← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) شرح الكلمات: قل لأزوجك: أي اللائي هن تحته يومئذ وهن تسع طلبن منه التوسعة في النفقة عليهن ولم يكن عند رسول الله ﷺ ما يوسع به عليهن. فتعالين: أي إلى رسول الله ﷺ وكان يومئذ قد اعتزلهن شهرا. أمتعكن: أي متعة الطلاق المشروعة على قدر حال المطلق سعة وضيقا. أسرحكن سراحا جميلا: أي أطلقكن طلاقاً من غير إضرار بكن. تردن الله ورسوله والدار الآخرة: أي تردن رضا الله ورسوله والجنة. فإن الله أعد للمحسنات: أي عشرة النبي ﷺ زيادة على الإحسان العام. بفاحشة مبينة: أي بنشوز وسوء خلق يتأذى به رسول الله ﷺ . يضاعف لها العذاب ضعفين: أي مرتين على عذاب غيرهن ممن آذين أزواجهن. وكان ذلك على الله يسيراً: أي مضاعفة العذاب يسيرة هينة على الله تعالى. معنى الآيات: شاء الله تعالى أن يجتمع نساء الرسول ﷺ لما رأين نساء الأنصار والمهاجرين قد وُسّع عليهن في النفقة لوجود يسر وسعة رزق بين أهل المدينة، أن يطالبن بالتوسعة في النفقة عليهن أسوة بغيرهن وكن يومئذ تسعا وهن عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أمية، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجورية بنت الحارث المصطلقية، وصفيّة بنت حيي بن أخطب النضريّة فأبلغت عائشة ذلك رسول الله صلى

стр. 2277

الله عليه وسلم فتأثر لذلك، لعدم القدرة على ما طُلب منه وقعد في مشربة له واعتزلهن شهراً كاملا حتى أنزل الله تعالى آية التخيير وهي هذه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ (١) الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ من لذيذ الطعام والشراب وجميل الثياب وحلي الزينة ووافر ذلك كله فتعالين إلى مقام الرسول الرفيع ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ المتعة المشروعة في الطلاق ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أي أطلّقكن (٢) ﴿سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ أي لا إضرار معه، ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي رضاهما ﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي الجنة ﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ﴾ أي هيأ وأحضر ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾ طاعة الله ورسوله ﴿مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ وهو المقامات العالية في حضرة النبي ﷺ في دار السلام. وخيرهن ﷺ امتثالا لأمر الله في قوله ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وبدأ بعائشة (٣) فقال لها: إني أريد أن أذكر لك أمراً فلا تقضي فيه شيئاً حتى تستأمري أبويك أي تطلبين أمرهما في ذلك وقرأ عليها الآية فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، وتتابعن على ذلك فما اختارت منهنّ امرأة غير الله ورسوله والدار الآخرة فأكرمهن الله لذلك وأنزل على رسوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ وقوله تعالى ﴿يَا نِسَاءَ (٤) النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي بخصلة قبيحة ظاهرة كسوء عشرة النبي ﷺ فإن الله تعالى ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يوم القيامة لأن أذيّة رسول الله ﷺ من أبواب الكفر والعياذ بالله تعالى ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ أي وكان تضعيف العذاب على من أتت بفاحشة (٥) مبينة شيئا يسيراً على الله لا يعجزه حتى لا يفعله وهذا لأمرين الأول لأن أذيّة الرسول من أبواب الكفر والثاني لعلو مقامهن وشرفهن فإن ذا الشرف والمنزلة العالية يستقبح منه القبيح أكثر مما يستقبح من غيره.

стр. 2278

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية تخيير الزوجات فإن اخترن الطلاق تطلّقن وإن لم تخترنه فلا يقع الطلاق. ٢- كمال أزواج النبي ﷺ حيث اخترن الله ورسوله والدار الآخرة عن الدنيا وزينتها. ٣- مشروعية المتعة بعد الطلاق وهي أن تعطى المرأة شيئا من المال بحسب غنى المطلق وفقره لقوله تعالى ﴿عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُْقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ ٤- وجوب الإحسان العام والخاص، الخاص بالزوج والزوجة والعام في طاعة الله ورسوله. ٥- بيان أن سيئة العالم الشريف أسوأ من سيئة الجاهل الوضيع. ولذا قالوا سيئات الأبرار حسنات المقربين كمثل من الأمثال السائرة للعظة والاعتبار.

стр. 2279

الجزء الثاني والعشرون وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً (ا٣٤) شرح الكلمات: ومن يقنت منكن لله ورسوله: أي ومن يطع منكن الله ورسوله. نؤتها أجرها مرتين: أي نضاعف لها أجر عملها الصالح حتى يكون ضعف عمل امرأة أخرى من غير نساء النبي. وأعتدنا لها رزقاً كريما: أي في الجنة. يا نساء النبي لستن كأحد من النساء: أي لستن في الفضل كجماعات النساء. إن اتقيتن: بل أنتن أشرف وأفضل بشرط تقواكن لله. فلا تخضعن بالقول: أي نظراً لشرفكن فلا ترققن العبارة. فيطمع الذي في قلبه مرض: أي مرض النفاق أو مرض الشهوة. وقلن قولا معروفاً: أي جرت العادة أن يقال بصوت خشن لا رقة فيه. وقرن في بيوتكن: أي أقررن في بيوتكن ولا تخرجن منها إلا لحاجة.

стр. 2280

ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى: أي ولا تتزين وتخرجن متبخترات متغنجات كفعل نساء الجاهلية الأولى قبل الإسلام. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس: أي إنما أمركّن بما أمركن به من العفة والحجاب ولزوم البيوت ليطهركن من الأدناس والرذائل. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله الحكمة: أي الكتاب والسنة لتشكرن الله على ذلك بطاعته وطاعة رسوله. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم مع أزواج النبي أمهات المؤمنين فبعد أن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة عن الحياة الدنيا وزينتها أصبحن ذوات رفعة وشأن عند الله تعالى، وعند رسوله والمؤمنين. فأخبرهن الرب ﵎ بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي تطع الله بفعل الأوامر وترك النواهي وتطع رسوله محمداً ﷺ فلا تعص له أمراً ولا تسيء إليه في عشرة، وتعمل صالحاً من النوافل والخيرات نؤتها أجرها مرتين أي نضاعف لها أجر عملها فيكون ضعف أجر عاملة أخرى من النساء غير أزواج الرسول ﷺ . وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا (١) لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ أي في الجنة فهذه بشارة بالحنة لنساء النبي أمهات المؤمنين التسع اللائي نزلت هذه الآيات في شانهن. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٣١) وقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ (٢) لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ (٣) ﴾ أي يا زوجات النبي أمهات المؤمنين إنّكن لستن كجماعات النساء إن شرفكن أعظم ومقامكم أسمى وكيف وأنتن أمهات المؤمنين وزوجات خاتم النبيين فاعرفن قدركن بزيادة الطاعة لله ولرسوله، وقوله إن اتقيتن أي إن هذا الشرف حصل لكن بتقواكن لله فلازمن التقوى إنكن بدون تقوى لا شيء يذكر شأنكن شأن سائر النساء. وبناء عليه ﴿فَلا تَخْضَعْنَ (٤) بِالْقَوْلِ﴾ أي لا تليّن الكلمات وترققن الصوت إذا تكلمتن مع الأجانب من الرجال. وقوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي

стр. 2281

قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ نفاق مع شهوة عارمة تجعله يتلذذ بالخطاب وقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ وهو ما يؤدي المعنى المطلوب بدون زيادة ألفاظ وكلمات لا حاجة إليها. وقوله: ﴿وَقَرْنَ (١) فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي اقررن فيها بمعنى أثبتن فيها ولا تخرجن إلا لحاجة لا بد منها وقوله: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ أي إذا خرجتن لحاجة ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ أي قبل الإسلام إذ كانت المرأة تتجمل وتخرج متبخترة متكسرة متغنجة في مشيتها وصوتها تفتن الرجال. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ بأدائها مستوفاة الشروط والأركان والواجبات في أوقاتها مع الخشوع فيها ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بفعل الأمر واجتناب النهي. أمرهن بقواعد الإسلام وأهم دعائمه. وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ أي إنما أمرناكن (٢) ونهيناكن إرادة إذهاب الدنس والإثم إبقاءً على طهركن يا أهل البيت النبوي. وقوله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ أي كاملا تاماً من كل ما يؤثم ويدسى النفس ويدنسها. وقوله تعالى ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ من الكتاب والسنة وهذا أمر لهن على جهة والموعظة وتعدد النعمة. وقوله ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفاً﴾ أي بكم يا أهل البيت خبيراً بأحوالكم فثقوا به وفوضوا الأمر إليه. والمراد من أهل البيت هنا أزواج النبي ﷺ (٣) وفاطمة وابناها الحسن والحسين وعليّ الصهر الكريم رضي الله عن آل بيت رسول الله أجمعين وعن صحابته أكتعين (٤) أتبعين أيصعين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا شرف إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ٢- بيان فضل نساء النبي وشرفهن.

