← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠) شرح الكلمات: ولقد ضربنا للناس: أي جعلنا للناس. من كل مثل: أي من كل صفة مستغربة تلفت الانتباه وتحرك الضمير كالأمثال لعلهم يذكرون فيؤمنوا ويوحدوا. ولئن جئتهم بآية: أي ولئن أتيت هؤلاء المشركين بكل حجة خارقة. إن أنتم إلا مبطلون: أي ما أنتم أيها الرسول والمؤمنون إلا مبطلون فيما تقولون وتدعون إليه من الإيمان بآيات الله ولقائه. الذين لا يعلمون: أي ما أنزل الله على رسوله وما أوحاه إليه من الآيات البينات. فاصبر إن وعد الله حق: أي اصبر يا رسولنا على أذاهم فإن العاقبة لك إذ وعدك ربك بها ووعد الله حق. ولا يستخفنك الذين لا يوقنون: أي لا يحملنك هؤلاء المشركون المكذبون بلقاء الله على الخفة والطيش فتترك دعوتك إلى ربك. معنى الآيات: بعد إيراد العديد من الأدلة وسوق الكثير من الحجج وعرض مشاهد القيامة في الآيات السابقة تقريراً لعقيدة البعث والجزاء التي أنكرها المشركون من قريش قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ (١) ﴾ أي جعلنا للناس في هذا القرآن من أساليب

стр. 2207

الكلام وضروب التشبيه، وعرض الأحداث بصورة مثيرة للدهشة موقظة للحس، ومنبهة للضمير، كل ذلك لعلهم يذكرون فيؤمنوا فيهتدوا للحق فينجوا ويسعدوا، ولكن أكثرهم لم ينتفعوا بذلك، ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ (١) ﴾ أي بحجة من معجزة وغيرها تدل على صدقك وصحة دعوتك وما جئت به ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي منهم (٢) . ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ أي ما أنتم أيها الرسول والمؤمنون ﴿إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أي من أهل الباطل فيما تقولون وتدعون إليه من الدين الحق والبعث الآخر. وقوله ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي كذلك الطبع على قلوب الكافرين الذين لو جئتهم بكل آية لم يؤمنوا عليها لما ران على قلوبهم وما ختم به عليها، يطبع الله على قلوب الذين يعلمون (٣) ، إذ ظلمة الجهل كظلمة الشرك والكفر تحجب القلوب عن الفهم والإدراك فلا يحصل إيمان ولا استجابة لدعوة الحق وقوله ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ يأمر تعالى رسوله أن يلتزم بالصبر على دعوته والثبات عليها في وجه هذا الكفر العنيد، حتى ينصره الله تعالى إذ واعده بالنصر في غير ما آية ووعد الله حق فهو ناجز لا يتخلف. وقوله: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ (٤) الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٥) ﴾ أي اصبر ولا يحملنك عناد المشركين وإصرارهم على الكفر والتكذيب على الخفة والطيش والاستجهال بترك الحلم والصبر. والمراد بالذين لا يوقنون كل من لا يؤمن بالله ولقائه إيماًنا يقينيا إذ هذا الصنف من الناس هو الذي يستفز الإنسان ويحمله على أن يخرج عن اللياقة والأدب والعياذ بالله. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- اعذار الله تعالى إلى الناس بما ساقه تعالى في كتابه من أدلة الإيمان وحجج الهدى.

стр. 2208

٢- أسوأ أحوال الإنسان عندما يطبع على قلبه لكثرة ذنوبه فيصبح لا يفهم ولا يعقل شيئا وفي الخبر حبك الشيء يعمي ويصم. ٣- وجوب الصبر والتزام الحلم والأناة مهما جهل الجاهلون.

стр. 2209

سورة لقمان مكية (١) وآياتها أربع وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) شرح الكلمات: الم: هذا أحد الحروف المقطعة التي تكتب الم، وتقرأ ألف لام ميم. تلك: أي الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف هي آيات الكتاب الحكيم. الحكيم: أي المحكم الذي لا نسخ يطرأ عليه بعد تمام نزوله، ولا خلل فيه، وهو الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه فلا خلط ولا خبط فيما يحمل من هدى وتشريع. هدى ورحمة: أي هو هدى يهتدي به ورحمة يرحم بها. للمحسنين: أي الذين يراقبون الله تعالى في كل شؤونهم إذ هم الذين يجدون الهدى والرحمة في القرآن الكريم أما غيرهم من أهل الشرك والمعاصي فلا يجدون ذلك.

стр. 2210

أولئك: أي المحسنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوقنون بالآخرة. على هدى من ربهم: أي على هداية من الله تعالى فلا يضلون ولا يجهلون معها أبدا. المفلحون: أي الفائزون بالنجاة من كل مرهوب وبالظفر بكل مرغوب محبوب. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿الم﴾ أحسن ما يفسر به مثل هذه الحروف المقطعة قول: الله أعلم بمراده به وقد أفادت هذه الحروف فائدة عظيمة، وذلك من جهتين الأولى أنه لما كان المشركون يمنعون من سماع القرآن خشية التأثير به فيهتدي إلى الحق من يحصل له ذلك، وقالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ كانت هذه الحروف بنغمها الخاص ومدودها العجيبة تضطر المشرك إلى الإصغاء والاستماع فحصل ضد مقصودهم وكفى بهذه فائدة. والثانية أنهم لما ادعوا أن القرآن سحر وكهانة وشعر وأساطير الأولين كأنما قيل لهم هذا القرآن الذي ادعيتم فيه كذا وكذا قد تألف من هذه الحروف ص، ن، ق، يس، طس، الم، فألفوا سورة مثله وأتوا بها للناس فيصبح لكم ما تدعون فإن عجزتم فسلموا أنه كلام الله أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ فآمنوا ووحدوا واستقيموا على ذلك تعزوا وتكرموا وتكملوا وتسعدوا. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ (١) الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ أي هذه الآيات هي آيات القرآن الكريم الموصوف بالحكمة إذ هو لا يخلط ولا يغلط ولا يخبط بل يضع كل شيء في موضعه اللائق به في كل ما قاله فيه وحكم به، وأخبر عنه أو به من سائر المعارف والعلوم التي حواها كما هو حكيم بمعنى محكم لا نسخ يطرأ عليه بعد تمامه كما طرأ على الكتب السابقة، ومحكم أيضاً بمعنى لا خلل فيه، ولا تناقض بين أخباره وأحكامه على كثرتها وتنوع أسبابها ومقتضيات نزولها، وقوله: ﴿هُدىً (٢) وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) ﴾ أي هو بيان هداية ورحمة تنال المحسنين وهم الذين أحسنوا عبادتهم لربهم فخلصوها من الشرك والرياء وأتوا بها على

стр. 2211

الوجه المرضي لله تعالى وهو ما بينه رسوله ﷺ من كيفيات العبادات وبيان فعلها وأدائها عليه. وقوله ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي المحسنين الذين يقيمون الصلاة أي يؤدون الصلوات الخمس مراعى فيها شروطها مستوفاة أركانها وسننها الواجبة منها والمستحبة، ويؤتون الزكاة أي يخرجون زكاة أموالهم الصامتة كالذهب والفضة أو العُمَل القائمة مقامهما والحرث من تمر وزيتون، وحبوب مقتاة مدخرة والناطقة من إبل وبقر وغنم وذلك إن حال الحول في الذهب والفضة والعمل وفي بهيمة الأنعام أما الحرث والغرس فيوم حصاده وجداده. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي والحال هم موقنون بما أعده الله من ثواب وجزاء على الإحسان والإيمان والإسلام الذي دلت عليه صفاتهم في هذا السياق الكريم وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يخبر تعالى عن المحسنين أصحاب الصفات الكريمة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان باليوم الآخر والإيقان بثواب الله تعالى فيه إنهم على هدى أي طريق مستقيم وهو الإسلام هداهم الله تعالى إليه ومكنهم من السير عليه وبذلك أصبحوا من المفلحين الذين يفوزون بالنجاة من النار، وبدخول الجنة دار الأبرار. اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم إنك برّ كريم تواب رحيم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان إعجاز القرآن حيث ألف من مثل آلم، وص، وطس، ولم يستطع خصومه تحديه. ٢- بيان معنى الحكيم وفضل الحكمة. ٣- بيان أن القرآن بيان للهدى المنجي المسعد ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه. ٤- فضل الصلاة والزكاة واليقين. ٥- بيان مبنى الدين: وهو الإيمان والإسلام والإحسان (١) .

