الفصل الأوّل
الخلافة في معترك الفتنة والفوضى
غداة الانقلاب. اقتسام السلطان. الشعب القرطبي. شخصية المهدي. اضطهاده للبربر. تحامل العامة عليهم. نفي المهدي للفتيان العامريين. إخفاؤه للخليفة هشام وادعاؤه بوفاته. عيثه وطغيانه. هشام بن سليمان. سعيه إلى خلع المهدي. القتال بين الفريقين. هزيمة هشام ومصرعه. تحريض المهدي على البربر والفتك بهم. مسيرهم إلى قلعة رباح. يرشحون سليمان بن الحكم للخلافة. استنصارهم بسانشو غرسية أمير قشتالة. الحرب بينهم وبين الفتى واضح. هزيمته وفراره. تأهب المهدي للدفاع. مسير البربر وحلفائهم النصارى إلى قرطبة. موقعة قنتش. هزيمة القرطبيين وتمزيق جموعهم. المهدي يظهر الخليفة هشام. فشل محاولته وفراره. مبايعة سليمان بن الحكم. المهدي وواضح يدبران محاولة جديدة. استنصارهما بأميرى برشلونة وأورقلة. مسير المهدي وحلفائه الفرنج إلى قرطبة. اللقاء بينهم وبين البربر. هزيمة البربر وفرار سليمان. تجديد البيعة للمهدي. مسيره لمطاردة البربر. هزيمته وارتداده إلى قرطبة. استعداده للدفاع. الوحشة بينه وبين واضح. ائتمار الفتيان به ومقتله. عود هشام المؤيد إلى الخلافة. واضح يتولى الحجابة. تمسك البربر بولاية سليمان. مسير البربر إلى الزهراء واحتلالها. عيثهم بأراضي قرطبة. هشام يقدم الحصون الأمامية لأمير قشتالة. حصار البربر لقرطبة. واضح يحاول الفرار. ضبطه ومقتله. ابن وداعة وابن مناو. هشام يحاول استرضاء البربر وسليمان. فشل المحاولة. اشتداد الحصار على قرطبة. مقتل حباسة بن ماكسن. هياج البربر. القتال بينهم وبين أهل قرطبة. هزيمة القرطبيين. اقتحام البربر للمدينة والفتك بأهلها. سليمان المستعين يسترد الخلافة. مصير هشام المؤيد. سليمان يتلقب بالظافر. تفكك عرى الدولة. توزيع الكور بين زعماء البربر. خلال سليمان وشعره.
تربع محمد بن هشام الملقب بالمهدي على كرسي الخلافة، مكان الخليفة هشام المؤيد، في ١٧ جمادى الآخرة سنة ٣٩٩ هـ (١٦ فبراير سنة ١٠٠٩ م)، وانقضى عهد السلطة الثنائية - سلطة الخليفة الشرعي الإسمية، وسلطة حاجبه والمتغلب عليه الفعلية - ليفسح مجالا لعود السلطة الموحدة. ولكن الظروف التي وقع فيها هذا الانقلاب الحاسم، الذي أودى بين عشية وضحاها، بسلطان دولة من أعظم الدول الأندلسية، لم تكن تسمح لأية سلطة نظامية أن تثبت وأن تستقر، فقد كان الخليفة الجديد، شخصية مغامرة رخوة، تحركها النزعات الوضيعة، ولا تحدوها أية غاية مثلى، وقد أطلقت سائر الأهواء المتوثبة من عقالها، وأخذ كل حزب وكل فريق وكل طائفة، تحاول أن تحصل نصيبها من
стр. 632
أسلاب الدولة المنهارة. فقد كان هناك المروانية أو بنو أمية، يرون أنهم أصحاب السلطة الشرعية، وأصحاب التراث المتخلف عن مغتصبيها، بني عامر؛ وكان هناك الفتيان العامريون، وأنصارهم من الصقالبة، ومن إليهم من الجند المرتزقة، وقد كانوا أولياء الدولة العامرية، وكانوا من حيث العدد والعصبية قوة يعتد بها؛ وكان هناك البربر، وقد كانوا عماد الجيش العامري، وكان عددهم قد تضاعف في أواخر أيام المنصور وبنيه، وتوافد كثير من زعمائهم إلى شبه الجزيرة؛ ثم كان هناك أخيراً الشعب القرطبي، أو بعبارة أخرى كتلة العامة والدهماء الذين آزروا الخليفة الجديد والتفوا حوله، وقد كانوا قوة خطرة متقلبة، كثيرة الأهواء والنزعات، لا تؤمن عواقبها.
استقبل الشعب القرطبي، ولاية الخليفة الجديد، بمظاهر السرور والرضى، وأقاموا الحفلات والولائم، وظنوا أنهم قد أفلتوا من أغلال النظام العامري المرهق، ليستقبلوا عهداً أكثر تسامحاً، وأوسع آفاقاً، وما دروا أن القدر يتربص بهم، وأن الأندلس سوف تجوز من تلك الساعة، عهداً مليئاً بالمحن والأحداث المؤلمة.
والواقع أن الخليفة الجديد لم يكن رجل الموقف، ولم تكن جرأته التي تذرع بها لانتزاع السلطة من هشام المؤيد، والقضاء على سلطان بني عامر، جرأة زعيم مقدام يقدر المسؤوليات التي أخذها على عاتقه، ولكن جرأة مغامر متهور، وزعيم عصابة غير مسؤولة، التفت حوله جموع الدهماء الصاخبة، دون وعي ولا تدبر، شأنها دائماً في كل انقلاب وكل حدث جديد. ومن ثم فإنه ما كاد يشعر باستقرار أمره، وتمكن سلطانه، حتى أطلق العنان لطغيانه وأهوائه، وجمع حوله بطانة سوء، أخذت تتنكر للناس، وتضطهدهم، وتسومهم سوء الخسف، وأبدى الموكلون بالقصر من رجاله نحو البربر بنوع خاص منتهى الشدة والفظاظة، وكان المهدي ورجاله يخصون البربر بالبغض والزراية، لأنهم كانوا عضد المنصور، وسند نظامه الحديدي، وكان أهل قرطبة ينساقون مع المهدي في هذه العاطفة ضد البربر، وينظرون إليهم شزراً.
وبدا سخط المهدي نحو البربر في سوء معاملتهم، والتشدد في دخولهم القصر، فكانوا يمنعون من الركوب عند الدخول، وينزع سلاحهم، ويوجه إليهم قارص
стр. 633
الكلام، ولم يفرق في ذلك بين أصاغرهم وزعمائهم، حتى أن كبيرهم زعيم قبيلة صنهاجة، زاوي بن زيري بن مناد، عند مقدمه إلى القصر، مع جماعة من رجاله، ردوا عند الباب بفظاظة، وأهينوا، فانصرفوا وقلوبهم تضطرم سخطاً.
وسرت إلى العامة عندئذ، موجة من التحامل ضد البربر، فهاجمت بعض جموعهم دور البربر في ضاحية الرُّصافة، ونهبوا بعضها، وبادر صاحب المدينة بضبط الحال ورد الغوغاء، وقتل ثلاثة منهم. وأسرع زاوي بن زيري، وحبوس بن ماكسن، وأبو الفتوح بن ناصر، وغيرهم من زعماء البربر بالدخول على محمد بن هشام، وأخبروه بما وقع, فاعتذر لهم، ووعدهم برد ما نهب، وقتل عدد من الغوغاء، ولكن البربر لم تهدأ ثائرتهم، وبقيت نفوسهم على اضطرامها.
وكان من أعمال العنف التي قام بها محمد بن هشام، أن نفى عدداً من الفتيان الصقالبة العامريين. فغادروا قرطبة، ولجأوا إلى أطراف الأندلس الشرقية، وكان من تملكهم لبعض نواحيها ومدنها ما سنذكر في موضعه. ولم يقبل منهم على مسالمة محمد بن هشام ومصادقته، سوى الفتى واضح صاحب مدينة سالم والثغر الأوسط، فإنه بعث إليه كتاباً يؤكد فيه طاعته، ويبدي ابتهاجه بمصرع عبد الرحمن المنصور، فرد عليه المهدي بالشكر، وبعث إليه أموالا ومتاعاً، ومرسوماً بولاية الثغر كله.
وعمد محمد بن هشام بعد ذلك إلى مطاردة الخليفة هشام المؤيد، فحبسه في القصر أولا، وأخرج جواريه وفتيانه، ودوابه المحبوبة، ثم أخرجه بعد ذلك من القصر، وأخفاه في بعض منازل قرطبة. وتوفي في ذلك الوقت رجل نصراني أو يهودي، قيل إنه كان يشبه هشاماً شبهاً قوياً، فأعلن محمد بن هشام، وفاة الخليفة، وأحضر الوزراء والفقهاء فشهدوا بأنه هو الخليفة هشام المؤيد حقاً.
ودفن هذا الخليفة المزعوم في اليوم السابع والعشرين من شعبان سنة ٣٩٩ هـ (١).
ولما شعر محمد بن هشام أن الأمر قد استتب له، أطلق العنان لأهوائه، وشهواته الوضيعة، وانكب على معاقرة الخمر، وبالغ في الاستهتار والمجون، والمجاهرة بالفسق والفجور، بصورة مثيرة أفقدته عطف الكثيرين واحترامهم،
стр. 634
وبطش بكثير من الناس، وفي مقدمتهم ولي عهده سليمان بن هشام، فقد سجنه وسجن معه جماعة من قريش، وأخرج من الجيش نحو سبعة آلاف جندي، أقيلوا وقطعت أرزاقهم، وأضحوا عنصراً من عناصر التوتر والشغب؛ وزاد في التحامل على البربر، والتعريض بهم والطعن فيهم، في كل فرصة وموطن، حتى أصبح بغضه لهم، وتربصه بهم، من الأمور الذائعة، وأخذ كل فريق يحترز من صاحبه، ويتوقع منه الشر والغدر.
وكان هشام بن سليمان بن الناصر، وهو والد سليمان ولي العهد المعتقل، قد وجد على محمد بن هشام من جراء انحرافه وطغيانه ومجونه، وخشي سوء العاقبة على بني أمية، وانهيار أمرهم، فأخذ يسعى في خلع محمد بن هشام، وانضم إليه جماعة من الناقمين عليه، وفي مقدمتهم جماعة العبيد العامريين، وطوائف البربر، ومن تغيرت نفوسهم على محمد بن هشام، وحاصر الثوار محمد بن هشام في قصره، فبعث إلى هشام القاضي ابن ذكوان، وأبا عمر بن حزم، يعاتبانه على تصرفته، وأمر بالإفراج عن سليمان بن هشام، ووقع بين الرسولين وبين هشام حوار شديد، أعلن فيه أنه أحق من محمد بالعرش، فانصرفا عنه. والتفت العامة من الربض الغربي حول محمد؛ وخرج محمد المهدي في جموعه لمقاتلة خصومه، ودار القتال بينهما يومين متواليين، ثم أسفرت المعركة عن هزيمة هشام وجموعه من البربر والعامريين، وأسر هشام وابنه وأخوه أبو بكر ونفر من الزعماء، قتلهم المهدي جميعاً (١). وانثالت الدهماء على دور البربر، فأعملت فيها التدمير والنهب حتى دخل الليل، وكان ذلك في أواخر شوال سنة ٣٩٩ هـ (يونيه سنة ١٠٠٩ م).
ودافع البربر عن أنفسهم، ثم انسحب معظمهم إلى أرملاط (٢) ضاحية قرطبة، ووقع القتال بقرطبة بين من تبقى منهم وبين العامة، وحرض المهدي على قتلهم، وجعل لرؤوسهم أثماناً، ففتك العامة بكثير منهم، ومن بينهم عدة من الزعماء، ونهبوا دورهم، واغتصبوا النساء وسبوهن، كل ذلك في مناظر مثيرة من السفك والاعتداء الغاشم؛ واختفى كثير من زعمائهم. وتوجس المهدي من العواقب، فأصدر للبربر أماناً، ونادى بالكف عنهم، ونصحهم بتغيير زيهم اتقاء
стр. 635
الأذى، وكتب إلى البربر في أرملاط أماناً، فم يلتفتوا إليه، وغادروا أرملاط وساروا شمالا إلى قلعة رباح، وهناك أخذوا ينظمون أنفسهم ويتدبرون أمرهم.
وكان ممن فر من بني أمية عقب هزيمة هشام بن سليمان ومصرعه، ولد أخيه سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وكان إماماً للبربر، فسار معهم، ورشحوه منذ البداية لتولي الأمر مكان المهدي، ولقبوه بالمستعين. وكان سانشو غرسية أمير قشتالة يرقب تطور الحوادث في قرطبة باهتمام، متأهباً لمظاهرة الفريق الخارج على الآخر، ففاوضه سليمان وزعماء البربر في طليطلة على أن يمدهم بالجند، وتعهدوا إليه بتسليم بعض الحصون الواقعة على الحدود، فقبل معاونتهم؛ وفي أثناء ذلك حاول الفتى واضح صاحب مدينة سالم أن يعرقل مسير البربر، فأمر مدن الثغر أن تمنع المؤن عن البربر، ولقوا من جراء ذلك شدة وإرهاقاً. وأمده المهدي ببعض قواته بصحبة غلامه بليق، فجمع جموعه وسار لقتال البربر، ولجأ البربر من جانبهم إلى حليفهم سانشو، فأمدهم بالجند والمؤن الوفيرة. والتقى البربر وجيش واضح في مكان يسمى شرنبة على مقربة من قلعة النهر أو قلعة هنارس الحالية Alcala de Henares فهزم واضح هزيمة شنيعة، واستولى البربر على محلته وسلاحه، وفرت فلوله صوب قرطبة. وكان ذلك في شهر ذي الحجة سنة ٣٩٩ هـ (١).