стр. 2282

١- حرمة ترقيق المرأة صوتها وتليين عباراتها إذا تكلمت مع أجنبي. ٢- وجوب بقاء النساء في منازلهن ولا يخرجن إلا من حاجة لا بد منها. ٣- حرمة التبرج وهي أن تتزين المرأة وتخرج بادية المحاسن متبخترة في مشيتها. ٤- على المسلم أن يذكر ما شرفه الله به من الإيمان والإسلام ليترفع عن الدنايا والرذائل. ٥- بيان أن الحكمة هي السنة النبوية الصحيحة. ٦- الإشارة إلى وجود جاهلية ثانية وقد ظهرت منذ نصف قرن وهي تبرج النساء بالكشف عن الرأس والصدور والسيقان وحتى الأفخاذ. إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥) شرح الكلمات: إن المسلمين والمسلمات: إن الذين أسلموا لله وجوههم فانقادوا لله ظاهراً وباطناً والمسلمات أيضا. والمؤمنين والمؤمنات: أي المصدقين بالله رباً وإلهاً والنبي محمد نبياً ورسولا والإسلام ديناً وشرعاً والمصدقات. والقانتين والقانتات: أي المطيعين لله ورسوله من الرجال والمطيعات من النساء. والصادقين والصادقات: أي الصادقين في أقوالهم وأفعالهم والصادقات. والصابرين والصابرات: أي الحابسين نفوسهم على الطاعات فلا يتركوها وعن المعاصي فلا يقربوها وعلى البلاء فلا يسخطوه ولا يشتكوا الله إلى عباده والحابسات.

стр. 2283

الخاشعين والخاشعات: أي المتذللين لله المخبتين له والخاشعات من النساء كذلك. والمتصدقين والمتصدقات: أي المؤدين الزكاة والفضل من أموالهم عند الحاجة إليه والمؤديات كذلك. والحافظين فروجهم: أي عن الحرام والحافظات كذلك إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم بالنسبة للرجال أما النساء فالحافظات فروجهن إلا على أزواجهن فقط. والذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أي بالألسن والقلوب فعلى أقل التقدير يذكرون الله ثلثمائة مرة في اليوم والليلة زيادة على ذكر الله في الصلوات الخمس. أعد الله لهم مغفرة: أي لذنوبهم وذنوبهن. وأجراً عظيما: أي الجنة دار الأبرار. معنى الآيات: هذه الآية وإن نزلت جواباً عن تساءل بعض أزواج النبي ﷺ إذ قلن للنبي ﷺ : ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال فأنزل (١) الله تعالى هذه الآية المباركة إن المسلمين والمسلمات، فإن مناسبتها لما قبلها ظاهرة وهي أنه لما أثنى على آل البيت بخير فإن نفوس المسلمين والمسلمات تتشوق لخير لهم كالذي حصل لآل البيت الطاهرين فذكر تعالى أن المسلمين (٢) والمسلمات الذين انقادوا لأوامر الله ورسوله وأسلموا وجوههم لله فلا يلتفتون إلى غيره، كالمؤمنين والمؤمنات بالله رباً وإلهاً ومحمد نبياً ورسولاً والإسلام ديناً وشرعاً، كالقانتين أي المطيعين لله رسوله والمطيعات في السراء والضراء والمنشط والمكره في حدود الطاقة البشرية، كالصادقين في أقوالهم وأفعالهم والصادقات كالصابرين أي الحابسين نفوسهم على الطاعات فعلاً، وعن المحرمات تركاً، وعلى البلاء رضاً وتسليماً والصابرات كالخاشعين في صلاتهم وسائر طاعاتهم والخاشعات لله تعالى كالمتصدقين بأداء زكاة أموالهم وبفضولها عند الحاجة إليها والمتصدقات كالصائمين رمضان والنوافل كعاشوراء والصائمات، كالحافظين فروجهم عما حرم الله تعالى عليهم من المناكح وعن

стр. 2284

كشفها لغير الأزواج والحافظات (١) ، كالذاكرين الله كثيراً بالليل (٢) والنهار ذكر القلب واللسان والذاكرات (٣) الكل الجميع أعد الله تعالى لهم مغفرة لذنوبهم إذ كانت لهم ذنوب، وأجراً عظيماً أي جزاء عظيماً على طاعاتهم بعد إيمانهم وهو الجنة دار السلام جعلنا الله منهم ومن أهل الجنة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بشرى المسلمين والمسلمات بمغفرة ذنوبهم ودخول الجنة إن اتصفوا بتلك الصفات المذكورة في هذه الآية وهي عشر صفات أولها الإسلام وآخرها ذكر الله تعالى. ٢- فضل الصفات المذكورة إذ كانت سبباً في دخول الجنة بعد مغفرة الذنوب. ٣- تقرير مبدأ التساوي بين الرجال والنساء في العمل والجزاء في العمل الذي كلف الله تعالى به النساء والرجال معاً وأما ما خص به الرجال أو النساء فهو على خصوصيته للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن والله يقول الحق ويهدي السبيل. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي

стр. 2285

أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠) شرح الكلمات: ما كان لمؤمن ولا مؤمنة: أي لا ينبغي ولا يصلح لمؤمن ولا مؤمنة. أن يكون لهم الخيرة من أمرهم: أي حق الاختيار فيما حكم الله ورسوله فيه بالجواز أو المنع. فقد ضل ضلالا مبيناً: أي أخطأ طريق النجاة والفلاح خطأً واضحاً. أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق وهو زيد بن حارثة. واتق الله: أي في أمر زوجتك فلا تحاول طلاقها. وتخفي في نفسك ما الله مبديه: أي وتخفي في نفسك وهو علمك بأنك إذا طلق زيد زينب زوجكها الله إبطالاً لما عليه الناس من حرمة الزواج من امرأة المتبنّى. ما الله مبديه: أي مظهره حتماً وهو زواج الرسول من زينب بعد طلاقها. وتخشى الناس: أي يقولون تزوج محمد مطلقة مولاه زيد. والله أحق أن تخشاه: وهو الذي أراد لك ذلك الزواج. فلما قضى زيد منها وطراً: أي حاجته منها ولم يبق له رغبة فيها لتعاليها عليه بشرف نسبها ومحتد آبائها.

стр. 2286

زوجناكها: إذ تولى الله عقد نكاحها فدخل النبي ﷺ عليها بدون إذن من أحدٍ وذلك سنة خمس وأُشبع الناس لحماً وخبزاً في وليمة عرسها. كيلا لا يكون على المؤمنين حرج: أي إثم في تزوجهم من مطلقات أدعيائهم. وكان أمر الله مفعولا: أي وما قدره الله في اللوح المحفوظ لا بد كائن. ولا يخشون أحداً إلا الله: أي يفعلون ما أذن لهم فيه ربهم ولا يبالون بقول الناس. وكفى بالله حسيباً: أي حافظاً لأعمال عباده ومحاسباً لهم عليها يوم الحساب. ما كان محمد أبا أحد من رجالكم: أي لم يكن أباً لزيد ولا لغيره من الرجال إذ مات أطفاله الذكور وهم صغار. وخاتم النبيين: أي لم يجيء نبي بعده إذ لو جاء نبي بعده لكان ولده أهلا للنبوة كما كان أولاد إبراهيم ويعقوب، وداود مثلا. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ (١) ﴾ الآيات هذا شروع في قصة زواج زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش بنت عمة النبي أميمة بنت عبد المطلب إنه لما أبطل الله التبني وحرمه بقوله ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ وقوله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ تبع ذلك أن لا يرث الدعي ممن ادعاه، وأن لا تحرم مطلقته على من تبنّاه وادعاه وهكذا بطلت الأحكام التي كانت لازمة للتبني، وكون هذا نزل به القرآن ليس من السهل على النفوس التي اعتادت هذه الأحكام في الجاهلية وصدر الإسلام أن تتقبلها وتذعن لها بعد ليال بسهولة فأراد الله تعالى أن يخرج ذلك لحيز الوجود فألهم رسوله أن يخطب زينب لمولاه زيد، واستجابت زينت للخطبة فهماً منها أنها مخطوبة لرسول الله لتكون أماً للمؤمنين ولكن تبين لها بعد ليال أنها مخطوبة لزيد بن حارثة مولى رسول الله وليست كما فهمت وهنا أخذتها الحمية وقالت لن يكون هذا لن تتزوج شريفة مولى من موالي الناس ونصرها أخوها على ذلك وهو عبد الله بن جحش. فنزلت هذه الآية ﴿وَمَا

