← Тафсир

Тафсир · id 10091

تفسير الكتاب العزيز وإعرابه

ابن أبي الربيع

Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والكتاب: عَهْدٌ في المتلُوِّ أو بالعكس، يُريد عهدٌ في الموعُود و"ذلِكَ " إشارةٌ لِلمتْلُوّ، والكتاب عهدٌ في المتْلُوّ.. والكتابُ على هذين الوجْهَينْ خبر "ذلك " وقد يكونُ ذلك الكتابُ الذي تقرؤونه وتتلُونهُ هُدىً للمتّقين، ويكونُ على هذا الكتاب نعتاً لـ"ذلِكَ " ويكونُ العهدُ في الإشارة، ويكون هذا بمنزلة قولِكَ: هذا الرّجُلُ الصّالحُ ... "لاَ رَيْبَ ": رُكِّبَتْ "لا" مع "رَيْبَ" وأصلُها أن تكون ناصبةً كأنَّ لأِنها تقابلُ مِنْ، وَمِنْ عاملةٌ في النكرة، ولا تُركّبُ "لا" مع المنصوب بها إلاَّ إذا كان مفرداً، ولا يُفصلُ بينها وبين معمولها. فَقولُ مَنْ قال: ِ لمَ لَمْ يُقدم "فيه" على "رَيْبَ " ضعُفَ كأنه توهم أنّ التقديم جائز وليس بجائز؛ لأنه لا يفصلُ بين لا ومعمولها، كما لا يفصل بين "مِنْ " ومعمولها، ولا خلاف في هذا بين النحويين. "فيه" خبر "لا" فيتعلق بمحذوف، وكذلك المجرور والظرف إذا وقعا خبَرْين أو صِفَتَينْ أو حالينْ يتعلقان بمحذوف لا يَظهَرُ. "هُدىً لِلمتّقين" هُدىً: مصدر هديت وهو خبر مبتدأ محذوف أي هو هُدىً إذا جعلت "الكتاب" نعتاً لـ"ذلك " فقد يكون "هُدىً" خبراً عنه، و"للمتَّقين " من صِلَةِ "هُدىً" فيتعلّق بمحذوف. وقال في إعراب: (سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) (١) : "سَواءٌ " في الأكثر لا ترفع الظاهر إلا أن يكون معطوفاً على المضمر، نحو: مررت برجلٍ سواء هُوَ والعَدمُ، ولاتجدُ صِفةً هكذا، وهو هنا مبتدأ و"عَلَيهم" من صلته و (أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) في موضع خبره، ويكون بمنزلة إنْ خيرٌ منك زيدٌ! ان مثلُك عمرو. وكان الأصل أن يكون "خَيْرُ" هُوَ الخبرُ وعمروٌ المبتدأ، لأن عمراً المخبرُ عنهُ في المعنى لكنهم لمَّا أرادوا تقديم خير للاعتناء به وخبر إن لا يتقدم على اسمها قلبوا فجعلوا (خيراَ مِنْكَ) مبتدأ وعمرو الخبر، وكذلك الآية؛ لأنَّ الإنذار وعدم الإنذار هو المخبر عنه لا

стр. 37

"سواء" فلما أرادوا أن يضعوا الإنذار وعدم الإنذار موضع ذلك (أَأَنْذَرتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم) قلبُوا وجعلُوا المخبر عنه خبراً لأنَّ الجملة لا تقعُ موقع المبتدأ وتقع موقع الخبر. فإن قلت: قد جاء: "الحمدُ لِلَّهِ تَمْلأ الميزانَ.. " وما أشْبَهَ هذا. قلت: الحمدُ لِلَّهِ هُنا هو المخبرُ عنهُ وليست جملة وُضِعت موضع المخبر عنه كما في (أأنذرتهم أمْ لَمْ تنذرهم) . ومن قال: إنّ "أأنذرتهم" في موضع المبتدأ و"سَوَاءٌ" خبر فقد قال ما لا نظير له. وكذلك من قال: "إنَّ أأنذرتَهُم" فاعل بـ"سَواء" و"سواء" خبر "إنّ مقدمٌ فقد أخطأ، لأنَّ الجملة لا تقع موقع الفاعل فلَيْسَ في هذا إلا ما ذكرته مِنْ جعل الخبر مُبتدأ وجعل المخبر عنه خبراً على جَهِةِ الاتساع، فتكون بمنزلة: إنْ خْيراً مِنك زَيدٌ وانْ مِثْلَك عمروٌ، ولمَّا لم يكن الخبرُ يحتاجُ إلى ضمير يعود إليه من المبتدأ لم يكن في هذه الجملة ضميرٌ يعودُ إلى "سواء"، لأنَّ الإِنذار وعدم الإنذار هو المبتدأ في الأصل و"سَواءٌ عَلَيهم " هو الخبر في الأصل فلا يحتاجُ "سَواء" إلى ضمير يعود إليه من المبتدأ، وهذا بَيّن.. (٣٦) . ترجيح العطف على التوهم: أورد ابن أبي الربيع وجهين من الإِعراب للفعل المضارع المقرون بالفاء "فَتكُونا" من الآية الكريمة: (ولاَ تَقْرَبَا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) (١) وَرَجَّحَ النَّصبَ عَطْفاً على التَّوهِمّ على العطف بالجزم، وَوَجَّه النَّصب في الآية، على أنَّه بحرف أنْ مُضمرة لا بالفاء، ومما قاله هنا: (.. فقوله "فتكونا" منصوبٌ بالفاءِ في جواب النّهي كما تقول: لا تَدْنُ من الأسَدِ فَيَأْكُلكَ، والعطف في هذا الموضع جائز (٢) ، ويكون مثل قول امرئ القيس: فَقُلْتُ له: صَوِّبْ ولا تجهدنه ... فيُذْرِكَ من أخرى القطاه فتزلْقٍ

стр. 38

والأحسن ما ذكرته أولاً، ويكونا منصوب بإضمارِ أنْ.. واَنْ مع الفعل في تأويل المصدر، وهو معطوف على المصدر المتوهم من الفعل المقدم، والفاء هنا عاطفة، وأن لا تظهر، ومَنْ جَعَلَ الفاء هِي النّاصبة، هذا يريد أنها قامت مقام الناصب، فصارت كأنها الناصبة، وإن لم ير هذا فهو قول فاسد.. (١٤٦) . ما اسْتَشْكل إعرابه أورد ابن أبي الربيع قراءة غير سبعيه في الآية الكريمة: (ياَ أيّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) بفتح الميم في "مَنْ " اسماً موصولاً وقبلها "الذين " فالموصولان تواردا على صلة واحدة، هي شبه الجملة "قَبْلِكُم ل" وقد أورد هذا الإشكال أبو القاسم الزمخشري في كشافه عند تعرضه للقراءة المذكورة آنفاً، فقرر أن هذا من باب االإقحام، فقد أُقْحِم الموصولُ الثاني بين الموصول الأول "الذين" وصلته "قبلكم ": تأكيداً، كما أَقْحم جريرٌ في قوله: يا تيم- تيمَ- عَدىٍّ لا أيا لكم تَيمْاً الثاني بين الأول وما أضيف إليه (١) . ولم يسلم هذا التوجيه للزمخشري، بل رده أبو حيان لمخالفته القياس، إذ القياس تكرار الموصول مع صِلَتِهِ لأنها من كماله.. وخرج الآية على جعل "قبلكم" صلةً للموصول الثاني "مَنْ" و"مَنْ" خبرُ مبتدأٍ محذوف، وذلك المبتدأ وخبره صلة للموصول الأول، وهو " الّذينَ "، والتقدير: والذين هم مَن قبلكم (٢) . أما ابن أبي الربيع فقد قرر الإشكال على مقتضى ظاهر القراءة، لكنّه خرجها على وجه أقرب مأخذ وأحسنَ في الحمل، فقال: (وأمّا (والذينَ مَنْ قبلكم) فمشكلة، وهي عندي بمنزلة قول زهير: لَدَى حيثُ أَلْقَتْ رحْلَها أمُّ قشعم

стр. 39

المعنى- والله أعُلَمُ- لَدَى إلقاءِ أم قَشْعِمِ، فأتى بلدى وحيثُ والمعنى واحدٌ، ثم جاء بعدَ حيثُ بجملةٍ في مَوْضِعِ خفضٍ دلّت على مخفوضِ لَدى، ولدَى تطلبُ مخفوضاً، وحيثُ تطلبُ جُملة في موضع خفضٍ، فأتى بالجملةِ لحيثُ ودَلّ على مخفوضِ لدَى، فقولك: (والّذين مَنْ قبلكم) الّذين ومَنْ معناهما واحدٌ، فكأنَّ مَنْ بدلٌ مِن الّذين، وكِلاهما يَطْلبُ الصِّلَة فأتوا بالصلةِ لِمَنْ فَدَلّت على صِلةِ الّذين. وقد تحذفُ الصِّلةُ إذا عُلِمَتْ. وهذا تعليلٌ ما سُمِعَ ولا يُقالُ بالقياس، وإذا تَتَبَّعْتَ مَا قَلْتُ لكَ وجَدْتَهُ.

