النسخة الثانية:
هي إحدى المصورات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم (٤٥٧٧) مصورة عن مكتبة شستريتي بدبلن بإيرلندا وعدد أوراقها (٢١) إحدى وعشرون ورقة وتحتوي كل صفحة على (١٣) سطرا تقريباً وكتبت بخط واضح ولم يذكر اسم الناسخ وجاء في التعريف بها في جامعة الإمام أنها نسخت في القرن الثامن الهجري.
وهي نسخة مقابلة فقد جاء في آخرها بلغ مقابلة بحسب الطاقة.
وقد رمزت لها بالرمز (ر) لأنها صورت من الرياض.
стр. 37
عملي في التحقيق
أولاً:
لما كانت نسخة (م) مكتوبة بخط المؤلف فقد جعلتها أصلاً ثم نسختها حسب قواعد الإملاء والخط الحديثة.
ثانياً:
قابلت النسخة الأصلية (م) بنسخة (ر) وأثبت الفوارق بينهما في الحاشية ولم أضع شيئا من نسخة (ر) في المتن.
ثالثاً:
رقمت الآيات القرآنية الكريمة الواردة في الكتاب فأذكر في الحاشية رقم الآية واسم السورة.
رابعاً:
خرّجت الأحاديث الشريفة التي ذكرها المصنف وذلك بالرجوع إلى كتب الحديث مع ذكر الحكم على الحديث إن لم يكن في الصحيحين أو في أحدهما وذلك بالرجوع إلى الكتب المعتمدة في ذلك.
خامساً:
وثقت الأقوال والنصوص التي ذكرها المصنف من مصادرها الأصلية.
سادسا:
شرحت الكلمات الغريبة وعرفت بالمصطلحات الواردة في الكتاب التي رأيت أنها تحتاج إلى تعريف وذلك بالرجوع إلى الكتب التي تهتم بهذا الشأن.
سابعاً:
ترجمت للأعلام الذين أوردهم المصنف في كتابه ترجمة موجزة عند ذكر العلم أول مرة مع الإشارة في الحاشية إلى مصادر ترجمته.
ثامناً: وضعت فهارس عامة للكتاب في آخره تشتمل على ما يلي:
١- فهرس للآيات القرآنية الكريمة.
٢- فهرس للأحاديث النبوية والآثار.
٣- فهرس للأعلام المترجم لهم.
٤- فهرس للمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في إخراج هذا الكتاب مرتبة على الحروف الهجائية.
٥- فهرس تفصيلي للموضوعات الواردة في الكتاب.
стр. 38
نماذج من مخطوطتي الكتاب
стр. 39
غلاف النسخة الأصلية (م)
المصورة من الجامعة الإسلامية بالمدينة
стр. 40
غلاف نسخة (ر)
والمصورة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
стр. 41
افتتاحية المصنف لكتابه
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة١:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آل محمد وصحبه أجمعين صلاة دائمة إلى يوم الدين وبعد:
стр. 42
سبب تأليفه الكتاب
...
فقد تقدم من تجب طاعته وتتعين إشارته بشرح مسألة المزارعة والكلام عليها لعموم حاجة الناس إليها وذكر ما فيها من الاختلاف وما رجح كل طائفة من الخلاف٢ فانتهيت إلى كريم تلك الإشارة وتحريت٣ الاختصار بحذف الإسناد، وتلخيص العبارة ونبهت٤ على حجة المانع لها والمجيز، وما يظهر ترجيحه عند النظر والتمييز, والله تعالى يعصم في ذلك وفي غيره من الخطأ والزلل٥ ويوفق للإخلاص في القول والنية والعمل, إنه جواد كريم رأف٦ رحيم.
стр. 43
تعريف المزارعة والمخابرة في اللغة
...
فأقول مستعينا بالله معتصما به: المزارعة: مفاعلة من الزرع٧، والمخابرة: مفاعلة من الخبار وهي الأرض الليّنة٨ ومنه قيل للأكَّار٩ المخابر هذا هو الأصح، وقيل:
стр. 44
المخابرة مأخوذة من معاملة أهل خيبر حين أقرّهم النبي- ﷺ عليها١ وقيل: مأخوذة من الخبرة وهي النصيب٢ قاله الماوردي٣ لأن كل واحد من العامل وصاحب الأرض يأخذ نصيبا من الزرع وهذا فيه نظر٤، لأنه يلزم منه أن نسمي القراض٥ مخابرة والله أعلم.