стр. 2212

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِين (١) ٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) شرح الكلمات: ومن الناس: أي ومن بعض الناس إنسان هو النضر بن الحارث بن كلدة حليف قريش. لهو الحديث: أي الحديث الملهي عن الخير والمعروف وهو الغناء. ليضل عن سبيل الله: أي ليصرف الناس عن الإسلام ويبعدهم عنه فيضلوا. ويتخذها هزواً: أي ويتخذ الإسلام وشرائعه وكتابه هزواً أي مهزوءاً به مسخوراً منه. ولّى مستكبراً: أي رجع في كبرياء ولم يستمع إليها كفراً وعناداً وكبراً كأن لم يسمعها. في أذنيه وقراً: أي ثقل يمنع من السماع كالصمم. بغير عمدٍ ترونها: أي بدون عمد مرئية لكم ترفعها حتى لا تقع على الأرض. رواسي: أي جبال راسية في الأرض بها ترسو الأرض أي تثبت حتى لا تميل.

стр. 2213

وبث فيها من كل دابة: أي وخلق ونشر فيها من صنوف الدواب وهي كل ما يدب في الأرض. من كل زوج كريم: أي من كل صنف من النباتات جميل نافع لا ضرر فيه. هذا خلق الله: أي المذكور مخلوقة لله تعالى إذ هو الخالق لكل شيء. من دونه: أي من الآلهة المزعومة التي يعبدها الجاهلون. بل الظالمون: أي المشركون. معنى الآيات: لما ذكر تعالى عباده المحسنين وأثنى عليهم بخير وبشرهم بالفلاح والفوز المبين ذكر صنفا آخر على النقيض من الصنف الأول الكريم فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ (١) مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ (٢) لِيُضِلَّ (٣) عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي ومن بعض الناس إنسان هو النضر بن الحارث الكلدي حليف قريش يشتري لهو الحديث أي الغناء إذ كان يشتري الجواري المغنيات ويفتح نادياً للهو والمجون ويدعوا الناس إلى ذلك ليصرفهم عن الإسلام حتى لا يجلسوا إلى نبيّه ولا يقرأوا كتابه بغير علم منه بعاقبة صنيعه وما يكسبه من خزي وعار وعذاب النار. وقوله ﴿وَيَتَّخِذَهَا (٤) هُزُواً﴾ أي يتخذ سبيل الله التي هي الإسلام هزواً أي شيئاً مهزوءا به مسخوراً منه بما في ذلك الرسول والمؤمنون والآيات الكلّ يهزأ به ويسخر منه لجهله وظلمة نفسه. قال تعالى ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِين﴾ أي أولئك البعداء وهم كل من يشتري الغناء يغني به نساء ورجال أو آلات ممن اتخذوا الإسلام وشرائعه هزواً وسخرية ليصدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله الموصلة إلى رضاه ومحبته وجنته. أولئك: مَن تلك صفتهم لهم عذاب مهين بكسر أنوفهم وبذلهم يوم القيامة وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ

стр. 2214

آيَاتُنَا وَلَّى (١) مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي إذا قرئت على هذا الصنف من الناس آيات الله لتذكيره وهدايته رجع مستكبراً كأن لم يسمعها تتلى عليه وهي حالة من أقبح الحالات لدلالتها على خبث هذا الصنف من الناس وكبرهم. وقوله ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ (٢) كأن به صمم لا يسمع القول وهنا عجّل الله له بما يحزنه ويخزيه فقال لرسوله محمد ﷺ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والتبشير بما يضر ولا يسر يحمل معه التهكم وهذا النوع من الناس مستحق لذلك وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ هذا صنف آخر مقابل لما قبله وهم أهل الإيمان والعمل الصالح بشرهم ربهم بجنات النعيم والخلود فيها وقوله ﴿وَعْدَ اللهِ حَقّاً﴾ أي (٣) وعدهم بذلك وعداً صادقاً لا يخلف وأحقه لهم حقاً لا يسقط. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي الغالب الذي لا يحال بينه وبين مراده الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه. وقوله ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (٤) ﴾ أي من مظاهر قدرته وعزته وحكمته خلقُه السموات ورفعها بغير عمد مرئية لكم وفي هذا التعبير إشارة إلى أن هناك أعمدة غير مرئية وهي سنة نظام الجاذبية التي خلقها بقدرته وجعل الأجرام السماوية متماسكة بها. وقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ أي من مظاهر قدرته وحكمته إلقاء الجبال الرواسي على الأرض لتحفظ توازنها حتى لا تميل بأهلها فيفسد ويسقط ما عليها وتنعدم الحياة عليها وهو معنى ﴿أَنْ تَمِيدَ (٥) بِكُمْ﴾ أي تميل، وإذا مالت تصدع كل ما عليها وخرب وقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ وهذا مظهر من مظاهر القدرة والعلم والحكمة الموجبة للإيمان بالله ولقائه والمستلزمة لتوحيده تعالى في عبادته، فسائر أنواع الدواب على كثرتها واختلافها الله الذي خلقها وفرقها في الأرض تعمرها وتزينها. وقوله ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو ماء المطر ﴿فَأنْبَتَ بِهِ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي صنف من أصناف الزروع والنباتات مما

стр. 2215

هو نافع وصالح للإنسان هذا المذكور مظهر من مظاهر القدرة الإلهية والعلم والحكمة الربانية الموجبة للإيمان بالله وآياته ولقائه وتوحيده في عباداته ومن هنا قال تعالى: ﴿هَذَا (١) خَلْقُ اللهِ﴾ أي كل ما ذكر من المخلوقات في الآيات هو مخلوق لله والله وحده خالقه فأروني أيها المشركون المكذبون ماذا خلق الذين تعبدونهم من دونه من سائر المخلوقات يتحداهم بذلك. فعجزوا. وقوله تعالى ﴿بَلِ (٢) الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إنهم عبدوا غير الله وكذبوا بلقاء الله لا عن علم لديهم أو شبهه كانت لهم بل الظالمون وهم المشركون في ضلال مبين فهم تائهون في أودية الضلال حيارى بجهلهم في حياتهم فدواؤهم العلم والإيمان فمتى آمنوا وعلموا لم يبق مجال لكفرهم وشركهم وعنادهم فلهذا فصّل تعالى الآيات وعرض الأدلة والحجج عرضاً عجيباً لعلهم يذكرون فيؤمنوا ويوحدوا فيكملوا ويسعدوا فضلاً منه ورحمة. وهو العزيز الرحيم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة غناء النساء للرجال الأجانب. ٢- حرمة شراء الأغاني في الأشرطة والاسطوانات التي بها غناء العواهر والخليعين من الرجال. ٣- حرمة حفلات الرقص والغناء الشائعة اليوم في العالم كافره ومسلمه. ٤- دعوة الله تقوم على دعامتي الترهيب والترغيب والبشارة والنذارة. ٥- بيان شتّى مظاهر القدرة والعلم والعز والحكمة الموجب للإيمان والتوحيد. ٦- لا قصور في الأدلة والحجج الإلهية وإنما ضلال العقول بالشرك والمعاصي هو المانع من الاهتداء. والعياذ بالله تعالى. وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا

