Полный текст (50 стр.). Показаны 36–50 · переход к 41.
стр. 36
الطرِب فلم يتمالك أن تملص من در اعته، وحكَّم المغني في جائزته، فطلب أن يُقطعه عين مروانَ بالمدينة، ثم لم يتخل عن ذلك الطلب إلا بعد أن أطلق الهادي يده في بيت مال الخاصة فكانت الفدية خمسين ألف دينار! ٨٤/٥ أ-١٨٥. ومثل هذا السفه هو المرتكز الأساسي في مرويات الأصفهاني، وحسبك من ذلك الخبرُ الذي يريك الخليفة وقد طاش وعيه من السكر والانتشاء إذ سمع لحنا غناه به إبراهيم فلم يجد ما يكافئه عليه بأقل من (الهنيء والمريء) وهما ضيعتان مشهورتان من أعمال الرقة وتُسقيان من الفرات. يقول المغني إبراهيم: (فلما أصبحت عُوّضتُ عنهما مئتي ألف درهم- أي اثنين وعشرين ألف دينار- مقابل غنائه ليلة واحدة، ولعله لم يزد عن بيت واحد ٠٠/ ١٦٦.
وسواء صحت هذه الأخبار المحيرة أم ضعفت فمما لا يتسع للخلاف أنها تعكس واقعا له جذوره، التي نمت وتفرعت حتى تركت طابعها على الكثير من جوانب ذلك المجتمع المتناقض..
ولعل القارئ لم ينس بعد خبر ذلك العائل الفقير الذي هجر مكة وفيها زوجه تنتحب لفراقه، ليكدح في جدة طلبا للرزق، وقد سرت عدوى الغناء إلى قلبه فلا يتمالك أن يتسلى بترجيعه ابتغاء التخفيف من أعبائه.. ولهذا القارئ أن يضيف الآن إلى ذلك المشهد خبر ذلك النبطي الفلاح الذي ارتضاه إبراهيم وابنه إسحاق حكما بينهما في أيهما أفضل غناء من الآخر، فأصغى الفلاح إلى كل من المغنيين على حدة ثم أصدر حكمه للوالد على ابنه، فلم يستطع هذا اعتراضا ورضى من الغنيمة بلطمة من أبيه يقول انه لم يمربه مثلها ١٩٩- ٢٥٥.
ولا غرو فالناس دائما على دين ملوكهم، وفي القانون الإلهي الذي نقرؤه في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ الإسراء/ ١٦ نجد مصداق ذلك. لأن من معاني (امرنا مترفيها) أكثرناهم حتى غلبت طرائقهم على مجتمعهم ففسد تركيبه ففقد صلاحية الحياة فصار إلى الدمار.. وهو القانون الذي مضى حكمه في الأندلس ثم في الدول الإسلامية كلها فكانت ولا تزال عبرة المعتبرين!!.
ومن هنا كان ذكر المترفين في كتاب الله مقروناً أبداً بالذم والتسفيه.. وكان انتصار
стр. 37
العقلِ على أهواء النفس هو سبيل المؤمنين إلى جنة المأوى، لأن في التشبث بضوابط الإيمان العصمةَ الواقية من الزلل فالخلل، ولا جرم أن المجتمع الإسلامي في ظل تلك الانحرافات الفوقية قد فقد الكثير من عواصمه، حتى لاستغرب أن نقرأ في كتاب يعتبره (الكبار) أحد مراجع الأدب الكبرى مثل تلك المقطعات القذرةَ من شعر دنيء يسميه المؤلف (يوسف بن الصيقل) وفيها دعوة صريحة للفارغين تزين لهم ممارسة اللواط وإيثاره، ولا يكتفي الأصفهاني بذلك حتى يعقد بين هذا الصيقل وبين الرشيد علاقة مودة تدفعه إلى الترحيب ومرافقته ومنادمته ثم إجازته! ٢٣/٠٢١٩
стр. 38
حتى ناصر السنة لم ينج من إفكه
ويمتد تضليل الأصفهاني حتى يطل بنا على مجلس المتوكل الذي عُرف بنصره السنة فإذا هو- بزعم هذا المضلل- من الطراز نفسه الذي استحوذ عليه المجون والمنافقون.. ومن صور التبذير التي يرسمها للمتوكل ما ينسبه إلى الشاعر مروان بن أبي حفصة الأصغر إذ يقوله إنه مدح المتوكل بأبيات فأجازه عليها بمئة ألف درهم وخمسين ثوبا من خاص ثيابه!.
