← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

هؤلاء من القوة معشار (١) ما كان لأولئك الأقوام الهالكين، ومع ذلك أهلكناهم، فكيف كان نكيري أي كيف كان إنكاري عليهم الشرك وتكذيب رسلي كان بإبادتهم واستئصالهم. أما يخاف هؤلاء الضعفاء أن تحل بهم عقوبتنا فنهلكهم عن آخرهم كما أهلكنا من قبلهم ولما لم يرد الله إبادتهم بعد أن استوجبوها بالتكذيب لرسوله والإصرار على الشرك والكفر قال لرسوله قل لهم ﴿إِنَّمَا (٢) أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي بخصلة واحدة وهي أن تقوموا لله متجردين من الهوى والتعصب ﴿مَثْنَى﴾ ، أي اثنين اثنين، ﴿وَفُرَادَى﴾ أي واحداً واحداً، ثم تتفكروا في حياة محمد ﷺ ومواقفه الخيّرة معكم وبعده عن كل أذى وشر وفساد فإنكم تعلمون يقينا أنه ما بصاحبكم محمد من جنّة ولا جنون ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ، أي ما هو ﷺ إلا نذير لكم أمام عذاب شديد قد ينزل بكم وهو مشفق عليكم في ذلك خائف لا يريده لكم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان عناد المشركين وسخف عقولهم وهبوطهم الفكري. ٢- ضعف كفار قريش وتشددهم وعتوهم إذا قيسوا بالأمم السابقة فإنهم لا يملكون من القوة نسبة واحد إلى ألف إذ المعشار هو عشر عشر العشر (٣) . ٣- تقرير النبوة المحمدية وإثباتها وذلك ينفي الجِنّة عنه ﷺ وإثبات أنه نذير. قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ

стр. 2347

سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤) شرح الكلمات: قل إن ربي يقذف بالحق: أي يلقي بالوحي الحق إلى أنبيائه. ويقذف الباطل بالحق أيضاً فيدمغه. وما يبدئ الباطل وما يعيد: أي وما يبدئ الباطل الذي هو الكفر، وما يعيد أي إنه لا أثر له. فإنما أضل على نفسي: أي إثم ضلالي على نفسي لا يحاسب ولا يعاقب به غيري. إنه سميع قريب: أي سميع لما أقول لكم قريب غير بعيد فلا يتعذر عليه مجازاة أحد من خلقه. إذ فزعوا فلا فوت: أي إذ فزعوا للبعث أي خافوا ونفروا فلا فوت لهم منا بل هم في قبضتنا. وأنى لهم التناوش من مكان بعيد: أي لما شاهدوا العذاب قالوا آمنا بالقرآن وكيف لهم ذلك وهم بعيدون إنهم في الآخرة والإيمان في الدنيا. (التناوش) التناول من مكان بعيد. كما فعل بأشياعهم من قبل: أي فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم من أمم الكفر والباطل. في شك مريب: أي في شك بالغ من نفوسهم فأصبحوا به مضطربين لا يطمئنون إلى شيء أبداً.

стр. 2348

معنى الآيات: لما لج المشركون في الخصومة والعناد ودعاهم الله تعالى إلى أمثل حل وهو أن يقوموا لله متجردين لله تعالى من الهوى والتعصب يقوموا اثنين اثنين أو واحداً واحداً لأن الجماعة من شأنها أن تختلف مع الآراء ثم يتفكروا في حياة الرسول وما دعاهم إليه من الهدى والحق فإنكم تعلمون أنه ليس كما اتهمتموه بالجنون وإنما هو نذير لكم بين يدي عذاب شديد يخاف وقوعه بكم ونزوله عليكم هنا أمره تعالى أن يقول لهم وكوني نذيراً لكم مما أخاف عليكم لا أسألكم على إنذاري لكم أجراً (١) ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي مطلع عليّ عالم بصدقي ويجزيني على إنذاري لكم إذ كلفني به فقمت به طاعة له. وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ (٢) بِالْحَقِّ﴾ أي قل لهم يا رسولنا إن ربي يقذف بالحق أي يلقي بالوحي على من يشاء من عباده ﴿عَلَّامُ (٣) الْغُيُوبِ﴾ أي وهو علام الغيوب يعلم من هو أهل للوحي إليه والإرسال فيوحي إليه ويرسله كما أوحى إليّ وأرسلني إليكم نذيراً وبشيراً. وقوله تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ أي قل لهم يا رسولنا جاء الحق وهو الإسلام الدين الحق، فلم يبق للباطل الذي هو الشرك والكفر مكان ولا مجال، وما يبدئ الباطل وما يعيد؟ أي أنه كما لا يبدئ لا يعيد فهو ذاهب لا أثر له أبداً وقوله: ﴿قُلْ (٤) إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ أي أعلمهم بأنك إن ضللت فيما أنت قائم عليه تدعوا إليه فإنما عائد ضلالك عليك لا عليهم، وإن اهتديت فهدايتك بفضل ما يوحي إليك ربك من الهدى والنور ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ سميع لأقوالك وأقوال غيرك غير بعيد فيتعذر عليه مجازاة عباده صاحب الإحسان بالإحسان وصاحب السوء بالسوء. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي لرأيت أمراً فظيعاً يقول تعالى لرسوله ولو ترى (٥) إذ فزع المشركون في ساحات فصل القضاء يوم القيامة فزعوا من شدة الهول والخوف وقد أخذوا من مكان قريب وألقوا في جهنم لرأيت أمراً فظيعاً في غاية الفظاعة. وقوله ﴿فَلا فَوْتَ﴾

стр. 2349

لهم لا يفوتون الله تعالى ولا يهربون من قبضته. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ (١) ﴾ أي قالوا بعد ما بعثوا وفزعوا من هول القيامة قالوا آمنا به أي بالله وكتابه ولقائه ورسوله، قال تعالى ﴿وَأَنَّى لَهُمُ (٢) التَّنَاوُشُ﴾ أي التناول للإيمان من مكان بعيد إذ هم في الآخرة والإيمان كان في الدنيا فكيف يتناولونه بهذه السهولة ويقبل منهم وينجون من العذاب هذا بعيد جداً ولن يكون أبداً وقد كفروا به من قبل أي لا سيما وأنهم قد عرض عليهم الإيمان وهم قادرون عليه فرفضوه فكيف يمكنون منه الآن. وقوله ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ (٣) مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي وها هم اليوم في الدنيا يقذفون بالغيب محمداً ﷺ بقواصم الظهر مرة يقولون كاذب ومرة ساحر ومرة شاعر وأخرى مجنون وكل هذا رجما بالغيب لا شبهة لهم فيه ولا أدنى ريبة تدعوهم إليه وأخيراً قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ وهو الإيمان الموجب للنجاة كما فعل بأشياعهم (٤) أي أشباههم وأنصارهم من أهل الكفر والتكذيب لما جاءهم العذاب قالوا آمنا ولم ينفعهم إيمانهم وأهلكوا فألقوا في الجحيم، وقوله ﴿إِنَّهُمْ (٥) كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ أي مشركو قريش وكفارها أخبر تعالى أنهم كانوا في الدنيا في شك من توحيدنا ونبينا ولقائنا مريب أي موقع لهم في الريب والاضطراب فلم يؤمنوا فماتوا على الكفر والشرك وهذا جزاء من يموت على الشرك والكفر. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- دعوة الله تعالى ينبغي أن لا يأخذ الداعي عليها أجراً، ويحتسب أجره على الله . ٢- بيان صدق الله تعالى في قوله جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد إذ ما هو إلاّ سنيّات والإسلام ضارب بجرانه في الجزيرة فلا دين فيها إلا الإسلام. ٣- الإيمان الاضطراري لا ينفع صاحبه كإيمان من رأى العذاب. ٤- الشك كفر ولا إيمان مع رؤية العذاب.

