← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

أولى بها صليا﴾ يخبر تعالى بعلمه بالذين هم أجدر وأحق بالاصطلاء بعذاب النار، وسوف يدخلهم النار قبل غيرهم ثم يدخل باقيهم بعد ذلك وهو معنى قوله : ﴿ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا﴾ ١. وقوله: ﴿وإن منكم إلاّ واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ ، فإنه يخبر عن حكمٍ حكم به وقضاء قضى به وهو أنه ما من واحد منا معشر بني آدم إلاّ وارد جهنم وبيان ذلك كما جاء في الحديث أن الصراط جسر يمد على ظهر جهنم والناس يمرون فوقه فالمؤمنون يمرون ولا يسقطون في النار والكافرون يمرون فيسقطون في جهنم. وهو معنى قوله في الآية (٧٢) ﴿ثم ننجي الذين اتقوا٢﴾ أي ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه بترك واجب ولا بارتكاب محرم ﴿ونذر الظالمين﴾ بالتكبر والكفر وغشيان الكبائر من الذنوب ﴿فيها جثياً﴾ أي ونترك الظالمين فيها أي جهنم جاثمين على ركبهم يعانون أشد أنواع العذاب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء بالحشر والإحضار حول جهنم والمرور على الصراط. ٢ - تقرير معتقد الصراط في العبور عليه إلى الجنة. ٣- تقديم رؤساء الضلال وأئمة الكفر إلى جهنم قبل الأتباع الضالين. ٤- تقرير حتمية المرور على الصراط. ٥ - بيان نجاة الأتقياء، وهلاك الفاجرين الظالمين بالشرك والمعاصي.

стр. 1647

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤) قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا (٧٦) شرح الكلمات: آياتنا بينات: أي آيات القرآن البينات الدلائل الواضحات الحجج. خير مقاماً: نحن أم أنتم والمقام المنزل ومحل الإقامة والمراد هنا المنزلة. وأحسن ندياً: أي ناديا وهو مجتمع الكرام ومحل المشورة وتبادل الآراء. أحسن أثاثا ورئيا: أي مالا ومتاعا ومنظراً. إما العذاب وإما الساعة: أي بالقتل والأسر وأما الساعة القيامة المشتملة على نار جهنم. من هو شر مكانا: أي منزلة. وأضعف جنداً: أي أقل أعواناً. وخير مرداً: أي ما يرد إليه ويرجع وهو نعيم الجنة. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير النبوة والتوحيد والبعث الآخر يقول تعالى ﴿وإذا تتلى١ عليهم آياتنا٢ بينات﴾ أي وإذا قرئت على كفار قريش المنكرين للتوحيد والنبوة المحمدية والبعث والجزاء

стр. 1648

يوم القيامة إذا قرأ عليهم رسول الله أو أحد المؤمنين من أصحابه بعض الآيات من القرآن البينات في معانيها ودلائلها على التوحيد والنبوة والبعث ﴿قال الذين١ كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاماً وأحسن نديا﴾ ، وقولهم هذا هو رد فعل لا غير، إذ أنهم لما يسمعون الآيات تحمل الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين مثلهم لا يجدون ما يخففون به ألم نفوسهم فيقولون هذا الذي أخبر تعالى به عنهم ﴿أي الفريقين﴾ أي فريق المؤمنين أو فريق الكافرين خير مقاماً أي منزلاً ومسكناً وأحسن نديا أي نادياً ومجتمعاً يجتمع فيه، لأنهم يقارنون بين منازل فقراء المؤمنين ودار الأرقم بن أبي الأرقم التي يجتمع فيها الرسول ﷺ والمؤمنون وبين دور ومنازل أبي سفيان وأغنياء مكة ونادي قريش وهو مجلس شوراهم فرد تعالى عليهم بقوله: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئياً٢﴾ أي لا ينبغي أن يغرهم هذا الذي يتبجحون به ويتطاولون فإنه لا يدوم لهم ما داموا يحاربون دعوة الحق والقائمين عليها فكم من أهل قرون أهلكناهم لما ظلموا وكانوا أحسن من هؤلاء مالاً ومتاعاً ومناظرحسنة جميلة. وقوله تعالى: ﴿قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً﴾ أي اذكر لهم سنتنا في عبادنا يا رسولنا وهى أن من كان في ضلالة الشرك والظلم والمكابرة والعناد فإن سنة الرحمن فيه أن يمد له بمعنى يمهله ويملي له استدراجا حتى إذا انتهوا إلى ما حدد لهم من زمن يؤخذون فيه بالعذاب جزاء كفرهم وظلمهم وعنادهم وهو إما عذاب دنيوي بالقتل والأسر ونحوهما أو عذاب الآخرة بقيام الساعة حيث يحشرون إلى جهنم عمياً وبكماً وصماً جزاء التعالي والتبجح بالكلام وهو معنى قوله تعالى: ﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون٣ من هو شر مكاناً وأضعف جنداً﴾ أي شر منزلة وأقل ناصراً أهم الكافرون أم المؤمنون، ولكن حين لا ينفع العلم. إذ التدارك أصبح غير ممكن وإنما هي

стр. 1649

الحسرة والندامة لا غير. وقوله تعالا: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى١﴾ أي إذا كان تلاوة الآيات البينات تحمل المشركين على العناد والمكابرة وذلك لظلمة كفرهم فيزدادون كفراً وعناداً فإن المؤمنين المهتدين يزدادون بها هداية لأنها تحمل لهم الهدى في كل جملة وكلمة منها وهم لإشراق نفوسهم بالإيمان يرون ما تحمل الآيات من الدلائل والحجج والبراهين فيزداد إيمانهم وتزداد هدايتهم في السير في طريق السعادة والكمال بأداء الفرائض واجتناب المناهي. وقوله تعالى: ﴿والباقيات٢ الصالحات خير عند ربك﴾ أيها الرسول ﴿ثواباً وخير مردّاً﴾ في هذه الآية تسلية للرسول والمؤمنين بأن ما يتبجح به المشركون من المال والمتاع وحسن الحال لا يساوى شيئاً أمام الإيمان وصالح الأعمال لأن المال فانٍ، والصالحات باقية فثواب الباقيات الصالحات من العبادات والطاعات خير من كل متاع الدنيا وخير مرداً أي مردوداً على صاحبها إذ هو الجنة دار السلام والتكريم والإنعام. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الكشف عن نفسيات الكافرين وهي الإعتزاز بالمال والقوة إذا اعتز المؤمنون بالإيمان وثمراته في الدنيا والآخرة من حسن العاقبة. ٢- بيان سنة الله تعالى في امهال الظلمة والإملاء لهم استدراجاً لهم حتى يهلكوا خاسرين. ٣- بيان سنة الله تعالى في زيادة إيمان المؤمنين عند سماع القرآن الكريم، أو مشاهدة أخذ الله تعالى للظالمين. ٤- بيان فضيلة الباقيات الصالحات ومنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1650

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لاوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا (٧٧) أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠) شرح الكلمات: الذي كفر بآياتنا: هو العاص بن وائل. لأوتين مالا وولداً: يريد في الآخرة. أطلع الغيب: أي فعرف أنه يعطى مالاً وولداً يوم القيامة. كلا: ردع ورد فإنه لم يطلع الغيب ولم يكن له عند الله عهداً. ونمد له من العذاب مداً: أي نضاعف له العذاب يوم القيامة. ونرثه ما يقول: أي نسلبه ما تبجح به من المال والولد ويبعث فرداً ليس معه مال ولا ولد. معنى الآيات: يقول تعالى لنبيه ﷺ معجباً له ﴿أفرأيت١ الذي كفر بآياتنا﴾ أي كذب بالوحي وما يدعوا له من التوحيد والبعث والجزاء وترك الشرك والمعاصي. وهو العاص بن وائل المسمى أبو عمرو بن العاص. ﴿وقال لأوتين مالاً وولداً﴾ قال هذا لخباب بن الأرت حينما طالبه بدين له عليه فأبى أن يعطيه استصغاراً له لأنه قيِّن "حداداً" وقال له لا أعطيكه حتى تكفر بمحمد فقال له خباب والله ما أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثُم تبعث فقال له العاص إذا أنا مِتُّ ثم بُعثت كما تقول ثم جئتني ولي مال وولد قضيتك دينك فأكذبه الله تعالى ورد عليه قوله بقوله : ﴿أطلع الغيب٢﴾ فعرف أن له يوم القيامة مالاً وولداً. ﴿أم اتخذ عند

