل واحد منهما فهمه الخاص.
والفرق بينهما
أن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث- بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.
ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: "لا تقوم به الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضاً".
ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته (٢).
ففرقوا بين الأعراض -أي الصفات- والحوادث -أي الأمور المتعلقة بالمشيئة (٣)(٤).
стр. 913
فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (١)، ويقولون: "لو قامت به لكان محلاً للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالاً فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالاً لم يجز وصفه به (٢).
الأمر الثالث: شرح كلام المصنف.
كل واحد من الفريقين عنده قدر من الإثبات وقدر من النفي، أما الإثبات فالمعتزلة يثبتون الأسماء، وأما الصفاتية فيثبتون بعض الصفات كصفة الحياة والسمع والبصر.
وأما النفي فإن المعتزلة ومن وافقهم ينفون جميع الصفات، وأما متكلمة الصفاتية فينفون الصفات الاختيارية كما هو قول قدمائهم، أو ينفون جميع الصفات ما عدا الصفات السبع أو الثمان وهذا قول المتأخرين منهم.
فكل واحد من الفريقين يحتج بنفس هذا الدليل على القدر الذي يثبته أو ينفيه
стр. 914
الآخر وهذا معنى قول المصنف: "فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي"
وأعطى المصنف مثالًا لذلك بكون متكلمة الصفاتية قد أثبتوا بعض الصفات فقال المصنف: "فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر"
فيحتج عليهم المعتزلة بما ذكره المصنف بقوله: "إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم، لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا"
فيجيب متكلمة الصفاتية على هذا الاعتراض بأن المعتزلة كذلك يثبتون الأسماء كالحي والعليم والقدير وتقولون إن إثباتها لا يستلزم الجسمية فكذلك نحن نقول بنفس قولكم أن إثبات تلك الصفات لا يستلزم أن يكون جسمًا وهذا ما أشار إليه المصنف بقوله: "قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًا عالما قادرًا إلا جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيًّا عالما قادرًا، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يُعلم بضرورة العقل".
فإن كل من أثبت صفة ونفي أخرى مخالفا غيره فيما أثبت ونفى الزم كل منهما صاحبه فيما نفاه بعين ما يلزمه الآخر فيما يثبته لأن كليهما اعتمد على مسلك نفي التجسيم وهذا يكشف بطلان هذا المسلك إذ أصحابه متناقضون. إذ كل يعترض على صاحبه بما هو معارض به من قبل غيره.
المتن
قال المصنف ﵀: "ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد
стр. 915
ونحو ذلك- إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم، لأنَّا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم، قالت لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين.
الشرح
انتقل المصنف من اعتراض كل من المعتزلة ومتكلمة الصفاتية على بعضهم البعض على اعتبار أن كل واحد منهما يحمل قدرًا من النفي إلى شأن أخر وهو اعتراض أصحاب منهج السلف مع المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية الذين ينفون ما عدا الصفات السبعة، على اعتبار أن كل واحد منهما يحمل قدرًا من الإثبات فأطلق على الفريقين مسمى (المثبتة).
فمن المعلوم أن منهج السلف هو إثبات جميع الصفات بما فيها الصفات الاختيارية كصفة الرضا، والغضب، والحب، والبغض، والاستواء، والنزول، والإتيان، والمجيء.
كما أنهم يثبتون الصفات الذاتية كالوجه، واليد، ونحو ذلك.
فبدأ باعتراض المتأخرين من الأشاعرة ومعهم الماتريدية على أتباع منهج السلف فقال: "ثم هؤلاء المثبتة" ويعني بهم المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية "إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد ونحو ذلك- إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم".
فهذا وجه اعتراضهم أن إثبات هذه الصفات يلزم منه التجسيم لأنهم على-حد
стр. 916
زعمهم-يقولون: "لأنَّا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم".
وقول المصنف: "قالت لهم المثبتة" ويعني بهم أتباع منهج السلف. فقد قالوا جوابًا على هذا الاعتراض بجنس ما ذكره هؤلاء وهو أنكم "فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام" أي أن المتأخرين من الأشاعرة ومعهم الماتريدية وصفوه بالصفات السبع وذكر ستة منها والصفة السابعة هي صفة الإرادة.
وقوله: "وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك".
أي إذا كانت تلك الصفات التي نفيتموها مثل النزول والاستواء والمجيء ونحوها لا يوصف بها إلا الجسم، فالواجب أن تقولوا في الصفات التي أثبتموها مثل ذلك أنها لا يوصف بها إلا الجسم.
وقوله: "فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين". أي كل واحد منهما تسمى صفات وكذلك أطلقت على الله فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين.
المتن
قال المصنف ﵀: "ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقًا فاسدًا- لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله تعالى بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقًا ولا تبطل باطلاً، ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار، ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتَدَع، الذي أنكره السلف والأئمة".
стр. 917
الشرح
تقدم ذكر موقف السلف من إطلاق لفظ الجسم نفيًا وإثباتًا فيما تقدم من الشرح، والمصنف هنا يعيد تأكيد الموقف العام للسلف من كل من لفظ الجسم والجوهر والتحيز ونحو ذلك من الألفاظ.
وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و (الجسم) و (العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحاً يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.
وليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعاً. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك
وأيضاً: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئاً، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله
فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (١).