стр. 40

المبحث الرابع المسائل الصّرفيّة أورد ابن أبي الربيِع في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه مسائل في التصريف، تناول بعضاَ منها بشيءٍ من الإيجاز وبسط القول في بعضٍ بسطاً قلمّا وُجدَ عند غيره في كتب التفاسير وإعراب القرآن، ووقف عند دقائق من التصريف فجلَّى مبهمها وفصلَ مجملها تفصيلاً يعزّ وجوده في غير الكتب المتخصصة، وعزا الأقوال والآراء التي تذكر في بعض القضايا الصّرفية إلى أصحابها ليمكن للباحث والدارس من المراجعة والنظر على ضوء ما ناقشه من المسائل في هذا السفر، وفيما يلي نوردُ بعضاً من المسائل الصرفية التي تناولها ابن أبي الربيع بالمناقشة والتحليل في هذا السفر من تفسيره. قال في تصريف كلمة "رَبِّ" من الآية (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ) : (.. رَبّ " وَزْنُهُ فَعِلٌ بكسرِ العَين، والأصلُ: رَبُبَ، ثُمَّ أدغم، وليْسَ فعلاً بسكونِ العَينَ، لأنهم قالوا في الجمع: أرْبابٌ، وليسَ الأصلُ فعلاً بفتح العين، إذ لو كان كذلك لم يُدغَمْ، ألا ترى الطّللَ والشّررَ لم يُدغما، وليس الأصلُ فعُلَ بضم العين؛ لأن هذا يَقلُّ في الصِّفات، وفعِلٌ بكسر العين يكثُرُ فيه. قالوا: حَذِراً، وبَطِراً، وأشراً

стр. 41

ولم يدغم (١) ، وعثراً وهو كثير ولا ينبغي أن يُحمل على الأقل ما قدّرا على الأكثر. وقول من قال: إنّه وصْفٌ بالمصدر (٢) فيه بُعْدٌ، إذّ لو كان كذلك لم يُثَنّ ولم يُجْمع، ومَنْ ثنّى مثل هذا في المصادر ثنّاه على القياس، والقياسُ في فَعْل أفْعُلُ نحو كفِّ وأكُفٌّ، فكونه قد جمع على أرْبابٍ يدل على بُعدِ هذا القول. (٧) . الإعلال في "نَسْتَعِين " قال في توجيه الإعلال في كلمة "نستعين" من الآية: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعين) ونَسْتَعين اعتْلَّ، لأنَّ ماضِيهُ اعتْلّ بالحمل على الثلاث وأصلهُ نَسْتَعْوِن ثم اعتُل بنقل حركة العين إلى الفاء، وتقلبُ الواو ياء للكسرَة التي قبلها، وهذا الإعلالُ مُطِّردٌ وقياسيٌ في هذا النوع وما جرى مجراه. فإن جاء صحيحاً فعلى غير قياس، نحو: اسْتَنْوَقَ الجملُ، واستَتْيَست الشاة، فهذا يحفظ ولا يقاس عليه. (٤) . الإعلال في " بالغيب " وقال في بيان الِإعلال في كلمة "الغيب لما من الآية الكريمة: (الَّذينَ يؤمون بالغيب) (٣) : الغيب يُمكنُ أن يكون وزْنُهُ فَعْلاً، ويكونُ مَصدراً لِغابَ يغيبُ غيباً، ولذلك يقال للمُطْئِنُّ مِن الأرض غيباً لانخفاضه، ويمكن أن يكون الغيبُ وَزْنهً فَيعَلٌ بمنزلة سَيّدٌ وميتٌ فحذفت الياءُ المتحركة طلباً للتخفيف وإن كانت أصلاً، لأنك لوْ حَذفْتَ الساكنة

стр. 42

الزائدة لبقيت الياء المتحركة بالأصْلِ بعد فتحة، وهذا مستثقلٌ، يدلُّ على ذلك أن سيّداً وميتاً وزنهما فيعلٌ، وليس وزنهما فعلاً أن عْينهما واوٌ، وانقلبت الواو ياءً في فيعل لاجتماع الواو والياء وسبق الياء بالسكون (٢٧/٢٨) . الإِعلال في "صَيّب " أورد ابن أبي الربيع نوعين من الإِعلال في كلمة "صيب" من قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ منَ السَّمَاءِ) (١) : الأول في إبدال الواو ياء، والثاني إبدالهما همزة، قال مفصلاً ذلك: والأصل: صَيْوب، ومتى اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياءً إذا كانت الواو متقدِّمَةً أو متأخرة، فمثال المتأخرة: سيّد وميّت، والأصل: سَيود، مَيْوتِ، ومثال المتقدمة: طَويت طياّ، ولَويت ليَّا والأصل طَوْياً ولَوْياً. وإنّما قلبوا ياءً مُتقدِّمة كانت أو مُتأخّرةً، لأنَّ الياء عندهم أخف من الواو وقلبت ياءً ليصح الإدغام، وأدغمت الواو في الياء والياء في الواو (٢) وإنْ بَعدتا في المخرج لِقُرْبهما في الصفة، والواو حرف مدّ ولين والياء كذلك. ألا تراهما يًترادفانِ في الرّدفِ فيأتيَ العير مع المور ولا يأتيانِ مع العار لزيادة مَدّةِ الألف، واستيعاب هذا في موضعه. الثاني: إبدال الواو همزة في جمع "صيب ". قال في بيان هذا الإِبدال: (وجمع "صيب " صيائب بالهمزة، والأصل: صياوب، وألف الجمع إذا اكتنفها ياءان أو واوان، أو ياء وواو، والأخيرة تلي الطّرف وجوداً وحكماً تقلبُ الأخيرة همزة، نحو: أوائل وحيائر وصيائب، وأما قوله: ........................ ... وكَحل العينين بالعواور

стр. 43

فالأصل: عواوير، وحذفت الياء للقافية، فلم تل الواو الطّرف على هذا في الحكم، لأنَّ حذف الياء للضرورة؛ لأَنَّه جمع عُوَّارٍ وعلى هذا جمهور النحويين، وقد نقل عن الأخفش خلاف هذا ولم يتابع على ذلك، ووافق في الواوين؛ لأنّ العرب قالت: أوائل، والأصل: اَواوِل. (٧٩) . الإعلال في "يستحي " من الآية الكريمة (إنَّ اْللَّهَ لاَ يستحي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً) (١) : أورد ابن أبي الربيع قولين في المسألة: أحدهما لسيبويه والآخر للخليل، ودور ابن أبي الربيع هو النقل ولم يرجح أحد القولين، وإنما وجه الِإعلال يا قول الخليل، بنحو ما وجه به قول سيبويه، فقال: (وحكى سيبويه: استحيت فأنا استحي. وذهب فيه سيبويه إلى أنّ الياءين استثقلتا مع الكسرة فحذفت المكسورة، وجعلت حركتها على الحاء للاستثقال مع كثرة الاستعمال (٢) . وذهب الخليل إلى أنّ "يستحي " جاء على إعلال العين وترك اللام، كما جاء استقمْتُ لإِعلال قام، واعتلال العين واللام يتطلب بالاعتلال، ولم يثبت من كلام العرب متى اجتمعت العين مع اللام في طلب الاعتلال أعلّوا اللاّم وتركوا العين، نحو الهوى والحيا، ولا تقول حاى ولا هاى (٢) ، فيعلون العين ويتركون اللام.. (١١٩) . الإبدال في "خطاياكم " من الآية: (وَقُولُوا حِطَّةٌ نغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) (٣) : تناول ابن أبي الربيع صور الإبدال في كلمة خطايا واصفاً كلّ صورة بالصفة التي أفضت بها إليها من القلب، وختم المسألة بالعلة التي قلبت بها الهمزة ياء ولم تقلب واواً، فقال:

стр. 44

(وهي جمع خطيئة، والأصل خطائىُ بمنزلة قرائىُ فاجتمع همزتان يا كلمة واحدةٍ قلبت الأخيرة ياءً للكسرة قبلها فصار خطائى، استثقلت الياء بعد الكسرة في جمع لا نظير له في الآحاد ففتحت الهمزة فصار خطاءَي، تحركت الياء وقبلها فتحة فقلبت ألفاً فصار خطاءا، جاءت الهمزة بين الفين والألف قريبة من الهمزة فقلبت ياءً، ولم تقلب واواً؛ لأنَّ الياء أنسَبُ إلى الألف وأقرب من الواو، فصار خطايا. (١٧٨) . أصل الياء في الدنيا من الآية الكريمة: (فَمَا جزاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خزي في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (١) : قال في بيان أصل الياء في كلمة الدنيا وما طرأ عليها من قلب: (والياء في الدّنيا منقلبةُ عن واوٍ ليفرق بين الصفة الجارية مجرى الاسم والصفة التي لم تجر مجرى االاسم؛ لأنَّ الصفة التي لم تجر مجرى الاسم لا تقلبُ فيها الواو ياءً، والصفة التي جرت مجرى الاسم قلبت فيها الواو أبدا، كذلك نص عليه أبو علي في الإيضاح (٢) . واختلف في فعلى إذا كانت اسماً هل تقلب واوها ياءً أو لا تقلب، فعلى ما ذكره أبو علي ينبغي ألا تقلب، ويقوى قول أبي علي قولهم: حزوى وهو اسم مكان ولم يقل فيه حزيا. ومنهم من قال: حزوى شاذ، والقياسُ أن تُقلب في الاسم، وكذلك قلبت في الصفة الجارية مجرى الاسم. والذي يظهر أنها لا تقلب في الاسم ولا في الصفة التي لم تجر مجرى الاسم. فإن قلت: سيبويه- ﵀ قال: تُقْلَبُ في الاسم. قلت: قيل بالصفة الجارية مجرى الاسم، قال ذلك، على أنه أطلق الاسم وهو يريد الصفة الجارية مجرى الاسم- والله أعلم-.