стр. 2287

كَانَ لِمُؤْمِنٍ (١) وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (٢) مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية فما كان منها إلا أن قبلت عن رضى الزواج من زيد وتزوجها زيد وبحكم الطباع البشرية فإن زينب لم تخف شرفها على زيد وأصبحت تترفع عليه الأمر الذي شعر معه زيد بعدم الفائدة من هذا الزواج فأخذ يستشير رسول الله مولاه ويستأذنه في طلاقها والرسول يأبى عليه وذلك علماً منه أنه إذا طلقها سيزوجه الله بها إنهاءً لقضية جعل أحكام الدعي كأحكام الولد من الصلب فكان يقول له: اتق الله يا زيد لا تطلق بغير ضرورة ولا حاجة إلى الطلاق واصبر على ما تجده من امرأتك، وهنا عاتب رسولَ الله ﷺ ربُّه إذ قال له: ﴿وَإِذْ (٣) تَقُولُ﴾ أي اذكر إذ تقول ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ أي بنعمة الإسلام، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بأن عتقته ﴿أَمْسِكْ (٤) عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي (٥) فِي نَفْسِكَ﴾ وهو أمر زواجك منها، ﴿مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ أي مظهره لا محالة من ذلك ﴿وَتَخْشَى (٦) النَّاسَ﴾ أن يقولوا محمد تزوج امرأة ابنه زيد، ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ وقد أراد منك الزواج من زينب بعد طلاقها وانقضاء عدتها هدماً وقضاءً على الأحكام التي جعلت الدعي كابن الصُّلب. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً﴾ أي حاجته منها بالزواج بها وطلقها ﴿زَوَّجْنَاكَهَا (٧) ﴾ إذ تولينا عقد نكاحها منك دون حاجة إلى ولي ولا إلى شهود ولا إلى مهر أو صداق وذلك من أجل أن لا يكون على المؤمنين حرج أي إثم في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ أي وما قضى به الله واقع لا محالة وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾ أي من إثم أو تضييق في قول أو فعل شيء افترضه الله تعالى عليه وألزمه به سنة الله في الذين خلوا من قبل من الأنبياء، وكان أمر الله أي مقضيه قدرا مقدوراً أي واقعاً نافذاً لا محالة. وقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ﴾ أي

стр. 2288

هؤلاء الأنبياء السابقون طريقتهم التي سنها الله لهم هي أنهم ينفذون أمر الله ولا يلتفتون إلى الناس ويقولون ما يقولون، ويخشون ربهم فيما فرض عليهم ولا يخشون غيره، وكفى بالله حسيباً أي حافظاً لأعمال عباده ومحاسباً عليها ومجازٍ بها، وقوله تعالى في ختام السياق ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ لا زيد ولا غيره إذ لم يكن له ولد ذكر قد بلغ الحلم إذ مات الجميع صغاراً وهم أربعة ثلاثة من خديجة وهم القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم وهو من مارية القبطية، فلذا، لا يحرم عليه أن يتزوج مطلقة زيد لأنه ليس ابنه وإن كان يدعى زيد بن محمد قبل إنهاء التبني وأحكامه ولكن رسول الله وخاتم النبيين فلا نبي بعده فلو كان له ولد ذكر رجلاً لكان يكون نبياً وسولاً كما كان أولاد إبراهيم وإسحق ويعقوب وداود، ولما أراد الله أن يختم الرسالات برسالته لم يأذن ببقاء أحد من أولاد نبيه بل توفاهم صغاراً، أما البنات فكبرن فتزوجن وأنجبن ومتن حال حياته إلا فاطمة فقد ماتت بعده بستة أشهر وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ فما أخبر به هو الحق وما حكم به هو العدل وما شرعه هو الخير فسلموا لله في قضائه وحكمه فإن ذلك خير وأنفع. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أن المؤمن الحق لا خيرة عنده في أمر يقضي فيه الله ورسوله بالجواز أو المنع. ٢- بيان أن من يعص الله ورسوله يخرج عن طريق الهداية إلى طريق الضلالة. ٣- جواز عتاب الله تعالى لرسوله ﷺ . ٤- بيان شدة حياء الرسول ﷺ . ٥- بيان إكرام الله لزيد بأن جعل اسمه يقرأ على ألسنة المؤمنين إلى يوم الدين. ٦- بيان إفضال الله على زينب لما سلمت أمرها لله وتركت ما اختارته لما اختاره الله ورسوله فجعلها زوجة لرسول الله وتولى عقد نكاحها في السماء فكانت تفاخر نساءها بذلك. ٧- تقرير حديث ما ترك عبد شيئا لله إلا عوضه الله خيرا منه. ٨- إبطال أحكام التبني التي كانت في الجاهلية. ٩- تقرير نبوة الرسول ﷺ وكونه خاتم الأنبياء فلا نبي بعده. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ

стр. 2289

مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤) شرح الكلمات: يا أيها الذين آمنوا: أي يا من آمنتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً. اذكروا الله ذكراً كثيرا ً: أي بقلوبكم وألسنتكم. وسبحوه بكرة وأصيلاً: أي نزهوه بقول سبحان الله وبحمده صباحاً ومساء. هو الذي يصلي عليكم: أي يرحمكم. وملائكته: أي يستغفرون لكم. ليخرجكم من الظلمات: أي يرحمكم ليديم إخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. تحيتهم يوم يلقونه سلام: أي سلام فالملائكة تسلم عليهم. وأعد لهم أجراً كريما: أي وهيأ لهم أجراً كريماً وهو الجنة. معنى الآيات: هذا النداء الكريم من رب رحيم يوجه إلى المؤمنين الصادقين ليعلمهم ما يزيد به إيمانهم ونورهم، ويحفظون به من عدوهم وهو ذكر الله فقال تعالى لهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ (١) آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراًً﴾ لا أحد له ولا حصر إذ هو الطاقة التي تساعد على الحياة الروحية، وسبحوه (٢) بكرة وأصيلاً بصلاة الصبح صلاة العصر. وبقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر دبر كل صلاة من الصلوات الخمس. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي (٣) عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ وصلاته تعالى عليهم

стр. 2290

رحمته لهم، وصلاة ملائكته الاستغفار لهم وقوله ليخرجكم من الظلمات أي من ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور الإيمان والطاعات. فصلاته تعالى وصلاة ملائكته هو سبب الإخراج من الظلمات إلى النور. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ وهذه علاوة أخرى زيادة على الإكرام الأول وهو الصلاة عليهم وإنه بالمؤمنين عامة رحيم فلا يعذبهم ولا يشقيهم. وقوله ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَه (١) ُ سَلامٌ﴾ أي وتحيتهم يوم القيامة في دار السلامِ السلامُ إذ الملائكة يدخلون عليهم من كل باب قائلين سلام عليكم أي أمان وأمنة لكم فلا خوف ولا حزن. وقوله ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ أي هيأ لهم وأحضر أجراً كريماً وهي الجنة. فسبحان الله ما أكرمه وسبحان الله ما أسعد المؤمنين. فيا لفضيلة الإيمان وطاعة الرحمن طلب منهم أن يذكروه كثيراً وأن يسبحوه بكرة وأصيلاً وأعطاهم ما لا يقادر قدره فسبحان الله ما أكرم الله. والحمد لله. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب ذكر الله تعالى كثيراً ليل نهار ووجوب تسبيحه صباح مساء. ٢- بيان فضل الله على المؤمنين بصلاته عليهم وصلاة ملائكته ورحمته لهم. ٣- تقرير عقيدة البعث بذكر بعض ما يتم فيها من سلام الملائكة على أهل الجنة. ٤- بشرى المؤمنين الصادقين بالجنة. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً (٤٨)