قال ابن القيم: "فلفط الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فتكون له حرمة الإثبات،
стр. 918
ولا نفيا فيكون له إلغاء النفي" (١)
وقول المصنف: "ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار".
واستدل المصنف لذلك بأن مسألة وصف الله بالنقائص ليست مسألة جديدة بل هي مذكورة في القرآن.
• أما اليهود فقد قال الله تعالى عن اليهود الذين "كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه" (٢)
فقد حكي الله عنهم ذلك في كتابه، كقوله -تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله رداً على وصفه سبحانه بالتعب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
• وأما الكفار فقد قال تعالى عن الكفار (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر ٢٣].
فسبح نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له (٣).
وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى
стр. 919
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل الآيات ٥٧ - ٦٠].
فإن الله تعالى احتج على المشركين وأهل الكتاب، فيما يثبتون له من الشريك والبنات، بأنهم يُنزهون أنفسهم عن ذلك؛ لأنهم يعتبرون ذلك نقصاً وعيباً في حقهم؛ فإذا كانوا لا يرضون بهذا الوصف والمثل السوء لأنفسهم؛ فكيف يصفون به ربهم، ويجعلون له مثل السوء، والرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منهم؟!.
قال المصنف: "ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتَدَع، الذي أنكره السلف والأئمة".
أي مع كون هذه دعوى وصف الله بالنقائص قديمة، فإنه لم يرد في النصوص أو في كلام السلف استعمال هذه الألفاظ لا نفيًا ولا إثباتًا.
يجب أن يعلم أن القول بتنزيه الله عن النقائص قد يحتمل وجهًا حقًا وقد يحتمل وجهًا باطلًا.
أما الوجه الحق: إذا قال القائل: الله يجب تنزيهه عن سمات الحدث، أو علامات الحدث، أو كل ما أوجب نقصًا وحدوثًا فالرب منزه عنه، فهذه كلمة حق معلومة متفق عليه.
أما الوجه الباطل:
قول الجهمية: إن قيام الصفات به، أو قول متكلمة الصفاتية أن قيام الصفات الاختيارية، هو من سمات الحدث.
وهذا باطل عند السلف والإئمة، بل وجمهور العقلاء، بل ما ذكروه يقتضي حدوث كل شيء، فإنه ما من موجود إلا وله صفات تقوم به، وتقوم به أحوال تحصل
стр. 920
بالمشيئة والقدرة.
فإن كان هذا مسلزمًا للحدوث لزم حدوث كل شيء، وأن لا يكون في العالم شيء قديم (١).
ومن المعلوم أن طريقة المخالفين لأهل السنة والجماعة وصف الله بالنفي المحض.
فالمخالفون لأهل السنة والجماعة في هذا الباب وهم المعطلة، فقد عكسوا هذه الطريقة الصحيحة ووصفوا الله بالنفي المحض الذي لا يتضمن إثباتاً، فيقولون مثلاً: ليس بكذا، ولا بكذا … يقولون: ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم، ولا رائحة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتبعض، ولا يتجزأ، ولا يقرُب من شيء، ولا يقرُب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ونحو ذلك، ولا يُشار إليه، ولا هو مباين للعالم، ولا داخله، ولا خارجه، … إلى أمثال هذه العبارات السلبية التي لا تتضمن إثباتاً.
وإذا أرادوا الإثبات: أثبتوا شيئاً مجملاً يجمعون فيه بين النقيضين، ويُقدرون وجوداً مطلقاً لا حقيقة له إلا في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان، فبعضهم يصفونه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وبعضهم يثبت له الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، وبعضهم يثبت له الأسماء وعدداً محدوداً من الصفات (٢).
стр. 921
وهذه الطريقة أدتهم إلى عكس مرادهم، فشبهوا الله بالمعدومات، وبالممتنعات، في حين أنهم أرداوا التنزيه فراراً من التشبيه، فوقعوا في شر من الذي فروا منه، وهذا شأن كل من خالف القرآن الكريم والسنة النبوية فإن مصيره إلى الانحراف والبدعة والعياذ بالله.
стр. 922
الأعتماد على مجرد نفي التشبيه لا يكفي في إثبات الصفات
المتن
قال المصنف ﵀: "فصل: وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضًا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف الله من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه، كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولاحزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله عنه، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا".
الشرح
من سمات الحدث النقائص، كالجهل والعمى، والصمم، والبكم، فإن كل ما كان كذلك فهو لم يكن إلا محدثًا، لأن القديم الأزلي منزه عن ذلك، لآن القديم الأزلي متصف بنقيض هذه الصفات، وصفات الكمال لازمة له، واللازم يمتنع زواله إلا بزوال الملزوم، والذات قديمة أزلية، واجبة بنفسها، غنية عما سواها، يستحيل عليها العدم والفناء بوجه من الوجوه، فيستحيل اتصافها بنقيض تلك اللوازم، فلا يوصف بنقيضها إلا المحدث، فهي من سمات المحدث المستلزمة لحدوث من
стр. 923
اتصف بها.
وهذا يدخل في قول القائل "كل ما استلزم حدوثًا أو نقص فالرب منزه عنه" والنقص المناقض لصفات كماله مستلزم لحدوث المتصف به، والحدوث مستلزم للنقص اللازم للمخلوق، فإن كل مخلوق فهو يفتقر إلى غيره، كائن بعد أن لم يكن، لا يعلم إلا ما علم، ولا يقدر إلا ما أقدر، وهو محاط به مقدور عليه.