стр. 45

المبحث الخامس " الاشتقاق " تناول ابن أبي الربيع طائفة من الكلمات في آي القرآن الكريم بشيء من التحليل والمناقشة والتحقيق في أصولها في الاشتقاق، وعرض للخلاف الوارد في اشتقاق بعض الأسماء، وناقش ذلك مناقشة علميّة مدركة مساقط الخلل وجوانب الصحة والصواب، فضعف ما رآه ضعيفاً ورجح ما استقر عنده رجحانه، مبيناً سبب الضعف وحجته فيما ضعّفه، ووجه الصواب فيما رجحه، وفيما يلي أمثلة ونماذج من مسائل الاشتقاق التي أوردها ابن أبي الربيع. اشتقاق الاسم قال في بيان اشتقاق الاسم في مُسْتَهَلّ كلامه على (بسم) اختلف البصريون والكوفيون فيه: فذهب البصريّون إلى أنه من سَما يَسْمو، وأنّ اللاّم فيه محذوفة، وهو بمنزلة ابن واسْت، واستدلّوا على ذلك بالجمع والتصغير، قالوا في الجمع: أسماء وفي التّصغير سمىّ، وقالوا: سميت فردوا اللاّم فيها فدَلّ على أنّ اللاّم هي المحذوفة. وذهب الكوفيون إلى أنه من الوسم، وهو العلامة، وأنَّ فيه تقديماً وتأخيراً. وأمّا أسماء وسُمَيّ فهو مقلوب، وأصلهُ وسم ثمّ أخِّرت الفاءُ وجُعِلَت مكان اللاّم، وقالوا: أسماء، وقالوا: سُمِي، وقول الكوفيون أقربُ مِن جهة الاشتقاق، وهو مع ذلك أضعف مِن جهة القلب، وقول البصريون أقرب؛ لأنه ليس عندهم فيه قلب، والاسم يظهر مُسمّاهُ ويصيره بحيث تراه، فالاشتقاق فيه قريب، وإن كان اشتقاق الكوفيين أقرب إلى إنّ هذا القرب مِن إدْعاء القلب. (٤) .

стр. 46

اشتقاق لفظ الجلالة أورد ابن أبي الربيع ثلاثة أقوال في اشتقاق لفظ الجلالة: "اللَّه " ولم يعز تلك الأقوال، وإنما عرض في شيء من الإِيجاز لما في بعض من النقل والقلب، وبينّ القول الأقرب إلى الاشتقاق وجهة القلب ومما قاله: (ومنهم من ذهب إلى أنّه مِن الوله، وهو التّحّير، فالعقولُ تتحير عن إدْراكهِ ثمّ جُعِلَتْ الفاءُ عيناً ثُمَّ تحرّكت الياء وقَبْلَها فتحة انقلبت ألفاً. ومنهم من قال: هو أله إذا تحّير، وَهُوَ أقْرَبُ، لأنه لَيْس فيه قلب. ويمكن أن يكون لاه يليه إذا استتر، قالوا تَأَلّه الرّجلُ يَتأَلّهُ مشتق مِن هذا. (٤) . اشتقاق " الْعَالمِينَ " قال في توجيه الاشتقاق في كلمة "العالمين " من الآية: (الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين) : فاعل بفتح العين لا يكُون في الصّفاتِ ويكونُ في الأسماء قليلاً، وأكثر ما يوجد هذا البناء في الفعل إذا أرادوا أنه فعل بك مثل ما فعلته، نحو: ضاربني زيدٌ وضاربت زيداً، وقد يأتي على غير ذلك، قالوا: عافاك اللَّهُ، وداينت زيداً، هذا قليل وإذا صح ما ذكرته فالعالم اسم لا صفة، وهو اسم لكل مخلوق، لأنَّ المخلوق يدلّ على خالقه، فصار علامة تدل عليه سبحانه، فاشتقاقهُ من هذا وقد قيل: إنه مشتق من العلم، لأن من نظر فيه تحصل له العلم.. والاشتقاق الأول أقرب. (٨) . اشتقاق كلمة النَّاس تناول ابن أبي الربيع مادة "الناس " الواردة في الآية الكريمة: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله) وأصلها في الاشتقاق وما حذف منها، ثم عرض للخلاف في تصغيرها.

стр. 47

والغرض هنا بيان الاشتقاق، فقد قالت ابن أبي الربيع في أصل كلمة الناس واشتقاقها: (وناس أَصْلُهُ أناس، وهو مشتقٌّ من الإنس، ويقال: أنس وآنس، وتحذف الهمزة كثيراً مع الألف واللام، وقد جاءت غير محذوفة قال: إنّ المنَايَا يطَّلِعـ ... ـن على الأنُاسِ الآمنينا تداخل الاشتقاق مع القلب والإعلال. وقد تَتَوارد المسائل التصريفية في كلمة واحدة، فيأتي الاشتقاق مع القلب والإعلال، وذلك لِقُوّة الارتباط والتلازم بَيْنها، وهذا ما نراه في تصريف كلمة النّار الواردة في الآية الكريمة: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فاتقوا النَّارَ..) فقد تناول ابن الربيع مسائل التصريف الواردة فيها بشيء من الإيجاز فقال: (.. والنّار عينها واو، والأصلُ نور، فانقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، يدلك على ذلك في الجمع أنوار إلى أن يقول: واشتقاق النّار من نارت تنور نور ونياراً، والأصل في نيار نوار لكنها اعتلت لاعتلالها في الماضي، ولو لم تعتل في الماضي لم تعتل في المصدر، قالوا: لاوذ لواذاً فلم تعتل في (لواذاً) لِصحتها في الماضي، وقالوا قام قياما اعتلت في فعال لاعتلالها في الماضي. الاشتقاق في كلمة شيطان الواردة في الآية الكريمة: (وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزئون) : أورد ابن أبي الربيع اشتقاقين مختلفين في كلمة شيطان وبين ما يرد على كلّ منهما وما يقوى به كل منهما ومادة كلّ في الاشتقاق، ثم ختم الحديث بذكر المصدر لهذين الاشتقاقين، قال في تفصيل ما أجمل هنا: (.. اختلف النحويَّون في الشيطان، فمنهم مَنْ جعله مشتقاً مِنْ شَطَن إذا أبعدَ، فيكون وزنه فيعالاً بمنزلة بيطار، وهذا القولُ يَقْوى بقولهم: شيطن الرّجل إذا تمرد؛لأنَّ تَفْعِيل مِن كلام العرب وتَفَعْلَنَ ليْسَ مِن كَلامهِم، وجعلهما من مادةٍ واحدةٍ هُوَ البين،

стр. 48

وأمَّا جعلهما من مادَّتَينْ مُخَتلِفَتين فبعيدٌ، لأنَّ معنى تشَيْطَن صار شَيْطاناً فالأصولُ في شَيْطان هي الأصولُ في تشيطن، والزوائد هي الزوائد في تشيطن. ومنهم من قال: إنَّ شيطانا فعلانٌ وجعل الياءَ أصْلية، وجعلهُ من شاط يشيط إذا احترق، فإذا اعُترِضَ عليه، بتشيطن قال: تَشَيْطنَ من شَطَنَ إذا أبْعدَ وجَعَلَهما من مادتين مختلفتين. وهذا القولُ يقوى؛ لأنَّ بناء فعلان أكثر من بناء فيعال، لأنّ النون إذا كانت طرفاً بعد ألِفٍ وقبلها ثلاثة أحرف فأكثر فالغالب عليها أن تكون زائدة. فهذان قولانِ في شيطان مُزجّحان، فيعال أكثر ترجيح بتشيطن، وفعلان ترجّح بأنَّ الزيادة على النّون في هذا الموطن أغَلبُ من الأصالةِ، فهُمَا قَوْلاَنِ مُتساوِيانِ لِما ذَكَرْتُهُ وبناء فعلان أكثر من بناء فيعالٍ، والقولان لسيبويه في الكتاب ١ (١) (٦٣) . الاشتقاق في "ذُرِّيّهْ " من قوله : (قَالَ وَمِن ذريتي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّاِلمِينَ) (٢) ٣: أورد ابن أبي الربيع ثلاثة أقوال في اشتقاق "ذُرِّيّه " رجح الأوَّل منها، واستبعد الأخير منها مع ما أورده له من توجيه، وجعل الثاني في درجة القلة لكونه موجوداً في كلام العرب، ومما قاله في هذا الصدد: .. والذًّرية يمكنُ أنْ تكُونَ من ذرَّ كما تقول: كُلَّما ذَرَّ شارف، أَيّ طَلعَ، وهذا البيّن، فتكون الذُّرية مُشْتقّةُ من هذا، فتكون الياءان لِلنّسب، ويكون كأحمري وكُرْسيّ، ودوارِيّ اللَّفظُ لَفظَ النّسبِ والمعنى على النّسب. ويمكن أنْ يكونَ مِن ذرا يذرو، تَقولُ: ذرَّت الرّيح الحَبَّ إذا أزالت عنْها التّبْنَ، فيكون وزنه على هذا فعيلة، وفعيل موجود في كلام العرب لكِنَّهُ قليلٌ، فيكون بمنزلةِ دُرِّيِّ ومُرِّيقٌ (١) ، فتكون الياءُ الأخيرةُ مُنْقَلِبةً عن واوٍ.

стр. 49

ويمكن أن يكون مِن ذرأ يذرأ إذا خَلَقَ، ويكون الأصْلُ ذُرْئِيّة بهمزةٍ ثم أبْدِلَتْ الهمزة ياءً للتسهيل، كما قالوا: في النّبىء، والنّبيّ، فجاء فُرّية فأدغمت الياء في الياء الأخيرة، وهذا الأخير عندي أبعدُ الثلاثة ة لأنّهُ قضى فيه! بالهمزة، ولو كان من الهمزة لنطق به، ففي هذا زيادة على فعيل. (٢٨٦-٢٨٧) .

