عدا السلاسل ". وفي هذا القول شيء من النغمة التي وردت في ماردت به إحدى العجائز على متدين متحمس يدعو لبعث ديني: إن من ولد في بوسطن ليس بحاجة إلى أن يولد مرة أخرى) . أما في التحليل النفسي فإنه بعد أن قضى العم يختلس من اجل السير التي يكتبها نظرات نصف مفهومة من مبادئ فرويد وأدلر ويونج وغيرهم، صرح في كتابه عن أولستون بأن " طريقة التحليل النفسي في كتابة السير ذات قيمة محدودة جداً وأنا اعتقد أنها إذا استعملت مرة فإنها لن تستعمل مرة أخرى ".
ومن الطريف الممتع أن نشهد طريقة بروكس في النقد مطبقة على فإن ويك بروكس نفسه: كيف انحدر من أرومة هولندية كانت تقطن نيوانجلند القديمة ونيويورك منفياً في بلينفلد بولاية نيوجرسي، ثم ماذا كان أثر هارفارد والقصتين والشعر الهزيل الذي كتبه هناك، ثم ما أصابه من إرهاق ف خدمة القائمين على تحضير " المعجم المعتمد " The Standard Dicuionary ومجلة " عمل العالم " World " s Work؛ ثم نفيه إلى انجلتره والقاؤه المحاضرات من أجل الجمعية التعليمية للعمال؛ ثم إصابته بالعصاب وانحطاط القوى ودخوله المصح الذي دخله من قبله صديقه أولستون؛ ثم مصادقته للرجل الكسيح بورن، وموت بورن هذا؛ ثم نجاحه الأول في النقابة الأدبية وما تبع ذلك من نصر شعبي لم يحرزه ناقد أدبي أميركي أبداً وذلك حين كسب كتابه " ازدهار نيوانجلند " من " نادي الطبعات المحدودة " وساماً ذهبياً قدم " للكتاب الذي قد يبلغ مستوى الكتب الكلاسيكية " بالإضافة إلى جائزة بولتزر، واختيار " نادي كتاب الشهر " كتابه " نيوانجلند: اليقظة الأخيرة ". وهذا السرد قد يسمى محنة فإن ويك بروكسن أو ححه أو خيانته. وإلى أن يتحقق هذا فإن من أراد في الوقت نفسه أن يكتب شاهداً على قبر بروكس قد يحسن به أن يتخذ نموذجه ما كتبه بروكس نفسه عن لوول؛ ومن المؤكد أنه حين كتبه كانت صورة نفسه حينئذ ترتسم في ذهنه إذ قال:
стр. 212
وإذا كانت تلك النغمة الجديدة الجريئة التي استعلنت في " خرافة من اجل النقاد " (١) قد أدركها الفناء؟ نغمة الشاب الذي جهر بما في فكره، دون أن يحسب حساباً لما قد يظنه الناس أو يقولونه، نغمة الناقد يصيب ويخطئ، ومعه جنون الصبا، وهو غالباً مصيب غير أنه دائماً واثق من آرائه؟ أقول: إن كانت تلك النغمة قد تلاشت فإن نغمة أخرى قد حلت محلها، وإذا لوول الثاني هذا قد تخلى عن منهج لم كن يلائمه طبيعة واكتساباً؛ لقد تلبد ليصيد فمن قال إنه لم يصد؟ اقبلوه على علاته، لا تذكروه بدعاواه القديمة، لا تحرجوه بالأسئلة، وانسوا الآراء الراديكالية التي كان يؤمن بها في شبابه، ودعوه يبتهج بالملكيين ورجال الكنيسة ومحبتي البيرة الطيبة والغلايين المطيبة ممن لا يأبهون كثيراً بقانون إلغاء العبودية، ولا تضيقوا عليه الخناق بالتلميح إلى تقلباته وانحرافاته الخائرة.
لو غيرت بضع كلمات وتنازلت عن بعض التسامح، لجاء هذا النص صالحاً لبروكس نفسه.
стр. 213
الفصل الخامس
كونستاس رورك
والنقد القائم على الموروث الشعبي
عندما توفيت كونستانس رورك سنة ١٩٤١ عن ستة وخمسين عاماً، كانت قد بدأت تجد وجهتها؛ فقد نشرت ستة كتب، وكانت تعمل في إنجاز كتاب ضخم ذي ثلاث مجلدات، عنوان " تاريخ الثقافة الأميركية " History of American Culture، لم تكن كتبها الأخرى إزاءه إلا مجرد كشوف أولية. وقبل بضع سنوات، اهتدت في كتابها " تشارلس شيلر " Charles Sheeler إلى ما يمكن أن يعد أكبر يدٍ لها في النقد الأدبي المعاصر، وذلك هو طريقتها في تحليل الفن الشكلي بإرجاعه إلى جذوره المسترسلة في الموروث الشعبي. وفي الوقت نفسه اهتمت بإيجاد موروث شعبي أميركي، وتنظيمه وتفسيره وإشاعته، ليكون في متناول فنائي المستقبل. إذن كان عملها تحليلياً وتركيبياً في آن، وهذان الاتجاهان معاً، يمثلان إحدى الحركات التي تبشر بالخير في مستقبل النقد الأميركي، ولكن مع الأسف لم يتعهدها أحد من النقاد بعد موتها.
وأول كتاب لها بعنوان " أبواق العيد " Trumpets of Jubilee نشر
стр. 214
سنة ١٩٢٧ (١) وهو دراسة لخمسة أشخاص أحرزوا قبولاً وإقبالاً من الناس بأميركية في منتصف القرن الماضي وهم: ليمان بيشر وهاربت بيشر ستاو وهنري وارد بيشر وهوراس غريلي وب. ت. بارنوم. فهو كتاب في السير إلى حد، وتاريخ اجتماعي بعض الشيء، ونقد أصيل حيناً ثالثاً، وبخاصة في الفصل الذي كتبته عن السيدة ستاو، الشخصية الأدبية الوحيدة في تلك المجموعة (بما في ذلك تحليلها الفذ للعلة التي جعلت لقصتها " كوخ العم توم " Unche Tom " s Cabin قوة لم تبلغها سائر قصصها، ومقارنة بهرثورن على جانب عظيم من عمق الإدراك) . وبعض ما كتبته في التاريخ الاجتماعي بتعمق العوامل العلية الكامنة، غير أن قسطاً كبيراً منه ليس أكثر من انسياب على السطح، وتقريرات عن غرائب الإناث والأزياء. أما المادة الشعبية في الكتاب؟ وهذه تضم قطعة من أغنية " الشيخ دان تكر " Old Dan Tucker دست حشواً، وبعض القصص الطويلة الظريفة؟ فكلها من النوع السطحي، وهي ذات لون محلي رفيع. وأقل فصوله إرضاء ما كتبته عن عائلة بيشر، لأنها لم تحاول أن تحدد تماماً سر حب الناس لهم. وخير ما يرضي فيه، بعامة، هو الفصل الذي عقدته لبارنوم، وهو دراسة لامعة تجعل من الشخص المدروس مثابة " عملاقية " جيلٍ كامل. ولعل أبعد ما فيه تأثيراً صورة هوراس غريلي، وهي قصة عميقة الإثارة، ترتقي في تأثيرها إلى مستوى المأساة، لأنها الموطن الوحيد الذي سمحت فيه الآنسة رورك لنفسها بالاتكاء على ناحية صحفية حين رسمت صورة ساخرة للتبجحات الاجتماعية التي تشدق بها أبناء غريلي، بعد موت أبيهم. والكتاب كله أخلاط شتى إلا أن فيه كل المعالم التي ستظهر في نتاجها المتأخر، جاهدة لتشق لنفسها طريقاً خلال قشرة التاريخ الاجتماعي التقليدي.
стр. 215
أما الكتاب الثاني الذي نشر في العام التالي وعنوانه " ممثلو الساحل الذهبي المتجولون " Troupers of the Gold Coast فإنه أقل كتبها طموحاً. وهو محالة مغمورة ممتعة سطحية، لاستعادة جو العهود الماضية، يوم كانت الفرق المسرحية متنقلة جوابة، وكأنما هو من بعض وجوهه " كشكول " ملئ ببرامج كانت تلبسه آدا منكن؛ ولا يحفل به وبقراءته إلا امرؤ يحمل ذكريات ذهبية عن طفولته أيام لوتا كرابتري ولولا مونتز (١) . وليس فيه ما يمكن أن يسمى تاريخاً اجتماعياً أو حضارياً، ولا يحوي من المادة الشعبية إلا اثنتي عشرة قطعة من الأغاني الشعبية التي كانت رائجة في ذلك العهد، وعدداً من صفحات مختصرة عن " الشخصيات التي كانت تقطن سان فرنسسكو القديمة، ومنها: المجهول العظيم، " جورج واشنطن "، والغلام السمين، وجترسنايب وروزي وكلبان أحدهما بمر والثاني لعازر والإمبراطور نورتن، وليست فيه طريقة نقدية ولا فيه حقاً نقد.
أما كتابها " روح الفكاهة الأميركية " American Humour الذي ظهر عام ١٩٣١، وعنوانه الفرعي " دراسة في الشخصية القومية "، فإنه كشف
стр. 216
جرئ عن نزعة واحدة في تاريخ الولايات المتحدة الحضاري. فالكتاب يقسم الثقافة الأميركية المتصلة بالشعب إلى عدد من الدراسات المتفرقة " وكثيراً ما يصح له ما يسميه كنث بيرك " التناسب الناشئ عن عدم التناسب " وذلك باستعمال المتجاورات في مهارة وحذق) منها: رجال الشمال ورجال الغابات النائية نموذجين أميركيين، استعراضات المنشدين الهزليين، الممثلون المتجولون المنتمون إلى الطوائف الدينية نموذجين " للجوابين " الأميركيين؛ لنكولن والكتاب الهزليون، الأديب الكلاسيكي الأميركي، الفكاهيون الغربيون، جيمس وهاولز صفحتين للفنان الأميركي، الأدباء المعاصرون خلال العقد الثالث من القرن. ويعامل فيه أشخاص الأدب الشكلي المتحضر على أنهم نمو للثقافة الشعبية مع قدر من التشويه في بعض الأحيان؟ وهو تشويه يصبح به هوثورن حاكي حكايات شعبية، وتصبح موبي ديك بأسمائها الهزلية المقتبسة من التوراة وبتورياتها النوتية قريبة النسب من كتب النوادر الدارجة؛ ولكن التشويه كثيراً ما يكون بعثاً لامعاً مثل التعرف إلى الشخصية الأدبية في لنكولن. وما تزال الآنسة رورك تحوم حول معنى أعمق من معاني الثقافة الشعبية، حول الأسطورة والشعائر التي تمثل " الأنموذج الأعلى " وهذا ما تعلمته من كتاب لجين هاريسون يسمى " الفن القديم والشعائر "، ولكنها تعجز عن تطبيق فكرته تطبيقاً تاماً، فهي تلحظ أن مايك فنك (١) كان " إله نهر المسسبي أي واحداً من الأرباب الصغار الذين يخلقهم الناس على صورتهم ويكبرونهم ليكبروا أنفسهم " وأن كروكت " قد أصبح أسطورة حتى في حياته " وأنه بعد موته " انتحل موقفاً أسطورياً أقوى من ذى قبل ". فهي إذن تفهم هذه العملية أي تلمح المبدأ " اليوهميري " (٢) حين ينسج
стр. 217
شعب لا بأس بحظه من المدنية، في خلال سنوات قلائل، ثوباً أسطورياً لشخصية تاريخية، بدلاً من أن تدرك التطور الدينامي الذي تشتمل عليه نظرية الآنسة هاريسون حيث تنتحل الشخصيات التاريخية بما لها من ملامح " جانحة إلى شيء من الأسطورية " خصائص أسطورية وخرافات قديمة.