ويستقبل المتوكل خالدا لكاتب فيعاتبه على انقطاعه، ثم يأمر له بثلاثة أقداح مُلزِمة، فلا يعفيه منها إلا شفاعة الفتح بن خاقان.. وفي المجلس نفسه يحرِّش المتوكل بين خالد وبن ابن أبي حفصة ليتهاجيا فأمسك مروان، واندفع خالد يقذفه بقذارات يترفع حتى السوقة عن سماعها بَلْهَ نطقَها.. والخليفة يضحك حتى يصفق الأرض برجله!!. وهذا اللغو الذي يسم به الأصفهاني شخصية المتوكل يتنافى مع مميزاته التي عرفناها من خلال صورته الرائعة التي نطالعها في رائية شاعره البحتري حيث يصف خروجه لصلاة العيد في ذلك الموكب الباعث على الاعتزاز:
وبرزتَ في برد النبي فإصبعٌ ... يومي إليك بها وعين تنظر
ومن خلال تقديره العظيم البالغ للإمام العظيم أحمد بن حنبل، وقضائه المحمي على فتنة المعتزلة.
ونحن لا ننكر أن لكل إنسان، وبخاصة أولئك المثقلون بأعباء الحكم، بَدَواتٍ
стр. 39
ينفس بها عن صدره في الخلوات الخاصة.. ولكن أي مصلحة في كشفها للعامة، إلا أن تكون مصلحةَ المتآمرين مع بقايا المجوسية على تحطيم المقومات الإسلامية!.
стр. 40
ألغام في أساس الدولة العباسية:
وفي هذه الجواء المائجة بالعبث، والطافحة بسيول الذهب والفضة تتدفق على صانعي الملاهي، َ لابد أن تتفجر المطامع وتثور الشهوات حتى لا يبالي هُواتُها بالحدود الفاصلة بين الحلال والحرام، والفضيلة والرذيلة، فتصبح الرشوة من أنجع الوسائل في تحقيق الرغبات.
وهذا ما نلاحظه في العلاقة بين إبراهيم الموصلي وبعض أساطين البرامكة، الذين ينيخون بكلاكلهم على صدر الدولة فيتصرفون بأموالها تصرف المطلق الذي لا يسأل عما يفعل..
ومن هذا القبيل تلك الباقعة التي يرويها الموصلي إذ يخبرنا بأنه أتى الفضل بن يحي- بن جعفر البرمكي- ذات يوم فقال له إن الخليفة قد حبس يده فهب لي أنت.. ويأسف الفضل لأنه لم يكن عنده مال يرضاه له - وبلغة أيامنا ليس عنده سيولة نقدية - ثم تذكر فقال إلا أن هاهنا خصلة - فرجة - أتانا صاحب اليمن فقضينا حوائجه ووجه إلينا بخمسين ألف دينار يشتري لنا بها محبتنا - شيئا يحبه - فما فعلتْ ضياء جاريتُك؟ سأقول لهم يشترونها منك فلا تنقصها عن خمسين ألف دينار. فقبلت رأسه ثم انصرفت، فبكر عليَّ رسول صاحب اليمن.. فسألني عن الجارية فأخرجتها له قائلا إن الفضل بن يحي أعطاني بها أمس خمسين ألف دينار.. فقال وأنا أريدها له، فهل لك في ثلاثين ألف دينار مسلمة لك؟ وكنت قد اشتريتها بأربعمئة دينار. فلما وقع في أذني ذكر الثلاثين ألفا ارتج علي.. وخفت والله أن يحدث بالجارية حدث أو بي أو بالفضل فسلمتها وأخذت المال.. ثم بكرت على الفضل فلما نظر إلي ضحك ثم قال: يا ضيق الحوصلة حرمت نفسك عشرين ألف دينار. ثم نادى: يا غلام.. جيء بالجارية.. وقال خذها مباركة فإنما أردنا منفعتك.