стр. 50

المبحث السَّادس موقف ابن أبي الربيع من النحويين البصريين والكوفيين وبعض المتأخرين أورد ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه أقوالا لبعض أئمة النحو المتقدمين كالخليل، ويونس وسيبويه والكسائي والأخفش والفراء، والمازني، وغيرهم ممن وصفهم بالمتأخرين كالزمخشري، وقد تبينّ من مناقشاته ونقده لبعض الأقوال التي أوردها أنَّ له منهجاً وأسلوباً في المراجعة والترجيح والاختيار ينفرد به، ولا يمنع أن يكون في كثير مما رجّحَ واختار قد تأثر بمذهب أئمة البصريين، وبخاصة سيبويه، فكثيراً ما نراه يُغلّب قول سيبويه ويقدمه في الترجيح والاختيار في مقابل أقوال الأخفش الذي يقف في كثيرٍ من آرائه موقف المعارض للبصريين أو المخالف، فضلاً عن أقوال الكوفيين التي تقف في مقابل أقوال منافسيهم من البصريين. وأما بعض المتأخرين الذين لم يصرح بأسمائهم إلَّا في موضع واحد، وهو الزمخشري فقد كان نقده له شديداً، وحجته في أكثر المآخذ التي أخذها عليه دامغة، وإن شابه في بعض المآخذ تَعسُّفٌ لا يحمدُ، وتحمّلٌ لا يقبل في ميزان النقد العلمي، وفيما يلي تفصيلٌ لما أجملته هذه التوطئة:

стр. 51

أولاً: ما خالف فيه سيبويه الأخفش وغيره من النحويين. تناول ابن أبي الربيع طائفة من المسائل جرى فيها الخلاف بين النحويين سيبويه والأخفش، وغيرهما، وقد كان موقف ابن أبي الربيع إلى جانب سيبويه، وبالأخص في المسائل التي كان طرف الخلاف فيها الأخفش، فقد رجح مذهب سيبويه مبيناً سبب الترجيح غالباً، وضعف مذهب الأخفش مبيناً سبب الضعف وجهته، ومن أمثلة ذلك: أولاً: الخلاف في تسهيل الهمزة في "مُسْتهزئِون" الواردة في قوله تعالى: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) أورد ابن أبي الربيع ثلاثة أقوال في هذه الهمزة، هي: إبدالها ياءً، وجعلها بين الهمزة والياء، وبين الهمزة والواو، ثم رجح ما قرره سيبويه في المسألة، ومما قاله في المسألة: (ونقل عن الأخفش أنه يبدلُ الهمزة ياءَ عند التسهيل، فيقول: "مُسْتَهزِيون " ٢وهذا ليس من كلام العرب) . وأمّا سيبويه فجعلها بين الهمزة والواو٣ ومنهم مَنْ جعلها بين الهمزة والياء٤، وهذا منقول عن العرب، وعلى مذهب سيبويه أكثر النحويين (٦٥) . ثانياً: الخلافُ في مَوضعِ الضّميرِ المضافِ إليه بعد اسم الفاعل. اختلف النَّحويّونَ في موضع الضمير المضاف إليه بعد الوصف في قوله تعالى: (قَالَ إني جَاعِلُكَ للنَّاسِ إمَاماً..) ٥وكذا ما شابهه من كل وصف أضيف إلى معموله الضمير المتصل، وأظهر صور الخلاف وأقدمها ما كان بين سيبويه والأخفش،

стр. 52

التي أوردها ابن أبي الربيع بشيء من الِإيجاز في كلامه على الآية السابقة، وقد رَجّح ما ذهب إليه سيبويه، ولم يبين وجّه الضعف لا مذهب الأخفش في المسألة. ومما قاله- ﵀: (.. والكاف مِن ْ (إنّي جَاعِلكَ) مخفُوضَة بالإضافة، والأخفش جعلها مُفّعُولة ١. وسيبويه اعْتَدّها بالظّاهر العاري عن الألفِ واللام٢وهو الصواب إن شاء الله. (٢٨٥) . قياس ما يُجَمعُ عليه فَعَل جمع تكسير: تناولت في كلامه على قوله تعالى: (.. فَاتَّقُوا النَّارَ التي وَقُودُهَا الناس وَالْحِجَارَةُ..) ٣ما يجمع عليه فَعَل بفتح الفاء والعين، نحو جمل، وحجر، وجبل، وقرر أن القياس فيه أن يجمع على فعال، لأنَّ هذا الجمع هو الَّذي رجحه سيبويه، ومما أورده في المسألة: (.. والحجارة جاءت بالتاء على تأنيث الكلمة، والأكثرُ والأقيس في فَعَلٍ أنْ يُجمع على فعال بغير تاءٍ، قال سيبويه: وقد جاءت حجارة قليلاً، وجاء في الشعر ضرورة، وأنشد: كأنها من حجار النيل ألَبَسها ... مضارِبُ الماء لَوْن الطَّحْلب اللزب ٤ ورأيتُ بعض المتأخرين يقول: إنَّ حجارة بغير تاء لم يأت إلاَّ في الشّعر للضّرورة، وقال سيبويه ما ذكرته أنها جاءت في القليل من الكلام (ْ٤) ، وهو بلا شك أعرف، لأنه ناشد العرب وعلم مِن كلامها ما لم يَعلَمه غيره. (١٠٧) .

стр. 53

ثانياً: حذف حرف الجرو بقاء عمله: اختلف النحويون في موضع أنّ المشدة وما دخلت عليه في قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ..) (١) ١بعد سقوط حرف الجر، فمنهم ذهب إلى أن موضع أنّ وما دخلت عليه النصب، ومنهم ذهب إلى أن الموضع جر، وهو سيبويه، وقد رجح ابن أبي الربيع ما ذهب إليه سيبويه ولم يذكر أصحاب القول المعارض لقول سيبويه، وقد ذكر سيبويه أنّه قول الخليل، ومما قاله ابن أبي الربيع في المسألة: (.. اختلف النحويّون في أنَّ إذا سَقَطَ حرف الجر أتكون في موضع نصب؟ أو تكون في موضع جر؟. فذهب سيبويه إلى أنَّها في موضع جر، وأن حرف الجر وإنْ حُذِف بقى عمله، كما بقي عمل "رُبَّ " بعد حذفها، وحمله على هذا الحكم تقولُ العربُ لأنكَ فاضلٌ أتيتُ، ولا تقول: لأنك فاضلٌ عَرَفْتُ، لأنَّ المفتوحة لابدَّ أنْ تعتمد على ما قبلها فاعتمادها على (أنَّ) هنا على حَرْفِ الجر وإنْ حُذفَ دليلٌ على أنّه في حكم الموجود، وإذا كان كذلك فعمله باقٍ٢. ومنهم من ذهب إلى أنَّ حرف الجر إذا حذف صار الموضعُ موضع نصب (٣) ٣وبكون بِمَنْزلة: أمرتك الخير. وكلاهما له وجه، وما ذكر سيبويه عندي أَقْوى- والله أعلم-.

стр. 54

وتكرر هذا التوجيه في أن المصدرية الناصبة للمضارع في قوله تعالى: (وإنَّ الله لا يستحي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً) فقال: (.. إنّ "يَضْرِبَ " على إسقاط حرف الجر، وأصله إنَّ لا يَسْتحي من أن يَضْرِبَ، ثم حُذفت مِنْ، وقد تقدم أن حذفها في هذا الموطن قياسٌ، واختلف الناس في بقاء عمله وزواله، كما اختلفوا في أنْ، وكلا القولين له وجه. والأظهر عندي أن يبقى العمل فيما حذفه كثير، ويجرى مجرى ربّ، فإنها حذفتْ وبقى عملها (١٢٠) . ثانياً: تصغير كلمة " ناس " عرض ابن أبي الربيع لتصغير بعض الأسماء والأعلام التي جرى فيها خلاف بين أئمة النحو المتقدّمين وقد رَجّح ما ذهب إليه سيبويه، لأن عليه أكثر النحويين، ومن أمثلة ذلك تصغير كلمة النّاس الواردة في قوله : (وَمِنَ النَّاس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله..) ١قال في تصغيرها: (.. يقالُ: ناسٌ قليلاً بغيرِ هَمْزةٍ، ويقالُ في تَصْغِيرِهِ نُوَيْسْ، ولا تُرَدُّ الهمزةُ للتصغير؛ لأنَّ بناء التصغير يقومُ مِمَّا بقي من الحروف، فإن لم يكن بناءُ التصغير يقومُ مِمَّا بقيَ من الحرُوفِ رُدَّ المحذوفَ، كقوله: دُمَيٌّ وُيدَيٌّ هذا هو مذهب سيبويه والخليل. ويونُسُ يذهبُ إلى رَدِّ المحذوفِ من المكَبّرِ سَواء كان بناءُ التصغير يقومُ مِمَّا بقي فن الحروف أو لا يقومُ، فيقولُ في هار: هُوَيْئِرٌ، فيلزم أنْ يقولَ في ناسٍ: أنيسٍ، وعلى مذهب سيبويه أكثرُ النحويين، وهو أصح، وبيانُ هذا في كُتُبهم٢ (٤٣) .