стр. 1651

الرحمن عهداً﴾ بذلك بأن سيعطيه مالا وولداً يوم القيامة ﴿كلا١﴾ لم يطلع على الغيب ولم يكن له عند الرحمن عهداً. وقوله تعالى: ﴿سنكتب ما يقول﴾ من الكذب والإفتراء ونحاسبه به ونضاعف له العذاب به العذاب وهو معنى قوله تعالى: ﴿ونمد له من العذاب مدا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ونرثه٢ ما يقول ويأتينا فرداً﴾ أي ونسلبه ما يقول من المال والولد حيث يموت ويترك ذلك أو ينصر رسوله على قومه فيسلبهم المال والولد. ويأتينا في عرصات القيامة للحساب فرداً لا مال معه ولا ولد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الكشف عن نفسيات الكافرين لاسيما إذا كانوا أقوياء بمال أو ولد أو سلطان فإنهم يعيشون على الغطرسة منه والاستعلاء وتجاهل الفقراء واحتقارهم. ٢- تقرير البعث والحساب والجزاء. ٣- مضاعفة العذاب على الكافرين الظالمين لظلمهم بعد كفرهم. ٤- تقرير معنى آية: إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون. وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)

стр. 1652

شرح الكلمات: ليكونوا لهم عزاً: أي منعة لهم وقوة يشفعون لهم عند الله حتى لا يعذبوا. سيكفرون بعبادتهم: أي يوم القيامة يجحدون أنهم كانوا يعبدونهم. ضداً١: أي أعداء لهم وأعوانا عليهم. تؤزهم أزاً: أي تزعجهم إزعاجاً وتحركهم حراكاً شديداً نحو الشهوات والمعاصي. وفداً: أي راكبين على النُّجُب تحوطهم الملائكة حتى ينتهوا إلى ربهم فيكرمهم. إلى جهنم ورداً: أي يساق المجرمون كما تساق البهائم مشاة عطاشاً. عهداً: هو شهادة أن لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. معنى الآيات: يخبر تعالى مندداً بالمشركين فيقول: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة﴾ أي معبودات من الأصنام فعبدوها بأنواع من العبادات، ﴿ليكونوا لهم﴾ - في نظرهم الفاسد- ﴿عزاً٢﴾ أي شفعاء لهم عندنا يعزون بواسطتهم ولا يُهانون، ﴿كلا﴾ ٣ أي ليس الأمر كما يظنون ﴿سيكفرون بعبادتهم﴾ وذلك يوم القيامة حيث ينكرون أنهم أمروهم بعبادتهم، ﴿ويكونون عليهم ضداً﴾ أي خصوماً، ومن ذلك قولهم٤ ﴿وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون﴾ . وقولهم. ﴿بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾ . وقوله تعالى في الآية الثانية (٨٣) ﴿ألم تر٥ أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا﴾

стр. 1653

يقول تعالى لرسوله ألم ينته إلى علمك يا رسولنا أنا أرسلّنا الشياطين أي شياطين الجن والإنس على الكافرين بنا وبآياتنا ورسولنا ولقائنا تؤزهم أزاً أي تحركهم بشدة نحو الشهوات والجرائم والمفاسد، وتزعجهم إلى ذلك بالإغراء إزعاجاً كبيراً. أي فلا تعجب من حال مسارعتهم إلى الشر والفساد ولا تعجل عليهم بمطالبتنا بهلاكهم إنما نعد لهم كل أعمالهم ونحصيها عليهم حتى أنفاسهم ونحاسبهم على كل ذلك ونجزيهم به. هذا معنى قوله تعالى: ﴿فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا١﴾ . وقوله تعالى في الآية (٨٥) ﴿يوم نحشر المتقين﴾ أي أذكر يا رسولنا يوم نحشر المتقين ﴿إلى الرحمن وفداً﴾ . والمتقون هم أهل الإيمان بالله وطاعته وتوحيده ومحبته وخشيته وطاعة رسوله ومحبته وفداً أي راكبين على النجائب من النوق عليها رِحال الذهب إلى الرحمن إلى جوار الرحمن في دار المتقين الجنة دار الأبرار والسلام. وقوله تعالى: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً﴾ : أي ونسوق المجرمين على أنفسهم بالشرك والمعاصي مشاة على أرجلهم عطاشاً يُساقون سوق البهائم إلى جهنم وبئس٢ الورد المورود جهنم. وقوله تعالى ﴿لا يملكون الشفاعة إلاّ من٣ اتخذ عند الرحمن عهداً﴾ ٤ أخبر تعالى أن المشركين المجرمين على أنفسهم بالشرك والمعاصي فدسوها لا يملكون الشفاعة يوم القيامة لا يشفع بعضهم في بعض كالمتقين ولا يشفع لهم أحد أبداً لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإيمان به وبطاعته بأداء الفرائض وترك المحرمات يملك إن شاء الله الشفاعة بأن يشفعه الله في غيره إكراماً له أو يشفع فيه غيره إكراما للشافع أيضاً وإنعاماً على المشفوع له. كما أن أهل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله المتبرئين من حولهم وقوتهم إلى الله الراجين رجهم يملكون الشفاعة إن دخلوا النار بذنوبهم فيخرجون منها بشفاعة من أراد الله أن يشفعه فيهم.

стр. 1654

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- براءة سائر المعبودات من دون الله من عابديها يوم القيامة خزياً لهم وإحقاقاً للعذاب عليهم. ٢- لا عجب مما يشاهد من مسارعة الكافرين إلى الشر والفساد والشهوات لوجود شياطين تحركهم بعنف إلى ذلك وتدفعهم إليه. ٣- لا ينبغي طلب العذاب العاجل لأهل الظلم لأنهم كلما ازدادوا ظلماً ازداد عذابهم شدة يوم القيامة إذ كل شيء محصىً عليهم حتى أنفاسهم محاسبون عليه ومجزيون به. ٤- بيان كرامة المتقين، ومهانة المجرمين. وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الارْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالارْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥) شرح الكلمات: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا: أي قال العرب الملائكة بنات الله وقال النصارى عيسى ابن الله. جئتم شيئاً إداً: أي منكراً عظيماً. يتفطرن: يتشققن من عظم هذا القول وشدة قبحه. وتخر الجبال هداً: أي تسقط وتتهدم وتنهدم. أن دعوا للرحمن ولداً: أي من أجل إدعائهم أن للرحمن ولدا.

стр. 1655

ولا ينبغي: أي لا يصلح ولا يليق به ذلك لأنه رب كل شيء ومليكه. إلا آتى الرحمن عبداً: أي خاضعا منقاداً كائناً من كان. فرداً: أي ليس معه شيء لا مال ولا سلطان ولا ناصر. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر مقولات أهل الشرك والجهل والرد عليها من قبل الحق ﵎ قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿وقالوا﴾ أي أولئك الكافرون ﴿اتخذ الرحمن ولداً﴾ ١ إذ قالت بعض القبائل العربية الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله. يقول تعالى لهم بعد أن ذكر قولهم ﴿لقد جئتم شيئاً إداً٢﴾ أي أتيتم بشيء منكر عظيم، ﴿تكاد٣ السموات يتفطرن منه﴾ أي يتشققن منه لقبح هذا القول وسوئه، ﴿وتنشق الأرض وتخر الجبال٤ هدا﴾ أي تسقط لعظم هذا القول لأنه مغضب للجبار ولولا حلمه ورحمته لمس الكون كله عذاب أليم. وقوله: ﴿أن دعوا للرحمن ولداً٥﴾ أي أن نسبوا للرحمن ولداً، ﴿وما ينبغي للرحمن﴾ أي لا يصلح له ولا يليق بجلاله وكماله الولد، لأن الولد نتيجة شهوة بهيمية عارمة تدفع الذكر إلى إتيان الأنثى فيكون بإذن الله الولد، والله منزه عن مشابهته لمخلوقاته وكيف يشبههم وهو خالقهم وموجدهم من العدم؟ وقوله تعالى ﴿إن كل من٦ في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً﴾ هذا برهان على بطلان قولة الكافرين الجاهلين، إذ الذي ما من أحد في السموات أو في الأرض من ملائكة