وقبل أن يعود أدراجه استوقفه الفضل ليقول: إن صاحب أرمينية قد جاءنا فقضينا
стр. 41
حوائجه.. وذكر أنه قد جاءنا بثلاثين ألف دينار يشتري بها لنا ما نحب فاعرضْ عليه جاريتك هذه ولانتقصها عن ثلاثين ألف دينار.. وعلى غرار الصفقة الآنفة جرى أمر الصفقة الثانية على الجارية نفسها، وانتهى الأمر بعشرين ألف دينار فسلمها وأخذ المال، فلما رآه ضحك وضرب الأرض برجله وهو يقول: ويحك حرمت نفسك عشرة آلاف دينار.. ودعا بالغلام فأخرج له الجارية فقال خذها ما أردنا سوى منفعتك ١٩٥-١٩٦.
ولقد آثرنا نقل هذين الخبرين بحوارهما دون تعديل إلا ما اقتضاه الإيجاز، لنتيح للقارئ أن يضع يده على بعض أهم المفاسد التي رشحت الدولة العباسية للانهيار.. فليس بالأمر الهين أن تشيع فاحشة الرشوة حتى تكون أساس التعامل بين الولاة وكبار رؤسائهم، أضف إلى ذلك تلك الحيل الخسيسة التي تمكن النصابين من الحصول على أموال الدولة بأحقر الوسائل، حتى ترى عامل الدولة يشري رضا رئيسه وسكوته عن جرائره بعشرات الآلاف من الدنانير، وترى في الوقت نفسه رئيسه الأعلى يشتري متعته مع المغني بتحويل الرشوة كلها إليه عن طريق المؤامرة، وبينهما ذلك الوسيط- الرسول- الذي يداور المغني حتى ينال نصيبه من المال الحرام ثلاثين ألف دينار.
ولا مندوحة هنا عن التساؤل: إذا كان هذا شأن الوالي في رشوة رئيسه، فما حصيلة ذلك على العلاقة بين الوالي الراشي والشعب الذي يتولى أمره؟!.
ولعل أقرب جواب على هذا التساؤل هو ما يشاهده القارئ المعاصر من أمانة كبار المسئولين في أيامه على الأموال العامة، وأكداس الديون التي تتحملها الشعوب لتأمين رغبات هؤلاء السادة الأعلَين!.
أما كبرى المؤشرات التي ينطوي عليها عمل الفضل البرمكي بل البرامكة كلهم في نسيج هذه الأحداث وأمثالها فلا مفهوم لها سوى أنها صورة من التآمر الشعوبي على الإِسلام وعلى كيان دولته بإشاعة التهتك وتدمير الاقتصاد، وإخماد روح الجهاد في سبيل الدعوة إلى الله، حتى ينتهي المطاف بالأمة الإسلامية إلى فقدانها قدرةَ الدفاع عن نفسها بمقوماتها الذاتية لتُنقل أزمتها إلى أيدي الآخرين ممن لا يهمهم سوى شهوة الحكم.. وهو ما صارت إليه الدولة العباسية أخيرا على أيدي عملاء المجوسية، الذين عجزوا عن
стр. 42
استرداد السلطان الكسروي عن طريق الحرب فلجئوا إلى الدسائس و (إذاعة المفاسد ومحاولة تشويه الفكر الإسلامي بنشر الأفكار الدخيلة التي زلزلت قواعد المجتمع كله!.
وقد كثر الكلام عن الدوافع التي أدت إلى نكبة البرامكة، ولعل أقربها إلى الواقع بعد أن تكون نتيجة انتفاضةٍ في ضمير الرشيد كشفت له أعماق تلك المؤامرة فلجأ إلى حسمها بالسيف بعد أن وصل خطرها إلى عرشه ولكن.. هل وقفت الانتفاضةُ زحف ذلك الخطر عن الدولة والأمة؟.. هيهات. وأنى لها ذلك بعد أن وصل الداء إلى القلب، فأصبح كل شيء مهيئا للدمار الذي نسف الكيان العام من أساسا وذهب بمليون وثمانمئة ألف مسلم على أيدي هولاكو والعلقمي وبقية المتآمرين من أعداء الإِسلام!.