стр. 2350

سورة فاطر مكية وآياتها خمس وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) شرح الكلمات: الحمد لله: أي قولوا الحمد لله فإنه واجب الحمد ومقتضى الحمد ما ذكر بعد. فاطر السموات والأرض: أي خالقهما على غير مثال سابق. جاعل الملائكة رسلا: أي جعل منهم رسلا إلى الأنبياء كجبريل ﵇. أولي أجنحة: أي ذوي أجنحة جمع جناح كجناح الطير. يزيد في الخلق ما يشاء: أي يزيد على الثلاثة ما يشاء فإن لجبريل ستمائة جناح. وما يمسك: أي الله من الرحمة فلا أحد يرسلها غيره . وهو العزيز الحكيم: أي الغالب على أمره الحكيم في تدبيره وصنعه. اذكروا نعمة الله عليكم: أي اذكروا نعمه تعالى عليكم في خلقكم ورزقكم وتأمينكم في حرمكم. هل من خالق غير الله: أي لا خالق لكم غير الله ولا رازق لكم يرزقكم. من السماء والأرض: أي بإنزال المطر من السماء وإنبات الزروع في الأرض.

стр. 2351

لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق إلا هو إذاً فاعبدوه ووحدوه. فأنى تؤفكون: أي كيف تصرفون عن توحيده مع اعترافكم بأنه وحده الخالق الرازق. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ (١) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي الشكر الكامل والحمد التام لله استحقاقاً، والكلام خرج مخرج الخبر ومعناه الإنشاء أي قولوا الحمد لله. واشكروه كما هو أيضاً إخبار منه تعالى بأن الحمد له ولا مستحقه غيره ومقتضى حمده فطره السموات والأرض أي خلقه لهما على غير مثال سابق ولا نموذج حاكاه في خلقهما. وجعله الملائكة (٢) رسلاً إلى الأنبياء وإلى من يشاء من عباده بالإلهام والرؤيا الصالحة. وقوله ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ صفة للملائكة أي أصحاب أجنحة مثنى أي اثنين اثنين، وثلاث أي ثلاثة ثلاثة، ورباع أي أربعة أربعة. وقوله ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ﴾ أي خلق الأجنحة ما يشاء فقد خلق لجبريل ﵇ ستمائة جناح كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في الصحاح ويزيد في خلق (٣) ما يشاء من مخلوقاته وهو على كل شيء قدير. وقوله تعالى ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ (٤) فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ يخبر تعالى أن مفاتيح كل شيء بيده فما يفتح للناس من أرزاق وخيرات وبركات لا يمكن لأحد من خلقه أن يمسكها دونه وما يمسك من ذلك فلا يستطيع أحد من خلقه أن يرسله، وهو وحده العزيز الغالب على أمره ومراده فلا مانع لما أعطى ولا راد لما قضى الحكيم في صنعه وتدبير خلقه. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ هذا نداؤه تعالى لأهل مكة من قريش يأمرهم (٥) بعده بأن يذكروا نعمه تعالى عليهم حيث خلقهم ووسع أرزاقهم وجعل لهم حرماً آمنا والناس يتخطفون من

стр. 2352

حولهم خائفون يأمرهم بذكر نعمه لأنهم إذا ذكروها شكروها بالإيمان به وتوحيده. وقوله ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ والجواب لا أحد إذ لا خالق إلا هو ولا رازق سواه فهو الذي خلقهم ومن السماء والأرض رزقهم. السماء تمطر والأرض تنبت بأمره. إذاً فلا إله إلا هو أي لا معبود بحق إلا هو فكيف تصرفون عن الحق بعد معرفته إن حالكم لعجب. هذا ما دل عليه قوله تعالى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ (١) اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب حمد الله تعالى وشكره على إنعامه. ٢- تقرير الرسالة والنبوة لمحمد ﷺ بإخباره أنه جاعل الملائكة رسلاً. ٣- وجوب اللجوء إلى الله تعالى في طلب الخير ودفع الضر فإنه بيده خزائن كل شيء. ٤- وجوب ذكر النعم ليكون ذلك حافزاً على شكرها بطاعة الله ورسوله. ٥- تقرير التوحيد بالأدلة العقلية التي لا ترد. ٦- العجب من حال المشركين يقرون بانفراد الله تعالى بخلقهم ورزقهم ويعبدون معه غيره. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)

стр. 2353

شرح الكلمات: وإن يكذبوك: أي يا رسولنا فيما جئت به من التوحيد وعقيدة البعث والجزاء ولم يؤمنوا بك. فقد كذبت رسل من قبلك: أي فلست وحدك كذبت إذاً فلا تأس ولا تحزن واصبر كما صبر مَن قبلك. وإلى الله ترجع الأمور: وسوف يجزي المكذبين بتكذيبهم والصابرين بصبرهم. ولا يغرنكم بالله الغرور: أي ولا يغرنكم بالله أي في حلمه وإمهاله الغرور أي الشيطان. فاتخذوه عدواً: أي فلا تطيعوه ولا تقبلوا ما يغركم به وأطيعوا ربكم . إنما يدعوا حزبه: أي أتباعه في الباطل والكفر والشر والفساد. ليكونوا من أصحاب السعير: أي ليؤول أمرهم إلى أن يكونوا من أصحاب النار المستعرة. لهم مغفرة وأجر كبير: أي لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير في الجنة وذلك لإيمانهم وعملهم الصالحات. معنى الآيات: لما أقام تعالى الحجة على المشركين في الآيات السابقة قال لرسوله ﷺ ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ (١) ﴾ بعدما أقمت عليهم الحجة فلست وحدك المكذَّب فقد كذبت قبلك رسل كثيرون جاءوا أقوامهم بالبينات والزبر وصبروا إذاً فاصبر كما صبروا ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ (٢) الْأُمُورُ﴾ وسوف يقضي بينك وبينهم بالحق فينصرك في الدنيا ويخذلهم، ويرحمك في الآخرة ويعذبهم. وقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي يا أهل مكة وكل مغرور من الناس بالحياة الدنيا اعلموا أن وعد الله بالبعث والجزاء حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا بطول أعماركم وصحة أبدانكم وسعة أرزاقكم، فإن ذلك زائل عنكم لا محالة ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ﴾ أي حلمه وإمهاله ﴿الْغَرُورُ (٣) ﴾ وهو الشيطان حيث يتخذ من حلم الله تعالى عليكم وإمهاله لكم طريقا إلى إغوائكم وإفسادكم بما يحملكم عليه من تأخير التوبة والإصرار على المعاصي، والاستمرار عليها ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ

стр. 2354

لَكُمْ عَدُوٌّ (١) ﴾ بالغ العداوة ظاهرها فاتخذوه أنتم عدواً كذلك فلا تطيعوه ولا تستجيبوا لندائه، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ أي أتباعه ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي النار المستعرة، إنه يريد أن تكونوا معه في الجحيم. إذ هو محكوم عليه بها أزلاً وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا (٢) لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي في الآخرة، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هو الجنة وما فيها من النعيم المقيم. هذا حكم الله في عباده وقراره فيهم: وهم فريقان مؤمن صالح وكافر فاسد ولكل جزاء عادل. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تسلية الرسول ﷺ ويدخل فيها كل دعاة الحق إذا كذّبوا وأوذوا فعليهم أن يصبروا. ٢- تقرير البعث والجزاء المتضمن له وعد الله الحق. ٣- التحذير من الاغترار بالدنيا أي من طول العمر وسعة الرزق سلامة البدن. ٤- التحذير من الشيطان ووجوب الاعتراف بعداوته، ومعاملته معاملة العدو فلا يقبل كلامه ولا يستجاب لندائه ولا يخدع بتزيينه للقبيح والشر. ٥- بيان جزاء أولياء الرحمن أعداء الشيطان، وجزاء أعداء الرحمن أولياء الشيطان. أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً

стр. 2355

إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١١) شرح الكلمات: أفمن زين له سوء عمله: أي قبيح عمله من الشرك والمعاصي. فرآه حسنا: أي رآه حسناً زيناً لا قبح فيه. فلا تذهب نفسك عليهم: أي على أولئك الذين زين لهم الشيطان قبيح أعمالهم. حسرات: أي لا تهلك نفسك بالتحسر عليهم لكفرهم. إن الله عليم بما يصنعون: وسيجزيهم بصنيعهم الباطل. فتثير سحاباً: أي تزعجه وتحركه بشدة فيجتمع ويسير. فسقناه إلى بلد ميت: أي لا نبات فيه. فأحيينا به الأرض: أي بالنبات والعشب والكلأ والزرع. كذلك النشور: أي البعث والحياة الثانية. فلله العزة جميعا: أي فليطلب العزة بطاعة الله فإنها لا تنال إلا بذلك. إليه يصعد الكلم الطيب: أي إلى الله تعالى يصعد الكلم الطيب وهو سبحان الله والحمد لله والله أكبر. والعمل الصالح يرفعه: أي أداء الفرائض وفعل النوافل يرفع إلى الله الكلم الطيب. يمكرون السيئات: أي يعملونها ويكسبونها. مكر أولئك هو يبور: أي عملهم هو الذي يفسد ويبطل. خلقكم من تراب: أي أصلكم وهو آدم. ثم من نطفة: أي من ماء الرجل وماء المرأة وذلك كل ذرّية آدم.

