ولا غرو أن أبدى العجايب ربّه ... وفي ثوبه بر، وفي كفه بحر (١).
ومنهم محمد بن عبد الرحمن العقيلي الجراوي من أهل وادي آش. سكن غرناطة، وكان أديباً مشاركاً في علوم جمة، ولاسيما الطب، كما كان شاعراً جزلا مطبوعاً. ومن قوله يمتدح أمير المسلمين علي بن يوسف:
رحلوا الركايب موهنا ... فأذاع عرفهم السنا
والحلي قد أغرى بهم ... لما ترغم معلنا
كم دب حول حماهم ... من كل خطّار القنا (٢).
ومنهم أحمد بن علي بن محمد بن عبد الملك بن سليمان بن سيد الكناني النحوي، من أهل إشبيلية، وقد عرف " باللص " لما نسب إليه في صغره من إغارته على أشعار الآخرين. وكان أديباً، متقناً للعربية، شاعراً جزلا مجيداً. ولد سنة ٥٠٣ هـ، وتوفي في سنة ٥٧٧ هـ (١١٨١ م.). ومن نظمه قوله:
وقائلة والضنا شاملي ... على م سهرت ولم ترقد
وقد ذاب جسمك فوق الفراش ... حتى خفيت عن العوّد
فقلت وكيف أرى نائما ... وراعي المنية بالمرصد (٣).
ومنهم أبو بكر بن قزمان، أمير الزجل الأندلسي، وهو محمد بن عيسى ابن عبد الملك بن قزمان الزهري من أهل قرطبة، برع في الشعر والأدب، وبرع بنوع خاص في نظم القصائد الهزلية بلغة عوام الأندلس أو بعبارة أخرى في نظم الزجل. يقول ابن الخطيب " وهذه الطريقة بديعة يتحكم فيها ألقاب البديع، وتنفسح لكثير مما يضيق سلوكه على الشاعر، وبلغ فيها أبو بكر مبلغاً حجره الله عن سواه فهو آيتها المعجزة، وحجتها البالغة، وحارسها المعلم، والمبتدى فيها والمتمم ". ويصفه ابن خلدون بأنه " إمام الزجالين على الإطلاق ". وخدم ابن قزمان في شبابه المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس ونال لديه حظوة وجاهاً.
فلما انتهت دولتهم، عاد إلى قرطبة وتردد بينها وبين غرناطة. ولما قام ابن حمدين في قرطبة، تعرض ابن قزمان لمطاردته ونكاله، وذلك بسبب " شكاسة
стр. 1612
أخلاق كان موصوفاً بها، وحدة شقى بسببها ". وتوفي ابن قزمان بقرطبة في رمضان سنة ٥٥٥ هـ (١١٦٠ م).
وقد اشتهرت أزجال ابن قزمان في الأندلس والمغرب، وجمعت في ديوان خاص متداول، وترجم الكثير منها فيما بعد إلى القشتالية، وكان لها أثر عميق في صوغ الأناشيد الشعبية القشتالية، ثم الأناشيد البروفنسية. وقد أبدى البحث الحديث، أن كثيراً من الأغاني الشعبية في إسبانيا وغيرها من الأمم النصرانية المجاورة، اشتق من أزجال ابن قزمان.
ونحن نكتفي بأن نورد هذين النموذجين من أزجال ابن قزمان:
قدر الله وساق الخناس
إلى وادي على عيون الناس
ولعبنا طول النهار بالكاس
وجاء الليل وامتد مثل القتيل
وقوله يصف عريشاً أمامه تمثال أسد من رخام يصب الماء من فمه على صفائح مدرجة من الحجر:
وعريش قد قام على دكان ... بحال رواق
وأسد قد ابتلع ثعبان ... في غلظ ساق
وفتح فمه بحال إنسان ... فيه الفواق
وانطلق يجري على الصفاح ... ولقى الصباح (١).
стр. 1613
الفصل الثالث
الحركة الفكرية الأندلسية خلال العهد المرابطي القسم الثاني
أعلام المحدثين والفقهاء. الحافظ أبو على الصدفي. القاضي ابن العربي. أبو الوليد بن رشد الجد. ابن ورد التميمي. أبو العباس أحمد بن الصقر الأنصاري. أبو محمد بن عطيه المحاربي. مديحه للمرابطين. عبد الرحمن بن عبد الله المعافري. عبد الله بن محمد المرسى. ابن الحلال. ابن أبى مروان. أبو جعفر البطروجي. ابن الدباغ. سفيان بن أحمد العاصي. أحمد بن عبد العزيز الأزدي. علي بن صالح بن عز الناس. عبد الله بن خلف القرشي. ابن الباذش. القاضي عياض السبتي، حياته وتراثه. ابن بركة. ابن صاحب الصلاة. ابن اشكبندر. ابن صنعون. ابن هذيل. ابن سيد الجراوي. العلامة الصوفي أبو العباس ابن العريف. نموذج من شعره الروحي. دعوة المريدين وتطورها على يد ابن قسي. ابن المنذر. أبو بكر ابن المنخل. ابن سفيان المخزومي. ابن الإقليشي. علماء اللغة. ابن السيد البطليوسي. يونس بن مغيث. العلوم. ابن باجة. شىء من شعره. ابن يحيى الخزرجي. أبو القاسم خلف بن عباس. أمية بن أبى الصلت. حياته ومؤلفاته. بنو زهر. أبو العلاء بن زهر. ابنه عبد الملك. ولده أبو بكر. أبو عبد الله الطغنري. تأملات.
- ١ -
ظهر في شبه الجزيرة الأندلسية، من أعلام المحدثين والفقهاء، في العصر المرابطي، جمهرة كبيرة، بلغ بعضهم في ميدانه أرفع مكانة. وكان في مقدمة هؤلاء اثنان لمع أحدهما في شرقي الأندلس، ولمع الثاني في غربي الأندلس، وكان لهما أكبر أثر في ازدهار علوم السنة والفقه في ذلك العصر.
أولهما العلامة الحافظ أبو على حسين بن محمد بن فيرُّه الصدفي. أصله من سرقسطة من أهل الثغر الأعلى، وبها كان مولده ونشأته، ودرس في سرقسطة وبلنسية وألمرية، وكان من أساتذته أبو الوليد الباجي، وأبو العباس العذري، وأبو عبد الله بن المرابط. ثم رحل إلى الشرق في سنة ٤٨١ هـ، وحج ودرس بمكة وبغداد ودمشق والقاهرة، على أشهر علماء العصر. ثم عاد إلى الأندلس سنة ٤٩٠ هـ، واستوطن مرسية، وقد ذاع صيته العلمي، واشتهر بالأخص بتبحره في علوم السنة. وولي قضاء مرسية مدة، ولكنه استعفى فأعفي، وانقطع لنشر
стр. 1614
العلم وتدريسه، فهرع الناس لسماعه والأخذ عليه، وكان أعظم حفاظ عصره.
وكتب عدة كتب في الحديث. وفي سنة ٥١٤ هـ ذهب إلى شاطبة وأقام بها، وكان دائب الحث على الجهاد. ولما سار الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين غازياً إلى الثغر الأعلى لإنقاذ دورقة وقلعة أيوب، كان أبو علي ضمن العلماء الذين ساروا في ركبه، وكان ممن استشهد في موقعة كتندة، التي نشبت على أثر ذلك بين المرابطين وبين الأرجونيين، بقيادة ألفونسو المحارب، في ربيع الأول سنة ٥١٤ هـ (يونيه ١١٢٠ م) وذلك حسبما فصلناه من قبل في موضعه (١).
والثاني هو القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن العربي المعافري، وهو من أعظم فقهاء العصر المرابطي وحفاظه، ولد بإشبيلية سنة ٤٦٨ هـ وبرع في الحديث والأدب، ورحل إلى المشرق مع أبيه حينما أرسله يوسف بن تاشفين سفيراً عنه إلى الخليفة المستظهر والإمام الغزالي، وذلك في سنة ٤٨٥ هـ، ودرس بمكة والقاهرة وبغداد ودمشق. وقرأ في بغداد على أبى بكر الشاشي، وأبى حامد الغزالي، وبدمشق علي أبى بكر الطرطوشي، ثم عاد إلى الأندلس سنة ٤٩٣ هـ، يسبقه صيته العلمي. ويصفه تلميذه ابن بشكوال " بالإمام العالم الحافظ، المستبحر، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها ". وتولى ابن العربي قضاء بلده إشبيلية لأول مرة في سنة ٥٠٨ هـ، ولبث به مدة وعرف بحزمه ونزاهته، وتحريه العدل والحق والتزام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أوذى بسبب ذلك وانتهبت أمواله وكتبه. ثم صرف عن القضاء وانقطع للتدريس ونشر العلم. وكتب عدة مؤلفات منها " كتاب ترتيب الرحلة "، وكتاب " العواصم والقواصم "، وكتاب " أنوار الفجر " في مدح الرسول، وكتاب " قانون التأويل "، وكتاب " التلخيص في النحو"، وكتاب " القبس في شرح موطأ مالك " وبلغت مؤلفاته نحو الأربعين كتاباً. ولما اضطربت أمور الدولة المرابطية بالأندلس، وغلب الموحدون على إشبيلية، عبر القاضي ابن العربي البحر إلى المغرب، على رأس وفد كبير من علماء إشبيلية وأعيانها، ولقى الخليفة عبد المؤمن بمراكش في أوائل سنة ٥٤٢ هـ، وذلك عقب افتتاحها، وقدم إليه بيعة أهل إشبيلية، ولما غادر الوفد مراكش عائداً إلى الأندلس، توفي القاضي ابن العربي خلال الطريق، ردفن بفاس وذلك في جمادى الآخرة من نفس السنة (١١٤٧ م). ومما تجدر ملاحظته
стр. 1615
أن ابن العربي بالرغم من تحوله إلى جانب الموحدين حينما قامت دولهم، لم يضن بمديحه للمرابطين وعهدهم، حسبما أشرنا إلى ذلك من قبل (١).
وكان من أعلام الفقهاء في العصر المرابطي، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الجد، قاضي الجماعة بقرطبة، وقد برع بالأخص في الفقه المالكي، وألف فيه عدة مصنفات جليلة، منها " كتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل " و " كتاب المقدمات لأوائل كتاب المدونة "، واختصار كتاب المبسوطة، واختصار مشتمل الآثار لأبى جعفر الطحاوي. وكان ابن رشد بجلال بيته، ورفيع خلاله، ورياسته العلمية، من الرؤساء ذوي المكانة والنفوذ، لدى البلاط المرابطي، وقد رأينا فيما تقدم خطورة الدور الذي اضطلع به، في إقناع أمير المسلمين علي بن يوسف بتغريب النصارى المعاهدين. ولد بقرطبة سنة ٤٥٠ هـ، وتوفي بها في شهر ذي القعدة سنة ٥٢٠ هـ (أواخر ١١٢٦ م) (٢).
ومن أشهر الفقهاء المحدثين والحفاظ، في ذلك العصر، أبو القاسم أحمد بن عمر بن يوسف بن ورد التميمي من أهل ألمرية. وكان متمكناً أيضاً من الأدب والنحو والتاريخ، ومتقناً لعلم الأصول والتفسير. انتهت إليه، وإلى زميله القاضي ابن العربي رياسة الفقه المالكي في عصرهما، ولى قضاء غرناطة، فظهر فيه بكفايته وعدله وحسن سيرته؛ وتوفي بألمرية في رمضان سنة ٥٤٠ هـ (١١٤٦ م) (٣).
ومن أعلام المحدثين والفقهاء أيضاً، أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن الصقر الأنصاري الخزرجي، أصله من سرقسطة، ومولده بألمرية سنة ٥٠٢ هـ، وكان محدثاً بارعاً، وفقيهاً متمكناً متقدماً في علم الكلام، وكاتباً بليغاً وشاعراً محسناً، استدعاه أبو عبد الله بن حسون قاضي مراكش المرابطي إلى كتابته، فلما صرف عن القضاء، تولى أبو العباس خطة الإمامة، واستمر بها، حتى سقطت مراكش وآل الأمر إلى الموحدين. ولما وقعت النكبة، واستباح الموحدون دماء أهل المدينة، اختفى أبو العباس حيناً، وكتب له النجاة، حتى نودي بالعفو، ثم استُنقذ من الرق، واتصل بالسادة الجدد، أعني الموحدين.
стр. 1616
فنظمه عبد المؤمن بين طلبة العلم، وأضفى عليه رعايته، ثم ولاه قضاء غرناطة، ثم قضاء إشبيلية. وهنالك توثقت صلاته بجاره وصديقه العلامة أبى بكر بن طفيل. ولما تولى أبو يعقوب يوسف الخلافة، عينه للنظر على الخزانة (المكتبة) وهي عندهم من الخطط الجليلة، لا يتولاها إلا أكابر العلماء. وكتب أبو العباس عدة مصنفات منها " شرح الشهاب " وكتاب " أنوار الأفكار فيمن دخل جزيرة الأندلس من الزهاد والأبرار ". وله شعر جيد معظمه في الإلهيات والزهد. فمن ذلك قوله:
إلهي لك الملك العظيم حقيقة ... وما للورى مهما منعت نقير
تجافى بنو الدنيا مكاني فسرَّني ... وما قدر مخلوق جداه حقير
وقالوا فقير وهم عندي جلالة ... نعم صدقوا إني إليك فقير
وتوفي أبو العباس بمراكش في جمادى الأولى سنة ٥٥٩ هـ (١١٦٤ م).
ورثاه صديقه العلامة ابن طفيل بقصيدة بعث بها إلى ولده بمراكش مطلعها:
لأمر ما تغيرت الدهور ... وأظلمت الكواكب والبدور
وطال على العيون الليل حتى ... كأن النجم فيه لا يغور (١).