стр. 2216

يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الِْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ (١) عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) شرح الكلمات: ولقد آتينا لقمان الحكمة: أي أعطينا لقمان (٢) القاضي: أي الفقه في الدين والعقل والإصابة في الأمور. أن اشكر لله: أي اشكر لله ما أنعم عليك بطاعته وذكره. لابنه وهو يعظه: أي ابنه ثاران وهو يعظه أي يأمره وينهاه مرغباً له مرهباً. ووصينا الإنسان: أي عهدنا إليه ببرهما وهو كف الأذى عنهما والإحسان إليهما وطاعتهما في المعروف. وهناً على وهن: أي ضعفاً على ضعف وشدة على شدة وهي الحمل والولادة والإرضاع. وفصاله في عامين: أي مدة رضاعه تنتهي في عامين، وبذلك يفصل عن

стр. 2217

الرضاع وإن جاهداك: أي بذلا جهدهما في حملك على الشرك. وصاحبهما في الدنيا معروفا: أي واصحبهما في حياتهما بالمعروف وهو البر والإحسان وكف الأذى والطاعة في غير معصية الله. من أناب إليّ: رجع إليّ بتوحيدي وطاعتي وطاعة رسولي محمد ﷺ . معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والتنديد بالشرك والمشركين وهذه القصة اللقمانية اللطيفة مشوقة لذلك قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي أعطينا عبدنا لقمان الحكمة وهي الفقه في الدين والإصابة في الأمور ورأسها مخافة الله تعالى بذكره وشكره الذي هو طاعته في عبادته وتوحيده فيها. وقوله: ﴿أَنِ (١) اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي وقلنا له اشكر الله خالقك ما أنعم به عليك بصرف تلك النعم فيما يرضيه عنك ولا يسخطه عليك. وقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي ومن شكر الله بطاته فإن ثمرة الشكر وعائدته للشاكر نفسه بحفظ النعمة والزيادة فيها أما الله فإنه غني بذاته محمود بفعاله فلا يفتقر إلى خلقه في شيء إذ هم الفقراء إليه . وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ﴾ أي واذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين قول لقمان لابنه وأخص الناس به وهو ينهاه عن الشرك الذي نهيتكم أنا عنه فغضبتم وأصررتم عليه عناداً ومكابرة فقال له: بما أخبر به تعالى عنه في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ (٢) وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ أي يأمره وينهاه مرغباً له في الخير مرهبا له من الشر: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ﴾ أي في عبادته أحدا. وعلل لنهيه ليكون أوقع في نفسه فقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ (٣) عَظِيمٌ﴾ والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ويترتب عليه الفساد والخسران الكبير، وعبادة غير الله وضع لها في غير موضعها إذ العبادة حق الله على عباده

стр. 2218

مقابل خلقهم ورزقهم وكلاءتهم في حياتهم وحفظهم وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الِْإنْسَانَ (١) بِوَالِدَيْهِ﴾ أي عهدنا إلى الإنسان آمرين إياه ببرِّ والديه أي أمه وأبيه، وبرّهما بذل المعروف لهما وكف الأذى عنهما وطاعتهما (٢) في المعروف، وقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ﴾ أي الإنسان ﴿أُمُّهُ﴾ أي والدته ﴿وَهْناً عَلَى (٣) وَهْنٍ﴾ أي ضعفاً على ضعف وشدة على أخرى وهي آلام وأتعاب الحمل والطلق والولادة والإرضاع فلهذا تأكد برّها فوق بر الوالد مرتين لحديث الصحيح: "من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال: أبوك" وقوله ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي فطام الولد من الرضاع في عامين فأول الرضاع ساعة الولادة وآخره تمام الحولين ويجوز فصله عن الرضاع خلال العامين، وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ هذا الموصى به وهو أن يشكر لله تعالى وذلك بطاعته تعالى فيما يأمره به وينهاه عنه، وذكره بقلبه ولسانه وقوله ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾ إذ هما قدما معروفاً وجميلا فوجب شكرهما، وذلك ببرهما وصلتهما وطاعتهما في غير معصية الله ورسوله، لأن طاعة الله كشكره قبل طاعة الوالدين وشكرهما وقوله ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي الرجوع بعد الموت وهذه الجملة مؤكدة لواجب شكر الله تعالى وبر الوالدين لما تحمله من الترغيب والترهيب فالمطيع إذا رجع إلى الله أكرمه والعاصي أهانه. وما دام الرجوع إليه تعالى حتميّاً فطاعته بشكره وشكر الوالدين متأكدة متعيّنة. وقوله تعالى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ أي وإن جاهداك أيها الإنسان والداك وبذلا جهدهما في حملك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم وهو عامة الشركاء إذ ما هناك من يصح إشراكه في عبادة الله قط. فلا تطعهما في ذلك أبداً، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا (٤) ﴾ أي في الحياة بالمعروف وهو برهما وصلتهما وطاعتهما في غير معصية الله تعالى ورسوله، وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي اتبع طريق من أناب إليّ بتوحيدي وعبادتي والدعوة إليّ

стр. 2219

وهو رسول (١) الله ﷺ والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص حيث أمرته أمه أن يكفر بمحمد ﷺ ودينه وذلك قبل إسلامها وبذلت جهداً كبيراً في مراودة ابنها سعد ﵄ وقوله ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي جميعا فأنبئكم بما كنتم تعملون وأجزيكم بعملكم الخير بالخير والشر بالشر فاتقوني بطاعتي وتوحيدي والإنابة إليّ في كل أموركم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك. ٢- بيان الحكمة وهي شكر (٢) الله تعالى بطاعته وذكره إذ لا يشكر إلا عاقل فقيه. ٣- مشروعية الوعظ والإرشاد للكبير والصغير والقريب والبعيد. ٤- التهويل في شأن الشرك وإنه لظلم عظيم. ٥- بيان مدة الرضاع وهي في خلال العامين لا تزيد. ٦- وجوب بر الوالدين وصلتهما. ٧- تقرير مبدأ لا طاعة لمخلوق (٣) في معصية الخالق بعدم طاعة الوالدين في غير المعروف. ٨- وجوب اتباع سبيل المؤمنين من أهل السنة والجماعة وحرمة اتباع سبيل أهل البدع والضلالة. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ

стр. 2220

بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) شرح الكلمات: إنها إن تك مثقال حبة: أي توجد زنة حبة من خردل. فتكن في صخرة: أي في داخل صخرة من الصخور لا يعلمها أحد. لطيف خبير: أي لطيف باستخراج الحبة خبير بموضعها حيث كانت. وأمر بالمعروف وانه عن المنكر: أي مر الناس بطاعة الله تعالى، انههم عن معصيته. من عزم الأمور: مما أمر الله به عزماً لا رخصة فيه. ولا تصعّر خدك للناس: أي ولا تعرض بوجهك عمن تكلمه تكبراً. مرحا: أي مختالا تمشي خيلاء. مختال فخور: أي متبختر فخور كثير الفخر مما أعطاه الله ولا يشكر. واقصد في مشيك: أي إتئد ولا تعجل في مشيتك ولا تستكبر. واغضض من صوتك: أي اخفض صوتك وهو الاقتصاد في الصوت. إن أنكر الأصوات: أي أقبح الأصوات وأشدها نكارة عند الناس لأن أوله زفير وآخره شهيق. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصص لقمان ﵇ فقال تعالى مخبراً عن لقمان بقوله لابنه ثاران ﴿يَا بُنَيَّ (١) إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ (٢) خَرْدَلٍ﴾ أي إن تك زنة حبة من خردل من