стр. 45
تعريف المزارعة والمخابرة في الاصطلاح
...
واختلف٦ الناس في المزارعة والمخابرة فقال قوم: هما بمعنى واحد وهو دفع الأرض إلى من يزرعها ببعض ما يخرج منها سواء كان البذر من صاحب الأرض أو من العامل٧
стр. 46
والأصح١ الذي هو ظاهر٢ نص٣ الشافعي- ﵁ أن معناهما مختلف فالمزارعة إذا كان البذر من صاحب الأرض والمخابرة إذا كان البذر من العامل.
стр. 47
ضربا المزارعة والمخابرة
...
والمزارعة والمخابرة ضربان: ضرب مجمع على بطلانه وفساده, وضرب مختلف في صحته وجوازه.
الضرب الأول: المجمع على فساده, وهو أن يكون حصة أحدهما أو حصة كل واحد منهما منفردة بالتعيين بوجه من الوجوه إما١ بالنسبة إلى الأرض مثل أن يقول: زارعتك على أن لك ما على٢ الجداول ولي ما عداه أو على أن ذلك ما على٣ الروابي٤ ولي ما في الأدوية، أو بالنسبة إلى الزرع مثل أن يقول على أن لك الحنطة ولي الشعير أو بالنسبة للسقي كقوله: على٥ أن٦ لك ما سقي بالنواضح٧ ولي ما سقي بالسماء، أو بالنسبة إلى الحصة كقوله: على أن لي مائة قفيز٨ ولك ما بقي, فهذا كله باطل بإجماع العلماء٩ لما روى سعيد بن المسيب١٠ عن سعد١١ قال: "كنا نكري١٢ الأرض بما على السواقي١٣
стр. 48
وما سقي منها١ بالماء فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك وأمرنا أن نكريها بذهب أو ورق"٢. رواه أبو داود٣ ولأنه ربما تلف ما عيَّن لأحدهما، أو لم ينبت فينفرد أحدهما بالغلة دون الآخر.
الضرب الثاني: المختلف في صحته, وهو أن يعامل صاحب الأرض من يعمل عليها بنصيب معلوم مما يخرج منها من نصف، أو ثلث أو ربع أو نحو ذلك٤. وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: جواز ذلك مطلقا سواء كان البذر من المالك أو من العامل وسواء كان فيها شجر أو لم يكن - (والكلام الآن أولا٥) في الأرض البيضاء - وممن روى ذلك٦ عنه من الصحابة٧
стр. 49
عمر بن الخطاب١ وعلي بن أبي طالب٢، وسعد ٣، وابن مسعود ٤، وعمار بن ياسر٥ ومعاذ بن جبل٦
стр. 50
وابن عباس١ ﵃ ومن التابعين٢ سعيد بن المسيب، وعروة ٣، وعمر بن عبد العزيز٤ (والقاسم٥، وطاووس٦، وعبد الرحمن بن أبي ليلى٧ والزهري٨ وغيرهم ٩) .
стр. 51
ومن الفقهاء محمد بن أبي ليلى١، والليث٢، وأبو يوسف٣ ومحمد بن الحسن٤ وأحمد بن حنبل٥ في رواية٦, ومن أصحاب الشافعي: ابن المنذر ٧
стр. 52
وابن خزيمة١، وقيل: إنه صنف فيه جزءا٢، وابن سريج٣ والخطابي ٤، والماوردي ٥، وغيرهم ٦.
стр. 53
ومن أصحاب مالك١ يحي بن يحي ٢، والأصيلي٣.
стр. 54
المذهب الثاني: المنع مطلقا وأنها باطلة سواء كان البذر من المالك أو من العامل، وممن روي ذلك عنه من الصحابة١، ابن عمر٢، وجابر٣ ورافع بن خديج٤، وابن عباس في رواية٥ ومن التابعين٦ عكرمة ٧، ومجاهد٨
стр. 55
والنخعي١، ومن الفقهاء الشافعي٢، ومالك٣، وأبو حنيفة ٤.