стр. 2356

ثم جعلكم أزواجاً: أي ذكراً وأنثى. وما تحمل من أنثى: أي ما تحمل من جنين ولا تضعه إلا بإذنه. وما يعمر من معمر: أي وما يطول من عمر ذي عمر طويل إلا في كتاب. ولا ينقص من عمره: أي بأن يجعل أقل وأقصر من العمر الطويل إلا في كتاب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقوية روح الرسول ﷺ والشد من عزمه أمام تقلبات المشركين وعنادهم ومكرهم فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ (١) زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً (٢) ﴾ أي أفمن زين له الشيطان ونفسه وهواه قبيح عمله وهو الشرك والمعاصي فرآه حسنا كمن هداه الله فهو على نور من ربه يرى الحسنة حسنة والسيئة سيئة والجواب: لا، لا. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يضل بعدله وحسب سنته في الإضلال من يشاء من عباده، ويهدي بفضله من يشاء هدايته إذاً فلا تذهب (٣) نفسك أيها الرسول على عدم هدايتهم حسرات فتهلك نفسك تحسّراً على عدم هدايتهم. وقوله ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فلذا لا داعي إلى الحزن والغمّ ما دام الله تعالى وهو ربهم قد أحصى أعمالهم وسيجزيهم بها وقوله تعالى ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي تزعجه وتحركه. ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ (٤) أي لا نبات ولا زرع به ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي كما أن الله تعالى ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها كذلك يحيى الموتى إذ بعد فناء العالم ينزل الله تعالى من تحت العرش ماء فينبت الإنسان من عظم يقال له عجُبُ الذَنَّب فيتم خلقه، ثم يرسل الله تعالى الأرواح فتدخل كل روح في جسدها فلا تخطئ روح جسدها. هكذا كما تتم عملية إحياء الأرض بالنبات تتم عملية إحياء الأموات ويساقون إلى المحشر ويجزى كل نفس بما كسبت والله سريع الحساب.

стр. 2357

وقوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ فليطلبها من الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله فإن العزة لله جميعا فالعزيز من أعزه الله والذليل من أذله، إنهم كانوا يطلبون العزة بالأصنام فاعلموا أن من يريد العزة فليطلبها من مالكها أما الذي لا يملك العزة فكيف يعطيها لغيره إن فاقد الشيء لا يعطيه. وقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ أي إلى الله يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه إلى الله تعالى فإذا كان قول بدون عمل فإنه لا يرفع إلى الله تعالى ولا يثيب عليه، وقد ندد الله تعالى بالذين يقولون ولا يعملون فقال ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ . وقوله ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي يعملونها وهي الشرك والمعاصي ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ هذا جزاؤهم، ﴿وَمَكْرُ (١) أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أي ومكر الذين يعملون السيئات ﴿هو يبور﴾ أي يفسد ويبطل. وقوله تعالى ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي خلق أصلنا من تراب وهو آدم، ثم خلقنا نحن ذريتة من نطفة وهي ماء الرجل وماء المرأة، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً﴾ أي ذكراً وأنثى. هذه مظاهر القدرة الإلهية الموجبة لعبادته وتوحيده والمقتضية للبعث والجزاء، وقوله ﴿وَمَا تَحْمِلُ (٢) مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ أي يزاد في عمره، ولا ينقص من عمره فلا يزاد فيه إلا في كتاب وهو كتاب المقادير. هذا مظهر من مظاهر العلم، وبالعلم والقدرة هو قادر على إحياء الموتى وبعث الناس للحساب والجزاء. ولذا قال تعالى ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي المذكور من الخلق والتدبير ووجوده في كتاب المقادير على الله يسير أي سهل لا صعوبة فيه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- التحذير من اتباع الهوى والاستجابة للشيطان فإن ذلك يؤدي بالعبد إلى أن يصبح يرى الأعمال القبيحة حسنة ويومها يحرم هداية الله فلا يهتدي أبداً وهذا ينتج عن الإدمان على المعاصي والذنوب. ٢- عملية إحياء الأرض بعد موتها دليل واضح على بعث الناس أحياء بعد موتهم.

стр. 2358

١- مطلب العزة مطلب غال، وهو طاعة الله ورسوله ولا يعز أحد عزاًّ حقيقيا بدون طاعة الله ورسوله. ٢- علم الله المتجلي في الخلق والتدبير يضاف إليه قدرته تعالى التي لا يعجزها شيء بهما يتم الخلق والبعث والجزاء. ٣- تقرير البعث والجزاء وتقرير كتاب المقادير وهو اللوح المحفوظ. وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) شرح الكلمات: عذب فرات: أي شديد العذوبة. وهذا ملح أجاج: أي شديد الملوحة. ومن كل تأكلون: أي ومن كل منهما. لحماً طرياً: أي السمك. حلية تلبسونها: أي اللؤلؤ والمرجان.

стр. 2359

مواخر: أي تمخر الماء وتشقه عند جريانها في البحر. لتبتغوا من فضله: أي لتطلبوا الرزق بالتجارة من فضل الله تعالى. ولعلكم تشكرون: أي رجاء أن تشكروا الله تعالى على ما رزقكم. يولج الليل في النهار: أي يدخل الليل في النهار فيزيد. ويولج النهار في الليل: أي يدخل النهار في الليل فيزيد. وسخر الشمس والقمر: أي ذللهما. كل يجري لأجل مسمى: أي في فلكه إلى يوم القيامة. والذين تدعون: أي تعبدون بالدعاء وغيره من العبادات وهم الأصنام. ما يملكون من قطمير: أي من لفافة النواة التي تكون عليه وهي بيضاء رقيقة. ولو سمعوا: أي فرضاً ما استجابوا لكم. يكفرون بشرككم: أي يتبرأون منكم ومن عبادتكم إياهم. ولا ينبئك مثل خبير: أي لا ينبئك أي بأحوال الدارين مثلي فإني خبير بذلك عليم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر مظاهر قدرة الله وعمله وحكمة تدبيره لخلقه وهي مظاهر موجبة لله العبادة وحد دون غيره، ومقتضية للبعث الذي أنكره المشركون قال تعالى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ أي لا يتعادلان. ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ (١) شَرَابُهُ﴾ أي ماؤه عذب شديد العذوبة ﴿وَهَذَا مِلْحٌ (٢) أُجَاجٌ﴾ أي ماؤه شديد الملوحة لمرارته مع ملوحته، فهل يستوي الحق والباطل هل تستوي عبادة الأصنام مع عبادة الرحمن؟ والجواب لا. وقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ﴾ أي ومن كل من البحرين العذب والملح تأكلون لحماً طرياً وهو السمك ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ أي اللؤلؤ والمرجان. وهي حلية يتحلى بها النساء للرجال، وقوله ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ أي وترى أيها السامع لهذا الخطاب ﴿الْفُلْكَ﴾ أي السفن مواخر في البحر تمخر عباب البحر وتشق ماءه غادية رائحة تحمل الرجال والأموال، سخرها وسخر البحر ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي الرزق بالتجارة، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي سخر لكم البحر لتبتغوا من فضله ورجاء أن تشكروا. لم يقل لتشكروا كما قال