стр. 55

تصغير إبراهيم وإسماعيل أورد ابن أبي الربيع في تصغير إبراهيم، وإسماعيل خلافاً بين المتقدمين ورجح ما قَرَّرَهُ سيبويه في تصغيرهما مُبّيناً وجه الترجيح، ومما قاله في تفسيره للآية الكريمة: (واتخذوا مِن مَّقَام إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إلَى إِبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعيلَ أَن طَهِّرَا بيتي لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والرُّكَّعِ السجود) ١. (.. حُكي في تَصْغيرِ إبراهيم وإسماعيل: بُرَيْهٍ وسُمَيْعٍ، ذكر ذلك سيبويه٢، فالهمزُة والميمُ زائِدتانِ، وكذلك إسماعيلُ الهمزُة واللامُ زائدتان. وتصغير الّترخيمِ هُوَ على حذف الزائد، فَلَوْ صَغّرتَهُ على غير الّترخيم لقلت: بُرَيْهيم وسُمَيعيل ٣ وحذفت الهمزة. وقال المبُرِّدُ: أبَيْرِه واُسَيْمِع٤، والأول أدلُّ على المكُبّرِة لأنه يمكن أنْ يكونَ أُبَيْرِه واسيْمع تصغير إبْره واسمع، وبالقول الَأوّلِ قال سيبويه وعليه أكثرُ النّحويين لما ذكرتُهُ مِن الدّلالَةِ على المكَبَّرِ. أ،. موقفه من الفراء أورد ابن أبي الربيع توجيهاً للفراء لكلمة (مَثَلًا ما بعُوضةً) هو الواردة في قوله : (إِنَّ اْللَّهِ لاَ يستحي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَهَا..) ٥ وَرَدّ ما استدّل به؛ لأنه دليلُ يدخله الاحتمال مِمّا يقتضي بُطْلان الاسْتِدْلال به، ومما قاله في رده. (وأما ما ذهب إليه الفراء، وهو أنَّ المعنى: ما بين بَعُوضَةً فما فوقها خارِجٌ عن طريق كلام العرب؛ لأنَّ الظّرفَ لا يُحذَفُ وُيقامُ مَقامهُ مخفوضُهُ، لا تقول: جلستُ زَيداً تريد جَلَسْتُ عند زيدٍ، هذا ليس من كلامِ العرب، واستدلا له بقول العرب: له عشرون

стр. 56

ما ناقةً فجملاً (١) ١استدلالا ضعيفٌ، فإنّ ما هنا زائدة، والأصل له عشرون ناقةً فجملاً، والفاءُ جاءتْ لِترتْيب الأخبار، وإلاَّ فكيْفَ تأتي الفاء مع بينَ؟ لا تقل جَلَسْتُ بَيْنَ زيد فعمروٌ، ولا يقولُ أحدٌ جَلَسْتُ القومَ زيدٍ جَلستُ بين القوم، فإذا بَطَلَ هذا كلّهُ بطَلَ قوله. ولا يَصِحُّ الاستدلال على القواعد إلاَّ بغير مُحتَمَل، ومتى احتملَ بطل الاستِدْلال (١٢١) . موقفه في المازني تناول ابن أبي الربيع علة البناء في تابع أيّ المقترنة بأل في النداء عند كلامه على الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدوا رَبَّكُمُ..) ٢وتطرق به الحديث إلى رأْيِ المازني في المسألة، وردّهُ لعدم الدليل على القياس الذي صَوَّغ له ما ذهب إليه، ومما قاله ابن أبي الربيع في المسألة في الرد على المازني ... (.. يا التي للنداء إذا وقع بعدها اسم مبني على الضم على أنه معرفة فهي مع ضمتها كالألف واللام يفهم ضمنها التعريف، إلى أن يقول: فإذا قلت: يا أيَّها الرجلُ، فأىَّ هنا هي الرّجلُ، وإذا قلت: يا أيها الناس، فأيّ واقعة على شيء مبهم يَتَبَيّن بما يجرى عليها، وأي مفردة بنيت على الضم؛ لذلك يكون المبين لها مرفوعاً ولم يسمع فيه النصب، لأن المنادى بالحقيقة إنما هو الاسم الذي فيه الألف واللام التابع لها، وأنت لو ناديت ذلك الاسم لم يكن إلاّ مبنياً على الضم، فلم تكن أي وتابعها إلاَ مرفوعين. وأجاز أبو عثمان المازني النصب في أي تابع٣، ولم ينقله وإنما أجازه قياساً. وبما ذكرته يمتنع القياس، لأنك إذا قلت، يازيدُ الظريف، فزيد المقصود بالنداء

стр. 57

لا الظريف، وإذا قلت: يا أيّها الرجلُ، فالرجل هو المقصود بالنداء، وأيّ صلة١. (١٨٩) موقِفُهُ مِن الزَّمَخْشَريّ وقف ابن أبي الربيع على كتاب الكشاف لجار الله الزمخشري، وأفاد منه، وترسم نهجه في المناقشة واستجلاء المعاني البلاغيّة والصّور البيانية، لكنَّ إفادته من كشاف الزمخشري لم تكن مانعتُهُ من الأخذ عليه والنقد لبعض أقواله التي نثرها في كتاب الكشاف، وأكثر المسائل التي تناولها ابن أبي الربيع في اللغة والنحو والتصريف، ولم يصرح باسم الزمخشري إلا في مواضع قليلة من هذا السفر في تفسير الكتاب، وإنما ورد نقده له تحت قوله: بعض المتأخرين، ولمّا عُرِضَتْ الأقوال موضع الملاحظة على مواطنها في كتاب الكشاف تبيّن أنه المقصود بذلك، فالأقوال أقوال الزمخشري إن لم تكن بلفظها فهي بلفظ مقارب، أما المعنى فواحد، ونورد فيما يلي أهم المسائل التي تناولها ابن أبي الرّبيع في تعقبه على الزمخشري: لم كان الرّحمن أبلغ من الرّحيم؟ قال ابن أبي الربيع في بيان السَّبب الذي صار به الرحمن أبلغ من الرحيم في قول الله : (الرحمن الرَّحِيمِ) : (.. (الرّحَمنِ) اسم خاص به سُبْحانه لا يقعُ على غيره وفعلان يأتي عند الامتلاء، نحو غضبان، وسكران، وحيران، وكذلك الرّحمن. والرّحيمُ مبالغةٌ في رَاحمٍ، والرّحمنُ على هَذا أبْلَغُ مِن الرَّحيم، ولذلك يُقالُ رَحمن الدُّنْيا والآخرة، وَلمْ يُقلْ في الرحيم،لأنَّ الرحمن جرِى مجرى الأسماء، والرَّحيم ليس كذلك، بل هو باقٍ على الصِّفة وجريانه على غيره، فلذلك قدِّم على الرَّحيم.

стр. 58

وجاء أبو القاسم الزّمخشري وقال: هو اكثر حروفاً من الرّحيم، فهو لذلك أبلغ كالشقدف والشّقُنْداف١. وهذا كلام ليس مِن طريق كلام العرب، ألا ترى فَعِلاً، نحو: حَذِر أبلَغُ من حاذِرٍ، وإن كان أقلَّ مِنهُ حروفاً، وإنّما الأمرُ على ما ذكرت لك. (٥) . رَدّ ابن أبي الرَّبيع القول بأنّ "رَبّ " وصفٌ بالمصْدَرِ وَممّا رَدّ به على الزَّمخشري ولم يُصَرّح باسْمِهِ قوله في تَصْرِيف "ربّ " من "رَبّ العالمين ": رَبّ وَزْنُهُ فَعِلٌ بكسر العين، والأصل رَببَ ثُمَّ أُدغم، وليس أصلهُ فعْلاً بسكون العين؛ لأنَّهم قالوا في الجمع: أرْبَابٌ.. إلىَ أن يقول: وقولُ من قال: إنّه وصفٌ بالمصدَرِ٢ فيه بُعدٌ، إذّ لو كان كذلك لم يثنَّ ولم يجمع، ومَنْ ثنَّى مثل هذا في المصادر ثنّاهُ على القياس في فعلِ أفعل، وذلك نحو: كَفٍّ، وَأَكُف، فكونُه قد جُمِعَ على أرباب يَدُلُّ على بعد هذا القول. (٧) . إضافة اسم الفاعل إلى معموله في "مالك يوم الدين " ذهب ابن أبي الربيع إلى أن إضافة اسم الفاعل في قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْم الدِّينِ) إضافةً محضة واسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال، وأنَّ هذه الإضافة إلىَ معرفة تفيد التعريف، لأنّ اسم الفاعل إذ أضيف إلى معرفة كان على وجهين: على التعريف وعلى التخفيف، وردَّ قول الزمخشري في جعله الإِضافة هنا غير محضة وأنّها لمجرد التخفيف، ومما أورده في تقرير المسألة والرد على الزمخشري قوله: واسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي وأضيف إلى المعرفة تعرّف، وإذا كان بمعنى