المذهب الثالث: إن كان البذر من المالك جاز وهي المزارعة وإن كان البذر من العامل لم يجز وهي المخابرة٥ وبه قال ابن عباس في رواية٦ وأحمد
стр. 56
بن حنبل في أظهر روايتيه١، وإسحاق ٢ بن راهويه٣ (وقد روي عن سعد) ٤ وابن مسعود وابن عمر إن البذر من العامل٥ والرواية الأولى عنهم أصح٦ قال٧ صاحب المغني: "ولعلهم أرادوا أنه يجوز أن يكون البذر من العامل كقول عمر ﵁ لا أن ذلك قول آخر"٨.
هذا كله في الأرض البيضاء التي لا شجر فيها (أما التي فيها شجر) ٩ فيأتي تفصيل المذاهب فيها- إن شاء الله تعالى بعد ذلك-.
احتج المجوزون١٠ مطلقا بحديث ابن عمر- ﵄ "أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر١١ ما يخرج منها من ثمر، أو زرع". أخرجه البخاري١٢، ومسلم١٣. وفي رواية "أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها، ويزرعوها ولهم شطر"١٤ ما يخرج منها. أخرجاه١٥ واللفظ
стр. 57
للبخاري١. وفي رواية لمسلم٢: "دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر، وأرضها على أن يعتملوها٣ من أموالهم ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها".
وحكى البخاري٤ عن أبي جعفر قال: "ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث، والربع قال: وزارع علي، وسعد ابن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم وعروة، وآل أبي بكر، وآل علي. قال: "وعامل عمر الناس على أن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا"٥ ولأنها معاملة على أصل ببعض نمائه فصحت كالمضاربة٦ والمساقاة٧ ٨.
احتج المانعون مطلقا بحديث رافع بن خديج: كنا نحاقل٩ الأرض على عهد رسول الله ﷺ فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى فجاءنا ذات يوم
стр. 58
رجل من عمومتي فقال: "نهانا رسول الله- ﷺ عن أمر كان لنا نافعا وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث، والربع، والطعام المسمى وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يُزرعها، وكره كراءها". أخرجه مسلم١.
وعن ابن عمر- رضى الله عنهما- قال: "كنا لا نرى بالخبر٢ بأسا حتى كان عام أول فزعم رافع بن خديج أن نبي الله- ﷺ نهى عنه فتركناها من أجله". رواه مسلم ٣.
وعن جابر قال: "نهى رسول الله- ﷺ عن المخابرة" متفق عليه ٤ وعن زيد٥ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة", قلت: "وما المخابرة؟ قال: "أن يأخذ الأرض بنصف أو ثلث". أخرجه أبو داود ٦.
وعن ثابت بن الضحاك ٧ أن رسول الله ﷺ – "نهى عن المزارعة". رواه
стр. 59
مسلم١ وعن أبي هريرة٢ قال: قال رسول الله- ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها٣ أخاه فإن أبى فليمسك أرضه" ٤.
وعن جابر٥: "كنا في زمن رسول الله ﷺ نأخذ الأرض بالثلث، والربع، والماذيانات٦ فقام رسول الله ﷺ فقال: "من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه فإن لم يمنحها أخاه فليمسك أرضه" رواهما٧ مسلم.
ولأنها أصول تصح إجارتها٨ فلا تصح المعاملة عليها ببعض كسبها٩. واحتج من جوز المزارعة دون المخابرة١٠ بأنه عقد يشترك رب العين والعامل في نمائه فوجب أن يكون الأصل (من رب المال) ١١ كالمضاربة والمساقاة ١٢.
стр. 60
فإذا عرفت حجة كل مذهب فالذي رجحه البخاري١ والخطابي٢ واختاره جماعة من المحققين٣ إنما هو قول الجواز مطلقا قال صاحب المغني: "وهو الصحيح إن شاء الله تعالى٤ لما تقدم من حديث (معاملة) ٥ أهل خيبر".
(قال) ٦ البخاري: "قال أبو جعفر: عامل رسول الله- ﷺ أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وعلي ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع". وقال:٧ "ما في٨ المدينة أهل بيت هجرة إلا ويزرعون على الثلث والربع" إلى آخر ما تقدم٩ وهذا أمر مشهور عمل به١٠ رسول الله ﷺ بخيبر١١ حتى
стр. 61
مات ثم الخلفاء الراشدون بعده حتى ماتوا ثم أهلوهم، وعمل به أزواج النبي ﷺ فروى ابن عمر أن " النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر١ ما يخرج منها من ثمر أو زرع فكان يعطى أزواجه مائة وسق٢ ثمانون وسقا تمرا وعشرون وسقا شعيرا فلما قسم عمر خيبر خيَّر أزواج النبي ﷺ بين أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضي لهن الأوسق فمنهن من اختار الأرض ومنهن من اختار الوسق وكانت عائشة وحفصة ممن اختار الأرض". رواه البخاري٣ ومسلم٤.