стр. 2291

شرح الكلمات: شاهداً: أي على من أرسلناك إليهم. ومبشراً: أي من آمن وعمل صالحاً بالجنة. ونذيراً: أي لمن كفر وأشرك بالنار. وداعيا إلى الله بإذنه: أي وداعياً إلى الإيمان بالله وتوحيده وطاعته بأمره تعالى. وسراجاً منيراً: أي جعلك كالسراج المنير يهتدي به من أراد الهداية إلى سبيل الفلاح. ولا تطع الكافرين والمنافقين: أي فيما يخالف أمر ربك وما شرعه لك ولأمتك. ودع أذاهم: أي اترك أذاهم فلا تقابله بأذى آخر حتى تُأمر فيهم بأمر. وتوكل على الله: أي فوض أمرك إليه فإنه يكفيك. معنى الآيات: هذا نداء خاص بعد ذلك النداء العام فالأول كان للمؤمنين والرسول إمامهم على رأسهم. وهذا نداء خاص لمزيد تكريم الرسول وتشريفه وتكليفه أيضاً فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ محمد ﷺ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ (١) ﴾ حال كونك شاهداً على (٢) من أرسلناك إليهم يوم القيامة تشهد على من أجاب دعوتك ومن لم يجبها، ومبشراً لمن استجاب لك فآمن وعمل صالحاً بالجنة، ونذيراً لمن أعرض فلم يؤمن ولم يعمل خيراً بعذاب النار، وداعياً إلى الله تعالى عباده إليه ليؤمنوا به ويوحدوه ويطيعوه بأمره تعالى لك بذلك، وسراجا (٣) منيراً يهتدي بك من أراد الهداية إلى سبيل السعادة والكمال. وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٤) ﴾ أي أنظر بعد دعوتك إياهم، وبشر المؤمنين منهم أي الذين استجابوا لك وآمنوا وعملوا الصالحات بأن لهم من الله فضلا كبيراً ألا وهو مغفرة ذنوبهم وإدخالهم الجنة دار النعيم المقيم والسلام والتام. وقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما

стр. 2292

يقترحون عليك من أمور تتنافى مع دعوتك ورسالتك، ودع أذاهم أي اترك أذيتهم واصبر عليهم حتى يأمرك ربك بما تقوم به نحوهم، وتوكل على الله في أمرك كله، فإنه يكفيك وكفى بالله وكيلاً أي حافظاً وعاصما يعصمك من الناس. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان الكمال المحمدي الذي وهبه إياه ربه ﵎. ٢- مشروعية الدعوة إلى الله إذا كان الداعي متأهلا بالعلم والحلم وهما الإذن. ٣- حرمة طاعة الكافرين والمنافقين والفجرة والظالمين فيما يتنافى مع مرضاة الله تعالى. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (٤٩) شرح الكلمات: يا أيها الذين آمنوا: أي من صدقوا بالله ورسوله وكتابه وشرعه. إذا نكحتم المؤمنات (١) : أي إذا عقدتم عليهن ولم تبنوا بهن. من قبل أن تمسوهن: أي من قبل الخلوة بهن ووطئهن. فما لكم عليهن من عدة: أي ليس لكم مطالبتهن بالعدة إذ العدة على المدخول بها. فمتعوهن: أي أعطوهن شيئا من المال يتمتعن به جبْرا لخاطرهن. وسرّحوهن سراحاً جميلا: أي اتركوهن يذهبن إلى أهليهن من غير إضرار بهن. معنى الآيات: ينادي الله تعالى عباده المؤمنين المسلمين فيقول لهم معلماً مشرعاً لهم: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ (٢)

стр. 2293

الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي عقدتم عليهن، ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ (١) مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي من قبل الدخول عليهن الذي يتم بالخلوة في الفراش، ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ تعتدونها عليهن لا بالإقراء ولا بالشهود إذ العدة لمعرفة ما في الرحم وغير المدخول بها معلومة أن رحمها خالية، فإن سميتم لهن مهراً فلهن نصف المسمّى والمتعة على سبيل الاستحباب، وإن لم تسموا لهن مهراً فليس لهن غير المتعة وهي هنا واجبة لهن بحسب يسار المطلّق وإعساره وقوله: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ أي خلوا سبيلهن يذهبن إلى ذويهن من غير إضرار بهن ولا أذى تلحقونه بهن. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- جواز الطلاق قبل البناء. ٢- ليس على المطلقة قبل الدخول بها عدة بل لها أن تتزوج ساعة ما تطلق. ٣- المطلقة قبل البناء إن سمى (٢) لها صداق فلها نصفه، وإن لم يسم لها صداق فلها المتعة واجبة يقدرها القاضي بحسب سعة المطلق وضيقه. ٤- حرمة أذية المطلقة بأي أذى، ووجوب تخلية سبيلها تذهب حيث شاءت. ٥- مشروعية المتعة لكل مطلقة. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ

стр. 2294

وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠) شرح الكلمات: آتيت أجورهن: أي أعطيت مهورهن. مما أفاء الله عليك: أي مما يسبى كصفية وجويرية. اللاتي هاجرن معك: أي بخلاف من لم تهاجر وبقيت في دار الكفر. وهبت نفسها للنبي: أي وأراد النبي أن يتزوجها بغير صداق. خالصة لك من دون المؤمنين: أي بدون صداق. قد علمنا ما فرضنا عليهم: أي على المؤمنين في أزواجهم: أي من الأحكام كأن لا يزيدوا على الأربع، وأن لا يتزوجوا إلا بولي ومهر وشهود. وما ملكت أيمانهم: أي بشراء ونحوه وأن تكون المملوكة كتابية، وأن تستبرأ قبل الوطء. لكيلا يكون عليك حرج: أي ضيق في النكاح. معنى الآيات: هذا النداء الكريم لرسول رب العالمين يحمل لرسول الله ﷺ إجازة ربانية تخفف عنه أتعابه التي يعانيها ﷺ لقد علم الله ما يعاني رسوله وما يعالج من أمور الدين والدنيا فمنّ عليه بالتخفيف

стр. 2295

ورفع الحرج فقال ممتناً عليه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ (١) إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن وأحللنا لك ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ من سبايا الجهاد كصفية بنت حبيب وجويرية بنت الحارث، ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ (٢) وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ (٣) مَعَكَ﴾ من مكة إلى المدينة. أما اللاتي لم تهاجرن فلا تحلّ لك، وامرأة مؤمنة لا كافرة إن وهبت نفسها للنبي بدون مهر وأراد النبي أن يستنكحها حال كون هذه الواهبة خالصة لك دون المؤمنين فالمؤمن لو وهبت له امرأة نفسها بدون مهر لم تحل له بل لا بد من المهر والولي والشهود. وقوله تعالى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي على المؤمنين في أزواجهم من أحكام كأن لا يزيد الرجل على الأربع، وأن لا يتزوج إلا بولي ومهر وشهود، والمملوكة لا بد أن تكون كتابية أو مسلمة، وأن لا يطأها قبل الاستبراء بحيضة قد علمنا كل هذا وأحللنا لك ما أحللنا خصوصية لك دون المؤمنين وذلك تخفيفاً عليك لكيلا يكون عليك حرج أي ضيق ومشقة وكان الله غفوراً لك ولمن تاب من المؤمنين رحيماً بك وبالمؤمنين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان إكرام الله تعالى لنبيه (٤) في التخفيف عليه رحمة به فأباح له أكثر من أربع، وقصر المؤمنين على أربع أباح له الواهبة نفسها أن يتزوجها بغير مهر ولا ولي ولم يبح ذلك للمؤمنين فلا بد من مهر وولي وشهود. ٢- تقرير أحكام النكاح للمؤمنين وأنه لم يطرأ عليها نسخ بتخفيف ولا بتشديد. ٣- بيان سعة رحمة الله ومغفرته لعباده المؤمنين.

стр. 2296

تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢) شرح الكلمات: ترجي من تشاء منهن: أي تؤخر من نسائك. وتؤوي إليك من تشاء: أي وتضم إليك من نسائك من تشاء فتأتيها. ومن ابتغيت: أي طلبت. ممن عزلت: أي من القسمة. فلا جناح عليك: أي لا حرج عليك في طلبها وضمها إليك خيّره ربه في ذلك بعد أن كان القسم واجباً عليه. ذلك أدنى أن تقر أعينهن: أي ذلك التخيير لك في إيواء من تشاء وترك من تشاء أقرب إلى أن تقر أعينهن ولا يحزن. ويرضين بما آتيتهن: أي مما أنت مخير فيه من القسم وتركه، والعزل والإيواء. والله يعلم ما في قلوبكم: أي من حب النساء – أيها الفحول – والميل إلى بعض دون بعض وإنما خير الله تعالى رسوله تيسيراً عليه لعظم مهامه. وكان الله عليماً حليماً: أي عليماً بضعف خلقه حليماًً عليهم لا يعاجل بالعقوبة ويقبل التوبة. لا يحل لك النساء من بعد: أي لا يجوز لك أن تتزوج بعد هؤلاء التسعة اللاتي اخترنك إكراماً لهن وتخفيفاً عنك.