فهذه النقائص اللازمة لكل مخلوق هي ملزومة للحدوث، حيث كان حدوث كانت، والحدوث ملزوم لها فحيث كان محدث كانت هذه النقائص.
فقولنا: "ما استلزم حدوثًا أو نقصًا فالرب منزه عنه" حق، والحدوث والنقص اللازم للمخلوق متلازمان.
والرب منزه عن كل منهما من جهتين:
من جهة امتناعه في نفسه.
ومن جهة أنه مستلزم للآخر، وهو ممتنع في نفسه.
فكل منهما دليل ومدلول عليه باعتبارين على أن الرب منزه عنه، وعن مدلوله الذي هو لازمه.
والحاجة إلى الغير والفقر إليه مما يستلزم مما يستلزم الحدوث والنقص اللازم للمخلوق.
وقولي: "اللازم" ليعم جميع المخلوقين وإلا فمن النقائص ما يتصف به بعض المخلوقين دون بعض فتلك ليست لازمة لكل مخلوق.
والرب منزه عنها أيضًا، ولكن إذا نزه عن النقص اللازم لكل مخلوق فعن ما يختص به بعض المخلوقين أولى وأحرى، فإنه إذا كان مخلوق ينزه عن نقص مخلوق، فالخالق أولى تنزيهه عنه، وهذه طريقة "الأولى" كما دل عليها القرآن في غير
стр. 924
موضع (١).
فقول المصنف: "وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضًا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه" يعنى أن الاعتماد في إثبات الصفات لله لا يكفي فيه مجرد نفي التشبيه، كما عليه حال هؤلاء المعطلة الذين اكتفوا "في إثباته مجرد نفي التشبيه".
لأنه يلزم على مجرد الاقتصار في الإثبات على مجرد نفي التشبيه أن يأتي من يقول بجواز "أن يوصف الله من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه"
وأعطى المصنف أمثلة لما قد يجوزه هذا القائل فقال: "كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولاحزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله عنه، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا".
المتن
قال المصنف ﵀: "فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته، إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات، فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر.
стр. 925
فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع.
قيل له:
أولًا: السمع هو خبر الصادق عمّا هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبَر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن قد نفاه، ومعلوم أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلا بد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما لا يجوز إثباتها".
الشرح
وعليه "فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات" ويعني بهم متكلمة الصفاتية من الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم.
فقد زعمت طائفة من أهل الكلام كأبي المعالي والرازي، والآمدي وغيرهم أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع، وإن نفي الآفات والنقائص عنه لم يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التي بها نفوا عنه ما نفوه، إنما هو نفي مسمى الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية، كالأشعري، والقاضي، وأبى بكر وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة، في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية، وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية.
ولهذا صار هؤلاء يعتمدون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع، ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناءً على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب
стр. 926
والسنة، قالوا: والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام: أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو القرآن أولى وأحْرَى.
والذي اعتمدوا عليه في النفي، من نفي مسمى التحيز ونحوه مع أنه بدعة في الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين هو متناقض في العقل، لا يستقيم في العقل؛ فإنه ما من أحد ينفي شيئًا خوفًا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسمًا، إلا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته" (١).
وقول المصنف: "ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته، إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات". فهنا استفسار يوجه لمن نفي النقائص عن الله بمجرد نفي التشبيه مع إثباته للصفات الخبرية وهي التي لا طريق إلى معرفتها إلا بالسمع وهي قسمان:
الأول: الصفات الذاتية. كالوجه واليدين.
والثاني: الصفات الفعلية. كالمجيء والنزول.
والاستفسار هو: أي إذا جعلتم مجرد نفي التشبيه كافيًا في إثبات الصفات، فما الفرق بين قول من وصف الله بصفات النقص مع ادعاء نفي التشبيه وقولكم، فإن من أثبت النقائص لله بإمكانه أن يقول أثبتها بلا تشبيه. "فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر".
وقوله: "فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع".
стр. 927
فإن قال العمدة في التفريق بين وصفه بتلك النقائص وما أثبته من الصفات الخبرية هو السمع أي الشرع، فما أثبته السمع أثبته وما لم يثبته أنفيه.
"قيل له:
فيجاب عليه بجوابين وخلاصتهما كما يلي:
"أولًا: السمع هو خبر الصادق عمّا هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبَر عنه"
أي أن الدليل الشرعي هو خبر الصادق عما عليه الأمر فما أخبر به من نفي أو إثبات فهو حق وهو دليل على المخبر به.
"والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن قد نفاه، ومعلوم أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة،
والدليل لا ينعكس أي إذا انعدم الدليل لا يلزم منه انعدام المدلول، فإذا لم يرد السمع بصفة جاز أن تكون ثابتة في نفسها مالم يكن نفاها السمع، ومعلوم أن السمع لم ينف الصفات بأسمائها الخاصة؛ فلم يقل إن الله لا يبكي ولا يأكل ونحو ذلك مما نقطع جميعا ببطلانه.
"فلا بد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما لا يجوز إثباتها".
أي لابد من أمر يوجب ينفي ما يجب نفيه عن الله وما يجب إثباته لله (١).
فلا يجوز الاكتفاء فيما ينزه الرب عنه على عدم ورود السمع والخبر به، فيقال:
стр. 928
كل ما ورد الخبر به أثبتناه، وما لم يرد لم نثبته بل ننفيه، وتكون عمدتنا في النفي على عدم الخبر.
