قال المصنف ﵀:
«القاعدة الخامسة
الصِّفات الثُّبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية. وفعلية:
فالذاتية: هي التي لم يَزل- ولا يزال- مُتَّصفًا بها؛ كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعِزَّة والحكمة والعلو والعَظَمة. ومنها: الصفات الخبرية: كـ (الوجه واليدين والعينين).
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته؛ إن شاء فَعَلها وإن شاء لم يَفعلها؛ كـ (الاستواء على العرش، والنُّزول إلى السَّماء الدنيا).
وقد تكون الصفة ذاتية فِعلية باعتبارين كـ (الكلام)؛ فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل- ولا يزال- متكلِّمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وكل صفة تعلَّقت بمشيئته تعالى، فإنها تابعة لحكمته. وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نَعجز عن إدراكها، لكننا نعلم علم اليقين أنه سبحانه لا يشاء شيئًا إلَّا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾».
стр. 142
الشرح
تنقسم الصفات الثُّبوتية من جهة تعلُّقِها بالله إلى قسمين (١):
القسم الأول: الصفات الذَّاتية.
القسم الثاني: الصِّفات الفعلية.
وكِلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال ربِّ العالمين (٢).
أمَّا القسم الأول: الصفات الذَّاتية- فضابطها: هي التي لا تنفكُّ عن الذَّات (٣). أو: التي لم يَزل- ولا يزال- الله متصفًا بها. أو: الملازمة لذات الله تعالى (٤).
ومنها: (الوجه- اليدين- العينين (٥) - الأصابع- القَدَم- العِلم- الحياة- القدرة- العزة- الحكمة).
القسم الثاني: الصفات الفعلية، وضابطها: هي التي تنفكُّ عن الذَّات. أو: التي تتعلق بالمشيئة والقدرة (٦).
ومنها: (الاستواء- المجيء- الإتيان- النزول- الخلق- الرزق- الإحسان- العدل).
فالفرق بين القسمين:
أنَّ الصفات الذاتية لا تنفكُّ عن الذات، أمَّا الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات على معنى: أنَّ الله إذا شاء لم يفعلها.
ولكن مع ذلك فإنَّ كلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل- ولا يزال- متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان
стр. 143
بجلال الله (١).
وتنقسم الصفات الفعلية من جهة تعلقها بمتعلقها إلى قسمين:
متعدية: وهي ما تعدَّت لمفعولها بلا حرف جرٍّ؛ مثل: (خَلَقَ، ورَزَقَ، وهَدَى، وأَضَلَّ)، ونحوها.
لازمة: وهي ما تتعدى لمفعولها بحرف جر؛ كـ (الإستواء والمجيء والإتيان والنزول)، ونحوها.
وإنَّما قسمت كذلك نظرًا للاستعمال القرآني من جهة، ولكونها في اللغة كذلك (٢)؛ قال ابن القيم: «فأفعاله نوعان: لازمة ومتعدية، كما دلَّت النصوص التي هي أكثر من أن تُحصر على النوعين» (٣)، وقال ﵀: «(المجيء والإتيان والذهاب والهبوط) هذه من أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أنَّ (الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط) أنواع الفعل المتعدي، وهو- سبحانه- موصوف بالنوعين، وقد يجمعهما كقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾» (٤).
فأثبت أهلُ السنة جميع الصفات؛ الذاتية- منها- والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلًا، وأنَّ الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القِدَم، وإن كانت المفعولات مُحدثة (٥).
ويمكن تقسيم الصفات الثبوتية كذلك إلى قسمين (٦):
القسم الأول: الصِّفات اللازمة.
стр. 144
وتعريفها: هي الصفات اللازمة للموصوف لا تُفارقه إلا بعدم ذاته.
أو بعبارة أخرى: هي الصفات التي لا تنفكُّ عن الذات.
وتنقسم إلى قسمين الصفات الذاتية (١):
وهي التي لا يُمكن تصور الذات مع تصور عدمها.
ومنها: (الوجه- اليد- الأصبع- العين- القَدَم).
الصفات المعنوية: وهي ما يُمكن تصور الذات مع تصور عدمها.
ومنها: (الحياة- العلم- القدرة- العزة- العظمة- الكبرياء- الملك- الحكمة- السمع- البصر).
القسم الثاني: الصفات العارضة، أو الصفات الاختيارية:
وتعريفها: هي الصفات التي يُمكن مفارقتها له مع بقاء الذات. أو: الصفات التي تنفكُّ عن الذات. أو: الصفات التي تتعلق بالمشيئة والقدرة.
وهي إمَّا مِنْ باب الأفعال: كـ (الاستواء، والاتيان، والمجيء، والنزول).
وإمَّا من باب الأقوال والكلمات: (التَّكليم والنداء، والمناجاة، والقول).
وإمَّا من باب الأحوال: كـ (الفرح، والغضب، والرِّضا، والضحك) (٢).
فكلُّ ما كان بعد عدمه، فإنَّما يكون بمشيئة الله وقدرته، وهذا ضابط ما يدخل في الصفات الاختيارية (٣).
الصفات الاختيارية:
وضابطها: هي الأمور التي يتصف بها الربُّ ؛ فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته (٤).
والصفات الاختيارية أعمُّ من الصفات الفعلية؛ لأنها تشمل بعض
стр. 145
الصفات الذاتية التي لها تعلق بالمشيئة؛ مثل: (الكلام، السمع، البصر، الإرادة، المحبة، الرضا، الرحمة، الغضب، السخط).