وماهي سوى لحظات من عمر الزمن حتى تتابعت الكوارث الماحقة فذهبت بإشبيلية وغرناطة وقرطبة وأخواتها، وعبدت الطريق للزحف الصليبي القديم والحديث على بقية العالم الإسلامي الغارق في غفلاته وشهواته وخلافاته.. وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون..
стр. 43
التناقضات المهلكات:
وبعد فإن المشكلات التي يثيرها كتاب الأصفهاني أكبر من أن يستوعبها فكر أو يرصدها قلم، وقد اجتزأنا منها بالقدر الذي يتسع له عرض في مجلة فصلية، واضطررنا للإِعراض عن الكثرة الكاثرة من محتوياته، التي لا يغني منها القليل عن الكثير، وفي النفس منها أشياء تغرى بالمتابعة فنمسك عنها معتذرين بضيق الوقت والوهن الذي نعانيه في أواخر الثمانينات.. على أن مشكلة واحدة لم نستطع دفعها عن الذهن، ففسحنا لها السبيل إلى البروز والمناقشة.
من التساؤلات الطفولية المثيرة أن تسمع صغيرا يهمس في أذن أمه: هذه القروش التي ينفحنا بها البابا كل يوم.. من أين يأتي بها؟ أليس لها من نهاية؟!.
ولعلك توقفت أمام هذه التساؤلات ذات يوم كما توقفت أنا ومضيت كما وجدتني أمضي معها طويلا محاولا الوصول إلى أجوبة شافية.. وها أنا ذا اليوم أراني مشدودا إلى
стр. 44
ذلك الهاجس الطفولي أسأل نفسي: هذه القناطير المقنطرة من الدراهم والدنانير التي تتطاير أمام أتُنحَت لهم من الجبال أم تسيل بها الأودية؟! أم تقذف بها المصانع من بواتق المعادن الخسيسة، التي أعيننا بين أيدي الخلفاء والوزراء والندماء فلا تكاد تهتدي إلى مستقر لها.. من أين يأتي بها هؤلاء؟! يحاولن كيميائيو ذلك العصر تحويلها إلى المعادن النفيسة؟.. أسئلة محيرة لا نملك لها جوابا.. ولكنها تشق لنا الطريق إلى البحث عن مصادر هاتيك الأموال!، وعن المجاري التي تسلكها، والنتائج التي تصير إليها! ذلك التبذير الرهيب..
مرقب واحد فقط يقف بنا عنده ذلك البحث لنكتشف من خلاله أهم أسرار ذلك اللغز، فإذا هي كلها متشابكة حول العُرف العام الذي يطلق يد المسئول الأعلى في حياة الناس ودمائهم وأموالهم.. فبكلمة من شفتيه يسوق من يشاء إلى السجن المنسيِّ أو الموت المقضيِّ، وبأخرى مثلها يصادر حصائل أعمار الناس فيمسخ يسرهم فقرا ورياضهم قفرا.. وبكلمةٍ تُحَول أموال الدولة إلى أيدي العابثين يموهون بها جدرانهم بالذهب، وينصبون التماثيل في قصورهم الأسطورية، ويحشون بها أفواه السكارى لتحيل أصواتهم أغاريد تتموج فيها أنغام الطيور الشادية بمختلف الألحان!!.
أما الجماهير البائسة فعليها وحدها الصبر على الفاقة والحرمان، حتى يصير بها الأمر إلى مستقره من اليأس الذي يدمر الحدود ويحطم السدود، ويدفعها بقوة لا مرد لها إلى الهدم بعد البناء والاضطراب العام بعد السلام الذي طالما نعمت به في ظلالا الإيمان، حتى لَيجتاحُ الغوغاءُ البلدَ الذي كان حتى الأمس قبة الإسلام فإذا هو بين ليلة وضحاها مضرب المثل في الخراب، وإذا بالمئات الثلاث من ألوف أهلها الغافلين طعام سائغ للموت يتقاسمهم دجلة والحرائق الكاسحة فلا نرى لهم أثرا إلا من خلال رثاء ابن الرومي في مثل قوله:
لهف نفسي عليك أيتها البصر
...