стр. 2297

ولا أن تبدل بهن من أزواج: أي بأن تطلق منهن وتتزوج أخرى بدل المطلقة لا. لا. ولو أعجبك حسنهن: ما ينبغي أن تطلق من هؤلاء التسع وتتزوج من أعجبك حسنها. إلا ما ملكت يمينك: أي فالأمر في ذلك واسع فلا حرج عليك في التسري بالمملوكة، وقد تسرى ﷺ بمارية المهداة إليه من قبل ملك مصر وولدت له إبراهيم ومات في سن الرضاعة ﵇. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في شأن التيسير على رسول الله ﷺ والتخفيف فقد تقدم أنه أحل له النساء يتزوج من شاء مما ذكر له وخصه بالواهبة نفسها يتزوجها بدون مهر ولا ولي وفي هذه الآية الكريمة (٥١) ﴿تُرْجِي (١) مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية وسع الله تعالى عليه بأن أذن له في أن يعتزل وطء من يشاء، وأن يرجئ من يشاء، وأن يؤوي إليه ويضم من يشاء وأن يطلب من اعتزلها إن شاء فلا حرج عليه في كل ذلك، ومع هذا فكان يقسم بين نسائه، ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك اللهم إلا ما كان من سودة ﵂ فإنها وهبت ليلتها لعائشة ﵂. هذا ما دلت عليه قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ (٢) ﴾ وقوله ذلك أدنى أي ذلك التخيير لك في شأن نسائك أقرب أن تقر أعينهن أي يفرحن بك، ولا يحزن عليك، ويرضين بما تتفضل به عليهن من إيواء ومباشرة. وقوله تعالى ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي أيها الناس من الرغبة في المخالطة، وميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، وإنما خير الله رسوله هذا التخيير تيسيراً عليه وتخفيفاً لما له من مهام لا يطمع فيها عظماء الرجال ولو كان في القوة والتحمل كالجبال أو الجمال. وقوله تعالى ﴿وَكَانَ اللهُ عَلِيماً﴾ أي بخلقه وحاجاتهم. حليماً عليهم لا يعاجل العقوبة ويقبل ممن تاب التوبة.

стр. 2298

وقوله تعالى في الآية (٥٢) ﴿لا يَحِلُّ لَكَ (١) النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي لا يحل لك يا رسولنا النساء بعد هؤلاء التسع اللائي خيرتهن فاخترن الله واخترنك وأنت رسوله واخترن الدار الآخرة فاعترافاً بمقامهن قصرك الله عليهن بعد الآن فلا تطلب امرأة أخرى ببدل أو بغير بدل، ومعنى ببدل: أن يطلق منهن واحدة أو أكثر ويتزوج بدلها. وهو معنى قوله تعالى ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ وقوله ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي فلا بأس بأن تتسرى بالجارية تملكها وقد تسرى بمارية القبطية التي أهداها له المقوقس ملك مصر مع بغلة بيضاء تسمى الدُّلدُل وهي أول بغلة تدخل الحجاز، وقد أنجبت مارية إبراهيم ولد رسول الله ﷺ وتوفي في أيام إرضاعه عليه وعلى والده ألف ألف سلام. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ أي حفيظاً عليماً فخافوه وراقبوه ولا تطلبوا رضا غيره برضاه فإنه إلهكم الذي لا إله لكم سواه به حياتكم وإليه مرجعكم بعد مماتكم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان إكرام الله تعالى لرسوله بالتيسير والتسهيل عليه لكثرة مهامه. ٢- ما خير الله فيه رسوله لا يصح لأحد من المسلمين اللهم إلا أن يقول الرجل للمرأة كبيرة السن أو المريضة أي فلانة إني أريد أن أتزوج أحصّن نفسي وأنت كما تعلمين عاجزة فإن شئت طلقتك، وإن شئت تنازلت عن ليلتك فإن اختارت البقاء مع التنازل عن حقها في الفراش فلا بأس بذلك. ٣- في تدبير الله لرسوله وزوجاته من الفوائد والمصالح ما لا يقادر قدره. ٤- تقرير مبدأ (ما ترك أحد شيئا لله إلا عوضه الله خيراً منه) تجلّى هذا في اختيار نساء رسول الله ﷺ لله ورسوله والدار الآخرة. ٥- وجوب مراقبة الله تعالى وعدم التفكير في الخروج عن طاعته بحال من الأحوال. [تنبيه هام] إذْنُ الله تعالى لرسوله ﷺ بالزواج بأكثر من أربع كان لحكم عالية، وكيف والمشرع هو الله العليم الحكيم من تلك الحكم العالية ما يلي:

стр. 2299

(١) اقتضاء التشريع الخاص بالنساء ومنه ما لا يطلع عليه إلا الزوجان تعدُّد الزوجات ليروين الأحكام الخاصة بالنساء، ولصحة الرواية وقبولها في الأمة تعدد الطرق وكثرة الروايات. (٢) تطلُّب الدعوة الإسلامية في أيامها الأولى مناصرين لها أقوياء ولا أفضل من أصهار الرجل الداعي فإنهم بحكم العرف يقفون إلى جنب صهرهم محقاً أو مبطلاً كان. (٣) أن المؤمنين لا أحب إليهم من مصاهرة نبي الله ليظفروا بالدخول عليه في بيته والخلوة به وما أعزها. فأي المؤمنين من لا يرغب أن تكون أمه أو أخته أو بنته أماً لكل المؤمنين إني والله لا أحب إليّ من أن أكون أنا وزوجتي وسائر أولادي خدماً في بيت رسول الله ﷺ . فلذا وسع الله على رسوله ليتسع على الأقل للأرامل وربات الشرف حتى لا يدنس شرفهن. (٤) قد يحتاج رسول الله ﷺ إلى مكافأة بعض من أحسن إليه ولم يجد ما يكافئه به ويراه راغباً في مصاهرته فيجيبه لذلك ومن هذا زواجه بكل من عائشة بنت الصديق وحفصة بنت الفاروق ﵃ أجمعين. (٥) قد زوجه ربه بزينب وهو كاره لذلك يتهرب منه خشية قالة الناس وما كانوا يعدونه منكراً وهو التزوج بامرأة الدعي المتبنى بعد طلاقها أو موت زوجها هذه بعض الحكم التي اقتضت الإذن لرسول الله ﷺ في التزوج أكثر من أربع مع عامل آخر مهم وهو قدرة رسول الله ﷺ على العدل والكفاية الأمر الذي لن يكون لغيره أبدا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً (٥٣) إِنْ

стр. 2300

تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥) شرح الكلمات: يا أيها الذين آمنوا: أي من صدقوا بالله ووعده ووعيده وبالرسول وما جاء به. إلا أن يؤذن لكم: أي في الدخول بأن يدعوكم إلى طعام. غير ناظرين إناه: أي غير منتظرين وقت نضجه أي فلا تدخلوا قبل وقت إحضار الطعام وتقدم المدعوين إليه بأن يستغل أحدكم الإذن بالدعوة إلى الطعام فيأتي قبل الوقت ويجلس في البيت فيضايق رسول الله ﷺ وأهله. فإذا طعمتم فانتشروا: أي إذا أكلتم الطعام وفرغتم فانتشروا عائدين إلى بيوتكم أو أعمالكم ولا يبق منكم أحد. ولا مستأنسين لحديث: أي ولا تمكثوا مستأنسين لحديث بعضكم بعضاً. إن ذلكم كان يؤذي النبي: أي ذلكم المكث في بيوت النبي كان يؤذي النبي ﷺ . فيستحيي منكم: أي أن يخرجكم. والله لا يستحيي من الحق: أن يقوله ويأمر به ولذا أمركم أن تخرجوا. من وراء حجاب: أي ستر كباب ورداء ونحوه. أطهر لقلوبكم وقلوبهن: أي من الخواطر الفاسدة. إن ذلك كان عند الله عظيماً: أي إن أذاكم لرسول الله كان عند الله ذنباً عظيماً. إن تبدوا شيئا أو تخفوه: أي إن تظهروا رغبة في نكاح أزواج الرسول بعد وفاته أو تخفوه في نفوسكم فسيجزيكم الله به شر الجزاء. لا جناح عليهن في آبائهن الخ: أي لا حرج على نساء الرسول في أن يظهرن لمحارمهن المذكورين في الآية.

