← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

سورة ص ... سور ص مكية وآياتها ثمان وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) شرح الكلمات: ص: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب ص ويقرأ صاد الله أعلم بمراده به. والقرآن ذي الذكر: أي أقسم بالقرآن ذي الذكر إذ به يذكر الله تعالى ما الأمر كما يقول هؤلاء الكافرون من أن النبي ساحر وشاعر وكاذب. بل الذين كفروا في عزة وشقاق: أي أهل مكة في عزة نفس وشقاق مع النبي والمؤمنين وعداوة

стр. 2452

فلذا قالوا في الرسول ما قالوا، وإلا فهم يعلمون براءته مما قالوا فيه. وكم أهلكنا قبلهم من قرن: أي كثيرا من الأمم الماضية أهلكناهم. فنادوا ولات حين مناص: أي صرخوا واستغاثوا وليس الوقت وقت مهرب ولا نجاة. وعجبوا: أي وما اعتبر بهم أهل مكة وعجبوا أن جاءهم منذر منهم محمد ﷺ . قالوا ساحر كذاب: أي لما يظهره من الخوارق ولما يسنده إلى الله تعالى من الإرسال والإنزال. أجعل الآلهة إلها واحدا: أي لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله، فقالوا كيف يسع الخلائق إله واحد؟ إن هذا لشيء عجاب: أي جعل الآلهة إلها واحداً أمر عجيب. وانطلق الملأ منهم أن امشوا: أي خرجوا من بيت أبي طالب حيث كانوا مجتمعين بالنبي ﷺ وسمعوا منه قوله لهم قولوا لا إله إلا الله. إن هذا لشيء يراد: أي إن هذا المذكور من التوحيد لأمر يراد منا تنفيذه. في الملة الآخرة: أي ملة عيسى ﵇. إن هذا إلا اختلاق: أي ما هذا إلا كذب مختلق. أأنزل عليه الذكر من بيننا: أي كيف يكون ذلك وليس هو بأكبر منا ولا أشرف. بل هم في شك من ذكري: أي بل هم في شك من القرآن والوحي ولذا قالوا في الرسول ما قالوا. بل لما يذوقوا عذاب: أي بل لم يذوقوا عذابي إذ لو ذاقوه لما كذبوا بل آمنوا ولا ينفعهم إيمان. أم عندهم خزائن رحمة ربك: أي من النبوة وغيرها فيعطوا منها من شاءوا ويحرموا من شاءوا. أم لهم ملك السماوات والأرض: أي ليس لهم ذلك. فليرتقوا في الأسباب: أي الموصولة إلى السماء فيأتوا بالوحي فيخصوا به من شاءوا أو يمنعوا الوحي النازل على نبينا محمد ﷺ وأنى لهم ذلك. جند ما هنالك مهزوم: أي هم جند حقير في تكذيبهم لك مهزوم أمامك وفي بدر. من الأحزاب: أي من الأمم الماضية التي تحزبت على رسلها وأهلكها الله تعالى. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿ص (١) والقرآن ذي الذكر﴾ أما ص فإنه أحد حروف الهجاء ومذهب السلف فيه أن

стр. 2453

يقال الله أعلم بمراده به إذ هو من المتشابه الذي يجب الإيمان به ويوكل أمر معناه إلى من أنزله، وقد ذكرنا غير ما مرة أن هذه الحروف قد أفادت فائدتين فليطلبهما من شاء من القراء الكرام من المفتتحة بمثل هذه الحروف نحو طس، ألم. وأما قوله ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ هو كتاب الله هذا المنزل على محمد ﷺ و ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ معناه (١) التذكير إذ به يذكر الله تعالى والجملة قسم أقسم الله به فقال ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وجواب القسم محذوف تقديره (٢) ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون من أن النبي محمداً ﷺ ساحر وشاعر وكاذب ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أي بل هم في عزة نفس وكبرياء وخلاف وعداوة مع النبي ﷺ والمؤمنين فحملهم ذلك على أن يقولوا في الرسول ما قالوا، وإلا فهم يعلمون يقينا أن النبي محمداً ﷺ أبعد الناس عن السحر والشعر والكذب والجنون. وقوله تعالى ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي كثيرا من الأمم الماضية أهلكناها بتكذيبها لرسلها فلما جاءهم العذاب نادوا (٣) صارخين مستغيثين ﴿وَلاتَ (٤) حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي ليست الساعة ساعة نجاة ولا هرب، فلم لا يعتبر مشركو مكة بمثل هؤلاء. لم يعتبروا ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ينذرهم عذاب الله في الدنيا والآخرة وهو محمد ﷺ . ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ أي لم يعتبروا وعجبوا وقالوا فيه ﷺ ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ . ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) ﴾ أي عجيب أي كيف يسع العباد إله واحد إن هذا لأمر يتعجب منه غاية العجب، لأنهم قاسوا الغائب وهو الله تعالى على الشاهد وهو الإنسان الضعيف فوقعوا في أفحش خطأ وأقبحه. وقوله تعالى ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ وهم يقولون لبعضهم بعضاً امشوا واصبروا على آلهتكم ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي منا إمضاؤه وتنفيذه. قالوا هذا وما بعده من القول لما اجتمعوا بالرسول ﷺ في منزل عمه أبي طالب لمفاوضة الرسول في شأن دعوته فلما قال لهم الرسول ﷺ قولوا لا إله إلا الله قاموا من المجلس وانطلقوا يمشون ويقولون ما أخبر تعالى به عنهم ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ أي على عبادتها فلا تتخلوا عنها ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي الدعوة إلى لا إله إلا الله لشيء

стр. 2454

كبير يراد منا إمضاؤه وتنفيذه لصالح غيرنا. ما سمعنا بهذا أي بالتوحيد في الملة الآخرة أي الدين الأخير وهو ما جاء به عيسى بن مريم ﵇. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ أي ما هذا الذي يدعو إليه محمد إلا كذب اختلقه لم ينزل عليه ولم يوح به إليه. وواصلوا كلامهم قائلين: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي القرآن ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ وليس هو بأكبرنا سنا ولا بأشرفنا نسباً. فكيف يكون هذا؟ وقوله تعالى ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ أي لم يكن بالقوم جهل بصدق محمد في قوله وسلامة عقله، وإنما حملهم على ذلك هو شكهم في القرآن وما ينزل به من الحق ويدعو إليه من الهدى، وهذا أولاً وثانيا إنهم لما يذوقوا عذابي إذ لو ذاقوا عذاب الله على تكذيبهم ما كذبوا، وسوف يذوقونه ولكن لا ينفعهم يومئذ تصديق ولا إيمان. وقوله تعالى ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أي بل أعندهم خزائن رحمة ربك يا رسولنا العزيز أي الغالب الوهاب أي الكثير العطاء من النبوة وغيرها وعندئذ لهم أن يعطوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولكن فهل لهم من خزائن ربك شيء والجواب لا إذاً فلم ينكرون هبة الله لمحمد بالنبوة والوحي والرسالة. وقوله تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي بل لهم ملك السموات والأرض وما بينهما؟ إذا كان هذا لهم ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ سببا بعد سبب حتى ينتهوا إلى السماء السابعة ويمنعوا الوحي النازل على محمد ﷺ من ربه . ومن أين لهم ذلك وهم الضعفاء الحقيرون إنهم كما قال تعالى فيهم ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ (١) مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي جند حقير من جملة أحزاب الباطل والشر مهزوم هنالك ببدر ويوم الفتح بإذن الله. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لله تعالى أن يقسم بما شاء بخلاف العبد لا يقسم إلا بربّه تعالى. ٢- بيان ما كان عليه المشركون من كبرياء وعداء للنبي ﷺ . ٣- بيان جهل المشركين في استنكارهم للا إله إلا الله محمد رسول الله. ٤- تحدي الرب تعالى للمشركين إظهاراً لعجزهم ودعوته لهم إلى النزول إلى الحق وقبوله. ٥- إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك. ٦- ذم كلمة الأحزاب ومدلولها إذ لا تأتي الأحزاب بخير.