стр. 2221

خير أو شر من حسنة أو سيئة ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ (١) أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ ويحاسب عليها ويجزي بها، ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ أي باستخراجها ﴿خَبِيرٌ﴾ بموضعها وعليه فاعمل الصالحات واجتنب السيئات وثق في جزاء الله العادل الرحيم هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٦) أما الآية الثانية (١٧) فقد تضمنت أمر ولده بإقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في ذلك فقال له ما أخبر تعالى به عنه في قوله: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ أي أدها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بطاعة الله تعالى فيما أوجب على عباده ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي عما حرم الله تعالى على عباده من اعتقاد أو قول أو عمل. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ من أذى ممن تأمرهم وتنهاهم، وقوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي إن إقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في ذات الله من الأمور الواجبة التي هي عزائم وليست برخص. وقوله تعالى ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ (٢) ﴾ هذا مما قاله لقمان لابنه نهاه فيه عن خصال ذميمة محرمة وهي التكبر على الناس بأن يخاطبهم وهو معرض عنهم بوجهه لاو عنقه (٣) ، وهي مشية المرح والاختيال والتبختر، والفخر بالنعم مع عدم شكرها وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ (٤) فَخُورٍ﴾ هذا مما قاله لقمان لابنه لما نهاه عن التكبر والاختيال والفخر أخبره أن الله تعالى لا يحب من هذه حاله حتى يتجنبها ولده الذي يعظه بها وبغيرها وقوله في الآية (١٩) ﴿وَاقْصِدْ فِي (٥) مَشْيِكَ﴾ أي امش متئداً في غير عجلة ولا إسراع إذ الاقتصاد ضد الإسراف. وقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أمره أن يقتصد في صوته أيضاً فلا يرفع صوته إلا بقدر الحاجة. كالمقتصد لا يخرج درهمه إلا عند الحاجة وبقدرها وقوله ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ذكر هذه الجملة لينفره من رفع صوته بغير حاجة فذكر له أن أقبح الأصوات صوت الحمير (٦) لأنه عالٍ مرتفع وأوله زفير وآخره

стр. 2222

شهيق. هذا آخر ما قص تعالى من نبأ لقمان العبد الصالح ﵇. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب مراقبة الله تعالى وعدم الاستخفاف بالحسنة والسيئة مهما قلت وصغرت. ٢- وجوب إقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ما يلحق الآمر والناهي من أذى. ٣- حرمة التكبر والاختيال في المشي ووجوب القصد في المشي والصوت فلا يسرع ولا يرفع صوته إلا على قدر الحاجة. أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) شرح الكلمات: ألم تروا: أي ألم تعلموا أيها الناس. سخر لكم ما في السموات: أي من شمس وقمر وكواكب ورياح وأمطار لمنافعكم. وما في الأرض: أي من أشجار وأنهار وجبال وبحار وغيرها. وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة: أي أوسع وأتم عليكم نعمه ظاهرة وهي الصحة وكمال الخلق تسوية الأعضاء. وباطنة: أي المعرفة والعقل. من يجادل في الله: أي يخاصم في توحيد الله منكراً له مكذباً به. بغير علم: أي بدون علم عنده من وحي ولا هو مستفاد من دليل عقلي. ولا هدى ولا كتاب منير: أي سنة من سنن الرسل، ولا كتاب إلهي منير واضح بيّن.

стр. 2223

أو لو كان الشيطان: أي أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعو آباءهم إلى موجب عذاب السعير من الشرك والمعاصي. معنى الآيات: عاد السياق بعد نهاية قصة لقمان إلى خطاب المشركين لهدايتهم فقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أيها الناس الكافرون بالله وقدرته ورحمته أي ألم تعلموا بمشاهدتكم ﴿أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ (١) أي من أجلكم ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من شمس وقمر وكواكب ومطر، وسخر لكم ما في الأرض من أشجار وأنهار وجبال ووهاد وبحار وشتى الحيوانات ومختلف المعادن كل ذلك لمنافعكم في مطاعمكم ومشاربكم وكل شؤون حياتكم، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ (٢) ﴾ أي أوسعها وأتمها نعم الإيجاد ونعم الإمداد حال كونها ظاهرة كحسن (٣) الصورة وتناسب الأعضاء وكمال الخلق، وباطنة كالعقل والإدراك والعلم والمعرفة وغير ذلك مما لا يحصى ولا يعد، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، ومع هذا البيان والإنعام والاستدلال على الخالق بالخلق وعلى المنعم بالنعم فإن ناساً يجادلوا في (٤) توحيد الله وأسمائه وصفاته ووجوب طاعته وطاعة رسوله بغير علم من وحي ولا استدلال من عقل، ولا كتاب منير واضح بين يحتجون به ويجادلون بأدلته. وقوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ (٥) أي لأولئك المجادلين في الله بالجهل والباطل ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي على رسوله محمد ﷺ من هدى، قالوا لا، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عقائد وثنية وتقاليد جاهلية، قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ أي أيتبعون آباءهم ولو كان الشيطان يدعو آباءهم ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي النار المستعرة الملتهبة والجواب لا، ولكن اتبعوهم فسوف يردون معهم النار وئس الورد المورود.

стр. 2224

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تعيين الاستدلال بالخلق على الخالق وبالنعمة على المنعم. ٢- وجوب ذكر النعم وشكرها لله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ . ٣- حرمة الجدل بالجهل ودون علم. ٤- حرمة التقليد في الباطل والشر والفساد كتقليد بعض المسلمين اليوم للكفار في عاداتهم وأخلاقهم ومظاهر حياتهم. وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) شرح الكلمات: ومن يسلم وجهه إلى الله: أي أقبل على طاعته مخلصا له العبادة لا يلتفت إلى غيره من سائر خلقه. وهو محسن: أي والحال أنه محسن في طاعته إخلاصاً واتباعاً. فقد استمسك بالعروة الوثقى: أي تعلق بأوثق ما يتعلق به فلا يخاف انقطاعه بحال. وإلى الله عاقبة الأمور: أي مرجع كل الأمور إلى الله . نمتعهم قليلاً: أي متاعاً في هذه الدنيا قليلاً أي إلى نهاية آجالهم. ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ: أي ثم نلجئهم في الآخرة إلى عذاب النار والغليظ:

стр. 2225

الثقيل. قل الحمد لله: أي احمد الله على ظهور الحجة بأن تقول الحمد لله. لا يعلمون: أي من يستحق الحمد والشكر ومن لا يستحق لجهلهم. معنى الآيات: بعد إقامة الحجة على المشركين في عبادتهم غير الله وتقليدهم لآبائهم في الشرك والشر والفساد قال تعالى مرغباً في النجاة داعياً إلى الإصلاح: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ﴾ (١) أي يقبل بوجهه وقلبه على ربه يعبده متذللا له خاضعاً لأمره ونهيه. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي والحال أنه محسن في عبادته إخلاصاً فيها لله، واتباعاً في أدائها لرسول الله ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي قد أخذ بالطرف الأوثق فلا يخاف انقطاعا أبداً وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ يخبر تعالى أن مردّ الأمور كلها لله تعالى يقضي فيها بما يشاء فليفوّض العبد أموره كلها لله إذ هي عائدة إليه فيتخذ بذلك له يداً عند ربه، وقوله لرسوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ (٢) كُفْرُهُ﴾ أي أسلم وجهك لربك وفوض أمرك إليه متوكلا عليه ومن كفر من الناس فلا يحزنك كفره أي فلا تكترث به ولا تحزن عليه ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي فإن مردهم إلينا بعد موتهم ونشورهم ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ في هذا الدار من سوء وشر ونجزيهم به. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣) ﴾ أي بما تكنه وتخفيه من اعتقادات ونيّات وبذلك يكون الحساب دقيقاً والجزاء عادلاً. وقوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ (٤) قَلِيلاً﴾ أي نمهل هؤلاء المشركين فلا نعاجلهم بالعقوبة فيتمتعون مدة آجالهم وهو متاع قليل ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ بعد موتهم ونشرهم ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ أي نلجئهم إلجاءً إلى عذاب غليظ ثقيل لا يحتمل ولا يطاق وهو عذاب النار. نعوذ بالله منها ومن كل عمل يؤدي إليها وقوله تعالى في الآية (٢٥) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ أي ولئن سألت يا رسولنا هؤلاء المشركين قائلاً لهم: من خلق السموات والأرض لبادروك