стр. 2360

لتبتغوا لأن الابتغاء حاصل من كل راكب، وأما الشكر فليس كذلك بل من الناس من يشكر ومنهم من لا يشكر، ولذا جاء بأداة الرجاء وهي لعل وقوله ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ (١) فِي النَّهَارِ﴾ أي يدخل جزءاً من الليل في النهار فيطول، ويقصر الليل ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي يدخل جزءا منه في الليل فيطول كما أنه يدخل النهار في الليل، والليل في النهار بالكلية فإنه إذا جاء أحدهما ذهب الآخر ويشهد له قوله ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ولازمه والنهار نسلخ منه الليل، فإذا الليل ليل والنهار نهار. وقوله ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي ذللهما فهما يسيران الدهر كله بلا كلل ولا ملل لصالح العباد إذ بهما كان الليل والنهار، وبهما تعرف السنون والحساب وقوله ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ أي كل منهما يجري ﴿لِأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ أي إلى وقت محدود وهو يوم القيامة. ولما عرف تعالى نفسه بمظاهر القدرة قدرته وعلمه وحكمته ولطفه ورحمته قال للناس ﴿ذَلِكُمُ (٢) اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي بعد أن أقام الحجة وأظهر الدليل لم يبق إلا الإعلان عن الحقيقة التي ينكر لها الكافرون فأعلنها بقوله ﴿ذَلِكُمُ﴾ ذو الصفات العظام والجلال والإكرام هو الله ربكم الذي لا رب لكم سواه له الملك، وليس لغيره فلا يصح طلب شيء من غيره، إذ الملك كله لله وحده، وأما الذين تدعون من دونه أي تعبدونهم من دونه وهي الأصنام والأوثان وغيرها من الملائكة والأنبياء والأولياء فإنهم لا يملكون من قطمير فضلاً عن غيره تمرة فما فوقها لأن الذي لا يملك قطميراً – وهو القشرة الرقيقة على النواة (٣) - لا يملك بعيراً. وقوله ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ نعم لا يسمعون لأنهم جمادات وأصنام من حجارة فكيف يسمعون وعلى فرض لو أنهم سمعوا ما استجابوا لداعيهم لعدم قدرتهم على الاستجابة. وقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ فهم إذاً محنة لكم في الدنيا تنحتونهم وتحمونهم وتعبدونهم ويوم القيامة يكونون أعداء لكم وخصوماً فيتبرءون من شرككم إياهم في عبادة الله، فتقوم عليكم الحجة بسببهم فما الحاجة إذاً إلى الإصرار على عبادتهم وحمايتهم والدفاع عنهم. وقوله تعالى ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ﴾ أيها السامع ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٤) وهو الله تعالى فالخبير أصدق من ينبئ

стр. 2361

وأصح من يقول فالله هو العليم الخبير وما أخبر به عن الآلهة في الدنيا والآخرة في الدنيا عن عجزها وعدم غناها وفي الآخرة عن براءتها وكفرها بعبادة عابديها. فهو الحق الذي لا مرية فيه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير ربوبية الله المستلزمة لألوهيته. ٢- بيان مظاهر القدرة والعلم والحكمة وبها تقرر ربوبيته تعالى وألوهيته لعباده. ٣- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر يوم القيامة وبراءة الآلهة من عابديها. ٤- بيان عجز الآلهة عن نفع عابديها في الدنيا وفي الآخرة. ٥- تقرير صفات الكمال لله تعالى من الملك والقدرة والعلم، والخبرة التامة الكاملة وبكل شيء. يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨) شرح الكلمات: أنتم الفقراء إلى الله: أي المحتاجون إليه في كل حال. والله هو الغني الحميد: أي الغني عنكم أيها الناس وعن سائر خلقه، المحمود بأفعاله وأقواله وحسن تدبيره فكل الخلائق تحمده لحاجتها إليه وغناه عنها. ويأت بخلق جديد: أي بدلا عنكم.

стр. 2362

وما ذلك على الله بعزيز: أي بشديد ممتنع بل هو سهل جائز الوقوع. ولا تزر وازرة وزر أخرى: أي في حكم الله وقضائه بين عباده أن النفس المذنبة الحاملة لذنبها لا تحمل وزر أي ذنب نفس أخرى بل كل وازرة تحمل وزرها وحدها. وإن تدع مثقلة: أي بأوزارها حتى لم تقدر على المشي أو الحركة. لا يحمل منه شيء: أي لا تجد من يستجيب لها ويحمل عنها بعض ذنبها حتى لو دعت ابنها أو أباها أو أمها فضلا عن غيرهم، بهذا حكم الله . يخشون ربهم بالغيب: أي لأنهم ما رأوه بأعينهم. ومن تزكى: أي طهّر نفسه من الشرك والمعاصي. فإنما يتزكى لنفسه: أي صلاحه واستقامته على دين الله ثمرتهما عائدة عليه. معنى الآيات: بعد تلك الأدلة والحجج التي سيقت في الآيات السابقة وكلها مقررة ربوبية الله تعالى وألوهيته وموجبة توحيده وعبادته نادى تعالى الناس بقوله ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ليعلمهم بأنه وإن خلقهم لعبادته وأمرهم بها وتوعد بأليم العذاب لمن تركها ولم يكن ذلك لفقر منه إليها ولا لحاجة به إليهم فقال ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ (١) إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ إن عبادة الناس لربهم تعود عليهم فيكملون عليها في أخلاقهم وأرواحهم ويسعدون عليها في دنياهم وآخرتهم أما الله ﷻ فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. وهو الغني عن كل ما سواه ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي المحمود بنعمه فكل نعمة بالعباد موجبة له الحمد والشكر. وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ (٢) بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهذا دليل غناه؛ وافتقارهم كما هو دليل قدرته وعلمه، وقوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي إذهابهم والإتيان بخلق جديد غيرهم ليس بالأمر العزيز الممتنع ولا بالصعب المتعذر بل هو اليسير السهل عليه تعالى.

стр. 2363

وقوله تعالى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) هذا مظهر عدالته تعالى فهو مع قدرته وقهره لعباده ذو عدل فيهم فلا يؤاخذ بغير جرم، ولا يحمل وزر نفس نفسا أخرى لم تذنب ولم تزر بل كل نفس تؤخذ بذنبها إن كانت مذنبة هذه عدالته تتجلى لعباده يوم يعرضون عليه في يوم كله هول وفزع يدل عليه قوله ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ (٢) ﴾ أي بذنوبها ﴿إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ﴾ (٣) من تدعوه ﴿ذَا قُرْبَى﴾ كالولد (٤) والبنت. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ (٥) يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ أي إنما تنذر يا رسولنا ويقبل إنذارك وينتفع به من يخشون ربهم ويخافون عذابه بالغيب وأقاموا الصلاة، أما غيرهم من أهل الكفر والعناد والجحود فإنهم لا يقبلون إنذارك ولا ينتفعون به لظلمة جهلهم وكفرهم وقساوة قلوبهم، ومع هذا فأنذر ولا عليك في ذلك شيء فإن من تزكى بالإيمان والعمل الصالح مع ترك الشرك والمعاصي فإنما يتزكى لنفسه لا لك ولا لنا، ومن أبى فعليه إباؤه، وإلينا مصير الكل وسنجزي كلاً بما كسب من خير وشر. هذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٦) هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان فقر العباد إلى ربهم وحاجتهم إليه وإزالة فقرهم وسد حاجتهم يكون باللجوء إليه والاطراح بين يديه يعبدونه ويسألونه. ٢- بيان عدالة الله تعالى يوم القيامة. ٣- بيان صعوبة الموقف في عرصات القيامة لا سيما عند وضع الميزان ووزن الأعمال.

стр. 2364

٤- بيان أن الإنذار والتخويف من عذاب الله لا ينتفع به غير المؤمنين الصالحين. ٥- تقرير عقيدة البعث والجزاء يوم القيامة. ٦- تقرير حقيقة وهي أن من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها. وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦) شرح الكلمات: وما يستوي الأعمى والبصير: أي لا يستويان فكذلك الكافر والمؤمن لا يستويان. ولا الظلمات ولا النور: أي لا يستويان فكذلك الكفر والإيمان لا يستويان. ولا الظل ولا الحرور: أي لا يستويان فكذلك الجنة والنار لا يستويان. وما يستوي الأحياء ولا الأموات: فكذلك لا يستوي المؤمنون والكافرون. وما أنت بمسمع من في القبور: أي فكذلك لا تسمع الكفار فإنهم كالأموات.