وتلحظ الآنسة رورك أيضاً أن " الانتحال الأسطوري للحكمة " " لم يفتأ يظهر في الشخصيات الهزلية الأميركية " ولكنها تعجز عن أن تتقدم خطوة فترى فيه انتقالاً معقداً من التكهنات القديمة إلى Old Zip Coon (إن لم يكن انتقالاً مباشراً من طراز أفريقي) . وهي تذكر " المواد الأولية للأدب " وتعني بها " المسرح القائم من وراء الدراما، الاحتفالات الدينية البدائية التي سبقت هذين، والحكاية التي سبقت كلاً من المسرحية والقصة، والمونولوج الذي كان مصدراً أولياً لأشكال كثيرة ". وهي قادرة على أن تميز هذه النماذج القديمة التي تكمن وراء ما يشبه الشعر الشعبي الأميركي، ولكن ليس في طوقها أن تدرك " الأعمال الشعبية " وكيفية حدوثها مثل: النقل، والأصل المستقل والتكاثر والاستمرار والتغير وسائر الأمور التي قد كانت حرية أن تساعدها على فهم الوشائج وصلات القربى. وهي في أشد حالاتها اقتراباً منها تهتدي إلى تعريف سلبي (خاطئ بعض الشيء) حيث تقول:
جذ الأميركي الأسباب بينه وبين صور الموروث التليد، وكأنما كان ذلك بدافع إجماعي، فنحى الموروث الإنجليزي الطبيعي، وموروثه من القارة الأوروبية في يسر واستخفاف. ولعل رومانتيكية الرواد الأول في علاقتهم بالهنود إنما كانت صورة لتلك الغزيرة التي تدفع شعباً جديداً إلى أن يملأوا أيديهم من موروث قديم، ذلك لأن الهندي كان يملك روابط قبلية
стр. 218
مكينة ليست متوفرة لدى الأميركي، بل إن محاولة تشرب المعارف الزنجية كانت محاولة من هذا القبيل، غير أن الزنجي ليس لديه ما يقدمه إلا صورة باهتة مشوهة من ثقافة أولية، كما أن السعي لثقافة الهنود كان عقيماً.
إن ما تحاوله الآنسة رورك في هذا الكتاب هو أن تعرف " القاعدة البدائية " التي تشمل " الأغاني والأهازيج البدائية والمسرح الشعبي والحوليات الفجة " وهي غالباً ما تكون " مليئة بعناصر مبعثرة غير مصقولة، حافلة بالضراوة أو بالغرائب المنفرة " وعلى تلك القاعدة يقوم أدبنا، شأنه شأن غيره في هذا. وتحاول الآنسة رورك أن تنص على هذه العلاقة جاعلة منها موضوعها الرئيسي وموضع اهتمامها فتقول:
من نسيج سداه تلك الخيوط الشعبية ولحمته تعبير جديد، على صعيد جديد، نشأ أدب متثل، كغيره من الآداب، بموروث شعبي قديم، يمكن أن نسميه " فولكلور "، لأننا لا نجد له تسمية أخرى.
وترسم الكلمة النهائية في كتابها نوع المهمة الجامعة التي لابد من أن يؤديها النقد: قلما تجد بين الفنانين من عمل دون رصيد موروث خصب، ومهمة النقد هي " الكشف في الموروث الأميركي عن المواد التي قد يغمس فيها الفنان نفسه، والسعي لبثها ".
وقد الكتابان التاليان محاولتين لبث هذا الرصيد الموروث. وأولهما هو " ديفي كروت " Davy Crokett (١٩٣٤) والثاني " أودبون " Audubon (١٩٣٦) . أما الأول فهو صورة لإخفاقها التام؟ كتب بالأسلوب الشائع الموجه في كتب الأطفال لقراء في عقدهم الثاني فما زاد على أن كان خليطاً ملبوكاً من شخصية كروكت الحقيقي والخرافي وسلسلة من حكايات " ممسرحة " تضم فيها " الحديث العريض " الذي يقصه أبناء كروكت حول البيت
стр. 219
ونسيجاً من خرافات كروكت المستمدة من " الحوليات " مع اهتمام ضئيل بالرجل الواقعي ومميزاته (١) . وقد بلغ بها الأمر أن تخفت صوت كروكت في الدفاع عن بدل وبنك الولايات المتحدة وتدفنه في جملة تتحدث عن موضوع آخر دون أن تحاول تفسيرها. إن كتابها " ديفي كروكت " غير علمي وغير تحليلي و " عامي " بأردأ معاني الكلمة، وهو بعامة هزيل لا يصلح للقراءة. أما " أودبون " الذي ظهر بعده بسنتين فقد عدل في الموقف بعض الشيء. ومع أنه ترجمة مباشرة، دون محاولة في النقد أو التحليل فهو في الأقل؟ على خلاف كروكت؟ لذ ممتع جيد الأسلوب وقد وقفت فيه غرارتها الساذجة عند حد قبولها الأسطورة التي تقول إن أودبون كان هو دوفن الصغير المفقود؟ وقولها بأن ذلك أمر جد محتمل؟ وسردها أسطورة عليه بالغة الظنية المفقود عن ابتكاره الجمع بين التلوين بالقلم وطريقة التلوين المائي، الذي اهتدى إليه اتفاقاً ذات يوم أثناء استعراض للصور. وقد وضع الكتابان في أيدي الأدباء الأميركيين مظاهر من موروث " الحد الأميركي " (٢) وصنعا صورة لرجل الأعمال الرائد وللفنان الرائد ولكنهما للأسف قدما هاتين الصورتين على نحو لا يزري بالأديب الجاد أن يجهله أو يغفله.
أما أول كتبها في النقد الشعبي الأصيل فهو " تشارلس شيلر " الذي نشر عام ١٩٣٨، وقد وجدت في شيلر فناناً جاداً (وإن لم يكن من الجودة بحيث ظنته) استكشف موروثاً شعبياً أميركياً لنفسه وذلك هو الشكل
стр. 220
الوظيفي عند الحرفين الحذاق في الطائفة الشيكرية (١) ، فغرس في هذا الموروث جذور فنه، وأفاد فنه بذلك فائدة جلى. وحين ألقت على رسوم شيلر وصوره نظرة فاحصة (طبعت كثيراً من تلك الرسوم في كتابها لتشهد على ما تقول) استكشفت المبدأ الأساسي الذي فات عشاق الموروث الشعبي السابقين إدراكه، وهو أن الموروث ليس في الموضوع وإنما في الشكل وأن السر ليس في أن يرسم الفنان ابن الغاب (أو فتى الجبال) وهو يبني أهراء لغلاله وإنما في أن يرسم على طريقة ابن الغاب وهو يؤدي ذلك العمل. (ذلك هو الإدراك الكاشف الذي ساعدها على التبصر النفاذ فيما بعد، في مثل قولها: إن الأدباء الذين قالوا ليس لدينا موروث مسرحي وطني كانوا مخطئين، ذلك لأنهم لم يعرفوا أين يجدونه. أما هي فإنها تمعنت في الشعائر العامة التي تحيط المعاهدات الهندية، وفي الرواية التعليمية التي تشتملها الموعظة الكالفنية، وهناك وجدت الموروث الذي أخطأوه) . وعلى هذه الأرض الصلبة من الكشوف في كتابها هذا وثقت مبادئها بركاز جديد من الثقة، فكتبت تقول: " لعل تربة بلادنا لم تكن رقيقة فقيرة بحيث تعجز عن إنماء تعبير خالق ". وأبرزت كيف أن شيلر ذهب يدرس أشكال الفن المعماري والحرف اليدوية في إقليم بكس مكتشفاً مباني الطائفة الشيكريه وأثاثها وشعار الشيكريين القائل " لكل قوة شكلها ". وأظهرت كيف تميز شيلر في النهاية دليلاً هادياً لمن شاءوا أن يستغلوا الموروث الأميركي في مجال الفن، أميركيا دون أن يصبح إقليمياً، حديثاً وجذوره راسخة في أعماق الماضي، مستوحياً للأهراء الشيكرية وفن النحت الزنجي البدائي على حد سواء.
стр. 221
ولو قدر لها أن تتجاوز هذا إلى صعيد جديد من التجريد لوجدت العلاقة الشكلية بين الأهراء الشيكرية وفن النحت الأفريقي ولكن ذلك لم يكن في طوقها. لقد كادت؟ دائماً؟ أن تمد الوشائج بين هذا بين هذا الموروث الأميركي وذلك التيار الكبير من الثقافة الشعبية العالمية (وفعلاً أدركت أن وراء القصة العريضة التي جرت في المقبرة في قصة " حياة على نهر المسسبي " تكمن أسطورة أوزيريس، وأن الأساطير المتصلة بميلاد كروكت مأخوذة من قصص هرقل، وإحضاره النار من قصة بروميثيوس، ورصاصته الفضية من الأساطير الشمالية (السكندنافية) ومظاهر أخرى من رصيد كلتي أو أميركي هندي. أدركت كل ذلك، ولم يتجاوز بها إدراكها هذا الحد) . غير أنها كانت تفتقر إلى المتكأ العلمي والثقافة، بل ربما إلى الخيال لكي تحقق هذا بنجاح؛ ولم يستشرف طموحها هذا الهدف الضخم بل ظلت غايته القصوى أن يخلق موروثاً شعبياً أميركياً؟ على التحديد؟ ديموقراطياً في طابعه، لتناهض به الموروث الأوروبي الشكلي المصطنع اللاديموقراطي الذي أقامه أمثال إليوت. وقد أقرت بصعوبة هذه المهمة حين قالت: " يبدو أننا نذهب في بعض الأحيان نلمس موروثاً، غير أن ضروب الموروث ليس من السهل؟ في الغالب؟ كشف الحجب عنها، فإن ذلك يحتاج استقصاء طويلاً منظماً. وليس من اليسير بناء ضروب الموروث لأنها تستنفذ مسافة من الزمن لا يفي بها عدد قليل من الأجيال ". غير أن بضعة سنين أخرى ربما كانت كفيلة بأن تمكنها من إتمام قسط صالح في ذلك البناء.