ولم ينقل أن عائشة وحفصة أجرتا ما اقتطعتاه ولا أنه كان لهما غلمان يعملون الأرض فالظاهر أنهما كانا تزارعان٥ عليها. فإن قيل يحتمل أن يكون حديث خيبر منسوخا ٦ بالنهي الوارد في حديث رافع وجابر وأبي هريرة. قلنا لا يجوز لوجوه:
الأول: أن النسخ إنما يكون في حياة النبي ﷺ ولو كان هذا منسوخا لما عمل به النبي ﷺ إلى أن مات وعمل به الخلفاء الراشدون بعده ولم يخالف أحد منهم.
الثاني: أنه لو كان منسوخا لما خفي النسخ عنهم هذه المدة الطويلة مع بحثهم وجدهم وقد روى البخاري٧ ومسلم ٨ عن نافع ٩ أن ابن عمر كان
стр. 62
يكري مزارعه على عهد النبي – ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من خلافة معاوية حتى بلغه قال مسلم في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن١ النبي- ﷺ فدخل عليه وأنا معه فسأله فقال كان رسول الله ﷺ ينهى عن كراء المزارع فتركها ابن عمر بعد وكان إذا سئل عنها بعد قال زعم رافع ابن خديج أن رسول الله – ﷺ نهى عنها. ولا خفاء في بعد عدم إطلاعهم على الناسخ هذه المدة مع أن هذا الأمر مما تعم٢ به البلوى وتتكرر الحاجة العامة٣ إليه في كل عام. فإن قيل فكيف ترك ابن عمر ذلك مع قيام الاستبعاد الذي ذكرتموه؟ قلنا الذي تركه ابن عمر كان احتياطا وتورعا [فإنه روى خبر خيبر وقد رأى النبي ﷺ أقرهم عليه أيام حياته ثم أبا بكر ثم عمر حتى أجلاهم عنها] ٤ وكذلك كانت (عادته في تورعه) ٥ ﵁. ويؤيد ذلك أنه ورد في بعض طرق البخاري أن ابن٦ عمر قال: كنت أعلم في عهد رسول الله ﷺ أن الأرض تكرى. ثم خشي أن يكون النبي ﷺ قد أحدث في ذلك شيئا لم يكن يعلمه فترك (كراء) ٧ الأرض٨ [وأيضا فابن عمر ترك كراء الأرض مطلقا فدل على أنه إنما تركه تورعا، لأن الكراء جائز باتفاق] ٩.
стр. 63
الثالث: أن النسخ إنما يصار إليه عند تعذر الجمع بين الأحاديث والجمع بين حديث خيبر وحديث رافع ممكن ظاهر [كما سنذكره إن شاء الله تعالى] ١ فكيف يعدل إلى النسخ.
ووجه الجمع بينهما ما ذكره الخطابي٢ وغيره٣ وهو أن أحاديث رافع وجابر، وثابت مجملة٤ تفسرها الأخبار التي وردت عن رافع نفسه، وعن غيره، فإن رافعا قد فسر حديثه في بعض طرقه بما لا يختلف في فساده فيحمل النهي المطلق٥ على ذلك المقيد٦ فمن ذلك قول رافع: "كنا أكثر الأنصار حقلا فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك". أخرجه البخاري٧ ومسلم٨ من طرق٩ [وقال جابر- ﵁: "كنا نأخذ الأرض بالثلث والربع والماذيانات" رواه مسلم] ١٠.
وعن
стр. 64
حنظلة١ ابن قيس الأنصاري قال: "سألت رافعا عن كراء الأرض بالذهب والورق فقال: "لا بأس به إنما كان الناس يؤاجرون٢ على عهد رسول الله ﷺ بما على (الماذيانات وأقبال) ٣ الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ويهلك هذا ولم يكن للناس (كراء إلا هذا) ٤ فلذلك زجر عنه فأما شيء مضمون معلوم فلا بأس (به) " ٥ رواه مسلم٦ وأبو داود٧.