ومنهم الفقيه الحافظ أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، من أهل غرناطة، برع في علوم القرآن والسنة وكان فقيهاً متبحراً، وأديباً واسع المعرفة، متقدماً في فنون عديدة، وتولى القضاء بغرناطة وألمرية، وألف في التفسير كتاباً ضخماً لخص فيه كل ما تقدمه من كتب التفسير، واشتهر بالمغرب والأندلس، وألف كتاباً في " الأنساب "، وانتهى إلينا من كل مؤلفاته " معجم شيوخه " وهو محفوظ بمكتبة الإسكوريال.
ولد سنة ٤١٨ هـ، وتوفي بلورقة سنة ٥٤٢ هـ (١١٤٧ م) (٢). وكان فوق ذلك أديباً ينظم الشعر، ومن قوله في مدح المرابطين:
إذا لثموا بالريط خلت وجوههم ... أزاهر تبدو من فتوق كمائم
وإن لثموا بالسّابرية أظهروا ... عيون الأفاعي من جلود الأراقم (٣).
стр. 1617
وهذا المديح للمرابطين من الأمور النادرة في الشعر الأندلسي. وقد نجد شاعراً يمتدح أميراً منهم لصلة خاصة. ولكن يندر أن نجد شعراً في مدح المرابطين بصفة عامة.
ومنهم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله المعافري، وكان من الفقهاء الوزراء.
كان متمكناً من الفقه والحديث، بارعاً في الأدب، محسناً للنظم، كاتباً بليغاً، ولي أيام الأمير علي بن يوسف مستخلص غرناطة وإشبيلية (الأملاك السلطانية) فقام على إدارتها بحزم وكفاية، ثم ندبه الأمير إلى طرطوشة ليشرف على أهلها وتجديد مبانيها، فأدى مهمته خير أداء، وكان جواداً كثير البذل، وتوفي في سنة ٥١٨ هـ (١١٢٤ م) (١).
ومنهم عبد الله بن محمد عبد الله النفزي المعروف بالمرسي، ولد بمرسية سنة ٤٥٣ هـ، ودرس بها ثم انتقل إلى سبتة، وتولى الخطابة بجامعها مدة، وكان متفوقاً في علم الحديث، وأخذ الناس عنه، ومنهم صاحب الصلة، وكتب عدة مؤلفات، وتوفي بقرطبة سنة ٥٣٨ هـ (١١٤٣ م) (٢).
ومنهم قاضي قضاة الشرق أبو العباس أحمد بن محمد بن زيادة الله الثقفي المعروف بابن الحلاّل. درس الفقه والحديث والأدب، وولي خطة الشورى، ثم ولي قضاء أوريولة، ثم نقل إلى مرسية حيث تولى بها قضاء الجماعة، وعلت مكانته لدى محمد بن سعد أمير الشرق، ولكنه كان سيىء التصرف، كثير الرعونة، ووشى به إلى الأمير، فقبض عليه واستصفى أمواله، واعتقله ببلدة أندة على مقربة من بلنسية، ثم أمر به فقتل، وكان مقتله في سنة ٥٥٤ هـ (١١٥٩ م) (٣).
ومنهم أحمد بن عبد الملك بن محمد بن إبراهيم الأنصاري، ويعرف بابن أبى مروان، من أهل إشبيلية، كان حافظاً متقناً، فقيهاً ظاهري المذهب على طريقة ابن حزم القرطبي، وله مؤلف في الحديث عنوانه " المنتخب المنتقى " جمع فيه ما افترق في أمهات المسندات من نوازل الشرع. توفي قتيلا بلبلة خلال ثورة أهلها وتغلب الموحدين عليهم، وذلك في شعبان سنة ٥٤٩ هـ (١١٥٤ م) (٤).
стр. 1618
وأبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن البطروجي، وقد نبغ في الفقه والحديث، وكتابة السير، وكان من أشهر حفاظ عصره، وتوفي بقرطبة سنة ٥٤٢ هـ (١١٤٧ م) (١).
ويوسف بن عبد العزيز بن يوسف بن فيرُّه الليثي، ويعرف بابن الدباغ، أصله من أهل أندة، وسكن مرسية، ودرس على أبى علي الصدفي، وكان من أنبه تلاميذه. ونبغ في الحديث والرواية، وكتب عدة مصنفات منها " كتاب طبقات المحدثين " و" طبقات أئمة الفقهاء "، ورسالته في الحفاظ، وغيرها. وتوفي سنة ٥٤٦ هـ (١١٥١ م) (٢).
وأبو بحر سفيان بن أحمد العاصي الأسدي، أصله من شرقي الأندلس من مدينة مربيطر من أعمال بلنسية، برع في الحديث والأدب والرواية، وكان حسبما يصفه ابن بشكوال من جلة العلماء، وكبار الأدباء، سمع منه وحدث عنه كثير من أهل عصره. وكان من شيوخ ابن بشكوال. وتوفي بقرطبة سنة ٥٤٢ هـ (١١٤٧ م) (٣).
ومنهم أحمد بن عبد العزيز بن محمد الأزدي، وهو شقوري الأصل، نشأ ودرس بمرسية. وكان فقيهاً متمكناً، حافظاً، بصيراً بالفتوى. ولي قضاء شاطبة مدة أيام الأمير محمد بن سعد بن مردنيش، ثم ولي إلى جانبه قضاء أوريولة، ولما نكب قاضي الجماعة أبو العباس بن الحلال، نكب معه، واعتقل شهوراً، ثم أطلق سراحه، وأعيد إلى قضاء أوريولة، ومنصب الشورى بها، إلى أن توفي في سنة ٥٦٤ هـ (١١٦٩ م) (٤).
وعلى بن صالح بن أبى الليث الأسعد بن الفرج، أبو الحسن بن عز الناس، أصله من طرطوشة، ونشأ بميورقة، وتجول في بلاد الأندلس يدرس أينما حل، ويتلقى العلم من أقطاب عصره، وكان من أساتذته أبو بكر بن العربي، وأبو القاسم بن ورد، وأبو الوليد بن رشد، وبرع في الفقه والأصول والحديث، وكان في نفس الوقت أديباً شاعراً، خدم الأمير أبى زكريا بن غانية، أيام إمارته
стр. 1619
لبلنسية، ثم صحبه إلى قرطبة، ولازمه إلى أن توفي بغرناطة في سنة ٥٤٣ هـ، فانتقل إلى شرقي الأندلس، واستقر بدانية، ومن مؤلفاته كتاب " العزلة "، " وشرح معاني التحية ". ولد بطرطوشة سنة ٥٠٨ هـ، وقتل بدانية بأمر محمد ابن سعد في رمضان سنة ٥٦٦ هـ (١١٧٠ م) (١).
وعبد الله بن خلف بن محمد القرشي، من أهل مورور، وسكن إشبيلية ودرس بها وبقرطبة على أقطاب عصره، ومنهم ابن حمدين، وأبو محمد بن عتاب، وأبو الوليد بن رشد، وكان فقيهاً حافظاً متقناً لفروع المذهب المالكي، ماهراً في استنباط الأحكام، بصيراً بالفتوى، تولى قضاء بلده مورور حيناً، ولد في سنة ٤٩٣ هـ، وتوفي سنة ٥٧٦ هـ (١١٨٠ م) (٢).
ومنهم محمد بن خلف بن صاعد الغساني، من أهل شلب، يكنى أبا الحسين ويعرف اللبلي لأن أصله من لبلة، درس على أقطاب عصره مثل أبى الوليد ابن رشد، وأبى محمد بن عتاب، وأبى عبد الله بن الحاج، وبرع في الفقه، ورحل إلى المشرق ودرس هنالك على طائفة من أعلامه، ثم عاد إلى الأندلس، فعنى بتدريس الفقه والحديث وعقد الشروط، ثم ولي قضاء شلب، وتوفي في سنة ٥٤٧ هـ (١١٥٢ م) (٣).
وكان من أشهر أئمة القراءات في ذلك العصر، أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري المعروف بابن الباذش، وأصله من جيان، وكان إلى جانب ذلك أديباً متقناً للنحو، بصيراً بالأسانيد، ومن مؤلفاته " كتاب الإقناع " وهو من أجل كتب القراءات، وكتاب " الطرق المتداولة " وهو في القراءات أيضاً، وكانت وفاته في سنة ٥٤٠ هـ (١١٤٥ م) (٤).
ونستطيع أخيراً أن نذكر من أكابر الفقهاء والحفاظ، القاضي الأجل، والعلامة الفقيه الحافظ، عياض بن موسى اليحصبي السبتي، وهو إن كان أكثر نسبة إلى المغرب، إلا أنه درس بالأندلس، وشارك في الحياة العقلية الأندلسية مشاركة قوية.
ولد بثغر سبتة في منتصف شعبان سنة ٤٧٦ هـ، وتلقى العلم حدثاً عن أشياخ
стр. 1620
بلده، ثم عبر البحر إلى الأندلس في أوائل سنة ٥٠٧ هـ، ودرس أولا بقرطبة، وأخذ فيها عن ابن عتاب وابن حمدين وابن الحاج وغيرهم. وقصد بعد ذلك إلى مرسية، وسمع بها على حافظها أبى علي الصدفي ولازمه حيناً. ثم عاد إلى سبتة بعد أن قضى بالأندلس نحو عام ونصف، وجلس للدرس والمناظرة ثم الشورى.
وفي سنة ٥١٥ هـ، ولى القضاء، وكان ما يزال شاباً في الثلاثين من عمره، فسلك فيه طريقة مشكورة، وأبدى حزماً في تطبيق الأحكام والحدود، واشتهر بغزير علمه وحفظه، وصدق طريقته، ودقة فتياه. ثم ولي قضاء غرناطة في سنة ٥٣١ هـ، فقام به خير قيام، وأعرض عن الشفاعات والمؤثرات، وصد أهل السلطان عن الباطل، وتسبب في تشريدهم عن الأعمال، فاستاء الأمير تاشفين بن علي، لمسلكه، وضاق به ذرعاً، وسعى في صرفه عن قضاء غرناطة. فصرف عنه في رمضان سنة ٥٣٢ هـ، وعاد إلى سبتة، ولبث بها مدة وهو عاكف على التدريس والفتيا. ثم ولى قضاء سبتة للمرة الثانية في سنة ٥٣٩ هـ. ولما ظهر أمر الموحدين، بادر بالدخول في طاعتهم، فأقره عبد المؤمن على ما كان عليه، وصرف إليه شئون سبتة، وحظى لديه بالتنويه والتقدير، ثم رحل إليه ولقيه في سلا، وهو يتأهب للسير لحصار مراكش (سنة ٥٤٠ هـ)، فأجزل الخليفة صلته وعاد إلى سبتة، وهنا وقع الاضطراب بسبتة وخلع أهلها طاعة الموحدين، وقتلوا عاملها الموحدي، ونسب التحريض في ذلك إلى القاضي عياض.
وكان القاضي قد اتصل بيحيى بن غانية، وانقلب على الموحدين، فلما قدم الموحدون إلى سبتة، وشددوا في حصارها، عاد القاضي فسعى في الاعتذار إليهم، واستدرار عطفهم، فصفحوا عنه، وعن أهل سبتة، وسار القاضي بعد ذلك إلى مراكش (سنة ٥٤٣ هـ) ليستعطف الخليفة ويلتمس صفحه، فعفى عنه عبد المؤمن، وأكرم وفادته، وعينه بمجلسه، ثم مرض عياض بعد ذلك وتوفي بمراكش، في الليلة التاسعة من جمادى الآخرة سنة ٥٤٤ هـ (١١٤٩ م)، وذلك كله حسبما سبق أن فصلناه في موضعه.
وكان القاضي عياض من أكابر الحفاظ، ومن أعظم أئمة عصره في الحديث، وفي فهم غريبه ومشكله ومختلفه، بارعاً في علم الأصول والكلام، حافظاًْ للمختصر والمدونة، متمكناً من الشروط والأحكام، أبرع أهل زمانه في الفتيا، متقناً للنحو واللغة، أديباً كبيراً، وشاعراً مجيداً، حسن التصرف في النظم،
стр. 1621
كاتباً بليغاً، وخطيباً مفوهاً، عالماً بالسير والأخبار، ولاسيما سير العرب وأيامها وحروبها، وأخبار الصالحين والصوفية، مشاركاً في علوم كثيرة أخرى، وكان حسن المجلس، ممتع المحاضرة، فصيح اللسان، حلو المداعبة، بساماً مشرقاً، جم التواضع، يمقت الإطراء والملق، معتزاً بنفسه ومكانته، محباً لأهل العلم، معاوناً لهم على طلبه، جواداً، سمحاً، من أكرم أهل زمانه، كثير الصدقة، والمواساة (١).
وللقاضي عياض ثبت حافل من المؤلفات الجليلة منها كتاب " الشفاء بتعريف حقوق المصطفى " وهو أشهر كتبه. و " مشارق الأنوار "، في تفسير غريب الحديث. وكتاب " التنبيهات ". وكتاب " ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة المالكية " وكتاب " الإكمال " وكتاب " العيون الستة في أخبار سبتة " وغيرها، من كتب الدين واللغة والأنساب والتاريخ. ويعتبر القاضي عياض أعظم حفاظ المغرب وعلمائه في عصره، وقد خصه حافظ المغرب ومؤرخ الأندلس الكبير شهاب الدين المقري بكتابه الضخم " أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض " (٢).