٢
- أما كتاب " جذور الثقافة الأميركية " The Roots of American Culture آخر كتبها فقد نشر عام ١٩٤٢ أي بعد وفاتها. ويتألف من قطع موجزة أخذت من مخطوطتها التي سمتها " تاريخ الثقافة الأميركية "، وقد ظهر
стр. 222
عدد منها من قبل المجلات، ثم استنقذها فإن ويك بروكس من الضياع والإهمال، وأعدها للنشر وكتب مقدمتها. ومادة تلك القطع شذرات تضم: مقالة عن " جذور الثقافة الأميركية " ودراسة طويلة للمسرحيات الأميركية المبكرة، وقطعة عن الموسيقى الأميركية القديمة، وواحدة عن طائفة الشيكرية، و " تعليقة " على الفولكلور، ودراسة لفنان طبيعي مغمور اسمه فولتير كومب، وجولة حول مدى الثقافة الشعبية الزنجية الأصلية في استعراضات المنشدين الهزليين، وقطعة عن التوجيه الممكن الذي قد يساق لفن الرسم الأميركي. أما النقد الفني والموسيقي فإنه، لدورانه حول ما هو مغمور غامض نسبياً يتحاشى أن يكون فنياً لدى عينين وأذنين لم تملك الدربة الكافية. وأما الدراسة المسرحية فتكشف عن إحساس حقيقي بالمسرح، وثقة نفسية لديها فيما يتعلق بالأشكال الشعبية، ميزت كتابها على " فهرست التصميمات الأميركية ".
وأجود مقالاتها تلك القطعة الصغيرة عن استعراضات المنشدين الهزليين بعنوان " موروث من أجل الأدب الزنجي " (١) ، فهي قد أظهرت تطور طريقتها النقدية بوضوح تام. وقد ناهضت الآنسة رورك فيها فريقاً من الأدباء، أمثال س. فوستر دامون، كانوا يزعمون أنه لا توجد ثمة مادة زنجية؟ أصالة؟ في استعراض المنشدين الهزليين، كما قاومت أيضاً أمثال جورج بلن جاكسون وغي جونسون ومدرسة نيومان آيفي وايت وكلهم يدعون أنه ليس ثمة من فن زنجي إلا وهو مسروق من فن الرجل الأبيض. فأظهرت رورك أن كل المنظومات الكلاسيكية التي كان ينشدها الرجل الأبيض في مواقف الإنشاد الهزلي إنما استمدت من غيره؛ فإن أنشودة " الشيخ دان تكر " لدان إمت كانت إما مقتبسة عن الزنوج أو من أصل زنجي خالص،
стр. 223
وأنها ذات نغمة زنجية نموذجية وفيها أثر من صراخ الجوق، زنجي، ومحتواها كذلك مستقى من خرافات زنجية غامضة تدور حول الحيوانات وبخاصة حول طائر القيق والكلب القلطي (البولدج) وأن أغنية " الديك الرومي في التبن " ليست بالتأكيد إلا أغنية زنجية راقصة، وأن " ديكسي " تبدأ بأسطورة زنجية ذات ملامح من التوراة، وأن أغنية " نظف المطبخ " التي يلقيها المهرج دان رايس أسطورة من أساطير الحيوان ينتصر فيها الزنجي، وهلم جرا. ثم أظهرت أيضاً أن الأشكال الشعائرية والتقاليد في استعراض المنشدين الهزليين ودوراته الراقصة وصيحاته بالإضافة إلى مادته القصصية والموسيقية كلها زنجية أو مأخوذة عن الزنوج. وحين أتمت الآنسة رورك هذه المهمة التحليلية واستعملت الجزء الأول من طريقتها؟ أي تتبع الفن الشكلي في جذوره الشعبية؟ اتجهت لتنجز الجزء التركيبي من مهمتها، وهو تنظيم موروث شعبي يستعمله الفنانون. وذلك بأن أظهرت أن كثيراً من المادة الزنجية المتبقية في استعراضات المنشدين الهزليين على شكل مشوه مؤذٍ لم يبق لها من أثرٍ في غير هذا الموضع وأنه يمكن انتزاعها من هذه المواقف التهريجية وتنقيتها وصقلها، لكي تهيء موروثاً حيوياً للأدب الأميركي الزنجي. (لم تفد الآنسة رورك بل لعلها لم تعرف واحدة من أحسن الشواهد الموضحة في قضيتها وهي الأغنية الهزلية " الذبابة ذات الذنب الأزرق " فهي على احتجابها في ثوب اللهجة التهريجية الرخيص لا تزال أغنية جادة جميلة تصور تبرم الأرقاء وثورتهم) .
ولم تتناول الآنسة رورك؟ لأن طبيعة موضوعها تخصصية؟ ما يمكن أن يعد المشكلة الأساسية القائمة حول المادة الشعبية الزنجية الأميركية، أعني قرابتها المعقدة بالأسطورة والشعائر الأفريقية البدائية، كما أنها لم تتناول، في الصعيد العام، المشكلة الكبرى في بحثها، وهي القرابة العامة بين الفن والشعائر جملة. وفي موضع آخر من كتابها، أعني ف مقالها المطول " نشوء
стр. 224
المسرحيات الأميركية " (١) ، وفي قطعة منه عنوانها " الموروث الهندي " وجدت المشكلة تقع في صميم موضوعها تماماً، فعالجتها في بضع صفحات، وكانت معالجتها على يجازها فذة موحية. فهي تذهب إلى أن المعاهدات الهندية أقدم أنواع المسرحيات الأميركية وأنها مصدر للمسرحية الأميركية المتأخرة إلى جانب الموروث الأوروبي؟ مصدرها الثاني؟ وتصف طبيعة هذه المعاهدات بقولها:
كانت هذه المعاهدات مسرحية في أساسها؟ روايات تاريخية تسجل ما يقال في المناقشات وتتضمن نتفاً من أعمال، وتبادل الهدايا والخرز وتدخين الغلايين، وكثيراً من الشعائر الراقصة والصيحات وتدخين الغلايين، وكثيراً من الشعائر الراقصة والصيحات والأغاني الجوقية. بل إن الشكل المكتوب من هذه المعاهدات كان روائياً: إذ ترتب أسماء المشتكرين فيها في جرائد، كما تصف أسماء الشخصيات في الرواية، وترقم الأعمال الشعائرية بدقة وتستعمل عبارات رمزية لتختم بها العهود بل لتثير الأسئلة.
ولم تكن المعاهدات هذه روائية فحسب ولكنها كانت كالمسرحيات اليونانية مؤسسة على نماذج من الشعائر البدائية، فالمعاهدات الأبرويقية (٢) كانت تستعمل الأشكال التقليدية من كتب الطقوس الأيرويقية. وكل الترتيبات التي تتخذ في الاحتفالات الشعائرية كانت مؤسسة " على تجربة جماعية بعيدة الجذور ". وقد بينت الآنسة رورك أن الخمسين معاهدة هندية التي عرف أنها طبعت تكون مجموعة من الأساطير والأغاني التي تدور حول بطل واحد وأنها " ذات نسب ملحمية وموضوعات ملحمية كذلك " وهي
стр. 225
" شعر من طراز رفيع ". وتؤكد الآنسة رورك أن هذه كلها ليست أول مسرحيات لنا فحسب وإنما هي أيضاً خير مسرحيات قديمة، ولابد؛ " أذ لا نكاد نتوقع أن يكون في زمانها جهد فني فردي يداني مستواها في القيم الشعرية أو الخيالية، ذلك لأنها كانت تقليدية جماعية، تعبر عن قيم تجمعت منذ عهدٍ بعيد ".
وتقترب الآنسة رورك هنا من المستوى الذي حومت حوله في كتابها " روح الفكاهة الأميركية "، أعني أن قيمة القربى بين أدب الفن وأدب الشعب ليست في النسيج السطحي للكلام الشعبي بل في النماذج الكبرى للشعائر البدائية، أي في الأساطير العظيمة. وفي فصل " تعليقة على الفولكلور " من الكتاب نفسه (١) تتعرف إلى أن شيئاً أساسياً يفتقر إليه موضوعها، إذ تتحدث عن استعمال الأدباء الأميركيين للمادة الشعبية حتى إنه لا يعدو أن يكون " وضع نتف غريبة إحداها مشفوعة بالأخرى " ولكنها تعجز عن أن تستبين ما هو الشيء المفقود، ويخفق هذا الفصل في أن يكون ذا نتيجة.
أما الشيء الذي اكتشفته الآنسة رورك في هذا الكتاب فهو مبدأ نقدي أساسي يتمم ما استكشفه في كتابها " شارلس شيلر "، حيث توصلت هنالك إلى أن الموروث ليس في المحتوى بل في الشكل. أما ذلك المبدأ النقدي فهو تعرفها إلى أن الموروث الشعبي الأميركي ليس في المقام الأول طبيعياً بل تجريدي، ومن صوره تجريد موعظة جوناثان إدواردز، و " الدثر " التي تصنعها قبيلة نفاجو، والأعمال البطولية المنسوبة لجون هنري بطل الأناشيد الزنجية، والبسط الفرمونتية التي تحاك بالصنارة وأن الذي يرسم فيها هو مارين لا نورمان روكويل. وفي الكتاب عناصر أخرى متفرقة مدفونة كانت تبشر بشيء ما، ومنها: إدراك أهمية " الكليات " الجشطالنية
стр. 226
في دراسة الثقافات (وهو إدراك مستمد من ورث بندكت) ومنهج لتعليم الأدب الشعبي الأميركي بالكليات تعليماً جاداً، ودراسة للكيفية التي ينال فيها ناس مثل طائفة الشيكرية الصفة الجماعية التي " للشعب " خلال جبل واحد؟ ولكن هذه كلها محض وعودٍ حالت منيتها دون إيجازها.