وعن رافع٨ عن عمه ظهير٩ قال سألني يعني النبي ﷺ – "كيف تصنعون بمحاقلكم؟ " قلت: "نؤاجرها يا رسول الله على الربيع" ١٠ وفي رواية "على الربع والأوسق من التمر، أو الشعير" قال: "فلا تفعلوا ازرعوها أو أزْرِعوها ١١ أو أمسكوا
стр. 65
أرضكم" رواه البخاري١ ومسلم٢. قال الخطابي- بعد إيراده حديث حنظلة بن قيس-: "فقد أعلمك٣ رافع نفسه في هذا الحديث أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا شروطاً فاسدة ويستثنوا من الزرع ما على السواقي والجداول فيكون خاصا بالمالك وقد يسلم ما على السواقي، ويهلك ساير الزرع فيبقى المزارع لاشيء له وهذا غرر، وخطر كما إذا اشترط رب المال على المضارب دراهم معلومة زيادة على حصته الربح المعلومة فهذا، وذاك سواء" قال:٤ "وأصل٥ المضاربة من السنة المزارعة، والمساقات فكيف يصح الفرع ويبطل الأصل"٦.
الرابع: أنه لو تعذر الجمع بين أحاديث خيبر، وأحاديث رافع وجابر (وامتنع التأويل) ٧ وتعين المصير إلى النسخ كان نسخ حديث رافع أولى من نسخ حديث خيبر لأن حديث خيبر قد عمل به النبي ﷺ إلى حين موته وعمل به الخلفاء الراشدون، وعلماء الصحابة، والتابعين فاستحال لذلك نسخه قبل موت النبي- ﷺ وبعد موته فلا نسخ وإذا بطل نسخ حديث خيبر لما ذكرناه، ولم يكن بد من نسخ أحد الخبرين تعيَّن نسخ خبر٨ رافع. واعلم أن بعض الأئمة قد أعلوا٩ حديث رافع وإن كان صحيح النقل، ودفعوه بوجوه:
стр. 66
الأول: شدة اختلافه وكثرة اضطرابه قال الإمام أحمد بن حنبل- ﵀: "وله القدح١ المعلى في إمامة الحديث والمعرفة غير مدافع, حديث رافع كثير الألوان"٢، وقال أيضا: "حديث رافع ضروب"٣. قال الخطابي: "يريد اضطراب حديثه واختلاف الروايات عنه, فمرة يقول: سمعت رسول الله- ﷺ , ومرة يقول: حدثني عمومتي عنه"٤.
قال غير الخطابي: "ومرة يشعر حديثه بالنهي عن كراء الأرض مطلقا, ومرة يصرح بجوازه بالذهب والفضة، ومرة يشعر بالنهي عن المزارعة مطلقا، ومرة يصرح بالشروط المفسدة" ٥. قال ابن المنذر: "قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك"٦.
الثاني: أن فقيهين كبيرين من أكابر فقهاء الصحابة أنكرا على رافع: ابن عباس وزيد بن ثابت٧.
قال٨ الخطابي: "وقد عقل ابن عباس المعنى من الخبر٩ وأنه ليس المراد به تحريم المزارعة بشطر١٠ ما يخرج منها وإنما أريد أن يتمانحوا أرضهم وأن
стр. 67
يرفق بعضهم ببعض١ فإن عمرو بن دينار٢ لما ذكر حديث رافع لطاووس قال: "يا عمرو أخبرني٣ أعلمهم- يعني ابن عباس- أن رسول الله ﷺ لم ينه عنه ولكن قال: "لأن٤ يمنح أحدكم أرضه خير من٥ أن يأخذ خراجا٦ معلوما". رواه البخاري٧ ومسلم٨ قال الخطابي: "وقد ذكر زيد بن ثابت العلة والسبب الذي خرج عليه الكلام في ذلك وهو ما رواه عروة بن الزبير قال زيد بن ثابت: "يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه وإنما أتاه رجلان من الأنصار قد اقتتلا فقال رسول الله ﷺ : "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع" "فسمع قوله لا تكروا المزارع" ٩. رواه أبو داود١٠ قال الخطابي:- بعدما سمى بعض من منع المزارعة -: "وإنما صار هؤلاء إلى ظاهر الحديث من رواية رافع ولم يقفوا على علته
стр. 68
كما وقف عليها أحمد". وذكر أن١ ابن خزيمة صنف مسألة ذكر فيها علل أحاديث المزارعة٢.