بل هذا غلط لوجهين:
أحدهما: أن عدم الخبر هو عدم دليل معين، والدليل لا ينعكس (١)، فلا يلزم إذا لم يخبر هو بالشيء أن يكون منتفيا في نفس الأمر (٢).
ولله أسماء سمي بها نفسه واستأثر بها في علم الغيب عنده. فكما لا يجوز الإثبات إلا بدليل، لا يجوز النفي إلا بدليل. ولكن إذا لم يرد به الخبر ولم يعلم ثبوته يسكت عنه فلا يتكلم في الله بلا علم.
الثاني: أن أشياء لم يرد بها الخبر بتنزيهه عنها ولا بأنه منزه عنها، لكن دل الخبر على اتصافه بنقائضها فعلم انتفاؤها. فالأصل أنه منزه عن كل ما يناقض صفات كماله (٣). وهذا مما دل عليه السمع والعقل.
وما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه، وإلا سكتنا عنه. فلا نثبت إلا بعلم ولا تنفي إلا بعلم.
стр. 929
ونفى الشيء من الصفات وغيرها كنفي دليله طريقة طائفة من أهل النظر والخبر. وهي غلط إلا إذا كان الدليل لازما له. فإذا عدم اللازم عدم الملزوم.
وأما جنس الدليل فيجب فيه الطرد، لا العكس. فيلزم من وجود الدليل وجود المدلول عليه، ولا ينعكس (١).
وخلاصة ذلك أن الصفات قد تثبت وتنفى بطريق السمع، ولكن الأمر لا يتوقف على هذا الطريق وحده، وأنه بالإمكان الاستدلال على نفي بعض الصفات وإثبات أخرى، وذلك بالاستدلال بما يقابل النفي، أو بما يضاد الكمال.
فمما ورد في طريقة التنزيه: استعمال بعض النصوص في الدلالة على بعض ما ينفى عن الله وذلك مثل أنه قد علم أنه الصمد، والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، فهو منزه عن الأكل والشرب وعن آلات ذلك كالكبد والطحال والمعدة.
وكذلك هو منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز الذي ينزه عنه.
وسيأتي في كلام المصنف المزيد من البيان والتوضيح لهذه المسألة.
المتن
قال المصنف ﵀: "وأيضًا، فلا بدّ في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه، فإن الأمور المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز والوجوب والامتناع، فلا بدّ من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت.
стр. 930
وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لا بد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى، كما أنه لا بد من أمر يُثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيًا كان مخبِرًا عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟
الشرح
يشير المصنف إلى وجوب التفريق بين ما يثبت وبين ما ينفى فلكل واحد من الاثنين له اختصاصه "فلا بدّ من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت".
أو بعبارة أخرى أنه يجب النظر إلى مضمون ما ورد نفيًا أو إثباتًا وليس مجرد الاقتصار على ما نص عليه النص فقط، وهذا يتأتى بالنظر إلى قاعدة التنزيه وقاعدة الكمال كما سيأتي تفصيله في السياق التالي.
المتن
قال المصنف ﵀: "فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة للَّه فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر، فإذا عُلم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم- عُلم امتناع العدم والحدوث عليه، وعُلم أنه غني عمّا سواه، فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه نفسه ليس هو موجودًا بنفسه، بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه، فلا يوجد إلا به، وهو غني عن كل ما سواه، فكل ما نافى غناه فهو منزه عنه، وهو قدير قوي فكل ما نافى قدرته وقوته فهو منزه عنه، وهو سبحانه حيّ قيوم فكل ما نافى حياته وقيوميته فهو منزه عنه.
وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفؤ، فإن إثبات الشيء نفي
стр. 931
لضده ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك، كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه.
فطرق العلم بنفي ما ينزه الرب عنه متسعة، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك وفرّقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه.
الشرح
لفهم هذه المسألة بشكل واضح ودقيق لابد من استعراض الأمور الآتية:
الأمر الأول: يجب أن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة" (١).
"فالرب تعالى مستحق للكمال مختص به على وجه لا يمثاله فيه شاء، فليس له سَمِيٌّ ولا كُفْؤ، سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شاء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك.
أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق، فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق، عظمة هي أعظم من فضل أعلى المخلوقات على أدناها" (٢)
الأمر الثاني: أن ثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم نفي
стр. 932
الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك (١). "ولذلك فإن كل ما نافي صفات الكمال الثابتة لله تعالى فهو منزه عنه لأن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر كالنقص والعيب والمماثلة للمخلوق، فمثلا: إذا علم أنه قديم قائم بنفسه علم امتناع العدم والحدوث والافتقار.
فكل ما نافي غناه فهو منزه عنه، وكذلك كل ما نافي قدرته وقوته فهو منزه عنه، وكل ما نافي حياته وقيوميته فهو منزه عنه، وهكذا فهذه هي القاعدة العامة في التنزيه لا طريقة نفي التشبيه أو التجسيم التي تناقض فيها المتكلمون كما سبق.
الأمر الثالث: أن ثبوت الكمال له، ونفي النقائص عنه، مما يعلم بالعقل" (٢).
فيجب أن يعلم أن تصريح السمع لا يكفي في النفي أو الإثبات بل هناك لوازم عقلية تتوافق مع الأدلة النقلية فتثبت بمجموعها كمال الصفات الإلهية.
فدلالة القرآن على الأمور نوعان:
أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به.
والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب. فهذه دلالة شرعية عقلية؛ فهي [شرعية] لأن الشرع دل عليها، وأرشد إليها؛ و [عقلية] لأنها تعلم صحتها بالعقل.
ولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر. وإذا أخبر الله بالشاء، ودل عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولاً عليه بخبره، ومدلولاً عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى [الدلالة
стр. 933
الشرعية].
وثبوت [معنى الكمال] قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له، وتفصيل محامده، وأن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه، ونحو ذلك، كله دال على هذا المعنى.
وقد ثبت لفظ [الكامل] فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]: أن [الصمد] هو المستحق للكمال، وهو السيد الذي كمل في سُؤْدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكم الذي قد كمل في حكمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الشريف الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله . وهذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ ولا كمثله شاء. وهكذا سائر صفات الكمال، ولم يعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى، بل هذا المعنى مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر، وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل من كل شاء.
وقد بينا في غير هذا الموضع: أن الإقرار بالخالق وكماله، يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها.
ومجمل القول أنه ورد في الكتاب والسنة كثير من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فكل ما نافي ذلك الكمال فإنه ينفي عنه لأن إثبات أحد الضدين نفي للآخر ونفي للوازمه فنفي الظلم إثبات للعدل ونفي المثيل إثبات للتفرد والوحدانية.
стр. 934
الأمر الرابع: طرق التنزيه كثيرة لا يقتصر فيها على نفي التشبيه والتجسيم مع ما فيها من التناقض والقصور.
وزعمت طائفة من أهل الكلام كأبي المعالي والرازي، والآمدي وغيرهم أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع، وإن نفي الآفات والنقائص عنه لم يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التي بها نفوا عنه ما نفوه، إنما هو نفي مسمى الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية، كالأشعري، والقاضي، وأبى بكر وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة، في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية، وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية.
ولهذا صار هؤلاء يعتمدون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع، ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناءً على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب والسنة، قالوا: والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام: أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو القرآن أولى وأحْرَى.
والذي اعتمدوا عليه في النفي، من نفي مسمى التحيز ونحوه مع أنه بدعة في الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين هو متناقض في العقل، لا يستقيم في العقل؛ فإنه ما من أحد ينفي شيئًا خوفًا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسمًا، إلا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته، كالمعتزلة لما أثبتوا أنه حي عليم قدير؛ وقالوا: إنه لا يوصف بالحياة، والعلم، والقدرة، والصفات؛ لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف إلا جسم.
стр. 935
فقيل لهم: فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير، ولا يوصف شاء بأنه عليم حي قدير إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فما كان جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات، فإن جاز أن يقال: بل يسمى بهذه الأسماء ما ليس بجسم، جاز أن يقال: فكذلك يوصف بهذه الصفات ما ليس بجسم، وأن يقال: هذه الصفات ليست أعراضًا، وإن قيل: لفظ الجسم [مجمل] أو مشترك وأن المسمى بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله غيره، ولا أن يثبت له خصائص غيره، جاز أن يقال: الموصوف بهذه الصفات لا يجب أن يماثله غيره، ولا أن يثبت له خصائص غيره.
وكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع، أو بالعقل مع الشرع، كالرضا والغضب، والحب، والفرح، ونحو ذلك: هذه الصفات لا تعقل
إلا لجسم.
قيل لهم: هذه بمنزلة الإرادة والسمع، والبصر والكلام، فما لزم في أحدهما لزم في الآخر مثله.
وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم، إذا قالوا: ثبوت هذه الصفات يستلزم كثرة المعاني فيه، وذلك يستلزم كونه جسمًا أو مركبًا.
قيل لهم: هذا كما أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، ونحو ذلك.
فإن قالوا: هذه ترجع إلى معنى واحد، قيل لهم: إن كان هذا ممتنعا بطل الفرق، وإن كان ممكنًا أمكن أن يقال في تلك مثل هذه، فلا فرق بين صفة وصفة. والكلام على ثبوت الصفات وبطلان أقوال النفاة مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أن نبين أن ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل، وأن نقيض ذلك مُنْتَفٍ عنه، فإن الاعتماد في الإثبات والنفي على هذه الطريق مستقيم في العقل
стр. 936
والشرع، دون تلك، خلاف ما قاله هؤلاء المتكلمون.
وجمهور أهل الفلسفة والكلام يوافقون على أن الكمال لله ثابت بالعقل، والفلاسفة تسميه التمام" (١).
المتن
قال المصنف ﵀: "وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي، فقالوا: لا يقال موجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي، لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم. فلزم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعًا، ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم ممّا فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عمّا هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا.
الشرح
يقصد المصنف قول القرامطة الباطنية الذين بقولون بالوجود المطلق عن النفي والإثبات (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيهاً بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه
стр. 937
هذه الصفات) (١)
فالقرامطة، لم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
وَلِهَذَا كَانَتْ " الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ " مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شِرْكًا وَعِبَادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ؛ إذْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ فِي إلَهِهِمْ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ أَوْ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا.
وقد تقدم ذكر قولهم والرد عليهم في أكثر من موضع من الرسالة التدمرية.
المتن
قال المصنف ﵀: "وقد تقدم أن ما يُنفى عنه يُنفى لتضمن النفي الإثبات، إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحًا له، لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلق، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه، ينزه عنه الرب ﵎.
والنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد عُلم أنه حيّ والموت ضد ذلك فهو منزه عنه، وكذلك النوم والسِّنَةُ ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، كذلك اللُّغُوب نقص في القدرة والقوة، والأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره، كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ونحو ذلك يتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه، وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته أو أفعاله فهو مفتقر إليه ليس مستغنيًا بنفسه، فكيف من يأكل ويشرب، والآكل والشارب أجوف، والمُصْمَتُ الصمد أكمل من الآكل الشارب، ولهذا كانت الملائكة صمدًا لا تأكل
стр. 938
ولا تشرب".
الشرح
أي ينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال.
والعدم المحض ليس بشييء، وما ليس بشييء-فهو كما قيل: ليس بشييء؛ فضلًا عن أن يكون مدحًا وكمالًا.
لأنَّ النفي المَحض يُوصف به المعدوم والممتنع؛ والمعدوم والممتنع لا يُوصف بمدح ولا كمال.
ولهذا كان عامة ما يصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥ [؛ فنفي السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام.
وكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها؛ بخلاف المخلوق القادر إذا كان يَقدر على الشييء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته.
وكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾ [سبأ الآية: ٣]، فإن نفي العُزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.
وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق الآية: ٣٨]، فإن نفي مس اللغوب-الذي هو التعب والإعياء-دلَّ على كمال قدرته ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.
стр. 939
وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء، ولم يَنف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يرى مدح؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُؤي، كما أنه لا يحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة. وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
وإذا تأملت ذلك وجدت كلَّ نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف به نفسه» (١).
ثم إن النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه-فيه إساءة أدب مع الله سبحانه؛ فإنك لو قلت لسلطان: أنت لستَ بزبَّال ولا كسَّاح ولا حَجَّام ولا حائك؛ لأَدَّبَك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا.
وإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي؛ فقلت: أنت لستَ مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجَل، فإن أَجملت في النفي أجملت في الأدب (٢).
فأهل الكلام المذموم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المُجمل؛ فيقولون: ليس بجسم ولا شَبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض .. إلى آخر تلك السُّلوب الكثيرة التي تَمُجُّها الأسماع، وتأنف مِنْ ذكرها النفوس، والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حقَّ قدره (٣).
стр. 940
المتن
قال المصنف ﵀: "وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك. والسمع قد نفى ذلك في غير موضع كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب. وهذه السورة هي نسب الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب.
وقال في حق المسيح وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة الآية: ٧٥ [فجعل ذلك دليلا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأَوْلَى والأحرى.
والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل، وهو موصوف بالعمل والفعل، إذ ذلك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل.
وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز، الذي ينزه الله عنه، بخلاف الفرح والغضب فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم- فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك".
الشرح
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضاً: ((فكل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت
стр. 941
للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين:
أحدهما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم المحدث المربوب.
الثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه؛ فإذا كان هو مبدعاً للكمال، وخالقاً له، كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفاً به من المستفيد المبدع المعطي)) (١).
ويقال أيضاً في الأولوية في جانب النقص، أنها من وجهين:
الأول: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم منزه عن النقائص والعيوب.
الثاني: أن كل نقص تنزه عنه المخلوق المربوب فإنما نزَّهَهُ عنه ربه وخالقه، فإذا كان الله هو المُنَزِّهُ غيره عن النقص، كان معلوماً بالاضطرار أن الذي ينزه غيره عن النقائص أولى بالتنزه عنها من غيره.
المتن
قال المصنف ﵀: "وأيضًا فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع من أنه سبحانه لا كفؤ له، ولا سمي له، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات، ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات، فيُعلم قطعًا أنه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة ولا السموات ولا الكواكب، ولا الهواء ولا الماء ولا الأرض، ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم، ولا غير ذلك، بل يُعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق
стр. 942
آخر.
فإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما وجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدَث المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذاك من الوجوب والغنى، فيكون الشيء الواحد واجبًا بنفسه غير واجب بنفسه، موجودًا معدومًا، وذلك جمع بين النقيضين.
وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
الشرح
فالله موصوف بكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، منزه عن جميع النقائص والعيوب، فمن الطرق التي استخدمها أهل السنة والجماعة في تقرير هذه الحقيقة، مسلك عقلي يقوم على أن نفي الصفة إثبات لنقيضها، وهذه قاعدة عقلية متفق عليها بين جميع العقلاء، أن الذي لا يتصف بالعلم مثلاً فهو جاهل، والذي لا يتصف بالعدل فهو ظالم، وهكذا فالله لما كان متصفاً بكل أنواع الكمالات التي يُتصور وجودها من غير استلزامها لأي نقصٍ بوجهٍ من الوجوه، فإن نفي هذا الكمال عنه يستلزم وصفه بنقيضه من النقص الذي هو منزه عنه أصالةً، ((وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهاً لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، فقد عبد رباً ناقصاً معيباً مؤوفاً (١)، ويثبتون أن هذه صفات كمال فالخالي عنها ناقص)) (٢).
стр. 943
فإنه لو لم يكن الله تعالى موصوفاً بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى.
فلو لم يتصف بالحياة لوُصف بالموت، ولو لم يتصف بالعلم لوُصف بالجهل، ولو لم يوصف بالقدرة لوُصف بالعجز، ولو لم يُوصف بالسمع والبصر والكلام لوُصف بالصمم والخرس والبكم، والله منزه عن ذلك، متصفٌ بصفات الكمال (١).