стр. 2365

إن أنت إلا نذير: ما أنت إلا منذر فلا تملك أكثر من الإنذار. إنا أرسلناك بالحق: أي بالدين الحق والهدى والكتاب. وإن من أمة إلا خلا فيها نذير: أي سلف فيها نبي ينذرها. جاءتهم رسلهم بالبينات: أي بالحجج والأدلة الواضحة. وبالزبر والكتاب المنير: أي وبالصحف كصحف إبراهيم وبالكتاب المنير كالتوراة والإنجيل. فكيف كان نكير: أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك والجواب هو واقع موقعه والحمد لله. معنى الآيات: لما تقدم في السياق الكريم أن إنذار الرسول ﷺ لا ينتفع به إلا المؤمن المقيم للصلاة وأن الكافر المكذب الجاحد لا ينتفع به ذكر تعالى هنا مثلاً للكافر والمؤمن وأنهما لا يستويان فقال ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١) ﴾ فالأعمى الكافر والبصير المؤمن وهما لا يستويان في عقل ولا شرع ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ (٢) وَلا النُّورُ﴾ أي ولا يستوي الظلمات ولا النور كما لا يستوي الكفر والإيمان ولا الظل ولا الحرور (٣) ، فبرودة الجو، لا تستوي مع حرارته فكذلك الجنة لا تستوي مع النار، وقوله ﴿وما يستوي الأحياء ولا أموات﴾ أي ولا المؤمنون مع الكافرين كذلك وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٤) هذا شروع في تسلية الرسول ﷺ من أجل ما يجد في نفسه من إعراض قومه وعدم استجابتهم لدعوته، فأخبره ربه بأنه تعالى قادر على أن يسمع من يشاء إسماعه وذلك لقدرته على خلقه أما أنت أيها الرسول فإنك لا تسمع الأموات وإنما تسمع الأحياء، والكفار شأنهم شأن الأموات في القبور فلا تقدر على إسماعهم. ولا يحزنك ذلك فإنك ما أنت إلا نذير، والنذير ينذر ولا يُسأل عمن أجابه ومن لم يجبه. وقوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ بهذا الخبر يقرر تعالى رسالة رسوله محمد ﷺ وأنه أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً لمن آمن به واتبع هداه بالجنة، ونذيراً لمن كفر به وعصاه

стр. 2366

بالنار. وقوله ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١) ، يخبر تعالى أن رسوله محمداً ليس الرسول الوحيد الذي أرسل في أمة بل إنه ما من أمة من الأمم إلا مضى فيها نذير، فلا يكون إرساله عجباً لكفار قريش إذ هذه سنة الله تعالى في عباده يرسل إليهم من يهديهم إلى نجاتهم وسعادتهم ثم قال لرسوله ﷺ معزياً له مسلياً ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ فلم (٢) يكونوا أول من كذب فقد كذب الذين من قبلهم ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أي جاءتهم رسلهم بالحجج القواطع والبراهين السواطع، والمعجزات الخوارق، وبالصحف والكتب المنيرة لسبيل الهداية وطريق النجاة والفلاح. ومنهم من آمن ومنهم من كذب وكفر بعد إمهال وإنظار دلّ عليه العطف بثم أخذ الذين كفروا بعذاب ملائم لكفر الكافرين. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٣) ﴾ أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة الشديدة والإهلاك التام إنه كان واقعاً موقعه، موافياً لطالبه بكفره وعناده. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- استحسان ضرب الأمثال للكشف عن الحال وزيادة البيان. ٢- الكفار عمى لا بصيرة لهم، وأموات لا حياة فيهم، والدليل عدم انتفاعهم بحياتهم ولا بأسماعهم ولا أبصارهم. ٣- تقرير نبوة الرسول محمد ﷺ وتأكيد رسالته. ٤- تسلية الدعاة ليتدرّعوا بالصبر ويلتزموا الثبات. ٥- بيان سنة الله في المكذبين الكافرين وهي أخذهم عند حلول أجلهم. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ

стр. 2367

إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) شرح الكلمات: ثمرات مختلفاً ألوانها: أي كأحمر وأخضر وأصفر وأزرق وغيره. ومن الجبال جدد: أي طرق في الجبال إذ الجدة الطريق ومنه جادة الطريق. بيض وحمر مختلف ألوانه: أي طرق وخطط في الجبال ذات ألوان كالجبال أيضاً. وغرابيب سود (١) : منها الأبيض والأصفر والأسود الغربيب. ومن الناس والدواب والأنعام: فمنها أبيض وهذا أحمر وهذا أسود. مختلف ألوانه كذلك: أي كاختلاف الثمار والجبال والطرق فيها. إنما يخشى الله من عباده العلماء: أي العالمين بجلاله وكماله، إذ الخشية متوقفة على معرفة المخشيّ. يتلون كتاب الله: أي يقرأونه تعبداً به. تجارة لن تبور: أي لن تهلك ولن تضيع بدون ثواب عليها. غفور شكور: أي غفور لذنوب عباده التائبين شكور لأعمالهم الصالحة. معنى الآيات: هذا السياق الكريم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ (٢) مَاءً﴾ في بيان تفاوت المخلوقات واختلافاتها فمن مؤمن إلى كافر، ومن صالح إلى فاسد ومن أبيض إلى أحمر أو أسود وابتدأه تعالى بخطاب رسوله مقرراً له بقوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي ألم تبصر بعينك أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ما بين تمر أصفر وآخر أحمر، وآخر أسود وهذا واضح في التمر

стр. 2368

والعنب والفواكه والخضر، ومن الجبال كذلك. فإن فيها جدد (١) أي خطط حمراء وصفراء وبيضاء وسوداء والجبال نفسها كذلك، ومن الناس والدواب والأنعام ففي جميعها الأبيض والأسود والأحمر والأصفر كما في جدد الجبال نفسها وكما في الثمار. ولما كان هذا لا يدركه إلا المفكرون ولا يجني منه العبرة إلا العالمون قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى (٢) اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وأهل مكة جهال لا يفكرون ولا يهتدون فلا غرابة إذا لم يخشوا الله تعالى ولم يوحدوه وذلك لجهلهم وعدم تفكيرهم. وقوله تعالى في ختام هذا السياق: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٣) كشف عن حقيقة ينبغي أن يعرفها أهل مكة المصرون على الكفر والتكذيب وهي أن الله قادر على أخذهم والبطش بهم فإنه عزيز لا يمانع فيما يريده وغفور لذنوب التائبين من عباده ومهما كانت ذنوبهم ألا فليتب أهل مكة فإن توبتهم خير لهم من إصرارهم على الشرك والكفر والتكذيب إذ في التوبة نجاة، وفي الإصرار هلاك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ (٤) ﴾ وهم المؤمنون ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ أدوها أداء وافياً لا نقص فيه ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ الزكاة والصدقات بحسب الأحوال والظروف سراً أحياناً وعلانية أخرى. يخبر تعالى عنهم بعدما وصفهم بما شرفهم به من صفات أنهم يرجون تجارة لن تبور أي لن تهلك ولن تخسر وذلك يوم القيامة وقوله ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ (٥) وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي هداهم لذلك ووفقهم إليه تعالى ليوفهم أجورهم ويزيدهم من فضله. وعلة ذلك أنه غفور لعباده المؤمنين التائبين فيغفر ذنوبهم ويدخلهم جنته شكور لطاعاتهم وصالح أعمالهم فلذا يضاعف لهم أجورهم ويزيدهم من فضله وله الحمد المنة.

стр. 2369

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان مظاهر القدرة والعلم الإلهي في اختلاف الألوان والطباع والذوات. ٢- العلم سبيل الخشية فمن لا علم له بالله فلا خشية له إنما يخشى الله من عباده العلماء. ٣- فضل تلاوة القرآن الكريم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصدقات. ٤- في وصف الله تعالى بالغفور والشكور ترغيب للمذنبين أن يتوبوا، وللعاملين أن يزيدوا. وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) شرح الكلمات: من الكتاب: أي القرآن الكريم. مصدقا لما بين يديه: أي من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل. ثم أورثنا الكتاب: أي الكتب التي سبقت القرآن إذ محصلها في القرآن الكريم. الذين اصطفينا: أي اخترنا المؤمنين من أمة محمد ﷺ .