стр. 2301

ولا نسائهن: أي المؤمنات أما الكافرات فلا. ولا ما ملكت أيمانهن: أي من الإماء والعبيد في أن يرونهن ويكلمونهن من دون حجاب. واتقين الله: أي يا نساء النبي فيما أمرتن به من الحجاب وغيره. معنى الآيات: لما بين تعالى لرسوله ما ينبغي له مراعاته من شأن أزواجه أمهات المؤمنين بين تعالى بهذه الآية (٥٤) ما يجب على المؤمنين مراعاته أيضاً نحو أزواج النبي أمهاتهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حقاً وصدقاً ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ بالدخول إلى طعام تطعمونه غير (١) ناظرين إناه أي وقته، وذلك أن هذه الآية والمعروفة بآية الحجاب نزلت في شأن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ لما أكلوا طعام الوليمة التي أقامها رسول الله لما زوجه الله بزينب بنت جحش ﵂، وكان الحجاب ما فرض بعد على النساء مكثوا بعد انصراف الناس يتحدثون فقام رسول الله ﷺ وخرج أمامهم لعلهم يخرجون فما خرجوا وتردد رسول الله على البيت فيدخل ويخرج رجاء أن يخرجوا معه فلم يخرجوا واستحى ﷺ أن يقول لهم هيا فاخرجوا. فانزل الله تعالى هذه الآية فقوله تعالى غير ناظرين إناه (٢) يعني ذلك النفر ومن يريد أن يفعل فعلهم فإذا وجه إليه أخوه استدعاء لحضور وليمة بعد الظهر مثلا أتى المنزل من قبل الظهر يضايق أهل المنزل فهذا معنى غير ناظرين إناه أي وقته لأن الإنى هو الوقت. وقوله ولكن إذا دعيتم فادخلوا أي فلا تدخلوا بدون دعوة أو إذن فإذا طعمتم أي فرغتم من الأكل فانصرفوا منتشرين في الأرض فهذا إلى بيته وهذا إلى بيت ربه وهذا إلى عمله. وقوله: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي لا تمكثوا بعد الطعام يحدث بعضكم بعضاً مستأنسين بالحديث. حرم تعالى هذا عليكم أيها المؤمنون لأنه يؤذي رسوله. وإن كان الرسول لكمال أخلاقه لا يأمركم بالخروج حياءً منكم فالله لا يستحي من الحق فلذا أمركم بالخروج بعد الطعام

стр. 2302

مراعاة لمقام رسوله محمد الله ﷺ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ (١) مَتَاعاًً﴾ أي طلبتم شيئاً من الأمتعة التي توجد في البيت كإناء ونحوه فاسألوهن من وراء حجاب أي باب وستر نحوهما لا مواجهة لحرمة النظر إليهن. وقوله ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ أنتم أيها الرجال وقلوبهن أيتها الأمهات أطهر أي من خواطر السوء الفاسدة التي لا يخلو منها قلب الإنسان إذا خاطب فحلٌ أنثى أو خاطبت امرأة فحلاً من الرجال. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾ أي ما ينبغي ولا يصح أن تؤذوا رسول الله أي أذى ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أي ولا أن تتزوجوا بعد وفاته نساءه فإنهن محرمات على الرجال تحريم الأمهات تحريماً مؤبداً لا يحل بحال، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ (٢) ذَلِكُمْ﴾ أي المذكور من المن أذى رسول الله والزواج من بعده بنسائه كان عند الله أي في حكمه وقضائه وشرعه ذنباً عظيماً لا يقادر قدره ولا يعرف مدى جزائه وعقوبته إلا الله. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥٣) وقوله تعالى ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً﴾ أي تظهروه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أي تستروه يريد من الرغبة في الزواج من نساء الرسول بعد موته ﷺ فإن الله كان بكل شيء عليماً وسيجزيكم بتلك الرغبة التي أظهرتموها أو أخفيتموها في نفوسكم شرّ الجزاء وأسوه. فاتقوا الله وعظموا ما عظم من حرمات رسوله ﷺ . هذا ما دلت عليه الآية (٥٤) . وقوله تعالى في الآية (٥٥) لا جناح عليهن (٣) أي لا تضييق ولا حرج ولا إثم على نساء المؤمنات من أزواج النبي ﷺ وغيرهن من نساء المؤمنين في أن يظهرن وجوههن ويكلمن بدون حجاب أي وجها لوجه آباءهن الأب والجد وإن علا، وأبناءهن الابن وابن الابن وإن نزل وابن البنت كذلك وإن نزل. وإخوانهن وأبناء إخوانهن وإن نزلوا وأبناء أخواتهن وإن نزلوا، ومماليكهن من إماء وعبيد. وقوله تعالى ﴿وَاتَّقِينَ (٤) اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ أمر من الله لنساء النبي ونساء المؤمنين بتقوى الله فيما نهاهن عنه وحرمه عليهن من إبداء الوجه للأجانب غير المحارم المذكورين في

стр. 2303

الآية وتذكيرهم بشهود الله تعالى لكل شيء وإطلاعه على كل شيء ليكون ذلك مساعداً على التقوى. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان ما ينبغي للمؤمنين أن يلتزموه من الآداب في الاستئذان والدخول على البيوت لحاجة الطعام ونحوه. ٢- بيان كمال الرسول ﷺ في خلقه في أنه ليستحي أن يقول لضيفه أخرج من البيت فقد انتهى الطعام. ٣- وصف الله تعالى نفسه بأنه لا يستحي من الحق أن يقوله ويأمره به عباده. ٤- مشروعية مخاطبة الأجنبية من وراء حجاب ستر ونحوه. ٥- حرمة أذية رسول الله ﷺ وأنها جريمة كبرى لا تعادل بأخرى. ٦- بيان أن الإنسان لا يخلو من خواطر السوء إذا كلم المرأة ونظر إليها. ٧- حرمة نكاح أزواج الرسول بعد موته وحرمة الخاطر يخطر بذلك. ٨- بيان المحارم الذين للمسلمة أن تكشف وجهها أمامهم وتخاطبهم بدون حجاب. ٩- الأمر بالتقوى ووعيد الله لمن لا يتقيه في محارمه. إِِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩)

стр. 2304

شرح الكلمات: يصلون على النبي: صلاة الله على النبي هي ثناؤه ورضوانه عليه، وصلاة الملائكة دعاء واستغفار له، وصلاة العباد عليه تشريف وتعظيم لشأنه. صلوا عليه وسلموا تسليماً: أي قولوا: اللهم صل محمد وسلم تسليماً. يؤذون الله ورسوله: أي بسب أو شتم أو طعن أو نقد. يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا: أي يرمونهم بأمور يوجهونها تهماً باطلة لم يكتسبوا منها شيئا. فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً: أي تحملوا كذباً وذنباً بيناً ظاهراً. يدنين عليهن من جلابيبهن: أي يرخين على وجوههن الجلباب حتى لا يبدو من المرأة إلا عين واحدة تنظر بها الطريق إذا خرجت لحاجة. ذلك أدنى أن يعرفن: أي ذلك الإدناء من طرف الجلباب على الوجه أقرب. فلا يؤذين: أي يعرفن أنهن حرائر فلا يتعرض لهن المنافقون بالأذى. وكان الله غفوراً رحيما: أي غفورا لمن تاب من ذنبه رحيماً به بقبول توبته وعدم تعذيبه بذنب تاب منه. معنى الآيات: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة ما يجب على المؤمنين من تعظيم نبيّهم واحترامه حياً وميتاً أعلن في هذه الآية (٥٦) عن شرف نبيّه الذي لا يدانيه شرف وعن رفعته التي لا تدانيها رفعة فأخبر أنه هو يصلي عليه وأن ملائكته كذلك يصلون (١) عليه وأمر المؤمنين كافة أن يصلوا عليه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ فكان واجباً على كل مؤمن ومؤمنة أن يصلي على النبي ﷺ ولو مرة في العمر يقول:

стр. 2305

اللهم صل على محمد وسلم تسليماً. وقد بينت السنة أنواعاً من صيغ الصلاة والسلام على الرسول أعظمها أجراً الصلاة الإبراهيمية (١) وهي واجبة في التشهد الأخير من كل صلاة (٢) فريضة أو نافلة، وتستحب استحباباً مؤكداً عند ذكره (٣) ﷺ وفي مواطن أخرى. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥٦) أما الآية الثانية (٥٧) فقد أخبر تعالى عباده أن الذين يؤذون الله بالكذب (٤) عليه أو انتقاصه بوصفه بالعجز أو نسبة الولد إليه أو الشريك وما إلى ذلك من تصوير الحيوان إذ الخلق اختص به الله فلا خالق إلا هو فلا تجوز محاكاته في الخلق، ويؤذون (٥) رسول الله ﷺ بسب أو شتم أو انتقاص أو تعرض له أو لآل بيته أو أمته أو سنته أو دينه هؤلاء لعنهم الله في الدنيا والآخرة أي طردهم من رحمته، وأعد لهم أي هيأ وأحضر لهم عذاباً مهيناً لهم يذوقونه بعد موتهم ويوم يبعثهم يوم القيامة. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة (٥٨) أما الآية الرابعة (٥٩) فإنه لما كان المؤمنات يخرجن بالليل لقضاء الحاجة البشرية إذ لم يكن لهم مراحيض في البيوت وكان بعض سفهاء المنافقين يتعرضون لهن بالغمز والكلمة السفيهة وهم يقصدون على عادتهم الإماء لا الحرائر فتأذى بذلك المؤمنات وشكون إلى أزواجهن ما يلقين من تعرض بعض المنافقين لهن فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ (٦) وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ والجلباب هو الملاءة أو العباءة تكون فوق الدرع السابغ الطويل، أي مُرْهُنَّ بأن يدنين طرف الملاءة على الوجه حتى لا يبقى إلا عين واحدة ترى بها الطريق، وبذلك يعرفن أنه حرائر عفيفات فلا يؤذيهن بالتعرض لهن أولئك المنافقون السفهاء عليهم لعائن الله. وقوله تعالى ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أخبر عباده أنه تعالى كان وما زال غفوراً لمن تاب من عباده رحيماً به فلا يعذبه بعد توبته.

стр. 2306

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان شرف الرسول ﷺ ووجوب الصلاة والسلام عليه في التشهد الأخير في الصلاة. ٢- بيان ما يتعرض له من يؤذي الله ورسوله من غضب وعذاب. ٣- بيان مقدار ما يتحمله من يؤذي المؤمنين والمؤمنات بالقول فينسب إليهم ما لم يقولوا أو لم يفعلوا ويؤذيهم بالفعل بضرب جسم أو أخذ مال أو انتهاك عرض. ٤- وجوب تغطية المؤمنة وجهها إذا خرجت لحاجتها إلا ما كان من عين ترى بها الطريق، واليوم بوجود الأقمشة الرقيقة لا حاجة إلى إبداء العين إذ تسبل قماشاً على وجهها فيستر وجهها وترى معه الطريق واضحاً والحمد لله. لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٦٢) شرح الكلمات: لئن لم ينته المنافقون: أي عن نفاقهم وهو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر. والذين في قلوبهم مرض: أي مرض حب الفجور وشهوة الزنا. والمرجفون في المدينة: أي الذين يأتون بالأخبار الكاذبة لتحريك النفوس وزعزعتها كقولهم العدو على مقربة من المدينة أو السرية الفلانية قتل أفرادها وما إلى ذلك. لنغرينك بهم: أي لنسلطنك عليهم ولنحرشنك بهم. ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا: أي في المدينة إلا قليلاً من الأيام ثم يخرجوا منها أو يهلكوا.

стр. 2307

ملعونين: أي مبعدين عن الرحمة. أينما ثقفوا أخذوا: أينما أخذوا أسروا وقتلوا تقتيلاً. سنة الله في الذين خلوا من قبل: أي سن الله هذه السنة في الأمم الماضية أينما ثقف المنافقون والمرجفون أخذوا وقتلوا تقتيلاً. ولن تجد لسنة الله تبديلاً: أي منه تعالى إذ هي ليست أحكاماً يطرأ عليها التبديل والتغيير بل هي سر التشريع وحكمته. معنى الآيات: لقد تقدم أن بعض النسوة اشتكين ما يلقينه من تعرض المنافقين لهن عند خروجهن ليلاً لقضاء الحاجة، وأن الله تعالى أمر نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وعلة ذلك أن يعرفن أنهن حرائر فلا يتعرض لهن المنافقون وكان ذلك إجراءً وقائياً لا بد منه، ثم أقسم الجبار بقوله ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ (١) ﴾ أي وعزتي وجلالي لئن لم ينته هؤلاء المنافقون من نفاقهم وأعمالهم الاستفزازية والذين في قلوبهم مرض الشهوة وحب الفجور والمرجفون الذين يكذبون الأكاذيب المرجفة أي المحركة للنفوس كقولهم: العدو زاحف على المدينة والسرية الفلانية انهزمت أو قتل أكثر أفرادها لئن لم ينته هؤلاء لنغرينك (٢) بهم أي لنحرشنّك بهم ثم لنسلطنَّك عليهم. ثم لا يجاورونك فيها أي في المدينة إلا قليلاً، ثم يخرجوا منها أو يهلكوا ملعونين أي يخرجون ملعونين أي مطرودين من الرحمة الإلهية التي تصيب سكان المدينة النبوية، وحينئذ أينما ثقفوا أي وجدوا وتمكن منهم أخذوا أي أسرى وقتلوا تقتيلاً حتى لا يبقى منهم أحد. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦٠) ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ..﴾ والثانية (٦١) ﴿مَلْعُونِينَ ... ﴾ الخ. أما الآية الثالثة (٦٢) ﴿سُنَّةَ اللهِ (٣) فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي لقد سن الله تعالى هذا سنةً في المنافقين من أنهم إذا لم ينتهوا يلعنون ثم يسلط عليهم من يأخذهم ويقتلهم تقتيلاً، وقوله: ﴿وَلَنْ (٤) تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ يخبر تعالى أن ما كان من قبل السنن كالطعام

стр. 2308

يشبع والماء يروي والنار تحرق والحديد يقطع لا يبدله تعالى بل يبقى كذلك لأنه مبني على أساس الحكم التشريعية. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- التنديد بالمنافقين وتهديدهم بإمضاء سنة الله تعالى فيهم إذا لم يتوبوا. ٢- مشروعية إبعاد أهل الفساد من المدن الإسلامية أو يتوبوا بترك الفساد والإفساد، وخاصة المدينة النبوية الشريفة. ٣- بيان ما كان من الأشياء من قبل السنن لا يتبدل بتبدل الأحوال والظروف بل يبقى كما هو لا يبدله الله تعالى ولا يغيره. يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨) شرح الكلمات: يسألك الناس عن الساعة: أي يهود المدينة كما سأله أهل مكة فاليهود سألوه امتحاناً والمشركون سألوه تكذيباً بها واستعجالاً لها. قل إنما علمها عند الله: أي أجب السائلين قائلا إنما علمها عند ربي خاصة فلم يعلمها غيره. وما يدريك: أي لا أحد يدريك أيها الرسول أي يخبرك بها إذ علمها لله وحده.

стр. 2309

لعل الساعة تكون قريبا: أي وما يشعرك أن الساعة قد تكون قريبة القيام. وأعد لهم سعيرا: أي ناراً متسعرة. خالدين فيها: أي مقدراً خلودهم فيها إذ الخلود يكون بعد دخولهم فيها. تقلب وجوههم في النار: أي تصرف من جهة إلى جهة كاللحم عند شيّه يقلب في النار. يا ليتنا أطعنا الله: أي يتمنون بأقوالهم لو أنهم أطاعوا الله وأطاعوا الرسول. وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا: هذا قول الأتباع يشكون إلى الله سادتهم ورؤساءهم. فأضلونا السبيلا: أي طريق الهدى الموصل إلى رضا الله بطاعته. آتهم ضعفين من العذاب: أي اجعل عذابهم ضعفي عذابنا لأنهم أضلونا. والعنهم لعنا كبيراً: أي أخزهم خزياً متعدد المرات في عذاب جهنم. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ (١) ﴾ أي ميقات مجيئها السائلون مشركون وأهل الكتاب فالمشركون يسألون عنها استبعاداً لها فسؤالهم سؤال استهزاء واليهود يسألون امتحانا للرسول ﷺ ، فأمره تعالى أن يجيب السائلين بجواب واحد ألا وهو إنما علمها عند الله، أي انحصر علمها في الله تعالى إذ أخفى الله تعالى أمرها عن الملائكة والمقربين منهم والأنبياء والمرسلين منهم كذلك فضلا عن غيرهم فلا يعلم وقت مجيئها إلا هو سبحان وتعالى. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي لا أحد يعلمك بها أيها الرسول، وقوله ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ أي وما يشعرك يا رسولنا لعل الساعة تكون قريبة القيام وهي كذلك قال تعالى ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ وقال ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ فأعلم بالقرب ولم يعلم بالوقت لحكم عالية منها استمرار الحياة كما (٢) هي حتى آخر ساعة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ المكذبين بالساعة المنكرين لرسالتك الجاحدين بنبوتك لعنهم فطردهم من رحمته وأعد لهم ناراً مستعرة في جهنم خالدين فيها إذا دخلوها لم