وارتاع المهدي لتلك الهزيمة، وأخذ في تحصين قرطبة، وحفر حول فحص السرادق، وهو محلة البربر خندقاً، ورتب الرجال على الأبواب والأسوار، وأخذ ينظم قواته النظامية ومن العامة. وكان واضح قد أتاه منهزماً في أربعمائة فارس من الثغر، انضمت إلى قواته. وسار سليمان بن الحكم من جهة أخرى في جموع البربر، ومعها القوات القشتالية بقيادة سانشو غرسية، صوب قرطبة، وعسكروا بشرقها في سفح جبل يعرف بجبل قنتج أو قنتش وذلك في يوم ١١ ربيع الأول سنة ٤٠٠ هـ. وبرز واضح في جموعه من أهل قرطبة والثغر، واشتبك الفريقان في القتال يوم السبت ١٣ ربيع الأول (٥ نوفمبر ١٠٠٩ م)، واضطرمت بينهما معركة شديدة، وسرعان ما دب الخلل إلى جيش قرطبة، فارتد منهزماً إلى الوادي، وتبعه البربر بعنف. فضاقت بهم المسالك، وقتل منهم عدد جم
стр. 636
يقدره البعض بعشرة آلاف، بينهم عدد كبير من العلماء والأئمة، وقتل النصارى وحدهم نيفاً وثلاثة آلاف رجل، وثبت واضح في رجاله حتى دخل الليل، فانسل تحت جنح الظلام وفر هارباً إلى الثغر (١).
ولما رأى المهدي هزيمة جنده، سقط في يده، وحاول أن ينقذ نفسه بحيلة سخيفة، يدفع بها دعوى سليمان، فأظهر الخليفة هشاماً المؤيد، وكان قد أخفاه حسبما تقدم، وزعم أنه مات، وأجلسه في مكان بارز في شرفة القصر، وبعث القاضي ابن ذكوان إلى البربر، يخبرهم أن الخليفة هشاماً ما زال على قيد الحياة، وأنه الإمام الشرعي، وليس المهدي سوى نائبه وصاحبه، فرده البربر بجفاء وسخرية، وأبدوا تمسكهم بولاية سليمان. ولم ير المهدي أمامه سوى الفرار والنجاة بحياته، فغادر القصر سراً، واخترق قرطبة متنكراً، ولحق بطليطلة. ودخل زاوي بن زيري زعيم البربر القصر، ودخل سليمان بن الحكم في أثره في يوم الإثنين الخامس عشر من ربيع الأول سنة أربعمائة، وبايعه الناس بالخلافة، وتلقب بالمستعين بالله، واستقبله الشعب القرطبي القُلَّب بحماسة، شأنه مع كل متغلب وظافر (٢). ووكل سليمان بعض الفتيان الصقالبة بالمحافظة على هشام المؤيد في بعض أجنحة القصر، ونزل البربر في الزهراء اتقاء للاحتكاك مع العامة. ومع ذلك فقد كانت حوادث الاعتداء تتوالى عليهم في دروب قرطبة وأزقتها. وكان من أول أعمال سليمان أن أمر بإنزال جثة عبد الرحمن بن المنصور عن خشبتها، فغسلت ودفن في دار أبيه؛ ووفد سانشو غرسية إلى القصر، فاستقبل بحفاوة وخلع عليه وعلى أصحابه، ثم عاد إلى معسكره، ووعده البربر بتسليم الحصون التي تعهدوا بتسليمها متى استقر سلطانهم، ثم غادر قرطبة بعد أن ترك من جنده مائة أنزلوا في ربض منية العقاب.
أما محمد المهدي فما كاد يصل إلى طليطلة، حتى أخذ يدبر أمره من جديد، وكانت الثغور ما تزال باقية على طاعته ودعوته، وانضم إليه واضح وأخذ الأمر ييده. ولما علم سليمان بما يدبره المهدي وواضح، خرج في قواته من قرطبة،
стр. 637
وسار صوب طليطلة، ثم دعا أهلها إلى طاعته، فأبوا. وانصرف سليمان بقواته إلى مدينة سالم، فلقي نفس الفشل في استمالة أهلها، فارتد عندئذ إلى قرطبة اتقاء لأهوال الشتاء (أواخر شعبان سنة ٤٠٠ هـ). وفي خلال ذلك كله كان الفتى واضح قد سار إلى طرطوشة من ثغور الثغر الأعلى، واتصل بأمير برشلونة الكونت رامون بوريل وزميله أمير أورقلة الكونت أرمنجو، واتفق معهما على أن يمداه بجيش لمقاتلة البربر في قرطبة، فقبلا معاونته بشروط باهظة، من تقديم الطعام والشراب، وأن يتناول كل منهما في اليوم مائة دينار، وأن يتناول كل جندي دينارين في اليوم، وأن يستولي الجند النصارى على ما يغنمونه من سلاح البربر وأموالهم، وأخيراً أن يستولوا على مدينة سالم، وقد احتلوها بالفعل في طريقهم إلى طليطلة، بعد أن أخلاها واضح من المسلمين (١).
وسار الجيش الفرنجي برفقة واضح إلى طليطلة، حيث انضم إليه المهدي في قواته، وسارت القوات المتحدة صوب قرطبة. وكان سليمان المستعين قد وقف على أهبة خصومه، ووفرة القوات الزاحفة عليه، فاستنفر الناس لنصرته، فلقيت دعوته فتوراً، فحشد ما استطاع من جموعه، وخرج مع البربر لملاقاة خصومه. وكان اللقاء على قيد نحو عشرين كيلومتراً من شمالي قرطبة في مكان يعرف " بعقبة البقر "، وذلك في منتصف شوال سنة ٤٠٠ هـ (أواخر مايو سنة ١٠١٠ م)، واحتل البربر بقيادة زعيمهم زاوي بن زيري المقدمة، ورابط سليمان بقواته في المؤخرة. واقتتل البربر مع الفرنج قتالا شديداً، قتل فيه كثير منهم، وفي مقدمتهم الكونت أرمنجو (وتسميه الرواية العربية أرمقند)، ولكن جانباً من فرسان الفرنج اخترقوا صفوف البربر، فظن سليمان أن الهزيمة وقعت بهم فارتد منهزماً وكشف بذلك مؤخرة البربر، فلما رأى البربر فرار سليمان بقواته، ارتدوا لفورهم نحو الزهراء، فأخذوا أهلهم وأموالهم وغادروها إلى الجنوب مسرعين، وفر سليمان في بقية من صحبه شرقاً صوب شاطبة. وفي اليوم التالي دخل واضح ومحمد المهدي قرطبة، وجدد المهدي البيعة لنفسه وعين واضحاً لحجابته (٢).
واعتزم المهدي أن يقضي على البربر قبل أن يعودوا لمقارعته. فجمع الأموال
стр. 638
من أهل قرطبة، وأعطى الفرنج أعطياتهم، وحشد كل ما استطاع من قواته، وخرج لمطاردة البربر. وكان البربر قد وصلوا عندئذ إلى " وادي آره " أو وادي يارو (١). على مقربة من مربلة في طريقهم إلى الجزيرة الخضراء. وكان جيش المهدي يتكون من نحو ثلاثين ألف من المسلمين، وتسعة آلاف من الفرنج.
وهناك التقى الجمعان، واشتبكا في معركة طاحنة، دارت فيها الهزيمة على المهدي وحلفائه، وقتل من الفرنج نحو ثلاثة آلاف، وغرق منهم عدد جم، واستولى البربر على كثير من أسلحتهم وخيلهم ومتاعهم (٢)، ووقعت هذه الموقعة، في شهر ذي القعدة سنة ٤٠٠ هـ (يونيه ١٠١٠ م)، وعلى أثرها ارتد المهدي إلى قرطبة، وهنالك غادره حلفاؤه النصارى عائدين إلى بلادهم. وسار البربر جنوباً إلى ناحية ريُّه، وهنالك لحق بهم سليمان المستعين بمن معه. وأخذ الفريقان يدبران معاً استئناف الصراع للاستيلاء على قرطبة.
وعكف المهدي على تحصين قرطبة، وحفر حولها خندقاً، أقيم وراءه سور، وأخذ يستعد للدفاع، ويحشد الجند توقعاً لمعاودة البربر الكرة. وكانت جموع من البربر في أثناء ذلك تغير على نواحي قرطبة من آن لآخر. وفي أثناء ذلك كان واضح قد ضاق ذرعاً بتصرفات المهدي وحماقاته، وسوء خلقه من عكوف على الشراب والمجون. وكان الفتيان العامريون وفي مقدمتهم واضح جميعاً ينقمون على المهدي ما فعله بهشام المؤيد، وبني عامر، وكان قد وصل إلى قرطبة جملة منهم من شاطبة، وفيهم بعض الفتيان البارزين مثل خيران وعنبر، فأتمروا على الغدر بالمهدي، وأخرجوا هشاماً من محبسه بالقصر، وأجلسوه للخلافة ونادوا بولايته، وأتوا بالمهدي بين يديه، فضرب عنقه، واحتز رأسه، وألقى بجسده من أعلى السطح، ورفعوا رأسه على قناة طيف بها في الشوارع، ووقعت هذه الجريمة في الثامن من ذي الحجة سنة ٤٠٠ هـ (٢٣ يوليه ١٠١٠ م) (٣).
وهكذا استرد هشام المؤيد الخلافة، بعد سلسلة من الخطوب والأحداث المثيرة، وكان يومئذ كهلا في نحو السابعة والأربعين من عمره، وكان قد مضى
стр. 639
عليه مذ ولى الخلافة صبياً لأول مرة أربعة وثلاثون عاماً، وفي تلك الفترة شهدت الأندلس طائفة من الأحداث الجسام، لم تشهد مثلها من قبل: شهدت قيام الحاجب المنصور ودولته العامرية، واختفاء سلطة الخلافة، في ظل نظام الطغيان المرهق الذي فرضه بنو عامر، ثم شهدت الثورة الغامرة التي أطاحت بالدولة العامرية وعود الخلافة الأموية في ثوبها الباهت المهلهل، على يد مغامرين مثل محمد بن هشام المهدي، وسليمان المستعين، وشهدت وفاة هشام المزعومة، ثم بعثه، وعوده إلى تولي الخلافة، شبحاً من أشباح الماضي، وألعوبة في يد واضح وزملائه الفتيان العامريين، أصحاب الحول والسلطان، بعد ابتعاد البربر ومصرع المهدي.
وتولى واضح بالطبع منصب الحجابة للخليفة الذي اصطنعه، وسكنت الفتنة، وهدأت الخواطر نوعاً، وبعث الخليفة برأس المهدي إلى سليمان المستعين وحلفائه البربر، وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته، وأخذ يظهر في شوارع قرطبة خلافاً لما كان عليه فيما مضى، إظهاراً لهيبة الخلافة وسلطانها. ولكن البربر لم يقبلوا دعوته، وأبدوا تمسكهم بولاية سليمان، وكان البربر في الواقع يضطرمون حقداً على أهل قرطبة لما أصابهم منهم من أنواع النكال، ويزمعون الانتقام منهم بكل وسيلة. وحاول سليمان والبربر أن يحصلوا مرة أخرى على معاونة سانشو غرسية أمير قشتالة، وعرضوا أن يسلموه سائر الحصون الأمامية التي افتتحها الحكم والمنصور، إذا ارتضى محالفتهم ومعاونتهم على استعادة قرطبة، وخلع المؤيد، ولكن سانشو لم يصغ إليهم في تلك المرة، معتزماً أن يوجه مطالبه إلى الخليفة القائم. وعندئذ عول البربر على السير إلى قرطبة، فسارت جموعهم حتى وصلت إلى الزهراء غربي قرطبة، فهاجموها وقتلوا معظم الجند الذين بها، واحتلوها وذلك في شهر ربيع الأول سنة ٤٠١هـ (نوفمبر سنة ١٠١٠ م)، واستمروا بها بضعة أشهر حتى أواخر شعبان من تلك السنة، ثم زحفت جموعهم على أرباض قرطبة، يعيثون فيها تخريباً ونهباً وقتلا، ويجتنبون الاشتباك مع جند واضح، وضج أهل قرطبة لهذا الاعتداء، وزادت نفوسهم حقداً على البربر، وتحرقاً للانتقام منهم، وانتشرت جموع البربر في نفس الوقت جنوباً، حتى وصلت إلى أحواز غرناطة ومالقة وهي تنشر الخراب والدمار أينما حلت.
стр. 640
وفي تلك الأثناء وصل سفراء سانشو غرسية أمير قشتالة إلى قرطبة، يطالبون بالحصون الواقعة على الحدود، والتي افتتحها المسلمون منذ أيام الحكم حتى نهاية عهد بني عامر. ولم ير هشام وواضح بداً من إجابة سانشو إلى طلبه، اتقاء لعدوانه من جهة، واتقاء لتحالفه مع البربر من جهة أخرى. وعقد مجلس من الفقهاء والقضاة، وكتب محضر رسمي بتسليم عدد كبير من الحصون إلى النصارى، يقال إنها أربت على المائتين (١)، ومنها معاقل هامة، كانت قواعد أمامية للمسلمين، مثل شنت إشتيبن، وقلونية، وأوسمة، وغرماج وغيرها، وخسرت الأندلس بذلك خط دفاعها الأول، وتركت حدودها الأمامية مفتوحة لغزوات النصارى.