وهناك جمهرة من الفقهاء والمحدثين، الذين ظهروا في العصر المرابطي، وتجاوزوه إلى العصر الموحدي، نذكر بعضهم فيما يلي:
كان من هؤلاء، محمد بن سليمان بن خلف النفزي من أهل شاطبة ويعرف بابن بركة، كان فقيهاً متمكناً، حافظاً للمسائل، بصيراً بالفتوى، خبيراً بعقد الشروط، حافظاً لمتون الأحاديث، مستظهراً لمقدمات ابن رشد، ولى خطة الشورى (٣) بشاطبة، واشتهر بكفايته وورعه، وزهده، وتوفي في جمادى الأولى سنة ٥٥٣ هـ (٤).
وأحمد بن يوسف بن اسماعيل بن صاحب الصلاة من أهل باجة، وكان
стр. 1622
من رواة الحديث، وأهل العناية به، وقد توفي شهيداً، حينما دهم النصارى مدينة باجة في ليلة السبت ٢٢ من ذي الحجة سنة ٥٥٧ هـ (١).
وأبو جعفر أحمد بن مسعود بن إبراهيم بن يحيى القيسي المعروف
بابن اشكبندر، أصله من سرقسطة بالثغر الأعلى، وولد بشاطبة، ودرس بها، ونبغ في الحديث والرواية، وكان من أكثر حفاظ عصره علماً بأسماء الرجال، وموالدهم ووفياتهم، حتى شبه في ذلك بالقاضي عياض، تولى خطة الشورى بشاطبة، وحدث وأخذ عنه بعض علماء عصره، وكان ورعاً منقبضاً زاهداً، وتوفي بالمهدية وهو في طريقه إلى الحج في رمضان سنة ٥٥٨ هـ (٢).
ومحمد بن أحمد بن محمد بن أبى العافية، من أهل مرسية، ويعرف بالقسطلي لأن أصله من قسطلونة، درس الفقه، وبرع في الفقه المالكي، وقام بتدريسه، وتولى الشورى ببلده، وكان موصوفاً بالحفظ، والعدالة والنزاهة وتوفي في شهر ذي الحجة سنة ٥٥٨ هـ (٣).
ومحمد بن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن صنعون بن شعبان، وهو من أهل شلب، ويعرف بالقنطري، نسبة إلى قنطرة السيف من أعمال الغرب، وهي دار سلفه. درس بإشبيلية وقرطبة وألمرية على جماعة من أقطاب العصر مثل أبى بكر بن العربي، وابن مغيث، وابن أبى الخصال، وغيرهم، وبرع في الحديث واشتهر بالحفظ والضبط، وبرع كذلك في الفقه، وتولى خطة الشورى، وكتب ذيلا لكتاب " الصلة " لابن بشكوال، نقلها ابن الأبار كلها، وتوفي بمراكش في شهر ذي الحجة سنة ٥٦١ هـ (٤).
وأحمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التجيبي من أهل مرسية.
درس على أبيه وعلى أبى علي الصدفي وغيره من شيوخ العصر، وبرز في الفقه، وعلوم القرآن، مع مشاركة في الأدب، وتقلد خطة الشورى وأحكام القضاء بمرسية مدة طويلة، ثم ولى قضاء شاطبة، وعرف بالكفاية والنزاهة، وتوفي بمرسية ثاني عيد الأضحى سنة ٥٦٣ هـ (٥).
стр. 1623
ومن الفقهاء الذين جمعوا بين الفقه والأدب، أحمد بن محمد بن هذيل الأنصاري من أهل بلنسية. درس بها وبقرطبة، وبرع في الفقه، وتولى خطة الشورى ببلنسية، ثم تولى قضاء بعض مدن ولاية قرطبة مثل إستجة وباغة. وكان فوق ذلك شغوفاً بالأدب، بارعاً في الكتابة، محسناً للنظم، وولى في أواخر حياته خطة المواريث ببلنسية في إمارة محمد بن سعد، ثم اضطهد، ونفي إلى جزيرة شُقر، وهنالك توفي في سنة ٥٥٨ هـ (١).
ومنهم أحمد بن حسن بن سيد الجراوي من أهل مالقة، ويعرف بابن سيد.
درس الحديث واللغة والأدب على أقطاب عصره، وكان بارعاً في اللغة، وفي النحو، وله حظ من قرض الشعر الجيد، وقد أورد لنا صاحب التكملة، من شعره هذين البيتين:
وبين ضلوعي للصبابة لوعة ... بحكم الهوى تقضي علي ولا أقضي
جنى ناظري منها على القلب ما جنى ... فيا من رأى بعضاً يُعين على بعض
وتوفي ابن سيد في نحو سنة ٥٦٠ هـ (٢).
وظهرت بالأندلس في العصر المرابطي، حركة دينية خاصة، اتخذت طابع التصوف، وهي التي أسفرت عن قيام طائفة المريدين في غربي الأندلس. وكان إمام هذه المدرسة العلامة الصوفي أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي المعروف بابن العريف. وهو من أهل ألمرية، وبها ولد سنة ٤٨١ هـ.
ودرس علوم القرآن والسير، وغلب عليه الزهد والورع، ومال إلى طرق الصوفية، حتى غدا من أقطاب نحلتهم. وألف عدة تصانيف منها " كتاب المجالس "، وكتب رسالة يحمل فيها على الفيلسوف ابن حزم، وكانت بينه وبين القاضي عياض السبتي، مراسلات ومجادلات فقهية. والظاهر أنه قد أثار بكتاباته وتعاليمه سخط الفقهاء المرابطين، فسعوا به إلى علي بن يوسف، فاستدعاه إلى مراكش وبقى بها بحالة اعتقال حتى توفي، وذلك في صفر سنة ٥٣٦ هـ (١١٤١ م)، واحتفل الناس بجنازته، وندم أمير المسلمين على ما كان منه في حقه (٣).
стр. 1624
وكان ابن العريف ينظم الشعر الروحي الجيد ومن ذلك قوله:
سلوا عن الشوق من أهوى فإنهم ... أدنى إلى النفس من وهمي ومن نفسي
ما زلت مذ سكنوا قلبي أصون لهم ... لحظي وسمعي ونطقي إذ هُمُوا أنسى
وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهم ... فكيف قروا على أذكى من القبس
حلّوا الفؤاد، فما أندى ولو وطئوا ... صخراً لجاد بماء فيه منبجس
لا تنهض إلى حشري بحبهم ... لا بارك الله فيمن خانهم فنسى
وقد ذكرنا فيما تقدم أن أحمد بن قسيّ زعيم الثورة في غربي الأندلس.
كان من تلاميذ ابن العريف، وأنه أخذ عليه بألمرية تعاليمه وطريقته، وهي التي عرفت بطريقة " المريدين "، واتخذها ابن قسي وأصحابه شعاراً لثورتهم في الغرب.
والظاهر أن ابن قسي، هو المسئول عن تطور الدعوة، إلى هذا الاتجاه الذي اتخذته في الغرب، والذي أسبغ عليها هذا الطابع الثوري الخاص، وأن ابن العريف لم يكن له في صوغها سوى العنصر الروحي. وعلى أي حال فإنه لا توجد لدينا عن دعوة " المريدين " معلومات كافية، تفصح عن مبادئها الحقيقة، وكل ما يقدمه إلينا ابن الأبار في ذلك أنها كانت دعوة شعارها " التهليل والتكبير " (١).
وقد كتب عبد الملك بن صاحب الصلاة، مؤرخ الموحدين عن " ثورة المريدين " ْكتاباً يشير إليه في مواضع كثيرة من تاريخه المسمى " المن بالإمامة "، ولكن هذا الكتاب لم يصل إلينا. وما نود أن نشير إليه هنا، هو أن ابن قسي كان إلى جانب جانب زعامته الثورية، من علماء الدين والكلام، وكان أديباً وشاعراً من شعراء العصر. وقد أوردنا فيما تقدم شيئاً من نظمه.
وكان من زملاء ابن قسيّ في حمل لواء دعوة المريدين، محمد بن عمر ابن المنذر الذي تتبعنا أخباره فيما تقدم. وكان فقيهاً متمكناً، ةأديباً بارعاً، وشاعراً مقتدراً، وقد أوردنا كذلك فيما تقدم شيئاً من نظمه.
وكان من أدباء المريدين وشعرائهم، أبو بكر بن المنخّل الشلبي، وزير ابن المنذر المتقدم وكاتبه. وكان شاعراً جزلا، وقد انضم بعد انهيار الثورة في الغرب إلى الدعوة الموحدية، وكان ممن مدح الخليفة عبد المؤمن خلال وجوده في جبل طارق. وقد أورد لنا ابن الأبار طائفة من نظمه، ومن ذلك قوله مخاطباً ابن المنذر:
стр. 1625
تجاف عن الدنيا وعن برد ظلها ... فإن برودا لا يدوم حرور
فديتك لا تأسف لدنيا تقلصت ... وأوحش يوماً منبر وسرير
وإن عريت جرد المذاكي وذُللت ... أسودٌ فلم يسمع لهن زئير
وغودرت الرايات تهفو كأنها ... جوانح من ذعر عليك تطير
وكانت ولم تذعر عليك كأنها ... إذا رفرفت يوم الهياج نسور
طلبت وفاء والوفاء سجية ... ولكنها أم الوفاء نزور
رأيتك تبغي مثل نفسك في العلا ... طِلابٌ لعمري ما أردتَ عسير (١).
وظهر من علماء المتصوفة في شرقي الأندلس، أحمد بن محمد بن سفيان المخزومي أصله من جزيرة شقر من أعمال بلنسية، ودرس الأدب، ونظم الشعر، ثم مال إلى التصوف والزهد، وكان يعرف بالعابد. وكان ثرياً، ينفق على الفقراء والمعوذين أموالا جليلة. وأدركته وحشة من أمير الشرق، محمد بن سعد بن مردنيش، فخلع طاعته، ودعا للموحدين، وامتنع بالجزيرة، وذلك في أواخر سنة ٥٦٦ هـ فأدى ذلك إلى محاصرته حيناً، ولم ينفس عن أهله إلا وفاة ابن سعد بعد ذلك بنحو عام، في رجب سنة ٥٦٧ هـ.
ولابن سفيان شعر يقتصر على الزهد. ومن ذلك قوله من قصيدة:
كل عطاء فإلى علّة ... لا شك يقضي ولوجه السقم
إلا الذي منك بلا علة ... يا خالق العرش ومجرى القلم
كل الورى لابس ثوب الدجا ... لولا سنى منك يجلّى الظلم (٢).
ومن أقطاب المحدثين والمتصوفة بالشرق أيضاً أبو العباس أحمد بن معد ابن عيسى بن وكيل التجيبي المتزهد، ويعرف بابن الأقليشي، أصلهم من أقليش، ونزحوا إلى دانية، وبها ولد أبو العباس ونشأ. ودرس ببلنسية، وإشبيلية، وألمرية، وبرع في الحديث واللغة والأدب، وكان من أساتذته أبو محمد البطليوسي، وأبو بكر بن العربي، وأبو القاسم بن ورد، وغيرهم من أقطاب العصر، ورحل إلى المشرق في سنة ٥٣٢ هـ، فحج وجاور بمكة. وحدث
стр. 1626
بالأندلس والشرق، وكان متصوفاً زاهداً، أديباً شاعراً، وله عدة تصانيف منها كتاب " الكواكب " وكتاب " النجم من كلام سيد العرب واللعجم " وكتاب " الغرر من كلام سيد البشر " وكتاب " ضياء الأولياء ". وغيرها ومن نظمه في الزهد قوله:
أسير الخطايا عند بابك واقف ... له عن طريق الحق قلب مخالف
قديماً عصى عمداً وجهلا وغرّة ... ولم ينهه قلب من الله خائف
ثلاثون عاماً قد تولت كأنها ... حلوم تقضت أو بروق خواطف
وجاء المشيب المنذر المرء أنه ... إذا رحلت عنه الشبيبة تالف
فجد بالدموع الحمر حزناً وحسرة ... فدمعك يبني أن قلبك آسف
وتوفي أبو العباس عند عوده من المشرق بمدينة قوص من صعيد مصر في سنة ٥٥١ هـ (١١٥٦ م) (١).
ومنهم محمد بن يوسف بن سعادة، من أهل مرسية، وسكن شاطبة.
برع في الفقه والحديث، وأخذ عن جمهرة من أعلام عصره، منهم أبو علي الصدفي، وأبو محمد بن عتاب، وأبو بكر بن العربي وغيرهم. ثم رحل إلى المشرق، وسمع بالإسكندرية ومكة، وعاد إلى مرسية، وكان فوق براعته في علوم القرآن والتفسير، والحديث، بصيراً باللغة، شغوفاً بالتصوف مؤثرا له. ولي القضاء بمرسية، ثم شاطبة، وعرف بمقدرته ونزاهته، وكان حافظاً متقناً، ثقة، وتوفي مصروفاً عن القضاء في آخر سنة ٥٦٥ هـ (٢).
ونبغ في العصر المرابطي، من أئمة اللغة، أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي. وأصله من بطليوس، من غربي الأندلس، كما يدل على ذلك اسمه. ولد بها سنة ٤٤٤ هـ، وسكن بلنسية، ودرس بها، وكان فضلا عن أدبه البارع، إمام عصره في النحو وعلوم اللغة، يجتمع إليه الناس من كل فج، ليقرأوا عليه، وليقتبسوا من غزير علمه، وكان حجة ثقة ضابطاً. وله عدة مؤلفات قيمة، اشتهر منها بالأخص شرحه لكتاب " سقط الزند " (٣) لأبى العلاء المعري، وهو شرح يصفه ابن خلكان بأنه أجود من شرح أبى العلاء صاحب
стр. 1627
الديوان الذي سماه " ضوء السقط ". ومنها كتاب " الإقتضاب في شرح أدب الكتاب " وكتاب في الحروف الخمسة " السين والصاد والضاد والطاء والدال "، وكتاب ". الحلل في شرح أبيات الجمل " و " الحلل في أغاليط الجمل "، وكتاب " شرح الموطأ ". وله أيضاً " كتاب التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة ".