٣
- غادرت الآنسة رورك في كتابيها الأخيرين الميدان الشعبي بما فيه من الجمع والسرد والإعادة ودخلت في مجال النقد الشعبي الجاد. وليس النقد الشعبي، كبعض النماذج الأخرى من النقد المعاصر، طريقة مفردة ولكنه عدد من الطرق الممكنة تشترك فيما بينها في مادة واحدة. وتنتمي الآنسة رورك في اتجاهها هذا إلى مدرسة هردر، وهي تتبع جانباً واحداً من هذه المدرسة تتبعاً ممتازاً من حيث أنها مظهر للرومانتيكية في مقالها " جذور الثقاة الأميركية ". فتوضح كيف بدأت بنظرية مونتين في الشعر الشعبي أو الأغنية البدائية النابعة من الحياة الجماعية الرعوية، ثم مضت ذاهبةً خلال الحكمة الشعبية التي قال فيكو بوجودها عند البدائي، مستمرة في الإنسان الطبيعي عند روسو متطورةً في نظرية هردر عن الفنون الشعبية باعتبارها قاعدة وقوة مشكلة للفنون الجميلة في الشكل والروح والتعبير، متضائلة في " نزعة القدم " (antiquarianism) عند شليجل والأخوين غريم (أما جانبها الثاني وهو الموروث الممتد بين فيكو وهردر المزدهر في صورة " الكلتور " النازي فقد أغفلته الآنسة رورك) .
وهناك موروث آخر من النقد الشعبي ولكن يبدو أن الآنسة رورك تكاد لا تعرف عنه شيئاً وهو المدرسة الإنجليزية الأنثروبولوجية في القرن التاسع عشر. وتبدأ بالسير أ. ب. تيلور والسير جيمس ج فريزر وتستمر في أندرو لانج وإ. س. هارتلاند وأ. إ. كرولي وغيرهم. ومع أن هؤلاء جميعاً يتميزون بسعة الاطلاع، ويتميز فريزر ولانج من بينهم بأنهما كانا أستاذين في الآداب
стр. 227
الكلاسيكية من الطراز الأول، إلا أن عملهم الرئيسي جميعاً لم يكن لدراسة الأدب بل لدراسة نماذج السلوك البدائي التي يقوم عليها أدبنا. وليس هاهنا مجا للتعليق إلا على عدد قليل من كتبهم الكثيرة. أما تيلور فإنه درس في مؤلفه الأكبر " الثقافة البدائية " Primitive Culture تطور الثقافة وقيمة ما تبقى منها: ابتداء من همهمة الساحرة الطبيبة في يد الطفل إلى بقايا الأنيمزم في الفلسفة. وأما كتاب فريزر " الغصن الذهبي " Golden Bough، وهو ضخم يقع في اثني عشر مجلداً، وغيره من كتبه، فإنها أخبار موجزة؟ مرتبة على نحو شعري؟ عن الأسطورة البدائية والشعائر التي تكمن في قاعدة كل مظهر من مظاهر حضارتنا. وأما لانج فإنه استوعب الميدان كله تقريباً، ابتداء من الطوطمية الأسترالية حتى هوميرس وحكايات الجنيات. ودرس هارتلاند الأسطورة والمعتقد دراسة مقارنة في مؤلفيه العظيمين " الأبوة البدائية " Primitive Paternuty و " أسطورة برسيوس " The Legend of Perseus. وعالج كرولي في كتبه " الوردة الصوفية " The Mystic Rose و " شجرة الحياة " The Tree of Life و " مثال الروح " The Idea of the Soul على التوالي الأصول البدائية للزواج، والدين وإحدى الفكر الفلسفية.
وأتم أعمال هؤلاء وبخاصة في حقل الدراسات الكلاسيكية ما يعرف بمدرسة كيمبردج (مع أن جلبرت مري من أكسفورد أحد قادتها وأثر فيها علماء آخرون من اكسفورد مثل تيلور ولانج تأثيراً بعيداً) . وتضم مري وف. م. كورنفورد وأ. ب. كوك وجين هاريسون وكل هؤلاء عالجوا في كتب تتداخل ويتمم واحدها الآخر القاعدة الشعائرية الكامنة وراء الفن والمسرحية والملحمة والدين والفلسفة عند اليونان؛ فأبرز مري أنواع الصراع الشعائري المختفية بتحليل مشابه في ميدان الكوميديا الإغريقية وتتبع الفلسفة الإغريقية
стр. 228
منذ بدأت تباشيرها في الشعائر الدينية. ودرس كوك (الرب؟ الملك) الإغريقي دراسة شاملة باعتباره شخصية شعائرية. وتتبعت الآنسة هاريسون في سلسلة من الكتب تبدأ سنة ١٨٨٢ أنموذجاً من الصراع الشعائري من خلال كل مظهر من مظاهر الفن والدين الإغريقيين على وجه التقريب.
وأهم هؤلاء الأربعة جميعاً في مجال الحديث عن الآنسة رورك. هي الآنسة جين هاريسون لأنها الوحيدة التي تعرفها رورك من بينهم (فقد اقتبست منها مرة في كتابها " روح الفكاهة الأميركية ") كما أن الآنسة هاريسون مثال ممتاز لما كان يمكن أن تبلغه الآنسة رورك لو أنها كانت أكثر إطلاعاً وأتيح لها مرتكز ثقافي آخر. وأهم كتب الآنسة هاريسون كتابها " تيمس " وهو دارسة قيمة بالغة " للأصول الاجتماعية في الدين الإغريقي " كما تنعكس في الدراما والشعر والفن المنظور بل وفي الألعاب الأولمبية. وهو يمثل إطلاعاً هائلاً وخيالاً خلاقاً. وثاني كتاب لها مشهور هو " الفن القديم والشعائر " وهو خلاصة موجزة ذات أسلوب شعبي يضم آراء لجماعة (جماعة كيمبردج) عن صلات القربى بين شعائر الخصب الإغريقية البدائية والإنتاج الأرقى المتمثل في المسرحيالت وفن النحت. وكلا الكتابين ككتب الآنسة رورك يحللان أشكال الفن على اساس من جذورها الشعبية. ويبرهنان بالوثائق على موروث شعبي حي يؤسس الفنان عليه فنه. غير أن إدراك الآنسة هاريسون أن الشعائر هي المحور (أو كما يقول كنث بيرك " إدراكها أن الدراما الشعائرية هي القرار المكين ") وتفوقها في الإطلاع وفي خصب الميدان الذي اختارت أن تجنى ثماره قد جعلا كتابيها أساساً في النقد الشعبي لا ككتب الآنسة رورك التي لم تعد أن تكون موحية، طافية على سطح الموضوع.
ولعل أهم المشتغلين في هذا المنهاج؟ دون أن تجمعهم رابطة؟ هم جسي وستون ولورد رجلان. أما الآنسة وستون فإنها متخصصة في حقل
стр. 229
القصص الرومانسية بالقرون الوسطى وبخاصة القصص التي تدور حول آرثر. فقد تأثرت فريزر ومري والآنسة هاريسون في مرحلة متأخرة بعض الشيء من تاريخ اتجاهها وقررت أن تطبق نظرتهم الشعائرية على أصول القصص الرومانسية. وكتابها " من الشعائر إلى القصص الرومانسية "؟ وهو كتاب بالغ التأثير بنى عليه اليوت قصيدته " اليباب "؟ شاهد على النجاح الذي أحرزته حين جعلت الأساطير الطسلمية أخيراً مفهومة على أساس من تكوينها في طقوس الخصب. وأما اللورد راجلان، وهو بارون انجليزي مستقل في بحثه جاف إلى حد ما، فقد كتب كتابين متصلين بالفولكلور " جريمة يوكاستا " Jocasta " s Crime و " البطل " (١) The Hero. والأول منهما دراسات في تحريم الزنا بالمحرمات وهو بالغ القيمة في صورته العامة وفي تحطيمه للنظريات الأخرى ولكنه تافه من حيث النظرية التي يقيمها راجلان نفسه في النهاية. والثاني من أهم الكتب المعاصرة التي لم تجد إقبالاً وتذوقاً وهو دراسة للأبطال التقليديين والشخصيات الدينية في حضارات شعوب مختلفة مثل: روبن هود وسيجفرد وآرثر وكوخولين وأوديب وروميولس وموسى وغيرهم (يتحاشى راجلان ذكر المسيح مع أن وروده في نماذجه أمر ممكن) ؟ وقد درس هؤلاء الأبطال كصور لأصل واحد هو الأنموذج البطولي الأعلى، فكتابه ليس تاريخياً ولكنه مأخوذ عن طريق الأسطورة من الدراما الشعائرية. وهذه هي طريقه جالتون الذي حدد أنموذج بطولة أعلى بتحديد اثنتين وعشرين صفة وجعل يقايس كل بطل إلى الصفات التي افترضها. (لقد قام الكتاب قبل ذلك ببعض هذه المهمة ومن بينهم الفرد نوت في كتابه " أساطير الكأس المقدسة " The Legends of The Holy Grail وأتور رانك في
стр. 230
كتابه " أسطورة ميلاد البطل " The Myth of the Birth of the Hero ولكنهم لم يبلغوا مثل هذا التوفيق) وهذا الكتاب؟ " البطل "؟ سليط استعلائي اللهجة، محرج للنفس غالباً ولكن محتوياته العامة رصينة قاطعة ثورية (هي متضمنة فيما أنتجه فريزر؟ هاريسون؟ وستون) حتى إنه لو لقي انتشاراً لقضى بمفرده على كثير من الهذيان الذي يحسبه الناس نقداً شعبياً.
ومما يقارن بهذا التتبع للنماذج الشعائرية الخفية مع أنحاء على الناحية الغبية، دراسة أقامها كولن ستل حول شكسبير في كتابه " مسرحية شكسبير الغبية؟ دراسة لمسرحية العاصفة " Shakespeare " s Mystery Play: A Study of The Tempest وراجعها مؤخراً بما اسماه " الموضوع اللازماني " The Timeless Theme ثم سار على خطاه ج. ولسون نايت في عدد من مؤلفاته. وآخر ورثي لهذه الطريقة هو جورج تومسون (أستاذ للإغريقية ومنتسب لكيمبردج سابقاً) الذي ضم. إليها الماركسية لينتج كتاباً متميزاً عنوانه " اسخيلوس وأثينا " Aeschylus and Athens وعنوانه الفرعي " دراسات في الأصول الاجتماعية للدراما ". وبالإضافة إلى استمداده الجم من " مدرسة كيمبردج "، نجده يفيد من حقل أوثق صلة بالعلم وهو الأنثروبولوجيا من النوع الذي يمثله مالنووسكي وباتسون. وأكبر مؤثر في إنتاجه هو كتاب " الوهم والحقيقة " Illusion and Reality الماركسي النزعة من تأليف كودول (وهو كتاب متأثر إلى حد ما بالنظرية الشعائرية) ومع أنه يقرأ دائماً اسخيلوس والدراما الإغريقية على ضوء الأصول الشعائرية (مع لمسات يوهميرية) فإنه ينص على الأصول الشعائرية نفسها من حيث أنها مظهر للعمل المنتج مع الوظيفة الرئيسية للسحر أو للتعاويذ أعني ما يجعل المحصولات تنمو. وهناك ناقد إنجليزي آخر اسمه ولتر ألن ومع أنه غير مهتم كثيراً بالشعائر فقد استغل الأسطورة استغلالاً لامعاً (مع المبادئ اللاهوتية) في دراسة الخيال القصصي عند أدباء مثل كافكا ومارلو وغراهام غرين وهنري
стр. 231
غرين في قطع حديثه نشرت في مجلات أو مجموعات.