واستمر البربر على حصارهم لقرطبة، وعيثهم في أرباضها الخارجية، وكانت الحالة تسوء من يوم إلى يوم، وكان الناس في قرطبة، جيشاً وشعباً، يزمعون مقارعة البربر، والقضاء عليهم بكل ما وسعوا، ويرفضون كل رأي أو مسعى يتجه إلى مسالمتهم أو التفاهم معهم، ولم يجد المؤيد وواضح بداً من الانسياق مع التيار العام، واتخاذ كل وسيلة ممكنة للدفاع عن المدينة، ولكن الموارد كانت تقل يوماً عن يوم، حتى اضطر المؤيد إلى إخراج سائر نفائس القصر وتحفه ورياشه، ليقتني بثمنها الخيل والسلاح، وفضلا عن ذلك فقد أرهق القرطبيون بالمطالب والمغارم حتى ضاقوا ذرعاً؛ وأخيراً شعر واضح بأنه يواجه حالة مستحيلة، واعتزم أن يغادر قرطبة سراً، إلى بعض نواحي الثغر، ولكن بعض أكابر الجند وقفوا على مشروعه، فنهض أحدهم، وهو على بن وداعة مع نفر من زملائه، فعاتبوه على ما بدد من الأموال، وما أساء من تصرف، ثم قتلوه واحتزوا رأسه، وطيف بها في الشوارع، ونهبت دوره ودور أصحابه، فوجد بها مال كثير معبأ كان يعتزم الفرار به. وهكذا كفر واضح بدمه عن جريمته في اغتيال المهدي، وهكذا أضحت الجريمة وسيلة ذائعة في بلاط قرطبة، لاقتناص السلطان أو التخلص من صاحبه (٢).
وعلى أثر ذلك ولى المؤيد ابن وداعة شرطة المدينة، فاستعمل الحزم والشدة، في قمع الشغب وصون النظام والأمن، فهابته العامة، وقلت حوادث الشغب، وتولى تدبير الأمور للمؤيد رجل من موالي العامريين يسمى ابن مناو؛ ثم جاءت
стр. 641
إلى قرطبة كتب من أهل الثغور يعتذرون فيها عن عجزهم عن إرسال الأمداد، وينصحون المؤيد إما بمصالحة البربر، أو التفاوض مع أمير قشتالة؛ فكتب هشام إلى زاوي بن زيري يحثه على عقد الصلح، ويعده بما شاء من مال أو ولاية، فرد زاوي بأنه لايستطيع مخالفة أصحابه، وأنه مع ذلك لايدخر وسعاً في العمل لتأليف كلمة المسلمين وحقن الدماء (١).
ثم بذلت محاولة مماثلة لدى سليمان بن الحكم والبربر، إذ كتب أهل قرطبة على لسان هشام وابن مناو كتابين، وجه أحدهما من هشام إلى سليمان، وفيه يرجو العمل على إخماد الفتنة، وتسليم الأمر إليه، وعلى أن يغدو سليمان ولي عهده والقائم بأعباء الخلافة عنه، ووجه الثاني من وزراء قرطبة إلى وزراء البربر، فلم يحفل سليمان بكتاب هشام، وقال للرسل بل إنه هو أمير المؤمنين والخليفة، وأنه لا يعترف لهشام بصفة ما.
كل ذلك والأمر يشتد على أهل قرطبة. ودخل الوزراء ووجوه الجند والفتيان على هشام، وكشفوا له خطورة الحالة، واشتداد ضغط البربر على المدينة وأرباضها، وتفاقم الضيق والغلاء، وقصور الثغور عن إنجاد المدينة، وكون الشعب منقسم على نفسه ما بين راغب في الكفاح، وراغب في الصلح، فبكى هشام فيما قيل، واعتذر لعجزه وقصوره، وقال لهم افعلوا ما ترون.
وعجل باضطرام النار حادث وقع في آخر ذي الحجة سنة ٤٠٢ هـ، إذ تقدم جماعة من وجوه البربر وفي مقدمتهم حباسة بن ماكسن ابن أخي زاوي، وكان من أشجع قادة البربر، ومعه جماعة قليلة من الفرسان، ونزلوا في بقعة قريبة من الأسوار، فرآهم أهل قرطبة من وراء الخندق، فاجتمع منهم عدد عظيم، وانقضوا على حباسة وصحبه، فدافعوا عن أنفسهم دفاعاً عظيماً، ولكنهم غلبوا في النهاية على أمرهم، وأسر حباسة، فلما عرفه القوم قتلوه بوحشية، وقطعوا جسده إرباً لعظيم حقدهم عليه، ولما قاسوه من شدة قتاله ونكايته، فلما وقف أخوه حبوس وعمه زاوي على الخبر، اضطرب البربر، واستعدوا للقتال، وفي اليوم التالي اشتبكوا مع أهل قرطبة في عدة معارك، وفتكوا بكثير منهم،
стр. 642
واستمرت المعارك من ذلك الحين بين الفريقين سجالا، وأهل قرطبة يخرجون من المدينة مرة بعد أخرى، ويقاتلون البربر محاولين تحطيم الحصار المرهق، والبربر من جانبهم ينزلون بهم أشد الضربات، وفي ٢٦ شوال سنة ٤٠٣ هـ (مايو سنة ١٠١٣ م) نشبت بين الفريقين معركة عامة، وقاتل أهل قرطبة قتالا شديداً، ولكنهم هزموا بعد معارك طاحنة، وقتل منهم عدد جم، وساد الاضطراب أرجاء المدينة، وفتحت أبوابها؛ وخرج القاضي ابن ذكوان مع جماعة من الفقهاء وساروا إلى معسكر البربر، وطلبوا الأمان من سليمان وزعماء القبائل البربرية، فمنح الأمان لقاء مبالغ عظيمة فرضت على المدينة، ودخل البربر المدينة دخول الوحوش المفترسة، فقتلوا كثيراً من سكانها، ولم يفروا الأطفال والشيوخ، وأوقعوا بها السلب والنهب، وأحرقوا الدور، واغتصبوا النساء والبنات، وارتكبوا أشنع ضروب السفك والإثم، وكانت محنة من أروع ما قاسته عاصمة الخلافة.
وفي اليوم التالي دخل سليمان المستعين قصر قرطبة، واستدعى هشاماً المؤيد وعنفه على موقفه، فاعتذر بأنه مغلوب على أمره. وهنا تختلف الرواية في مصير هشام، فالبعض يقول إن سليمان أخفاه حيناً، ثم قتله ولده محمد بن سليمان، والبعض الآخر بأنه فر من محبسه، وقصد إلى ألمرية حيث عاش حيناً في خمول وبؤس حتى توفي. بيد أننا نرجح الرواية الأولى، وإن كان اسم هشام سوف يظهر بعد ذلك على مسرح الحوادث. (١)
ولما استتب الأمر لسليمان، وهدأت الخواطر نوعاً، تلقب بالظافر بحول الله مضافاً إلى المستعين، وانتقل إلى مدينة الزهراء بحاشيته وقواد البربر وجندهم، فاحتلوها وما حولها، ونزل علي والقاسم ابنا حمود قائدا فرقة العلوية بشقندة ضاحية قرطبة، وأخذ سليمان ينظم شئون الحكومة المضطربة. وكانت الفوضى قد سرت إلى جميع النواحي، وتفككت عرى الدولة، وقصر نفوذ الحكومة إلا عن قرطبة وما يجاورها، وقبض البربر الذين رفعوا سليمان إلى العرش، على السلطة الحقيقية، فتولوا مناصب الحجابة والوزارة، وسائر المناصب الهامة؛ ورأى سليمان إرضاء لهم من جهة، وإبعاداً عن قرطبة من جهة أخرى،
стр. 643
يقطعهم كور الأندلس، وكانوا ست قبائل رئيسية، فأعطى قبيلة صنهاجة وزعماؤها بني زيري، ولاية البيرة (غرناطة)، وأعطى مغراوة جوفي البلاد، وبني برزال وبني يفرن ولاية جيان ومتعلقاتها، وبني دُمَّر وازداجة منطقة شذونة ومورور؛ وأقر المنذر بن يحيى التجيبي على ولاية سرقسطة والثغر الأعلى، وكان قد انضم إلى سليمان، وحارب مع البربر من أجل قضيته، وولى بني حمود الأدارسة ثغور المغرب، فولى علياً بن حمود على ثغر سبتة، وأخاه القاسم بن حمود على ثغور الجزيرة الخضراء، وطنجة وأصيلا، وهكذا سيطر البربر على ولايات الأندلس الجنوبية والوسطى، وأخذوا يحتلون في شئونها مكانة لها خطرها (١).
وكان الفتيان العامريون لما رأوا غلبة البربر على حكومة قرطبة الجديدة، قد توجسوا من غدرهم، وفر معظمهم إلى شرقي الأندلس، بعيداً عن سلطان الحكومة المركزية، وأنشأوا هنالك في القواعد الشرقية، حكومات محلية حسبما نذكر بعد.
وقضى سليمان المستعين في الحكم للمرة الثانية نحو ثلاثة أعوام، استمرت خلالها حال الاضطراب والفوضى في قرطبة وسائر أنحاء الأندلس. ولم تهدأ الخواطر ولم تطمئن النفوس. وغلب سلطان البربر، واشتد طغيانهم وتحكمهم، ولبثت الأهواء المتوثبة تجيش في صدور الطامعين من زعمائهم، حتى تمخضت غير بعيد عن انقلاب جديد في مصاير الخلافة.
وكان من أبرز صفات سليمان، مواهبه الأدبية الرفيعة، فقد كان أديباً متمكناً، وشاعراً مطبوعاً، قال فيه ابن بسام إنه " أحد من شَرُف الشعر باسمه، وتصرف على حكمه " وأورد له القصيدة الآتية، وهي الوحيدة التي عثر بها من نظمه، وفيها يعارض قطعة الرشيد " ملك الثلاث الآنسات عناني " وفيها تبدو براعته ورقة خياله:
عجباً يهاب الليث حد سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان
فأقارع الأهوال لا متهيباً ... منها سوى الإعراض والهجران
وتملكت نفسي ثلاث كالدمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظلماء لُحن لناظري ..
. من فوق أغصان على كثبان
هذي الهلال، وتلك بنت المشترى ... حسناً وهذي أخت غصن البان
стр. 644
حاكمت فيهن السلو إلى الصبا ... فقضى بسلطان على سلطاني
فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ..
. في عز ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكاً تذلل للهوى ... ذل الهوى عزٌّ وملك ثاني
ما ضر أني عبدهن صبابة ... وبنو الزمان وهن من عبداني
إن لم أصغ فيهن سلطان الهوى ... كلفاً بهن فلست من مروان
وإذا الكريم أحب أمَّن إلفه ... خطب القلى وحوادث السلوان
وإذا تجارى في الهوى أهل الهوى ... عاش الهوى في غبطة وأمان (١)
стр. 645
الفصل الثاني
دولة بني حمُّود
ظهور البربر في الميدان. علي والقاسم ابنا حمود. بنو حمود ونسبتهم. ولاية الثغور بين البربر والفتيان العامريين. استيلاء البربر على قرطبة باسم سليمان. خيران العامرى ينتزع ألمرية ويدعو للمؤيد. علي بن حمود يزعم أنه تلقى ولاية العهد من هشام. تحالفه مع خيران وعبوره إلى الجزيرة. مسير القوات المتحالفة إلى قرطبة. القتال بينها وبين البربر. هزيمة البربر وسليمان. علي بن حمود يدخل القصر. اشتداده في معاملة البربر. خيران يخرج عليه ويدعو لعبد الرحمن المرتضى. انضمام الثغور الشرقية وسرقسطة لهذه الدعوة. القتال بين المرتضى وصنهاجة. انتصار البربر ومقتل المرتضى. اضطهاد علي لأهل قرطبة. مصرعه. أخوه القاسم يخلفه. جنوحه إلى سياسة اللين والتفاهم. غلبة البربر عليه. خروج يحيى بن علي واستيلاؤه على الخلافة. التجاء القاسم إلى إشبيلية. خلع المعتلي وعود القاسم. اصطفاؤه للبربر. سخط أهل قرطبة. محاربتهم وهزيمتهم للبربر. مسير القاسم إلى إشبيلية ثم إلى شريش. يحيى المعتلي يطارده ويأسره. إستقرار المعتلي في الثغور الجنوبية. رد الأمر لبني أمية. خلافة عبد الرحمن المستظهر. وصف ابن حيان لبلاطه. عطفه على البربر. فتك القرطبيين بهم. فرار المستظهر ومصرعه. خلافة المستكفي. إضطهاده للزعماء. خلعه وفراره. يحيى بن حمود يحتل قرطبة. فتك القرطبيين بالحامية البربرية. رد الأمر لبني أمية. بيعة هشام المعتد بالله. وزيره حكم بن سعيد. سوء مسلكه ومصرعه. خلع هشام ومصيره. الإجماع على إبطال الخلافة والتخلص من بني أمية. استيلاء يحيى المعتلي على قرمونة. الحرب بينه وبين ابن عباد. هزيمة يحيى ومصرعه. خلافة إدريس المتأيد بالله. غزو إدريس وحلفائه لأحواز إشبيلية. الحرب بين زهير العامري وباديس أمير غرناطة. مصرع زهير. الحرب بين ابن عباد والبربر. هزيمة ابن عباد ومقتل ولده إسماعيل. وفاة إدريس وخلافة ولده يحيى. خروج حسن بن يحيى ومبايعته بالخلافة. مقتل الوزير ابن بقنه. مصرع حسن. محاولة الحاجب نجا ومصرعه. خلافة إدريس العالي. الثورة عليه وخلعه. خلافة محمد بن إدريس المهدي. طغيانه والسخط عليه. مصرعه. خلافة إدريس السامي. عودة إدريس العالي. خلافة المستعلي. إستيلاء باديس على مالقة. حكومة بني القاسم بن حمود بالجزيرة. إستيلاء ابن عباد على الجزيرة. إنقراض دولة بني حمود. تفكك الأندلس وانقسامها.