كما أنها- أي: الصفات الاختيارية- تشمل الصفات الفعلية غير الذاتية.
مثل: (الخلق، الإحسان، العدل)، وهذه فعلية متعدية.
ومثل: (الاستواء، المجيء، الإتيان، النزول)، وهذه فعلية لازمة.
فالكلام (صفةُ ذاتٍ وفعلٍ)؛ فهو- سبحانه- يتكلم بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته.
وكلُّ ما كان بعد عدمه- فإنَّما يكون بمشيئة الله وقدرته (١)، وما تعلق بالمشيئة مما يتصف به الرب فهو مِنْ الصفات الاختيارية (٢)، والصفات الصادرة عن الأفعال موصوف بها في القِدَم، ولم تتغير ذاته من أفعاله، ولم يكتسب عن أفعاله صفات كمال، فهو- سبحانه- لم يزل كريمًا خالقًا.
ومِن معتقد أهل السنة والجماعة إثباتُ قيام جميع هذه الصِّفات بذاته .
* * *
стр. 146
قال المصنف ﵀:
«القاعدة السادسة
يلزم في إثبات الصِّفات التَّخَلِّي عن محذورين عظيمين:
أحدهما: التمثيل. والثاني: التكييف.
فأمَّا التمثيل: فهو اعتقاد المُثْبت أنَّ ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين. وهذا اعتقاد باطلٌ بدليل السَّمع والعقل.
أمَّا السَّمع: فمنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
وأمَّا العقل فَمِنْ وجوه:
الأول: أنَّه قد عُلم بالضرورة أنَّ بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يَستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأنَّ صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المُتباينة في الذوات، فقوة البعير -مثلاً- غير قوة الذرَّة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أَجْلَى وأقوى.
الثاني: أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من
стр. 147
جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المَربوب النَّاقص المفتقر إلى مَنْ يُكَمِّله؟ وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؛ فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم. فهذه يَدٌ وهذه يَدٌ، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف؛ فعُلِم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يَلزم منه الاتفاق في الحقيقة.
والتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وأمَّا التكييف: فهو أن يعتقد المُثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا، مِنْ غير أن يُقيدها بمماثل. وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أمَّا السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾، وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قَفْوًا لما ليس لنا به علم وقولاً بما لا يُكننا الإحاطة به.
وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المُساوي له، أو بالخبر الصادق
стр. 148
عنه. وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله ، فوجب بطلان تكييفها.
وأيضًا فإننا نقول: أيُّ كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟
إن أيَّ كيفية تُقَدِّرها في ذهنك فالله أعظم وأجَلُّ مِنْ ذلك.
وأيَّ كيفية تُقَدِّرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذبًا فيها؛ لأنه لا عِلم لك بذلك.
وحينئذ يجب الكَفُّ عن التَّكييف تقديرًا بالجَنان، أو تقريرًا باللسان، أو تحريرًا بالبَنان.
ولهذا لما سُئل مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ أطرق ﵀ برأسه حتى عَلَاه الرّحضاء (العرق)، ثم قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعه»، وروى عن شيخه ربيعة أيضًا: «الاستواء غير مجهول، والكيف غيرُ مَعقول». وقد مشى أهلُ العلم بعدهما على هذا الميزان. وإذا كان الكيف غير معقول ولم يَرد به الشرع- فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي؛ فوجب الكف عنه.
فالحذر الحذر من التَّكييف أو محاولته؛ فإنك إن فعلت وقعت في مَفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنَّه مِنْ نزغاته؛ فالجأ إلى ربك فإنه مَعاذك، وافعل ما
стр. 149
أمرك به فإنه طبيبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾».
الشرح
التمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق: أنَّها مِثل صفات المخلوقين.
وهو قول المُمَثِّل: له يدٌ كيدي وسَمع كسمعي. تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
والتمثيل والتَّشبيه بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (١).
فالمماثلة: هي مُساواة الشيء لغيره من كل وجه.
والمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.
ولكن التعبير بنفي (التمثيل) أَوْلَى لموافقة لفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾.
والتكييف: هو جعل الشيء على حقيقة مُعَيَّنة من غير أن يُقَيِّدها بمماثل.
فالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل، وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
ولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل؛ فكل تمثيل تكييف؛ لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كَيَّف تلك الصفة، أي: جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.
وليس كل تكييف تمثيلًا؛ لأن مِنْ التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين؛ كقولهم: (طوله كعرضه).
وقد وقع في التمثيل والتكييف (المُشَبِّهة) الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.
стр. 150
فعقيدتهم تقوم على دعواهم: أنَّ الله لا يخاطبنا إلا بما نَعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة؛ فتعمقوا في شأن كيفيات صفات الله وتقَوَّلوا على الله بغير علم، وشَبَّهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين؛ فقال قائلهم: (له بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي). تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
«وقد هدى الله أصحاب سواء السَّبيل للطريقة المُثلى؛ فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات؛ فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين وهديًا بين ضلالتين.
فقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نُؤول ولا نُمَثِّل ولا نجهل.
ولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.
ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.
بل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.
وله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.
وكذلك قولنا في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.
ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك مَنْ أثبت لله شيئًا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا
стр. 151
إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يُكَلِّف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا» (١).