وقال الإمام ابن القيم-﵀: ((إنه قد ثبت بصريح العقل أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال، والآخر صفة نقص، فإن الله سبحانه يوصف بالكمال منهما دون النقص، ولهذا لما تقابل الموت والحياة، وُصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وُصف بالعلم دون الجهل، وكذلك العجز والقدرة، والكلام والخرس والبصر والعمى، والسمع والصمم، والغنى والفقر، ولما تقابلت المباينة للعالم والمداخلة له، وُصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كانت المباينة تستلزم علوه على العالم أو سفوله عنه، وتقابل العلو والسفول، وُصف بالعلو دون السفول)) (٢).
المتن
قال المصنف ﵀: "وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له، وما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك، لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه، وما سكت عنه السمع نفيًا وإثباتًا، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله أعلم".
стр. 944
الشرح
كلام المصنف هنا متوجه لنوع من الألفاظ وهو ما سكت عنه السمع نفيًا أو إثباتًا ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه، وقد تقدم الكلام على الصفات التي ظاهرها الكمال، مما لم يرد فيها نفيًا ولا إثباتًا.
وكذلك الكلام على صفات النقص التي دلت النصوص بمعمومها على نفيها وأنها تنفى مطلقًا، وذلك لأن صفات الله كلها صفات حسن وكمال وجلال وعظمة.
فالألفاظ التي تطلق على الله على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما علم ثبوته أثبت.
القسم الثاني: ما علم انتفاؤه نفي.
القسم الثالث: ما لم يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه، هذا هو الواجب، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته" (١).
فـ"ما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه وإلا سكتنا عنه فلا نثبت إلا بعلم ولا ننفي إلا بعلم" (٢)
قال ابن تيمية: ((بل النافي عليه الدليل على نفي ما نفاه، كما على المثبت الدليل على ثبوت ما أثبته، ومن ليس عنده دليل على النفي والإثبات، فعليه أن لا ينفى ولا يثبت فغاية ما عنده التوقف في نفي ذلك وإثباته)) (٣)
والمسكوت عنه من الصفات على ثلاثة أحوال:
стр. 945
الحال الأول: ما لم يأت به نفي ولا إثبات في لفظه، فإن أفاد نقصًا كمرض أو خرفٍ .. الخ! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا فإنه ينفى بدلالة النصوص في تنزهه تعالى عن مثل هذه النقائص، التي لا تليق بالخالق، وذلك كصفة الاستلقاء حيث تفوح منها رائحة اليهودية الذين يزعمون أن الله ﵎ بعد أن فرغ من خلق السموات والأرض استراح! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهذا المعنى يكاد يكون صريحا في الحديث فإن الاستلقاء لا يكون إلا من أجل الراحة عن ذلك".
الحال الثاني: ما لم يأت به نفي ولا إثبات لا في اللفظ ولا المعنى، ولم يفد نقصًا في حال النفي والإثبات، كالفم والأذن والشعر .. الخ؛ فيتوقف فيه بلا نفي ولا إثبات؛ إذ الطرفان علم، ولا علم لمن قال بأحدهما.
و"النافي لصفة من صفات الله إن أراد عدم علمه بها، لم يلزمه الدليل، ولا يجوز له أن ينكر وجودها لمجرد انتفاء علمه بها، وإن أراد عدم اتصاف الله بها طالبناه بالدليل الدال على نفيه؛ لأنه أمر غيبي لا يمكن الاطلاع عليه إلا عن طريق الوحي".
الحال الثالث: ما لم يأت بها نفي ولا إثبات في لفظه، ولكن ورد بمعناه ما يدل عليه، كالعروج الذي يدل على الصعود والارتفاع، فإننا نثبت المعنى، ولا نستعمل اللفظ في حقه تعالى وقوفا مع النص.
ولقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية الكلام على النوع الثاني من الصفات المسكوت عنها "وهي التي لم ترد لا نفيا ولا إثباتا وليس فيها كمالا ولا نقص"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن مذهب أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات: "فيما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه كالجسم والحيز والجهة
стр. 946
ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه، فلا يثبتونه ولا ينفونه لعدم ورود ذلك، وأما معناه فيستفصلون عنه فإن أريد به باطل يُنزه الله عنه ردوه، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله قبلوه).
فيقتصرون في ذلك على ما ورد، فلا يثبتون ولا ينفون إلا بالألفاظ الشرعية التي أثبتها أو نفاها الشارع، وإذا تكلم بغيرها استفسر واستفصل، فإن وافق المعنى الذي أثبته الشرع أثبته باللفظ الشرعي، فاعتصموا بالشرع ألفاظًا ومعني، وهذه سبيل من اعتصم بالعروة الوثقي.
لكن ينبغي أن يعرف الأدلة الشرعية إسناد ومتنًا؛ فالقرآن معلوم ثبوت ألفاظه، فينبغي أن يعرف وجوه دلالته، والسنة ينبغي معرفة ما ثبت منها وما علم أنه كذب.
وقد يتذرع البعض بإثبات بعض الصفات بدعوى أنها جاءت في أحاديث عن النبي ﷺ ويتمسك بها رغم أنها جاءت من طرق واهية باطله، وهذه هي أحد جنايات الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات التي ابتلينا بها وغزت الكثير من كتب القصص والأخبار حتى كتب التفسير والحديث.