وكان ابن السيد فوق ذلك شاعراً مقتدراً، وله نظم حسن، فمن ذلك قوله:
أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
ذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يُظن من الأحياء وهو عديم
وله من قصيدة يمدح فيها المستعين بن هود:
سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم ... ينازعها مزن من الدمع هتان
أأحبابنا هل ذلك العهد راجع ... وهل لي عنكم آخر الدهر سلوان
ولي مقلة عبرى وبين جوانحي ... فؤاد إلى لقياكم الدهر حنان
تنكرت الدنيا لنا بعد بعدكم ... وحلت بنا من معضل الخطب ألوان
وحلنا سوام الحمد عنها لغيرها ... فلا ماؤها صدا ولا النبت سعدان
إلى ملك حاباه بالحسن يوسف ... وشاء له البيت الرفيع سليمان
من النفر الشم الذين أكفهم ... غيوث ولكن الخواطر نيران
وتوفي ابن السيد بمدينة بلنسية في منتصف رجب سنة ٥٢١ هـ (يونيه ١١٢٧ م) (١).
وكان من أعلام اللغويين أيضاً يونس بن محمد بن مغيث. وقد ولد بقرطبة سنة ٤٤٧ هـ، ودرس بها وبرع في علوم اللغة، وكذلك في الرواية وعلم الأنساب، وفي الأدب، وكان من أساتذة ابن بشكوال حسبما يحدثنا في " الصلة ".
وتوفي بقرطبة سنة ٥٣٢ هـ (١١٣٧ م) (٢).
ومنهم أحمد بن عبد الجليل بن عبد الله، ويعرف بالتدميري لأن أصله من كورة تدمير، ونشأ بألمرية، وبرع في الآداب العربية واللغات، وكان له حظ من قرض الشعر، وسكن بجاية وقتاً في ظل بني حماد. وله عدة مؤلفات قيمة منها كتاب التوطئة في العربية، وشرح على كتاب الفصيح لثعلب، وشرح
стр. 1628
لأبيات جمل الزجاجي، وكتاب الفوائد والفرائد وغيرها. وتوفي بفاس سنة ٥٥٥ هـ (١).
ومنهم عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن يزيد السعدي، من أهل قلعة يحصب، أبو محمد، درس على أبى جعفر البطروجي، وأبى الحسن بن الباذش، وكان متمكناً من الفقه ومن علم القراءات، بارعاً في اللغة والأدب، متبحراً في النحو، مستظهراً لكتاب سيبويه، مشاركاً في عدة فنون أخرى. غادر موطنه الأصلي إلى بلدة القبذاق (٢) من أعمال جيان، فاستوطنها، وتوفي بها في سنة ٥٥٩ هـ، (١١٦٤ م) (٣).
- ٢ -
وأما عن العلوم، فنستطيع أن نقول إنها حظيت في العهد المرابطي بنهضة زاهرة، وإن لم تكن هذه النهضة في الواقع سوى امتداد للنهضة الفكرية في عصر الطوائف. وظهر في العهد المرابطي عدد من الشخصيات اللامعة التي تعتبر من أقطاب العلم الأندلسي، بل من أقطاب العلم في سائر العصور والأمم.
أولهم الفيلسوف أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ التجيبي المشهور بابن باجّة، وهو سرقسطي، نشأ في أواخر دولة بني هود، ونبغ في الرياضة والفلك والطبيعة والفلسفة، في ظل تلك المدرسة الرياضية، التي ازدهرت في ظل المقتدر ابن هود وولده المؤتمن. ولما ولى الأمير أبو بكر بن إبراهيم المسّوفي، وهو ابن عم أمير المسلمين علي بن يوسف وصهره، حكم سرقسطة في سنة ٥٠٨ هـ، استوزر أبا بكر، واختص به، وأغدق عليه ثقته ورعايته، بالرغم مما كان ينسب إليه من الآراء الإلحادية. وقد حمل عليه معاصره الفتح بن خاقان في كتابه المطمح، ورماه بالإلحاد وانحلال العقيدة، وقال في حقه: " نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم ". ولما سقطت سرقسطة في أيدي الإسبان في سنة ٥١٢ هـ (١١١٨ م)، غادرها ابن باجّة إلى إشبيلية، ثم إلى شاطبة، ثم نزح إلى المغرب، وتوفي بفاس سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ م). ويعتبر ابن باجة من أعظم فلاسفة الأندلس ومفكريها. وقد كتب
стр. 1629
نحو خمسة وعشرين كتاباً لم يصلنا منها سوى القليل، وكان ابن باجة فضلا عن ذلك أديباً شاعراً، وله طائفة من الشعر الرصين الجيد، فمن ذلك قوله في رثاء حاميه الأمير أبى بكر:
سلام وإلمام ووسمي مزنة ... على الجدث الثاني الذي لا أزوره
أحق أبو بكر تقضي فلا ترى ... ترد جماهير الوفود ستوره
لئن أنست تلك اللحود بلحده ... لقد أوحشت أقصاره وقصوره
وقوله:
ضربوا القباب على أقاصي روضة ... خطر النسيم بها ففاح عبيرا
وتركت قلبي سار بين حمولهم ... داعي الكلوم سيوف تلك العيرا
لا وافد جعل الغصون معاطفا ... لهم وصاغ الأقحوان ثغورا
ما مر بي ريح الصبا من بعدهم ... إلا سهرت له فعاد سعيرا (١).
ومنهم علي بن عبد الرحمن بن يوسف بن مروان بن يحيى الخزرجي الطبيب، أصله من طليطلة، ونشأ بها ودرس، وبرع إلى جانب تمكنه من الفقه، في علم الطب، درسه على أبى المطرف بن وافد، وهو يومئذ من أشهر أطباء الأندلس وعلمائها. واشتهر بمهارته، في طرق العلاج. ولما استولى القشتاليون على طليطلة في سنة ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م) غادرها، وتجول في مختلف ربوع الأندلس، ونزل بطليوس ثم إشبيلية، ثم قرطبة، وبها توفي سنة ٤٩٩ هـ (١١٠٥ م) (٢).
ومنهم العلامة الطبيب والفلكي أمية بن عبد العزيز بن أبى الصلت. وقد ولد بثغر دانية سنة ٤٦٠ هـ، ودرس على أقطاب عصره، ولاسيما أبى الوليد الوقّشي قاضي دانية. وبرع في الأدب والفلسفة والطب والفلك. غادر وطنه دانية، وقد اضطربت بها الأمور، ونزح إلى مصر في سنة ٤٨٩ هـ، في خلافة المستعلي الفاطمي ولد المستنصر، ووزيره الأفضل شاهنشاه، تحدوه آمال كبيرة في الظفر بحياة أكثر استقراراً، وأوفر رزقاً ورغداً، ونزل بثغر الإسكندرية، وعاش به حيناً، ثم قدم إلى القاهرة، واتصل بالأفضل بواسطة بعض حاشيته، فلم يفز بشىء مما كان يؤمل، وأدركته خيبة أمل يعبر عنها في شعره:
стр. 1630
وكم تمنيت أن ألقي بها أحداً ... يسلي من الهم أو يعدي على النوب
فما وجدت سوى قوم إذا صدقوا ... كانت مواعيدهم كالآل في الكذب
وفي قوله: " ولم تطل مدة اللبث حتى تبينت بما شاهدته أني فيها مبخوس البضاعة، موكوس الصناعة، مخصوص بالإهانة والإضاعة ". وأكثر من ذلك أن الأفضل أمر باعتقاله، لأسباب لم توضحها لنا الرواية توضيحاً كافياً. وأمضى في هذا الاعتقال بضعة أعوام، وكتب في معتقله عدة من مؤلفاته، منها رسالة في العمل بالاصطرلاب، وكتاب الوجيز في علم الهيئة، وكتاب الأدوية المفردة، وكتاب تقويم الذهن، وهو في المنطق. وفي سنة ٥٠٥ هـ، أفرج عنه، وأمر الأفضل بنفيه من مصر، فسار إلى الإسكندرية ومنها إلى إفريقية، حيث نزل بالمهدية ضيفاً على أميرها أبى الطاهر يحيى بن تميم الصنهاجي، فأكرم وفادته، وعلت لديه منزله، وكتب له عن مصر رسالته الموسومة " بالرسالة المصرية "، وفيها يصف " ما عاينه من أرض مصر، وما عاناه "، ويصف جغرافية مصر، ونيلها، وسكانها، وآثارها، ويحمل على سكان مصر، وينعتهم " باتباع الشهوات، والانهماك في اللذات، والاشتغال بالترهات، والتصديق بالمحالات، وضعف المرائر والعزمات "، ويحمل على علمائها المعاصرين، وينعتهم بأنهم " رعاع وغثاء، وجهلة ودهماء " (١). ولما توفي الأمير يحيى بن تميم، استمرت حظوته ومكانته لدى ولده علي بن يحيى. وكتب له كتاب الحديقة أو " حديقة شعراء الأندلس " على نمط كتاب " يتيمة الدهر " للثعالبي. وكان أمية ابن أبى الصلت، فوق علمه الغزير، أديباً ممتازاً وشاعراً جزلا. وله ديوان شعر أشار إليه ابن خلكان، وأورد لنا طرفاً من نظمه، ومنها تلك الأبيات التي قالها قبيل وفاته، وأوصى بأن تكتب على قبره:
سكنتك يا دار الفناء مصدقاً ... بأني إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أني صائر ... إلى عادل في الحكم ليس يجور
فياليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليل والذنوب كثير
فإن أك مجزياً بذنبي فإنني ... بشر عقاب المذنبين جدير
وإن يك عفو عني ورحمة ... فثم نعيم دائم وسرور
стр. 1631
وتوفي ابن أبي الصلت سنة ٥٢٩ هـ (١١٣٥ م) أو في سنة ٥٤٦ هـ (١١٥١ م) وفق رواية أخرى (١).
ومنهم بنو زهر، وهي الأسرة الشهيرة التي لمعت في ميدان الطب والعلوم الطبيعية والكيمائية. وأصلهم من إشبيلية، ولكن عميدهم الأكبر، وهو عبد الملك ابن محمد بن مروان بن زهر الأيادي، نزح من إشبيلية إلى دانية. وكان فقيهاً حافظاً، روى بالأندلس عن طائفة من أهلها، ثم رحل إلى المشرق، وحج، ودرس بمصر والقيروان، ثم عاد إلى الأندلس، واستوطن دانية. وكان متفنناً في علوم كثيرة، ولاسيما الطب، الذي عنى بدراسته في المشرق على يد أقطابه، حتى نبغ فيه، وكان ذلك بداية هذه البراعة الطبية الفائقة، التي شملت أسرته الشهيرة، وامتدت إلى أبنائه وأحفاده. وتوفي عبد الملك بدانية، وجاء من بعده ولده أبو العلاء زهر بن عبد الملك، فكان صنو أبيه في دراسة الطب، والنبوغ فيه، وبدأ حياته بدراسة الحديث في قرطبة، ثم مال إلى علم الطب، فتلقاه عن أبيه، وبرع فيه براعة غلبت لديه على كل صفة أخرى، حتى غدا عمدة عصره في الطب والعلوم الطبيعية؛ ومن مؤلفاته " كتاب الطرر "، الذي كُتب عنه، و" كتاب في الأدوية ". وكان مع براعته في الطب أديباً، وشاعراً مقتدراً، ومن نظمه قوله:
يا راشقي بسهام ما لها غرض ... إلا الفؤاد وما منه لها عوض
وممرضي بجفون كلها غنج ... صحت وفي طبعها التمريض والمرض
جُدْ لي ولو بخيال منك يطرقني ... فقد يسُد مسدّ الجوهر العرض
وتوفي زهر بن عبد الملك، منكوباً على قول ابن الأبار، بقرطبة في سنة ٥٢٥ هـ (١١٣١ م)، ثم احتمل رفاته ودفن في إشبيلية.
وجاء من بعده ولده أبو مروان عبد الملك بن زهر، وهو المعروف في الغرب باسم Avenzoar. وقد برع عبد الملك في الطب براعة أبيه وجده، وذاع صيته في الأندلس والمغرب. ويعتبر عبد الملك بن زهر أعظم طبيب في العصور الوسطى بعد أبى بكر الرازي، ويعتبره تلميذه ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس. وقد عاش ابن زهر في إشبيلية، واتصل بالمرابطين وصنف
стр. 1632
للأمير أبى إسحاق بن يوسف بن تاشفين كتابه المسمى " الاقتصار في صلاح الأجساد ". على أن أعظم مؤلفات ابن زهر هو كتابه " التيسير " وهو من أعظم مراجع الطب في العصور الوسطى، وقد ترجم إلى اللاتينية في عصر مبكر. ووُشي به إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، فاستدعى إلى مراكش وسجن بها مدة ثم أفرج عنه، وعاد إلى بلده إشبيلية وتوفي بها سنة ٥٥٧ هـ (١١٦٢ م). وخلفه في مهنته ولده الطبيب الأشهر أبو بكر بن زهر، وحظى لدى حكومة الموحدين وهو أكثر انتساباً إلى عصر الموحدين، ومن ثم فسوف نعود إلى ذكره في موضعه المناسب (١).
ومنهم العلامة الزراعي أبو عبد الله محمد بن مالك التغنري، أصله من قرية تغنر من أعمال غرناطة. عاش في أوائل القرن السادس الهجري، وسكن إشبيلية، ودرس العلوم الزراعية على ابن بصّال الطليطلي، وبرع فيها، وكتب عنها كتابه المسمى " زهر البستان ونزهة الأذهان " وهو يسمى أحياناً باسم الحاج الغرناطي، وابن حمدون الإشبيلي.