стр. 1656

وإنس وجن إلاّ آتى الرحمن عبداً خاضعاً ذليلاً منقاداً يوم القيامة كيف يعقل اتخاذه ولداً١، إذ الولد يطلب للحاجة إليه، والغنى عن كل خلقه ها هي حاجته إلى عبد من عباده يقول هذا ولدي اللهم إنا نبرؤا إليك مما يقوله الجاهلون بك الضالون عن طريق هدايتك. وقوله تعالى: ﴿لقد أحصاهم وعدهم عدأعداً﴾ أي علمهم واحداً واحداً فلو كان بينهم إله معه أو ولد له لعلمه، فهذا برهان آخر على بطلان تلك الدعوة الجاهلية الباطلة الفاسدة وقوله: ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً﴾ هذا رد على أولئك الذين يدعون أنهم إن بعثوا يكون لهم المال والولد والشفيع والنصير. فأخبر تعالى أنه ما من أحد إلاّ ويأتيه يوم القيامة فرداً ليس معه شافع ولا ناصر، ولا مال ولا سلطان. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عظم الكذب على الله بنسبة الولد أو الشريك إليه أو القول عليه بدون علم. ٢- بيان أن كل المخلوقات من أجلّها إلى أحقرها ليس فيها غير عبد لله فنسبة الإنسان أو الجان أو الملك إلى الله تعالى هي عبد لرب مالك قاهر عزيز حكيم. ٣- بيان إحاطة الله بخلقه ومعرفته لعددهم فلا يغيب عن علمه أحد منهم، ولا يتخلف عن موقف القيامة فرد منهم إذ الكل يأتي الله تعالى يوم القيامة فردا. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)

стр. 1657

شرح الكلمات: وداً: أي حبا فيعيشون متحابين فيما بينهم ويحبهم ربهم تعالى. فإنما يسرناه بلسانك: أي يسرنا القرآن أي قراءته وفهمه بلغتك العربية. قوما لداً: أي ألداء شديدوا الخصومة والجدل بالباطل وهم كفار قريش. وكم أهلكنا: أي كثيراً من أهل القرون من قبلهم أهلكناهم. هل تحس منهم من أحد: أي هل تجد منهم أحداً. أو تسمح لهم ركزاً: أي صوتا خفياً والجواب لا لأن الاستفهام إنكاري. معنى الآيات: يخبر تعالى أن الذين آمنوا بالله وبرسوله وبوعد الله ووعيده فتخلوا عن الشرك والكفر وعملوا الصالحات وهي أداء الفرائض وكثير من النوافل هؤلاء يخبر تعالى أنه سيجعل لهم في قلوب عباده المؤمنين محبة١ ووداً وقد فعل فأهل الإيمان والعمل الصالح متحابون متوادون، وهذا التوادد بينهم ثمرة لحب الله تعالى لهم. وقوله تعالى: ﴿فإنما يسرناه﴾ أي هذا القرآن الذي كذب به المشركون سهلنا قراءته عليك إذ أنزلناه بلسانك ﴿لتبشر به المتقين﴾ من عبادنا المؤمنين وهم الذين اتقوا عذاب الله بالإيمان وصالح الأعمال بعد ترك الشرك والمعاصي، ﴿وتنذر به قوما لداً﴾ ٢ وهم كفار قريش وكانوا ألداء أشداء في الجدل والخصومة، وقوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا قبلهم٣ من قرن﴾ أي وكثيراً من أهل القرون السابقة لقومك أهلكناهم لما كذبوا رسلنا وحاربوا دعوتنا فـ ﴿هل تحس٤ منهم من أحد﴾ فتراه بعينك أو تمسه بيدك، ﴿أو تسمع٥ لهم ركزاً﴾ أي صوتاً خفياً اللهم لا فهلا يذكر هذا قومك

стр. 1658

فيتعظوا فيتوبوا إلى ربهم بالإيمان به وبرسوله ولقائه ويتركوا الشرك والمعاصي. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- أعظم بشرى تحملها الآية الأولى وهي حب الله وأوليائه لمن آمن وعمل صالحاً. ٢- بيان كون القرآن ميسراً أن نزل بلغة النبي ﷺ من أجل البشارة لأهل الإيمان والعمل الصالح والنذارة لأهل الشرك والمعاصي. ٣- إنذار العتاة والطغاة من الناس أن يحل بهم ما حل بمن قبلهم من هلاك ودمار والواقع شاهد أين أهل القرون الأولى؟

стр. 1659

سورة طه مكية وآياتها مائة وخمس وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طه (١) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى (٣) تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأسْمَاء الْحُسْنَى (٨) شرح الكلمات: طه: أي يا رجل. إلا تذكرة: أي يتذكر بالقرآن من يخشى عقاب الله .

стр. 1660

على العرش استوى: أي ارتفع عليه وعلا. وما تحت الثرى: الثرى التراب الندي يريد ما هو أسفل الأرضين السبع. وأخفى: أي من السر، وهو ما علمه الله وقدر وجوده وهو كائن ولكن لم يكن بعد. الحسنى: الحسنى مؤنث الأحسن المفضل على الحسن. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿طه﴾ ١ لفظ طه جائز أن يكون من الحروف المقطعة، وجائز أن يكون معناه يا رجل٢ ورجح الأمر ابن جرير لوجوده في لغة العرب طه بمعنى يا رجل وعلى هذا فمعنى الكلام يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى رداً على النضر بن الحارث الذي قال إن محمداً شقي بهذا القرآن الذي أنزل عليه لما فيه من التكاليف فنفى الحق ذلك وقال ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلاّ تذكرة لمن يخشى﴾ وإنما أنزلناه ليكون٣ تذكرة ذكرى يذكر بها من يخشى ربه فيقبل على طاعته متحملاً في سبيل ذلك كل ما قد يلاقي في طريقه من أذى قومه المشركين بالله الكافرين بكتابه والمكذبين لرسوله، وقوله: ﴿تنزيلاً٤ ممن خلق الأرض والسموات العلى﴾ أي هذا القرآن الذي مما أنزلناه لتشقى به ولكن تذكرة لمن يخشى نُزِّل تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسموات العلى: ﴿الرحمن٥ على العرش استوى﴾ أي رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما الذي استوى على عرشه استواءً يليق به يدبر أمر مخلوقاته، الذي ﴿له٦ ما في السموات وما في

стр. 1661

الأرض وما بينهما وما تحت الثرى١﴾ من الأرضين السبع. وقوله ﴿وإن تجهر بالقول﴾ أيها الرسول أو تُسِر ﴿فإنه يعلم السر وأخفى٢﴾ من السر؛ وهو ما قدره الله وهو واقع في وقته المحدد له فعلمه تعالى ولم يعلمه الإنسان بعد. وقوله: ﴿الله لا إله إلاّ هو﴾ أي الله المعبود بحق الذي لا معبود بحق سواه ﴿له الأسماء الحسنى﴾ التي لا تكون إلاّ له، ولا تكون لغيره من مخلوقاته. وهكذا عرّف تعالى عباده به ليعرفوه فيخافونه ويحبونه فيؤمنون به ويطيعونه فيكملون على ذلك ويسعدون فلله الحمد وله المنة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إبطال نظرية أن التكاليف الشرعية شاقة ومرهقة للعبد. ٢- تقرير عقيدة الوحي وإثبات النبوة المحمدية، ٣- تقرير الصفات الإلهية كالاستواء ووجوب الإيمان بها بدون تأويل أو تعطيل أو تشبيه بر بل اثباتها على الوجه الذي يليق بصاحبها . ٤- تقرير ربوبية الله لكل شيء. ٥- تقرير التوحيد وإثبات أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى. وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا

стр. 1662

فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) شرح الكلمات: هل أتاك: قد أتاك فالاستفهام للتحقيق.. حديث موسى: أي خبره وموسى هو ابن عمران نبي بني إسرائيل إذ رأى ناراً: أي حين رؤيته ناراً. لأهله: زوجته بنت شعيب ومن معها من خادم أو ولد. آنست ناراً: أي أبصرتها من بعد. بقبس١: القبس عود في رأسه نار. على النار هدى: أي ما يهديني الطريق وقد ضل الطريق إلى مصر. فلما أتاها: أي النار وكانت في شجرة من العوسج ونحوه تتلألؤ نوراً لا ناراً. نودي يا موسى: أي ناداه ربه قائلاً له يا موسى....! المقدس طوى٢: طوى اسم للوادي المقدس المطهر. اخترتك: من قومك لحمل رسالتي إلى فرعون وبني إسرائيل. فاستمع لما يوحى: أي إليك وهو قوله تعالى: ﴿إنني أنا الله لا إله إلاّ أنا﴾ . لذكري: أي لأجل أن تذكرني فيها. أكاد أخفيها٣: أي أبالغ في اخفائها حتى لا يعلم وقت مجيئها أحد.