стр. 2455

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) شرح الكلمات: كذبت قبلهم: أي قبل هؤلاء المشركين من قريش. وفرعون ذو الأوتاد: أي صاحب أوتاد أربعة يشد إليها من أراد تعذيبه. وأصحاب الأيكة: أي الغيضة وهم قوم شعيب. إن كل إلا كذب الرسل: أي ما كل واحد منهم إلا كذب الرسل ولم يصدقهم فيما دعوا إليه. فحق عقاب: أي وجبت عقوبتي عليهم. صحية واحدة: هي نفخة إسرافيل في الصور نفخة. مالها من فواق: أي ليس لها من فتور ولا انقطاع حتى تهلك كل شيء. عجل لنا قطنا: أي صك أعمالنا لنرى ما أعدت لنا إذ القط الكتاب. ذا الأيد: أي القوة والشدة في طاعة الله تعالى. إنه أواب: أي رجاع إلى الله في كل أموره. بالعشي والإشراق: أي بالمساء بعد العصر إلى الغروب والإشراق من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى.

стр. 2456

والطير محشورة: أي والطيور مجموعة. وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب: أي وأعطينا داود الحكمة. وهي الإصابة في الأمور والسداد فيها وفصل الخطاب: الفقه (١) في القضاء ومن ذلك البينة على المدّعي واليمين على من أنكر. معنى الآيات: السياق الكريم في تسلية النبي ﷺ وتهديد المشركين علهم يتوبون إلى الله ويرجعون قال تعالى ﴿كَذَّبَتْ (٢) قَبْلَهُمْ﴾ أي قبل قومك يا محمد ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ أي (٣) صاحب الأوتاد التي كان يشد إليها من أراد تعذيبه ويعذبه عليها كأعواد المشانق، ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْأَيْكَةِ﴾ أي الغيضة وهي الشجر الملتف وهم قوم شعيب ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ أي الطوائف الكافرة الهالكة ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي ما كل واحدة منها إلا كذبت الرسل ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ أي وجب عقابي لهم فعاقبتهم، وما ينظر هؤلاء من قومك ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ (٤) أي من فتور ولا انقطاع حتى يهلك كل شيء ولا يبقى إلا وجه الله ذو الجلال والإكرام. وقوله تعالى ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا (٥) قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قالوا هذا لما نزل ﴿فأما من أوتي كتابه بيمنه﴾ الآيات من سورة الحاقة. قال غلاة الكافرين كأبي جهل وغيره استهزاءً، ربنا عجل لنا قطنا أي كتابنا لنرى ما فيه من حسنات وسيئات قبل يوم القيامة والحساب والجزاء وهم لا يؤمنون ببعث ولا جزاء، وإنما قالوا هذا استهزاء وعناداً أو مكابرة فلذا قال تعالى لرسوله ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ (٦) ﴾ أي القوة في دين (٧) الله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي رجاع إلى الله تعالى

стр. 2457

اذكره لتتأسى به في صبره وقوته في الحق وقوله تعالى ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا﴾ الآيات بيان لإنعام الله تعالى على داود لتعظم الرغبة في الاقتداء به، والرغبة إلى الله تعالى فيما لديه من إفضالات ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ (١) ﴾ أي إذا سبح داود في المساء من بعد العصر إلى الغروب وفي الإشراق وهو وقت الضحى سبحت الجبال معه أي رددت تسبيحه كرامة له والطير محشورة أي وسخرنا الطير محشورة أي مجموعة تردد التسبيح معه، وقوله ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير أواب أي رجاع يسبح لله تعالى. وقوله ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي وقوينا ملك داود بمنحنا إياه كل أسباب القوة المادية والروحية. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ وهي النبوة والإصابة في الأمور والسداد فيها قولا كان أو فعلاً. ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ أي حسن القضاء والبصيرة فيه، والبيان الشافي في كلامه، فبه اقتده يا رسولنا. هداية الآيات من هداة الآيات: ١- تسلية الرسول ﷺ وحمله على الصبر على أذى قريش وتكذيبها وعنادها. ٢- تهديد قريش إذا أصرت على التكذيب بأشد أنواع العقوبات. ٣- بيان استهزاء المشركين واستخفافهم بأخبار الله تعالى وشرائعه. ٤- مشروعية الأسوة والاقتداء بالصالحين. ٥- بيان آية تسخير الله تعالى الجبال والطير لداود تسبح الله تعالى معه. ٦- حسن (٢) صوت داود في قراءته وتسبيحه. ٧- مشروعية صلاة الإشراق والضحى. وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ

стр. 2458

وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) شرح الكلمات: هل أتاك: الاستفهام هنا للتعجب أي حمل المخاطب على التعجب. نبأ الخصم: أي خبر الخصم الغريب في بابه العجيب في واقعه. إذ تسوروا المحراب: أي محراب مسجده إذ منعوا من الدخول من الباب فقصدوا سوره ونزلوا من أعلى السور. بغى بعضنا على بعض: أي تعدّى بعضنا على بعض. فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط: أي احكم بالعدل ولا تجر في حكمك. واهدنا إلى سواء الصراط: أي أرشدنا إلى العدل في قضيتنا هذه ولا تمل بنا إلى غير الحق. إن هذا أخي: أي على ديني في الإسلام. فقال أكفلنيها: أي اجعلني كافلها بمعنى تنازل لي عنها وملكنيها. وعزني في الخطاب: أي غلبني في الكلام الجدلي فأخذها مني. لقد ظلمك بسؤال نعجتك: أي بطلبه نعجتك وضمها إلى نعاجه. من الخلطاء ليبغي بعضهم: أي الشركاء يظلم بعضهم بعضا. وظن داود أنما فتناه: أي أيقن داود أنما فتنه ربه أي اختبره. فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب: أي طلب المغفرة من ربه بقوله أستغفر الله وسقط ساجداً على الأرض وأناب أي رجع تائباً إلى ربه. وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب: أي وحسن مرجع عندنا وهي الجنة والدرجات العلا فيها.

стр. 2459

معنى الآيات: ما زال السياق في تسلية الرسول وحمله على الصبر على ما يعاني من كفار قريش من تطاول وأذى فقال له ربه تعالى ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ إلى آخر الآيات. وذلك أن داود (١) ﵇ ذكر مرة في نفسه ما أكرم الله تعالى به إبراهيم وإسحق ويعقوب من حسن الثناء الباقي لهم في الناس، فتمنى مثله فقيل له إنهم امتحنوا فصبروا فسأل أن يبتلى كالذي ابتلوا به ويعطى كالذي أعطوا إن هو صبر فاختبره الله تعالى بناء على رغبته فأرسل إليه ملكين (٢) في صورة رجلين فتسورا عليه المحراب كما يأتي تفصيله في الآيات وهو قوله تعالى ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ يا رسولنا نبأ الخصم (٣) وهما ملكان في صورة رجلين، ولفظ الخصم يطلق على الواحد والأكثر كالعدو فيقال هذا خصمي وهؤلاء خصمي، وهذا عدوي وهؤلاء عدوي. وقوله ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا (٤) الْمِحْرَابَ﴾ أي اطلعوا على سور المنزل الذي هو المحراب في عرف بني إسرائيل ولم يدخلوا من الباب لأن الحرس منعهم من ذلك، لأن لداود وقتاً ينقطع فيه للعبادة فلا يسمح بمقابلة أحد وقوله ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ﴾ وهو في محرابه ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ أي ارتاع واضطرب نفسا ﴿قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ أي نحن خصمان ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ أي اعتدى بعضنا على بعض جئنا نتحاكم إليك ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ﴾ أي ولا تجر في الحكم ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أي إلى وسط (٥) الطريق فلا تمل بنا عن الحق. ثم عرضا عليه القضية فقال أحدهما وهو المظلوم عارضاً مظلمته ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي في الإسلام ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي ملكنيها أضمها إلى نعاجي، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي وغلبني في الكلام والجدال وأخذها مني. فقال داود على الفور وبدون أن يسمع من الخصم الثاني ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ وعلل لذلك بقوله ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ أي الشركاء في زرع أو ماشية أو تجارة ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهم أهل الإيمان والتقوى فإنهم يسلمون من

стр. 2460

مثل هذه الاعتداءات، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ أي وهم قليل جداً، وهنا طار الملكان من بين يدي داود عرجا إلى السماء فعلم عندئذ أنما فتنه ربه كما رغب إليه وأنه لم يصبر حيث قضى بدون أن يسمع من الخصم الثاني فكانت زلة أرته أن ما ناله إبراهيم وإسحق ويعقوب من الكمال كان نتيجة ابتلاء عظيم، وهنا استغفر داود ربه ﴿وَخَرّ (١) َ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ يبكي ويطلب العفو وأناب إلى ربه في كل أمره كله، وذكر تعالى أنه قبل توبته وعفا عنه فقال تعالى ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ أي لقربة عندنا ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي مرجع وهو الدرجات العلا في دار الأبرار، جعلنا الله تعالى من أهلها بفضله ورحمته. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فائدة عرض مثل هذا القصص تقوية قلب الرسول ﷺ وتثبيت فؤاده وحمله على الصبر. ٢- تقرير نبوة النبي ﷺ إذ مثل هذا القصص لا يتأتى له قصه إلا بوحي إلهي. ٣- تقرير جواز تشكل الملائكة في صورة (٢) بني آدم. ٤- حرمة إصدار القاضي أو الحاكم الحكم قبل أن يسمع الدعوى من الخصمين معاً إذ هذا محل الفتنة التي كانت لداود ﵇. ٥- وجوب التوبة عند الوقوع في الذنب. ٦- مشروعية السجود (٣) عند قراءة هذه الآية ﴿وخرّ راكعاً وأناب﴾ . يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ

стр. 2461

عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) شرح الكلمات: إنا جعلناك خليفة: أي خلفت من سبقك تدبر أمر الناس بإذننا. ولا تتبع الهوى: أي هوى النفس وهو ما تميل إليه مما تشتهيه. فيضلك عن سبيل الله: أي عن الطريق الموصل إلى رضوانه. إن الذين يضلون عن سبيل الله: يخطئون الطريق الموصل إلى رضوانه وهو الإيمان والتقوى. بما نسوا يوم الحساب: أي بنسيانهم يوم القيامة فلم يتقوا الله تعالى. باطلاً: أي عبثاً لغير حكمة مقصودة من ذلك الخلق. ذلك ظن الذين كفروا: أي ظن أن السموات والأرض وما بينهما خلقت عبثاً لا لحكمة مقصودة منها ظن الذين كفروا. فويل للذين كفروا من النار: أي من واد في النار بعيد غوره كريه ريحه لا يطاق. مبارك: أي لا تفارقه البركة يجدها قارئه والعامل به والحاكم بما فيه. وليتذكر أولوا الألباب: أي ليتعظ به أصحاب العقول الراجحة. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر قصة داود للعظة والاعتبار وتثبيت فؤاد النبي ﷺ فقال تعالى ﴿يَا دَاوُدُ (١) ﴾ أي

стр. 2462

وقلنا له أي بعد توبته وقبولها يا داود ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً (١) فِي الْأَرْضِ﴾ خلفت من قبلك من الأنبياء تدبر أمر الناس ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل الموافق لشرع الله ورضاه، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ وهو ما تهواه نفسك دون ما شرع الله، ﴿فَيُضِلَّكَ (٢) ﴾ أي اتباع الهوى يضلك عن سبيل الله المفضي بالعباد إلى الإسعاد والكمال وذلك أن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الإلهية انتظمت بها مصالح العباد ونفعت العامة والخاصة أما إذا كانت على وفق الهوى وتحصيل مقاصد النفس للحاكم لا غير أفضت إلى تخريب العالم بوقوع الهرج والمرج بين الناس وفي ذلك هلاك الحاكم والمحكومين، وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ القائم على الإيمان والتقوى وإقامة الشرع والعدل هؤلاء ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٣) ﴾ أي بسبب نسيانهم ليوم القيامة فتركوا العمل له وهو الإيمان والتقوى، التقوى التي هي فعل الأوامر الإلهية واجتناب النواهي في العقيدة والقول والعمل. وقوله تعالى في الآية (٢٧) ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ ينفي تعالى ما يظنه المشركون وهو أن خلق الكون لم يكن لحكمة اقتضت خلقه وإيجاده وهي أن يعبد الله تعالى بذكره وشكره المتمثل في الإيمان والتقوى. وقوله ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ظن أن الله خلق السماء والأرض وما بينهما لا لحكمة مقصودة وهي عبادة الله تعالى بما يشرع لعباده من العبادات القلبية والقولية والفعلية ظن الذين كفروا من كفار مكة وغيرهم. ثم توعدهم تعالى على كفرهم وظنهم الخاطئ الذي نتج عنه كفرهم وعصيانهم فقال ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أي ويل للذين كفروا من واد في جهنم بعيد الغور كريه الريح. وقوله تعالى في الآية (٢٨) ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ هذا أولاً ردٌ لما زعمه المشركون من أنهم يعطون في الآخرة من النعيم مثل ما يعطى المؤمنون, وثانيا ينفي تعالى أن يسوى بين من آمن به واتبع هداه فأطاعه في الأمر والنهي, وبين من أفسد في الأرض بالشرك والمعاصي كما نفى أن يجعل المتقين الذين آمنوا واتقوا فتركوا الشرك والمعاصي كالفجار الذين فجروا أي خرجوا عن طاعة الله ورسوله فلم يؤمنوا ولم يوحدوا فعاشوا كفاراً فجاراً وماتوا على ذلك. أي

стр. 2463

فحاشا لله رب العالمين وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين أن يسوي بين أهل الإيمان والتقوى وبين أهل الشرك والمعاصي بل ينعم الأولين في دار النعيم، ويعذب الآخرين في سواء الجحيم وقوله تعالى في الآية (٢٩) ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي هذا كتاب مبارك أنزلناه على رسولنا (١) ليدبروا آياته بمعنى يتأملوها ويترووها بعقولهم فيحصلوا على هداية القلوب والعقول فيؤمنوا بالله ويعملوا بطاعته فينجوا ويسعدوا. وليذكر أولوا (٢) الألباب أي وليتعظ بمواعظه وينزجر بزواجره أولو الألباب أي العقول السليمة ووصف الكتاب وهو القرآن بالبركة هو كما أخبر الله لا تفارق القرآن البركة وهي الخير الدائم فكل من قرأه متدبراً عرف الهدى ومن قرأه تقرباً حصل على القرب وفاز به ومن قرأه حاكماً عدل في حكمه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الحكم بالعدل على كل من حكم ولا عدل في غير الشرع الإلهي. ٢- حرمة اتباع الهوى لما يفضي إليه بالعبد إلى الهلاك والخسار. ٣- تقرير البعث والجزاء. ٤- إبطال ظن من يظن أن الحياة الدنيا خلقت عبثاً وباطلا. ٥- تنزيه الرب تعالى عن العبث والظلم. ٦- فضيلة العقول لمن استعملها في التدبر والتذكر. ٧- بركة (٣) القرآن لا تفارقه أبداً وما طلبها أحد إلا وجدها. وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)

стр. 2464

شرح الكلمات: ووهبنا لداود سليمان: أي ومن جملة هباتنا لداود الأواب أن وهبنا له سليمان ابنه. نعم العبد إنه أواب: أي سليمان رجاع إلى ربه بالتوبة والإنابة. الصافنات الجياد: أي الخيل الصافنات أي القائمة على ثلاث الجياد أي السوابق. حب الخير: أي حب الخيل عن ذكر ربي وهي صلاة العصر لانشغاله باستعراض الخيل للجهاد. حتى توارت بالحجاب: أي استترت الشمس في الأفق وتغطت عن أعين الناظرين. ردوها علي: أي ردوا الخيل التي استعرضتها آنفا فشغلتني عن ذكر ربي. فطفق مسحا بالسوق: أي فأخذ يمسح بسوق تلك الخيل وأعناقها. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر إفضال الله على داود (١) حيث قال ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ فذكر تعالى أنه وهبه سليمان وأثنى على سليمان بأنه نعم العبد لله، وعلل لتلك الأفضلية بقوله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (٢) ﴾ أي كثير الأوبة إلى الله تعالى، وهي الرجوع إلى الله بذكره واستغفاره عند الغفلة والنسيان العارض للعبد، وأشار تعالى إلى ذلك بقوله ﴿إِذْ عُرِضَ (٣) عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ (٤) الْجِيَادُ﴾ أي الخيل القوية على السير التي إذا وقفت تأبى أن تقف على أربع كالحمير بل تقف على ثلاث وترفع الرابعة، والجياد هي السريعة العدو، وهذا العرض كان استعراضاً منه لها إعداداً لغزو أراده فاستعرض خيله فانشغل بذلك عن صلاة العصر فلم يشعر إلا وقد غربت الشمس وهو معنى قوله تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ أي استترت الشمس ﴿بِالْحِجَابِ﴾ أي بالأفق الذي حجبها عن أعين الناظرين. فندم لذلك وقال ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي الخيل ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ وصلى العصر، ثم عاد إلى إكمال الاستعراض فردها رجاله عليه فجعل يمسح بيده (٥) سوقها وأعناقها حتى أكمل استعراضها هذا وجه الأوبة التي وصف بها سليمان ﵇ في قوله تعالى ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ .

стр. 2465

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الولد الصالح هبة إلهية لوالده فليشكر الله تعالى من وهب ذلك. ٢- الثناء على العبد بالتوبة الفورية التي تعقب الذنب مباشرة. ٣- جواز استعراض الحاكم القائد قواته تفقداً لها لما قد يحدثه فيها. ٤- إطلاق لفظ الخير على الخيل فيه تقرير أن الخيل إذا ربطت في سبيل الله كان طعامها وشرابها حسنات لمن ربطها في سبيل الله كما في الحديث الصحيح "الخيل لثلاث ... ". ٥- ربط الطائرات النفاثة في الحظائر اليوم والمدرعات وإعدادها للقتال في سبيل الله حل محل ربط الجياد من الخيل في سبيل الله. وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) شرح الكلمات: ولقد فتنا سليمان: أي ابتليناه. وألقينا على كرسيه جسداً: أي شق ولد ميت لا روح فيه. ثم أناب: أي رجع إلى ربه وتاب إليه من عدم استثنائه في يمينه. وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي: أي أعطني ملكاً لا يكون لسواي من الناس. فسخرنا له الريح: أي استجبنا له فسخرنا له الريح تجري بأمره.

стр. 2466

رخاء حيث أصاب: أي لينة حيث أراد. والشياطين كل بناء وغواص: أي وسخرنا له الشياطين من الجن منهم البناء ومنهم الغواص في البحر. مقرنين في الأصفاد: أي مشدودين في الأصفاد أيديهم إلى أعناقهم في السجون المظلمة وذلك إذا تمردوا وعصوا أمراً من أوامره. هذا عطاؤنا: أي وقلنا له هذا عطاؤنا. فامنن أو أمسك: أي أعط من شئت وما شئت وامنع كذلك. بغير حساب: أي منّا لك. وإن له عندنا لزلفى: أي وإن لسليمان عندنا لقربة يوم القيامة. وحسن مآب: أي مرجع في الجنة في الدرجات العلا. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر إنعام الله على آل داود فقد أخبر تعالى هنا عما منّ به على سليمان فأخبر تعالى أنه ابتلاه كما ابتلى أباه داود وتاب سليمان كما تاب داود ولم يسقط ذلك من علو منزلتهما وشرف مقامهما قال تعالى في الآية (٣٤) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ (١) ﴾ أي ابتليناه، وذلك أنه كما أخبر رسول الله ﷺ في الصحيح أنه قال لأطأن الليلة مائة جارية (٢) تلد كل جارية ولداً يصبح فارساً يقاتل ي سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله أي لم يستثن ووطئ نساءه في تلك الليلة فعوقب لعدم استثنائه فلم يلدن إلا واحدة جاءت بولد مشلول بالشلل النصفي فلما وضعته أمه أتوا به إلى سليمان ووضعوه على كرسيه. وهو معنى قوله تعالى ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمان إلى ربه فاستغفر وتاب فتاب الله عليه وقال ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي (٣) لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي لا يكون مثله لسواي من الناس وتوسل إلى الله في قبول دعائه بقوله ﴿إِنَّكَ أَنْتَ

стр. 2467

الْوَهَّابُ﴾ فاستجاب الله تعالى له فسخر له الريح تجري بأمره حيث يريدها لأنها تحمل بساطه أو سفينته الهوائية التي غدوها شهر ورواحها شهر رخاء أي ليّنة حيث أصاب أي أراد، كما سخر له شياطين الجن منهم البناء الذي يقوم بالبناء للدور والمصانع ومنهم الغواص في أعماق البحر لاستخراج اللآلي، ومنهم من إذا عصاه وتمرد عليه جمع يديه إلى عنقه بصفد ووضعه تحت الأرض. هذا ما جاء في قول الله تعالى ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (١) ﴾ وقوله تعالى ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي أعطيناه ما طلب منا وقلنا له هذا عطاؤنا لك فامنن أي أعط ما شئت لمن شئت وامنع ما شئت عمن شئت بغير حساب منا عليك. وفوق هذا وإن لك عندنا يوم القيامة للقربة وحسن المرجع وهو قوله تعالى ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير قول بعضهم حسنات الأبرار سيئات المقربين إذ عدم الاستثناء في قوله لأطأن الليلة مائة جارية الحديث عوقب به فلم تلد امرأة من المائة إلا واحدة وولدت طفلاً مشلولاً، وعوقب به نبينا ﷺ فانقطع عنه الوحي نصف شهر وأكربه ذلك لأنه لم يستثن عندما سئل عن ثلاث مسائل وقال غدا أجيبكم. ٢- مشروعية التوبة من كل ذنب صغيراً كان أو كبيرا. ٣- مشروعية التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى. ٤- بيان إنعام الله تعالى على عبده سليمان. ٥- بيان تسخير الله تعالى لسليمان الريح والجن وهذا لم يكن لأحد غيره من الناس. وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)

стр. 2468

شرح الكلمات: واذكر عبدنا أيوب: أي اذكر يا نبينا محمد ﷺ عبدنا أيوب بن عيصو بن إسحق بن إبراهيم. بنصب وعذاب: أي بضر وألم شديد نسب هذا للشيطان لكونه سببا وتأدبا مع الله تعالى. اركض برجلك: أي اضرب برجلك الأرض تنبع عين ماء. هذا مغتسل بارد وشراب: أي وقلنا له هذا ماء بارد تغتسل منه، وتشرب فتشفى. ضغثا: أي حزمة من حشيش يابس. ولا تحنث: بترك ضربها. نعم العبد: أي أيوب ﵇. إنه أواب: أي رجاع إلى الله تعالى. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر قصص الأنبياء ليثبت به فؤاد نبيّه محمد ﷺ فقال تعالى له ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا (١) أَيُّوبَ﴾ وهو أيوب بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈ ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي دعاه قائلاً ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ (٢) وَعَذَابٍ﴾ (٣) أي ألم شديد، وذلك بعد مرض شديد دام مدة تزيد على كذا سنة وقال في ضراعة أخرى ذكرت في سورة الأنبياء ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ قال تعالى ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ وقوله ﴿ارْكُضْ (٤) بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ أي لما أراد الله كشف الضر عنه قال له اركض برجلك أي اضرب برجلك الأرض ينبع منها ماءٌ فاشرب (٥) منه واغتسل تشف ففعل فشفي كأن لم

стр. 2469

يكن به ضر البتة. وقوله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا (١) لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ أي عوضه الله تعالى عما فقد من أهل وولد، وقوله ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي كان ذلك التعويض لأيوب ﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي عبرة لأولي القلوب الحية الواعية يعلمون بها أن الله قد يبتلي أحب عباده إليه ليرفعه بذلك درجات عالية ما كان ليصل إليها دون ابتلاء في ذات الله والصبر عليه. وقوله ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ (٢) ضِغْثاً﴾ أي قلنا له خذ بيدك ضغثا أي حزمة من حشيش يابس واضرب به امرأتك ضربة واحدة إذ في الحزمة مائة عود وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة جلدة لما حصل منها من تقصير في يوم من أيام حياتهما، فأفتاه ربه تعال بما ذكر في هذه الآية. وقوله تعالى ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ (٣) صَابِراً﴾ أي قد اختبرناه بالمرض وفقد الأهل والمال والولد فوجدناه صابراً، وبذلك أثنى عليه بقوله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أي أيوب ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ رجاع إلى ربه في كل أمره لا يعرف إلا الله. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير نبوة محمد ﷺ من طريق هذا القصص الذي لا يتأتى إلا بالوحي الإلهي. ٢- قد يبتلي الله تعالى من يحبه من عباده ليزيد في علو مقامه ورفعة شأنه. ٣- فضل الصبر وعاقبته الحميدة في الدنيا والآخرة. ٤- مشروعية الفتيا وهي خاصة بأهل الفقه والعلم. ٥- وجوب الكفارة على من حنث في يمينه. وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ

стр. 2470

إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) شرح الكلمات: واذكر عبادنا: أي اذكر صبرهم على ما أصابهم فإن لك فيه أسوة. أولي الأيدي: أي أصحاب القوى في العبادة. والأبصار: أي البصائر في الدين بمعرفة الأسرار والحكم. بخالصة: أي هي ذكر الدار الآخرة والعمل لها. لمن المصطفين الأخيار: أي من المختارين الأخيار جمع خيّر. هذا ذكر: أي لهم بالثناء الحسن الجميل هنا في الدنيا. وإن للمتقين: أي هم وغيرهم من سائر المؤمنين والمؤمنات. لحسن مآب: أي مرجع أي عندما يرجعون إلى ربهم بالوفاة. متكئين فيها: أي على الأرائك. يدعون فيها بكل فاكهة: أي يطالبون فيها بفاكهة وذكر الفاكهة دون الطعام والشراب إيذاناً بأن طعامهم وشرابهم لمجرد التلذذ لا للتغذية كما في الدنيا. قاصرات الطرف: أي حابسات العيون على الأزواج فلا ينظرون إلى غيرهم. أتراب: أي أسنانهن متساوية وهي ثلاث وثلاثون سنة. ماله من نفاد: أي ليس له انقطاع أبداً. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر الأنبياء وما أكرموا به على صبرهم ليكون ذلك مثبتا للنبي ﷺ على دعوته والصبر عليها والتحمل في سبيل الوصول بها إلى غاياتها فقال تعالى له ﴿وَاذْكُرْ﴾ أي يا نبينا

стр. 2471

﴿عِبَادَنَا﴾ لتتأسى بهم وهم ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ (١) ﴾ ولد و ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ حفيده ﴿أُولِي﴾ أي أصحاب ﴿الْأَيْدِي (٢) ﴾ أي القوى في العبادة والطاعة ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ أي أبصار القلوب وذلك بالفقه في الدين ومعرفة أسرار التشريع، وقوله تعالى ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ أي خصصناهم ﴿بِخَالِصَةٍ (٣) ﴾ أي بخاصة امتازوا بها هي ذكر الدار أي الدار الآخرة بالعمل لها والدعوة إليها بالإيمان والتقوى، وقوله ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ أي المختارين ﴿الْأَخْيَارِ﴾ جمع خيّر (٤) وهو المطبوع على الخير وقوله ﴿وَاذْكُرْ﴾ أي نبينا للائتساء ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾ وقوله ﴿وَكُلٌّ﴾ أي من داود ومن ذكر بعده من الأنبياء كانوا من الأخيار، وقوله ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أي لهم بالثناء الحسن لهم في الدنيا، ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥) هم وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي مرجع وهو الجنة حيث يرجعون إلى الله تعالى بعد الموت، وفسر ذلك المرجع بقوله تعالى ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي إقامة ﴿مُفَتَّحَةً (٦) لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ أي على الأرائك الأسرة بالحجلة، ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ أي يطالبون فيها ﴿بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ ولم يذكر الطعام إشارة إلى أن مآكلهم ومشاربهم لمجرد التلذذ لا للتغذي بها كما في الدنيا، وقوله ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ يخبر تعالى أن لأولئك المتقين في الجنة قاصرات الطرف أي نساء قاصرات الطرف حابسات له على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم من الأزواج وقوله ﴿أَتْرَابٌ﴾ أي في سن واحدة وهي ثلاث وثلاثون سنة. وقوله ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي يقال لهم هذا ما توعدون ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي هذا المذكور من النعيم هو ما يعدكم به ربكم يوم القيامة. وقوله ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ أي ليس له انقطاع ولا فناء. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فضيلة القوة في العبادة والبصيرة في الدين وفي الحديث (٧) "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير". ٢- فضل ذكر الدار الآخرة وتذكرها دائماً لأنها تساعد (٨) على الطاعة.

стр. 2472

٣- فضل التقوى وأهلها وبيان ما اعد لهم يوم الحساب. ٤- نعيم الآخرة لا ينفد كأهلها لا يموتون ولا يهرمون. ٥- فضيلة الائتساء بالصالحين والاقتداء في الخير بهم وهم أولوا القوة في العبادة والبصيرة في الدين. هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) شرح الكلمات: هذا: المذكور للمتقين. وإن للطاغين: أي الذين طغوا في الكفر والشر والفساد. لشر مآب: أي جهنم يصلونها. فبئس المهاد: أي الفراش الذي مهدوه لأنفسهم في الدنيا بالشرك والمعاصي. هذا فليذوه: أي العذاب المفهوم مما بعده فليذوقوه. حميم: أي ماء حار محرق. وغساق: أي قيح وصديد يسيل من لحوم وفروج الزناة في النار. وآخر من شكله أزواج: أي وعذاب آخر كالحميم والغساق أصناف.

стр. 2473

هذا فوج مقتحم معكم: أي يقال لهم عند دخولهم النار هذا فوج مقتحم معكم. لا مرحبا بهم: أي لا سعة عليهم ولا راحة لهم إنهم صالوا النار. قالوا: أي الأتباع للطاغين: بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا. قالوا ربنا من قدم لنا هذا: أي الأتباع أي من كان سببا في عذابنا هذا في جهنم فزده عذابا. وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً: أي قال الطاغون وهم في النار ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار في الدنيا يعنون فقراء المسلمين كبلال وعمار وصهيب. أتخذناهم سخرياً: أي كنا نسخر منهم في الدنيا. أم زاغت عنهم الأبصار: أي أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار؟ فلم نرهم. إن ذلك لحق تخاصم أهل النار: أي إن ذلك المذكور لأهل النار لحق ثابت وهو تخاصم أهل النار. معنى الآيات: بعد ذكر نعيم أهل الإيمان والتقوى ناسب ذكر شقاء أهل الكفر والفجور وهو أسلوب الترهيب والترغيب الذي امتاز به القرآن الكريم في هداية العباد. فقال تعالى ﴿هَذَا (١) ﴾ أي ما تقدم ذكره من نعيم أهل السعادة ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم المشركون الظلمة كأبي جهل وعتبة بن معيط والعاص بن وائل ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أي لأسوأ مرجع وأقبحه وهو ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢) ﴾ هي يمهدها الظالمون لأنفسهم. وقوله تعالى ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أي هذا حميم وغساق (٣) فليذوقوه والحميم الماء الحار المحرق والغساق ما سال من جلود ولحوم وفروج الزناة من أهل النار كالقيح والصديد وقوله ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ (٤) ﴾ أي وعذاب آخر من شكل الأول ﴿أَزْوَاجٌ﴾ أي أصناف عديدة وقوله تعالى ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي يقال (٥) عند دخولهم النار هذا فوج أي فريق مقتحم معكم في النار، فيقول الطاغون ﴿لا مَرْحَباً (٦) بِهِمْ﴾ أي لا سعة ولا راحة لهم ﴿إِنَّهُمْ صَالُو

стр. 2474

النَّارِ﴾ أي داخلوها محترقون بحرها ولهبها، فيرد الأتباع عليهم قائلين: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً (١) بِكُمْ﴾ أي لا سعة ولا راحة ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ إذ كنتم تأمروننا بالشرك والكفر والفجور قال تعالى ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أي الذي انتهى إليه الطاغون وأتباعهم في النار، وقالوا أيضا ما أخبر تعالى به عنهم في قوله ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ أي العذاب ﴿فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ﴾ أي يا ربنا ضاعف لهم العذاب مرتين لأنهم هم الذين قدموه لنا يوم كانوا يدعوننا إلى الشرك والباطل ويحضوننا عليه. وقوله تعالى ﴿وَقَالُوا﴾ أي الطغاة ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ (٢) بيننا ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ (٣) في الدنيا ﴿سِخْرِيّاً﴾ (٤) نسخر منهم يعنون فقراء المسلمين كبلال وعمّار وصهيب وخبيب، أمفقودون هم ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ﴾ أبصارنا فلم نرهم، قال تعالى ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أي إن ذلك الكلام الذي دار بين أهل النار حق وصدق هو تخاصم أهل النار فاسمعوه أيها المشركون اليوم آيات تتلى وغدا يوم الحساب حقائق تشاهدوه وغصص تتجرع وحسرات تمزق الأكباد والقلوب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- ذم الطغيان وهو مجاوزة الحد في الظلم والكفر وبيان جزاء أهله ويوم القيامة. ٢- بيان ما يجري من خصام بين أهل النار للعظة والاعتبار. ٣- شكوى الأتباع ممن اتبعوهم في الضلال ومطالبتهم بمضاعفة العذاب لهم. ٤- تذكر أهل النار فقراء المسلمين الذين كانوا يعدونهم متخلفين ورجعيين لأنهم كانوا لا يأتون الفجور والشرور مثلهم.