إن هذا الثبت الحافل من المفكرين والعلماء الأندلسيين، الذين ازدهروا في العصر المرابطي، في مختلف ميادين العلوم والآداب، ومنهم عبقريات بارزة يزدان بها تاريخ الحركة العقلية الأندلسية، يحمل على كثير من التأمل. وإنه ليغدو من الصعب علينا إذا ما استعرضناه في شىء من الروية، أن نقول إن الحكم المرابطي، قد جنى بأساليبه الرجعية على سير الحركة الفكرية الأندلسية، وعاقها عن التقدم والازدهار. وكل ما يمكن أن يقال في ذلك هو أن ما اتخذه المرابطون من إجراءات للحجر على الدراسات الكلامية والشرعية والفلسفية، وتوجيهها إلى وجهاتهم الخاصة، ومطاردة كتب الأصول، قد يكون له أثره في سير هذه الدراسات، وإن كان لا يحق لنا أن نبالغ في تقدير هذا الأثر. أولا لأن هذه الدراسات كانت كغيرها من الدراسات العلمية والأدبية، قد تأثلت جذورها منذ بعيد، وثانياً لأن العهد المرابطي لم يطل أمده بالأندلس، ولم يلبث أن زالت بزواله السريع، كل ضروب الحجر والمطاردة التي اتخذت، ثم جاءت ثورة الأندلس ضد الحكم المرابطي، فكانت عاملا له أثره في إذكاء الحركة العقلية، ومدها بعناصر جديدة من القوة والاندفاع.
الفصْل الأوّل
ألفونسو المحارب وأورّاكا ملكة قشتالة وبداية عهد ألفونسو ريمونديس
الممالك الإسبانية النصرانية عند مقدم المرابطين. ألفونسو السادس بعد الزلاّقة. إفتتاحه لشنترين. موقعة أقليش ومصرع الإنفانت سانشو. موت ألفونسو السادس. الكونت ريمون البرجوني وأخوه الكونت هنري. زواج الأول من أوراكا ابنة ألفونسو الشرعية. زواج الثاني من تريسا ابنته غير الشرعية. وصية ألفونسو السادس عن وراثة العرش وما يقترن بذلك من الشروط. موافقة الكورتيس عليها. أوراكا ملكة قشتالة، زواج ألفونسو المحارب من أوراكا. التنافس والشقاق بين الزوجين. أوراكا وصفاتها وموقفها. ألفونسو وأهبته. محاصرته لأوراكا. هنري البرجوني وموقفه. الأمير الطفل ألفونسو ريمونديس. الدسائس من حوله. فرار أوراكا وتصرفاتها. الحرب بين الفريقين وهزيمة قوات قشتالة. ألفونسو ريمونديس ملك جليقية. الحرب بين أهل جليقية وألفونسو. فرار الأسقف خلمريث بالأمير الطفل. حشده لقوات جليقية، وانضمام الكونت هنري إليه. انسحاب ملك أراجون. الأسقف خلمريث وصفاته وأطماعه. انقسام اسبانيا النصرانية. تفاقم الخلاف بين أوراكا وألفونسو. محاولة الصلح ومعارضة الأسقف خلمريث. إعلان بطلان الزواج. معارضة ألفونسو في ذلك. استهتار الملكة أوراكا. الأسقف يؤيد ألفونسو ريمونديس في جليقية. استياء أوراكا من مسلكه وسيرها لمحاربته. تدخل الملكة تريسا. ثورة أهل شنت ياقب ضد الأسقف. التجاؤه إلى حماية أوراكا. الصلح بين الأم وولدها. مسير أوراكا إلى شنت ياقب ومقاومتها. عودها إلى مهاجمة المدينة بقوات مجتمعة. تغلبها على المدينة وإخضاعها. عودة الأسقف وارتقاؤه إلى المطرانية. الحرب بين أوراكا وتريسا. الصلح بينهما. أوراكا تقبض على المطران ديجو وإخوته. غضب الشعب والبابا. أوراكا تطلق سراحه. الحرب بين المطران وبين الملكة. الصلح بين الملكة وابنها والمطران. سعي البابا إلى تحقيقه. وفاة أوراكا. صفاتها واختلاف المؤرخين في الحكم عليها. ألفونسو ريمونديس ملك قشتالة وليون. الصراع بينه وبين ألفونسو المحارب. اهتمامه بالقضاء على سلطان الأشراف. أسرة لارا ومطاردتها. مسيره لمحاربة الملكة تريسا. خضوع البرتغال. زواج ألفونسو ريمونديس من ابنة رامون برنجير. اهتمامه بمحاربة الأندلس. الغزوات المتبادلة بين المسلمين والنصارى.
تتبعنا فيما تقدم، في كتابنا " دول الطوائف "، عن تاريخ الممالك الإسبانية النصرانية خلال القرن الحادي عشر الميلادي، حتى وفاة ألفونسو السادس ملك قشتالة، عقب موقعة أقليش في يونيه سنة ١١٠٨ (شوال سنة ٥٠١ هـ).
ونود الآن أن نستأنف تاريخ هذه الممالك النصرانية، خلال العصر المرابطي، وحتى مقدم الموحدين إلى شبه الجزيرة.
стр. 1635
حينما قدم المرابطون إلى شبه الجزيرة لإنجاد دول الطوائف، ورد عدوان اسبانيا النصرانية عنها، كانت الممالك الإسبانية النصرانية ثلاث، هي مملكة قشتالة، وهي أكبرها رقعة، وأوفرها قوة وموارد، ومملكة أراجون، وإمارة برشلونة أو قطلونية، وهي أصغرها. وكانت مملكة نافارا القديمة (نبرة)، قد اختفت يومئذ، مذ تآمر على اقتسامها سانشو راميريس ملك أراجون، وألفونسو السادس ملك قشتالة، واستولى الأول على نصفها الشرقي مما يلي جبال البرنيه واستولى الثاني على نصفها الغربي مما يلى نهر إيبرو، وذلك في سنة ١٠٧٦ م، ولم تظفر باسترداد استقلالها، والعود إلى استئناف دورها في شبه الجزيرة كمملكة مستقلة إلا بعد ذلك بنحو نصف قرن، وذلك عقب وفاة ألفونسو المحارب ملك أراجون في سنة ١١٣٤ م. وكان ألفونسو السادس، عميد الممالك الإسبانية النصرانية وقطبها، حين قدم المرابطون إلى شبه الجزيرة، وحين اشتبك معهم في موقعة الزلاّقة العظيمة، على رأس الجيوش النصرانية المتحدة، ولقى فيها هزيمته الساحقة (٤٧٩ هـ - ١٠٨٦ م)، بيد أنه نهض من غمار الهزيمة، وعاد يقود الجيوش القشتالية مرة أخرى، لمقاتلة المسلمين وغزو أراضيهم. ولبثت قواته في حصن لييط حيناً تعيث في أحواز مرسية ولورقة، إلى أن حاصره المرابطون وقوات الطوائف، ولم تستطع اقتحامه، حتى عاد ألفونسو لإنجاد فلول حاميته، ثم أخلاه (١٠٨٩ م).
ثم غزا شنترين من قواعد ولاية الغرب واستولى عليها سنة ١٠٩٣. واشترك بعد ذلك في حوادث بلنسية، عقب وفاة السيد الكمبيادور، وعاث في أنحائها، ثم غادرها حينما شعر بتفوق القوات المرابطية المتأهبة لاستردادها (١١٠٢ م).
ولما توفي يوسف بن تاشفين، وخلفه ولده علي، عبر إلى شبه الجزيرة، معتزماً أن يستأنف عهد الجهاد، وعبرت معه قوات مرابطية ضخمة، ونفذت الجيوش المرابطية مرة أخرى إلى أراضي قشتالة، يقودها الأمير أبو الطاهر تميم ابن يوسف، والتقت في ظاهر أقليش بقوات قشتالة، وكان الملك الشيخ - ألفونسو - قد تخلف عن قيادتها لضعفه، وبعث معها ولده الطفل سانشو ليبث فيها روح الإقدام والحماسة. وشاء القدر أن تكون موقعة أقليش " زلاقة " أخرى سحقت فيها الجيوش القشتالية، وقتل فيها الإنفانت الصبي سانشو، وحيد ألفونسو وولي عهده، وعدة من قادة قشتالة وأكابرها (٢٩ مايو سنة ١١٠٨ م) وذلك كله حسبما فصلناه في مواضعه. ولم يعش ألفونسو بعد هذه الضربة طويلا،
стр. 1636
وتوفي في ٢٩ يونيه من العام التالي، وقد أشرف على الثمانين من عمره، بعد حكم دام أربعة وأربعين عاماً، ودفن بدير ساهاجون.
وقد تحدثنا من قبل عن أعمال ألفونسو السادس وإصلاحاته الداخلية، وعن تكوين المجتمع القشتالي في عصره، وعن سير التشريع، وما تميز به عهده من ظهور نفوذ البابوية، وبدأ مزاولة رياستها الروحية على الملوكية الإسبانية (١)، فلا محل لأن نعود هنا إلى ذكر هذه الموضوعات. بيد أن الذي يهمنا هنا هو ما انتهى إليه أمر وراثة العرش. ذلك أن ألفونسو السادس توفي دون وارث للعرش، بعد مقتل ولده الوحيد سانشو في معركة أقليش. وكان مما تميز به عهد ألفونسو، مقدم كثير من الفرسان الفرنسيين الذين تحدوهم الروح الصليبية إلى اسبانيا، ليشتركوا مع القوات القشتالية في محاربة المسلمين. وكان من بين هؤلاء إثنان من الأشراف من أقارب الملكة كونستانس زوجة ألفونسو الأولى، هما الكونت ريمون البرجوني، وابن عمه الكونت هنري، وقد اشترك كلاهما، إلى جانب ألفونسو، في كثير من المعارك التي خاضها ضد المسلمين، وظهر فيها بإقدامه وبسالته، فرأى ألفونسو إثابة لهما أن يزوجهما من ابنتيه أوراكا وتريسا (سنة ١٠٩٢ م)، فتزوج الكونت ريمون بأورّاكا، وهي ابنة الملك الشرعية من زوجته الملكة كونستانس، وتزوج الكونت هنري بتريسا، وهي ابنة غير شرعية لألفونسو من خليلته خمينا نونيس، ومنح ألفونسو أوراكا وريمون إمارة ولاية جليقية، ومنح تريسا وهنري إمارة الأراضي التي انتزعها من المسلمين في ولاية لوزيتانيا (شمالي البرتغال). وهي التي غدت فيما بعد مهداً لقيام مملكة البرتغال الجديدة في شبه الجزيرة. وهكذا بدأ النفوذ الفرنسي يتسرب إلى شئون قشتالة السياسية، بعد أن تسرب إلى شئونها الدينية على يد الرهبان الدومنيكانيين، وعميدهم المطران برنار، مطران طليطلة ورئيس الكنيسة الإسبانية.
وقد ذكرنا فيما تقدم أن المُلْك في قشتالة كان وراثياً. وقد واجهت ألفونسو بعد مصرع ولده الوحيد سانشو في موقعة أقليش مشكلة صعبة، هي مشكلة وراثة العرش. ومن ثم فقد عنى بحلها في وصيته التي وضعها قبيل وفاته.
وكان الكونت ريمون البرجوني، قد توفي منذ سنة ١١٠٧ م، بعد أن أنجب
стр. 1637
من زوجه أوراكا ولدين، هما ألفونسو وسانشا. وقد نصت وصية ألفونسو أن تتولى عرش قشتالة بعد وفاته إبنته أوراكا، أرملة الكونت، ورأى في الوقت نفسه تقوية لجانب العرش وسعياً إلى توحيد اسبانيا النصرانية، أن تتزوج أوراكا من ألفونسو الأول المحارب ملك أراجون ونافارا. وعلى أثر وفاة الملك الشيخ اجتمع نواب المملكة (الكورتيس) من الأشراف والأساقفة ورجال الدين وحكام الولايات والفرسان في مدينة ليون، وأقروا وصية الملك الراحل، وكان أشراف قشتالة، بالرغم من تخوفهم من جرأة ملك أراجون، يخشون ألاّ تقوى أورّاكا وحدها على تحمل أعباء الملك، والدفاع عن المملكة، وأنه لابد أن يكون إلى جانبها أمير قوي يستطيع أن يرد هجمات المسلمين، ومن ثم فقد وافقوا على هذا الزواج. ووافقت أوراكا رغم ارادتها تنفيذاً لوصية أبيها، وتقرر أن تحل مسألة العرش على النحو الآتي: أن تكون أوراكا ملكة قشتالة وليون وأشتوريش وأن يمنح ولدها الطفل ألفونسو ريمونديس، (أي ابن ريمون) مملكة جليقية مع بقائها تحت سلطان قشتالة، وأن يمنح الكونت هنري زوج أختها تريسا إمارة البرتغال كتابع لعرش قشتالة. فإذا لم تعقب أوراكا من زواجها بألفونسو ملك أراجون، فإن المملكة كلها تؤول بعد وفاتها، إلى ولدها ألفونسو ريمونديس، أعني إلى حفيد ألفونسو السادس.
وتم زواج ألفونسو الأول وأوراكا في حصن منيون في أكتوبر سنة ١١٠٩ م.
وفي العام التالي (١١١٠ م)، سارت الملكة في قوات قشتالة مع زوجها الملك، إلى أراضي ناجرة وسرقسطة الإسلامية. وكان المرابطون قد احتلوا يومئذ سرقسطة، فعاث ألفونسو في تلك المنطقة ولكنه لم ينل مأرباً. وسرعان ما دب الشقاق بينه وبين زوجه أوراكا، وظهر الخلاف واضحاً بين الزوجين في كل شىء.