стр. 1663

بما تسعى: أي سعيها في الخير أو في الشر. فتردى: أي تهلك. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد ففي نهاية الآية السابقة (٨) كان قوله تعالى ﴿الله لا إله إلاّ هو له الأسماء الحسنى﴾ تقريراً للتوحيد وإثباتاً له وفي هذه الآية (٩) يقرره تعالى عن طريق الإخبار عن موسى، وأن أول ما أوحاه إليه من كلامه كان إخباره بأنه لا إله إلاّ هو أي لا معبود غيره وأمره بعبادته. فقال تعالى: ﴿وهل أتاك١﴾ أي يا نبينا ﴿حديث موسى٢ إذ رأى ناراً﴾ ، وكان في ليلة مظلمة شاتية وزنده الذي معه لم يقدح له ناراً ﴿فقال لأهله﴾ أي زوجته ومن معها وقد ضلوا طريقهم لظلمة الليل، ﴿امكثوا﴾ أي ابقوا هنا فقد آنست ناراً أي أبصرتها ﴿لعلي آتيكم منها بقبس﴾ فنوقد به ناراً تصطلون بها أي تستدفئون بها، ﴿أو أجد على النار هدى﴾ أي أجد حولها ما يهدينا طريقنا الذي ضللناه. وقوله تعالى: ﴿فلما أتاها﴾ أي أتى النار ووصل إليها وكانت شجرة٣ تتلألؤ نوراً ﴿نودي يا موسى﴾ أي ناداه ربه تعالى قائلاً يا موسى ﴿إني٤ أنا ربك﴾ أي خالقك ورازقك ومدبر أمرك ﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾ وذلك من أجل أن يتبرك بملامسة الوادي المقدس بقدميه. وقوله تعالى ﴿وأنا أخترتك﴾ أي لحمل رسالتي إلى من أرسلك إليهم. ﴿فاستمع لما يوحى٥﴾ أي إليك وهو: ﴿إنني أنا الله لا إله إلاّ أنا﴾ أي أنا الله المعبود بحق ولا معبود بحق غيري وعليه فاعبدني وحدي، ﴿وأقم الصلاة لذكري٦﴾ ، أي لأجل أن تذكرني فيها وبسببها. فلذا من لم يصل لم يذكر الله تعالى وكان بذلك كافراً لربه تعالى. وقوله ﴿إن الساعة آتية٧﴾ أي ان الساعة التي يقوم فيها الناس أحياء من قبورهم للحساب والجزاء

стр. 1664

آتية لا محالة. من أجل مجازاة العبادّ على أعمالهم وسعيهم طوال أعمارهم من خير وشر، وقوله: ﴿أكاد أخفيها﴾ أي أبالغ في إخفائها حتى أكاد أخفيها عن نفسي. وذلك لحكمة أن يعمل الناس ما يعملون وهم لا يدرون متى يموتون ولا متى يبعثون فتكون أعمالهم بإراداتهم لا إكراه عليهم فيها فيكون الجزاء على أعمالهم عادلا، وقوله: ﴿فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها فتردى﴾ ينهى تعالى موسى أن يَقبل صدّ صادٍ من المنكرين للبعث متبعي الهوى عن الإيمان بالبعث والجزاء والتزود بالأعمال الصالحة لذلك اليوم العظيم الذي تجزى فيه كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون، فإن من لا يؤمن بها ولا يتزود لها يردى أي يهلك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة لمحمد ﷺ . ٢- تقرير التوحيد وإثباته، وأن الدعوة إلى لا إله إلاّ الله دعوة كافة الرسل. ٣- إثبات صفة الكلام لله تعالى. ٤- مشروعية التبرك بما جعله الله تعالى مباركاً، والتبرك التماس البركة حسب بيان الرسول وتعليمه. ٥- وجوب إقام الصلاة وبيان علة ذلك وهو ذكر الله تعالى. ٦- بيان الحكمة في إخفاء الساعة مع وجوب إتيانها وحتميته. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولىَ (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ

стр. 1665

مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) شرح الكلمات: وما تلك بيمينك يا موسى: الاستفهام للتقرير ليرتب عليه المعجزة وهي انقلابها حية. أتوكأ عليها: أي أعتمد عليها. وأهش بها على غنمي: أخبط بها ورق الشجر فيتساقط فتأكله الغنم. ولي فيها مآرب أخرى: أي حاجات أخرى كحمل الزاد بتعليقه فيها ثم حمله على عاتقه، وقتل الهوام. حية تسعى: أي ثعبان عظيم، تمشي على بطنها بسرعة كالثعبان الصغير المسمى بالجان. سيرتها الأولى: أي إلى حالتها الأولى قبل أن تنقلب حيّة. إلى جناحك: أي إلى جنبك الأيسر تحت العضد إلى الإبط. بيضاء من غير سوء: أي من غير برص تضيء كشعاع الشمس. اذهب إلى فرعون: أي رسولاً إليه. إنه طغى.: تجاوز الحد في الكفر حتى ادعى الألوهية. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم مع موسى وربه تعالى إذ سأله الرب تعالى وهو أعلم به وبما عنده قائلاً: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى١؟﴾ يسأله ليقرر بأن ما بيده عصا من خشب يابسة، فإذا تحولت إلى حية تسعى علم أنها آية له أعطاه إياها ربه ذو القدرة الباهرة ليرسله إلى فرعون وملائه. وأجاب موسى ربه قائلاً: ﴿هي عصاي أتوكأ عليها وأهش٢ بها على غنمي﴾ يريد يخبّط بها الشجر اليابس فيتساقط الورق فتأكله الغنم ﴿ولي فيها مآرب٣﴾ أي حاجات

стр. 1666

﴿أخرى١﴾ كحمل الزاد والماء يعلقه بها ويضعه على عاتقه كعادة الرعاة وقد يقتل بها الهوام الضارة كالعقرب والحية. فقال له ربه ﴿ألقها يا موسى فألقاها﴾ من يده ﴿فإذا هي حية تسعى٢﴾ أي ثعبان عظيم تمشي على بطنها كالثعبان الصغير المسمى بالجان فخاف موسى منها وولى هارباً فقال له الرب تعالى: ﴿خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى٣﴾ أي نعيدها عصا كما كانت قبل تحولها إلى حية وفعلا أخذها فإذا هي عصاه التي كانت بيمينه. ثم أمره تعالى بقوله: ﴿واضمم يدك﴾ أي اليمنى ﴿إلى جناحك٤﴾ الأيسر ﴿تحرج بيضاء من غير سوء﴾ أي برص وفعل فضم يده تحت عضده إلى إبطه تم استخرجها فإذا هي تتلألؤ كأنها فلقة قمر، أو كأنها الثلج بياضا أو أشد، وقوله تعالى ﴿آية أخرى﴾ أي آية لك دالة على رسالتك أخرى إذ الأولى هي انقلاب العصا إلى حية تسعى كأنها جان. وقوله تعالى: ﴿لنريك من آياتنا الكبرى﴾ أي حولنا لك العصا حية وجعلنا يدك تخرج بيضاء من أجل أن نريك من دلائل قدرتنا وعظيم سلطاننا. وقوله تعالى: ﴿إذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ لما أراه من عجائب قدرته أمره أن يذهب إلى فرعون رسولاً إليه يأمره بعبادة الله وحده وأن يرسل معه بني إسرائيل ليخرج بهم إلى أرض المعاد بالشام وقوله ﴿إنه طغى﴾ أي تجاوز قدره، وتعدى حده كبشر إذ أصبح يدعي الربوبية والألوهية إذ فقال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ وقال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ ، فأي طغيان أكبر من هذا الطغيان. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير نبغ الرسول محمد ﷺ إذ مثل هذه الأخبار لا تصح إلاّ ممن يوحى إليه. ٢- استحباب تناول الأشياء غير المستقذرة باليمين. ٣ - مشروعية حمل العصا٥.