فالعارفون به المصدقون لرسله المقرون بكماله يثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات؛ فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، ويُفوضون علم كيفية اتصاف الباري بتلك الصفات إليه ، فلا عِلم للبشر بكيفية ذات الله ﵎، «ولا تفسير كنه شيء من صفات ربنا تعالى؛ كأن يقال: استوى على هيئة كذا، وكل مَنْ تجرأ على شيء من ذلك فقوله مِنْ الغلو في الدين والافتراء على الله ، واعتقاد ما لم يَأذن به الله، ولا يليق بجلاله وعظمته، ولم ينطق به كتاب ولا سُنَّة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العباد في الشريعة لبَيَّنه الله تعالى ورسوله ﷺ ، فهو لم يَدَع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بَيَّنه ووضَّحه، والعباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما عَلَّمهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فليؤمن العبد بما عَلَّمه الله تعالى وليقف معه، وليُمسك عما جهله، وليكل معناه إلى عالمه» (٢).
ومعنى قول أهل السنة: (من غير تكييف)، أي: مِنْ غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: (من غير تكييف): أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإنَّ كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون عِلمهم بالكيف؛ إذ لا يَعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (٣)؛ لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات، ولم يُخبرنا عن كيفيتها؛ فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قَفْوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: «الاستواء معلوم، والكيف
стр. 152
مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.
أي: يؤمن السلف بأسماء الله وصفاته وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيُفَوِّضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويُفَوِّضون معانيها.
وهذا الزعم جهل على السلف؛ فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرءون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه؛ فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل، ولم يقع تعطيلٌ إلا بتشبيه، ولو أنهم نَزَّهوا الله تعالى ابتداء عن مُشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة؛ لسَلِموا ونَجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أنَّ السلف لم يَكونوا حملةَ أسفار لا يَدرون ما فيها.
ومَن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب: عَلم أنَّهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يَفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
ومن له اطلاع على أقوال الأسف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث عند الحديث عن نصوص الصفات يعلم أن السلف تكلموا في معاني الصفات وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال هي أكبر شاهد على فهم السلف لمعاني الصفات وإيمانهم بها.
стр. 153
قال المصنف ﵀:
«القاعدة السَّابعة
صفات الله تعالى تَوْقيفيَّة لا مجال للعقل فيها:
فلا نُثبت لله تعالى من الصِّفات إلا ما دلَّ الكتاب والسُّنة على ثُبوته؛ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «لا يُوصف الله إلا بما وَصَفَ به نفسَه، أو وَصَفَه به رسولُه، لا يتجاوز القرآن والحديث». (انظر: القاعدة الخامسة في الأسماء).
ولدلالة الكتاب والسُّنَّة على ثبوت الصِّفة ثلاثة أوجه:
الأول: التَّصريح بالصفة، كالعِزَّة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين، ونحوها.
الثاني: تضمُّن الاسم لها، مثل: (الغَفور) متضمن للمغفرة، و (السَّميع) متضمن للسَّمع، ونحو ذلك. (انظر: القاعدة الثالثة في الأسماء).
الثالث: التصريح بفعلٍ أو وصف دالٍّ عليها؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، الدَّال عليها- على الترتيب- قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقول النبي ﷺ : «يَنزل ربُّنا إلى السَّماء الدُّنيا»، الحديث.
وقول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾، وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾».
стр. 154
الشرح
يجب الوقوفُ في هذا الباب على ما جاءت به نصوص الكتاب والسُّنَّة الصحيحة؛ فلا نُثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دلَّ الكتاب والسنة على ثبوته؛ قال الإمام أحمد: «لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يُتَجاوز القرآن والحديث» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يُوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السَّابقون الأولون لا يُتَجاوز القرآن والحديث» (٢).
ولدلالة الكتاب والسُّنَّة على ثبوت الصفات ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: التَّصريح بالصفة؛ كالعِزَّة في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾، وقوله ﷺ : «أعوذُ بِعِزَّتك الذي لا إله إلا أنتَ» (٣).
والقوة في قوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾.
والرحمة في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾.
واليدين في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.
والبَطش في قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «إضافة الصِّفة إلى الموصوف كقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾، وفي حديث الاستخارة: «اللهم إنِّي أَستخيرك بعلمك، وأَستقدرك بِقُدرتك» (٤)، وفي الحديث الآخر: «اللهم بعِلمك الغيب
стр. 155
وقُدرتك على الخَلْقِ» (١)، فهذا في الإضافة الاسمية.
وأمَّا بصيغة الفعل فكقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾.
أمَّا الخبر الذي هو جملة اسمية: فمثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١٣، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أو فعلية: كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوه﴾.
أمَّا المفرد فلا بد فيه من:
١ - إضافة الصفة لفظًا أو معنى؛ كقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، وقوله: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾.
٢ - أو إضافة الموصوف؛ كقوله: ﴿ذُو الْقُوَّة﴾» (٢).
الوجه الثاني: تضمُّن الاسم للصفة:
فمن الأمور المُتقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة: أنَّ أسماء الله الحسنى متضمنة للصفات؛ فكلُّ اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دلَّ عليه الاسم الآخر.
فالعزيز متضمن لصفة العِزَّة، وهو مشتق منها.
والخالق متضمن لصفة الخلق، وهو مشتق منها.
والرحيم متضمن لصفة الرحمة، وهو مشتق منها.
فأسماء الله مشتقة من صفاته.
стр. 156
وترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية:
١ - إلى صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير.