وكل الذين تقدم ذكرهم دارسون ونقاد بريطانيون، ولا يوازي جهودهم في أميركة إلا جهد ضئيل. وربما كانت أهم طريقة شعبية مثيرة في هذه البلاد هي طريقة وليم تروي، وهو ناقد أدبي كامل التطور يعمل على أساس من الأساطير والشعائر، ولكن بما أن الاثنتي عشرة مقالة ومراجعة، أو نحوها؟ التي أبرز فيها أفكاره لم تجمع بعد في كتاب، فليس لإنتاجه ذلك الاعتبار الذي يستحقه؛ وقد حلل القصة الزولائية على قاعدة النموذج الأسطوري الأساسي لقصته أورفيوس ويورديكه وفسر لورنس بعرضه على نماذج دوره المفضل فرأى فيه الرب المحتضر أو الملك الضحية، وقرأ مؤلفات مان على أساس عدد من الأساطير الأساسية والطقوس ابتداء من الشعائر التقديسية التي تكمن في قصة " موت في البندقية " Death in Venice إلى الأسطورة الاجتماعية الراقية التي تتخلل قصصه عن يوسف، ورأى أبطال ستندال " حمالي خطايا " تكفيراً عن غيرهم (١) ومؤلفاته امتداداً شعائرياً للدراما الإغريقية. وقرأ بعض قصص هنري جيمس بمصطلح أسطورة جنة عدن وهبوط آدام، ورأى تطابقاً بين جانسي عند فترجرالد وبين أبطال القصص الطلسمية، وبين ستار وايقاروس؛ ووفق أكثر من أي ناقد معاصر آخر (إن كانت شهادة جويس تعني شيئاً) بوضع النماذج الأسطورية والشعائرية الكامنة وراء انتاج جويس، وبتحليل أهميتها. ومع أنه يسمي طريقته أسطورية، ويعتمد على فريزر بخاصة للنماذج الكبرى التي يراها قابعة في صميم المعنى الأدبي، فإنه يستمد كثيراً من ماركس وفرويد (ومن مواد أخرى تعد نسبياً عويصة مثل غلم الطبيعيات) . وطريقته بعامة تنتزع إلى
стр. 232
الكثرة، حتى ليكون من الأفضل أن نسميها " دانتية " (فربما كان تروي هو الناقد الحديث الوحيد الذي يلح على حاجتنا لإحياء مبدأ دانتي بأن المعنى له أربعة مناسيب) ومهما يكن سمها فهي في أميركة أقرب شيء إلى الأمجاد التي سجلتها جماعة كيمبردج بانجلترة إلا أنها في نطاق ضيق.
أما فرنسيس فرغسون، أهم ناقد أميركي يرتكز نقده حول الدراما، فقد نظر إلى الدراما من خلال النماذج القرابينية القديمة التي تصورها مأساة " أوديب الملك " لسوفوكليس. وقد جرب كذلك أن يقرأ شعراء وقصصيين مثل دانتي وجيمس ولورنس على الطريقة نفسها في قطع ينشرها في المجلات، ولما تجمع في كتاب شأنها في ذلك شأن مقالات تروي. وإذا استثنيت هذين الدارسين وجدت محاولة جادة قليلة في أميركة تنحو نحو النقد الشعبي في مجال الأدب الفني. لقد تأثر راندل جرل كثيراً بالأسطورة والشعائر في شعره ولكنه لم يستغلها في نقده الممتاز، إلا بين الحين والحين. ونجح جوزف كمبل وهو دارس وناقد للأدب الشعبي والميثولوجيا بعض النجاح (مع تبسيط مخل) Skeleton Key الذي كتبه مع هنري مورتون روبنصون. ومما يعرقل جهده في هذا الاتجاه استخفافه بالعوامل الشعائرية استخفافاً يحاول أن يحطم روابط الأسطورة بأرض الواقع، ويرسلها طائرة في الفضاء الرقيق؟ فضاء المتافيزيقيا واللاهوت المقارن أو ما هو أسوأ من ذلك. وأفادت ماري أوستن في عديد من كتبها بما أدته في مجالها الخاص حين تناولت العلاقة بين الأشكال والإيقاعات في الشعر الهندي الأميركي، وبين هذين الجانبين في الشعر الأميركي الحديث. وفي السنة أو النستين الماضيتين تدفق تيار فجائي من النقد الذي يهتم بالنماذج الأسطورية، بعضه؟ مثل " ادعوني إسماعيل " Call Me Ishmael لشارلس أولسون وكتب باركر تيلر عن الصور المتحركة؟ يستمد من علم التحليل النفسي فيصيب الحز فيما يفعله، وبعضه مشوش
стр. 233
أو سطحي كدراسات جيد وهنري ملر التي نشرها ولاس فولي بانجلترة، وقطع رتشارد تشيز في المجلات، وبعضه خليط من هذين مثل " أضغاث " Chimera. وهي مجموعة من أبحاث عن الأسطورة، ومن العسير أن نتكهن بمدى استمرار هذه الحركة أو إلى أي مدى تمثل نوعاً جديداً من معاداة النورانية أو تعكس اتجاهاً سارياً من انتحال الشعبية.
وإلى جانب خطر الإخلاد إلى التفاهة والعبث هنالك خطران أفدح في الموقف الفولكلوري وكلاهما قد تجنبتها الآنسة رورك بحسن ذوقها. ففي أحد الطرفين هناك خطر " انتحال الشعبية " أي الاستمداد من الشعب لإظهار الحذاقه أو اتخاذ الفضائل الرعوية التي قد يتميز بها أثر بدائي سوطاً ينصب على كاهل الأدب الشكلي. وأبرز مثل على هذا هو تلك العبارة التي تكاد لا تصدق في كتاب " ما الفن " لتولستوي (١) حيث يصرح بتفضيله تمثيلية صامتة عن صيد الغزلان بين قبيلة الفوجل (وهي في نظره عمل فني سليم) على هملت (وهي محاكاة كاذبة لعمل فني) . وفي الطرف الثاني تقع " شعبية " النازية أي غيبية الهلاس المتصل بالعرق والوطن، وخير أدب مشهور يمثلها هو مذهب لورنس في البدائي وإلحاحه على أن الفلاحين والهنود وشتى البدائيين يفكرون " بدمائهم " ويعرفون بقوة " بصائرهم ". وقد وضحت الآنسة رورك أنها على وعي بالأخطار القائمة في الطرف الأول حين ألمحت مدى الخلف بين الاستعمال المزيف لمادة تنتحل المظاهر الشعبية على يد غرانت وودن وبين الاستعمال الجاد للموروث الشعبي الرسمي على يد شيلر. ومع أنها لم تقل شيئاً صريحاً عن الخطر الثاني (وخاصة فيما يتعلق بهردر) فإنها قد هاجمت بذور هذا الخطر وسمته " تراجعاً " اجتماعياً.
وهناك نوع آخر من النقد وثيق الصلة بالنقد الشعبي وهو التاريخ الحضاري الذي يعالج الفولكلور والأسطورة بالمعنى الآخر لهذين المصطلحين، وهو ما
стр. 234
عناه ثورمان آرنولد حين جعل " فولكلور الرأسمالية " Folklore of Capitalism عنواناً لكتابه مشيراً إلى المعتقدات العامة الخاطئة التي تنزع الرأسمالية إلى أن تثبتها. ويمثل فرنون ل. بارنغتون وهو أحد القلائل الجادين نمن مؤرخي حضارتنا، مقارنة ممتعة لكونستانس رورك فيما كتبه عن كروكت من حيث الطريقة. فبينما هي تهتم في الدرجة الأولى بسحر الأساطير نفسيها، وتنبعث متحمسة لتنكر كل شهادة تظن أنها تنتقص منها، نرى أن محاولته هي أن يسوي أساطير كروكت بردها إلى مكوناتها ومهماتها السياسية. وفي تحليل آخذ بالفتور تدريجاً في كتابه " التيارات الكبرى في الفكر الأميركي " يعري البطل الخرافي حتى يبرز من ورائه كروكت الحقيقي: شخصاً مريضاً جاهلاً مغروراً خلق منه الماهرون من محرري الصحف المنتمين لحزب الأحرار رمزاً أميركياً حين كانوا يبحثون عن أي " دلول " يقاومون به زعامة جاكسون. واستغله حزب الأحرار طوال أن كان صالحاً لذلك ثم قذفوا به جانباً كالحصاة حين أنكر عليه الناخبون أبناء الغابات سجله الانتخابي الذي يشير إلى مساعدته الدائمة لمصالح المصارف الشرقية. ويظهر بانغتون كيف أن الأسطورة بنيت لبنة لبنة ويخمن بحذق عمن كان " شيطان الوحي " في كل كتاب، ويدل فيها على مواطن الدعاوة الدائمة ضد جاكسون التي استخفت وراء نوادرها الهزلية. وبالتالي يبرز كروكت وقد أخذ نفسه يصدق تلك الأساطير شأنه في ذلك شأن كثير من الأبطال الحقيقيين الذين تنسج الأساطير من حولهم.
أما الآنسة رورك فلم تزد على أن تؤكد، متحدية وزن البراهين كلها، أن كروركت هو نفسه الذي خلق الأساطير بشخصيته وحديثه الطلي الأصيل، أما حزب الأحرار " فربما زادوا إلى شهرته زخماً "، وأنه هو الذي كتب تلك الكتب جميعاً أو؟ على وجه التقريب؟ وأنه كان شخصاً ديموقراطياً شريفاً قاوم جاكسون لمصالح ناخبيه بشرف. وأصوب من هذا الاتجاه الذي
стр. 235
سارت فيه الآنسة رورك أن يؤخذ رأي بارنغتون عن المكونات السياسية التي جعلت من كروكت بطلاً شعبياً ثم تدرس الطريقة التي أصبح بها هذا الشخص المجتلب فيما بعد أسطورة شعبية أصيلة أو؟ على الأقل؟ أسطورة منقولة إلى المجالات الشعبية في " حوليات كروكت " Crocket Almanacs بعد موت كروكت نفسه. (ويبدو أن بارنغتون لم يسمع بهذه الحوليات أو لم يعرها اهتماماً وفيها يظهر كما تقول الآنسة رورك بحق " آثار قليلة من التحيز السياسي ") .