стр. 1667

٤- سنة رعي الغنم للأنبياء. ٥- مشروعية التدريب على السلاح قبل استعماله في المعارك. ٦- آية موسى في انقلاب العصا حية وخروج اليد بيضاء كأنها الثلج أو شعاع شمس. ٧- بيان الطغيان: وهو ادعاء العبد ما ليس له كالألوهية ونحوها. قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) شرح الكلمات: اشرح لي صدري: أي وسعه لي لأتحمل الرسالة. ويسر لي أمري: أي سهله حتى أقوى على القيام به. واحلل عقدة من لساني١: أي حبسة حتى أُفهم من أُخاطب. اشدد به أزري: أي قوي به ظهري. وأشركه في أمري: أي اجعله نبياً كما نبأتني٢. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في حديث موسى ﵇ مع ربه إنه بعد أن أمر الله تعالى موسى بالذهاب إلى فرعون ليدعوه إلى عبادة الله وحده وإرسال بني إسرائيل مع موسى ليذهب به إلى أرض القدس قال موسى ﵇ لربه تعالى ﴿اشرح لي صدري﴾ لأتحمل أعباء الرسالة ﴿ويسر لي أمري﴾ أي سهل مهمتي عليَّ وارزقني العون

стр. 1668

عليها فإنها صعبة شاقة. ﴿واحلل عقدة من لساني﴾ تلك العقدة التي نشأت بسبب الجمرة التي ألقاها في فمه بتدبير الله حيث عزم فرعون على قتله لما وضعه في حجره يلاعبه فأخذ موسى بلحية فرعون ونتفها فغضب فقالت له آسية إنه لا يعقل لصغر سنه وقالت له تختبره بوضع جواهر في طبق وجمر في طست ونقدمهما له فإن أخذ الجواهر فهو عاقل ودونك افعل به ما شئت، وإن أخذ الجمر فهو غير عاقل فلا تحفل به ولا تغتم لفعله، وقدم لموسى الطبق والطست فمد يده إلى الطست بتدبير الله فأخذ جمرة فكانت سبب هذه العقدة فسأل موسى ربه أن يحلها من لسانه ليفصح إذا خاطب فرعون ويبين فيفُهم قوله، وبذلك يؤدي رسالته. هذا معنى قوله: ﴿واحلل عقدة من لسان يفقهوا قولي﴾ ١. وقوله تعالى فيما أخبر عن موسى ﴿واجعل لي وزيراً٢ من أهلي هارون أخي﴾ أي طلب من الله تعالى أن يجعل له من أخيه هارون معيناً على تبليغ الرسالة وتحمل أعبائها. وقوله: ﴿اشدد به أزري٣﴾ أي قو به ظهري. وقوله: ﴿وأشركه في أمري﴾ وذلك بتنبئته وإرساله ليكون هارون نبياً رسولاً. وعلل موسى ﵊ لطلبه هذا بقوله: ﴿كي نسبحك٤ كثيراً ونذكرك كثيراً﴾ ، وقوله ﴿إنك كنت بنا بصيرا﴾ أي أنك كنت ذا بصر بنا لا يخفى عليك شيء من أمرنا وهذا من موسى توسل إلى الله تعالى في قبول دعائه وما طلبه من ربه توسل إليه بعلمه تعالى به وبأخيه وبحالهما. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب اللجأ إلى الله تعالى في كل ما يهم العبد. ٢ مشروعية الأخذ بالأُهبة والاستعداد لما يعتزم العبد القيام به. ٣- فضيلة التسبيح والذكر، والتوسل بأسماء الله وصفاته.

стр. 1669

قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) شرح الكلمات: قد أوتيت سؤلك١: أي مسؤولك من انشراح صدرك وتيسير أمرك وانحلال عقدة لسانك، وتنبئة أخيك. ولقد مننا عليك مرة أخرى: أي أنعمنا عليك مع مرة أخرى قبل هذه. مما يوحى: أي في شأنك وهو قوله: أن اقذفيه الخ. في التابوت: أي الصندوق. فاقذفيه في اليم: أي في نهر النيل. ولتصنع على عيني٢: تربى بمرأى مني ومحبة وإرادة. على من يكفله: ليكمل له رضاعه. وقتلت نفسا: هو القبطي الذي قتلته بمصر وهو في بيت فرعون. فنجيناك من الغم-: إذ استغفرتنا فغفرنا لك وأئتمروا بك ليقتلوك فنجيناك منهم. وفتناك فتونا: أي اختبرناك اختبارا وابتليناك ابتلاء عظيما.

стр. 1670

جئت على قدر١: أي جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون. واصطنعتك لنفسي: أي أنعمت عليك بتلك النعم اجتباءً منا لك لتحمل رسالتنا. معنى الآيات: ما زال السياق في حديث موسى مع ربه تعالى فقد تقدم أن موسى ﵇ سأل ربه أموراً لتكون عوناً له على حمل رسالته فأجابه تعالى بقوله: في هذه الآية (٣٦) ﴿قال قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ أي قد أعطيت ما طلبت، ﴿ولقد مننا عليك مرة أخرى﴾ أي قبل هذه الطلبات وهي أنه لما أمر فرعون بذبح أبناء بني إسرائيل٢: ﴿إذ أوحينا٣ إلى أمك أن اقذفيه في التابوت﴾ أي في الصدوق٤ ﴿فاقذفيه في اليم﴾ أي نهر النيل ﴿فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو٥ له﴾ فهذه النجاة نعمة، ونعمة أخرى تضمنها قوله تعالى: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ أي أضفيت عليك محبتي فأصبح من يراك يحبك، ونعمة أخرى وهي: من أجل أن تُربَّى وتغذى على مرأى مني وإرادة لي أرجعتك بتدبيري إلى أمك لترضعك وتقر عينها ولا تحزن على فراقك، وهو ما تضمنه قوله تعالى: ﴿إذ تمشي أختك٦﴾ فتقول: ﴿هل أدلكم على من يكفله﴾ لكم أي لإرضاعه وتربيته. ﴿فرجعناك إلى أمك كي تقرعينها ولا تحزن﴾ ، ونعمة أخرى وهي أعظم إنجاؤنا لك من الغم الكبير بعد قتلك النفس وائتمار آل فرعون على قتلك ﴿فنجيناك من الغم﴾ من القتل وغفرنا لك خطيئة القتل. وقوله تعالى: ﴿وفتناك فتوناً﴾ ٧ أي ابتليناك ابتلاءً عظيماً وها هي ذي خلاصته في الأرقام التالية: ١- حمل أمك بك في السنة التي يقتل فيها أطفال بني إسرائيل. ٢- إلقاء أُمك بك في اليم. ٣- تحريم المراضع عليك حتى رجعت إلى أمك. ٤- أخذك بلحية فرعون وهمه بقتلك.