لما قضي على دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى أيام الحكم المستنصر، ثم بعد ذلك أيام المنصور بن أبي عامر، وأصبح المغرب ولاية أندلسية تخضع لحكومة قرطبة، تفرق كثير من زعمائه في مختلف الجهات، ولاذوا بالاختفاء، بعيداً عن بطش السلطة الجديدة، وأخذوا يرقبون الفرص لاستعادة سلطانهم؛ وهاجر
стр. 646
عدد كبير منهم إلى الأندلس، من البربر والمغاربة، وانضووا تحت لواء الدولة العامرية في أواخر عهدها، وعاونوا في توطيد سلطانها وتدعيم جيشها.
ولما انهارت الدولة العامرية، وعم الاضطراب والفوضى في قرطبة، ظهر البربر طرفاً بارزاً من أطراف المعركة، التي اضطرمت حول السلطان والخلافة؛ ولما نجح بنو أمية في تحقيق ضربتهم الأولى على يد محمد بن هشام المهدي، انحاز البربر للفريق المعارض، لما نالهم من مطاردته واضطهاده، وكانت الخصومة تضطرم في الواقع منذ بعيد بين الأمويين والبربر، لاعتقاد الأمويين أن البربر كانوا أكبر عضد للمنصور، في اغتصاب السلطة والقضاء على سلطان بني أمية. ولما فشل البربر في محاولتهم الأولى للقضاء على رياسة المهدي، التفوا حول خصيمه سليمان المستعين، ليكون مرشحهم الشرعي، ووسيلتهم إلى انتزاع السلطة، وانتهى الصراع بين الفريقين، آخر الأمر بانتصار البربر، واستيلاء مرشحهم سليمان على الخلافة، وحصولهم على نصيبهم من أسلاب السلطة،، بتولي رياسة الولايات والثغور الجنوبية.
وكان من بين الزعماء المغاربة، الذين قادوا جموع البربر في معركة قرطبة المظفرة، رجلان من عقب الأدارسة، هما علي والقاسم ابنا حمُّود بن ميمون ابن حمود. ونحن نعرف أن الأدارسة يرجعون نسبتهم إلى الحسن بن علي بن أبى طالب؛ وإذاً، فقد كان علي والقاسم، وفقاً لهذا القول، علويين من سلالة آل البيت. وهذا ما يقوله العلامة النسابة ابن حزم، إذ يرجع نسبة علي والقاسم، إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي (١)، ويقوله أيضاً عبد الواحد المراكشي وابن عذارى، وابن الخطيب (٢).
بيد أنه بالرغم من هذه النسبة العلوية، وهذه الأرومة العربية العريقة، التي ينتحلها بنو حمود، فإنهم، إذا تركنا مسألة النسبة والسلالة جانباً، كانوا ينتمون في الواقع من حيث النشأة والعصبية والمصير، إلى البربر، وكان الطابع البربري غالباً عليهم، حتى أنهم لم يكونوا يتكلمون العربية، وإنما كانوا يتكلمون باللهجة البربرية، وقد أشار ابن الخطيب إلى ذلك في حديثه عن علي بن حمود (٣).
стр. 647
وقد رأينا أن سليمان المستعين حينما استرد الخلافة، عقب انتصار البربر على أهل قرطبة، خص علياً والقاسم، بولاية الثغور المغربية، وندب علياً لحكم سبتة، وندب القاسم لحكم الجزيرة الخضراء وطنجة وأصيلا، وذلك في أوائل سنة ٤٠٤ هـ (١٠١٣ م).
وفي الوقت الذي استولى فيه البربر، على الولايات والثغور الجنوبية، كان الفتيان العامريون, منذ اضطرام الفتنة، قد استقروا بشرقي الأندلس، واستولى كثير منهم على الثغور الشرقية، وفي مقدمتهم مجاهد الذي استولى على دانية والجزائر الشرقية فيما بعد، وخيران، الذي استولى على ألمرية ومرسية. وكان خيران حينما استولى محمد بن هشام المهدي على الخلافة للمرة الثانية، بمؤازرة واضح والجند النصارى، وتولى واضح منصب حجابته، قد عاد إلى قرطبة مع نفر من الفتيان العامريين، وانضموا إلى واضح، ثم اشتركوا معه في تدبير اغتيال المهدي، وإعادة هشام المؤيد إلى كرسي الخلافة حسبما تقدم. وكان أولئك الفتيان يعتبرون هشاماً إمام دولتهم بعد ذهاب المنصور. فلما قتل واضح واستولى البربر على قرطبة، وانتزع سليمان المستعين الخلافة من هشام المؤيد، غادر خيران ومعه عدة كبيرة من الفتيان قرطبة، اتقاء بطش البربر، وسار إلى شرقي الأندلس، وانضم إليه حال سيره كثير من الناقمين من بني أمية وغيرهم، ثم زحف على ألمرية، وكانت بيد أفلح الصقلبي، فانتزعها منه، واستولى على كثير من الأماكن المجاورة، واشتد بأسه في تلك الناحية، ودعا لهشام المؤيد.
وكان تمزق الأندلس على تلك الصورة، وانتثار السلطة، بين الأمويين والبربر، والفتيان العامريين، مما يفسح المجال لأطماع الطامعين والمتغلبين، وكانت تلك الأطماع تجيش في الواقع، في صدور أولئك الذين رأوا في ضعف السلطة المركزية، وذيوع الخلاف والفوضى، فرصة يمكن انتهازها. وكان علي ابن حمُّود الحسني، قد ولي حكم سبتة، وولي أخوه الأكبر القاسم، حكم الجزيرة الخضراء، لا يفصلهما سوى مضيق جبل طارق. وكان علي يطمح إلى أكثر من حكم مدينة، ويتطلع إلى الوثوب بحكومة قرطبة المضطربة المتداعية. وكان يرى في الفتيان العامريين خصوم سليمان المستعين حلفاءه الطبيعيين، فكاتب كبيرهم خيران صاحب ألمرية، وأظهر كتاباً زعم أنه تلقاه من الخليفة هشام المؤيد يوليه
стр. 648
فيه ولاية عهده، ويطلب إليه أن ينقذه من أسر البربر وسليمان؛ ويقول لنا ابن حيان، إن هشاماً المؤيد لما رأى اضطراب أمره وتصرم دولته، قد منح علي ابن حمود ولاية عهده، وأوصى إليه بالخلافة من بعده، وأرسل إليه ذلك بسبتة سراً، وولاه طلب دمه، واستكتمه السر حتى يحين الأوان لذلك (١).
فذاعت دعوة علي، ولباها بعض حكام الثغور الجنوبية مثل، عامر بن فتوح الفائقي مولى الحكم المستنصر ووزير ولده المؤيد، وكان يومئذ حاكماً لمالقة.
وكتب إليه خيران أن يعبر إليهم. فعبر علي من سبتة إلى الجزيرة الخضراء في أواخر سنة ٤٠٦ هـ (١٠١٦ م) وسار في أشياعه من البربر إلى مالقة، فسلمها إليه عامر ابن فتوح، ودعا له بولاية عهد المؤيد حال ظهوره حياً، وسار خيران في قواته والتقى بعلي في ثغر المنكب الصغير، ما بين مالقة وألمرية، فجمع الزعيمان قواتهما ونظما خطتهما للزحف على قرطبة، وبويع علي بن حمود على طاعة المؤيد. ثم سارت القوات المتحدة صوب قرطبة، وانضم إليها خلال السير زاوي بن زيري وحبوس الصنهاجي في قوة من بربر غرناطة. وكان سليمان المستعين، قد ترامت إليه أنباء أولئك الخوارج عليه، وزحفهم لقتاله، فخرج من قرطبة للقائهم في جند البربر، والتقى الفريقان في ظاهر قرطبة على قيد عشرة فراسخ منها، ونشبت بينهما معركة شديدة، انتهت بهزيمة سليمان، وقتل عدد جم من أنصاره، وكان سليمان وأبوه الحكم، وأخوه عبد الرحمن، بين الأسرى.
ودخل علي بن حمود قصر قرطبة في الثامن والعشرين من محرم سنة ٤٠٧ هـ (أول يوليه سنة ١٠١٦ م) وبحث عن هشام المؤيد فلم يجده، وكان الاعتقاد سائداً بأن سليمان أخفاه ولم يقتله، فلما علم بأنه قُتِل، أتى بسليمان وأبيه وأخيه وقتلهم بنفسه انتقاماً للمؤيد. ثم أعلن وفاة المؤيد، ودعا إلى البيعة لنفسه، فبويع بالخلافة وتلقب بالناصر لدين الله، وكانت مدة خلافة سليمان الثانية مذ دخل قرطبة إلى أن قتل ثلاثة أعوام وبضعة أشهر، وكانت أمه أم ولد تدعى ظبية ومولده في سنة ٣٥٤ هـ (٢).
стр. 649
وهكذا اختتمت الدولة الأموية حياتها بالأندلس بعد أن عاشت منذ عصر الإمارة حتى نهاية عصر الخلافة مائتين وثمانية وستين عاماً، وانهارت دعائم الخلافة الأموية نهائياً، بعد أن لبثت منذ عهد هشام المؤيد أربعين عاماً، ستاراً للمتغلبين من بني عامر، ثم شبحاً هزيلا يضطرب في غمر الفتنة والفوضى.
ولما قبض علي بن حمود على زمام الحكم، اشتد في معاملة البربر، وإخماد تمردهم وشغبهم، وحماية السلطة المركزية من عدوانهم، فهابوه ولزموا السكينة، وقضى بمنتهى الشدة على كل نزعة إلى الخروج والعصيان، وفتك بالمعارضين له سواء في ذلك العرب والبربر، وأذل الزعماء واستأثر بالسلطة. وحاول من جهة أخرى أن يحسن معاملة القرطبيين، وأن يقيم العدل، ويقمع الفوضى، وكان من معاونيه في الحكم، جماعة من أولياء الخلافة السابقين مثل أبي الحزم بن جهور، وأحمد بن برد وغيرهما.
على أن الحوادث ما لبثت أن تطورت بسرعة. ذلك أن خيران العامري، لما دخل قرطبة مع علي بن حمود ولم يجد الخليفة هشاماً المؤيد على قيد الحياة، خشي سطوة الناصر وغدره، فغادر قرطبة، معلناً الخلاف، وسار إلى شرقي الأندلس حيث يحتشد معظم الزعماء العامريين وأنصارهم، وأعاد الدعوة لبني أمية في شخص مرشح جديد منهم، هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن الناصر، باعتباره أصلح من بقي منهم، وكان قد فر خفية من قرطبة إلى جيان، فاستدعاه خيران وبايعه وجمع كبير من أصحابه بالخلافة، ولقبوه بالمرتضى، وانضم إليهم في تلك الحركة المنذر بن يحيى التجيبي والي سرقسطة والثغر الأعلى ومعه قوة من المرتزقة النصارى، وكذلك ولاة شاطبة وبلنسية وطرطوشة وألبونت وغيرها. وأعلن المرتضى الخلاف على الناصر، وسار في جموعه أولا إلى غرناطة ليحارب جيش صنهاجة القوي، فلقيه أميرها زاوي بن زيري في قواته ونشبت بينهما معركة طاحنة استمرت أياماً، وانتهت بهزيمة أهل الأندلس، ومقتل المرتضى، وتمزق جموعه، وسقوط معسكره في أيدي البربر. وفي رواية أخرى أن المرتضى استطاع الفرار ناجياً بحياته، فبعث خيران في أثره بعض أعوانه فقتلوه على مقربة من وادي آش، وحملوا رأسه إلى خيران. وكان خيران والمنذر قد حقدا عليه لما رأيا من حدته وصرامة نفسه، وخشيا من غدره (١).
стр. 650
وسار خيران والمنذر فيمن بقي من أصحابهما ولحقا بألمرية. وسار الإفرنج المرتزقة حلفاء المنذر إلى الشمال. قال ابن حيان " فحل بهذه الوقيعة على جماعة الأندلس مصيبة أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم جمع بعد، وأقروا بالإدبار، وباؤوا بالصغار " واستطاع أخ للمرتضى، وهو أبو بكر هشام بن محمد، أن ينجوا من الموقعة، في بعض أصحابه إلى ألبونت، حيث دعا لنفسه بالخلافة، وأقام بها يرقب الحوادث (١).