стр. 2475

قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) شرح الكلمات: قل: أي يا رسولنا لمشركي قومك أي مخوفاً من عذاب الله. وما من إله إلا الله الواحد القهار: أي وليس هناك من إله قط إلا الله الواحد القهار. العزيز الغفار: أي الغالب الذي لا يمانع في مراده الغفار للتأئبين من عباده. قل هو نبأ عظيم: أي قل يا رسولنا لكفار مكة القرآن نبأ عظيم وخبر جسيم. أنتم عنه معرضون: لا ترغبون في سماعه ولا في تدبر معانيه. بالملأ الأعلى: أي بالملائكة عندما شووِروا في خلق آدم. إذ قال ربك للملائكة: أي اذكر لهم تدليلا على أنه يوحى إليك القرآن إذ قال ربك للملائكة. خالق بشرا من طين: أي خالق آدم من مادة الطين وقيل فيه بشر لبدوّ بشرته. من روحي: الروح جسم لطيف يسري في الجسم سريان النار في الفحم أو الماء في الشجر أو الكهرباء في الأسلاك. إلا إبليس: أي لم يسجد. استكبر: عن السجود لآدم كبراً وحسداً له.

стр. 2476

معنى الآيات: بعد كل ذلك العرض للقصص ولما في الجنة والنار وما تقرر به من التوحيد والنبوة والبعث والجزاء أمر تعالى رسوله أن يقول لمشركي قريش ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ (١) ﴾ أي مخوف من عذاب الله الواجب لكل من كفر به وكذب بآياته ولقائه وترك عبادته وعبد الشيطان عدوه، كما أخبركم مقررا أنه ليس هناك من إله قط إلا الله الواحد في ذاته وصفاته وربوبيته وعبادته القهار لكل قاهر والجبار لكل جبار رب السموات والأرض وما بينهما أي مالك لها متصرف فيها دون شريك له في ذلك. العزيز الانتقام ممن كفر به وعصاه الغفار لمن أناب إليه واتبع هداه. وقوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أي يأمر تعالى رسوله أن يقول للمشركين من أهل مكة هو أي (٢) القرآن وما حواه من تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء وعرض القصص والأحداث ووصف الجنة والنار نبأ عظيم أي خبر ذو شأن عظيم أنتم عنه معرضون تأبون سماعه والإيمان به والاهتداء بهديه. بدعوى أني اختلقته وافتريته وهي حجة داحضة وأدلتكم في ذلك واهية. كيف يكون ما أتلوه عليكم من القرآن افتراء مني عليكم وعلى الله ربي وربكم، وإنه ما كان لي (٣) من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون (٤) عندما قال الله للملائكة ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ وقال ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقال الملائكة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كيف عرفت أنا هذا وحدثت به لو لم يكن وحياً من الله أوحاه إليّ. يا قوم إنه ما يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين أي

стр. 2477

بين النذارة. فلم يوح إليّ الأمر بالتسلط عليكم وأخذكم بالشدة لأستعبدكم وتكونوا خولا لي وخدماً لا، لا. إنما يوحى إليّ لتقرير حقيقة واحدة وهي أني نذير لكم ولغيركم من عذاب الله المعدّ لمن كفر به وأشرك في عبادته، وفسق عن طاعته. وقوله تعالى في الآية (٧١) ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ هو آدم ﵇ ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ فحيى وصار بشراً سوياً ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ أي خروا على الأرض ساجدين له طاعة لأمرنا وتحيّة لعبدنا، ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ سواء من كان منهم في السموات أو في الأرض ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استكبر عن السجود لآدم لزعمه الكاذب أنه خير منه لكونه من النار وآدم من طين، ولحسده أيضاً حيث فضله وفُضّل عليه، وكان بذلك الكبر والحسد من الكافرين إذ جحد معلوماً من طاعة الله بالضرورة وكيف وهو يتلقى الخطاب من الله تعالى بلا واسطة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير التوحيد بأدلته. ٢- تقرير النبوة والوحي بشواهده من نبأ الملأ الأعلى. ٣- عداوة إبليس لآدم وأن الحامل عليها الحسد والكبر وهما من شر صفات العبد. ٤- تقرير أن من القياس ما هو شر وباطل كقياس إبليس إذ قاس النار على التراب فرأى أن النار أفضل فهلك بذلك، إذ التراب أفضل، النار تحرق والتراب يحيي، وشتان ما بين الموت والحياة. قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ

стр. 2478

لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) شرح الكلمات: لما خلقت بيدي: أي للذي خلقته بيدي وهو آدم فدل ذلك على شرفه. أستكبرت أم كنت من العالين: أستكبرت الآن أم كنت من قبل من العالين المتكبرين والاستفهام للتوبيخ والتقريع لإبليس. فاخرج منها: أي من الجنة. فإنك رجيم: أي مرجوم مطرود. وأن عليك لعنتي إلى يوم الدين: أي طرده من الجنة وألحقه لعنة وهي الطرد من الرحمة إلى يوم الدين أي الجزاء وهو يوم القيامة. قال رب فأنظرني: أي أخر موتي وأبق عليّ حيّا إلى يوم يبعثون أي الناس. إلى يوم الوقت المعلوم: أي إلى النفخة الأولى وهي نفخة الموت والفناء. إلا عبادك منهم المخلصين: أي الذين استخلصهم للإيمان بك وعبادتك ومجاورتك في الجنة. قل ما أسألكم عليه من أجر: لا أسألكم على البلاغ أجراً تعطونه لي. وما أنا من المتكلفين: أي المتقولين القرآن وما أنذركم به من تلقاء نفسي. إن هو إلا ذكر للعالمين: أي ما أتلوه من القرآن وما أقوله من الهدى إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين: أي ولتعلمن أيها المكذبون نبأ القرآن الذي أنبأ به من الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين بعد حين.

стр. 2479

معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر ما دار بين الرب تعالى وعدوه إبليس من حديث في الملأ الأعلى إذ قال تعالى بعد أن امتنع إبليس من السجود لآدم ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ (١) أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (٢) ﴾ أي أيُّ شيء جعلك تمتنع من السجود لآدم وقد أمرتك بذلك ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ أي الآن ﴿أَمْ كُنْتَ﴾ من قبل ﴿مِن (٣) َ الْعَالِينَ﴾ أي المستكبرين، وهذا الاستفهام من الله تعالى توبيخ لإبليس وتقريع له. وأجابه إبليس بما أخبر تعالى به عنه في قوله ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ فاستعمل اللعين القياس الفاسد المردود عند أرباب العقول، إذ النار لم تكن أبداً خيرا من الطين، النار تحرق ونهايتها رماد، والطين لا يحرق ومنه سائر أنواع المغذيات التي بها الحياة الحبوب والثمار والفواكه والخضر واللحوم وحسبه أنه أصل الإنسان ومادة خلقته. فأيّ شرف للنّار أعظم لو كان اللعين يعقل. وهنا قال تعالى له ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي من الجنة ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أي مطرد مبعد لا ينبغي أن تبقى في رحمة الله، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ لا تفارقك على مدى الحياة وهي بُعد من رحمتي طوال الحياة. وهنا قال اللعين لما آيس من الرحمة ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ أي أبق عليّ حياً لا تمتني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ حتى يتمكن من إغواء بني آدم، ولا يموت إذا ماتوا في النفخة الأولى فلا يذوق هو الموت وعلم الله ما أضمره في نفسه فرد عليه بقوله ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أي الممهلين المبقى على حياتهم ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ وهو النفخة الأولى حتى يموت مع سائر الخلائق ولما علم اللعين أنه أنظر قال في صفاقة وجه ووقاحة قول مقسماً بعزة الله ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ فاستثنى اللعين عباد الله المؤمنين المتقين الذين استخلصهم الله لطاعته وجواره في دار كرامته. وهنا قال تعالى رداً على اللعين ﴿قَالَ (٤) فَالْحَقُّ﴾ أي أنا الحق ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ أي من الإنس والجن أجمعين. وإلى هنا انتهى ما دار من خصومة في الملأ الأعلى، وكيف عرف محمد ﷺ هذا وأخبر به لولا أنه

стр. 2480

وحي يوحى إليه. وهنا قال تعالى لرسوله قل لقومك المكذبين برسالتك ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على البلاغ ﴿مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (١) ﴾ الذين يتقولون على الله ويقولون ما لم يقل ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ من الإنس والجن يذكرون به فيؤمنون ويهتدون ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ أي ولتعرفن صدق ما أخبر به من وعد ووعيد وصلاحية ما تضمنه من تشريع بعد حين، وقد عرف بعضهم ذلك يوم بدر، ويوم الفتح، ويوم مؤتة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- ذم الكبر والحسد وحرمتهما وبيان جزائهما. ٢- مشروعية القياس إن كان قياساً صحيحاً، وبيان أخطار القياس الفاسد. ٣- مشروعية القسم بالله وبصفاته وأسمائه. ٤- بيان أن من كتب الله سعادتهم لا يقوى الشيطان على إغوائهم وإضلالهم. ٥- لا يجوز أخذ الأجرة على بيان الحق والدين. ٦- ذم التكلّف (١) المفضي إلى الكذب والتقول على الله والرسول والمؤمنين. ٧- ظهر مصداق ما أخبر به القرآن بعد حين قصير وطويل.