стр. 2226

بالجواب قائلين الله إذاً قل الحمد لله على إقامة الحجة عليكم باعترافكم، وما دام الله هو الخالق الرازق كيف يعبد غيره أو يعبد معه سواه أين عقول القوم؟ وقوله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون موجب الحمد ولا مقتضاه، ولا من يستحق الحمد ومن لا يستحقه لأنهم جهلة لا يعلمون شيئاً. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خلقا وملكا وعبيداً ولذا فهو غني عن المشركين وعبادتهم فلا تحزن عليكم ولا تبال بهم عبدوا أو لم يعبدوا ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن كل ما سواه ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي المحمود بعظيم فعله وجميل صنعه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان نجاة أهل لا إله إلا الله وهم الذين عبدوا الله وحده بما شرع لهم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. ٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٣- بيان أن المشركين من العرب موحدون في الربوبية مشركون في العبادة كما هو حال كثير من الناس اليوم يعتقدون أن الله رب كل شيء ولا ربّ سواه ويذبحون وينذرون ويحلفون بغيره، ويخافون غيره ويرهبون سواه. والعياذ بالله. وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) شرح الكلمات: ولو أن ما في الأرض: أي من شجرة. أقلام: أي يكتب بها. والبحر: أي المحيط يمده سبعة أبحر: أي تمده ما نفدت كلمات الله: أي ما انتهت ولا نقصت.

стр. 2227

إن الله عزيز حكيم: أي عزيز في انتقامه غالب ما أراده حكيم في تدبير خلقه. ما خلقكم ولا بعثكم: أي ما خلقكم ابتداء ولا بعثكم من قبوركم إعادة لكم إلا كخلق وبعث نفس واحدة. معنى الآيتين: قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّمَا (١) فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ (٢) أَقْلامٌ﴾ أي لو أن شجر الأرض كله قطعت أغصانه شجرة شجرة حتى لم تبق شجرة وبريت أقلاماً، والبحر المحيط صار مدادا ومن ورائه سبعة أبحر أخرى تحولت إلى مداد وتمُد البحر الأول وكتب بتلك الأقلام وذلك المداد كلمات الله لنفد البحر والأقلام ولم تنفد كلمات الله، وذلك لأن الأقلام والبحر متناهية وكلمات الله غير متناهية فعلم الله وكلامه كذاته وصفاته لا تتناهي بحال، نزلت هذه الآية رداً على اليهود لما قيل لهم ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ قالوا وكيف هذا وقد أوتينا التوراة فيها تبيان كل شيء. كما نزل رداّ على أبي بن خلف قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ (٣) وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ (٤) وَاحِدَةٍ﴾ إذ قال للنبي ﷺ كيف يخلقنا الله خلقا جديداً في يوم واحد ليحاسبنا ويجزينا، ونحن خلقنا أطوراً وفي قرون عديدة فأنزل الله تعالى قوله ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ﴾ إلا كخلق وبعث نفس واحدة ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٥) ﴾ فما يسمع المخلوقات ولا يشغله صوت عن صوت، ويبصرهم ولا تحجبه ذات عن ذات كذلك هو يبعثهم في وقت واحد ولو أراد خلقهم جملة واحدة لخلقهم لأنه يقول للشيء كن فيكون. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- بيان سعة علم الله تعالى وأنه تعالى متكلم وكلماته لا تنفد بحال من الأحوال. ٢- بيان أن ما أوتيه الإنسان من علوم ومعارف ما هو بشيء إلى علم الله تعالى.

стр. 2228

١- بيان قدرة الله تعالى وأنها لا تحد ولا يعجزها شيء. ٢- إثبات صفات الله كالعزة والحكمة والسمع والبصر. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) شرح الكلمات: ألم تر: أي ألم تعلم أيها المخاطب. أن الله يولج الليل في النهار: أي يدخل جزءاً منه في النهار، ويدخل جزاء من النهار في الليل بحسب الفصول. وسخر الشمس والقمر: يسبحان في فلكيهما الدهر كله لا تكلان إلى يوم القيامة وهو الأجل المسمى لهما. ذلك بأن الله هو الحق: أي ذلك المذكور من الإيلاج والتسخير بسبب أن الله هو الإله الحق. وأن ما يدعون من دونه الباطل: أي وأن ما يدعون من دونه من آلهة هي الباطل. بنعمت الله: أي بإفضاله على العباد وإحسانه إليهم حيث هيأ أسباب جريها.

стр. 2229

لكل صبار شكور: أي صبار عن المعاصي شكور للنعم. وإذا غشيهم موج: أي علاهم وغطاهم من فوقهم. كالظلل: أي كالجبال التي تظلل من تحتها. فمنهم مقتصد: أي بين الكفر والإيمان بمعنى معتدل في ذلك ما آمن ولا كفر. كل ختار كفور: أي غدار كفور لنعم الله تعالى. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد وإبطال الشرك والكفر قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ (١) ﴾ أي ألم تعلم أيها النبي أن الله ذا الألوهية على غيره ﴿أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ بإدخال جزء منه في النهار ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي بإدخال جزء منه في الليل وذلك بحسب الفصول السنوية ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (٢) يسبحان في فلكيهما لمنافع الناس إلى أجل مسمى أي إلى وقت محدد معين عنده وهو يوم القيامة، وأن الله تعالى بما تعملون خبير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم صالحها وفاسدها وسيجزيكم بها وقوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي ذلك الإيلاج لليل في النهار والنهار في الليل وتسخير الشمس والقمر، وعلم الله تعالى بأعمال العباد ومجازاتهم عليها قاطع لكل شك بأن الله هو إله الحق، وأن ما يدعون من دونه من أوثان هو الباطل (٣) ، وقاطع بأن الله تعالى ذا الألوهية الحقة هو العلي الكبير أي ذو العلو المطلق الكبير الذي ليس شيء أكبر منه إذ هو رب كل شيء ومالكه والقاهر له والمتحكم فيه لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد ﴿أَنَّ الْفُلْكَ﴾ أي السفن ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ﴾ تعالى على خلقه حيث يسّر لها أسباب سيرها وجريها في البحر وهي تحمل السلع والبضائع

стр. 2230

والأقوات من إقليم إلى إقليم وهي نعم كثيرة. سخر ذلك لكم ليريكم (١) من آياته الدالة على ربوبيته وألوهيته وهي كثيرة تتجلى في كل جزء من هذا الكون. وقوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أي علامات ودلائل على قدرة الله ورحمته وحكمته وهي موجبات عبادته وتوحيده فيها، وقوله ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ (٢) شَكُورٍ﴾ أي فيها عبر لكل عبد صبور على الطاعات صبور عن المعاصي صبور عما تجري به الأقدار شكور لنعم الله تعالى جليلها وصغيرها أما غير الصبور الشكور فإنه لا يجد فيها عبرة ولا عظة. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ (٣) ﴾ أي إذا غشي المشركين موج وهم على ظهر السفينة فخافوا ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي دعوا الله وحده ولم يذكروا آلهتهم. فلما نجاهم بفضله ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ فلم يغرقوا ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ (٤) ﴾ أي في إيمانه وكفره لا يُغالي في كفره ولا يعلن عن إيمانه. وقوله ﴿وَمَا يَجْحَدُ (٥) بِآياتِنَا﴾ القرآنية والكونية وهي مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته الموجبة لألوهيته ﴿إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ (٦) ﴾ أي غدار بالعهود ﴿كَفُورٍ﴾ للنعم لا خير فيه البتّة والعياذ بالله تعالى من أهل الغدر والكفر. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير التوحيد وإبطال الشرك بذكر الأدلة المستفادة من مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته. ٢- فضيلة الصبر والشكر والجمع بينهما خير من افتراقهما. ٣- بيان أن المشركين أيام نزول القرآن كانوا يوحدون في الشدة ويشركون في الرخاء.