وكان التنافس بين الزوجين على السلطان مصدر الخلاف الرئيسي. وكانت أوراكا امرأة وافرة الكبرياء والطموح، فحاولت أن تستأثر بجميع السلطات في قشتالة والأراضي التابعة لها، وعمدت إلى إبعاد سائر الرجال الذين يشك في ولائهم المطلق لها، ورفعت من اصطفتهم إلى أرفع مناصب الدولة. فثار ألفونسو غضباً لذلك، وصمم على ألا يتنازل عن حق من حقوقه الملكية. يقول المؤرخ لافونتي: " لقد اقترنا دون حنان، وكان الأمير الأرجوني موهوباً يتمتع بصفات الجندي الخشنة، أكثر منه بالخلال التي تجعل منه زوجاً رقيقاً. وكانت الملكة من جانبها لا تراعي
стр. 1638
العناية والحزم في بعض أعمالها الخارجية، فانتهى الأمر، بأن نبذ الملك كل اعتبار لزوجته، وأخذ يسيىء معاملتها، لا بالكلم فقط، ولكن بالفعل أيضاً، فكان يصفعها ويركلها برجليه. ورأى الأساقفة الذين لم يرقهم هذا الزواج منذ البداية، أن أفضل مخرج من هذا الموقف المزري هو الطلاق، وأصغت الملكة إلى هذا الاقتراح، لأنها كانت فضلا عما تلقاه من سوء المعاملة، تشك في صحة هذا الزواج.
وكانت من جهة أخرى ترنو إلى الزواج من الكونت جومث دي كاند سبينا، وكان أيام حياة أبيها يتطلع إلى ذلك، وكانت بينه وبينها علائق مريبة " (١).
- ١ -
وهنا تبدأ تلك الحرب الأهلية الشهيرة، التي لبثت أعواماً طوالا، تمزق اسبانيا النصرانية، والتي كان بطلاها الرئيسيان، ألفونسو ملك أراجون، وأوراكا ملكة قشتالة.
أدرك ألفونسو منذ البداية ما تنطوي عليه زوجه من رياء وخديعة، وما يشين سمعتها الأخلاقية. من شائعات مريبة، فاعتزم أمره واتخذ من حجة الدفاع عن طليطلة ذريعة، ووضع في معظم قلاع قشتالة ومدنها الرئيسية حاميات أرجونية.
ولم يحجم عن محاصرة الملكة ذاتها في قلعة كاستلار (سنة ١١١١ م) بحجة أنها تحاول بث الثورة، وأنها بسوء سلوكها تصدع من هيبة العرش.
وكانت عناصر أخرى تتأهب لدخول المعركة. ذلك أن الأمير هنري الأرجوني أمير البرتغال، وزوج تريسا أخت أوراكا، كان يطمح إلى عرش قشتالة، ويأتمر بها، ومن أجل ذلك عبر إلى فرنسا ليبحث عمن يساعده في محاربته لأوراكا، ثم عاد إلى اسبانيا بطريق أراجون، واتفق مع ألفونسو على أن يعمل معه لاتحاد أراضي ليون وقشتالة ثم يقتسمانها فيما بعد.
وكانت المؤامرات تحاك في نفس الوقت حول الأمير الطفل ألفونسو ريمونديس، وكان يعيش في ضيعة صغيرة في جليقية تحت رعاية وصيه الكونت بيدور دي ترافا. فلما تزوجت أمه أوراكا بملك أراجون، أراد الوصي أن يعلن الأمير الصغير ملكاً على جليقية وفقاً لوصية جده. وكان هنري أمير البرتغال يؤيد هذا المشروع. ولكن أوراكا حينما سجنت في قلعة كاستيلار، بادرت فأرسلت رسلها إلى جليقية يطالبون إعلانها ملكة لها. ولكن أشراف جليقية خشوا من انتقام ملك أراجون.
стр. 1639
وكثرت الأهواء والدسائس، وحاول بعض أشراف جلِّيقية الثوار أن يختطفوا الملك الطفل من مقامه في قلعة " سانتا ماريا "، حيث كانت الكونتة دي ترافا تسهر على حمايته. ولكن الكونتة دافعت عنه ببسالة، وعاونها في ذلك ديجو خلمريث أسقف شانت ياقب، وفشلت المحاولة. وفي تلك الأثناء نجحت أوراكا في الفرار من معتقلها بقلعة كاستلار، فالتف حولها معظم أشراف قشتالة، وقد ساءهم عنف ملك أراجون وتحديه. وأطلقت أوراكا العنان لأهوائها، وحبت باصطفائها اثنين من الأشراف هما جومث جونثالث. وبيدرو جونثالث دي لارا، وكان كلاهما من عشاقها، وكلاهما يؤمل الوصول إلى العرش متى تم طلاقها.
وكان ملك أراجون يضطرم سخطاً لعذا الاصطفاء المريب، ويبث عيونه على الملكة الخئون في كل خطواتها. وهكذا أضحى من المتعذر التوفيق بين زوجين يمقت كل منهما صاحبه، ولم يلبث أن تحول النزاع المستمر بينهما إلى حرب علنية.
وكان هنري أمير البرتغال، يؤازر ملك أراجون في هذا النزاع، تحقيقاً لأطماعه. وكان ألفونسو قد استولى خلال ذلك على طليطلة، وحاكمها يومئذ ألبار هانيس. وهكذا دوت صيحة الحرب الأهلية، وتحركت قوات ليون وقشتالة، لمؤازرة أوراكا، وتحركت قوات أراجون والبرتغال، والتقى الفريقان في " كامبودى سبينا " بالقرب من سيبولفيدا من أعمال ولاية شقوبية. وكان يقود قوات قشتالة الكونت بيدرو دي لارا، ولكنه ما لبث إزاء عنف هجوم الأرجونيين أن تخلى عن المعركة، وفر إلى برغش، وخلفه في القيادة زميله الكونت جومث. وأسفرت المعركة في النهاية عن فوز قوات أراجون، وكان الكونت وكثير من أشراف قشتالة بين القتلى (نوفمبر سنة ١١١١ م).
وعلى أثر ذلك اخترق الجيش الأرجوني قشتالة، وهو يعيث في أراضيها نهباً وتخريباً، وعُزل الأساقفة من أنصار الملكة، واعتدى الجند على الكنائس.
وعندئذ خشي أشراف جليقية العاقبة، فانضموا إلى الملكة، وأعلنوا الأمير الطفل ألفونسو ريمونديس ملكاً على جليقية، وقرروا أن ينقلوه لدى أمه في قشتالة، صحبة وصيه الكونت دي ترافا والأسقف خلمريث، ومعهم فرقة قوية من الجند.
وعلم ملك أراجون بذلك، فخرج لصدهم، ونشبت بين الفريقين على مقربة من أسترقة معركة حامية، وكل يحاول أن ينتزع الملك الطفل. وهزم الجلالقة، ولكن الأسقف خلمريث استطاع خلال المعركة أن يحمل الطفل وأن يفر به ناجياً
стр. 1640
إلى حصن " أوسيون " حيث كانت أمه، ثم حمله الإثنان خلال الجبال إلى شنت ياقب.
وغدا الأسقف خلمريث عندئذ روح كل مقاومة ضد ملك أراجون، وأصدر نداء إلى أهل جليقية المخلصين، واستطاع أن يضم إليه المنشقين منهم في جبهة واحدة، ولم يمض سوى قليل حتى استطاع هو والملكة أن يجمعا قوة كبيرة، ونجح الأسقف أيضاً في أن يستميل إلى جانبه هنري أمير البرتغال، وكان قد بدأ يخشي سطوة ملك أراجون. وسارت القوات المشتركة إلى أسترقة لإنقاذ الجلالقة المحصورين بها. فلما شعر ملك أراجون بتفوق خصومه، غادر أسترقة، وارتد في قواته صوب بلد الوليد، وهنالك حاول القشتاليون والجلالقة والبرتغاليون محاصرته، ولكنه استطاع أن يقضي على محاولتهم، وأن يرتد ظافراً إلى بلاده (أبريل سنة ١١١٢ م).
ولابد لنا أن نذكر كلمة عن هذا الأسقف المغامر المحارب، ديجو خلمريث، فقد كان أسقفاً لشنت ياقب منذ سنة ١١٠١ م، وكانت سيادته لهذه الأسقفية الهامة المتمدنة، واحتكامه على ما بها من ثروات وموارد طائلة وأتباع عديدين، تجعل منه عاملا هاماً في ذلك الصراع السياسي الذي تجوزه قشتالة. وكان الأسقف فوق ذلك رجلا رفيع المواهب، شديد الحزم، كثير الأطماع، متحفزاً، شغوفاً بتوسيع سلطانه وحقوق كنيسته، قليل الاكتراث بالوسيلة، وهو ما كان يتفق مع ضعف الخلق السياسي في هذا العصر، الذي كان ينتقل فيه الناس بسهولة ودون حرج من حزب إلى حزب، ويحنثون في كل وقت بالعهد أو بالصداقة المعقودة. وهكذا كان دون ديجو ممثلا بارزاً لأهل عصره، وللطبقة السائدة التي كانت تضم الأشراف ورجال الدين، وهكذا، سوف نراه صديقاً للملكة أوراكا ثم عدواً لها، وصديقاً لتريسا ملكة البرتغال ثم عدواً لها، وصديقاً للملك الصبي ألفونسو، ثم خصماً له. وسوف نراه يحارب إلى جانبهم ثم يحارب ضدهم طوراً بعد طور (١).
وتعاقبت الحوادث والقلاقل في الأعوام التالية، وانقسمت اسبانيا النصرانية إلى ثلاثة أحزاب، كان أولها وأقواها من حيث البلاد والموارد حزب ملك أراجون،
стр. 1641
وثانيها حزب قشتالة الذي ينضوي تحت لواء الملكة أوراكا، ويؤازره رجال الدين في قشتالة وليون وجليقية ومن ورائهم الشعب، وثالثها حزب الأشراف، وهو يعارض حكم الملكة وحكم ملك أراجون، ويعقد آماله على الملك الطفل ألفونسو ريمونديس ملك جليقية، ويؤازره معظم الفرسان في سائر أنحاء المملكة.
وكان من الواضح أن الخلاف بين الملكة وزوجها قد وصل إلى حدود لم تعد تنجح معها أية محاولة للتوفيق، وقد بذلت مثل هذه المحاولة بالفعل على يد كبراء قشتالة، وعقد صلح اتفق فيه على توزيع البلاد والحصون على الملكين. ولكن ألفونسو ما لبث أن استولى على كثير من الحصون التي أعطيت للملكة. وعندئذ غضب القشتاليون لذلك، وأعلنوا أن أورّاكا هي ملكة قشتالة الشرعية. ونهضت الملكة، وسارت في قواتها وقوات جليقية لمحاربة ألفونسو. وبعث ألفونسو سفراءه في طلب الصلح من جديد. ومال الأشراف إلى ذلك حقناً للدماء.
ولكن الأسقف ديجو خلمريث، عارض في عقد الصلح أشد معارضة، وأعلن بطلان الزواج المعقود بين الملك والملكة، وخصوصاً بعد أن أعلن البابا أنه " عشرة محارم " وذلك بسبب القرابة الشديدة بين الزوجين. ولم تمض أشهر قلائل حتى أعلن رسول البابا في مجلس عقد في بالنسيا بطلان الزواج بصفة رسمية، واغتبطت الملكة لذلك القرار. ولكن ملك أراجون أعلن بطلان القرار البابوي، ثم قرنه بإعلان الحرب على قشتالة، والاستيلاء على ولاية ريوخا.
وفي خلال ذلك، كانت الفتن والقلاقل تتعاقب، أحياناً في صف أورركا، وأحياناً ضدها. وكانت أورّاكا ماضية في مسلكها المشين لا تني على شىء، وقد فاق استهتارها كل حد، وتركت لخليلها الكونت بيدرو دي لارا كل الشئون، وأضحت علائقها الغرامية فضيحة عامة، يجري ذكرها على كل لسان. وكان الأسقف ديجو من جهة أخرى يعمل بكل ما وسع لتوطيد مركز ألفونسو ريمونديس في جليقية، وذلك بالتعاون مع الكونت دي ترافا مؤدب الملك وزملائه الثوار من أشراف جليقية. فثارت الملكة لمسلكه، وسارت في بعض قواتها إلى شنت ياقب التي غدت عندئذ مركزاً لهذه المحاولات، فاضطر الأسقف إلى إعلان توبته وطاعته. ولكن حدث عندئذ، أن سار الكونت دي ترافا، وتريسا ملكة البرتغال في قواتهما إلى شنت ياقب، وحاصرا الملكة أوراكا. وكانت تريسا، قد كسبت بانضمامها إلى الثوار، دفع حدودها الى أراضي مدينتي
стр. 1642
توي، وأورنسي. ولم تستطع أوراكا مغادرة شنت ياقب إلا بصعوبة، فسارت منها إلى مدينة ليون. وبقيت تريسا في جليقية حيناً، حتى علمت بأن المسلمين يزحفون على أراضيها الجنوبية فعادت إلى البرتغال لتعني بمدافعتهم.
وفي تلك الأثناء ثار أهل شنت ياقب بالأسقف ديجو، ففر إلى قشتالة، والتجأ إلى حماية الملكة، فاستقبلته بعطف، وعهدت إليه بأن يقوم بالسعي في عقد الصلح بينها وبين ولدها ومن يؤيدونه من أشراف جليقية، فدعا الأسقف إلى اجتماع عقد في ساهاجون يمثل مختلف الأطراف المتنازعة (كورتيس)، ووضع اتفاق بين الأم والإبن، وقعه ثلاثون شريفاً من كل من الفريقين، يقضي بأن تتولى الأم وولدها الحكم معاً في جليقية وليون وأشتوريش، وأن تنفرد الأم بالحكم حال حياتها في قشتالة، على أن يخلفها ولدها وفقاً لوصية ألفونسو السادس (سنة ١١١٧ م).