٢ - ما يَرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق، والبارئ، والمصور.
٣ - ما يرجع إلى التَّنزيه المحض، ولا بد من تضمنه ثبوتًا؛ إذ لا كمال في العدم المحض: كالقُدُّوس، والسَّلام، والأحد.
٤ - ما دل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة، بل هو دالٌّ على معنى مفرد؛ نحو: المجيد، العظيم، الصَّمد (١).
الوجه الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها، أي: ما فيها معنى الصفة والفعل؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَه﴾، وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾.
стр. 157
قال المصنف ﵀:
«الفصل الثالث
قواعد في أدلة الأسماء والصفات
القاعدة الأولى
الأدلة التي تُثْبَتُ بها أسماء الله تعالى وصفاته: هي كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ :
فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما.
وعلى هذا: فما ورد إثباتُه لله تعالى من ذلك في الكتاب والسُّنَّة وَجَبَ إثباتُه.
وما ورد نَفْيُه فيهما وَجَب نفيه مع إثبات كمال ضِدِّه.
وما لم يَرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التَّوقف في لفظه، فلا يُثبت ولا يُنفى؛ لعدم وُرود الإثبات والنَّفي فيه.
وأما معناه: فيفصل فيه؛ فإن أُريد به حقٌّ يَليق بالله تعالى فهو مَقبول، وإن أُريد به معنى لا يليق بالله وَجَبَ ردُّه.
فَمِمَّا ورد إثباته لله تعالى: كلُّ صفة دلَّ عليها اسم من أسماء الله تعالى دِلالة مطابقة، أو تضمُّن، أو التزام.
ومنه: كل صفة دلَّ عليها فعل من أفعاله؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السَّماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم
стр. 158
القيامة، ونحو ذلك من أفعاله التي لا تُحصى أنواعها؛ فضلًا عن أفرادها ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.
ومنه: الوجه والعينان واليدان ونحوها.
ومنه: الكلام والمَشيئة والإرادة بِقِسميها: الكوني والشَّرعي.
فالكونية: بمعنى المشيئة. والشَّرعية: بمعنى المحبة.
ومنه: الرِّضا والمحبة والغضب والكراهة ونحوها.
ومما ورد نفيُه عن الله سبحانه لانتفائه وثبوت كمال ضده: (الموت، والنَّوم، والسِّنَة، والعجز، والإعياء، والظُّلم، والغفلة عن أعمال العباد، وأن يكون له مَثيل أوكُفؤٌ)، أو نحو ذلك.
ومما لم يَرد إثباته ولا نَفيه لفظ: (الجهة)، فلو سأل سائل: هل نُثبت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يَرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويُغني عنه ما ثَبت فيهما من أن الله تعالى في السَّماء. وأما معناه فإمَّا أن يُراد به جهة سفل أو جهة عُلو تحيط بالله، أو جهة علو لا تحيط به.
فالأول: باطل؛ لمنافاته لعلو الله تعالى الثَّابت بالكتاب والسُّنَّة والعقل والفِطرة والإجماع.
والثاني: باطل أيضًا؛ لأن الله تعالى أعظم مِنْ أن يُحيط به شيء من مخلوقاته.
والثالث: حقٌّ؛ لأنَّ الله تعالى العَلِي فوق خَلْقه ولا يُحيط به شيء من مخلوقاته.
стр. 159
ودليل هذه القاعدة السَّمع والعقل:
فأمَّا السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
إلى غير ذلك من النُّصوص الدَّالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسُّنَّة.
وكل نصٍّ يدلُّ على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دالٌّ على وجوب الإيمان بما جاء في السنة؛ لأن مما جاء في القرآن: الأمر باتِّباع النبي ﷺ والرَّد إليه عند التنازع. والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته، وإلى سُنَّته بعد وفاته.
فأين الإيمانُ بالقرآن لمن استكبر عن اتِّباع الرسول ﷺ المأمور به في القرآن؟
وأين الإيمان بالقرآن لمن لم يَرُد النِّزاع إلى النبي ﷺ وقد أمر الله به في القرآن؟
وأين الإيمان بالرسول ﷺ الذي أمر به القرآن لمن لم يَقْبل ما جاء في سُنَّته؟
стр. 160
ولقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ﴾، ومن المعلوم: أنَّ كثيرًا من أمور الشَّريعة العِلمية والعَمَلية جاء بيانُها بالسُّنَّة؛ فيكون بيانُها بالسنة مِنْ تِبيان القرآن.
وأما العقل فنقول: إنَّ تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله تعالى من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل- فوجب الرجوعُ فيه إلى ما جاء في الكتاب والسُّنَّة.
الشرح
مجمل القول: إن في الأمر ثلاثة أبواب:
١ - باب الأسماء: وهذا يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.
٢ - باب الصِّفات: وهذا كذلك يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.
٣ - باب الأخبار: وهذا لا يشترط فيه ورود النص الشرعي، ولكن يشترط أن يكون معنى اللفظ المستعمل ليس بِسَيِّئ.
أمَّا أهل التعطيل: فقد جعلوا (العقل) وحده هو أصل عِلمهم؛ فالشُّبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تُثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشُّبه العقلية؛ فإن وافقتها قُبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها رُدَّت تلك النصوص الشرعية وطُرحت، وفي هذا يقول قائلهم: «كل ما ورد السمع به يُنظر، فإن كان العقل مجوِّزًا له وَجب التصديق به».