стр. 2231

٤- شر الناس الختّار أي الغدار الكفور. ٥- ذم الختر وهو أسوأ الغدر وذم الكفر بالنعم الإلهية. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) شرح الكلمات: اتقوا ربكم: أي خافوه فآمنوا به واعبدوه وحده تنجوا من عذابه. واخشوا يوما: أي خافوا يوم الحساب وما يجري فيه. لا يجزي والد عن ولده: أي لا يغني والد فيه عن ولده شيئا. إن وعد الله حق: أي وعد الله بالحساب والجزاء حق ثابت لا محالة هو كائن. لا تغرنكم الحياة الدنيا: أي فلا تغتروا بالحياة الدنيا فإنها زائلة فأسلموا تسلموا. ولا يغرنكم بالله الغرور: أي الشيطان يغتنم حلم الله عليكم وإمهاله لكم فيجسركم على المعاصي ويسوفكم في التوبة. وينزل الغيث: أي المطر. ويعلم ما في الأرحام: أي من ذكر أو أنثى ولا يعلم ذلك سواه. ماذا تكسب غداً: أي من خير أو شر والله يعلمه.

стр. 2232

معنى الآيتين الكريمتين: هذا نداء عام لكل البشر يدعوهم فيه ربهم تعالى ناصحا لهم بأن يتقوه بالإيمان به وبعبادته وحده لا شريك له وأن يخشوا يوماً عظيماً فيه من الأهوال والعظائم ما لا يقادر قدره بحيث لا يجزي فيه والد (١) عن ولده ولا مولود (٢) هو جاز عن والده شيئاً إذ كل واحد لا يريد إلا نجاة نفسه فيقول نفسي نفسي وهذا لشدة الهول يوم لا يغني أحد عن أحد شيئاً ولو كان أقرب قريب، وهو يوم آت لا محالة حيث وعد الله به الناس ووعد الله حق والله لا يخلف الميعاد، ويقول لهم بناء على ذلك ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بملاذها وزخارفها وطول العمر فيها، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ ذي الحلم والكرم ﴿الْغَرُورُ (٣) ﴾ أي الشيطان من الإنس أو الجن يحملكم على تأخير التوبة ومزاولة أنواع المعاصي بتزيينها لكم وترغيبكم فيها فانتبهوا فإن الموت لا بد منه وقد يأتي فجأة فالتوبة التوبة يا عباد الله هذه نصيحة الرب ﵎ لعباده فهل من مستجيب؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٣٣) أما الآية الثانية (٣٤) فالله ﷻ يخبر عباده بأنه استقل بعلم الساعة متى (٤) تأتي والقيامة متى تقوم وليس لأحد أن يعلم ذلك كائنا من كان وهذه حال تتطلب من العبد أن يعجل التوبة ولا يؤخرها، كما أستقل تعالى بعلم وقت نزول المطر في يوم أو ليلة أو ساعة من ليل أو نهار، ويعلم ما في الأرحام أرحام الإناث من ذكر أو أنثى أو أبيض أو أحمر أو أسود ومن طول وقصر ومن إيمان أو كفر ولا يعلم ذلك سواه ويعلم ما يكسب كل إنسان في غده من خير أو شر أو غنى أو فقر، ويعلم أين تموت كل نفس من بقاع الأرض وديارها ولا

стр. 2233

يعلم ذلك إلا الله ولذا قال رسول الله ﷺ "مفاتح (١) الغيب خمسة وقرأ: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ " في الصحيح. وقوله إن الله عليم أي بكل شيء وليس بهؤلاء الخمسة فقط خبير بكل شيء من دقيق أو جليل من ذوات وصفات وأحوال وببواطن الأمور كظواهرها وبهذا وجب أن يعبد وحده بما شرع من أنواع العبادات التي هي سلّم النجاح ومرقى الكمال والإسعاد في الدارين. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- وجوب تقوى الله بالإيمان به وتوحيده في عبادته. ٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٣- التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا، والتحذير من الشيطان أي من اتباعه والاغترار بما يزينه ويحسنه من المعاصي. ٤- بيان مفاتح (٢) الغيب الخمسة واختصاص الرب تعالى بمعرفتها. ٥- كل مدع لمعرفة الغيب من الجن والإنس فهو طاغوت يجب لعنه ومعاداته. ٦- ما ادّعي اليوم من أنه بواسطة الآلات الحديثة قد عرف ما في رحم المرأة فهذه المعرفة ليست داخلة في قوله تعالى ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ لأنها بمثابة من فتح البطن ونظر ما فيه فقال هو كذا وذلك لوجود أشعة عاكسة أما المنفي عن كل أحد إلا الله أن يقول المرء: إن في بطن امرأة فلان ذكراً أو أنثى ولا يقرب منها ولا يجرّبها في ولادتها السابقة، ولا يحاول أن يعرف ما في بطنها بأية محاولة.

стр. 2234

سورة السجدة مكية (١) وآياتها ثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) شرح الكلمات: الم: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب آلم، ويقرأ ألف لام ميم. لا ريب فيه: أي لا شك في أنه نزل من رب العالمين. أم يقولون افتراه: أي بل أيقولون أي المشركون اختلقه وكذبه. قوما ما أتاهم من نذير: أي من زمن بعيد وهم قريش والعرب. لعلهم يهتدون: أي بعد ضلالهم إلى الحق الذي هو دين الإسلام. في ستة أيام: هي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. ثم استوى على العرش: استوى على عرشه يدير أمر خلقه.

стр. 2235

من ولي ولا شفيع: أي ليس لكم أيها المشركون من دون الله وليّ يتولاكم ولا شفيع يشفع لكم. أفلا تتذكرون: أي أفلا تتعظون بما تسمعون فتؤمنوا وتوحدوا. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿الم﴾ هذه الحروف المقطعة في فواتح عدة سور الأسلم أن لا تؤول ويكتفى فيها بقول الله أعلم بمراده بها. وقد اخترنا من أقاويل المفسرين أنها أفادت فائدتين: الأولى أنه لما كان المشركون من قريش في مكة يمنعون من سماع القرآن مخافة أن يتأثر به السامع به فيؤمن ويوحد فكانت هذه الحروف تستهويهم بنغمها الخاص فيستمعون فينجذبون ويؤمن من شاء الله إيمانه وهدايته والثانية بقرينة ذكر الكتاب بعدها غالبا: أن هذا القرآن الكريم قد تألف من مثل هذه الحرف الم، طس، حم، ق، فألفوا أيها المكذبون سورة من مثله وإلا فاعلموا أنه تنزيل من الله رب العالمين فلما عجزوا قامت عليهم الحجة ولم يبق شك في أنه تنزيل الله وكتابه أنزله على نبيه محمد ﷺ وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ (١) ﴾ أي القرآن الكريم ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك (٢) في أنه من رب العالمين على محمد صلى لله عليه وسلم وليس بشعر ولا بسجع كهان، ولا أساطير الأولين وقوله تعالى: ﴿أَمْ (٣) يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي بل يقولون افتراه محمد واختلقه وأتى به من تلقاء نفسه اللهم لا إنه لم يفتره ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي جاءك من ربك وحياً أوحاه إليك، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ (٤) مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهم مشركوا العرب لتنذرهم بأس الله وعذابه إن بقوا على شركهم وكفرهم، وقوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي رجاء أن يؤمنوا ويوحدوا فيهتدوا إلى الحق بعد ضلالهم فينجوا ويكملوا ويسعدوا وقوله: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي من مخلوقات ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ من مثل أيام الدنيا أولها الأحد وآخرها الجمعة ولذا كانت الجمعة من أفضل الأيام ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ عرشه (٥) سبحانه