ولما تم توقيع الصلح على هذا النحو سارت الملكة إلى جليقية لزيارة ولدها، ثم سارت إلى شنت ياقب لتعاقب أهلها على مناوأتهم للأسقف ديجو. فقاومها أهل المدينة بشدة، وهاجموها ومن معها بعنف، حتى اضطرت أن تلتجىء مع حاشيتها إلى الكنيسة الكبرى، فأضرم الثوار فيها النار غير مكترثين بصفتها المقدسة، ولما هرعت الملكة إلى الخارج طلباً للنجاة، تطاول عليها الثوار وأهانوها، ولم تستطع النجاة إلا بعد أن تعهدت لهم بأن تعين لهم أسقفاً آخر يوافق ْالملك على تعيينه، وأن تحكم البلدة وفقاً لرغبات أهلها. أما الأسقف ديجو، فاستطاع أن يفر متنكراً، ولكن أتباعه هلكوا في الكنيسة حرقاً.
وما كادت الملكة تغادر شنت ياقب حتى زحفت على المدينة قوات جليقية، وقوات الملكة وأصحاب الأسقف، واعتزمت الملكة أن تعاقب أهلها على جرأتهم عقاباً رادعاً. فارتاع أهل المدينة، وخرج كبراؤها من قساوسة ومدنيين، وتضرعوا إلى الملكة وإلى الأسقف بأن تصفح عنهم، وأن يُرفع عنهم النفي الكنسي الذي أعلنه الأسقف. وانتهى الأمر بأن اشترطت الملكة، أن يُنزع سلاح الجماعة الثائرة المسماة " جماعة الإخوة "، وأن يقسم الكبراء يمين الطاعة للملكة والأسقف، وأن يقدموا خمسين فتى من أبنائهم وأقاربهم رهينة، وقررت الملكة نزع أملاك خمسين من الثوار، وفرضت على المدينة غرامة فادحة. ثم دخلت إلى المدينة يصحبها الأسقف، وأعيد الأسقف إلى منصبه، وردت
стр. 1643
التحف المنهوبة، وأصلحت الكنيسة والقصر الأسقفي المجاور لها على نفقة الثوار.
واستطاع الأسقف ديجو فوق ذلك أن ينال من البابا كالستوس الثاني رتبة المطرانية (الكردينال)، والبابا كالستوس هو أخو الكونت ريمون والد الملك الصبي ألفونسو، وكان منح الأسقف هذا اللقب ثمناً لمؤازرته للملك، واشتُرط في منحه أن يستمر الأسقف في مؤازرته.
خرجت الملكة أورّاكا بعد ذلك في قواتها، ومعها قوات شنت ياقب تحت قيادة المطران ديجو، لمحاربة أختها تريسا ملكة البرتغال واسترداد أراضي توي وأورنسي منها، ونفذت إلى أراضي البرتغال، وحاصرت تريسا في حصن لانيوسو، ولكن تريسا استطاعت الفرار بمعاونة بعض الأشراف الجلالقة، وربما أيضاً بمعاونة المطران الماكر، وقد أبدى رغبته فجأة في أن يعود بقواته إلى شنت ياقب، وهو ما حمل أوراكا على الشك في ولائه. وانتهت المفاوضات التي تلت بين الأختين عن نتيجة لم تكن متوقعة، هي أن تتنازل أوراكا لأختها عن أراضٍ من أحوات سمورة وطورو وشلمنقة، في نظير أن تتعهد تريسا بمعاونتها ضد جميع خصومها، مسلمين كانوا أو نصارى، وألا تعاون أحداً من الأشراف الثائرين ضدها. وعلى أثر ذلك عادت أوراكا على رأس حملتها الغازية إلى جليقية. ولكنها دبرت أن تعبر قوات شنت ياقب النهر أولا، وما كاد يتم عبورها، حتى أمرت بالقبض على المطران ديجو، وزجه إلى أحد الحصون، وقُبض كذلك على إخوته الثلاثة، وعلى صديقيه مطران براجا وأسقف أورنسي، وكانوا جميعاً مع الجيش.
وكان لهذه الإجراءات العنيفة أعمق وقع في شنت ياقب وفي رومة. ففي شنت ياقب ثار الشعب سخطاً، وبدا غضبه بأجلى مظاهره حينما قدمت الملكة إلى المدينة المقدسة لتشهد الاحتفال بعيد القديس ياقب. وأما عن موقف رومة، فقد أرسل البابا كالستوس إلى سائر مطارنة اسبانيا، بأن يعقدوا مجلساً دينياً، وأن يصدروا قراراً بنفي الملكة من الكنيسة، إذا لم تفرج عن المطران خلمريث، وترد إلى الكنيسة أملاكها المغصوبة. ومن جهة أخرى فقد ثار شعب شنت ياقب، وهدد الملكة بالويل إذا لم تفرج عن المطران، وزاد في حماستهم وثورتهم مقدم الملك الفتى ألفونسو ريمونديس على رأس قواته. وعندئذ اضطرت أوراكا، أن تطلق سراح المطران وزملائه المعتقلين. ولكنها لم تقم برد أملاك الكنيسة، وأملاك المطران المنزوعة.
стр. 1644
وهنا نهض المطران لمحاربة الملكة، ومن الغريب أن أهل شنت ياقب الذين خرجوا من قبل على المطران وكادوا يفتكون به، انضموا عندئذ إليه. وانضمت إليه كذلك قوات ألفونسو ريمونديس الجليقية. وسارت الملكة في قواتها لمقاتلة المطران الثائر وحلفائه، والتقى الفريقان في مكان يسمى " مونساكرو " ووقعت بينهما بعض المصادمات الدموية، وصدر في تلك الأثناء قرار المطارنة بنفي الملكة من الكنيسة تحقيقاً لرغبة البابا، وعندئذ لم تر الملكة مناصاً من الإذعان. وفي رواية أخرى أنه لم يقع قتال بين الفريقين، وأن المطران ديجو اقترح على الملكة أن تجري مفاوضات لعقد الصلح بينها وبين ابنها حقناً للدماء. وانتهت هذه المفاوضات إلى معاهدة صلح، قدمت الملكة لضمان تنفيذها ستين من فرسانها رهينة، وتعهدت بأن ترد سائر أملاك الكنيسة، وأن ترد إلى المطران سائر أملاكه ورواتبه.
وحاول البابا كالستوس الثاني أن يضع بتدخله حداً لتلك الحرب الأهلية التي طال أمدها، فأوفد إلى شبه الجزيرة سفيراً بعد سفير، وعقدت بدعوته عدة اجتماعات كنسية ونيابية للعمل على رد السكينة والنظام، والتوفيق بين الأحزاب المتنازعة. وانتهى الاجتماع الذي عقد في بلد الوليد في سنة ١١٢٤ م، بعقد الصلح، بين الملكة وولدها على أن يحكما سوياً كل الأراضي التي ورثتها أوراكا عن أبيها. ولكن النزاع بين الأشراف استمر على حاله، ولم تثمر في حسمه أية وسيلة، إذ كانت أهواء الملكة الشخصية تحول دون كل توفيق، وتذكي عوامل الخصومة والبغضاء في مختلف النفوس. وكان ولدها الملك الفتى، قد سار قبل ذلك ببضعة أعوام إلى قشتالة في فرقة قوية من فرسانه واستطاع أن يقبض على الكونت بيدرو دي لارا عشيق أمه، وأن يلقي به إلى السجن. ولكن الكونت فر من معتقله، والتجأ إلى حماية أمير برشلونة، ورفع هذا الحادث من سمعة الملكة وهيبتها مدى حين، وهدأت ثورة أشراف قشتالة، الذين كانوا ينقمون على أوراكا اصطفاءها الشائن لخليلها. ومع ذلك فإن هذه الملكة الماجنة استمرت على سلوكها الوضيع، وعلائقها الغرامية المشينة، حتى نهاية حياتها.
وقد جاءت النهاية أخيراً لتضع حداً لحياة ذميمة، فياضة بالفجور والفضائح والأهواء الجامحة، والخصومات المضطرمة، وتوفيت أوراكا ملكة قشتالة في سنة ١١٢٦ م. فتنفس الجميع الصعداء في سائر أنحاء اسبانيا النصرانية، ملوكاً، وأحباراً وأشرافاً، وفرساناً، وشعوباً، واختفت من حياة قشتالة العامة، شخصية
стр. 1645
بغيضة لم تحظ خلال حياتها، بشىء من الولاء الحقيقي، أو العطف الصادق أو التوقير والاحترام.
لبثت أورّاكا مدى عشرين عاماً ملكة قشتالة، وخلفت على العرش أباها العظيم ألفونسو السادس، فكان التباين في الوسائل والخلال من أبشع ما يمكن تصوره، وتحول الحكم القوي الحازم، إلى معترك من الشهوات والأهواء الخطرة.
وبدلا من أن يغدو زواجها بألفونسو المحارب دعامة لتوطيد العرش، وتسيير دفة الحكم، أضحى مصدراً خطراً للتنافس والشقاق المستمر، وعاملا في ضعف المملكة، واستنزاف مواردها التي كانت تدخرها لغزو الأندلس، وتخريب ربوعها في حروب أهلية منهكة. وكان وجود امرأة على رأس الحكم في مملكة قشتالة العريقة، في ذاته مظهراً جديداً لم يألفه الشعب القشتالي، الذي اعتاد أن يرى حكامه من الملوك الأقوياء، وأذكى من وقع هذا المظهر في نفوس الأشراف ونفوس الشعب، مسلك أوراكا المشين كملكة وامرأة معاً، لا تحرص على صون هيبة الملك، ولا كرامة المرأة المصون.
ومع ذلك فإن المؤرخين الإسبان يختلفون في الحكم على أوراكا، وعلى حقيقة تبعاتها التاريخية. ففريق يحكم عليها، ويدمغها بأقسى النعوت. ومن هؤلاء الأسقف ساندوفال. إذ يحمل عليها في تاريخه (١) بشدة، ويقول: " يجب علينا أن نسقط مثل هذه العصور من سلسلة تاريخنا القومي ". ويضع لوقا التويي، وأسقف طليطلة، وماريانا، مسئولية سائر المحن والخلافات التي حدثت على رأس ملكة قشتالة، ويصفونها بأنها " امرأة متهورة وشجاعة " ويتحدثون عن " خدعاتها المشينة المشبعة بالخيانة ". هذا بينما يرفض الأب فلورس (٢) وغيره، كل ما نسب إلى أوراكا من " أعمال الطيش التي نسبت إليها " ويرجعون المسئولية في كل ما حدث من الشقاق والاضطرابات إلى الملك ألفونسو المحارب، وينسبون إليه أخبث النيات، وأشنع الأعمال اللادينية، ويصفونه بأنه زوج همجي ومسىء لزوجته، ومضطهد ومستبد للأساقفة ورجال الدين، وملوث ومخرب للمعابد، وناهب للأموال والآنية المقدسة، وبأنه لم يتورع عن محاولة اغتيال الأمير الصبي (٣).
стр. 1646
- ٢ -
لما توفيت الملكة أوراكا، أعلن ولدها ألفونسو ريمونديس ملكاً لقشتالة وليون وسائر الأراضي التي حكمها جده ألفونسو السادس، باسم ألفونسو السابع، وكان ألفونسو منذ وفاة جده، وفي حياة أمه ملكاً لجليقية حسبما تقدم. وكان هذا الملك الفتى الذي لم يجاوز الحادية والعشرين من عمره، قد نشأ وترعرع في غمار الخطوب والمحن التي توالت على المملكة أيام حكم والدته، وكان يشعر بكل ما يواجهه من تبعات خطيرة، وما يستلزمه ذلك من يقظة وحزم. وكان أشراف قشتالة وليون يشعرون ويشعر الشعب القشتالي نفسه، بأن تولى ألفونسو ريمونديس الملك يبشر بإنهاء عهد الاضطراب والفوضى، وقيام عهد جديد من السلام والرخاء.
على أنه كان واجباً قبل أن يتحقق هذا الأمل، في عود السكينة والسلام، أن يتحقق أمران، الأول أن تُسوى المسائل المعلقة بين قشتالة وأراجون، والثاني أن يتم إخضاع الأشراف والخوارج في بعض أنحاء المملكة بصورة نهائية.
فأما عن الأمر الأول، فإن ألفونسو ملك أراجون، كان ما يزال يتمسك ببقية من دعاويه القديمة، وكانت جنوده، ما تزال تحتل عدداً من الحصون داخل أراضي قشتالة. فلما توفيت أوراكا زوجه القديمة، وقام ولدها في الملك، أخذ يتطلع إلى مهاجمة قشتالة والمحافظة على ما بيده من حصونها، وأخذ ألفونسو ريمونديس من جانبه يتطلع إلى القضاء على دعاوي ملك أراجون، وتحرير أرض قشتالة من هذا الاحتلال، وأخذ كل من الملكين يتأهب لمقاومة خصيمه. وكان ملك أراجون هو البادىء بالعدوان، فنفذ بقواته إلى أراضي قشتالة حتى صار على مقربة من بالنسيا، وهنالك التقى بقوات قشتالة وكان يقودها الكونت دي لارا ولكن لم يقع بين الفريقين التحام ولا قتال. وسرعان ما تدخل بينهما الأساقفة، وعقدت الهدنة، تعهد ملك أراجون بأن يسلم الحصون التي تحتلها قواته في مهلة معينة، ثم عاد إلى أراضيه (١١٢٧ م).
ولكن ملك أراجون لم ينفذ ما وعد به، ولم يمض عامان آخران حتى عاد إلى غزو قشتالة. وسار ألفونسو ريمونديس في قواته إلى لقائه. والتقى الجيشان على مقربة من " ألماسان ". وهنا تدخل الأساقفة مرة أخرى، وتكرر السعي القديم في عقد الهدنة، وكان التعهد هذه المرة من جانب ملك قشتالة، في أن يرد إلى المحارب الحصون التي كانت له في قشتالة.