وتغفل معظم الروايات الإسلامية تاريخ هذه الموقعة، ولكن الظاهر من سياق الحوادث، ومما ذكره صاحب البيان المغرب، أن سير المرتضى من شرقي الأندلس صوب قرطبة، كان في سنة ٤٠٩ هـ (٢)، وأن الموقعة حدثت في أواسط هذا العام، وفي خلافة القاسم بن حمود، بعد مقتل أخيه على حسب ما يجىء.
وكان علي بن حمود، حينما ترامت إليه أنباء خروج المرتضى ومسيره لقتاله، قد انقلب على أهل قرطبة خشية من غدرهم، ولما آنسه من ميلهم إلى المرتضى، وعاد فأطلق يد البربر، واشتد على أهل قرطبة، ونزع سلاحهم، واعتقل كثيراً من أعيانهم، وفي مقدمتهم وزيره أبو الحزم بن جهور، وصادر أموالهم، وهبت على القرطبيين ريح من الإرهاب والروع فلزموا السكينة حيناً (٣).
ولكن القدر كان يتربص بعلي بن حمود، ذلك أنه بينما كان يتأهب لقتال خصومه، المجتمعين يومئذ في منطقة جيان حول راية المرتضى، إذ ائتمر به نفر من فتيان القصر الصقالبة من موالي بني أمية، وتسلل ثلاثة منهم إليه وهو في الحمام وقتلوه، وذلك في الثاني من ذي القعدة سنة ٤٠٨ هـ (٢٣ مارس سنة ١٠١٨ م)، وكان سنه وقت مقتله خمس وخمسون سنة، ولم يمكث في الخلافة سوى عام وتسعة أشهر.
فبعث زعماء زناتة إلى أخيه القاسم بنبأ موته، وكان يكبره ببضعة أعوام، وكان يومئذ والياً لإشبيلية، فحضر مسرعاً، وبويع بالخلافة في الثامن من ذي القعدة، أعني لستة أيام من مقتل أخيه، وتلقب بالمأمون، وقبض على الفتيان
стр. 651
الثلاثة الذين قتلوا أخاه وأعدمهم لوقته. وكان يحيى بن علي، ولد الخليفة القتيل والياً على سبتة، وولده الآخر إدريس والياً على مالقة، فاختلف البربر في البداية على مسألة الخلافة، ولكن أكثرهم انضم إلى جانب القاسم لأنه غبن أولا، وقدم عليه أخوه الأصغر.
وهكذا استتب الأمر للقاسم، فعدل عن سياسة الشدة إلى سياسة اللين والمسالمة، وأحسن إلى الناس ونادى بالأمان وبراءة الذمة ممن تسور على أحد، وأسقط كثيراً من المكوس. فهدأت الخواطر، واطمأن الناس نوعاً، وكانت حركة المرتضى قد وصلت خلال ذلك إلى ذروتها، ووقعت الحرب بين جموع المرتضى وحليفه خيران والمنذر بن يحيى التجيبي، وبين قوى صنهاجة على مقربة من غرناطة، وانهزم أهل الأندلس وقتل المرتضى، وبعث زاوي بن زيري إلى القاسم بما وقع مع سهمه من الغنائم، ومنها سرادق المرتضى، فسر القاسم لذلك، وعرض سرادق المرتضى على نهر قرطبة ليراه الناس (١). وعمد القاسم إلى استمالة خيران واستعطافه، ولكنه بقي معتصماً بألمرية، وأقطع زميله زهيراً العامري ولاية جيان وقلعة رباح، محاولا بذلك أن يعقد السلم مع الفتيان العامريين، وأن يأمن خصومتهم وكيدهم.
واتخذ القاسم بطانة من السود، وأسند إليهم مناصب الرياسة والقيادة، ولكنه لم يتخلص من قبضة البربر وسيطرتهم عليه، فضعف أمره وتكاثرت الصعاب من حوله. وكان ابن أخيه يحيى بن علي والي سبتة، يرقب الفرصة للخروج عليه، فاتفق مع أخيه إدريس والي مالقة، على أن يتركها له، لتكون قاعدة للعمل، وأن يستقر إدريس مكانه في سبتة. وأخذ يحيى يحشد أنصاره تباعاً في مالقة حتى اجتمع له جيش قوي. وفي أثناء ذلك كان عمه القاسم يشكو أمره إلى زعماء البربر، ولكنهم عجزوا عن التوفيق بينهما؛ وزحف يحيى في قواته على قرطبة، وخشي القاسم العاقبة فآثر الانسحاب على الحرب، وغادر قرطبة إلى إشبيلية في ٢٣ ربيع الثاني سنة ٤١٢ هـ (أغسطس سنة ١٠٢٢ م)، وضبط البربر القصر حتى مقدم ابن أخيه يحيى.
ودخل يحيى بن علي بن حمود قرطبة بعد ذلك بأيام قلائل، في مستهل جمادى
стр. 652
الأولى سنة ٤١٢ هـ. وبويع بالخلافة، وتلقب بالمعتلي بالله، وكان في الثانية والأربعين من عمره. واستقبل البربر والأندلسيين معاً رياسته بالاستبشار والرضى. وكان المعتلي فارساً بارعاً يتحلى بخلال الفروسية، ويجانب العصبية، ويؤثر العدل، ويجزل العطاء لمن وفد عليه، أو مدحه بشعره، فأحبه الناس؛ وكان من وزرائه أبو العباس أحمد بن برد، والكاتب محمد بن الفرضي، ولكنه وقع مثل عمه القاسم تحت نفوذ البربر وإمرتهم، فاستبدوا به، وضيقوا عليه.
وكان القاسم بن حمود أثناء ذلك قد استقر في إشبيلية، وتسمى بالخلافة، وتلقب بالمستعلي، وأخذ يرقب سير الحوادث. ومن الغريب أن القاسم وابن أخيه يحيى، تهادنا واتفقا على أن يعترف كلاهما بصفة صاحبه. ويعلق الفيلسوف ابن حزم على ذلك بأنه لم يسمع بخليفتين تصالحا " وهو أمر، لم يسمع في الدنيا بأشنع منه، ولا أدل على إدبار الأمور " (١).
على أن هذا الوضع الشاذ لم يدم طويلا. ذلك أن البربر أعلنوا خلع يحيى المعتلي في الثاني عشر من ذي القعدة سنة ٤١٣ هـ، ولم يكن قد مضى على خلافته سوى عام ونصف، فبادر يحيى بمغادرة قرطبة إلى مالقة. وفي الحال تحرك عمه القاسم من إشبيلية تلبية لدعوة البربر، ودخل قرطبة في الثامن عشر من ذي القعدة المذكور، وجددت له البيعة وتسمى بأمير المؤمنين.
ولكن القاسم لم يوفق في سياسته أيضاً في تلك المرة. ذلك أنه أصطفى البربر، ومكنهم من أهل قرطبة، فاشتدوا في معاملتهم ومطاردتهم، وضاق أهل قرطبة في النهاية ذرعاً بتلك الحالة، فثاروا بالبربر، واستعدوا لقتالهم، وأعلنوا خلع القاسم، واستمرت المعارك حيناً حتى استطاع القرطبيون إرغام القاسم على مغادرة القصر، وذلك في جمادى الثانية سنة ٤١٤ هـ (سبتمبر سنة ١٠٢٣ م). فانقلب البربر إلى محاصرة المدينة بعد أن أغلق القرطبيون أبوابها. واستمر الحصار خمسين يوماً، والمعارك في كل يوم تتجدد، وأخيراً خرج القرطبيون واشتبكوا مع البربر في معركة كبيرة حاسمة، وقاتلوا قتال اليائسين، حتى هزموا البربر ومزقوا جموعهم، وتفرقت بقايا البربر وانفضت عن القاسم، فسار القاسم في نفر من صحبه إلى إشبيلية، وكان بها إبناه محمد والحسن، فأغلقت المدينة أبوابها دونه،
стр. 653
وأخرج منها إبناه ومن معهم من البربر، وقام أعيان المدينة، وعلى رأسهم قاضيها محمد بن إسماعيل بن عباد، بضبط الأمور فيها، وسار القاسم وصحبه إلى بلدة شريش (١).
وفي تلك الأثناء كان يحيى المعتلي، قد سار من مالقة إلى الجزيرة الخضراء، وكانت بها أموال عمه القاسم وأسرته فاستولى عليها، واستولى أخوه إدريس والي سبتة، على ثغر طنجة، وكانت أيضاً من أعمال القاسم، وكان يعدها ملجأ له وملاذاً يحتمي به إذا ذهب سلطانه بقرطبة؛ ولما انقلب القاسم في فلوله إلى شريش سار يحيى المعتلي لقتاله، وحاصر شريش حتى سلمت، وقبض على عمه وبنيه، وحملهم في الأصفاد إلى مالقة، وهناك أودعهم السجن، وانفرد يحيى برياسة البربر، وبسط سيادته على شريش ومالقة، وسبتة وطنجة من ثغورالمغرب، وبايعه البربر بالخلافة، وسموه المعتلي بالله، وبقي القاسم في يرسف في سجنه ردحاً طويلا من الزمن، حتى قتل خنقاً في سنة ٤٣١ هـ، وهو في نحو الثمانين من عمره (٢).
وكان أهل قرطبة قد سئموا عندئذ حكم البربر وأشياعهم، وأجمعوا على رد الأمر إلى بني أمية. وكان ثمة ثلاثة من المرشحين الذين اعتبروا أصلح من بقي من بني أمية لتولي الخلافة، هم سليمان بن المرتضى، ومحمد بن العراقي، وعبد الرحمن ابن هشام بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله، فقرر القرطبيون أن يختاروا أحدهم بطريق الشورى، وعقدت لذلك جلسة كبرى بالمسجد الجامع، حضرها الوزراء والأكابر والخاصة والعامة. وحضر سليمان بن المرتضى ومحمد بن العراقي في البداية، وكاد الاختيار يقع على أولهما، وبدىء بالفعل في تحرير مرسوم البيعة، لولا أن حضر عندئذ عبد الرحمن بن هشام في كبكبة عظيمة، ومن حوله طائفة كبيرة من الجند شاهرة السلاح، فدخل المقصورة، وعقدت له البيعة في الحال، بين دهشة الحضور واضطرابهم، وذلك في السادس عشر من رمضان سنة ٤١٤ هـ (ديسمبر سنة ١٠٢٣ م). ثم خرج من المسجد إلى القصر وقد اصطحب معه ابنى عمه سليمان والعراقي، فاعتقلهما لديه. ويصف لنا ابن حيان هذا الحفل الشهير، وكان من شهوده، بإفاضة ممتعة (٣).
стр. 654
واتخذ عبد الرحمن لقب المستظهر بالله، وكان يوم جلوسه فتى في الثالثة والعشرين من عمره، وندب للوزارة بعض القدامى من وزراء بني أمية السابقين مثل أحمد ابن برد، وجماعة من الفتيان الطامحين الأغمار، مثل أبي عامر بن شهيد، وأبي محمد ابن حزم (وهو الفيلسوف المستقبل)، وابن عمه عبد الوهاب بن حزم، وقد كانا على قول ابن حيان " من أكمل فتيان الزمان فهماً ومعرفة، ونفاذاً في العلوم الرفيعة ". فقدمهم على سائر رجاله، وأولاهم منتهى النفوذ والثقة؛ ويورد لنا ابن حيان ثبت المناصب الوزارية والرئيسية يومئذ على النحو الآتي:
خدمة المدينتين، الزهراء والزاهرة، وخدمة كتابة التعقب والمحاسبة، وخدمة الحشم، وخدمة القطع بالناض والطعام، وخدمة مواريث الخاصة، وخدمة الطراز. وخدمة المباني، وخدمة الأسلحة وما يجري مجراها، وخدمة الخزانة القبض والنفقة. وخدمة الوثائق ورفع كتب المظالم، وخدمة خزانة الطب والحكمة. وخدمة الأنزال والنزائل، وخدمة أحكام السوق.
ثم يعلق ابن حيان على ذلك بقوله: " وهذا زخرف من التسطير وضع على غير حاصل، ومراتب نصبت لغير طائل، تنافسها طالبوها يومئذ بالأمل، فلم يَحْلوا منها بنائل، ولا قبضوا منها مرتزقاً، ولا نالوا بها مرتفقاً، وغرهم بارق الطمع وسط بلد محصور، وعمل معصوب، وخراب متسول، ومع سلطان فقير، لا يقع بيده درهم إلا من صبابة، مستغل جوف المدينة، أو نهب مغلول ممن تقلقل عنها، يقيم منها رمقه، ويفرق جملته على من تكنفه من جنده ودائرته، ويتطرق إلى ما يقبح من ظلم رعيته، فلم يلبث الأمر أن تفرَّى به فسُفك دمه، وانحسم الأمل من دولته " (١).
تلك هي الصورة القوية التي يقدمها إلينا المؤرخ الأندلسي المعاصر عن بلاط المستظهر، وظروف ولايته. والواقع أن هذا الخليفة الفتى كان يتمتع بخلال باهرة، وكان ممكناً أن يكون معقد الآمال، لو أتيح له من السلطان وحرية التصرف ما طلب، ولكن الظروف عاجلته وغلبته على أمره؛ وكان قد بدأ ولايته بأن أرسل إلى المدن والثغور يدعو إلى تأييد بيعته، فلم تثمر دعوته أو لم يتسع
стр. 655
الوقت لذلك، وقبض على عدد من الوزراء والأكابر وصادر أموالهم، وكان يرجو بإزالتهم تمكين نفوذه وسلطانه، ثم قبض على عدد من أبناء عمه المروانية، واعتقلهم بالقصر مع ابني عمه سليمان والعراقي، وكانت هذه البوادر المكدرة تقضي على هيبته بسرعة، وتذكي السخط عليه في صدور الخاصة والعامة معاً.