стр. 2236

وتعالى استوى استواء يليق به يدبر أمر مخلوقاته. الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وهو الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسل وهو الإله الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه ما للعرب ولا للبشرية كلها من إله غيره، وليس لها من غيره من ولي يتولاها بالنصر والإنجاء إن أراد الله خذلانها وإهلاكها، وليس لها شفيع (١) يشفع لها عنده إذا أراد الانتقام منها لشركها وشرها وفسادها وقوله: ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فتعلموا أيها العرب المشركون أنه لا إله لكم إلا الله فتعبدوه وتوحدوه فتنجوا من عذابه وتكملوا وتسعدوا في دنياكم وآخرتكم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية بتقرير أن القرآن تنزل الله ووحيه أوحاه إلى رسوله. ٢- إبطال ما كان المشركون يقولون في القرآن بأنه شعر وسجع كهان وأساطير الأولين. ٣- بيان الحكمة من إنزال القرآن على النبي ﷺ وهو الإنذار. ٤- بيان الزمان الذي خلق الله فيه السموات والأرض وما بينهما. ٥- إثبات صفة الاستواء على العرش لله تعالى. ٦- تقرير أنه ما للبشرية من إله إلا الله وأنه ليس لها من دونه من وليّ ولا شفيع فما عليها إلا أن تؤمن بالله وتعبده فتكمل وتسعد على عبادته. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ

стр. 2237

مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (٩) شرح الكلمات: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض: أي أمر المخلوقات طوال الحياة. ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره: أي يوم القيامة حيث تنتهي هذه الحياة وسائر شؤونها. ألف سنة مما تعدون: أي من أيام الدنيا. عالم الغيب والشهادة: أي ما غاب عن الناس ولم يروه وما شاهدوه ورأوه. بدأ خلق الإنسان من طين: أي بدأ خلق آدم ﵇ من طين. من سلالة من ماء مهين: أي ذرية آدم من علقة من ماء النطفة. ثم سواه ونفخ فيه من روحه: أي سوى الجنين في بطن أمه ونفخ فيه الروح فكان حياً كما سوى آدم أيضاً ونفخ فيه من روحه فكان حيا. والأفئدة: أي القلوب. قليلا ما تشكرون: أي ما تشكرون الله على نعمة الإيجاد والإمداد إلا شكراً قليلا لا يوازي قدر النعمة. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء بذكر مظاهر القدرة والعلم والرحمة والحكمة الإلهية، فقوله تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي أمر المخلوقات ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ حيث العرش وكتاب المقادير ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ حيث تتم الحياة والموت والصحة والمرض والعطاء والمنع، والغنى والفقر والحرب والسلم، والعز والذل فالله تعالى من فوق عرشه يدبر أمر الخلائق كلها في عوالمها المختلفة، وقوله ثم يعرج أي الأمر إليه في يوم كان مقداره ألف (١) سنة مما يعد الناس اليوم من أيام هذه الدنيا. ومعنى ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ في يوم

стр. 2238

القيامة أي يرد إليه حيث عم الكون الفناء ولم يبق ما يدبر في هذه الأرض لفنائها وفناء كل ما كان عليها. وقوله ﴿ذَلِكَ (١) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي ما غاب عن الناس وما حضر فشاهدوه أي العالم بكل شيء وقوله ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ : أي الغالب على مراده من خلقه الرحيم بالمؤمنين من عباده، وقوله ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (٢) أي أحسن خلق كل مخلوق خلقه أي جوّد خلقه وأتقنه وحسنه. وقوله ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ أي وبدأ خلق آدم من طين وهو الإنسان الأول، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أي نسل الإنسان ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ وهي العلقة ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٣) ﴾ وهو النطفة، وقوله ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أي سوّى آدم ونفخ فيه من روحه، كما سوّى الإنسان في رحم أمه أي سوى خلقه ثم نفخ فيه من روحه فكان إنساناً حيا، وقوله ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي القلوب أي لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا لحاجتكم إلى ذلك لأن حياتكم تتطلب منكم مثل ذلك ومع هذه النعم الجليلة ﴿قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (٤) ﴾ أي لا تشكرون إلا قليلاً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان جلال الله وعظمته في تدبيره أمر الخلائق. ٢- بيان صفات الله تعالى من العلم والعزة والرحمة. ٣- بيان كيفية خلق الإنسان ومادة خلقه. ٤- شكر العباد - إن شكروا – لا يوازي نعم الله تعالى عليهم. ٥- وجوب شكر النعم بالاعتراف بها وذكرها وحمد الله تعالى عليها وصرفها في مرضاته. وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)

стр. 2239

شرح الكلمات: أئذا ضللنا في الأرض: أي غبنا فيها حيث فنينا وصرنا ترابا. أئنا لفي خلق جديد: أي أنعود خلقا جديدا بعد فنائنا واختلاطنا بالتراب. بل هم بلقاء ربهم كافرون: أي لم يقف الأمر عند استبعادهم للبعث بل تعداه إلى كفرهم بلقاء ربهم، وهو الذي جعلهم ينكرون البعث. قل يتوفاكم ملك الموت: أي يقبض أرواحكم ملك الموت المكلف بقبض الأرواح. ثم إلى ربكم ترجعون: أي بعد الموت، وما دمتم لا تمنعون أنفسكم من الموت سوف لا تمنعونها من الحياة فرجوعكم حتمي لا محالة. معنى الآيتين: ما زال السياق في تقرير أصول العقيدة فأخبر تعالى عن منكري البعث فقال ﴿وَقَالُوا (١) ﴾ أي منكروا البعث الآخر ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا (٢) فِي الْأَرْضِ﴾ أي غبنا فيها بحيث صرنا ترابا فيها ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي لعائدون في خلق جديد. وهذا منهم إنكار للبعث واستبعاد له، فقال تعالى مخبراً عن علة إنكارهم للبعث وهي أنهم بلقاء (٣) ربهم كافرون إذ لو كانوا يؤمنون بلقاء الله الذي وعدهم به لما أنكروا البعث والحياة لذلك، وقوله تعالى ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ أي قل يا رسولنا لهؤلاء المنكرين للبعث ولقاء الرب تعالى: يتوفاكم عند نهاية آجالكم ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ (٤) ﴾ الذي وكله ربّه بقبض أرواحكم، ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ بعد ذلك وما دمتم لا تدفعون الموت عن أنفسكم فكيف تدفعون الحياة عندما يريدها الله منكم؟ وهل دفعتموها عندما كنتم عدماً فأوجدكم الله وأحياكم. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.