стр. 2370

فمنهم ظالم لنفسه: بارتكاب الذنوب. ومنهم مقتصد: مؤد للفرائض مجتنب للكبائر. ومنهم سابق بالخيرات: مؤد للفرائض والنوافل مجتنب للكبائر والصغائر. بإذن الله: أي بتوفيقه وهدايته. ذلك: أي إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير. ولؤلؤاً: أي أساور من لؤلؤ مرصع بالذهب. أحلنا دار المقامة: أي الإقامة وهي جنات عدن. لا يمسنا فيها نصب: أي تعب. ولا يمسنا فيها لغوب: أي إعياء من التعب، وذلك لعدم التكليف فيها. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ (١) ﴾ أي القرآن الكريم هو ﴿الْحَقُّ﴾ أي الواجب عليك وعلى أمتك العمل به لا ما سبقه من الكتب كالتوراة والإنجيل، ﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي أمامه من الكتب السابقة، وقوله ﴿إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢) ﴾ فهو تعالى يعلم أن الكتب السابقة لم تصبح تحمل هداية الله لعباده لما داخلها من التحريف والتغيير فلذا مع علمه بحاجة البشرية إلى وحي سليم يقدم إليها فتكمل وتسعد عليه متى آمنت به وأخذته نوراً تمشي به في حياتها المادية هذه أرسلك وأوحى إليك هذا الكتاب الكريم وأوجب عليك وعلى أمتك العمل به. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ (٣) الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ يخبر تعالى أنه أورث أمة الإسلام الكتاب السابق إذ كل ما في التوراة والإنجيل من حق وهدى قد حواه القرآن الكريم فأمة القرآن قد ورّثها الله تعالى كل الكتاب الأول. وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ (٤) ﴾ بالتقصير في العمل وارتكاب بعض الكبائر، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وهو المؤدي للفرائض المجتنب للكبائر،

стр. 2371

﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ وهو المؤدي للفرائض والنوافل المجتنب للكبائر والصغائر. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي الإيراث للكتاب هو الفضل الإلهي الكبير وهو ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ (١) يَدْخُلُونَهَا﴾ يوم القيامة ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع سوار ما يجعل في اليد ﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ أي أساور من لؤلؤ، ولباسهم فيها حرير. وقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ (٢) الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ أي كل الحزن فلا حزن يصيبهم إذ لا موت في الجنة ولا فراق ولا خوف ولا همَّ ولا كرب فمِن أين يأتي الحزن. وقولهم ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ قالوا هذا لأنه تعالى غفر للظالم وشكر للمقتصد عمله فأدخل الجميع الجنة فهو الغفور الشكور حقاً حقاً. وقولهم: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ أي الإقامة من فضله هذا ثناء منهم على الله تعالى بإفضاله عليهم، وقولهم ﴿لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ أي تعب ﴿وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ أي إعياء من التعب وصف لدار السلام وهي الجنة الخالية من النصب واللغوب جعلنا الله من أهلها. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب العمل بالقرآن الكريم عقائد وعبادات وآداباً وأخلاقاً وقضاء وحكماً. ٢- بيان شرف هذه الأمة، وأنه المرحومة فكل من دخل الإسلام بصدق وأدى الفرائض واجتنب المحارم فهو ناج فائز ومن قصر وظلم نفسه بارتكاب الكبائر ومات ولم يشرك بالله شيئاً فهو آئيل إلى دخول الجنة راجع إليها بإذن الله. ٣- بيان نعيم أهل الجنة وحلية أهلها وهي الأساور (٣) من الذهب واللؤلؤ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ

стр. 2372

عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَاراً (٣٩) شرح الكلمات: لا يقضى عليهم: أي بالموت فيموتوا ويستريحوا. كذلك نجزي كل كفور: أي كذلك الجزاء نجزي كل كفور بنا وبآياتنا ولقائنا. وهم يصطرخون فيها: أي يصيحون بأعلى أصواتهم يطلبون الخروج منها. يقولون: أي في عويلهم وصراخهم ربنا أخرجنا أي منها نعمل صالحا. أو لم نعمركم ما يتذكر فيه: أي وقتا يتذكر فيه من تذكر. وجاءكم النذير: أي الرسول فلم تجيبوا وأصررتم على الشرك والمعاصي. إنه عليم بذات الصدور: أي بما في القلوب من إصرار على الكفر ولو عاش الكافر طوال الحياة. خلائف في الأرض: يخلف بعضكم بعضا. والخلائف جمع خليفة وهو من يخلف غيره. فعليه كفره: أي وبال كفره. إلا مقتا: أي إلا غضبا شديداً عليهم من الله . إلا خساراً: أي في الآخرة إذ يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. معنى الآيات: بعدما ذكر تعالى جزاء أهل الإيمان والعمل الصالح ذكر جزاء أهل الكفر والمعاصي فقال:

стр. 2373

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا (١) ﴾ أي بالله وآياته ولقائه ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ أي جزاء لهم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا (٢) ﴾ أي بالموت فيموتوا حتى يستريحوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا طرفة عين. وقوله ﴿كَذَلِكَ﴾ أي الجزاء ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أي مبالغ في الكفر مكثر منه. وقوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ (٣) فِيهَا﴾ أي في جهنم أي يصرخون بأعلى أصواتهم في بكاء وعويل يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ أي من النار وردنا إلى الحياة الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أي من الشرك والمعاصي. فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ (٤) ﴾ أي أتطلبون الخروج من النار لتعملوا صالحا ولم نعمركم أي نطل أعماركم بحيث يتذكر فيها من يريد أن يتذكر وجاءكم النذير (٥) فلم تجيبوه وأصررتم على الشرك والمعاصي، إذاً فذوقوا عذاب النار ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ أي الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي من نصير ينصرهم فيخرجهم من النار. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي كل ما غاب في السموات والأرض ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ومن ذلك أنه عليم بما في قلوبكم وما كنتم مصرين عليه من الشرك والشر والفساد ولو عشتم الدهر كله. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ (٦) ﴾ أي يخلف بعضكم بعضاً وفي ذلك ما يمكّن من العظة والاعتبار إذ العاقل من اعتبر بغيره فقد هلكت قبلكم أمم بذنوبهم فلم لا تتعظون بهم وقد خلفتموهم وجئتم بعدهم إذاً فلا عذر لكم أبداً. وبعد هذا البيان فمن كفر فعليه كفره هو الذي يتحمل جزاءه، ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم ﴿إِلَّا مَقْتاً﴾ أي بعداً عن الرحمة وبعضاً شديداً، ﴿وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ﴾ أي المصرين على الكفر كفرهم ﴿إِلَّا خَسَاراً﴾ أي هلاكاً في الآخرة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان مُرّ العذاب وأليمه الذي هو جزاء الكافرين. ٢- الإعذار لمن بلّغه الله من العمر أربعين سنة.

стр. 2374

١- الكافر يعذب أبدا لعلم الله تعالى به وأنه لو عاش آلاف السنين ما أقلع عن كفره ولا حاول أن يتوب منه فلذا يعذب أبداً. ٢- في كون البشرية أجيالا جيلا يذهب وآخر يأتي مجال للعظة والعبرة والعاقل من اعبر بغيره. ٣- الاستمرار على الكفر لا يزيد صاحبه إلا بعداً عن الرحمة ومقتاً عند الله تعالى والمقت أشد الغضب. قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً (٤٠) إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٣) شرح الكلمات: قل أرأيتم: أي أخبروني تدعون من دون الله: أي تعبدون من غير الله وهي الأصنام. أروني ماذا خلقوا: أي أخبروني ماذا خلقوا من الأرض أي أيّ جزء منها خلقوه. أم لهم شرك: أي لهم شركة في خلق السموات. إلا في غروراً: أي باطلاً إذ قالوا إنها آلهتنا تشفع لنا عند الله يوم القيامة وتقربنا