وأمَّا ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يُتصور أن يَشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول.
وظواهرُ أحاديث التَّشبيه- يعني: بها أحاديثَ الصفات- أكثرها غير
стр. 161
صحيحة، والصَّحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل» (١).
فهذا النَّقل يُبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروضًا عليها؛ فما أجازته عقولهم قَبِلوه، وما لم تُجزه عقولهم شَكَّكوا فيه وانتقصوه، ومِن ثَمَّ سَعوا في تأويله وتحريفه، ومَن يلقي نظرةً على كتب الأشاعرة- مثلاً- يجد أنَّ القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى: (إلهيات- ونبوَّات- وسمعيات)، وهم في باب (الإلهيات والنُّبوات) لا يَقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشُّبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبًا؛ أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم مِنْ ملاحدة اليونان وتلاميذهم؟!
وأمَّا باب (السمعيات) - أي: البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد- فهم يَقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بـ (السمعيات) في مقابل باب (الإلهيات والنبوات)؛ إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال مَنْ قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقد زلَّت في هذا الباب فِرَقٌ شتى، وقد أرجع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اختلافهم إلى قولين؛ فقال: «والناس متنازعون: هل يُسَمَّى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع وإن لم يَرد بإطلاقه نص ولا إجماع، أم لايُطلق إلا ما أطلق نصًّا أو إجماعًا، على قولين مشهورين:
стр. 162
١ - فعامة النُّظَّار- أي: أهل الكلام- يُطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ (القَديم) و (الذات) ونحو ذلك.
٢ - ومِن الناس مَنْ يَفْصِل بين الأسماء التي يُدعى بها، وبَين ما يُخبر به عنه للحاجة؛ فهو- سبحانه- إنَّما يُدعى بالأسماء الحسنى، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وأمَّا إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك. فقيل: بل هو سبحانه قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها. وقيل: ليس بشيء. فقيل: بل هو شيء. فهذا سائغ، وإن كان لا يُدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدلُّ على المدح» (١).
فالذين خالفوا الحقَّ في هذا الباب هم بعض أهل الكلام، كما أشار لذلك شيخ الإسلام في النَّقل السابق، ومِن هؤلاء بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، وكذلك الكرَّامِيَّة.
أمَّا المعتزلة، فقد ذكر البغداديُّ أنَّ المعتزلة البَصرية أجازوا إطلاق الأسماء عليه بالقياس» (٢).
وقال أبو الحسن الأشعري: «واختلفت المعتزلة، هل يجوز أن يسمى البارئ عالمًا مِنْ استدل على أنه عالم بظهور أفعاله عليه، وإن لم يَأته السمع مِنْ قِبَل الله سبحانه؛ بأن يسميه بهذا الاسم أم لا، على مَقالتين:
فزعمت الفرقة الأولى منهم: أنه جائز أن يسمي الله سبحانه عالمًا قادرًا حيًّا سميعًا بصيرًا مَنْ استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
وزعمت الفرقة الثانية: أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء
стр. 163
من دَلَّه العقلُ على معناها إلا أن يأتيه بذلك رسولٌ مِنْ قِبَل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء» (١).
٢ - وأما الأشاعرة، فإنَّ جمهورهم مع أهل السنة في كون أسماء الله توقيفية وكذلك الماتريدية، ولكن القاضي الباقلاني- من الأشاعرة- لا يَشترط التوقيف، واشترط أمرين هما:
١ - أن يدل على مَعنى ثابت لله تعالى.
٢ - ألَّا يكون إطلاقه موهمًا لما لا يليق بالله تعالى (٢).
وتَوَقَّف الجُويني في هذه المسألة؛ فهو يَرى أنَّ الجواز وعدمه حكمان شرعيَّان لا سبيل إلى إطلاق أحدهما إلا بإذن الشرع، ولم يأت، ولذا قال بالتَّوَقُّف (٣).
قال السَّفَّاريني: «الجمهور منعوا إطلاق ما لم يَأذن به الشرع مطلقًا، وجَوَّزه المعتزلة مطلقًا، ومال إليه بعضُ الأشاعرة؛ كا لقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقَّف إمامُ الحرمين الجوينى .. » (٤).
غير أنَّ مُعتقد أهل السنة في الأسماء والصفات قد قام على أساس وجوب الإيمان بما وردت به نصوصُ القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتًا ونفيًا.
وهذا الأساس لابد فيه من مراعاة ما يلي:
أولاً: أنَّ طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.
فالذي يجب اعتقاده هو أنَّ معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف
стр. 164
على دراسة الكتاب والسُّنَّة؛ لأن هذا التوحيد يتطلب أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة؛ «فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته؛ فإنَّه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلاً وأبين دليلاً من غيره» (١)، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا؛ لأنه لا يُسَمِّي اللهَ أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، فالله هو الذي سَمَّى ووصف نفسه بما جاء في نصِّ كلامه الذي هو القرآن.
ولا يُسَمِّي ويَصف اللهَ بعد الله أعلمُ بالله من رسول الله ﷺ ، الذي قال الله في حقِّه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلاً على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفَصَّلت ذلك أعظم مِنْ تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.
ثانيًا: تقديم الشرع على العقل، فالأصل في الدين الاتباع والمعقول تَبع؛ فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام: أنَّ العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.