ثم وقع حادث كان نذير الاضطرام. وذلك أنه استقبل عدة من الفرسان البربر فأكرم وفادتهم وأنزلهم بالقصر، فغضب لذلك الكبراء، وأوغروا صدور العامة قائلين لهم, إننا حاربنا البربر وقهرناهم، وهذا الرجل يسعى في ردهم إلينا، وتمكينهم من أمرنا. فهاجت العامة، وزحفت جموعهم على القصر، واقتحموه على غرة، وقتلوا البربر حيث وجدوا، وفتحوا المطبق وأخرجوا من كان به من المعتقلين، ووثبوا إلى جناح الحرم، وأدرك عبد الرحمن المستظهر أنه هالك، فاختبأ في أتون الحمام، واعتدى الثوار على آل عبد الرحمن وحريمه، وسبوا أكثرهن، وكانت مناظر شنيعة مروعة (١).
ولما اختفي المستظهر بالله، ظهر ابن عمه محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن الناصر، وكان مختفياً خفية البطش به، فأخذ إلى القصر، وأجلس في مجلس الملك، وبويع بالخلافة في اليوم الثالث من ذي القعدة سنة ٤١٤ هـ (١٧ يناير ١٠٢٤ م)، وتلقب بالمستكفي بالله. وبحث عن المستظهر حتى عثر به في أتون الحمام في حالة مزرية، فأخذ إلى حضرة الخليفة الجديد، وأعدم أمامه، وكانت إمارته مذ ولي حتى قتل سبعة وأربعين يوماً، لم يحدث فيها حدث هام، ولم يجاوز سلطانه مدينة قرطبة.
وكان عبد الرحمن المستظهر أديباً شاعراً من الطراز الأول، وقد نوه ابن بسام بمواهبه الأدبية الرفيعة، وأورد له طائفة من القصائد الجيدة (٢).
ومن شعره من قصيدة طويلة قالها في ذكر ابنة عمه أم الحكم بنت المستعين أيام خطبته لها:
حمامة بنت العبشمين رفرفت ... فطرت إليها من سراتهم صقرا
تقل الثريا أن تكون لها يدا ... ويرجو الصباح أن يكون لها نحرا
стр. 656
وإني لطعان إذا الخيل أقبلت ... جوانبها حتى ترى جونها شقرا
ومكرم ضيفي حين ينزل ساحتى ... وجاعل وفدى عند سائله وفرا
وكان المستكفي يوم ولادته في الثانية والأربعين من عمره إذ كان مولده في سنة ٣٦٦ هـ، وأمه أم ولد تسمى حوراء. وكان عاطلا من الخلال الحسنة، ميالا إلى البطالة، شغوفاً بالمجون والشراب، عاجزاً سيىء الرأي، وقد شبهه ابن حزم، في سوء خلاله، وفي مجونه وفسقه، وفي خضوعه لغانية خبيثة، بسميه المستكفي العباسي، وقد كان كلاهما في نفس السن، وحكم كل منهما نحو سنة وخمسة أشهر (١).
ولم تقع خلال ولاية المستكفي القصيرة، أحداث ذات شأن، وكان مما عمله أن أمر بخنق ابن عمه محمد العراقي، ونعاه للناس، وندب لولاية عهده ابن عمه سليمان بن هشام بن عبيد الله بن الناصر. وفي أيامه هدمت القصور الناصرية، وخربت قصور المنصور بالزاهرة، فسادتها الوحشة والخراب.
واضطهد المستكفي معظم الرجال البارزين من الساسة القدماء، ومن المفكرين، وغادر كثير منهم قرطبة، ولجأوا إلى بلاط يحيى بن حمود بمالقة، وكان من هؤلاء الوزير السابق والشاعر اللامع أبو عامر بن شهيد؛ ووصف هؤلاء ليحيى ابن حمود سوء الأحوال في قرطبة. ومع أن يحيى لم يكن متحمساً لفكرة السير إلى قرطبة، فإن الأنباء ترامت إلى القرطبيين بأنه يتخذ أهباته لاسترداد عاصمة الخلافة؛ وعلى أي حال فقد سئم القرطبيون ولاية المستكفي العاطلة الماجنة الفاسدة ونادوا بخلعه. فدخل عليه الوزراء والكبراء، وأغلظوا له في القول، وطلبوا إليه التخلي، فاستعطفهم بلين القول، ثم غادر قرطبة في نفس اليوم متنكراً في زي امرأة. وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من ربيع الأول سنة ٤١٦ هـ (مايو سنة ١٠٢٥ م). وسار المستكفي صوب الثغر في نفر من صحبه, ووصل إلى إقليج من أحواز قرطبة، وهنالك اغتاله بعض مرافقيه، لاعتقادهم أنه يحمل مالا. وكان مقتله لسبعة عشر يوماً فقط من خلعه (٢).
стр. 657
ومضت بضعة أشهر؛ والحكومة في قرطبة فوضى لا ضابط لها. وأخيراً
قرر يحيى بن حمود أن يسير إلى العاصمة، فقصد إليها في قواته ودخل القصر في الخامس عشر من رمضان من نفس العام (٩ نوفمبر سنة ١٠٢٥ م)، وبقي بها إلى نهاية هذا العام، ثم غادرها في أوائل المحرم سنة ٤١٧ هـ قاصداً إلى مالقة، وترك بها وزيريه أحمد بن موسى، ودوناس بن أبي روح، يدبران شئونها، ومعهما حامية صغيرة من البربر، بيد أنه لم يمض زهاء شهرين حتى تجهمت الحوادث كرة أخرى.
ذلك أن خيران وزهير الفتيين العامريين، قصدا إلى قرطبة، وأوعزا إلى القرطبيين بالتخلص منن البربر، فثار القرطبيون فجأة، وفتكوا بالحامية البربرية، وكانت زهاء ألف رجل، وفر أحمد بن موسى وزميله دوناس إلى مالقة، وكان ذلك في العشرين من ربيع الأول من سنة ٤١٧ هـ.
وأجمع القرطبيون على أثر ذلك على رد الأمر لبني أمية، وكان عميدهم في ذلك الوزير أبو الحزم جَهْوَر بن محمد بن جهور، واتفقوا على مبايعة هشام بن محمد ابن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر، أخى عبد الرحمن المرتضى. وكان عند مقتل أخيه في سنة ٤٠٩ هـ، قد فر من قرطبة في نفر من صحبه، ولجأ إلى مدينة ألبونت في شمال شرقي الأندلس، واستظل من ذلك الحين بحماية واليها عبد الله بن قاسم الفهري. وبعث إليه أهل قرطبة بالبيعة، وهو بمقره بحصن ألبونت، فتلقاها في ٢٥ ربيع الآخر سنة ٤١٨ هـ، وتلقب بالمعتد بالله، وبقي بمقره بألبونت مدة سنتين وسبعة أشهر، وهو يخطب له بقرطبة، ثم قدم إليها في شهر ذي الحجة سنة ٤٢٠ هـ (١) فجددت له البيعة، واستمر في كرسي الخلافة عامين آخرين. وسر القرطبيون لمقدمه في البداية، ولكنه ألقى زمام الأمور إلى رجل من الموالي يسمى حكم بن سعيد القزاز، فاستأثر بكل سلطة، وأطلقت يده في الأموال، وكان أخرق عسوفاً، فجمع حوله نفراً من السفهاء العاطلين عن كل إخلاص وحزم، وأطلق العنان لغوايته وأهوائه، فاضطربت الشئون وامتعض العقلاء،
стр. 658
وزعماء البيوتات الكبيرة، وشعروا بما نالهم على يده من ضروب الإهانة والنيل؛ وأحاط هذا الوزير المستبد الماجن الخليفة برجاله، وأبعد عنه الصحب وذوي الحجي، ودفعه بالرغم من شيخوخته، إلى تيار الشراب والمجون، حتى ساءت الأمور إلى الذروة، وفقدت الخلافة والحكومة، كل عطف هيبة، وتهامس الناس في وجوب إزالة هذه الحالة، والتخلص من أوزارها وعواقبها. والتفت جماعة الناقمين حول فتى من أبناء عمومة هشام، هو أمية بن عبد الرحمن العراقي، من أحفاد الناصر، وكان فتى شديد التهور والجهالة، ولكن بعيد الأطماع؛ وفي ذات يوم تربصت تلك الجماعة الناقمة بالوزير حكم بن سعيد وفتكت به، وطافت برأسه في المدينة، وتركوا جثته في العراء (ذو القعدة سنة ٤٢٢ هـ - نوفمبر سنة ١٠٣١ م). ثم سار أمية في جموعه إلى القصر، والخليفة هشام عاكف على شرابه ونسائه، فنهبت العامة بعض أجنحة القصر، ولولا أن زجرهم الوزير الشيخ ابن جهور ونصحهم بالكف عنه، لما أبقوا على شىء. وخشي هشام المعتد على نفسه، فبادر إلى الخروج من القصر مع ولده ونسائه، وهو يناشد الجماعة أن يحقنوا دمه، ولجأ إلى ساباط الجامع واجتمع رأي الناس جميعاً كباراً وصغاراً على خلعه، والتخلص جملة من بني أمية، وإبطال رسم الخلافة، وعلى نفي بني أمية وإجلائهم جميعاً عن المدينة، وكان رائد الجماعة وناصحهم في ذلك أبو الحزم ابن جهور، وكان هذا الوزير النابه يستأثر نظراً لماضيه التالد، وأسرته العريقة، ورأيه الناضج، بمحبة الشعب وثقته وتأييده، وسنرى فيما بعد أي دور خطير يلعبه ابن جهور في مصاير قرطبة.
وانتهى القوم إلى خلع هشام المعتد، وإبعاده وأهله إلى أحد الحصون القريبة، ثم غادره بعد أيام قلائل، وسار إلى الثغر، حيث التجأ إلى سليمان بن هود صاحب لاردة من أعمال الثغر الأعلى، وقضى هنالك بقية أيامه حتى توفي في سنة ٤٢٨ هـ دون عقب؛ وأبعد أمية بن عبد الرحمن عن القصر، وكان يهجس بتولي كرسي الخلافة مكان المعتد، فلما رأى وعيد القوم، اختفى وغادر قرطبة إلى حيث لا يعلم أحد. ونودي في سائر أحياء قرطبة وأرباضها بأن لا يبقى بها أحد من بني أمية، ولا يأويهم أحد، وتولى ابن جهور تنفيذ هذا الأمر بمنتهى الحزم، حتى أجلاهم عن المدينة ومحا رسومهم (١).
стр. 659
وبخلع هشام المعتد، تنتهي رسوم الدعوة الأموية بصورة نهائية، وينقطع ذكرها إلى الأبد من منابر الأندلس والمغرب الأقصى.
* * *
ولنعد الآن قليلا إلى الوراء لنتتبع مصاير دولة بني حمود في جنوبي الأندلس، وقد رأينا أن يحيى بن علي بن حمود الملقب بيحيى المعتلي، بعد أن خلع عمه القاسم من الخلافة، وأرغم على مغادرة قرطبة في سنة ٤١٤ هـ، سار إلى بلدة شريش، فسار يحيى في أثره، وما زال به حتى هزمه وقبض عليه، ثم قتل في سجنه فيما بعد، واستولى يحيى على سائر ما كان بيده من البلاد والثغور، وانفرد برياسة البربر في الأندلس. ثم عاد فدخل قرطبة مرة أخرى على أثر خلع المستكفي في سنة ٤١٦ هـ.
ولكنه غادرها بعد ذلك إلى مالقة، التي غدت من ذلك الحين معقله وعاصمة ملكه، في أوائل سنة ٤١٧ هـ، واستمر بها مدى حين.
وكان يحيى المعتلي يخشى بالأخص على مملكته الفتية، من مطامع القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد، الذي استقل برياسة إشبيلية، حسبما تقدم. فسار بقواته إلى قرمونة حصن إشبيلية من الشمال الشرقي، وانتزعها من يد حاكمها محمد ابن عبد الله البرزالي كبير بني برزال، واستقر بها يرقب الفرصة للوثوب بابن عباد وتحطيمه، فسار البرزالي إلى ابن عباد وتحالف معه على قتال يحيى. وكان يحيى قد استسلم إلى لهوه وملاذه، وعكف على معاقرة الشراب والمجون المستمر، وجنوده تغير على إشبيلية من آن لآخر. ورأى القاضي ابن عباد أن يدحض دعوى المعتلي في الخلافة أولا، فأظهر في أواخر سنة ٤٢٦ هـ شخصاً زعم أنه هشام المؤيد، وأنه كان مختفياً ولم يمت، وبايعه بالخلافة، ودعا الناس إلى الدخول في طاعته. ثم سير ابن عباد إلى قرمونة بعض قواته مع ابنه إسماعيل، ومعها طائفة من قوات البربر المتحالفة معه، فطوقت المدينة ليلا، وكمن معظمها في أماكن مستورة، ووقف يحيى على الخبر فخرج في قواته وهو ثمل، واشتبك مع المهاجمين في معركة حامية وكاد يوقع بهم الهزيمة، لولا أن ظهرت قوات ابن عباد من كمينها، وأطبقت عليه، فانهزم أصحابه، وقتل في المعمعة واحتز رأسه، وحمل سريعاً إلى ابن عباد في إشبيلية (المحرم سنة ٤٢٧ هـ - نوفمبر سنة ١٠٣٥ م)، واستمر فتك جند ابن عباد بالبربر أمام أسوار قرمونة، ولم يقف إلا حينما تدخل محمد بن عبد الله
стр. 660
البرزالي، وقد ساءه هذا الفتك الذريع بقومه، فكف ابن عباد مرغماً، ودخل البرزالي قرمونة، واستولى على ما فيها من مال ومتاع، وسبى نساء يحيى وجواريه (١).