стр. 1671

٥- قتلك القبطي وائتمار آل فرعون بقتلك. ٦- إقامتك في مدين وما عانيت من آلام الغربة. ٧ - ضلالك الطريق بأهلك وما أصابك من الخوف والتعب. هذه بعض ما يدخل تحت قوله تعالى: وفتناك فتوناً وقوله ﴿فلبثت سنين في أهل مدين١﴾ ترعى غنم شعيب عشراً من السنين ﴿ثم جئت﴾ من مدين إلى طور سينا ﴿على قدر﴾ منا مقدر ووعد محدد ما كنت تعلمه حتى لاقيته. واصطنعتك لنفسي أي خلقتك وربيتك وابتليتك واتيت بك على موعد قدَّرْته لك لأُحمِّلك عبء الرسالة إلى فرعون وبني إسرائيل: إلى فرعون لتدعوه إلى عبادتنا وإرسال بني إسرائيل معك إلى أرض المعاد. وإلى بني إسرائيل لهدايتهم وإصلاحهم وإعدادهم للإسعاد والإكمال في الدارين إن هم آمنوا واستقاموا. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مظاهر لطف الله تعالى وحسن تدبيره في خلقه. ٢- مظاهر إكرام الله تعالى ولطفه بعبده ورسوله موسى ﵇. ٣- آية حب الله تعالى لموسى، وأثر ذلك في حب الناس له. ٤- تقرير نبوة محمد ﷺ بإخباره في كتابه بمثل هذه الأحداث في قصص موسى ﵇. اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (٤٥) قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 1672

وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) شرح الكلمات: بآياتي: أي بالمعجزات التي آتيتك كالعصا واليد وغيرها. ولا تنيا في ذكري: أي لا تفترا ولا تقصرا في ذكري فإنه سر الحياة وعونكما على أداء رسالتكما. إنه طغى: تجاوز قدره بادعائه الألوهية والربوبية. قولا لينا: أي خالياً من الغلظة والعنف. لعله يتذكر: أي فيما تقولان فيهتدي إلى معرفتنا فيخشانا فيؤمن ويسلم ويرسل معكما بني إسرائيل. يفرط علينا: أي يعجل بعقوبتنا قبل أن ندعو، ونبين له. أو أن يطغى: أي يزداد طغيانا وظلما. أسمع وأرى: أي اسمع ما تقولانه وما يقال لكما، وأرى ما تعملان وما يعمل لكما. فأرسل معنا بني إسرائيل: أي لنذهب بهم إلى أرض المعاد أرض أبيهم إبراهيم. بآية: أي معجزة تدل على صدقنا في دعوتنا وأنا رسولاً ربك حقاً وصدقاً. والسلام على من اتبع الهدى: أي النجاة من العذاب في الدارين لمن آمن واتقى، إذ الهدى إيمانٌ وتقوى. من كذب وتولى: أي كذب بالحق ودعوته وأعرض عنهما فلم يقبلهما. معنى الآيات ما زال السياق الكريم في الحديث عن موسى مع ربه ﵎ فقد أخبره تعالى في

стр. 1673

الآية السابقة أنه صنعه لنفسه، فأمره في هذه الآية بالذهاب مع أخيه هارون مزودين بآيات الله وهي حججه التي أعطاهما من العصا واليد البيضاء، ونهاهما عن التواني في ذكر الله بأن يضعفا في ذكر وعده ووعيده فيقصرا في الدعوة إليه تعالى فقال: ﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي١ ولا تنيا في ذكرى٢﴾ وبين لهما إلى من يذهبا وعلة ذلك فقال: ﴿إذهبا إلى فرعون إنه طغى﴾ أي تجاوز قدره وتعدى حده من إنسان يعبد الله إلى إنسان كفار ادعى أنه رب وإله، وعلمهما اسلوب الدعوة فقال لهما: ﴿فقولا له قولاً ليناً﴾ أي خاليا من الغلظة والجفا وسوء الإلقاء وعلل لذلك فقال ﴿لعله يتذكر أو يخشى٣﴾ أي رجاء أن يتذكر، معاني كلامكما وما تدعوانه إليه فيراجع نفسه فيؤمن ويهتدي٤ أو يخشى العذاب إن بقى على كفره وظلمه فيسلم لكما بني إسرائيل ويرسلهم معكما، فأبدى موسى وأخو هارون تخوفاً فقال ما أخبر تعالى به عنهما في قوله: فقالا ﴿إنا نخاف أن يفرط علينا﴾ أي يعجل بعقوبتنا بالضرب أو القتل، ﴿أو أن يطغى٥﴾ أي يزداد طغياناً وظلماً. فطمأنهما ربهما بأنه معهما بنصره وتأييده وهدايته إلى كل ما فيه عزهما فقال لهما: ﴿لا تخافا﴾ أي من فرعون وملائه: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ اسمع ما تقولان لفرعون وما يقول لكما. وأرى ما تعملان من عمل وما يعمل فرعون وإني أنصركما عليه فأحق عملكما وأبطل عمله. فأتياه إذاً ولا تترددا فقولا أي لفرعون ﴿إنا رسولاً ربك﴾ أي إليك ﴿فأرسل معنا بني إسرائيل﴾ لنخرج بهما حيث أمر الله، ﴿ولا تعذبهم﴾ بقتل رجالهم واستحياء نسائهم واستعمالهم في أسوء الأعمال وأحطها، ﴿قد جئناك بآية من٦ ربك﴾ أي بحجة من ربك دالة على أنا رسولا ربك إليك وأنه يأمرك بالعدل والتوحيد

стр. 1674

وينهاك عن الظلم والكفر ومنع بني إسرائيل من الخروج إلى أرض المعاد معنا. ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ أي واعلم يا فرعون أن الأمان والسلامة يحصلان لمن اتبع الهدى الذي جئناك به، فاتبع الهدى تسلم١، وإلاّ فأنت عرصة للمخاوف والهلاك والدمار وذلك لأنه ﴿قد أوحى إلينا﴾ أي أوحى إلينا ربنا، ﴿أن العذاب٢ على من كذب﴾ بالحق الذي جئناك به ﴿وتولى﴾ عنه فأعرض عنه ولم يقبله كبرياءً وعناداً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عظم شأن الذكر بالقلب واللسان والجوارح أي بالطاعة فعلاً وتركاً. ٢- وجوب مراعاة الحكمة في دعوة الناس إلى ربهم. ٣- تقرير معية الله تعالى مع أوليائه وصالح عباده بنصرهم وتأييدهم. ٤- تقرير أن السلامة من عذاب الدنيا والآخرة هي من نصيب متبعي الهدى. ٥- شرعية إتيان الظالم وأمره ونهيه والصبر على أذاه. ٦- عدم المؤاخذة على الخوف حيث وجدت أسبابه. قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأوْلِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)

стр. 1675

شرح الكلمات: أعطى كل شيء خلقه: أي خلقه الذي هو عليه متميز به عن غيره. ثم هدى: أي الحيوان منه إلى طلب مطعمه ومشربه ومسكنه ومنكحه. قال فما بال القرون الأولى: أي قال فرعون لموسى ليصرفه عن دلائه بالحجج حتى لا يفتضح فما بال القرون الأولى كقوم نوح وعاد وثمود في عبادتهم الأوثان؟ قال علمها عند ربي: أي لم علم أعمالهم وجزائهم عليها عند ربي دعنا من هذا فإنه لا يعنينا. في كتاب لا يضل ربي: أي أعمال تلك الأمم في كتاب محفوظ عند ربي وسيجزيهم بأعمالهم إن ربي لا يخطىء ولا ينسى فإن عذب أو أخر العذاب فإن ذلك لحكمة اقتضت منه ذلك. مهاداً وسلك لكم فيها سبلاً: مهاداً، فراشا وسلك: سهل، وسبلاً طرقاً. أزواجاً من نبات شتى: أزواجاً: أصنافاً: شتى: مختلفة الألوان والطعوم. إن في ذلك لآيات: لدلائل واضحات على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته. لأولى النهى: أي أصحاب العقول لأن النُهية العقل وسمي نهية لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح كالشرك والمعاصي. منها خلقناكم: أي من الأرض وفيها نعيدكم بعد الموت ومنها نخرجكم عند البعث يوم القيامة. تارة أخرى: أي مرة أخرى إذ الأولى كانت خلقاً من طين الأرض وهذه إخراجاً من الأرض. معنى الآيات: السياق الكريم في الحوار الذي دار بين موسى ﵇ وفرعون إذ وصل موسى وأخوه إلى فرعون وَدَعَوَاهُ إلى الله تعالى ليؤمن به ويعبده وبأسلوب هادىء لين كما أمرهما الله تعالى: فقالا له: ﴿والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحي علينا أن العذاب على من