стр. 2375

إلى الله زلفى. يمسك السموات والأرض أن تزولا: أي يمنعهما من الزوال. إن أمسكهما من أحد من بعده: أي ولو زالتا ما أمسكهما أحد من بعده لعجزه عن ذلك. إنه كان حليماً غفوراً: أي حليماً لا يعجل بالعقوبة غفوراً لمن ندم واستغفر. لئن جاءهم نذير: أي رسول. من إحدى الأمم: أي اليهود والنصارى. فلماء جاءهم نذير: أي محمد ﷺ . ما زادهم إلا نفوراً: أي مجيئه إلا تباعداً عن الهدى ونفرة منه. ومكر السيء: أي الشرك والمعاصي. ولا يحيق المكر السيء: أي ولا يحيط إلا بأهله العاملين له. سنة الأولين: أي سنة الله فيهم وهي تعذيبهم بكفرهم وإصرارهم عليه. ولن تجد لسنة الله تبديلاً: أي فلا يبدل العذاب بغيره. ولن تجد لسنة الله تحويلاً: أي تحويل العذاب عن مستحقه إلى غير مستحقه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد وإبطال التنديد فقال تعالى لرسوله محمد ﷺ قل للمشركين من قومك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ (١) الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أي تعبدون من دون الله أخبروني: ماذا خلقوا من الأرض حتى استحقوا العبادة مع الله فعبدتموهم معه؟ أم لهم شرك (٢) في السموات بأن خلقوا جزءاً وملكوه بالشركة. والجواب قطعاً لم يخلقوا شيئاً من الأرض وليس لهم في خلق السموات شركة أيضاً إذاً فكيف عبدتموهم مع الله؟ وقوله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ أي أم آتينا هؤلاء المشركين كتاباً يبيح لهم الشرك ويأذن لهم فيه فهم لذلك على بينة بصحة الشرك. والجواب ومن أين لهم هذا الكتاب الذي يبيح لهم الشرك؟ بل إن يعد (٣) الظالمون بعضهم بعضاً ﴿إِلَّا غُرُوراً﴾ أي باطلاً إذ الحقيقة أن المشركين لم يكن لهم كتاب يحتجون به على صحة الشرك،

стр. 2376

وإنما هو أن الظالمين وهم المشركون ما يعد بعضهم بعضاً وهو أن الآلهة ستشفع لنا وتقربنا إلى الله زلفى إلا غروراً وباطلاً فالرؤساء غرّوا المرءوسين وكذبوا عليهم بأن الآلهة تشفع لهم عند الله وتقربهم منه زلفى فلهذا عبدوها من دون الله وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ (١) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ يخبر تعالى عن عظيم قدرته ولطفه بعباده، ورحمته بهم وهي أنه تعالى يمسك السموات السبع والأرض أن تزولا أي تتحولا عن أماكنهما، إذ لو زالتا لخرب العالم في لحظات، وقوله: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ أي ولو زالتا ﴿إِنْ (٢) أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي لا يقدر على ذلك إلا هو ، وقوله إن كان حليما غفوراً إذ حلمه هو الذي غرّ الناس فعصوه، ولم يطيعوه، وأشركوا به ولم يوحدوه ومغفرته هي التي دعت الناس إلى التوبة إليه، والإنابة إلى توحيده وعبادته. وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق (٤٢) ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ يخبر تعالى عن المشركين العرب بأنهم في يوم من الأيام كانوا يحلفون بالله جهد أيمانهم أي غاية اجتهادهم فيها لئن جاءهم رسول يرشدهم ويعلمهم لكانوا أهدى أي أعظم هداية من إحدى الطائفتين اليهود والنصارى. هكذا كانوا يحلفون ولما جاءهم نذير (٣) أي الرسول وهو محمد ﷺ ما زادهم مجيئه ﴿إِلَّا نُفُوراً﴾ أي بعداً عن الدين ونفرة منه، واستكباراً في الأرض، ومكر السيء الذي هو عمل الشرك والظلم والمعاصي. وقوله تعالى ﴿وَلا يَحِيقُ (٤) الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ إخبار منه تعالى بحقيقة يجهلها الناس وهي أن عاقبة المكر السيء تعود على الماكرين بأسوأ العقاب وأشد العذاب وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي ينتظرون وهم مصرون على المكر السيء وهو الشرك ومحاربة الرسول وأذية المؤمنين. إلا سنة الأولين وهي إهلاك الماكرين الظالمين ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ﴾ أيها (٥)

стр. 2377

الرسول ﴿تَبْدِيلاً﴾ بأن يتبدل العذاب بغيره بالرحمة مثلا ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ بأن يتحول العذاب عن مستحقه إلى غير مستحقه إذاً فليعاجل قومك الوقت بالتوبة وإلا فهم عرضة لأن تمضي فيهم سنة الله بعذابهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد. ٢- بيان أن المشركين لا دليل لهم على صحة الشرك لا من عقل ولا من كتاب. ٣- بيان قدرة الله ولطفه بعباده ورحمته بهم في إمساك السموات والأرض عن الزوال. ٤- بيان كذب المشركين، ورجوعهم عما كانوا يتقالونه بينهم من أنه لو أرسل إليهم رسول لكانوا أهدى من اليهود أو النصارى. ٥- تقرير حقيقة وهي أن المكر (١) السيء عائد على أهله لا على غيرهم وفي هذا يُرى أن ثلاثة على أهلها رواجع، وهي المكر السيء، والبغي، والنكث لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقوله ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وقوله ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ . أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً (٤٥)

стр. 2378

شرح الكلمات: وكانوا أشد منهم قوة: أي وأهلكهم الله تعالى بتكذيبهم رسلهم. وما كان الله ليعجزه من شيء: أي ليسبقه ويفوته فلم يتمكن منه. إنه كان عليماً قديراً: أي عليماً بالأشياء كلها قديراً عليها كلها. بما كسبوا: أي من الذنوب والمعاصي. ما ترك على ظهرها: أي ظهر الأرض من دابة نسمة تدب على الأرض وهي كل ذي روح. إلى أجل مسمى: أي يوم القيامة. فإن الله كان بعباده بصيراً: فيحاسبهم ويجزيهم بحسب كسبهم خيراً كان أو شراً. معنى الآيات: لما هدد الله المشركين بإمضاء سنته فيهم وهي تعذيب وإهلاك المكذبين إذا أصروا على التكذيب ولم يتوبوا. قال ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أي المشركون المكذبون لرسولنا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ شمالاً وجنوباً ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كقوم صالح وقوم هود، إنها كانت دماراً وخساراً ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ (١) قُوَّةً﴾ أي من هؤلاء المشركين اليوم قوة وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ (٢) مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي لم يكن ليعجز الله شيء فيفوت الله ويهرب منه ولا يقدر عليه بل إنه غالب لكل شيء وقاهر له وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ تقرير لقدرته وعجز كل شيء أمامه، فإن العليم القدير لا يعجزه شيء بالاختفاء والتستر، ولا بالمقاومة والهرب. وقوله تعالى ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ وهي الآية (٣) الأخيرة من هذا السياق (٤٥) أي ولو كان الله يؤاخذ الناس بذنوبهم فكل من أذنب ذنباً انتقم منه فأهلكه ما ترك على ظهر الأرض من نسمة ذات روح تدب على وجه الأرض، ولكنه تعالى يؤخر الظالمين ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ (٤) أي معين الوقت محدده إن كان في الدنيا ففي الدنيا، وإن كان يوم القيامة ففي القيامة. وقوله:

стр. 2379

﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ (١) فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرا﴾ يخبر بأنه إذا جاء أجل الظالمين فإنه تعالى بصير بهم لا يخفي عليه منهم أحد فيهلكهم ولا يبقى منهم أحد لكامل علمه وعظيم قدرته، ألا فليتق الله الظالمون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية السير في الأرض للعبرة لا للتنزه واللهو واللعب. ٢- بيان أن الله لا يعجزه شيء وذلك لعلمه وقدرته وهي حال توجب الترهيب منه تعالى والإنابة إليه. ٣- حرمة استعجال العذاب فإن لكل شيء أجلاً ووقتاً معيناً لا يتم قبله فلا معنى للاستعجال بحال.

стр. 2380

سورة يس (٢) مكية وآياتها ثلاث وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى

стр. 2381

الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١ ٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) شرح الكلمات: يس: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب هكذا يس، ويقرأ هكذا ياسين والله أعلم بمراده به. والقرآن الحكيم: أي ذي الحكمة إذ وضع القرآن كل شيء في موضعه فهو لذلك حكيم ومحكم أيضا بعجيب النظم وبديع المعاني. إنك لمن المرسلين: أي يا محمد من جملة الرسل الذين أرسلناهم إلى أقوامهم. على صراط مستقيم: أي طريق مستقيم الذي هو الإسلام. تنزيل العزيز الرحيم: أي القرآن (١) تنزيل العزيز في انتقامه ممن كفر به الرحيم بمن تاب إليه. ما أنذر آباؤهم: أي لم ينذر آباؤهم إذ لم يأتهم رسول من فترة طويلة. فهم غافلون: أي لا يدرون عاقبة ما هم فيه من الكفر والضلال، ولا يعرفون ما ينجيهم من ذلك وهو الإيمان وصالح الأعمال. لقد حق القول على أكثرهم: أي وجب عليهم العذاب فلذا هم لا يؤمنون. إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا: أي جعلنا أيديهم مشدودة إلى أعناقهم بالأغلال. فهي إلى الأذقان: أي أيديهم مجموعة إلى أذقانهم، والأذقان جمع ذقن وهو مجمع اللحيين. فهم مقمحون: أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون خفضها، فلذا هم لا يكسبون بأيديهم خيراً، ولا يذعنون برؤوسهم إلى حق.