قال ابن تيمية: "فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة، وعظم السنة والشرع، وظنوا أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة، جمعوا أحاديث وردت في الصفات، منها ما هو كذب معلوم أنه كذب، ومنها ما هو إلى الكذب أقرب، ومنها ما هو إلى الصحة أقرب، ومنها متردد، وجعلوا تلك الأحاديث عقائد، وصنفوا مصنفات، ومنهم من يكفر من يخالف ما دلت عليه تلك الأحاديث (١).
وأعطى ابن تيمية أمثلة على هذا القسم فقال: "وهذه الأحاديث قد ذكر بعضها القاضي أبو يعلى في كتاب "إبطال التأويل"، مثل ما ذكر في حديث المعراج حديثًا
стр. 947
طويلًا عن أبي عبيدة أن محمدًا رأى ربه. (١)
وطائفة ممن يقول بأنه رأى ربه بعينه يكفرون من خالفهم لما ظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة، كما فعل أبو الحسن علي بن شكر، فإنه سريع إلى تكفير من يخالفه لما يدعيه من السنة، وقد يكون مخطئًا فيه، إما لاحتجاجه بأحاديث ضعيفة، أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده، وما أصاب فيه من السنة لا يجوز تكفير كل من خالف فيه. فليس كل مخطاء كافرًا لاسيما في المسائل الدقيقة التي كثر فيها نزاع الأمة، كما قد بسط في مواضع.
وكذالك أبو علي الأهوازي (٢) له مصنف في الصفات قد جمع فيه الغث والسمين.
وكذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن مندة (٣) مع أنه من أكثر الناس حديثأ، لكن يروي شيئًا كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، ولا يميز بين الصحيح والضعيف. وربما جمع بابًا وكل أحاديثه ضعيفة، كأحاديث أكل الطين وغيرها، وهو يروي عن أبي علي الأهوازي.
وقد رفع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي (٤) فبنى على ذلك
стр. 948
عقائد باطلة، وادعى أن الله يري في الدنيا عيانًا.
ثم الذين يقولون بهذا من أتباعه يكفرون من خالفهم، وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع، كما فعلت الخوارج" (١).
المتن
قال المصنف ﵀: "القاعدة السابعة- أن يقال: إن كثيرا مما دل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل، ويرشد إليه، وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع؛ فإنه بيّن من الآيات الدالة عليه، وعلى وحدانيته، وقدرته، وعلمه وغير ذلك، ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه، كما بيّن أيضا ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه".
الشرح
لما فرغ المصنف ﵀ من بيان القاعدة السادسة وهي: (قاعدة القدر المشترك والقدر المميز) شرع هنا في بيان القاعدة السابعة، وهي: (دلالة العقل على كثير مما دل عليه السمع).
التعريف بهذه القاعدة:
هذه القاعدة معناها: أن كثيرًا مما دلت عليه الأدلة السمعية يثبت أيضًا بالأدلة العقلية، والقرآن اشتمل على ما يستدل به العقل، وأرشد إليه، وما الأمثال التي ضربها الله تعالى في القرآن إلا أقيسة عقلية.
стр. 949
فالقرآن الكريم قد بيّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية.
ولكن هذا لا يعني أن الأدلة العلقلية تستقل بوحدها في إثبات الصفات، "فالأصل في هذا الباب (١)، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله: نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه)) (٢).
وقال ابن تيمية ﵀: ((وباب الأسماء والصفات يُتَّبَع فيها الألفاظ الشرعية، فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر)) (٣).
وقال أيضاً: ((ومن الوجوه الصحيحة أن معرفة الله بأسمائه وصفاته على وجه التفصيل لا تعلم إلا من جهة الرسول ﵊، إما بخبره وإما بخبره وتنبيهه ودلالته على الأدلة العقلية، ولهذا يقولون لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ قال الله تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات الآيات ١٨٠ - ١٨٢])). (٤).
وقال ﵀: ((ومعلوم أن الوصف بالنفي كالوصف بالإثبات)) (٥). أي يحتاج فيهما إلى دليل من الكتاب والسنة.
وإنما المقصود أن الأدلة السمعية اشتملت على أدلة عقلية تدل على أثبات صفات الكمال لله وعلى تنزيهه من كل نقص، وهذا ما سيؤكده المصنف في أثناء بيان هذه القاعدة.
стр. 950
المتن
قال المصنف ﵀: "فهذه المطالب هي شرعية من جهتين:
• من جهة أن الشارع أخبر بها.
• ومن جهة أنه بيّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها.
- والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع -
وهي أيضا عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضا".
قال شيخ الإسلام ﵀: ((ودلالة القرآن على الأمور نوعان:
١ ـ أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به.
٢ ـ والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب، فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي ((شرعية))؛ لأن الشرع دلَّ عليها، وأرشد إليها، و ((عقلية))؛ لأنها تعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر.
وإذا أخبر الله بشيء، ودلَّ عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولاً عليه بخبره، ومدلولاً عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتاً بالسمع والعقل، وكلاهما يدخل في دلالة القرآن التي تسمى: "الدلالة الشرعية")) (١).
فلما كان العقل أداة للفهم والإدراك، وما أودع الله فيه من قوة الاستدلال والنظر والمقايسة، جرى استعماله في العقائد لتأييد دلالة الشرع، وقد تضمن الكتاب والسنة