стр. 1676

كذب وتولى﴾ ؟ ولم يقولا له لا سلام عليك، ولا أنت مكذب ومعذب، وهنا قال لهما فرعون ما أخبر به تعالى في قوله: ﴿قال فمن ربكما يا موسى؟﴾ أفرد اللعين موسى بالذكر لإدلائه عليه بنعمة التربية في بيته ولأنه الرسول الأول فأجابه موسى بما أخبر تعالى به بقوله: ﴿ربنا الذي أعطى١ كل شيء خلقه ثم هدى٢﴾ أي كل مخلوق خلقه الذي هو عليه متميز به من شكل ولون وصفة وذات ثم هدى الأحياء من مخلوقاته إلى طلب رزقها من طعام وشراب، وطلب بقائها بما سن لها وهداها إليه من طرق التناسل إبقاء لأنواعها. وهنا وقد أفحم موسى فرعون وقطع حجته بما ألهمه الله من علم وبيان قال فرعون صارفاً موسى عن المقصود خشية الفضيحة من الهزيمة أمام ملائه قال: ﴿فما٣ بال القرون الأولى﴾ أخبرنا عن قوم نوح وهود وصالح وقد كانوا يعبدون الأوثان. وعرف موسى أن اللعين يريد صرفه عن الحقيقة فقال له ما أخبر تعالى به في قوله: ﴿علمها عند ربي في كتاب٤، لا يضل ربي ولا ينسى٥﴾ فإن ما سألت عنه لا يعنينا فعلم حال تلك الأمم الخالية عند ربي في لوح محفوظ عنده وسيجزيها بعملها، وما عجل لها من العقوبة أو أخر إنما لحكمة يعلمها فإن ربي لا يخطىء ولا ينسى وسيجزى كلاً بكسبه. ثم أخذ موسى يصف ربه ويعرفهم به وهي فرصة سنحت فقال ﴿الذي جعل لكم الأرص مهداً﴾ أي فراشاً مبسوطة للحياة عليها ﴿وسلك لكم فيها سبلا﴾ أي سهل لكم للسير عليها طرقاً تمكنكم من الوصول إلى حاجاتكم فوقها، ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ وهو المطر المكون للأنهار والمغذي الممد للآبار. هذا هو ربي وربكم فاعرفوه واعبدوه ولا تعبدوا معه سواه. وقوله تعالى: ﴿فأخرجنا٦ به أزواجاً من نبات شتى﴾ أي بالمطر أزواجاً أي أصنافاً من نباتٍ شتى أي مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخصائص. كان هذا من قول الله

стр. 1677

تعالى تتميماً لكلام موسى وتذكيراً لأهل مكة المتجاهلين لله وحقه في التوحيد. وقوله: ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ أي مما ذكرنا لكم من أزواج النبات. وارعوا إبلكم وأغنامكم وسائر بهائمكم واشكروا لنا هذا الإنعام بعبادتنا وترك عبادة غيرنا. وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لأولي النهى﴾ أي إن في ذلك المذكور من إنزال المطر وإنبات النبات لتغذية الإنسان والحيوان لدلالات على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته وانه بذلك مستحق للعبادة دون سواه إلاّ أن هذه الدلائل لا يعقلها إلاّ أصحاب العقول وذوو النهى فهم الذي يستدلون بها علم معرفة الله ووجوب عبادته وترك عبادة غيره. وقوله تعالى: ﴿منها﴾ أي من الأرض التي فيها حياة النبات والحيوان خلقناكم أي خلق أصلكم الأول وهو آدم، وفيها نعيدكم بالموت فتقبرون فيها، ﴿ومنها١ نخرجكم تارة أخرى٢﴾ أي مرة أخرى وذلك يوم القيامة إذ نبعثكم من قبوركم أحياء للحساب والجزاء بالنعيم المقيم أو العذاب المهين بحسب صفات نفوسكم فذو النفس الطاهرة ينعم وذو النفس الخبيثة من الشرك والمعاصي يعذب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تعين إجابة السائل ولتكن بالعلم الصحيح النافع. ٢- تقرير مبدأ من حسن٣ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. ٣- تنزه الرب تعالى عن الخطأ والنسيان. ٤- الاستدلال بالآيات الكونية على الخالق وقدرته وألوهيته. ٥- احترام العقول وتقديرها لأنها تعقل٤ صاحبها دون الباطل والشر. ٦- تسمية العقل نهية لأنه ينهى صاحبه عن القبائح.

стр. 1678

وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) شرح الكلمات: أريناه آياتنا كلها: أي أبصرناه حججنا وأدلتنا على حقيقة ما أرسلنا به رسولينا موسى وهارون إليه كلها فرفضها وأبى أن يصدق بأنهما رسولين إليه من رب العالمين. من أرضنا: أي أرض مصر التي فرعون ملك عليها. بسحرك يا موسى: يشير إلى العصا واليد البيضاء. مكانا سوى: أي مكان عدل بيننا وبينك ونَصَفٍ، صالحاً للمباراة حيث يكون ساحة كبرى مكشوفة مستوية يرى ما فيها كل ناظر إليها. يوم الزينة: أي يوم عيد يتزينون فيه ويقعدون عن العمل. وأن يحشر الناس ضحى: أي وأن يؤتى بالناس من كل أنحاء البلاد للنظر في المباراة. فتولى فرعون: أي انصرف من مجلس الحوار بينه وبين موسى وهارون في كبرياء وإعراض. فيجمع كيده: أي ذوى كيده وقوته من السحرة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحوار بين موسى وهارون من جهة وفرعون وملائه من جهة

стр. 1679

أخرى فقال تعالى: ﴿ولقد أريناه﴾ أي أرينا فرعون ﴿آياتنا كلها﴾ أي أدلتنا وحججنا١ على أن موسى وهارون رسولان من ﴿قبلنا﴾ أرسلناهما إليه، فكذب برسالتهما وأبى الاعتراف بهما، وقال ما أخبر تعالى به عنه: ﴿قال أجئتنا٢﴾ أي يا موسى ﴿لتخرجنا من أرضنا﴾ أي منازلنا وديارنا ومملكتنا ﴿بسحرك﴾ الذي انقلبت به عصاك حية تسعى، ﴿فلنأتينك بسحر مثله، فاجعل بيننا وبينك موعداً﴾ نتقابل فيه، ﴿لاّ نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى﴾ ٣ عدلاً بيننا وبينك يكون من الاعتدال والاتساع بحيث كل من ينظر إليه يرى ما يجرى فيه من المباراة بيننا وبينك. فأجاب موسى بما أخبر تعالى به عنه فقال: ﴿موعدكم يوم الزينة﴾ وهو يوم عيد للأقباط يتجملون فيه ويقعدون عن العمل، ﴿وأن يحشر الناس ضحى٤﴾ أي في يوم يجمع فيه الناس ضحى للتفرج في المباراة من كل أنحاء المملكة وهنا تولى فرعون بمعنى انصرف من مجلس المحاورة وكله كبر وعناد فجمع قواته من السحرة لإنفاذ كيده في موسى وهارون. وفي الآيات التالية تظهر الحقيقة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان كبر فرعون وصلفه وطغيانه. ٢- للسحر آثار وله مدارس يتعلم فيها ورجال يحذقونه ويعلمونه. ٣- مشروعية المبارزة والمباراة لإظهار الحق وإبطال الباطل. ٤- مشروعية اختيار المكان والزمان اللائق للقتال والمباراة ونحوهما. قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ

стр. 1680

وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) شرح الكلمات: ويلكم: دعاء عليهم معناه: ألزمكم الله الويل وهو الهلاك. فيسحتكم بعذاب: أي يهلككم بعذاب من عنده. فتنازعوا أمرهم: أي في شأن موسى وهارون أي هل هما رسولان أو ساحران. وأسروا النجوى: وهي قولهم: ان هذان لساحران يريدان الخ.... بطريقتكم المثلى: أي ويغلبا على طريقة قومكم وهما أشرافهم وساداتهم. فأجمعوا كيدكم: أي أحكموا أمر كيدكم حتى لا تختلفوا فيه. قد أفلح من استعلى: أي قد فاز من غلب. إما أن تلقي: أي عصاك. فخيل إليه أنها تسعى: أي فخيل إلى موسى أنها حية تسعى، لأنهم طلوها بالزئبق فلما ضربت الشمس عليها اضطربت واهتزت فخيل إلى موسى أنها تتحرك. معنى الآيات: ما زال السياق في الحوار الدائر بين موسى ﵇ والسحرة الذين جمعهم فرعون