فالعقل لا يُمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات؛
стр. 165
فوجب الوقوف في ذلك على النص؛ لأن العقل يَقصر عن إدراك حقيقة المغيبات، حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يُحيط علمًا بحقيقة رُوحه التي بين جَنْبَيْه؛ لمَّا أخفى الله أمرها عنه؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾، فإذا كان الإنسان يجهل أمر رُوحِه، فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يَصلح وما لا يَصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفيَّة ذاته؟!
стр. 166
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الثانية
الواجب في نصوص القرآن والسُّنَّة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف، لا سيما نصوص الصفات، حيث لا مجال للرأي فيها.
ودليل ذلك: السمع والعقل.
أمَّا السمع: فقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وهذا يدلُّ على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي.
وقد ذمَّ الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبَيَّن أنهم بتحريفهم مِنْ أبعد الناس عن الإيمان؛ فقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ الآية.
وأمَّا العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلا لاختلفت الآراء وتفرَّقت الأمة.
стр. 167
الشرح
سبق أَنْ قرَّرنا أنَّ طريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
ولذلك فمن الواجب على كل مُكَلَّف أن يُجري نصوص القرآن والسُّنَّة على ظاهرها دون تحريف، لا سيما نصوص الصفات، حيث لا مجال للرأي فيها.
والتحريف لغة: التغيير والتبديل والإمالة. فهو في الأصل مأخوذ من قولهم: حَرفتُ الشيء عن وجهه: إذا أَمَلْتَه وغَيَّرته.
والتحريف شرعًا: الميلُ بالنُّصوص عما هي عليه؛ إمَّا بالطعن فيها، أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها.
أو نقول بعبارة مختصرة: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره (١).
والتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.
٢ - أنواع التحريف:
التحريف نوعان:
النوع الأول: تحريف اللفظ:
وتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:
١ - الزيادة في اللفظ.
стр. 168
٢ - النُّقصان في اللفظ.
٣ - تغيير حركة إعرابية.
٤ - تغيير حركة غير إعرابية.
ومن أمثلة تحريف اللفظ:
المثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: «وَكَلَّمَ اللهَ»، أي: موسى كلم اللهَ، ولم يُكَلِّمه اللهُ، ولما حرفها بعضُ الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تَصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؛ فبُهِت المُحَرِّفُ.
مثال آخر: إنَّ بعض المعطلة سأل بعضَ أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ (العرش) بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقصد بهذا التحريف: أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق (١).
النوع الثاني: تحريف المعنى:
وتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ (٢).
أو نقول: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدرٍ ما مشترك بينهما.
وهذا النوع هو الذي جَالَ فيه أهلُ الكلام من المُعَطِّلة وصالوا وتوَسَّعوا وسَمَّوْه تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يُعهد به استعمالٌ في اللغة (٣).
ومن أمثلة تحريف المعنى:
قول المعطلة في معنى ﴿استوى﴾: (استولى)، وذلك كما في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
стр. 169
وفي معنى اليد في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾: النعمة والقدرة.
وفي معنى المجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: وجاء أمر ربك. وأشباه ذلك.
وقد ذَكر الله التحريف وذَمَّه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود؛ فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المُحَرِّفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة، وما غُلِبوا عن تحريف لفظه حَرَّفوا معناه، و لهذا ذمَّ الله تعالى اليهود- دون غيرهم من الأمم- على تحريفهم، وبَيَّن أنهم بتحريفهم مِنْ أبعد الناس عن الإيمان؛ فقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ الآية.
وقد درج على آثارهم الرَّافضة، فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية، فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود (١).
وأصحاب تحريف الألفاظ شَرٌّ مِنْ أصحاب تحريف المعنى من وجه.
وأصحاب تحريف المعنى شَرٌّ من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.
فأصحاب تحريف اللفظ عَدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه؛ فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله؛ فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.
فأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حَرَّفوا له لفظًا يَصلح له؛ لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أُطلق ذلك اللفظ المحرف فُهِم منه المعنى المحرف؛ فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء
стр. 170
اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ؛ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا (١).
وأما كون أصحاب تحريف المعنى شرًّا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه، فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالًا عند أصحاب التحريف، ولأنه أسهل رَوَاجًا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيَفتتن به مَنْ ليس لديه زادٌ من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.
فالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهم وَفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يُتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص لمجرد أنَّها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (٢).
فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تُحفظ لها حُرمتها، وذلك بأن نفهمها وَفق مراد الشارع؛ فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.
فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومِن تمام العلم أن يُبحث عن مراد الله ورسوله بها ليُثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، ويُنفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (٣).
وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلاً على وجهٍ أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب؛ فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فَصَّلت
стр. 171
رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.
فالمُطَّلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.
ولا تَرُوج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف أُتِي مِنْ جهة جهله لا مِنْ قِلَّة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.
стр. 172
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الثالثة
ظواهر نصوص الصِّفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر:
فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة.
وقد دلَّ على ذلك السمع والعقل.
أمَّا السمع: فمنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
والتَّدبُّر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه؛ ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
وكون القرآن عربيًّا لِيعقله مَنْ يفهم العربية، يدل على أن معناه معلوم، وإلَّا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها.
وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لَفْظه وبيان مَعْناه.
وأمَّا العقل: فلأنَّ من المُحال أن يُنَزِّل الله تعالى كتابًا، أو يتكلم رسولُه ﷺ بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون
стр. 173
هِداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يُفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال الله تعالى عن كتابه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.