الثالث: أن أحاديث رافع تضمنت ما لا يختلف في صحته وهو كراء المزارع مطلقا. وكراؤها بالذهب والفضة لا يعلم فيه خلاف إلا ما نقل عن الحسن٣. وتضمنت ما لا يختلف في فساده ٤ وهو المعاملة على ما على السواقي والجداول (وهذا الاختلاف والاضطراب يثبت وهنا كما قال أحمد) ٥ بخلاف أخبار خيبر فإنها جارية مجرى التواتر٦ في الصحة والثبوت وعمل النبي ﷺ بها والخلفاء الراشدون بعده.
الرابع: أن حديث رافع لا دلالة فيه على صريح المزارعة التي (فيها النزاع) ٧ وصححناها وورد في الكراء بثلث أو ربع فكان٨ حمل حديثه الذي فيه المزارعة على الكراء كما ذكره أولى، لأن القصة واحدة رويت بألفاظ مختلفة يرد أحدهما إلى ما يوافق الآخر جمعا بين الروايات كما تقدم٩, فإن
стр. 69
قيل١ فيجوز حمل أحاديث خيبر على الأرض التي بين النخيل خاصة دون البيضاء (فتكون المزارعة فيها تبعا للمساقاة كما قال الشافعي٢ ﵀ ٣ ويحمل حديث رافع وجابر على الأرض البيضاء (ويكون جمعا بين الحديثين أيضا، أو أنه ساقى قوما منهم وزارع آخرين بالشروط المجوزة للمزارعة) ٤ قلنا هذا ضعيف لوجوه:
الأول: أن خيبر كانت بلدا كبيرا يأتي منها أربعون ألف وسق أو أكثر، وخلو مثل هذا البلد عن أرض بيضاء منفردة بعيد وقد نقل الرواة معاملة خيبر على العموم من غير تفصيل فدل على أن حكم الأرض البيضاء وغيرها سواء.
الثاني: أن حمل حديث خيبر على هذه التأويلات تحكم ليس عليه دليل سوى الجمع بين الحديثين بخلاف ما ذكرناه من تأويل حديث رافع ورد بعضه إلى بعض فإنه ورد في طرقه ما يدل عليه ويفسره.
الثالث: أن ما ذكرناه من الإطلاق في كل الأراضي موافق لظاهر حديث خيبر، ولعمل الخلفاء الراشدين وغالب فقهاء الصحابة والتابعين، وكانوا أعلم بسنة رسول الله ﷺ فكان الرجوع إليه أولى من الرجوع إلى تلك الاحتمالات.
قال الخطابي- لما رجح جواز المزارعة-: "وهي عمل المسلمين في بلاد الإسلام وأقطار الأرض شرقها وغربها لا أعلم أني رأيت أو سمعت أهل بلد أو
стр. 70
صقع من نواحي الأرض التي يسكنها المسلمون يبطلون العمل بها"١.
وقال الماوردي في الحاوي - بعدما حكى المذاهب في المزارعة ومآخذها -: "ولما اقترن بدلايل الصحة عمل أهل الأمصار مع الضرورة الماسة إليها وكان ما عارضها محتملا أن يكون خارجا على ما فسره زيد بن ثابت وقاله ابن عباس كان صحة المخابرة أولى من فسادها مع شهادة الأصول لها في المساقات والمضاربة٢ ولا خفاء فيما ذكره الخطابي والماوردي فإن القياس وشهادة الأصول المذكورة، والقواعد المصلحية تشهد للمزارعة بالصحة، فإن الأرض عين تنمى بالعمل عليها توجب أن تجوز المعاملة عليها ببعض نمائها كالدراهم في المضاربة، والشجر في المساقاة، ولأن الحاجة ماسة إليها جدا، لأن أصحاب الأرض قد لا يحسنون العمل أو لا يقدرون عليه والعمال قد لا يكون لهم أرض كما هو الغالب في أقطار الأرض فوجب أن تقتضي حكمة الشرع الرفق بالطائفتين وحصول المصلحة للجهتين بجواز المزارعة كما قلنا في المضاربة والمساقاة، فإن العلة في الجميع سواء بل الحاجة هنا أمس لضرورة الناس إلى القوت؛ ولأن الأرض لا تصلح لغير العمل عليها بخلاف المال٣ والشجر وقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٥ ولا يخفى أن القول بمنع المزارعة عسرا وحرجا, ومن كلام الشافعي- ﵁ "إذا
стр. 71
ضاق الشيء اتسع"١. وأيّ ضيق أشد على أرباب الأراضي من منع المزارعة والمخابرة. هذا كله في الأرض البيضاء التي لا شجر فيها.