ومن صور هذا التاريخ الحضاري بأميركة ما هو أدنى من كل ما تقدم وتلك هي الصورة المتسلسلة للعقلية الشعبية الأميركية التي قدمها منكن في سلسلة عنوانها " محاباة " Prejudices، وفي عدد من الكتب الأخرى (تبدو فيها شهرة بريو مع توافه شؤون الطبخ على مستوى واحد من الأهمية من حيث هما مظهران حضاريان للعقد الثالث من هذا القرن) . كذلك فإن من صور هذا التاريخ الحضاري أيضاً كتاب " العهد الزاهي " Mauve Decade لتوماس بير ودراسات مارك هنا وستيفن كرين. ومن نماذجه النافعة المتخصصة ذلك المجال الذي اختطه مالكوم كولي أعني الجو الحضاري للأدباء في مقاليه " عودة المنفي " و " الجمهورية الجديدة " وهما قوائم تفصيلية؟ على طريقة منكن للكتب التي كان يقرأها الناس في أي سنة من السنوات، ونماذج مما كان يفكر فيه الأدباء أو يتحدثون عنه، وأحاديث عن الأثر الذي تركته في جيل أدبي أحداث مؤثرة مثل انتحار هارت كرين وهاري كروسي وفترة الانهيار الاقتصادي والبطالة.
٤
- ثمة بعض مظاهر أخرى من إنتاج كونستانس رورك في حتجة إلى بحث، أحدها: التعارض الغريب أو مسافة الخلف بين عناوينها الرئيسية والفرعية في كتبها الأولى. فمثلاً جعلت لكتابها " ممثلو الساحل الذهبي المتجولون "
стр. 236
عنواناً فرعياً هو " أو ارتفاع نجم لوتا كرابتري " والكتاب في حقيقته أصغر من العنوان الأول وأكبر من الثاني بقسط وافر. وكتابها " روح الفكاهة الأميركية " عنوانه الفرعي " دراسة للشخصية الأميركية " وهو يناسب العنوان الفرعي أكثر من العنوان الأصلي لأن ما يتعلق منه بروح الفكاهة قليل جداً (إلا أن تكون كلمة Humor مستعملة بالمعنى الآخر الذي يستعمله بن جونسون أي " الطبع " وإذا كان العنوان تورية لا شعورية فإنه منطبق على موضوع الكتاب خير انطباق. غير أنها لو جعلت العنوان " المزاج الأميركي " أو " الأخلاط الأميركية " لكان ذلك أدق) . ولم يتحد العنوان الأصلي والفرعي فكيفا عن هذا التضارب إلا في كتابها " شارلس شيلر " وعنوانه الفرعي " فنان بمقتضى الموروث الأميركي " كذلك فإنه أول كتاب لها توجد فيه صلات قربى متينة بين الفنان الفرد والصورة الأميركية الكبرى.
ولا مشاحة في أن إنتاج الآنسة رورك كان محدوداً، فقد كان ينقصها علم جين هاريسون واتخاذها الدراما الشعائرية محوراً لبحثها، كما كان ينقصها تمرس راجلان بمادته الواسعة، والقدر المتشعبة المتكاملة عند كل من تومسون وتروي، ومعرفة ماري أوستن بالأمم البدائية نسبياً أو " بالشعب الحقيقي "، بل كانت تنقصها العقلية الركينة الأصيلة التي وهبها بارنغتون. وقد بدأت عملها بالمعوقات المحبطات ومنها: فكرة ترى أن الفولكلور لون محلي وذكريات عاطفية عن المسرح؛ ثم مجال غفل منوط بجهلةٍ تخصصوا في القيثارة والقبعة الواسعة؛ وبلد يفتقر موروثه الشعبي الصحيح إلى كل انسجام إذ يتألف من بقايا هندية وزنجية وواردات أوروبية، وكلها قد عدلت تعديلاً يقعد دونه التمييز لكي تناسب قرائن الأحوال الجديدة. وعلى الرغم من هذه المعوقات المحبطات يمثل عملها تطوراً مطمئناً نحو نقد ذي بال. فقد كشف عن مهمته التحليلية والتركيبية في كتابعها " روح الفكاهة الأميركية "
стр. 237
وعن صلات القرابة بين الشعب والأدب الفني وبنى موروثاً من المضمون الشعبي " المنتحل " في كتابيها كروكت وأدبون، وأبان أن الموروث في الشكل أكثر مما هو في المحتوى في كتابها شيلر وأن منهاجها الصحيح هو التحليل الشعبي للفن الشكلي. وتحقيق من أن الموروث الشعبي الأميركي تجريدي وفيه عناصر شعائرية أصيلة في كتابها الذي لم يكمل " تاريخ الثقافة الأميركية "، وعلى تلك القاعدة أدى أهم وظائفه في التحليل والتركيب (تناول بالتحليل الجذور الهندية في الدراما الأميركية وتناول بالتركيب الموروث الذي وجدته في استعراضات المنشدين الهزليين وأعادت بناءه من أجل أدب زنجي) .
وربما كانت صلتها بفان ويك بروكس تستحق أن تذكر هنا؛ فهي لم تقتبس اقتباساً من كتبه إلا من كتابه " حج هنري جيمس " في فصل عقدته لهذا القصصي في كتابها " روح الفكاهة الأميركية " فأخذت بعض أحكامه العارضة بالقبول، وحطمت استنتاجه الأساسي وهو: أن جيمس نشق عن الموروث الأميركي حين تعلق بالمناظر العالمية، أي تشوف إلى إناء كبير ولم يقنع " بسمنه في أديمه ". ولقد هاجمت بروكس بطريقة غير مباشرة في حديثها عن مارك توين في " روح الفكاهة الأميركية ". (بقولها: من الخطأ أن يتطلع الدارس في مارك توين إلى ناقد اجتماعي حتى ولو كان ناقداً ضئيلاً) . وهاجمت في كتابها " شارلس شيلر " بياناته التي أصدرها في مجلة " الحر " Freeman بشيء من الإسهاب لأنه دعا إلى خلق مدرسة من الفنانين الأميركيين خلقاً آلياً بدلاً من أن يدعو إلى حرية استعمال المواد الأميركية الناشئة عن محض الحاجات والمواقف المحسوسة. بل إن كتاب " جذور الثقافة الأميركية " الذي جمعه بروكس وصدره بمقدمة
стр. 238
تبجيلية احتفظ فيها لنفسه بحقوق الطبع، يحتوي في المقال الذي أضفى عنوانه على الكتاب هجوماً حاداً على صميم موقف بروكس (دون أن تسميه) ، أي على ما وسمه دي فوتو باسم " المغالطة الأدبية "، وذلك حين قالت: " إن الفكرة المستحكمة في الأذهان بأن ثقافتنا أدبية، أو أي فكرة مشابهة نحملها سلفاً، قد تنحرف بأحكامنا عن الجادة " ومن الناحية الأخرى تعلم منها بروكس دون ريب. ومن المحتمل أن التقرير الذي أثار تعليقات كثيرة في الطبعة الأول من كتابه " محنة مارك توين " ومؤاده أنه ليس لأميركة فنها الشعبي؟ من المحتمل أن هذا اختفى بعد أن اطلع بروكس على مؤلفات الآنسة رورك، وأنه تعويضاً عن موقفه السابق، قد حشد في المجلدات الحديثة عن التاريخ الأدبي قطعاً كبيرة من المادة الشعبيةن وبعضها منتزع من كتب الآنسة رورك وليس فيها نقل واحد معزواً إلى مصدره.
إن كثيراً من طريقة الآنسة رورك في تناولها الخاص للأمور وكثيراً من مميزاتها ليتمثل بالصراع الأساسي بينها وبين بروكس حول هنري جيمس؛ ذلك لأنها في جهادها لتخلق موروثاً أميركياً صلباً صالحاً للاستعمال شعرت أن التخلي عن جيمس وإسلامه " للأعداء " أمر سخيف، ولذلك جاهدت بحمية لكي تعيده إلى حظيرته. والفكرة التي يدور عليها فصلها عن جيمس في كتاب " روح الفكاهة الأميركية " هي أن جيمس، كما ذكر هاولز، واقف منه يوم أن تغرب عن وطنه ووجه اهتمامه إلى الأحداث العالمية.
وبالجملة لم تكن الآنسة رورك فحسب المستخصلة للأصول والجذور الشعبية في الفن الشكلي، والمكونة لموروث شعبي حي يستعمله فنانو المستقبل، والمعلمة للنقاد الإقليميين مثل فان ويك بروكس بروكس، والمنبهة إلى أشخاص مغمورين ومظاهر حضارية في ماضينا لم تدرك على وجهها الصحيح مثل
стр. 239
أدبون وفولتير كومب واستعراض المنشدين الهزليين وهوراس غريلي؟ لم تكن كل ذلك فحسب بل كانت أيضاً محبة لوطنها بمعنى أعمق وأوسع معرفة من المعنى الذي يفهم به الديمقراطية والوطنية " الفشارون " ومعدمو الكتب. وما ذلك إلا لأن جذورها الشعبية كانت أصيلة جوهرية.
стр. 240
الفصل السادس
مود بوركين والنقد النفسي
تتميز مود بودكين في أنها حققت ما لعله أن يكون خير استغلال للتحليل النفسي في مجال النقد الأدبي حتى اليوم. فقد نشرت كتابها " النماذج العليا في الشعر " Archetypal Patterns in Poetry؟ وعنوانه الفرعي " دراسات نفسية للخيال " في اكسفورد سنة ١٩٣٤، فلم يكد يسترعي اهتمام أحد. نعم، روجع عدد قليل من المجلات، وحاز على شيء من التعليقات المتحمسة في الصحف التي تختص بالفولكلور وعلم النفس، وعاملته الصحف الأدبية بشيء من الاستعلاء، ولم يكن له تأثير ملموس في ما قرأته من نقد إنجليزي (مع أن نايت وداي لويس وأودن قد اعترفوا به، وهاجمه ليفز في مجلة Scrutiny) . أما في هذه البلاد (أميركة) ، فتكاد الآنسة بودكين تكون مجهولة تماماً. فلست أعرف مجلة أميركية واحدة راجعت كتابها أو تحدثت عنه (على أن بعض النقاد ومن بينهم بيرك وورن قد استكشفوا كتابها وأفادوا منه) ولا يندرج اسمها في أي مرجع أميركي وإنجليزي وقع في يدي بما في ذلك معجم " من هو " Who is Who ويبدو أنها لم تنشر شيئاً حتى قيام الحرب في أي مجلة إلا في مجلة " فكر " Mind و " الصحيفة الإنجليزية لعلم النفس " British Journal of Psychology (وفي " الصحيفة
стр. 241
الإنجليزية لعلم النفس الطبي " Brit. Jour. Of Medical Psych، إن كانت هي نفسها أ. م. بودكين التي تقتبس عنها في إحدى الحواشي) ، ثم أسهمت بمقال في مجلة الريح والمطر Wind and the Rain وهي مجلة إنجليزية حديثة ذات منحى ديني أخلاقي.