стр. 2310

يخرجوا منها أبدا ﴿لا يَجِدُونَ وَلِيّاً﴾ أي يتولاهم فيدفع عنهم ﴿وَلا نَصِيراً﴾ أي ينصرهم ويخلصهم من محنتهم في جهنم. وقوله ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ (١) تصرف من جهة إلى جهة كما يقلب اللحم عند شيه يقولون عند ذلك يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول يتحسرون متمنين لو أنهم أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا ولم يكونوا عصوا الله والرسول. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ (٢) هذه شكوى منهم واعتذاراً وأنى لهم أن تقبل شكواهم وينفعهم اعتذارهم. أطعناهم فيما كانوا يأمروننا به من الكفر والشرك وفعل الشر فأضلونا السبيلا أي طريق الهدى فعشنا ضالين ومتنا كافرين وحشرنا مع المجرمين ﴿رَبَّنَا﴾ أي يا ربنا آتهم ضعفين من العذاب أي ضاعف يا ربنا لسادتنا وكبرائنا الذين أضلونا ضاعف لهم العذاب فعذبهم ضعفي عذابنا، والعنهم أي واخزهم في العذاب خزياً كبيراً يتوالى (٣) عليهم دائماً وأبداً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أن علم الساعة استأثر الله به فلا يعلم وقت مجيئها غيره. ٢- بيان أن الساعة قريبة القيام، ولا منافاة بين قربها وعدم علم قيامها. ٣- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحوال الكافرين فيها. ٤- بيان أن طاعة السادة والكبراء في معاصي الله ورسوله يعود بالوبال على فاعليه. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً (٦٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ

стр. 2311

وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣) شرح الكلمات: يا أيها الذين آمنوا: أي يا من صدقوا بالله ورسوله ولقاء الله وما جاء به رسول الله. لا تكونوا كالذين آذوا موسى: أي لا تكونوا مع نبيكم كما كان بنو إسرائيل مع موسى إذ آذوه بقولهم إنه ما يمنعه من الاغتسال معنا إلا أنه آدر. فبرأه الله مما قالوا: أي أراهم أنه لم يكن به أدرة وهي انتفاخ إحدى الخصيتين. وكان عند الله وجيها: أي ذا جاهٍ عظيم عند الله فلا يخيّب له مسعى ولا يرد له مطلباً. وقولوا قولا سديداً: أي صدقاً صائباً. يصلح لكم أعمالكم: أي الدينية والدنيوية إذ على الصدق والموافقة للشرع نجاح الأعمال والفوز بثمارها. فقد فاز فوزاً عظيماً: أي نال غاية مطلوبه وهو النجاة من النار ودخول الجنة. إنا عرضنا الأمانة: أي ما ائتمن عليه الإنسان من سائر التكاليف الشرعية وما ائتمنه عليه أخوه من حفظ مال أو قول أو عرض أو عمل. فأبين أن يحملنها وأشفقن منها: أي رفضن الالتزام بها وخفن عاقبة تضييعها. وحملها الإنسان: أي آدم وذريته. إنه كان ظلوماً جهولاً: أي لأنه كان ظلوماً أي كثير الظلم لنفسه جهولاً بالعواقب.

стр. 2312

ليعذب الله المنافقين: أي وتحملها الإنسان قضاء وقدراً ليرتب الله تعالى على ذلك عذاب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات فيغفر لهم ويرحمهم وكان الله غفوراً رحيماً. معنى الآيات: قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ينادي الله تعالى مؤمني هذه الأمة ناهياً لهم عن أذى نبيهم بأدنى أذى، وأن لا يكونوا كبني إسرائيل الذين آذوا موسى في غير موطن ومن ذلك ما ذكره ﷺ عنه في قوله من رواية مسلم (١) "أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده فقالوا: ما منعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب يوماً يغتسل فوضع ثوبه (٢) على حجر وأخذ يغتسل وإذا بالحجر يهرب بالثوب فيجري موسى وراءه حتى وقف به على جمع من بني إسرائيل فرأوا أنه ليس به أدرة ولا برص كما قالوا فهذا معنى فبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها أي ذا جاه عظيم. ومما حصل لرسول الله ﷺ من أذى أذاه في اتهام زوجه بالفاحشة من قبل أصحاب الإفك وقول بعضهم له وقد قسم مالا هذه قسمة ما أريد به وجه الله. وقول بعضهم أعدل فينا يا رسول الله فقال له ويحك إذا لم أعدل أنا فمن يعدل؟ وكان يقول يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر!! هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦٩) أما الآية الثانية (٧٠) فقد نادى تعالى عباده المؤمنين الذين نهاهم عن أذية نبيهم وأن لا يكونوا في ذلك كقوم موسى بن عمران ناداهم ليأمرهم بأمرين الأول بتقواه إذ قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي صدقوا الله ورسوله. ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ أي خافوا عقابه. فأدوا فرائضه واجتنبوا محارمه. والثاني بالتزام القول الحق الصائب (٣) السديد، ورتب على الأمرين صلاح أعمالهم ومغفرة ذنوبهم إذ قول الحق والتزام الصدق مما يجعل الأقوال والأعمال مثمرة نافعة، فتثمر زكاة النفس وطهارة الروح. ثم أخبرهم مبشراً إياهم بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأمر والنهي فقد فاز فوزاً عظيماً وهي سعادة الدارين: النجاة من كل مخوف والظفر بكل محبوب مرغوب ومن

стр. 2313

ذلك النجاة من النار ودخول الجنة. هذا ما تضمنه قوله تعالى ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ يخبر تعالى منبهاً محذراً فيقول: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ (١) وهي شاملة للتكاليف الشرعية كلها ولكل ما ائتمن عليه الإنسان من شيء يحفظه لمن ائتمنه عليه حتى يرده إليه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال بعد أن خلق الله لها عقلاً ونطقاً ففهمت الخطاب وردت الجواب فأبت تحملها بثوابها وأشفقت وخافت من تبعتها، وعرضت على الإنسان آدم فحملها بتبعتها من ثواب وعقاب لأنه كان ظلوماً لنفسه يوردها موارد السوء جهولاً بعواقب الأمور. هذا ما دلت عليه الآية الرابعة (٧٢) وهي قوله تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً (٢) جَهُولاً﴾ . وقوله تعالى ﴿لِيُعَذِّبَ (٣) اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ (٤) وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ أي بتبعة النفاق والشرك، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات أي تمّ عرضُ الأمانة وقبولُ آدم لها ليؤول الأمر إلى أن يكفر بعض أفراد الإنسان فيعذبوا بكفرهم الذي نجم عن تضييع الأمانة، ويؤمن بعض آخر فيفرط بعض التفريط ويتوب الله عليه فيغفر له ويدخله الجنة وكان الله غفوراً رحيماً ومن آثار ذلك أن تاب الله على المؤمنين والمؤمنات وغفر لهم ورحمهم بإدخالهم الجنة فسبحان الله المدبر الحكيم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب تقوى الله بفعل الأوامر واجتناب المناهي. ٢- صلاح الأعمال لتثمر للعاملين الزكاة للنفس، وطيب الحياة متوقف على التزام الصدق في

стр. 2314

القول والعمل وهو القول السديد المنافي للكذب والانحراف في القول والعمل ٣- طاعة الله ورسوله سبيل الفوز والفلاح في الدين ٤- وجوب رعاية الأمانة وأدائها، ولم يخل احد من أمانة ٥- وصف الإنسان بالظلم والجهل وبالكفر والمهانة والضعف ف آيات أخرى يستلزم طلب علاج لهذه الصفات وعلاجها جاء مبيناً في سورة المعارج في قوله ﴿إِلا الْمُصَلِّينَ﴾ إلي قوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾

стр. 2315

سورة سبأ (١) مكية وآياتها أربع وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) شرح الكلمات: الحمد لله: أي الوصف بالجميل واجب لله مستحق له. الذي له ما في السموات وما في الأرض: أي خلقاً وملكاً وتصريفاً وتدبيراً. وله الحمد في الآخرة: أي يحمده فيها أولياؤه وهم في رياض الجنان، كما له الحمد في الدنيا. وهو الحكيم الخبير: أي الحكيم في أفعاله الخبير بأحوال عباده. يعلم ما يلج في الأرض: أي ما يدخل فيها من مطر وأموات وكنوز. وما يخرج منها: أي من نبات وعيون ومعادن. وما ينزل من السماء: أي من ملائكة وأمطار وأرزاق ونحوها.
следующие страницы →