стр. 59

الحال والاستقبال وأضيف إلى المعرفة كان على وجهين: على التّعريف وعلى التخفيف، وتكون هنا الإضافة على التعريف، لأنّه جارٍ على المعرفة. وجاء بعض المتأخرين، وقال: إنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال فلا تكون إضافته إلاَّ غير معرفة، وتكون غير محضة، وإنما تكون للتخفيف١. وهذا القول فاسد، والصحيح ما ذكرته أولاً، وهو أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال فله إضافتان: إضافة تعريف وإضافة تخفيف، والذي يضاف ولا يتعرف أبداً بالإِضافة الصفة المشبهة باسم الفاعل خاصة ولا يتعرف إلاَّ بالألف والّلام. وجاء (مالِكِ يوم الدّين) على طريقة نهارُه صائم وليله قائم في الاتّساع لمّا كان فيه نُسِبَ إليه إمّا بالفاعلية وإمّا بالمفعولية. على جِهةِ الاتِساع. (١٠) . إعراب كلمة "سواء" وجملة " أأنذرتهم " أورد ابن أبي الربيع إعراباً لكلمة "سواء" وجملة "أأنذرتهم " من الآية الكريمة: (سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) لم يعزه إلى قائله بل طوى ذكره لَعلّه تكَرّه التشهير به وآثر توجيه النقد إلى فحوى القول ومنطوقه، وهو نهج التزمه كثيراً في نقده وتعقباته على بعض العلماء. ومما قاله هنا بعد إيراده الإعراب الذي ارتضاه: (ومَنْ قال: إنّ (أأنذرتهم) في موضع المبتدأ و (سواء) خبر فقد قال مالا نظير له. وكذلك مَنْ قال إنّ (أأنذرتهم) فاعل (سواء) و (سواء) خبر إنّ مقدم فقد أخطأ (٢) ٢؛ لأنَّ الجملة لا تقع موقع الفاعل فليس في هذا إلّا ما ذكرته، من جعل الخبر

стр. 60

مبتدأ والمخبر عنه خبراً على جهة الاتِّساع، فيكون بمنزلة: إنَّ خيراً منك زيدٌ، وإنّ مثلك عمرو. (٣٦) . مجيء مِنْ لبيان الجنس عند الزمخشري وَردّ ابن أبي الربيع ذلك ذهب الزمخشري إلى أنّ "مِنْ " في قوله تعالى: (وَأَنزَلَ مِنَ السَّماء مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ) ١ تُفِيدُ التّبعْيض، وقد تكُونُ لِلْبَيان، كَقَوْلِكَ: أنفقت مِن الدَّراهم ألفاً٢. ولم يرتض ابن أبي الربيع معنى البيان في "مِنْ " وأثبت لها معنى التبعيض، وزاد ابتداء الغاية، واستند فيما ذهب إليه في ابتداء الغاية إلى سيبويه وأبي علي الفارسي، ومما قاله في المسألة: (.. وجاء بعض المتأخرين وقال في "مِنْ " هنا إنها للبيان، واسْتَدَلَّ بقولهم: أنفقت من الدَّراهم ألفاً، لا فرق بينه وبين الآية. التبعيض فيها هو البيّن، ولم يذكر سيبويه ولا أبو علي في "مِنْ " أَنَّها توجد لِلْبيان، وإنما هي موجودة لابتداء الغاية أو للتبعيض٣، ومَنْ قال: إنّها تكون للبيان اسْتَدَلّ بقوله سبحانه: (فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) ٤وهذا التبعيض فيه بينّ، لأنَّ الوثن لا يجتنب فيه إلاّ العبادة والتعظيم وهذا هو الرّجس، وأمّا أَنْ يؤخذ الوثن إذا كان ذهباً أو فضة فيعمل به ما يجوز أن يعمل فلا يجتنب، وهذا ليس برجس. ٥ (٩٥) .

стр. 61

إعراب " رِزْقاً " مفعولٌ من أجله أعرْبَ الزمخشريُّ كلمة (رِزْقاً) من الآية الكريمة: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ) مفعولاً من أجله، ومِن الجارّة للتَّبعْيضِ، ولم يَرْتض ابن أبي الربيع هذا الإعراب و"مِن " للتبعيض، وإنمّا خرجه على أنّه مفعول به؛ لأنه الأظهر في الصورة والأقرب في البيان، قال في تعقبه على إعراب الزمخشري: (.. ورأيتُ بعضَ المتأخرين قال: وإنْ كانت "مِنْ " مِن قوله سبحانه "من الثّمراتِ " للتّبعيضِ فيكونُ "رِزْقاً" مفعولاً من أجله١؛ ولا أدْرِي ما حَمَلُه على هذا؟ وإلاّ فقد يقولُ: أكَلْتُ مِن الرَّغيف ثلثه، وأخرجت من النّاسِ زيداً، وَزَيدٌ مفعولٌ به ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يكونَ مُفْعُولاً من أجْلهِ. وجَعَلُ الرّزَق هنا مفعولاً مِن أجله إنَّما يكونُ بعد جعل الرّزْقَ مَصْدَراً، وشرطُ المصْدرِ إذا كانَ مفعولًا من أجله ألاَّ يُنصبَ حتّى يكُونَ فاعلاً لِفاعِلِ الفعل المعلل ومع الفعل المعلّل في زمانٍ واحدٍ، نحو: جئتك ابتغاء الخير، فأنا الجائي، وأنا المبتغي والزّمانُ واحد، فالرّزق على هذا هو من الله تعالى، والإخراج منه سبحانه إلاّ إنّ الزّمان مختلف، إلاّ أن يكون المعنى: إعداداً لرِزْقكم، وفيه اتساع. وقال: وإنّ جعلت ((مِن)) للبيان كان "رِزْقاً " مفعول به، وقد جعل "من " للبيان وجعل الرزق مفعولاً به، و"من " للتبعيض أبين من جعله مفعوًلا مع من التي للبيان عند من يثبت ذلك. (٩٦) . رَدّ ابن أبي الربيع إعراب كلمة "لكم " مفعولاً لأجله خرج ابن أبي الربيع كلمة (لكم) الواردة في الآية الكريمة: (خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَميعاً) على أن اللام لتعدية الفعل قبلها، فهي بمنزلة: جئت لك، فجاء تتعدى بالَلام وليست على معنى جئت لأجلك؛ لأنه لا يعلم الذي جيءَ لأجْلِه، وكذلك (خلق لكم) تتعدى باللاّم، ولَيْسَ المعنى لأجلكم. وبعد أن قرر هذا الوجه

стр. 62

عرض لقول الزمخشري في المسألة دون أنْ يصرح باسمه أو يعزو إلى المصدر، فقال: (.. ورأيت بعض المتأخرين ذهب إلى أن "لكم " مفعولاً لأجله١، وهذا ليس بصحيح لما ذكرته..) . وما ذهب إليه الزمخشري هو الأظهر في كلمة (لكم) لما فيه من معنى السبب، وقد أخذ به غيرُ واحد من معربي القرآن٢، حتى قال أبو حيان إن (الأحسن حمله على السبب فيكون مفعولاً من أجله؛ لأنه بما يا الأرض يحصلُ الانتفاع الديني والدنيوي٣. أعرب الزمخشري في (سبع سماوات) الواردة في الآية الكريمة: (فسواهن سَبْعَ سَمَواتٍ..) ٤ علما أنها تفسير للضمير المبهم "هُنَّ " وأمّا ابن أبي الربيع فقد خَرّجها على وجهين هما: البدلية والحالية، ثم رد قول الزمخشري، وممّا قاله في المسألة: (.. وسَبْعَ بدلٌ من "هُنَّ " والتقدير: فَسَوّى سَبْعَ سموات، ويمكن أنْ يكون حالاً على تقدير: مقدراً أن يكون سبع سماوات، كما قال سبحانه: (وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) أي مقدراً أن يكون سَكناً، وهذا بمنزلة قول العرب: مررت برجلٍ معه صقرٌ صائد به غداً، أي مقدرا به الصّيدِ غداً، والبدل عندي أحسن. ورأيت بعض المتأخرين يذهب في (سبع سموات) إلى أنه بمنزلة: ربه رجلاً، أضمر على شريطة التفسير (٥) ٥. وهذا قولٌ لا يُعَوّل! عليه ث لأنَّ الضمير على شريطة التفسير يحفظ ولا يقاس عليه، ولا يقال منه إلّا ما قالت العرب ة لأنه خارجٌ عن القياس، والأصل في الضمير الغائب أنه يأتي بعد الظاهر لفظاً أو مرتبةً، أما إتيانُه قبل الظاهر المفسِّر له لفظاً ومَرّتَبةً فَلَمْ يَقَعْ إلّا في أرْبعةِ أبواب، وبَيانُها في كُتُب العربية، وليس هذا مِنْهَا. (١٣١) .

стр. 63

خرج الزّمَخْشرِيُّ كلمة "أعْلَم " من قوله تعالى: (وَأعْلَمُ مَالاَ تَعْلَمُونَ) ١على معنى التفضيل، أمَّا ابن أبي الربيع فجعل "اعلَمُ " هنا فعل مضارع واسْتَبْعَدَ ما ذهب إليه الزمخشري، ومما قاله: (.. "اعْلَمُ " هُنا فِعْلٌ مضارعٌ يُراد به الحالُ المسْتَمِرّة و"ما" مفعول بأعْلَمُ، والتقدير: بما تَعْمَلون أبداً، ودخلَتْ لا هنا لنفي المستقبل، وقدْ قِيلَ في هذا أقوالٌ أحسَنهُا عندي ما ذكرته. وجاءَ بعضُ المتأخّرينَ وذهبَ إلى أنَّ "اعلمُ " هُنا أفعلَ تفْضيلٍ٢، وهُوَ شيءٌ بعيدٌ، مقصُودُه مُتَعَذّر. (١٣٥) . أعربَ الزمخشريّ كلِمة "وَمِنْ ذُرِّيّتي " من الآية الكريمة: (قَالَ إِنّىِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً، قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى..) وهو معطُوفةً على الكاف من "جاعِلُك" كأنه قال: جاعلٌ بَعْضَ ذُرِّيّتي.. وقد ردّ ابن أبي الربيع هذا التوجيه بمقتضى الصِّناعة الإِعرابية، والقاعدة النحوية، فقال: (.. وذهبَ بعضُ المتأخّرِين إلى أنّه، أيْ (وَمِنْ ذُرِّيتي..) مَعْطُوفٌ على الكافِ مِن (جاعِلُكَ) ٣. ولَيْسَ هذا بالبيّنَ؛ إذْ لو كانَ (وَمِنْ ذُرِّيَّتي) منصوباً لكانَ وَذُرِّيّتي، لأن الكاف مفعولُهُ فهو يصلُ إليها بنفسه، (وَمِنْ ذُرِّيَّتي) مجرور فكيف يُعطفُ المجرورُ على المنصوب. (٢٥٦) . أعرب الزمخشريّ (ومَنْ كَفَر) معطوفة على (مَنْ آمن) في قوله تعالى: (وَإذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآَخِرِ، قَال وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً..) ٤.