ولما قتل يحيى المعتلي على هذا النحو، سارع وزيراه أبو الفوز نجا الصقلبي، وأبو جعفر أحمد بن موسى بن بقنّة البربري، باستدعاء أخيه إدريس لتولي الملك مكانه، وكان والياً لسبتة. وكان ليحيى ولدان حدثان هما إدريس وحسن؛ وفي رواية أنه كان قد أوصى بولاية عهده لولده حسن، ولكن حداثة سنه حالت دون ولايته. وهكذا بويع إدريس بالخلافة في مالقة، قاعدة المملكة الحمودية وتلقب بالمتأيد بالله، وعين ابن أخيه حسناً لحكم سبتة وأعمالها، وندب لمعاونته الحاجب نجا، واعترفت بولايته رندة والجزيرة، وكان من حلفائه المعترفين ببيعته الفتى زهير العامري صاحب ألمرية، وحبوس بن ماكسن زعيم صنهاجة وصاحب غرناطة؛ وقد سارا في قواتهما لمعاونة إدريس على محاربة ابن عباد، وانضم إليهما البرزالي صاحب قرمونة. وفي شهر ذي القعدة سنة ٤٢٧ هـ (١٠٣٦ م) سارت القوات المتحالفة إلى أحواز إشبيلية وعاثت فيها، واحتلوا قرية طشّانة، ثم احتلوا "القلعة"، الواقعة شرقي إشبيلية، وأحرقوا طَريانة الواقعة في جنوبها، ثم احتلوا حصن القصر، وانصرف زهير بعد ذلك إلى ألمرية.
وفي العام التالي توفي حبوس بن ماكسن، وخلفه في حكم غرناطة ولده باديس، وبعث باديس وأخوه بُلُقِّين إلى زهير يطلبان تجديد التحالف الذي كان بينه وبين أبيهما، ولكن زهيراً سار في قواته إلى غرناطة، والتقى بباديس وأخيه في قرية من أحواز غرناطة تسمى "ألفنت" (٢). والظاهر أنه وقع بين الفريقين نوع من سوء التفاهم، واعتبر باديس أن زهيراً توغل في أرضه بقواته أكثر مما يجب؛ أو أن باديس وأخاه بلقين، قد وضعا خطة للغدر بزهير. وعلى أي حال فقد عمل باديس على قطع طريق الرجعة على زهير، ووضع له الكمائن في المضايق. ووقع القتال بين زهير والبربر، فهزم زهير وقتل، ولم يعثر على جثته، واحتوى باديس على معسكره، واستولى على غنائم هائلة من الخيل والسلاح والمتاع، وقبض باديس على كاتب
стр. 661
زهير أحمد بن عباس ثم قتله بعد ذلك. وحدثت هذه الواقعة في أواخر سنة ٤٢٩ هـ (١٠٣٨ م) (١).
وكان القاضي ابن عباد، المتغلب على إشبيلية، بعد قتل منافسه يحيى المعتلي قد خلا له الجو، واشتد بأسه، وأخذ يطمح إلى التغلب على ما يجاور إشبيلية من المدن والمقاطعات. فبدأ بأن سير ولده إسماعيل في جيش زحف على قرمونة حصن إشبيلية، من الشمال الشرقي، وكان بها محمد بن عبد الله البرزالي، فاستولى عليها، واستولى كذلك على إستجة الواقعة في شرقها. فاستغاث البرزالي بإدريس المتأيد، وباديس أمير غرناطة، وهرعت الجند البربر من مالقة وغرناطة استجابة لدعوته. ونشبت بين البربر وبين جند ابن عباد الأندلسيين وقائع عديدة، انتهت بهزيمة الأندلسيين ومقتل إسماعيل بن عباد، وذلك في أوائل المحرم سنة ٤٣١ هـ (أواخر سنة ١٠٣٩ م) (٢).
ولم تمض على ذلك أيام قلائل حتى توفي إدريس المتأيد في قلعة ببشتر، وكان قد نقل إليها مريضاً من مالقة. وكانت وفاته في السادس عشر من محرم سنة ٤٣١ هـ.
وعلى أثر وفاته بويع ولده يحيى بالخلافة في مالقة، وذلك بترتيب وزيره أبى جعفر ابن بقنّة وسعيه. وتلقب يحيى بالقاسم بأمر الله، وكان فتى حَدَثاً قليل الخبرة والحزم، ولكن ابن بقنَّة سارع برفعه إلى العرش استبقاء لسلطانه الذي تأثل في ظل أبيه. بيد أن الحوادث ما لبثت أن تطورت بسرعة. ذلك أن نجا الحاجب الصقلبي، وكان يومئذ بسبتة، لم يرقه هذا الاختيار، فبادر بالدعوة إلى حسن بن يحيى المعتلي (ابن أخى إدريس). وكان إدريس قد اختاره لولاية عهده، وكان وقت وفاة عمه حاكماً لسبتة والثغور المغربية، فبويع حسن بالخلافة، وجهز الحاجب جيشاً، وسار بقواته مع حسن في أسطول يمم شطر مالقة، ونزلت القوات إلى البر، وحاصرت مالقة من البر والبحر، ولم تمض أسابيع قلائل حتى اضطر يحيى إلى التسليم والتنازل عن الخلافة، ثم سار إلى قمارش، وأقام بها.
стр. 662
وبويع حسن بن يحيى بالخلافة في مالقة في جمادى الثانية سنة ٤٣١ هـ، وتلقب بالمستنصر بالله، واعترفت بطاعته غرناطة وغيرها، وعهد بتدبير الأمور إلى الوزير أبي جعفر بن بقنة، وعهد إلى الحاجب نجا بحكم الثغور المغربية. وكان حسن أميراً حازماً، قوي النفس، فنظم الإدارة، واستكثر من الجند، وجبى الأموال. واستراب بوزيره أبي جعفر، وكان يسر له نصرته ليحيى، فدبر مقتله، وذلك في يوم عيد الفطر سنة ٤٣٣ هـ (١)، ثم أمر بقتل يحيى القاسم، فقتل في ربيع الثاني سنة ٤٣٤ هـ. وكانت أخته زوجة للمستنصر، فما لبثت أن دبرت مقتله انتقاماً لأخيها، وهلك حسن بالسم في جمادى الأولى سنة ٤٣٤ هـ (ديسمبر سنة ١٠٤٢ م).
والروايات بعد ذلك متضاربة، فمنها ما يقول بأن الحسن لم يعقب ذرية (٢) ومنها ما يقول إنه ترك ولداً صغيراً بسبتة. وعلى أي فقد نهض الحاجب نجا على أثر وفاة المستنصر، وعبر البحر في قواته من سبتة إلى الجزيرة؛ وهنا يقال إنه نهض ليؤيد دعوة ولد الخليفة المتوفى، ويقال من جهة أخرى إنه نهض ليستخلص تراث الحموديين لنفسه، بعد أن اضطربت شئونهم. وسار نجا إلى الجزيرة وفيها ابنا القاسم بن حمود، فخرجت إليه أمهما سبيعة، وعنفته على مسلكه وعدم ولائه لسادته، فاستحى منها، وغادر الجزيرة ميمماً شطر مالقة. وكان معظم جنده من قبيلة برغواطة البربرية، أخوال حسن بن يحيى، فاسترابوا منه ومن مقاصده وائتمروا به، وقتلوه في الطريق. ثم ساروا إلى مالقة، وكان حسن بن يحيى أيام خلافته قد قبض على أخيه إدريس، وزجه إلى السجن ليأمن منافسته. فأخرجه الجند من سجنه وبويع بالخلافة. وتلقب بالعالي، وذلك في جمادى الثانية سنة ٤٣٤ هـ (يناير سنة ١٠٤٣ م)، وأطاعته البربر في غرناطة وقرمونة وجيان وغيرها.
وهو الممدوح بالقصيدة المشهورة، التي نظمها عبد الرحمن بن مُقانا القبذاقي الأشبوني في مديحه ومطلعها:
البرق لائح من أندرين ... ذرفت عيناك بالماء المعين
لعبت أسيافه عارية ... كمخاريق بأيدي اللاعبين
стр. 663
ولصوت الرعد زجر وحنين ... وبقلبي زفرات وأنين
وأناجي في الدجى عاذلتي ... وبك لا أسمع قول العاذلين (١)
ومنها:
عيرتني بسقام وضنى ... إن هذين لدين العاشقين
قد بدا لي وضح الصبح المبين ... فاسقنيها قبل تكبير الأذين
إسقنيها مرة مشمولة ... لبثت في دنها بضع سنين
مع فتيان كرام نجب ... يتهادون رياحين المجون (١)
وكان العالي أميراً رقيق الخلال، جواداً كثير الصلات، أديباً ينظم الشعر، ومع ذلك فقد كان يجمع حوله بطانة سيئة، وصحاباً من أراذل القوم. وكان ضعيف الرأي، متهاوناً في شئون الحكم، فسرى التفكك إلى سلطانه، وفي أواخر سنة ٤٣٨ هـ (١٠٤٦ م)، ثار عليه ابن عمه محمد بن إدريس بن علي بن حمود، فخرج إدريس في صحبه من مالقة إلى حصن ببشتر، وعاونه باديس بن حبوس أمير غرناطة بجنده ليسترد سلطانه. فغزا مالقة ولكنه لم يفز بطائل، فارتد مع أهله وصحبه إلى سبتة.
وبويع محمد بن إدريس في شعبان سنة ٤٣٨ هـ. وتلقب بالمهدي، وتوطد أمره بمالقة؛ ولكن بعض النواحي نكلت عن تأييده، ولاسيما غرناطة؛ وكان أميرها باديس من أشد معارضيه، وكان يشعر أنه أحق من غيره بزعامة البربر؛ وأبدى المهدي عزماً في تنظيم الحكومة وإصلاح الأمور، ولكنه كان طاغية سفاكاً للدماء يسرف في قتل مواطنيه البربر، حتى كرهه معظمهم، واجتمع رأي معارضيه من الزعماء وعلى رأسهم باديس على وجوب خلعه، والاعتراف بطاعة محمد بن القاسم بن حمود صاحب الجزيرة الخضراء، واتفق رأي البعض الآخر ومنهم أبو النور بن أبي قرة اليفرني صاحب رندة، على الاعتراف بطاعة إدريس بن يحيى العالي. وهكذا ادعى الخلافة ثلاثة أمراء من بني حمود في وقت واحد، وفي مناطق صغيرة متقاربة، وهذا إلى الخليفة المزعوم الذي أقامه ابن عباد صاحب إشبيلية باسم هشام المؤيد؛ ويستعرض الفيلسوف ابن حزم هذه الحالة وهو معاصر لها في مرارة وتهكم، ويصفها بأنها " فضيحة لم يقع في العالم
стр. 664
إلى يومنا مثلها: أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، كلهم يتسمى بأمير المؤمنين، ويخطب لهم في زمن واحد " (١).
واستمر محمد بن إدريس المهدي في كرسي الخلافة زهاء ستة أعوام.
ولما لم ير خصومه وسيلة للتغلب عليه، لجأوا إلى الغيلة، فدسوا عليه من قتله بالسم، وذلك في أواخر سنة ٤٤٤ هـ (أوائل سنة ١٠٥٣ م).
فبويع من بعده ولد أخيه وهو إدريس بن يحيى بن إدريس بن علي بن حمود، وتلقب بالسامي، وأقام حيناً بمالقة، ثم أصابته فيما يظهر لوثة، فغادر مالقة، وهام على وجهه في صفة تاجر، وغادر البحر إلى شاطىء العدوة، فأخذ إلى سبتة، حيث قتله حاكمها سواجات البرغواطي (٢).
وكان إدريس بن يحيى العالي، قد لجأ على أثر خلعه إلى سبتة، فأقام بها في كنف سواجات، وأقام كذلك حيناً في رندة، في كنف حاكمها أبي نور بن أبي قرة، فلما هلك السامي، سار إلى مالقة واستقبله أهلها بحماسة، ودعى له بالخلافة مرة أخرى، واستمر في الحكم حتى توفي سنة ٤٤٦ هـ (١٠٥٤ م) بعد أن عهد بالخلافة لابنه محمد.
فخلفه ولده محمد، وتلقب بالمستعلي، وأقرت بيعته ألمرية ورندة، ولكن معظم الزعماء البربر، وفي مقدمتهم باديس صاحب غرناطة نكلوا عن طاعته.
وفي سنة ٤٤٩ هـ (١٠٥٧ م)، سار باديس في قواته إلى مالقة، واستولى عليها
وضمها إلى إمارته، وغادرها المستعلي، وسار إلى ألمرية، ثم عبر منها البحر إلى مليلة فقبله أهلها حاكماً عليهم، واستمر بها حتى توفي سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م) والمستعلي هو آخر من حكم في مالقة من أمراء بني حمود.