стр. 1681

للمباراة فأخبر تعالى عن موسى أنه قال لهم مخوفا إياهم علهم يتوبون: ﴿ويلكم١ لا تفتروا على الله كذباً﴾ أي لا تتقولوا على الله فتنسبوا إليه ما هو كذب ﴿فيسحتكم٢ بعذاب﴾ أي يهلككم بعذاب إبادة واستئصال، ﴿وقد خاب من افترى﴾ أي خسر من كذب على الله أو على الناس. ولما سمعوا كلام موسى هذا اختلفوا فيما بينهم هل صاحب هذا الكلام ساحر أو هو كلام رسول من في السماء؟ وهو ما أخبر تعالى به عنهم في قوله: ﴿فتنازعوا٣ أمرهم بينهم﴾ وقوله ﴿وأسروا النجوى﴾ أي أخفوا ما تناجوا به بينهم وهو ما أخبر تعالى به في قوله: ﴿إن٤هذان لساحران﴾ أي موسى وهارون ﴿يريدان أن يخرجاكم من أرضكم﴾ أي دياركم المصرية، ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى٥﴾ أي باشرافكم وساداتكم من بني إسرائيل وغيرهم فيتابعوهما على ما جاءا به ويدينون بدينهما، وعليه فأجمعوا أمركم حتى لا تختلفوا فيما بينكم، ﴿ثم ائتوا صفا﴾ واحداً متراصاً، ﴿وقد أفلح اليوم من استعلى﴾ أي غلب، وهذا بعد أن اتفقوا على أسلوب المباراة قالوا بأمر فرعون: ﴿يا موسى إما أن تلقي﴾ عصاك، وإما أن نلقي نحن فنكون أول من ألقى. فقال لهم موسى: ﴿بل ألقوا﴾ ، فالقوا عندئذ ﴿فإذا حبالهم وعصيهم﴾ وكانت ألوفاً فغطت الساحة وهي تتحرك وتضطرب لأنها مطلية بالزئبق فلما سخنت بحر الشمس صارت تتحرك وتضطرب الأمر الذي خيل فيه لموسى أنها تسعى (باقي الحديث في الآيات بعد) .

стр. 1682

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- حرمة الكذب على الله تعالى، وإنه ذنب عظيم يسبب دمار الكاذب وخسرانه. ٢- من مكر الإنسان وخداعه١ أن يحول القضية الدينية البحتة إلى سياسة خوفاً من التأثير على النفوس فتؤمن وتهتدي إلى الحق. ٣- معية الله تعالى لموسى وهارون تجلت في تصرفات موسى إذ الإذن لهم بالإلقاء أولا من الحكمة وذلك أن الذي يبقى في نفوس المتفرجين والنظارة هو المشهد الأخير والكلمة الأخيرة التي تقال لاسيما في موقف كهذا. قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (٦٧) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الاعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلاقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلاصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) شرح الكلمات: فأوجس في نفسه خيفة: أي أحس بالخوف في نفسه. أنت الأعلى: أي الغالب المنتصر. تلقف: أي تبتلع بسرعة ما صنع السحرة من تلك الحبال والعصي. كيد ساحر: أي كيد ساحر لا بقاء له ولا ثبات.

стр. 1683

لا يفلح الساحر: أي لا يفوز بمطلوبة حيثما كان. فألقي السحرة سجداً: أي ألقوا بأنفسهم ورؤوسهم على الأرض ساجدين. إنه لكبيركم: أي لمعلمكم الذي علمكم السحر. من خلاف: أي يد يمنى مع رجل يسرى. في جذوع النخل: أي على أخشاب النخل. أينا أشد عذاباً وأبقى: يعني نفسه- لعنه الله- ورب مرسى اشد عذاباً وأدومه على مخالفته وعصيانه. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن المباراة التي بين موسى ﵇ وسحرة فرعون إنه لما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم وتحركت واضطربت ومتلأت بها الساحة شعر موسى بخوف في نفسه فأوحى إليه ربه تعالى في نفس اللحظة: ﴿لا تخف إنك أنت الأعلى﴾ أي الغالب القاهر لهم. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦٧) فأوجس١ في نفسه خيفة موسى والثانية (٦٨) ﴿قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى﴾ وقوله تعالى: ﴿وألق ما في يمنيك٢ تلقف ما صنعوا﴾ أي تبتلع بسرعة وعلل لذلك فقال: ﴿إنما صنعوا كيد ساحر٣﴾ أي هو مكر وخدعة من ساحر ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ أي لا يفوز الساحر بما أراد ولا يظفر به أبداً لأنه مجرد تخيلات يريها غيره. وليس لها حقيقة ثابتة لا تتحول ولما شاهد السحرة ابتلاع العصا لكل حبالهم وعصيتهم عرفوا أن ما جاء به موسى ليس سحراً وإنما هو معجزة سماوية ألقوا بأنفسهم على الأرض ساجدين لله رب العالمين لما بهر نفوسهم من عظمة المعجزة وقالوا في وضوح ﴿آمنا برب هارون وموسى﴾ . وهنا صاح فرعون مزمجراً مهدداً ليتلافى في نظره شر الهزيمة فقال

стр. 1684

للسحرة ﴿آمنتم له قبل أن آذن لكم﴾ بذلك ﴿إنه لكبيركم١﴾ أي معلمكم العظيم ﴿الذي علمكم السحر﴾ فتواطأتم معه على الهزيمة. ﴿فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف﴾ تعذيباً وتنكيلاً فاقطع يمين أحدكم مع يسرى رجليه، أو العكس ﴿ولأصلبنكم٢ في جذوع النخل﴾ أي لأشدنكم على أخشاب النخل واترككم معلقين عبرة ونكالاً لغيركم ﴿ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى﴾ أي أدومه: رب موسى الذي آمنتم به أو أنا "فرعون عليه لعائن الله" هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الشعور بالخوف والإحساس به عند معاينة أسبابه لا يقدح في الإيمان. ٢- تقرير أم ما يظهر السحرة من تحويل الشيء إلى آخر إنما هو مجرد تخييل لا حقيقة له. ٣- حرمة السحر لأنه تزوير وخداع. ٤- قوة تأثير المعجزة في نفس السحرة لما ظهر لهم من الفرق بين الآية والسحر. ٥- شجاعة المؤمن لا يرهبها خوف بقتل ولا بصلب. قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ

стр. 1685

تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى (٧٦) شرح الكلمات: لن نؤثرك: أي لن نفضلك ونختارك. والذي فطرنا: أي خلقنا ولم نكن شيئا. فاقض ما أنت قاض: أي اصنع ما قلت إنك تصنعه بنا. والله خير وأبقى: أي خير منك ثواباً إذا أطيع وأبقى منك عذاباً إذا عصى. مجرما: مجرما أي على نفسه مفسداً لها بآثار الشرك والكفر والمعاصي. جزاء من تزكى: أي ثواب من تتطهر من آثار الشرك والمعاصي وذلك بالإيمان والعمل الصالح. معنى الآيات: ما زال السياق مع فرعون والسحرة المؤمنين انه لما هددهم فرعون بالقتل والصلب على جذوع النخل لإيمانهم بالله وكفرهم به وهو الطاغوت قالوا له ما أخبر تعالى به عنهم في هذه الآية (٧٢) ﴿قالوا لن نؤثرك﴾ يا فرعون ﴿على ما جاءنا من البينات﴾ الدلائل والحجج القاطعة على أن رب١ موسى وهارون هو الرب الحق الذي تجب عبادته وطاعته فلن نختارك على الذي خلقنا فنؤمن بك ونكفر به لن يكون هذا أبداً واقض ما أنت عازم على قضائه علينا من القتل والصلب. ﴿إنما تقضى هذه الحياة الدنيا﴾ في هذه الحياة الدنيا لما لك من السلطان فيها أما الآخرة فسوف يقضى عليك فيها بالخلد في العذاب المهين. وأكدوا إيمانهم في غير خوف ولا وجل فقالوا: ﴿إنا آمنا بربنا﴾ أي خالقنا ورازقنا ومدبر أمرنا ﴿ليغفر لنا خطايانا﴾ أي ذنوبنا، ﴿وما أكرهتنا عليه من السحر﴾ أي من تعلمه والعمل به، ونحن لا نريد ذلك ولا شك أن فرعون كان قد ألزمهم بتعلم السحر والعمل به من أجل محاربة موسى وهارون لما رأى من معجزة العصا واليد. وقولهم ﴿والله خير وأبقى﴾
следующие страницы →