وثمة عدد من الأسباب يفسر لم ظلت الآنسة بودكين مغمورة، أولها: أنها بست محللة نفسية محترفة، بحيث تمنح كتابها شيئاً من نفوذ العالم المتخصص، ولا هي فيما يبدو ناقدة محترفة كذلك، ولكنها، على ما يظهر، تلميذة تهوى الأدب (وكانت ذات يوم تقرأ لأحد الناشرين) ، اتفق أن كان لها تعرف واسع بكل من علم النفس والأدب الخالق، ولديها إحساس أدبي أصيل، وحس بالتناسب، وذوق بجنبها التطرف المعهود في النقد المتصل بالتحليل النفسي. وقد بدأت رغبتها في الجوانب الأدبية من التحليل النفسي، فيما نمي إليّ، في منتصف العمر، فاستمعت إلى مجموعة من المحاضرات يلقيها الدكتور كارل. ج. يونج في زوريخ، على طلبة غير مختصين، في العقد الثالث من هذا القرن، عن نظرياته النفسية ومشتملاتها. ولذلك اعتمد كتابها في المقام الأول على نظريات يونج وكشوفه، وإن كانت الفكرة التطبيقية في الكتاب من صنع يدها، وربما لم يكن يونج على معرفة بكتابها، أتراه لو عرفه أقر ما فيه أو أنكره؟ ذلك موطن للتساؤل.
وأنا لست أجد الكفاءة في نفسي لأشرح أفكار الدكتور يونج (أو أي عالم نفسي آخر) شرحاً فنياً، ولكن في سبيل تقدير ما أدته الآنسة بودكين لابد من مجمل لتلك الأفكار التي تتصل بالفن. وفي طليعتها من الزاوية الأدبية، فكرة " النماذج العليا "، وقد عرفها يونج تعريفاً شاملاً في مقال له بعنوان " في العلاقة بين التحليل النفسي والفن الشعري " نشره في كتابه " إسهامات في علم النفس التحليلي " Contributions to Analytical Psych. وهي حسب تعريفه صور ابتدائية لا شعورية أو " رواسب نفسية لتجارب
стр. 242
ابتدائية لا شعورية، لا تحصى " شارك فيها الأسلاف في عصور يدائية، وقد ورثت في أنسجة الدماغ، بطريقة ما؛ فهي؟ إذن؟ نماذج أساسية قديمة لتجربة إنسانية مركزية؛ أما نظرية يونج التي كرست الآنسة بودكين كتابها لاستقصائها بحثاً، فهي أن هذه النماذج العليا تقع في جذور كل شعر (أو كل فن آخر) ذي ميزة عاطفية خاصة.
ويرى يونج أن هذه النماذج العليا موجودة في كل حلقات سلسلة النقل؟ أو التعبير؟ كتصورات في اللاوعي عند الشاعر، وكموضوعات مترددة أو سلاسل من الصور في الشعر؟ وكتصورات في اللاوعي عند القارئ أو عند الجمهور. وهذا مبني على فكرته عن " اللاوعي الجماعي " الذي يختزن الماضي الجنسي وهو الذيولد الأبطال الأسطوريين للبدائيين، ولا يزال يولد أخيلة فردية مشابهة للرجل المتمدن، وهو الذي يجد تعبيره الأكبر في رمزية تتجاوز حدود الزمان غير أنها مألوفة نسبياً، وهي رمزية ما تزال تتكرر أبداً. (لابد من أن يتضح للقارئ مدى اقتراب هذه الفكرة من النظريات الدورية في التاريخ كنظرية فيكو، ومدى اقترابها أيضاً من التعديل الذي أدخله شتكل Stekel على نظرية فرويد في رمزية الحلم الحرة التجريبية لكي يسند الرمزية الثابتة في كتاب له يصور حلم الغجر، وكم تبدو خلابة هذه النظرية، في نظر أديب مثل جويس تأثر بفيكو وكان يفتش عن سيكولوجية يستعملها ليخلق " القاسم المشترك الأعظم " بين الناس جميعاً) .
ويقول يونج إن الفنان والمريض عصبياً يعيدان بتفصيل، الأسطاير المستمدة من التجارب الشعائرية عند الإنسان البدائي، أحياناً عن وعي، وأحياناً من خلال عملية " حلمية ". غير أن الفنان مع هذا ليس امرءاً مريض في أعصابه. بل إن يونج يعلي من شأن الشاعر عرضاً، في مقالته " السيكولوجيا والشعر " التي نشرت في مجلة " فترة الانتقال " حين يقول إنه " إنسان
стр. 243
جماعي، إنه الحامل المشكل للنفس الإنسانية الحيوية لا شعورياً ". ومع هذه الفكرة تتمشى فكرة أخرى؛ وهي أن الفن في الجملة " فعالية مستقلة ذاتياً " Autonomous Complex لا نعرف عن أصلها شيئاً، أي هو تعبير يعيا على براعة العلم تفسيره، وكل ما يستطيعه التحليل النفسي أن يدرس المقدمات، ويصف عملية الخلق وصفاً، دون أن يفسرها. (١)
وهناك مبادئ يونجية أخرى أقل قيمة من هذه في مؤلف الآنسة بودكين وفي النقد الأدبي عامة مثل: مبدأه في اللبيدو وهو ما خالف به فرويد منذ البدء إذ اعتبر اللبيدو " طاقة غريزية نفسية بعامة " أي " دفقة حيوية " كما يقول برغسون لا " طاقة غريزية " فحسب، ومثل نموذجي الشخصية عنده، وهما: الشخصية " الانطوائية " و " الانبساطية " على أنهما يمثلان الاتجاه الداخلي أو الخارجي للبيدو، واصطلاحاته الأخرى مثل Anima ويعني بها الصورة المثالية أو صورة النفس و Persona وهي الشخصية الخارجية المكملة. إذن فليس يهم التحليل الأدبي من مبادئه إلا مبدأ اللاوعي الجماعي، والنماذج العليا، وذلك هو ما أدركته الآنسة بودكين.
ويبدو أن مبادئ يونج في علم النفس التحليلي أكثر جدوى على النقد الأدبي من مبادئ فرويد، من عدة وجوه. وقد تحدثت الآنسة بودكين عن فائدتين لها حسبما رأتهما، فقالت:
إن مصطلح فرويد لا يستطيع أن ينصفه (أي التفاعل بين فكر الفرد والموروث الاجتماعي في القصيدة) ذلك لأن المسلمات التي يعمل على ضوئها، تقضي بأن تفسر أعلى النتائج وأدناها في عملية الحياة، بمصطلح العناصر التي كانت موجودة في البدء. كذلك فإن إلحاح الكتاب الفرويديين
стр. 244
على العلاقة الحسية بين الأب والابن يغفل وجهه نظر أخرى لا تقل عنها صحة ومتانة أعني أن سحر الأب في نظر الابن وتأثيره البالغ فيه إنما يرجعان إلى ان الأب يمثل الرافد الأول في ذلك التأثير الواسع للهيئة الاجتماعي نفسها ولرصيدها المخزون.
ولعل أهم ميزة لمبادئ يونج على مبادئ فرويد في مجال النقد الأدبي، هي أن فرويد، على خلاف يونج، كان ينزع؟ حيناً ما؟ إلى أن يعتبر الفن تعبيراً مرضياً، أي أنه على وجه الدقة نتاج مرحلة نرجسية من مراحل التطور، أي تحقيق وهمي للرغبات، أي رضى معوض ناشئ عن توقان منهوم، لم يجد شبعه في عالم الحقيقة. وقد كتب عن " الجمال " في " المدنية وما يعلق بها من تبرم "، Civilization and its Discontents يقول: " إن ما يبدو أكيداً في حال الجمال هو أنه مستمد من عوالم الحس الجنسي، فحب الجمال مثل تام كامل على شعور ذي غايات مكبوتة "، وليس من هذا إقراره بأن التحليل النفسي " لا يستطيع أن يقول عن الجمال إلا شيئاً أقل مما يقوله عن غيره من الأشياء ".
ومع ذلك فإن فرويد، لا أي واحد من تلامذته الذين انشقوا عنه، هو الذي قد طبع أثره البالغ على كل أديب وناقد حديث، على وجه التقريب. وإذا استثنينا اصطلاح " مركب النقص " الذي ابتكره أدلر؟ وهو اصطلاح قد عم وطم؟ لم نجد نسبياً لهذا العالم النفسي إلا أثراً أدبياً قليلاً. (ولكن لابد من أن نقر بأنه تكاد كل القصص التي تتعلق " بالأنا " أو دوافع القوة أو التعويض ابتداءً من " جاتسبي العظيم " (١) The Great Gatsby حتى " ما الذي يجعل سامي يجري " What Makes Sammy Run؟ تكاد كلها أن تكون اغترفت؟ لا شعورياً؟ شيئاً من سيكولوجية أدلر الفردية) (٢)
стр. 245
وليس ليونج؟ خارج زوريخ حيث وقع جويس بعض الشيء تحت تأثيره؟ إلا أتباع قليلون في الاتجاه الأدبي ومنهم بينهم يوجين جولاس، وجماعة " فترة الانتقال " بباريس؟ لفترة قصيرة من الزمن؟ وجماعة من الشعراء والنقاد الاشتراكيين الذين يلتفون حول جيمس اوبنهايم في هذا البلد (١) . أما شتكل ورانك وغيرهم من المنشقين على فرويد فقد كان أثرهم ضئيلاً خارج الحقول التي يعملون فيها.
إن الطبيعة الجماعية التقريرية لسيكولوجية يونج هي أعظم شيء فائدة للنقد الأدبي ولكنها أيضاً تتضمن أعظم الأخطار عليه أعني ما فيها من ميل لإعلاء شأن اللاعقلانية والتصوف و " ذاكرة الجنس " أي تلك الأشياء التي جعلت يونج جذاباً لدى المفكرين النازيين والفاشيين. وقد تجنبت الآنسة بودكين هذه الهوة في أفكار يونج، ولكنها ف مرة واحدة في كتابها؟ على الأقل؟ تدعو إلى المضي في المحاولة لفهم النماذج السيكولوجية الكامنة " بطريق الشعور لا بطريق الفكر " وفي هذا ما قد يلمح؟ ولو في شيء من الغموض؟ إلى إعلاء شأن اللاعقلانية التي حببت يونج إلى الفريق المؤمن بتميز الثرى الدم. أما في أكثر من اعتمادها على الجوانب المتافيزيقية الصوفية عنده. ومن الأمور ذات المغزى أن تصدر كتابها بعبارة من
стр. 246
عبارات يونج في أشد أحواله تواضعاً وأقلها إثارة للناس حيث يقول:
" لقد أعانني النقد الفلسفي على أن أرى أن لكل سيكولوجيا؟ بما في ذلك مذهبي أنا نفسي؟ طابعاً اعترافياً ذاتياً ... وبقبول هذه الحقيقة التي لا محيص عنها أستطيع أن أخدم قضية معرفة الإنسان للإنسان ".