стр. 1647
على أن هذه المحاولة لم تنجح أيضاً، ولم يمض سوى قليل، حتى عاد النزاع، وعاد لقاء الفريقين في ميدان الحرب، واستولى ملك قشتالة في تلك الحملة على قلعة كاسترو شريش، وهي أهم القلاع التي كان يحتلها أنصار ملك أراجون، واستمر هذا الصدام وقتاً، وكلما هم الفريقان بالاشتباك، هرع الأساقفة بالتدخل ودعوا إلى حقن دماء النصارى، وتحويل الحرب إلى وجهة أخرى هي محاربة المسلمين. وأخيراً وفق الأحبار في جهودهم، وعقدت بين الملكين هدنة، نزل بمقتضاها ملك أراجون عن سائر الحصون التي كانت له في قشتالة، ونزل ألفونسو ريمونديس نظير ذلك عن ولاية " ريوخا " التي كانت من قبل من أراضي نافارا، وانتزعها منها ألفونسو السادس (سنة ١١٣٠ م).
وشغل ألفونسو المحارب من ذلك الحين أولا بحرب صغيرة نشبت فيما وراء البرنيه بين بعض الأمراء الفرنسيين. والظاهر أن ألفونسو تدخل في هذه الحرب ليحمي بعض الكونتات من أتباعه في ولايتي بيارن وبجور، من بعض خصومهم من أمراء الشمال، ومن ثم فقد حاصر ألفونسو مدينة بيونة واستولى عليها (سنة ١١٣١). ثم شغل بعد ذلك بمحاربة الأمراء المسلمين في طرطوشة ومكناسة وإفراغة، وفي موقعة إفراغة كانت هزيمته الساحقة، ثم مصرعه في يوليه سنة ١١٣٤ م، وذلك حسبما فصلناه من قبل في موضعه.
وأما الأمر الثاني الذي شغل به ألفونسو ريمونديس في مستهل حكمه، فهو القضاء على سلطان الأشراف الخوارج وثوراتهم التي توالت منذ عهد أمه أوراكا.
وكان أشد الخوارج بأساً في قشتالة أسرة لارا، التي كانت تناهض العرش أحياناً، وأحياناً تعضده بقواتها وثرائها، ونفوذها البالغ. وكان عميدها بيدرو جونثالث دي لارا عشيق الملكة أوراكا أو زوجها السري، وأخوه ردريجو، وكان ألفونسو ريمونديس قد استطاع من قبل أن يقبض على عشيق أمه، وأن يعتقله، ولكنه فر إلى قطلونية، ثم عاد إلى قشتالة عقب موت أوراكا، واستطاع أن يستولي على بالنسيا بمعاونة ملك أراجون، فبادر ألفونسو بالسير إلى بالنسيا، واستولى عليها، وقبض على الأشراف الثائرين، وفي مقدمتهم الكونت بيدرو دي لارا، ولكن أخاه ردريجو تمكن من الفرار إلى منطقة الأسترياس (أشتوريش).
وأفرج ألفونسو بعد ذلك عن الكونت بيدرو، فغادر قشتالة مرة أخرى، إلى أراجون، شاعراً بأنه فقد كل مكانته ونفوذه السابق، واشترك مع ملك أراجون
стр. 1648
في حملته إلى بيونة، وقتل أمام أسوارها. أما أخوه الكونت ردريجو، فقد طارده ألفونسو، وضيق عليه، حتى أذعن إلى طلب الأمان والعفو، وأقسم أنه سوف يلتزم منتهى الولاء والإخلاص، فعفا عنه ألفونسو وعينه حاكماً لطليطلة، وأبدى الكونت غيرة في خدمة العرش. وتتبع ألفونسو في نفس الوقت باقي الأشراف الثائرين فأخضعهم، واحتل حصونهم تباعاً، وأبدى في معاملتهم إغضاء ورفقاً. وبذلك استطاع أن يحقق السكينة والسلام في ربوع قشتالة.
ولم يبق أمام ألفونسو لاستكمال سلطانه، سوى استرداد الأراضي والحصون التي انتزعتها خالته دونيا تريسا ملكة البرتغال، وكانت ما تزال متمسكة بما اقتطعته من أراضي جليقية وحصونها، بل كانت تحاول الاستيلاء على أرض أخرى، وكانت عندئذ قد وثقت علاقتها الغرامية بالكونت فرناندو بيرث ولد الكونت دي ترافا مؤدب ألفونسو السابق، وأضحت هذه العلائق فضيحة ملكية على نحو ما كانت علائق الملكة أوراكا بخليلها الكونت دي لارا، وكان لها أسوأ الأثر. فسار ألفونسو ريمونديس في قواته ومعه خلمريث مطران شنت ياقب، ونفذ إلى أراضي جليقية والبرتغال، وقضى على كل مقاومة ومعارضة، سواء من جانب أشراف جليقية أو من جانب قوات تريسا. وكان البرتغاليون ينقمون على ملكتهم تهورها واستهتارها، وتركها أمور المملكة لخليلها الكونت بيريث، ويطالبون بتقديم ولدها الأمير الصبي ألفونسو هنريكيز. ولما آنس القواد البرتغاليون ضعفهم، وحرج مركزهم أمام ضغط ملك قشتالة، أعلنوا باسم ألفونسو هنريكيز، أنهم يعتبرون البرتغال مستظلة بحماية ليون، ومليكها ألفونسو ريمونديس، وهكذا عاد ألفونسو ريمونديس ظافراً، بعد أن قضى على مشاريع خالته تريسا العدوانية.
وكان ألفونسو ريمونديس قد تزوج أثناء ذلك من دونيا برنجيلا، ابنة رامون برنجير الثالث أمير برشلونة (سنة ١١٢٨ م)، وكان هذا الزواج عاملا في توثيق علائق المودة والتحالف بين قشتالة وإمارة برشلونة، واستطاعت هذه الأميرة الحسناء الموهوبة، أن تحرز برقتها وذكائها في بلاط قشتالة، أعظم نفوذ، وأن تغدو لزوجها الملك الشاب مستشاره الأول، يصغي إلى نصحها في سائر شئون المملكة والحكم، معتمداً في ذلك على ذكائها وحسن إدراكها للأمور (١).
وفي سنة ١١٣٣ م، قام ألفونسو بإخضاع بعض ثورات محلية في منطقة
стр. 1649
الأسترياس، وفي خلال هذه الحملة، علق بحب فتاة حسناء تدعى كونترودا هي ابنة الكونت بيدرو دياث، وأعقب منها فيما بعد ابنة سميت أوراكا، عهد بتربيتها إلى أخته دونيا سانشا. وهكذا غدت هذه المغامرات الغرامية الملوكية تقليداً راسخاً في بلاط قشتالة في هذا العصر.
وفي خلال ذلك لم ينس ألفونسو ريمونديس مهمته الأولى، كملك لقشتالة أولا، وعميد لملوك اسبانيا النصرانية ثانياً، وهي متابعة الحرب ضد اسبانيا المسلمة، وكانت هذه المهمة التي يحيطها ملوك قشتالة، بنوع من التقديس، قد تراخت نوعاً أيام والدته أوراكا، بسبب ما شغل قشتالة عندئذ من منازعات وحروب أهلية متوالية.
وشغلت الجيوش المرابطية من جانبها بمدافعة ألفونسو المحارب ملك أراجون، والاشتباك معه في معارك متوالية في شرقي الأندلس، وفي جنوبها، وفي الثغر الأعلى، وكان ملك أراجون، بعد وفاة ملك قشتالة القوي ألفونسو السادس، هو الذي يضطلع يومئذ بمهمة الصراع الذي تشهره اسبانيا النصرانية على اسبانيا المسلمة.
على أن ملك قشتالة الفتى ألفونسو ريمونديس، ما كاد يسوى نزاعه مع ملك أراجون، وما كاد يطمئن إلى استقرار السكينة والسلام في مملكته، حتى استدعى مجلساً في بالنسيا (كورتيس) لكي يبحث خطط الحرب ضد المسلمين (سنة ١١٣٠ م). وكانت الغزوات المرابطية، قد أخذت قبل ذلك بقليل تتوالى في أراضي قشتالة، ولاسيما مذ ولي الأمير تاشفين بن علي بن يوسف شئون الأندلس في سنة ٥٢٢ هـ (١١٢٨ م). وقد فصلنا نحن من قبل تفاصيل الغزوات التي قام بها المرابطون يومئذ في أراضي قشتالة، والغزوات التي قام بها القشتاليون في أراضي الأندلس، فلا حاجة بنا إلى أنا نعود إلى ذكرها هنا. بيد أنه مما تجب ملاحظته أن هذه الفترة التي توالت فيها غزوات القشتاليين لأراضي الأندلس الوسطى، هي نفس الفترة التي اشتدت فيها وطاة ألفونسو المحارب ملك أراجون على شرقي الأندلس والثغر الأعلى. وقد سبق أن فصلنا كيف أحرز ألفونسو نصره على المرابطين في موقعة القلاعة جنوبي بلنسية في سنة ٥٢٣ هـ (١١٢٩ م) وكيف غزا ألفونسو بعد ذلك أراضي بلنسية، وعاث فيها، ثم عاد فهاجم مكناسة من قواعد الثغر الأعلى، واستولى عليها في سنة ٥٢٧ هـ (١١٣٣ م) ثم كان حصاره لإفراغة ونكبته تحت أسوارها، وموته على أثر تلك النكبة، وذلك في شهر يوليه سنة ١١٣٤ م (رمضان سنة ٥٢٨ هـ).
стр. 1650
الفصل الثاني
الممالك الإسبانية النصرانية في عصر القيصر ألفونسو ريمونديس وقيام مملكة أراجون الكبرى
ألفونسو المحارب. أعماله وخلاله. وصيته. رفض الشعبين الأرجوني والنافاري لها. انفصال نافارا واستقلالها. اختيار أراجون الراهب راميرو ملكاً لها. غزو ملك قشتالة لنافارا. احتلاله لسرقسطة. اعتراف راميرو بطاعته. ألفونسو ريمونديس يتخذ لقب الإمبراطور. قرارات مجلس ليون. ما يحققه اللقب الإمبراطوري لملك قشتالة. محالفة راميرو لملك قشتالة. ألفونسو ريمونديس يغزو نافارا. ارتداده لمحاربة البرتغاليين. زواج الكونت رامون أمير برشلونة من إبنة راميرو. تنازل راميرو عن العرش. الكونت رامون أمير أراجون. الكونت رامون برنجير الثالث وجهوده في سبيل التعاون مع أراجون. رامون برنجير الرابع وإتمام الوحدة بين أراجون وقطلونية. مسير ألفونسو ريمونديس لمحاربة البرتغال. الصلح المفاجىء بين الملكين. مسير ألفونسو لغزو الأندلس. فتك المرابطين بإحدى فرقه. مسيره لافتتاح حصن أوريخا. إسراع المرابطين إلى نجدته. تسليم الحصن بالأمان. تحالف ألفونسو ريمونديس ورامون برنجير على غزو نافارا. مدافعة غرسية راميريس ملكها للغزاة. سعيه إلى طلب الصلح. اعترافه بسيادة الإمبراطور. استمرار الحرب بين أراجون ونافارا. عقد الصلح بينهما. غزو ألفونسو ريمونديس للأندلس. استيلاؤه على قورية. غزوة قشتالة للأندلس. موقعة بين المسلمين والنصارى. هزيمة النصارى ومصرع قائدهم. ملك قشتالة يغزو الأندلس مرة أخرى. معاونته للثوار ضد المرابطين. احتلاله قرطبة. استيلاء النصارى على ألمرية. سقوط القواعد الإسلامية بالثغر الأعلى. غزو نافارا لأراجون ومراميه. المؤتمر الكهنوتي. وفاة الملكة برنجيلا. وفاة غرسية راميريس ملك نافارا. تجديد التحالف ضد نافارا بين أراجون وقشتالة. تطور الحوادث. الزيجات الملكية. الحرب بين نافارا وأراجون. تجدد الاتفاق بين أراجون وقشتالة على تقسيم نافارا. عود ملك قشتالة إلى غزو الأندلس. استيلاؤه على حصنى أندوجر والبطروج. استردادهما على يد الموحدين. استرداد الموحدين لألمرية، وفشل القيصر في إنجادها. وفاة ألفونسو ريمونديس. خلاله وأعماله. برنامجه في مهاجمة الإسلام. مواظبته على غزو الأندلس. المونت رامون برنجير وأعماله الأخيرة. وفاته وخلاله. تقسيم قشتالة بين ولدي القيصر سانشو وفرناندو. الحرب بين الأخوين. هزيمة فرناندو واعترافه بسيادة أخيه. أطماع سانشو ووفاته. ولده الطفل ألفونسو. الوصي جوتيرو دي كاسترو. سخط آل لارا. تسليم الأمير للكونت غرسية دى آينا. الكونت يسلمه لآل لارا. مطالبة آل كاسترو بإعادة الطفل. التجاؤهم إلى فرناندو ملك ليون. غزو فرناندو لقشتالة. إعلانه لوصايته على ابن أخيه. تسليم آل لارا للملك الطفل. اصطفاء فرناندو لآل كاسترو. الحرب بين الأسرتين. هزيمة آل لارا. اختطافهم للملك الطفل. تذرعهم بحماية قشتالة من أطماع فرناندو. استمرار الحرب الأهلية بين الفريقين. مقتل عميد آل لارا. تحول أهل قشتالة إلى مخاصمة فرناندو. استيلاء آل لارا على طليطلة. إعلانهم