стр. 2481

سورة الزمر (١) مكية وآياتها خمس وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) شرح الكلمات: تنزيل الكتاب: أي القرآن من الله. العزيز الحكيم: أي العزيز في مُلكه وانتقامه الحكيم في صنعه وتدبير خلقه. مخلصاً له الدين: أي مفرداً إياه بالعبادة فلا تشرك بعبادته أحداً. لله الدين الخالص: أي له وحده خالص العبادة لا يشاركه في ذلك أحد سواه. أولياء: أي شركاء وهي الأصنام. ليقربونا إلى الله زلفى: تقريباً وتشفع لنا عند الله. من هو كاذب كفار: أي كاذب على الله كفار بعبادته غير الله تعالى. سبحانه: أي تنزيهاً له عن الولد والشريك.

стр. 2482

هو الله الواحد القهار: أي المعبود الحق الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه القهار لخلقه. معنى الآيات: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ (١) مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ يخبر تعالى أن تنزيل القرآن كان منه وهو العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبير خلقه. ولم يكن عن غيره بحال من الأحوال وقوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (٢) يخبر تعالى رسوله بقوله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ (٣) ﴾ أي القرآن العظيم ﴿بِالْحَقِّ﴾ في كل ما جاء فيه ودعا إليه من العقائد والعبادات والأحكام وعليه ﴿فَاعْبُدِ (٤) اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ أي العبادة فلا تعبد معه غيره فإن العبادة لا تصلح لغيره أبداً ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ (٥) ﴾ أي شركاء يعبدونهم ويقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ أي تقريبا ويشفعوا لنا عند الله في قضاء حوائجنا هؤلاء يحكم الله بينهم في ما هم فيه مختلفون مع المؤمنين الموحدين وذلك يوم القيامة وسيجزي بعدله كلا بما يستحقه من إنعام وتكريم أو شقاء وتعذيب. وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ يخبر تعالى بحرمان أناس من هدايته وهم الذين توغلوا في الفساد فكذبوا على الله تعالى وعلى عباده وأصبح الكذب وصفاً لازماً لهم، وكفروا وبالغوا في الكفر بالله وآياته ورسوله ولقائه فأصبح الكفر وصفاً ثابتاً لهم، إذ هذه سنته في حرمان العبد من الهداية ليمضي فيه حكم الله بإشقائه وتعذيبه يوم القيامة. وقوله تعالى ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ كما يزعم المشركون الذين قالوا الملائكة بنات الله، وكما قال النصارى المسيح ابن الله، وكما قال اليهود عزير ابن الله، ولو أراد الله أن يكون له ولد لاصطفى واختار مما يخلق ما يشاء، ولا يتركهم ينسبون إليه الولد افتراء عليه وكذباً، ولكنه تعالى منزه عن صفات المحدثين وافتقار المخلوقين إذ هو الله ذو الألوهية على سائر خلقه الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه وحكمه القهار لسائر خلقه فسبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.

стр. 2483

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير النبوة المحمدية. ٢- تقرير التوحيد. ٣- بطلان الشرك والتنديد بالمشركين. ٤- تقرير البعث والجزاء يوم القيامة. خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) شرح الكلمات: خلق السموات والأرض بالحق: أي من أجل أن يذكر ويشكر لا من أجل اللهو والعبث. يكور الليل على النهار: أي يدخل أحدهما في الآخر فإذا جاء الليل ذهب النهار والعكس كذلك.

стр. 2484

وسخر الشمس والقمر: أي ذللهما فلا يزالان يدوران في فلكيهما إلى نهاية الحياة وبدورتهما تتم مصالح سكان الأرض. خلقكم من نفس واحدة: هي آدم ﵇. ثم جعل منها زوجها: هي حواء خلقها الله تعالى من ضلع آدم الأيسر. وأنزل لكم من الأنعام: أي أنزل المطر فأنبت العشب فخلق الأنعام فهذا وجه لإنزالها. ثمانية أزواج: أي من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين. يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق: أي أطواراً طوراً بعد طورٍ نطفة فعلقة فمضغة. في ظلمات ثلاث: أي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة. ولا تزر وازرة وزر أخرى: أي لا تحمل نفس ذات وزر وزرَ نفس أخرى. إنه عليم بذات الصدور: أي ما يخفيه المرء في صدره وما يسره في ضميره. معنى الآيات: هذه الآيات الكريمة في تقرير التوحيد بذكر الأدلة والبراهين التي لا تدع للشك مجالاً في نفوس العقلاء فقال تعالى في الآية (٥) ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ (١) وَالْأَرْضَ﴾ أي أوجدهما خلقاً على غير مثال سابق وخلقهما بالحق لغايات سامية شريفة وليس للباطل والعبث ومن تلك الغايات أن يعبد فيها فيذكر ويشكر. وقوله ﴿يُكَوِّرُ (٢) اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي يغشي هذا هذا فيغطيه به ويستره كأنما لفّه عليه وغشاه به وهذا برهان ثان فالأول برهان الخلق للسموات والأرض وبرهان ثالث في قوله ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ (٣) مُسَمّىً﴾ يدوران في فلكيهما إلى قيام الساعة وفي ذلك من الفوائد والمصالح للعباد ما لا يقادر قدره من ذلك معرفة عدد السنين والحساب. وقوله ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٤) ﴾ إعلان وتنبيه بأنه تعالى عزيز في بطشه وانتقامه من أعدائه غفّار لعباده التائبين إليه. وقوله تعالى في الآية (٦) ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي آدم ﵇ فقد صح أنه

стр. 2485

لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ذرّيته وأشهدهم على أنفسهم، ولهذا جاء العطف بثم إذ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي بعد أن مسح على ظهر آدم وأخرج ذرّيته من ظهره وأشهدهم على أنفسهم خلق حواء من ضلعه الأيسر، وهذا برهان وآخر في قوله ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ضأن وماعز وهي ذكر وأنثى فالذكر زوج والأنثى زوج فهي ثمانية أزواج وجائز أن يكون أصل هذه الأنعام قد أنزله من السماء كما أنزل آدم وحواء من السماء، (١) وجائز أن يكون أنزل الماء فنبت العشب وتكونت هذه الأنعام من ذلك فالأصل الإنزال من السماء وتدرج الخلق كان في الأرض. وبرهان رابع في قوله ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ (٢) خَلْقٍ﴾ أي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم نكسوا العظام لحماً فإذا هو إنسان كامل وقوله ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ هي ظلمة بطن الأم، ثم ظلمة الرحم، ثم ظلمة المشيمة، وهي غشاء يكون للولد وفي الحيوان يقال له السَّلي وقوله بعد ذكر هذه البراهين قال ﴿ذَلِكُمُ اللهُ (٣) رَبُّكُمْ﴾ أي خالقكم ومعبودكم الحق ﴿لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي لا معبود إلا هو غذ لا تصلح العبادة إلا له ﴿فَأَنَّى (٤) تُصْرَفُونَ﴾ أي كيف تصرفون عن الحق إلى الباطل، وعن الهدى إلى الضلال إن أمركم عجبٌ. وقوله في الآية (٧) ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أي بعد أن بين بالأدلة القاطعة وجوب الإيمان به ووجوب عبادته، وأنه الرب الحق وإله الحق أعلم عباده أن كفرهم به لا يضره أبداً لأنه غنيّ عنهم وعن سائر خلقه إلا أنه لرحمته بعباده لا يرضى لهم الكفر لما يسببه لهم من شقاء وخسران، كما أنهم إن آمنوا وشكروا يرضه لهم فيثيبهم أحسن ثواب ويجزيهم أحسن جزاء. وقوله ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ هذا مظهر من مظاهر عدله بين عباده وهو أن نفسا ذات وزر أي ذنب لا تحمل وزر أي ذنب نفس أخرى بل كل نفس تحمل وزرها وتتحمل تبعته ونتائجه وحدها. وقوله تعالى ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي بعد الموت ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ

стр. 2486

بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي فيخبركم بأعمالكم خفيها وجليها صغيرها وكبيرها ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فضلا عما كان عملاً ظاهرا غير باطن ويجزيكم بذلك الخير بمثله والشر بمثله. فهذا ربكم الحق وإلهكم الصدق فآمنوا به ووحدوه ولا تشركوا به وأطيعوه ولا تعصوه تنجوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة. ولا يهلك على الله إلا هالك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان آيات الله في الكون وإيرادها أدلة على التوحيد. ٢- بيان إفضال الله تعالى على العباد في خلقهم ورزقهم. ٣- بيان أن الكفر أعجب من الإيمان إذ أدلة الإيمان لا تعد كثرة وأما الكفر فلا دليل عليه البتة ومع هذا أكثر الناس كافرون. ٤- بيان غنى الله تعالى عن خلقه وافتقار الخلق إليه. ٥- بيان عدالة الله تعالى يوم القيامة وتقريرها. ٦- بيان إحاطة علم الله بالخلق وعلمه بأفعالهم وأحوالهم ظاهراً وباطناً. وَإِذَا مَسَّ الْإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) شرح الكلمات: وإذا مس الإنسان: الإنسان أي المشرك. ضرّ: أي مرض أو خوف غرق ونحوه من كل مكروه لا يقدر على دفعه.