стр. 2240

٢- الذنب الذي هو سبب كل ذنب هو الكفر بلقاء الله تعالى. ٣- بيان أن لقبض الأرواح ملكاً وله أعوان من الملائكة وأن الأرض جعلت لملك الموت كالطست بين يديه يتناول منها ما يشاء. وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) شرح الكلمات: إذ المجرمون: أي المشركون المكذبون بلقاء ربهم. ناكسوا رؤوسهم: أي مطأطئوها من الحياء والذل والخزي. ربنا أبصرنا: أي ما كنا ننكر من البعث. وسمعنا: أي تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا. فارجعنا: أي إلى دار الدنيا. لآتينا كل نفس هداها: أي لو أردنا هداية الناس قسراً بدون اختيار منهم لفعلنا. ولكن حق القول مني: أي وجب وهو لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين. إنا نسيناكم: أي تركناكم في العذاب. عذاب الخلد: أي العذاب الخالد الدائم. بما كنتم تعملون: من سيئات الكفر والتكذيب والشر والشرك. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحداثها وما يجري للمكذبين

стр. 2241

بها في الدار الآخرة قال تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى (١) ﴾ يا رسولنا ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ وهم الذين أجرموا على أنفسهم فدنسوها بالشرك والمعاصي الحامل عليها التكذيب بلقاء الله، ﴿نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ﴾ أي مطأطئوها خافضوها عند ربهم من الحياء والخزي الذي أصابهم عند البعث. لرأيت أمراً فظيعا لا نظير له. وقوله تعالى ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا (٢) وَسَمِعْنَا﴾ هذا قول الجرمين وهم عند ربهم أي يا ربنا لقد أبصرنا ما كنا نكذب به من البعث والجزاء وسمعنا منك أي تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا. ﴿فَارْجِعْنَا﴾ أي إلى دار الدنيا ﴿نَعْمَلْ (٣) صَالِحاً﴾ أي عملا صالحا ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي الآن ولم يبق في نفوسنا شك بأنك الإله الحق، وبأن لقاءك حق، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا (٤) لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ وذلك لما طالب المجرمون بالعودة إلى الدنيا ليعملوا صالحاً فأخبر تعالى أنه ما هناك حاجة إلى ردهم إلى الدنيا ليؤمنوا ويعملوا الصالحات، إذ لو شاء هدايتهم لهداهم قسراً منهم بدون اختيارهم، ولكن سبق أن قضى بدخولهم جهنم فلابد هم داخلوها وهو معنى قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ أي وجب العذاب لهم وهو معنى قوله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ أي الجن ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي من كفار ومجرمي الجن والإنس معا. وقوله ﴿فَذُوقُوا﴾ أي العذاب الخزي ﴿بِمَا نَسِيتُمْ (٥) ﴾ أي بسبب نسيانكم ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ فلم تؤمنوا ولم تعملوا صالحاً إنا نسيناكم وتركناكم في العذاب. ﴿وَذُوقُوا (٦) عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي هذا يقال لهم وهم في جهنم تبكيتاً لهم وتقريعاً زيادة في عذابهم، والعياذ بالله من عذاب النار.

стр. 2242

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- التنديد بالإجرام والمجرمين وبيان حالهم يوم القيامة. ٢- بيان عدم نفع الإيمان عند معاينة العذاب. ٣- بيان حكم الله في امتلاء جهنم من كل من مجرمي الإنس والجن. ٤- تقرير حكم السببية فالأعمال سبب للجزاء خيراً كان أو شراً. إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) شرح الكلمات: إذا ذكروا بها: أي وعظوا بما فيها من أمر ونهي ووعد ووعيد. خروا سجداً: وقعوا على الأرض ساجدين بوضع جباههم وأنوفهم على الأرض. وسبحوا بحمد ربهم: أي نزهوه وقدسوه وهم ساجدون يقولون سبحان ربي الأعلى. وهم لا يستكبرون: أي عن عبادة ربهم في كل أحايينهم بل يأتونها خاشعين متذللين. تتجافى جنوبهم: أي تتباعد عن الفرش من أجل قيامهم للصلاة في جوف الليل. خوفاً وطعما: أي يسألونه النجاة من النار، ودخول الجنة.

стр. 2243

ما أخفي لهم من قرة أعين: أي لا تعلم نفس ما أخفى الله تعالى لهم وادخر لهم عنده من النعيم الذي تقر به أعينهم أي تسر به وتفرح. معنى الآيات: لما ذكر تعالى جزاء المجرمين وهم المكذبون بآيات الله ولقائه ذكر جزاء المؤمنين وهم الذين آمنوا بآيات الله ولقائه ذكرهم بأجمل صفاتهم فقال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ (١) بِآياتِنَا﴾ حق الإيمان ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ أي قرئت عليهم وكانت من الآيات التي فيها السجدات ﴿خَرُّوا (٢) سُجَّداً﴾ أي وقعوا على الأرض ساجدين بوضع جباهم وأنوفهم على التراب، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي نزهوه وقدسوه أثناء سجودهم بقولهم سبحان ربي الأعلى، والحال أنهم لا يستكبرون عن عبادة الله مطلقاً بل يأتونها متذللين خاشعين. وقوله ﴿تَتَجَافَى (٣) جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ هذه بعض صفاتهم أيضا وهي أنهم يباعدون جنوبهم عن فرشهم في الليل لصلاة التهجد. وقوله ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي في حال صلاتهم وفي غيرها وهو دعاء تميّز بخوفهم من عذاب ربهم وطمعهم في رحمته فهم يسألون ربهم النجاة من النار ودخول الجنة. وقوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ هذا وصف آخر لهم وهو أنهم يتصدقون بفضول أموالهم زيادة على أداء الزكاة كتهجدهم بالليل زيادة على الصلوات الخمس. وقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ (٤) نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ (٥) لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ يخبر تعالى عن جزائهم عنده فيقول: فلا تعلم نفس ما خبّأ الله تعالى لهم من النعيم المقيم الذي تقر به أعينهم أي

стр. 2244

تُسر وتفرح وقوله ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي جزاهم بذلك النعيم بعملهم الخيري الإسلامي الذي كانوا في الدنيا يعملونه وقد ذكر بعضه في الآيات قبل كالصلاة والصدقات. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فضيلة التسبيح في الصلاة وهو سبحان ربي العظيم في الركوع وسبحان ربي الأعلى في السجود. ٢- ذم الاستكبار وأهله ومدح التواضع لله وأهله. ٣- فضيلة قيام الليل وهو المعروف بالتهجد (١) والدعاء خوفاً وطمعاً. ٤- بشرى المؤمنين الصادقين من ذوي الصفات المذكورة في الآيات وهو أنه تعالى [أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما جاء في الحديث أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين (٢) رأت] الخ. أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ

стр. 2245

أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) شرح الكلمات: أفمن كان مؤمناً: أي مصدقا بالله ورسوله ولقاء ربه. كمن كان فاسقا: أي كافراً لا يستوون. جنات المأوى نزلاً: النزل ما يعد للضيف من قرى. من العذاب الأدنى: أي عذاب الدنيا من مصاب القحط والجدب والقتل والأسر. العذاب الأكبر: هو عذاب الآخرة في نار جهنم. لعلهم يرجعون: أي يصيبهم بالمصائب في الدنيا رجاء أن يؤمنوا ويوحدوا. ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها: لا أحد أظلم منه أبدا. إنا من المجرمين منتقمون: أي من المشركين أي بتعذيبهم أشد أنواع العذاب. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ (١) كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً﴾ أي كافرا ينفي تعالى استواء الكافر مع المؤمن فلذا بعد الاستفهام الإنكاري أجاب بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ ثم بين تعالى جزاء الفريقين وبذلك تأكد بُعد ما بينهما فقال ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ربّاً وإلهاً وبمحمد نبياً ورسولا وبالإسلام شرعا وديناً ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بأداء الفرائض والنوافل في الغالب بعد اجتناب الشرك والمحارم ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً (٢) ﴾ أي ضيافة لهم ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وأما الذين فسقوا عن أمر الله فلم يوحدوا ولم يطيعوا فعاشوا على الشرك والمعاصي حتى ماتوا ﴿فَمَأْوَاهُمُ (٣) النَّارُ﴾ أي مقرهم ومحل مثواهم وإقامتهم لا يخرجون ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا﴾ أي هموا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها من قبل الزبانية تدفعهم عن أبوابها، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ إذلالا لهم وإهانة ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إذ كانوا مكذبين بالبعث والجزاء وقالوا ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
следующие страницы →