٢
- إن كتاب " النماذج العليا في الشعر " من الكتب القلائل التي يتلازم فيها العنوان والموضوع لأنه يتحدث فحسب عن النماذج العليا في الشعر. ويتألف الكتاب من ستة فصول يثير الأول منها مشكلة النماذج العليا، كما تمثلها الروايات التراجيدية، ويتناول كشف إرنست جونز لعقدة أوديب في هاملت. ثم تعالج الفصول الخمسة الأخرى الموضوعات الآتية على التوالي: أنموذج الولادة الجديدة في قصيدة " الملامح القديم "، أنموذج الجنة والنار عند كولردج وملتن ودانتي، نساء يعتبرن نماذج عليا في الشعر، الشيطان والبطل والله نماذج عليا، بعض النماذج العليا في الأدب المعاصر. وينقسم كتابها منهجياً في قسمين: الأول: الكشف المسهب عن الأنموذج الأعلى في العمل الفني الواحد مثل الولادة الجديدة في " الملاح القديم " والثاني مقارنة أنواع من الأنموذج الأعلى في عدد من الأعمال الفنية كالفصل عن النماذج العليا من النساء عند عظماء الشعراء. وكلا المنهجين يستحقان الفحص.
تبدأ الآنسة بودكين في " الملاح القديم " بأن تلحظ العبارات التي تصف هدأة السفينة ثم حركتها العجيبة أخيراً وتجد أن هاتين الظاهرتين؟ أي لهدأة والحركة؟ يقدمان لنا مشكلة الموت والولادة الجديدة، رامزتين رمزاً محدداً، إلى تجربة كولردج الشعرية كيف كانت جهداً ذهنياً ضائعاً تلاه فجأة إلهام خالق. وتعتمد في هذا التفسير على تداعي أفكارها وذكرياتها التي أوحت بها الأبيات ثم عللا ما لديها من آثار كولردج نفسه، مما يشير
стр. 247
إلى تداعي الأفكار عنده وأخيراً على الروابط العامة، التي توضحها اقتباساتها من التوراة، بين هبوب الريح وانتعاش الروح الإنسانية. ثم تمضي الآنسة بودكين لتلقي نظرة على ذروة القصيدة أي حين يتحدث الشاعر عن بركات الأفعاي وما نتج عنها، وتعلق هذا بالأسطورة الأنموذجية التي عند يونج وهي " الرحلة الليلية تحت ماء البحر " كما تصورها قصته " ذي النون " (١) وهي أساس شعيرة الولادة الجديدة وتدور حول فكرة الخطيئة والتكفير. وهنا تشمل طريقتها أيضاً مرة أخرى خواطرها المتداعية وأحلامها، وما كشفه لويس Lowes من مصادر كولردج، وتحليل بدوران لصور مماثلة عند فرهايرن، كما تشمل المأزق الذي وقع فيه هملت، ونماذج أخرى من " الجواب الذي يلاحقه شبح الخطيئة " مثل قابيل واليهودي التائه، والمشكلة العامة التي تتمثل في تشهي الموت والعودة إلى ارحم، كما تنعكس في الأحلام والشعر ونظرية التحليل النفسي. وحين ينتهي بها المطاف يكون عملها غير قاصر على استغلال القصيدة لوضح بها الأنموذج الأعلى، بل هي قد جعلت الأنموذج يلقي أضواءه على القصيدة وأثرها، ويضعها في مصاف الشعر العظيم، ويعلي من درجة المتعة فيها، ويبعثها حيةً فيها إلى درجة كبيرة.
ويعمل نهجها المقارن على نحو مشابه ففي الفصل الذي عقدته للحديث عن الصورة الأنموذجية العليا للمرأة وقفت عند ربة الشعر الأم في " الفردوس المفقود " وربطت بينها وبين الربات؟ الأمهات عند هوميرس، ووجدت في هذه هؤلاء ما ينطبق على الزوجة؟ الأم؟ التي تنوح على تموز وغيره من الآلهة الذبيحة التي ترمز إلى الخصب والنماء. ثم نتناول التوازن الغامض الذي يخلق حواء عند ملتن من شخصية بيرسيفوني رمز الشباب الذي قدرت
стр. 248
له نهاية محزنة، ومن شخصية دليلة رمز الخداع. ثم تجد ذلك الغموض عينه يكتنف فيدرا رمز الخادعة المخدوعة عند يوربيدس، وتلحظ كيف يبلغ هذان الأنموذجان مرتبة المثال في شخصية بياترس؟ صورة الأم؟ عند دانتي بكل ما فيهما من عناصر أرضية تتكون منها هيلانة وديدون وكليوبترا وفرنشسكا (والأخيرة منهن بخاصة) . وتنبه إلى أن التنوع في نماذج فرجيل بين يورديك وديدون يحمل في كل حال؟ حملاً غامضاً؟ كلاً من عناصر بياتريس وفرنشسكا، وتنتهي من هذا إلى أن ترى في هذه العناصر مراحل في التطور الروائي لشخصية غرتشن عند غوته، أي فرنشسكا حين تصبح بياتريس. وحين تعالج الآنسة بودكين ما بين هذه الشخصيات النسوية من ارتباطات متداخلة متنقلة، تحلل مظاهرهن الموقوتة بزمان معين وكيف كان ينظر إليهن في العصور التاريخية المختلفة التي شهدها كل شاعر من أولئك، كما تحلل مظهرهن الأنموذجي اللازمني في الخيال الشعري، خلال العصور مجتمعةً.
وحين تعود الآنسة بودكين إلى الأدب المعاصر فتكشف عن أنموذج الولادة الجديدة فيه ممثلاً بتعارض المصطلح الجسماني والروحاني في مثل " الأفعى المريشة " The Plumed Serpent للورنس و " الينبوع " The Fountain لشارلس مورغان، وشخص الشاعر الأنموذجي في صورة أب ممثلاً في " أورلاندو " Orlando لفرجينيا ولف، والنتف الحلمية المتتابعة من شعائر الولادة الجديدة في " اليباب " لاليوت؟ عندما تفعل ذلك تقرر، عن سابق تصميم فيما يبدو، أن هذه النماذج لا تتردد في الشعر العظيم المنتسب إلى الماضي فحسب ولكنها هي القوة المشكلة التي تنتظم أي عمل فني قمين بالاعتبار حتى يومنا هذا.
وتجيب الآنسة بودكين، شاءت أم أبت، على كيفية انتقال هذه النماذج حين تلحظ دوامها واستمرارها. فإن كانت هذه النماذج كما يزعم يونج
стр. 249
(مقتفياً خطى فرويد) تجارب بدائية تنطبع في نسيج الدماغ على نحو ما، فإذن لابد من أن نؤمن بأن بعض الخصائص المكتسبة تورث، وأن نظرية فايسمان (١) العظيمة، عن استمرار البلازما الجرثومية لابد من أن تتحطم (لا تتخلق البلازما الجرثومية أبداً من البلازما الجسمية ومن ثم لا تستطيع أن تحدث ما لها من تغيرات تجريبية) . لقد كان فرويد على استعداد ليتقبل مسؤولية هذه الفكرة وحتى سنة ١٩٣٩ وفي كتابه " موسى والواحدانية " أكد إيمانه بوراثة الخصائص المكتسبة على الرغم من نظريات علم البيولوجيا المعاصر. وأما إن كانت هذه النماذج العليا، من الناحية الأخرى، تورث، كما يعتقد كثير من النفسيين المعاصرين، في البيئة الثقافية لا في العضوية الحسية، وأنها تستعاد في كل جيل خلال تجارب طفولية مشابهة، فإنها من م قد تتغير جذرياً بين مجتمع وآخر وبين جيل وجيل وطفل وطفل وتنتحل في كل مرة تجارب مغايرة جذرياً. (مثال ذلك أن مالينووسكي لم يجد عقدة أوديب في شكل أمومي بين سكان أرخبيل التروبرياند الأمويين) (٢) . وتحاول الآنسة بودكين في موقفها من هذه المشكلة أن تتركها محط أخذ ورد وتلمح إلى تحفظاتها هي نحو موقف يونج في الصفحات الأولى من كتابها، فتقول:
стр. 250
منطوق نظرية يونج يصرح مؤكداً أن هذه النماذج ... " تورث في أنسجة الدماغ ". ولكن ليس لدينا هنا أي برهان على هذا التقرير. أما يونج نفسه فيعتقد أنه وجد البرهان على الانبعاث التلقائي لهذه النماذج القديمة في الأحلام والأوهام عند أفراد لم يجدوا طريقهم إلى المادة الثقافية التي تنسجم فيها هذه النماذج. غير أنه من العسير تقويم هذا البرهان وبخاصة إذا تذكرنا أن كثيراً من المادة القديمة يتشكل وينبعث بصورة مدهشة في حالات الغيبوبة فإذا رددته إلى أصوله وجدته انطباعات حسية حدثت في حياة هذا الفرد أو ذاك ثم نسيها.
وما إن بلغت في كتابها الصفحة السابعة والخمسين بعد المائتين حتى أنسيت هذه التحفظات، فارتضت لنفسها أن تقول: " لا ريب في أن هناك عاملين: عامل موروث وآخر مكتسب " موجودين في الذات العليا، أما الأول منهما فهو " موروث القبيلة طوال الماضي العرقي ".
ولقد برئت الآنسة بودكين من تطرف النقد المتصل بالتحليل النفسي بما لديها من يقظة دائمة حالت دون مغالاتها في تقدير العوامل السيكولوجية في الشعر، فهي تقول:
ينتقض تذوقنا لجمال الشعر ويفسد، إن نحن غالينا في النص على هذه الأصداء النفسية العضوية حتى نحسبها أوغل في الحقيقة من سائر العناصر التي تمتزج بها في الفكر الناضج، كأنما تلك العناصر الأخرى التي تؤدي دوراً هاماً في الاستجابة الحقيقية للشعر، ليست إلا تبريراً أو قناعاً لتلك العناصر البدائية القليلة التي تعرف إليها المحلل النفساني منذ عهد قريب. فهي ترى أن العناصر السيكولوجية ليس لها إلا دخل جزئي في الأثر الشعري، وفي دفاع لها عن المنهج السيكولوجي، ألحقته بكتابها وجعلت عنوانه " النقد النفسي والتقاليد الروائية " (١) ردت على ما يبديه إ. إ. ستول