أما الأرض التي بين الشجر فقد جوَّز المزارعة عليها كل من جوّزها في الأرض البيضاء سواء أفردها بالعقد أو جمع بينها وبين المساقاة٢. واختلف في ذلك الذين منعوها في الأرض البيضاء فقال أبو حنيفة وزفر٣: "لا تجوز المزارعة عليها لا منفرد ولا مع المساقاة"٤ وقال الشافعي: "يجوز ذلك بشرط اتحاد العامل وتعذر أفراد النخل بالسقي والأرض بالعمارة"٥ واختلف٦ في اشتراط اتحاد العقد وتساوى الحصة من التمر والزرع وعدم كثرة البياض وجواز كون البذر من العامل. وظاهر حديث خيبر حجة لمن جوزه مطلقا فإن قيل لعله ساقى في خيبر قوما وزارع آخرين بالشروط المجوِّزة، أو كانت الأرض المزارع عليها بين النخيل فجاز تبعا. قلنا: تقدم الجواب عن ذلك فإنه خلاف الظاهر وعمل الناس٧ فلا يعوّل عليه من غير دليل فإن قيل: فهل لمن منع المزارعة طريق إلى أن يكون الزرع بينهما على وجه مشروع بحيث لا يرجع أحدهما
стр. 72
على الآخر بشيء؟ قلنا: نعم١ وتفصيل ذلك: أن البذر إما أن يكون منهما أو من أحدهما إما المالك أو العامل, فإن كان البذر بينهما فلهما ثلاث طرق٢:
أحدها: قاله الشافعي٣ وهو أن يعير صاحب الأرض نصفها للعامل ويتبرع العامل بمنفعة بدنه وآلاته فيما يخص صاحب الأرض.
الثاني: عن المزني٤ رحمه الله٥ أن يكري صاحب الأرض (نصفها)
стр. 73
للعامل بدينار مثلا ثم يكتري١ العامل ليعمل على نصيبه بنفسه وآلاته بدينار ثم يتقاصان٢.
الثالث: وهو أحوطها أن يكري صاحب الأرض نصف أرضه للعامل بنصف منافع العامل ومنافع آلاته في تلك الزراعة.
وإن كان البذر من صاحب الأرض فله طرق:
أحدها: أن يعير العامل نصف الأرض ويستأجره بنصف البذر على العمل في النصف الآخر بنفسه وآلاته.
الثاني: أن يستأجره بنصف البذر ونصف منفعة الأرض على بذر النصف الآخر في نصف الأرض الآخر.
الثالث: أن يقرضه نصف البذر ويكريه نصف الأرض بنصف عمله وعمل آلاته فلا يبقى عليه إلا رد القرض خاصة.
وإن كان البذر من العامل فله طرق:
الأول: أن يكتري نصف الأرض بمنافعه ومنافع آلاته، ويقرض صاحب الملك نصف البذر.
الثاني: أن يكتري نصف الأرض بنصف البذر ونصف عمله ومنافع آلاته في النصف الآخر.
الثالث: أن يكتري العامل نصف الأرض بنصف البذر وبتبرع بعمله ومنافع آلاته في النصف الآخر.
والطريق الأوسط أحوط والله تعالى أعلم.
стр. 74
واختلف العلماء في إجارة الأرضين, فنقل عن الحسن١ أنه منعها فلا تجوز عنده بحال. وقال الشافعي٢ وأبو حنيفة٣: "تجوز مطلقا بالذهب والفضة والطعام وغير ذلك من سائر الأعيان والمنافع"٤. وقال مالك: "تجوز بالذهب والفضة وغيرهما من الأعيان إلا الحنطة والشعير وما ينبت فيها"٥ واحتج المانعون مطلقا بإطلاق حديث ابن عمر عن رافع٦" واحتج المجوِّزون٧ مطلقا بحديث حنظلة بن قيس عن رافع٨ وبالقياس٩. واحتج مالك بحديث رافع عن عمومته١٠ وقد تقدم جميع ذلك.
تم ولله الحمد الأكمل الأوفى (وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم) ١١ (في شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وستمائة) ١٢.