هذه دلالة السَّمع والعقل على عِلمنا بمعاني نصوص الصفات.
وأمَّا دلالتهما على جَهلنا لها باعتبار الكيفية فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات.
وبهذا عُلِم بطلان مذهب المُفَوِّضَة الذين يُفَوِّضون علم معاني نصوص الصِّفات، ويَدَّعون أنَّ هذا مذهب السَّلف. والسَّلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالاً أحيانًا، وتفصيلًا أحيانًا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه المعروف بـ «العقل والنقل» (ص ١١٦، ج ١) المطبوع على هامش «منهاج السنة»: «وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحَضَّنا على عَقْلِه وفَهْمِه، فكيف يجوز مع ذلك أن يُراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟!»، إلى أن قال (ص ١١٨): «وحينئذ فيكون ما وَصَفَ الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يَعلم الأنبياءُ معناه، بل يقولون كلامًا لا يَعقلون معناه».
قال: «ومعلوم أنَّ هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هُدى وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن
стр. 174
يُبَلغ البلاغ المبين، وأن يُبَيِّنْ للناس ما نُزِّل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الربُّ عن صفاته .. لا يَعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بَيَّنَ للناس ما نُزِّل إليهم، ولا بَلَّغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل مُلحد ومُبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النُّصوص ما يُناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة مُتشابهة، ولا يَعلم أحد معناها، وما لا يَعلم أحد معناه لا يجوز أن يُسْتَدَلَّ به؛ فيَبقى هذا الكلام سدًّا لباب الهُدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب مَنْ يعارضهم، ويقول: إن الهُدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم ما نقول ونُبَيِّنه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يَعلموا ما يقولون فضلاً عن أن يُبينوا مرادهم.
فتَبين أنَّ قول أهل التَّفويض الذين يزعمون أنهم مُتَّبعون للسُّنة والسلف من شرِّ أقوال أهل البدع والإلحاد». اهـ كلام الشيخ، وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد، وما عليه مزيد؛ رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنَّات النَّعيم».
الشرح
خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، وهذا ما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فهذا ردٌّ على المُمَثِّلة المُشَبِّهة.
فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوقين فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم.
стр. 175
وكذلك من عَطَّل صفات الخالق توهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يُوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًّا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًّا.
وهذه الأسماء إذا سُمي الله بها كان مسمَّاها مُعَيَّنًا مختصًّا به.
فإذا سُمِّي بها العبد كان مُسَمَّاها مختصًّا به.
فوجود الله وحياته لا يُشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟
وبهذا ومثله يتبين لك أنَّ المُشَبِّهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحقِّ فَضَلُّوا.
وأنَّ المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجهٍ من الوجوه، وزادوا فيه على الحق حتى ضَلُّوا.
وأنَّ كتاب الله دلَّ على الحقِّ المَحض الذي تعقلُه العقول السليمة الصحيحة، وهو الحقُّ المعتدل الذي لا انحرافَ فيه (١).
وبعد إثباتنا لصفات الله تعالى علينا فقط أن نقطع الطمع عن إدراك كيفية اتصافه سبحانه بهذه الصفات، ويتم ذلك بما يلي:
أولاً: إن الله لم يُطلع الخلق على ذاته، ولم يُكَلِّفهم معرفة ذاته.
لم يشأ الله أن يجعل للعباد مِنْ سبيل إلى معرفة كيفية وكُنه صفاته، فقد سَدَّ سبحانه الطرق الموصلة إلى ذلك، فهو مِنْ جهة لم يُطلع الخلق على ذاته، فهذا باب مَوصود إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يَرى أحد منكم ربَّه حتى حتى يموت» (٢).
стр. 176
ومِن جهة ثانية لم يخبرنا الله بكيفية وكُنه صفاته في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، فما وردت به النصوص إنما هو إثبات وجود لتلك الصفات لا إثبات كيفية.
ومن جهة ثالثة فإنَّ الله لم يُكلف العباد معرفة كيفية صفاته، ولم يتعبدهم بذلك ولا أراده منهم، بل قَصرهم على الإيمان بما أخبرهم به، فالواجب عليهم أن يؤمنوا الإيمان الصحيح بما كلفوا به، وأن لا يتجاوزوا حدود ذلك.
وقد ورد النص في وجوب قطع الطَّمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله؛ فإدراك ذلك مستحيل، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا ما نص عليه في هذه الآية من سورة طه، فقوله: ﴿يُحِيطُونَ بِهِ﴾ فعل مضارع منفي، والفعل الصناعي الذي يسمى (بالفعل المضارع، وفعل الأمر، والفعل الماضي) ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا؛ فيحيطون في مفهومها (الإحاطة)، فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل، فيكون معه كالنَّكرة المَبنية على الفتح؛ فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري بربِّ السموات والأرض، فيُنفى جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المُسندة منفية (للخلق) عن ربِّ العالمين» (١).
ولذلك على العقل أن ييأس مِنْ تعرُّف كُنه الصفات وكيفياتها لعجزه عن معرفة ذلك؛ لأنَّ الشيء لا تُعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العِلم بنظيره المُساوي له، أو بالخبر الصادق، وكل هذه الطرق مُنتفية في كيفية صفات الله، فوجب بطلان تكييفها.