стр. 64

ولم يرتض ابن أبي الربيع هذا الإعراب، بل رَدّهُ بقوله: (ورأَيتُ بعضَ المتأخّرينَ يذهبُ إلى أنّ (وَمَنْ كَفَرَ) معطوفٌ على (ومَنْ آمن) ١، وحقُّ المعْطُوفِ أنْ يكونَ مُشَرّكاً في العامِلِ، والتّشريك هُنا مُمْتْنعٌ؛ لأنَّ الأوَّل دعاءٌ، والثاني إخبارٌ عن الأصل٢. (٩٨) .

стр. 65

المبحث السابع عناية ابن أبي الربيع بالقراءات أورد ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسيره قراءات مختلفة، فيها المتواترة، والشاذة، وقد تناول الكثير من هذه القراءات بشيء من البيان والتوجيه على مقتضى قواعد العربية، ونبّه على ما خرج من القراءات الشاذة عن أصول العربية والقياس الصحيح. ومنهجه في الاحتجاج بالقراءات يقوم على تقديم المتواتر والتعويل عليه، وتَوْجيه القراءات الشاذة غالباً على الأوجه المحتملة في العربية، فإذا لم يجد لها وجهاً في العربية خرجها على قاعدة الاتساع. وتارة يورد القراءات متواترة كانت أو شاذة دون أن يتبعها بتوجيه أو بيان، كقوله: لم يقرأ في السبع إلاّ بالتخفيف٣، وأمّا في غير السّبع فقد حكى فيه قراءات (٤) ٤، وقد قرىء في غير السبع (٥) ٥، ومن أمثلة القراءات الموجه ما يلي:

стр. 66

قال في توجيه القراءة الشاذة في قوله تعالى: (أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) قُرىءَ في الشّاذّ (أنذرتهم) وهو على حذف همزة الاستفهام، اسْتغنوا عنها بأم، لأنَّ أم طالبة بالاسْتفهام، ثم ثَقُلَ اجتماع الهمزتين، وهذا لا يَكادُ يُعْرَفُ، ولم يجئ في السبع١. وقال في توجيه قراءة (غِشَاوَة) من قوله تعالى: (عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) ٢ (.. لم يقرأ هذا في السّبع إلاَّ بالرّفع، وقُرِىءَ في غير السبع بنصب "غَشِاوَة " ورُوِيَ ذلك عن عاصم في روايته المشهورة عنه لها وجه، وهو أن يكون منصوباً بإضمار فعل دَلّ عليه (وخَتَمَ) ٣، لأنَّ الختم في القلب وَالسّمع نظير جعل الغشاوة على العين، فيكون هذا بمنزلة قول امرئ القيس: ... ... ... ... ... يُحَلّين ياقوتاً وشذراً مُفَقَّرا وَرَيَحَ سَناً في حِقِّهِ حِمَيريةٍ ... ... ... ... ... المعنى: وُ يضَمّخْنَ ريح سنا، وحذف يضمخْن؛ لأنَّ ما قبله وهو يُحَيّن يَدُلُّ عليه. وجاء في غير السّبع "غَشْوَةٌ " والمعنى تغطية، وهو مصدر. و"غُشاوة" يضم العين، وبالعين غير المعجمة. والواو في عشاوة أصل، لأنّهم قالوا: عشا يعشو، قال: متى تأته تعشو إلى ضَوْءِ نارِه ... تجد. وأمَّا مَنْ قَرَأَهُ بالغَيْنِ فالواو مُنْقلبةٌ عَنْ يَاءٍ، لأنّهم قالوا: الغشيان. وقالوا: غَشيَة وقُرىءَ "غِشْوَةَ "بكسرِ الغين والواو منقلبة عَنْ ياء، وهذه قراءاتٌ لم تثبت في السبع، والثابت في السَّبع (غِشاوة) بكسر الغين وفتح الواو ورفع التاء. وفِعالة بكسر أوّله يأتي في المصادر إذا كان فيها ولاية، نحو الإِمارة، والحياكة، والكتابة، لأنَّ في هذه كلّها شبهاً بالولاية.٢٩- ٣٠.

стр. 67

تضعيفُ القراءةِ الشَّاذًةِ أو تخريجها على وجه الاتساع وتارةً يُورِدُ القراءةَ الشّاذة ويخرجها على مقتضى الصنعة الإعرابية ليظهر وجه الضعف فيها، من ذلك ما أورده في توجيه قراءة الرفعِ لكلمة (بَعُوضَةً) من قوله : (إِنَّ اللَّهَ لاَ يستحي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضةً فَمَا فَوْقَهَا) قال توجيه رفع (بَعُوضة) : (.. لم يَقْرَأُ السبعة إلاّ بنصب "بَعُوضةً"، وَقرِىء في غير السّبع بالرّفع ولَيْسَ بالقويّ، لأنَّ (ما) هنا بمعنى الّذي وَصِلَتُها "بعوضة " ولابدَّ مِن ضميرٍ محذوف تقديره: الّذي هُوَ بعوضة، وهذا الضّمير يَقِلُّ حذفُهُ، وإنّما هُوَ في الأفْصَح ظاهرِّ كما قال تعالى: (وَرَاوَدتْهُ الَّتِى هُوَ فِي بَيْتِهَا) ١. وكذا وجه الرفع في كلمة (أحَسّنُ) من قوله تعالى: (تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنَ) ٢. ومِمّا قال هنا: ".. قرىء في الشاذ بالرفع وهو على تقدير: الّذي هو أحسنُ، وحذف الضمير العائد من الصّلة إلى الموصول إذ كان مُبتدأً ضعيفٌ إلا في أَيِّ، وقد حَسُنَ بعض حُسْنٍ إذا طال الكلام. (١٢١) . وقال عن توجيه قراءتي الرفع والنصب في كلمة (مُصَدِّقٌ) من الآية الكريمة: (ولمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ منْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) ٣. (.. لم يقرأ (مُصَدِّقٌ) في السبع إلاّ بالرفع، وهو صفة للكتاب، وقُرىءَ في غير السبع (مصدقاً) بالنّصب، وهُو عِندي حالٌ من الضمير الّذي في (من عندِ اللَّهِ) ، لأنه نائب مناب مُسْتَقِرٌّ، فيكون المعنى: وَلمَّا جاءَهُم اسْتقر من عند الله في حال أنه مصدق بالتوراة؛ أيْ موافقاً لما في التَّوْراة. (٢٣٣) .

стр. 68

ومما خرج فيه ابن أبي الربيع القراءة السبعية على خلاف القياس والقراءة غير السبعية على مقتضى القياس كلمة (مَثُّوبة) من قوله : (وَلَوْ أَنَّهمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ منْ عِندِ الله خَيْرٌ لوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ١، قال في بيان القياس في (مَثوبةٌ) (.. يقالُ مثوبة، ومعناهُ الثَّواب، وكان القياسُ في مثوبة مثابة، ولم يقرأ به في السّبع، وقُرِىء في غيرِ السّبع، لأنَّ الفعل معتل فينبغي أن يكون المصدرُ كذلِكَ، مثل المنابة والمقامة والمقالة والمثابة، لكنّهُ جاء مصححاً على الأصل كما جاء القُصْوَى والقَود. (٢٦١-٢٦٢) . وتارة يوجّه المعنى وَفْق القراءة الواردة في الآية، كقوله في كلمة (تسأل) من الآية الكريمة (إِنّا أرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْألُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم) ٢. قُرِىء (تسْأل) بالجزم، ولا نَهْيٌ، وقُرىء (ولا تسألُ) بالرَّفعِ وبناء الفعل للمفعول. فمنْ قرأَهُ بالرفع عطفةُ على (بشيراً) والمعنى: إنَّا أرْسلناك مبشراً ونذيراً وغيرَ سائل عن أصحاب الجحيم، أيْ مَنْ كَفَرَ لا تسأل عن كفره. ومَنْ قرأ "ولا تسألْ " بالجزم، ففيه تعظيم الجهة، أي: لا تسأل عن هؤلاء، أي إنَّ أمْرَهُم أكبر من ذلك. (٢٨٣) . وتارة يخرج القراءة على قاعدة الاتساع، كقوله في توجيه قراءة الضم في (وُقُودها) من الآية الكريمة: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التي وَقُودُهَا الناس والحجارة..) .٣ (.. وقرأ جماعة في الشاذ: (وُقُودُها) بضم الواو، والوُقود بضم الواو المصدر فالإخبار عنه بالنَّاس والحجارة فيه اتساع مِنْ وَجْهَين:

стр. 69

أحدهما: أنْ يكون على حذف مضاف. الثاني: أن يكون جعل النَّاس والحجارة وقوداً لمّا كان الاتّقاد بهما، كما تقول: زيد زين الكلمة، وأطلق الزّين عليه وهو في الأصل مصدر، كما تقول: حياة المصباح السّليط، وُيسمىّ الشيء باسم ملازمه، وقد مضى الكلام في الاتّساع، وأنّه يكونُ على وجوهٍ، هذا أحدها، وهو تَسْمِية الشيءِ بما يلازِمُهُ. (١٠٦) .