стр. 2382

فأغشيناهم فهم لا يبصرون: أي جعلنا على أبصارهم غشاوة فهم لذلك لا يبصرون. وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون: أي استوى إنذارك لهم وعدمه في عدم إيمانهم. من اتبع الذكر: القرآن. وأجر كريم: أي بالجنة دار النعيم والسلام. إنا نحن نحيي الموتى: أي نحن ربّ العزة نحيي الموتى للبعث والجزاء. ونكتب ما قدموا وآثارهم (١) : أي ما عملوه من خير وشر لنحاسبهم، وآثارهم أي خطاهم إلى المساجد وما استن به أحد من بعدهم. في إمام مبين: أي في اللوح المحفوظ. معنى الآيات: ﴿يس﴾ الله أعلم (٢) بمراده به ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٣) ﴾ أي المحكم نظماً ومعنىً وذي الحكمة الذي يضع كل شيء في موضعه أقسم تعالى بالقرآن الحكيم على أن محمداً ﷺ نبييٌّ ورسولٌ فقال ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الذي هو الإسلام. وقوله ﴿تَنْزِيلَ (٤) الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي هذا القرآن هو تنزيل الله ﴿الْعَزِيزِ﴾ في الانتقام ممن كفر به وكذب رسوله ﴿الرَّحِيمِ﴾ بأوليائه وصالحي عباده. وقوله ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي أرسلناك وأنزلنا إليك الكتاب لأجل أن تنذر قوماً ما أنذر آباؤهم من فترة طويلة وهم مشركو العرب إذ لم يأتهم رسول من بعد إسماعيل ﵇ ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ أي لا يدرون عاقبة ما هم عليه من الشرك والشر والفساد، ومعنى تنذرهم تخوفهم عذاب الله تعالى المترتب على الشرك والمعاصي. وقوله تعالى ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ أي أكثر خصوم النبي ﷺ من كفار قريش كأبي جهل حق عليهم القول الذي هو قوله تعالى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ فوجب لهم العذاب فلذا هم لا يؤمنون إذ لو آمنوا لما عذبوا، وعدم إيمانهم لم يكن مفروضاً عليهم

стр. 2383

وإنما هو باختيارهم وحرية إرادتهم إذ لو كان جبراً لما استحقوا العذاب عليه. وقوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ﴾ أي أيديهم ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ مشدودة بالأغلال ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون خفضها، وهذا تمثيل لحالهم في عدم مدّ أيديهم للإنفاق في الخير، وعدم إذعان رؤوسهم لقبول الحق (١) وقوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً﴾ وهذا تمثيل آخر لحالهم وهي أنهم زينت لهم الحياة الدنيا فأصبحوا لا يرون غيرها فهو سد أمامهم مانع لهم من الإيمان وترك الشرك والمعاصي، وصورت لهم الآخرة بصورة باطلة مستحيلة الوقوع فكان ذلك سداً من خلفهم فهم لذلك لا يتوبون ولا يذكرون لعدم خوفهم من عذاب الآخرة وقوله تعالى ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ هذا مبالغة في إضلالهم فجعل على أعينهم غشاوة من كره الرسول ﷺ وبغض ما جاء به من فهم لذلك عمى لا يبصرون. وقوله تعالى ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ (٢) أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا إخبار منه تعالى بأن هذه المجموعة من خصوم الرسول ﷺ من أكابر مجرمي مكة استوى فيهم الإنذار النبوي وعدمه فهم لا يؤمنون فكأن الله تعالى يقول لرسوله إن هؤلاء العتاة من خصومك إنذارك لهم لا ينفعهم فأنذر الذين ينفعهم إنذارك ودع من سواهم وهو قوله تعالى ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي القرآن ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي خافه فلم يعصه وهو لا يراه، كما لم يعصه عندما يخلو بنفسه ولا يراه غيره فمثل هذا بشره بمغفرة منا لذنوبه وأجر كريم على صالح عمله وهو الجنة دار المتقين وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي للبعث والجزاء ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أي أولئك الأموات أيام حياتهم من خير وشر، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ أي ونكتب آثارهم وهو ما استُن به (٣) من سننهم الحسنة أو السيئة. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ أي من أعمال العبادة وغيرها ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ، وسنجزي كلاً بما عمل. وفي هذا الخطاب تسلية لرسول الله ﷺ .

стр. 2384

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية وتأكيد رسالته ﷺ . ٢- بيان الحكمة من إرسال الرسول وإنزال الكتاب الكريم. ٣- بيان أن الرسول محمداً ﷺ بعث على فترة من الرسل. ٤- بيان أن حب الدنيا والإقبال عليها والإعراض عن الآخرة وعدم الالتفات إليها يضعان الإنسان بين حاجزين لا يستطيع تجاوزهما والتخلص منهما. ٥- بيان أن الذنوب تقيد صاحبها وتحول بينه وبين فعل الخير أو قبول الحق. ٦- بيان أن من سن سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعده يجزى بها كما يجزى على عمله الذي باشره بيده. ٧- تقرير عقيدة القضاء والقدر وأن كل شيء في كتاب المقادير المعبر عنه بالإمام. ومعنى المبين أي أن ما كتب فيه بين واضح لا يجهل منه شيء. وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) شرح الكلمات: واضرب لهم مثلاً: أي واجعل لهم مثلاً. أصحاب القرية: أي أنطاكية عاصمة بلاد يقال لها العواصم بأرض الروم.

стр. 2385

إذ جاءها المرسلون: أي رسل عيسى ﵇. فعززنا بثالث: أي قوينا أمر الرسولين ودعوتهما برسول ثالث وهو حبيب النجار. وما علينا إلا البلاغ المبين: أي التبليغ الظاهر البين بالأدلة الواضحة وهي إبراء الأكمه والأبرص والمريض وإحياء الموتى. إنا تطيرنا بكم: أي تشاءمنا بكم وذلك لانقطاع المطر عنا بسببكم. قالوا طائركم معكم: أي شؤمكم معكم وهو كفركم بربكم. أئن ذكرتم: أوعظتم وخوفتم تطيرتم وهذا توبيخ لهم. بل أنتم قوم مسرفون: أي متجاوزون للحد في الشرك والكفر. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً (١) ﴾ أي واضرب أيها الرسول لقومك المصرين على الشرك والتكذيب لك ولما جئتهم به من الهدى ودين الحق ﴿مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ فإن حالهم في التكذيب والغلّو في الكفر والعناد كحال هؤلاء. إذ جاءها المرسلون وهم رسل عيسى (٢) ﵇ إذ بعث برسولين ثم لما آذوهما بالضرب والسجن بعث بشمعون الصفي رأس الحواريين تعزيزاً لموقفهما كما قال تعالى ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ (٣) ، فقالوا لأهل أنطاكية (٤) ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ من قبل عيسى ﵇ ندعوكم إلى عبادة الرحمن وترك عبادة الأوثان فـ ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ أي ما أنتم إلا تكذبون علينا في دعواكم أنكم رسل إلينا فقال الرسل ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ فواجهوا شك القوم فيهم بما يدفع الشك من القسم وتأكيد الخبر بالجملة الاسمية ولام التوكيد فقالوا: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي البين الواضح فإن قبلتم ما دعوناكم إليه فذلك حظكم من الخير والنجاة وإن أبيتم فذلك حظكم من الهلاك والخسار. ورد أهل أنطاكية على الرسل قائلين: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي تشاءمنا (٥) بكم حيث انقطع المطر بسببكم* فرد عليهم المرسلون بقولهم ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي شؤمكم في كفركم وتكذيبكم، ولذ حبس الله عنكم المطر
следующие страницы →