стр. 177
وعِلم الإنسان محدود، كما أخبر الله بذلك؛ حيث قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
وإذا كانت نفسُ الإنسان التي هي أقرب الأشياء إليه بل هي هويته- لا يَعرف الإنسانُ كيفيتها ولا يحيط علمًا بحقيقتها، فالخالق- ﷻ أَوْلَى أن لا يَعلم العبد كيفيته ولا يحيط علمًا بحقيقته (١).
وقد أدَّب الله عباده المؤمنين ووجَّههم بأن لا يخوضوا في أمور لا علم لهم بها، فقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها، ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قَفْوًا لما ليس لنا به علم، وقولاً بما لا يمكننا الإحاطة به، ومخالفة لما نهانا الله وحذرنا منه، وحَرَّمه علينا.
فيجب الكفُّ عن التكييف تقديرًا بالجنان، أو تقريرًا باللسان، أو تحريرًا بالبنان؛ لأن أيَّةَ كيفية تقدرها الأذهان فالله أعظم وأجَلُّ من ذلك، ثم هي في الوقت ذاته ستكون كذبًا؛ لأنه لا عِلم لقائلها بذلك.
ولهذا نقل أصحاب المقالات عن بعض المشبهة- الذين خاضوا في كيفية صفات الله- أنه قال في ربِّه في عام واحد خمسة أقاويل (٢)، وصدق الله إذ قال في كتابه العزيز: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾.
стр. 178
فعلى المُسلم أن يحذر من التكييف أو محاولته، فإنَّ مَنْ فعل ذلك فقد وقع في مَفاوز لا يستطيع الخلاص منها، فالخوض في ذلك هو مما يلقيه الشيطان في القلوب، وهو نزغة من نزغاته، فلذلك يجب على المؤمن أن يلجأ إلى ربِّه ويستعيذ به من نزغات الشيطان؛ قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ولذلك معنى قول السلف: «بلا كيف» أي: بلا كيف يَعقله البشر، فليس المراد من قولهم: «بلا كيف» هو نفي الكيف مطلقًا، فإنَّ كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد هو نفي العلم بالكيف، إذ لا يَعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (١)، فهذا مما استأثر الله بعلمه فلا سبيل إلى الوصول إليه، فكما أنَّ ذات الله لا يمكن للبشر معرفة كيفيتها، فكذلك صفاته سبحانه لا نعلم كيفيتها، ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ فقيل له: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ كيف استوى؟ قال ﵀: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». ثم قال للسائل: وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه من مجلسه.
وقد روى عن شيخه ربيعة بن عبد الرحمن قوله: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول»، أي: لا تَعقله العقول ولا تحيط به.
وهذا يقال في سائر الصفات، وقد مشى أهل العلم على هذا الميزان، واعتبروا ذلك قاعدة من قواعد الصفات.
فقول الإمام مالك: «الاستواء معلوم»: أي: معلوم المعنى في لغة العرب، فـ (استوى) هنا عُدِّيت بـ (على)، فهي هنا بمعنى: علا وارتفع، وهكذا الأمر في سائر نصوص الصفات، فإن معانيها معروفة في لغة العرب، وليست مجهولة.
стр. 179
«والكيف مجهول»: أي: مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستوٍ على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يَكِلُون علمَ كيفية ذلك الاستواء إلى الله ؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه.
«والإيمان به واجب»: أي: الإيمان باستواء الله على عرشه حقيقة واجب؛ لوروده في النصوص الشرعية.
«والسؤال عنه بدعة»: أي: السؤال عن كيفية الاستواء؛ لأن السائل قال: كيف استوى؟
فعدم العلم بكيفية صفات الله لا يَقدح في الإيمان بتلك الصفات ومعرفة معانيها؛ لأن الكيفية وراء ذلك، فالسلف يُثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ويفهمون معاني تلك الصفات ويُفسرونها، فإذا أثبتوا لله السَّمع والبصر أثبتوهما حقيقية وفهموا معناهما، وهكذا سائر الصفات يجب أن تَجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كُنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يُكَلِّف العباد ذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلاً.
وكثير من المخلوقات لم يجعل الله للعباد سبيلاً إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فهذه أرواح الخلائق التي هي أدنى إليهم مِنْ كل دان قد حُجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، وقد أخبرنا الله عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يَعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشكُّ المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته؛ كما قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء».
فكذا الأسماء والصفات لا يَمنع انتفاء نظيرها في الدنيا مِنْ فهم معانيها وحقائقها والإيمان بذلك واعتقاد اتصاف الله بها (١).
فإيماننا صحيحٌ بحقِّ ما كُلِّفنا به وإن لم نَعرف حقيقة ماهيته وكيفيته، والله أعلم.
стр. 180
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الرابعة
ظاهر النُّصوص ما يَتبادر منها إلى الذِّهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السِّياق، وما يُضاف إليه الكلام:
فالكلمة الواحدة يكون لها مَعْنى في سياق ومعنى آخر في سياق، وتركيب الكلام يُفيد مَعنى على وجه ومعنى آخر على وجه.
فلفظ (القرية) مثلًا يُراد به: القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى.
فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً﴾.
ومن الثاني: قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾.
وتقول: صنعتُ هذا بيدي. فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾؛ لأن اليد في المثال أُضِيفت إلى المخلوق، فتكون مناسبة له، وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق، أو بالعكس.
وتقول: ما عندك إلا زيدٌ، وما زيد إلَّا عندك. فتفيد الجملة الثانية مَعنى غير ما تُفيده الأولى، مع اتِّحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فتغيَّر المعنى به.