стр. 70

المبحث الثامن الاحتجاج بالشعر يُعدّ الشعر أحد المصادر السماعية التي أمدّتْ العربية بأفصح التراكيب وأبلغها، وأحسن الأساليب وأجزل المعاني، وأثره في ترسيخ أصول العربية وقواعدها وضبط أقيستها معروف لدى أهل الصنعة، وقد صُنّف في مصادر تثقيف اللسان وتقويمها بعد القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وحَسْبُهُ شرفاً وغايةً أن كان رَدِيفَ هذين الْوَحْيَين في حسن البيان، وفصاحة التراكيب والمفردات. وقد عَلا باللغة العربية إبّان عُصورِ الاحتجاج إلى السماكين، ونأبها بعيداً عن اللحن في البيان والتسكع في الخطأ الذي تفضله سقطات الصّمت.. واحتجاج ابن أبي الربيع بهذا الرافد يلتزم فيه نهج الرّعيل الأول من أرباب الصنعة فهو لا يحتج إلاَّ بما صَحّت لغتهُ وتقادمت روايته. وقد سلك في الاحتجاج طرائق شتى، فتارة يحتَجُّ بالبيت لبيان مفردةٍ من غريب القرآن، وتارةً يأتي به لتوجيه قراءة من القراءات التي احتجّ بها، وتارةً يحتجُّ به على قَضِيّةٍ نحَوِيَّةٍ أوْ صَرفِيّةٍ.. وفيما يلي يُورِدُ البحثُ أمثلةً تُبينُّ ما ألمحت إليه هذه التوطئة. قال في تفسير كلمة "الصّلاة " من قوله تعالى: (الذين يُؤْمِنُونَ باَلْغَيْب وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) ١.

стр. 71

(.. الصّلاة: الدعاء، قال: عَليكِ مثل الّذي صَلّيتِ فاغْتَمِضي ... يوماً فإنّ لجنب المرءِ مُضطّجعا وقال آخر: لها حَارِسٌ لا يَبرُحُ الدّهر بَيْتَها ... وَإنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْه مَا وزَمْزَما (٢٨) وقال في تفسير المفلحون من الآية: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ١: الفلاحُ والفَلَحُ: البقاء، قال الأعشى، وأنشدَهُ يعقوب: وَلَئِنْ كُنتُ كَقومٍ هَلكوا ... ما لِحْيّ يالَقومِ مِنْ فلح أي من بقاء. وقال عدي بن زيد: ثمّ بعد الفَلاَح والملكِ والأمْرِ ... ةِ وَارَتْهُم هُناك القُبُورِ وقال غيره: والصّبحُ والمسِىُّ ... لاَ فَلاحَ مَعه.. (٣٤) . المعنى: لا بقاء معه. واحتجّ لقراءة فتح الميم في (مَن) من قوله : (وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) ٢،لبيانِ وَجه الإشكال في إعراب "مَنْ" قال في توجيه الإعراب الذي تحتمله "مَنْ ": (. وأمّا (والذين مَنْ قَبْلِكُم) فمشكلة وَهِيَ عِندي بمنزلة قول زُهير: ... ... ... ... ... ... ... لَدَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَها أُمُّ قشعَمِ المعنى لدى إلقَاء أمَّ قشعم، فأتى بلدى وحيثُ، وهما لمعنى واحدٍ، ثم جاء بعد حيثُ بجملة في موضعِ خفض ودلّتَ على مخفوض لدى، فكأنّها. بدلٌ مِن لَدَى، ولَدَى تطلبُ مَخْفُوضاً، وحيثُ تطلب جملةً في موضع خَفَضِ، فأتى بالجملة لحيثُ، ودَلّ على

стр. 72

مخفوضِ لَدى كما ذَكَرْتُ لَكَ، فقولك: والّذينَ مَنْ قبلكم، والّذين ومَنْ معناهما واحد، فكأنّ مَنْ بدلْ من الذين، وكلاهما تطلبان الصّلة، فأتوا بالصّلةِ لِمَنْ فدَلّت على صِلَةِ الذين.. (٩٢) . واحتجّ لِحمْلِ المضُارِع على الماضي في قوله تعالى: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبيَاءَ الله مِن قَبْلُ) ١فقال: (وتقتلون وُضِعَ موضعَ قَتَلْتُم والمضارعُ يُوضَعُ موضِعَ الماضي إذا كان معنا ما يدُلُّ على ذلك، قال امرؤ القيس: لَعمري لَقَوْمٌ قَدْ نَرى الأمْسَ فيهُمُ ... مَرابط للأمْهَارِ والعَكَرِ الدَّثرُ ٢. فقوله: الأمْسِ يَدُلُّ على أن نَرى في معنى رأينا، وكذلك "مِنْ قَبْلُ " في الآية يَدُلَّ على أنَّهُ ماض. واحتجَّ لترجيح الاستعارة على التّشبيه في الآية الكريمة: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْ جِعُونَ..) ٣فقال: والأنسب الاسْتِعارَةُ، وَإِنَّما تُسمىَّ الاستعارةُ إذا لم يُترك المشبه وطوى ذكْرُهُ، كما قال: لدى أسدٍ شاكي السّلاحِ مقذفٍ ... ... ... ... ... ... ... وعرض للإلتفات في الآية الكريمة: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) . وبين صُورَهُ التي يأتي عليها واحتج لكل منها واصفاً ذلك بما له من الفصاحة وحسن البيان فقال: وفي هذا الخروجُ من الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى على أوّلِ الكلام لكان إيَّاهُ.

стр. 73

وهذا مِنْ فصيح كلام العرب، قال امرؤ القيس: تطاولَ ليلُكِ بالاثمُدِ ... فنام الخليّ ولم تَرْقُدِ وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمدِ فانتقل من الخطاب إلى الغيبة، ثم قال في البيت الثالث: وَذلِكَ مِن نَبأٍ جاَءني ... وَخُبِّرتُهُ عَنْ أبي الأسودِ انتقل إلى التكلم، ويسمى هذا الالتفات، وهو كثير في القرآن، وهذا من فصيح كلام العرب ...

стр. 74

المبحث التَّاسع القياس عند ابن أبي الربيع عَرّفه ابن الأنباري بأنه: (حملُ غيرُ المنقُول على المنقول إذا كان في معناه) . وقال السيوطي: (وهو معظم أدلة النحو، والمعول في غالب مسائله عليه، كما قيل: إنما النحو قياس يتبع) . ومن يُقلّب صفحات كتب النحو يجد أنَّ القياس كان أحد الركائز التي قام عليها صرح علم النحو وبُسطت به مسائله وأحكمت قواعده، واسْتقَام به الدرس النّحويُّ، وكان أحد الروافد المعينة لأئمة النحو في توجيه المسائل التي لم يكن لها دليلٌ من نقل فحملوها بمقتضى القياس على ما يماثلها مِمّا استقام نهجها على مجاري كلام العرب. وابن أبي الربيع في مؤلفاته النحوية، وفي هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز ينزع منزع السلف من أئمة النحو في التَّعويل على القياس في المسائل التي لا مستند لها من النقل أو السماع الموثوق به، ومِمّا وجهه في هذا الجزء من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه على مقتضى القياس ما يلي: الجر بحرف الجر المحذوف إذا كان مجروره أنّ أو أن وذلك قياساً على (ربّ) قال في

стр. 75

توجيه الآية الكريمة: (إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً..) (أن يَضْرِبَ) على إسقاط حرف الجر، وأصله: إنَّ الله لا يستحي من أن يضرب ثم حذف مِنْ.. واختلف الناس في بقاء عمله أو زوال عمله كما اختلفوا في (أنّ) وكلا الوجهين له وجه، والأظهر عندي أن يبقى العمل فيما حَذْفُه كثير، ويجرى مجرِى رُبّ، فإنها حُذِفَتْ وبقى عملها ٠٠) . (١٢٠) . المصدر الموضوع موضع الحال القياس أن يكون مفعولاً لأجله قال في توجيه إعراب (بغياً) من الآية الكريمة: (بئْسَمَا اشترَوا بهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ الله بَغْياً) .١. (.. (وبَغْياً) مصدرٌ في موضع الحالِ، أيْ باغين لأجلِ أنْ ينِزّل الله من فضلهِ، أو يكونَ مفعولاً لأجلهِ، لأنَّ المصدَرَ الموضوع موضع الحال يُحفظُ ولا يقاس عليه، والمفعول من أجله قياس. (١٣٥) . ويتكررُ هذا بتفصيل أدق في المصدر (حسداً) الواردة في قوله : (وَدَّ كَثِيرٌ منْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً) ٢. قال في توجيه إعراب (حسدا) : (.. و (حسداً) هو يحتمل أن يكون مفعولاً من أجله، أيْ ودوا بحَسْدِهِم، ويُحتملُ أن يكون "حسداً" مصدراً في موضع الحالِ، والمعنى: حاسدين لكم. والأوّل أحسنُ، لأن المصدر في موضع الحال يُحفظُ ولا يقاسُ عليه، والمفعول من أجله مطردٌ قياسٌ إذا صحت شروطه، لأنّه مصدرٌ لفاعل الفعل المعلّلِ، وهو معه في زَمن واحدٍ) . (٢٧٢) .
следующие страницы →