стр. 2487

دعا ربه منيبا إليه: أي سأل ربه كشف ما أصابه من ضر راجعا إليه معرضاً عمن سواه. إذا خوله نعمة منه: أي أعطاه نعمة منه بأن كشف ما به من ضر. نسي ما كان يدعو إليه من قبل: أي ترك ما كان يتضرع إليه من قبل وهو الله . وجعل لله أنداداً: أي شركاء. ليضل عن سبيله: أي ليضل نفسه وغيره عن الإسلام. قل تمتع بكفرك قليلا: أي قل يا نبينا لهذا الكافر الضال المضل تهديداً تمتع بكفرك بقية أجلك. إنك من أصحاب النار: أي أهلها المتأهلين لها بخبث نفوسهم وظلمة أرواحهم. قانت آناء (١) الليل: أي مطيع لله آناء الليل أي ساعات الليل ساجدا وقائماً في الصلاة. إنما يتذكر أولوا الألباب: أي يتعظ بما يسمع من الآيات أصحاب العقول النيّرة. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد وإبطال التنديد، فقال تعالى مخبراً عن حال المشرك بربه المتخذ له أنداداً يعبدها معه ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإنْسَانَ (٢) ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ أي سأل ربّه راجعا إليه رافعا إليه يديه يا رباه يا رباه سائلا تفريج ما به وكشف ما نزل به ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ (٣) نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ حتى إذا فرّج الله كربه ونجاه، ترك دعاء الله، وأقبل على عبادة غير الله، ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ أي شركاء ﴿لِيُضِلَّ﴾ (٤) نفسه وغيره. وهنا أمر تعالى رسوله أن يقول له نيابة عن الله تعالى قل يا رسولنا لهذا المشرك الكافر تمتع بكفرك قليلاً أي مدة بقية عمرك إنك من أصحاب النار، هكذا هدده ربّه وخوفه بعاقبة أمر الشرك والتنديد لعله ينتهي فيتوب توبة صادقة ويرجع إلى الله رجوعاً حسناً

стр. 2488

جميلا. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٨) أما الآية الثانية (٩) فيقول تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ (١) ﴾ أي مطيع لله ورسوله في أمرهما ونهيهما ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ أي ساعات الليل تراه ساجدً في صلاته أو قائماً يتلوا آيات الله في صلاته، وفي نفس الوقت هو يحذر عذاب الآخرة ويسأل الله تعالى أن يقيه منه، ويرجو رحمة ربّه وهي الجنة أن يجعله الله من أهلها هذا خير أم ذلك الكافر الذي قيل له تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار، والجواب معلوم للعقلاء (٢) وقوله تعالى ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ محاب الله ومكارهه وهم يعملون على الإتيان بمحابّ الله تقرباً إليه، وعلى ترك مكارهه تحبّباً إليه، هل يستوي هؤلاء العاملون مع الذين لا يعلمون ما يحب وما يكره فهم يتخبطون في الضلال تخبط الجاهلين؟ والجواب لا يستوون وإنما يتذكر بمثل هذا التوجيه الإلهي والإرشاد الرباني أصحاب الألباب أي العقول السليمة الراجحة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير التوحيد وإبطال الشرك والتنديد. ٢- الكشف عن داخلية الإنسان قبل أن يؤمن ويُسلم وهو أنه إنسان متناقض لا خير فيه ولا رشد له، فلا يرشد ولا يكمل إلا بالإيمان والتوحيد. ٣- بشرى الضالين عن سبيل الله المضلين عنه بالنار. ٤- مقارنة بين القانت المطيع، والعاصي المضل المبين، وبين العالم والجاهل، وتقرير أفضلية المؤمن المطيع على الكافر العاصي. وأفضلية العالم بالله وبمحابه ومكارهه والجاهل بذلك. ٥- فضل العالم على الجاهل لعمله بعلمه ولولا العمل بالعلم لاستويا في الخسة والانحطاط. قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)

стр. 2489

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) شرح الكلمات: اتقوا ربكم: أي اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية بالإيمان والتقوى. للذين أحسنوا: أي أحسنوا العبادة. حسنة: أي الجنة. أرض الله واسعة: أي فهاجروا فيها لتتمكنوا من عبادة الله إن منعتم منها في دياركم. أمرت: أي أمرني ربي . مخلصاً له الدين: أي مفرداً إياه بالعبادة. أول المسلمين: أي أول من يسلم في هذه الأمة فينقاد لله بعبادته والإخلاص له فيها. عذاب يوم عظيم: أي عذاب يوم القيامة. قل: أي يا رسولنا للمشركين. الله أعبد: أي لا أعبد معه سواه. مخلصا له ديني: أي مفرداً إياه بطاعتي وانقيادي. فاعبدوا ما شئتم: أي إن أبيتم أيها المشركون عبادة الله وحده فاعبدوا ما شئتم من الأوثان فإنكم خاسرون. خسروا أنفسهم: أي فحرموها الجنة وخلدوها في النار. وأهليهم: أي الحور العين اللائي كن لهم في الجنة لو آمنوا واتقوا بفعل الطاعات وترك المنهيات. ظلل من النار: أي دخان ولهب وحر من فوقهم ومن تحتهم.

стр. 2490

ذلك: أي المذكور من عذاب النار. يا عباد فاتقون: أي يا من أنا خالقهم ورازقهم ومالكهم وما يملكون فلذلك اتقون بالإيمان والتقوى. معنى الآيات: لقد تضمنت هذه الآيات الخمس توجيهات وإرشادات ربّانيّة للمؤمنين والرسول ﷺ ففي الآية الأولى (١٠) يأمر تعالى رسوله أن يقول للمؤمنين اتقوا ربكم أي اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية وذلك بطاعته وطاعة رسوله، ويعلمهم معللا أمره إياهم بالتقوى بأن للذين أحسنوا الطاعة المطلوبة منهم الجنة، كما يعلمهم أنهم إذا لم يقدروا على الطاعة بين المشركين فليهاجروا إلى أرض يتمكنون فيها من طاعة الله ورسوله فيقول ﴿وأرض الله واسعة﴾ أي فهاجروا فيها ويشجعهم على الهجرة لأجل الطاعة فيقول ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ (١) ﴾ أي على الاغتراب والهجرة لأجل طاعة الله والرسول ﴿وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بلا كيل ولا وزن ولا عد لأنه فوق ذلك. وفي الآية الثانية (١١) والثالثة (١٢) يأمر تعالى رسوله موجهاً له بأن يقول للناس ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي أمرني ربي أن أعبد الله باعتقاد وقول وفعل ما يأمرني به وترك ما ينهاني عنه من ذلك مخلصاً له الدين، فلا أشرك في دين الله أحداً أي في عبادته أحداً، كما أمرني أن أكون أول المسلمين في هذه الأمة أي أول من يسلم قلبه وجوارحه الظاهرة والباطنة لله تعالى وفي الآيات الرابعة (١٣) والخامسة (١٤) يأمر الله تعالى رسوله أن يقول للمشركين إني أخاف إن عصيت ربي، فرضيت بعبادة غيره وأقررتها عذاب (٢) يوم عظيم كما يأمره أن يقول اللهَ أَعْبدُ أي الله وحده لا شريك له أعبد حال كوني مخلصا له ديني. وأما أنتم أيها المشركون إن أبيتم التوحيد فاعبدوا ما شئتم (٣) من آلهة دونه تعالى ويأمره أن يقول لهم إن الخاسرين بحق ليسوا بأولئك الذين يخسرون دنياهم فيفقدون الدار والبعير أو المال والأهل والولد بل هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم (٤) القيامة، وذلك
следующие страницы →