وفي أثناء ذلك كان رأي الزعماء البربر، وفي مقدمتهم باديس صاحب غرناطة وإسحاق بن محمد بن عبد الله البرزالي صاحب قرمونة، ومحمد بن نوح صاحب مورور، وعبدون بن خزرون صاحب أركش، قد اجتمع على البيعة لبني محمد بن القاسم بن حمود صاحب الجزيرة الخضراء. وكان يحيى المعتلي حينما خلع
стр. 665
عمه القاسم بن حمود، قد قبض على ولديه محمد وحسن، واعتقلهما بالجزيرة، فلما توفي يحيى، أفرج عنهما. وتولى محمد حكم الجزيرة، وذلك في الوقت الذي قامت فيه دولة المهدي في مالقة. ثم حاول محمد أن ينتزع الخلافة لنفسه، فسار في أنصاره إلى مالقة يحاول انتزاعها من يد المهدي، ولكنه أخفق في محاولته، فارتد إلى الجزيرة، وتوفي بها في سنة ٤٤٠ هـ.
فخلفه محمد ولده وحكم الجزيرة فترة قصيرة؛ ثم خلفه ولده القاسم، وتلقب بالواثق، وكانت خلافته هزيلة ضيقة الرقعة والموارد، ولم يتح لها من البقاء سوى فترة يسيرة. ذلك أن ابن عباد صاحب إشبيلية اعتزم أن يقضي على خلافة الحموديين بصفة نهائية، فبعث قواته إلى الجزيرة الخضراء فطوقتها من البر والبحر واضطر القاسم سراعاً إلى التسليم، وغادر الجزيرة بالأمان مع أهله وصحبه (٤٤٦ هـ - ١٠٥٥ م) وسار إلى ألمرية حيث التجأ إلى حماية صاحبها المعتصم ابن صمادح، ولبث لها حتى توفي سنة ٤٥٠ هـ (١٠٥٨ م).
وفي نفس الوقت كان باديس أمير غرناطة قد استولى على مالقة من يد المستعلي (٤٤٩ هـ)، وانهار بها سلطان الحموديين، وهكذا انقرضت دولة بني حمود من مالقة والجزيرة معاً، وانتهى بذلك سلطانهم بالأندلس بعد أن حكموا المثلث الإسباني الجنوبي، وثغور العدوة الشمالية، زهاء نصف قرن (١).
* * *
وهكذا انحدرت إسبانيا المسلمة، في النصف الأول من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) عقب انهيار دعائم الخلافة الأموية والدولة العامرية، إلى معترك مروع من التمزق والفوضى، واستحالت الأندلس بعد أن كانت كتلة موحدة، تمتد من ضفاف دويرة شمالا إلى مضيق جبل طارق جنوباً، ومن شاطىء البحر المتوسط منذ طركونة شرقاً حتى شاطىء المحيط الأطلنطي غرباً، إلى أشلاء ممزقة، ورقاع متناثرة، وولايات ومدن متباعدة متخاصمة، يسيطر على كل منها حاكم سابق استطاع أن يحافظ على سلطته المحلية خلال الانهيار،
стр. 666
أو متغلب من الفتيان الصقالبة أو القادة ذوي السلطان السابق، أو زعيم أسرة محلي من ذوي الجاه والعصبية. وسيطر البربر من جانبهم على أراضي المثلث الإسباني الجنوبي، وما كان منه بيد الدولة الحمودية، وأنشأوا هنالك إمارات عدة، ما لبثت أن نزلت إلى ميدان الصراع العام، الذي شمل هذه المنطقة. وهكذا قامت على أنقاض الدولة الأندلسية الكبرى دول عديدة هي دول " الطوائف "، وذلك منذ أوائل الربع الأول من القرن الخامس، حتى الفتح المرابطي، زهاء سبعين عاماً، قضتها جميعاً في سلسلة لا نهاية لها من المنازعات الصغيرة، والخصومات والحروب الأهلية الانتحارية، وكادت بتنابذها وتفرقها ومنافساتها، تمهد لسقوط الأندلس النهائي. وقد كان من رحمة القدر، أن اسبانيا النصرانية، كانت في نفس الوقت الذي انتثرت فيه وحدة الأندلس على هذا النحو الخطر، تعاني من انقسام الكلمة، وتعصف بها ريح الخلاف والتفرق، فلم تتح لها فرصة للوثوب بالأندلس الممزقة، إلى أن كان الوقت الذي بلغ فيه تنابذ الطوائف ذروته، واشتد ساعد اسبانيا النصرانية كرة أخرى، واستطاعت أن تضرب ضربتها القوية بانتزاع طليطلة، أول قاعدة إسلامية كبيرة (٤٧٨ هـ - ١٠٨٥ م)؛ وعندئذ تطورت الحوادث بسرعة واتجهت الأندلس الجريحة، في توجسها وانزعاجها، إلى إخوانها المسلمين فيما وراء البحر، بعدوة المغرب، تستدعيهم لنصرتها. وكان أن تدفقت الجيوش المرابطية من المغرب على شبه الجزيرة الإسبانية، وكان أن أنقذت دولة الإسلام في الأندلس.
стр. 667
الكتابُ الخامس
النظم الإداريّة والحركة الفكريّة في عصْري الإمارة والخلافة
стр. 668
الفصل الأول
نظم الحكم والأوضاع السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية في عصري الإمارة والخلافة
- ١ -
تعاقبت خلال هذه الفترة الطويلة التي سردناها من تاريخ الأندلس، على الأمة الأندلسية، أنواع من نظم الحكم، ومن الأوضاع السياسية والإدارية، كانت تسير طوراً بعد طور مع مختلف الحوادث، والحروب والانقلابات المتوالية. وبالرغم من أنه لم يفتنا أن نشير في مختلف المواطن إلى تلك التغييرات المتوالية، التي شهدتها الأمة الأندلسية، فإنه يجدر بنا أن نتحدث عنها حديثاً خاصاً، وأن نقدم منها إلى القارىء صورة مجتمعة متماسكة.
كانت الأندلس عقب الفتح ولاية تتبع إفريقية، ويقوم باختيار حاكمها والي إفريقية. وقد أستمر هذا الوضع نحو ثمانية أعوام فقط، تعاقب فيها على ولاية الأندلس ثلاثة من الولاة هم عبد العزيز بن موسى، وأيوب بن حبيب اللخمي، ثم الحر بن عبد الرحمن الثقفي. غير أنه كان من الواضح أن هذا النظام لم يكن يلائم قطراً ضخماً كالقطر الأندلسي، وخصوصاً بعدما بدأت الغزوات الإسلامية لغاليس (جنوب فرنسا)، وبدأت الأندلس تخوض الصراع مع مملكة الفرنج فيما وراء البرنيه، ومع نصارى الشمال. ومن ثم فقد رأت خلافة دمشق أن تكون الأندلس ولاية مستقلة تتبع الخلافة مباشرة، ويقوم الخليفة بتعيين واليها. وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز هو الذي أصدر هذا القرار شعوراً منه بأهمية الأندلس السياسية والعسكرية والاجتماعية.
وكان أول ولاة الأندلس من قبل الخلافة، هو السمح بن مالك الخولاني، وقد ندبه عمر بن عبد العزيز لولايتها في سنة مائة من الهجرة (٧١٩ م). بيد أنه
стр. 669
لما توفي عمر بن عبد العزيز (١٠١ هـ) عاد الأمر في تعيين ولاة الأندلس إلى ولاة إفريقية، ولكن بمصادقة الخليفة. وكان الوالي عادة هو قائد الجيش العام، وإليه يرجع أمر الغزو في الشمال. ولما وقعت نكبة بلاط الشهداء في سنة ١١٤ هـ (٧٣٢ م)، أخذت الخلافة مرة أخرى بيدها تعيين والي الأندلس، واختار الخليفة هشام بن عبد الملك لولايتها عبد الملك بن قطن. واستمر الأمر بعد ذلك حيناً يرجع إلى والي إفريقية، وأحياناً إلى اختيار الجماعة، أعني جماعة الزعماء والقادة في شبه الجزيرة، وكان ذلك يحدث بالأخص حين تضطرب الأمور، ويقع الخلاف بين مختلف القبائل والزعامات. ولما اضطرمت الفتنة بين الشاميين والبلديين، وأخذ الفريقان يتبادلان الرياسة، ضعف أمر السلطة المركزية، ولم تهدأ الأمور حتى عين أبو الخطار الكلبي والياً للأندلس (١٢٥ هـ). ولكن أبا الخطار كان يمنياً فمال إلى اليمنية، واضطرمت الفتنة بين اليمنية والمضرية، ولما تفافم الأمر، وخشي الزعماء عاقبة الفتنة والحرب الأهلية، اتفقوا على تعيين يوسف بن عبد الرحمن الفهري من المضرية للولاية، وذلك دون موافقة أو مصادقة لا من والي إفريقية ولا من الخلافة، وكان ذلك في سنة ١٢٩ هـ (٧٤٧ م).
واستمر يوسف بن عبد الرحمن الفهري والياً للأندلس زهاء عشرة أعوام، وهو يزاول سلطة شبه مطلقة. وقد استطاع بعزمه وحزمه، أن يعيد إلى الأندلس نوعاً من الاستقرار والسكينة. ولكن القدر كان يدخر للأندلس مصيراً آخر، في ظل سلطة أخرى، لم تكن تخطر ليوسف أو غيره من الزعماء المتطلعين إلى الرياسة. وذلك أن عبد الرحمن الأموي عبر إلى الأندلس في ربيع الآخر سنة ١٣٨ هـ (سبتمبر سنة ٧٥٥ م)، وهرع في الحال إلى لوائه جمع من الصحب والأنصار، ووقع الحدث الحسم في موقعة المسارة في العاشر من ذي الحجة سنة ١٣٨ هـ (١٣ مايو سنة ٧٥٦ م) فهزم يوسف الفهري وصحبه، وانتهت رياسته للسلطة، وكتب النصر لسليل بني أمية، فبويع عبد الرحمن الأموي في الحال بالإمارة، وبعثت من ذلك التاريخ دولة بني أمية بالأندلس، بعد أن سقطت بالمشرق قبل ذلك ببضعة أعوام.
ومن ذلك التاريخ تقوم الدولة الأموية في الأندلس، وتستقر قواعدها تباعاً، بعد معارك طويلة متعددة، بينها وبين الزعامات المحلية والعناصر الثائرة. وقد
стр. 670
بقيت الدولة الأموية عصراً تتشح بثوب الإمارة، وذلك وفقاً لما قرره مؤسسها عبد الرحمن الداخل. وبالرغم من أن بلاط قرطبة، بلغ في عصر أمراء مثل الحكم ابن هشام، وولده عبد الرحمن، مبلغاً عظيماً من القوة والبهاء، وأضحى ينافس بلاط بني العباس في الأخذ بزعامة الإسلام، فإن أمراء بني أمية لبثوا على مبدئهم من الاكتفاء بلقب الإمارة، إلى أن كان عهد عبد الرحمن الثالث (الناصر) فعندئذ تغيرت أوضاع الغرب الإسلامي بقيام الخلافة الفاطمية في الضفة الأخرى من البحر، على مقربة من الأندلس. وكان هذا الحادث الخطير في ذاته أول حافز للناصر على اتخاذ سمة الخلافة، وصدر مرسومه بذلك في اليوم الثاني من شهر ذي الحجة سنة ٣١٦ هـ (يناير ٩٢٩ م) وبذا تحولت الدولة الأموية من إمارة إلى خلافة، وكان عبد الرحمن الناصر أول من تلقب من أمرائها " بأمير المؤمنين ".
وقد تميزت الخلافة الأموية بعدة خصائص، أولها الاعتماد في توطيد سلطانها على الموالي والصقالبة، وهي سياسة بدأت في عهد الإمارة منذ عبد الرحمن الداخل، ووصلت إلى ذروتها في عهد الناصر، وذلك حسبما فصلناه في موضعه، وثانيها الاسترابة بالقبائل والزعامات العربية، والعمل المستمر على إخضاعها، والقضاء على سلطانها ونفوذها، وذلك لما لقيه بنو أمية منذ البداية من معارضة هذه القبائل والزعامات، وانتقاضها المتوالي، وثوراتها المتعددة، وثالثاً عطفها الواضح على أهل الذمة وهم النصارى واليهود، وكفالة حرياتهم الدينية والاجتماعية، وهذه السياسة أيضاً ترجع إلى عصر الإمارة، حيث أنشىء منذ عهد الحكم بن هشام أو قبله بقرطبة، منصب خاص لإدارة شئون أهل الذمة يعرف صاحبه " بالقومس "، وقد كان للنصارى المعاهدين، فوق ذلك قاض خاص، وقد يكون أسقفهم في نفس الوقت؛ وعين بعد ذلك للنصارى مطران خاص، مركزه بمدينة إشبيلية. وقد استمر هذا التسامح نحو النصارى المعاهدين عصوراً، وذلك بالرغم مما كانوا يدبرونه في بعض الأحيان ضد الحكومة المسلمة من الدسائس والمؤامرات ويعقدون من الصلات المريبة مع نصارى الشمال.
وبلغت الخلافة الأموية بالأندلس ذروة قوتها ونفوذها السياسي والأدبي في عهد الناصر وولده الحكم المستنصر. بيد أنه بوفاة المستنصر (٣٦٦ - ٩٧٦ م) وولاية ولده الحدث الضعيف هشام المؤيد، تبدو طلائع ذلك الانقلاب الحاسم