ة لهفا يطول فيه هيامي
لهف نفسي عليك يا قبة الأس
...
لام لهفا يزيد منه ضرامي
ثم تتتابع حبات العقد حتى يتوقف قليلا عند اجتياح هولاكو بغداد فتزول بذلك جنة الدنيا.
стр. 45
وحتى حفيدة رسول الله لم تسلّم من أذاه:
وأقف هنا قليلا لألقي نظرة عجلى على ما سطرتُ من الإضافات فإذا هي تتجاوز المتوقع، مع أنها لم تكد تعدو حدود الكلام عن بيئة الرشيد.. أفأرفع القلم أم أواصل إعماله في الكشف عن بعض المخزيات التي تفوق كل ما كشفناه حتى الآن من مؤامرات الأصفهاني على حرمات الإسلام!!.
وأي حرمة أحق بالاهتمام من كرامة البيت النبوي الذي يحتل مكان القداسة من قلوب المسلمين جميعا!!. فكيف كان موقف ذلك الشعوبي من ذلك البيت المطهر وهو يزعم أنه من أشياعه ومن أجل ذلك لا يشير إلى أحد من أهله إلا بصيغة التكريم والتسليم؟!.
وسنجتزئ من أحاديث الأصفهاني عن أهل البيت بنتف يسيرة تتصل بالسيدة الفاضلة سكينة بنت الإمام الحسين وابنةِ فاطمة البتول حفيدة رسول الله وأثيرته..
وقبل التعرض لمفتريات ذلك الشعوبي على هذه الطاهرة يحسن أن نذكِّر القارئ بالجو الذي صارت إليه بعد مقتل أبيها ونكبة أسرتها في كر بلاء، وفي كل من هذه الزلازل ما يذهل العقول ويدمي القلوب فكيف بقلب سكينة العظيمة!!.
ومع ذلك لا يستحي ذلك الخَرَّاص أن يطمس على ذلك الجانب المأساوي كله ليريك بدلا عنه جانبا آخر مملوءا باللغو واللهو والعربدة!.
ويقف الأصفهاني بقرائه هنا على صفحات من حياة المغني عبيد بن سريج ١٧/٤٢ ويبدؤها بالحديث عن تنسكه إذ كان قد أقلع عن احتراف الغناء ولزم المسجد الحرام ثم المسجد النبوي، كما يفعل في أيامنا أولئك التائبون المتطهرون من سفاهات الماضي..
يقول الأصفهاني: "إن سكينة قد اغتمّت غما شديدا لتوبة ابن سريج واقلاعه عن الغناء، وتوسطت خادمها أشعب لاستخراجه من عزلته واستقدامه ليُسمعها ولو صوتا واحدا.. وبذل أشعب العجائب من حيله إلى أن أكره التائب على زيارة سيدته فجاء به، ودخلا عليها.. وجعلت تعاتبه على جفائه.. وتحدثا ساعة ثم استأذنها ابن سريج بالانصراف، فأبت عليه ذلك وراحت تطوقه بالموانع التي لا قِبَل له باختراقها":
стр. 46
تقول السيدة - بزعم الأصفهاني – "برئتُ من جدي إن أنت برحت داري ثلاثا، وبرئت من جدي إن لم تغنِّ إن خرجت من داري شهرا، وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهرا إن لم أضرِبك لكل يوم تقيم فيه عشرا، وبرئت من جدي إن حنثت في يميني أو شفَّعت فيك أحداَ.." ولا داعي للتوقف على هذه البراآت، بل هذا اللغو الذي يعزوه إلى حفيدة رسول الله دون حياء ليجعل منه مواثيق تُلزم المغني بالنكوص عن توبته وبالعودة إلى ماضيه الشيطاني نزولا على رغبتها.
بإزاء هذه العزائم الغريبة لم يستطع ابن "سريج فكاكا من الأسر إلا بإرسال صوته ببعض الألحان تحلة للقسم فاندفع يغني:
أستعين الذي بكفيه نفعي
...
ورجائي على التي قتلتني
ورقت الطاهرة لهذا المغني فجعلت تذكره بفضائل الصبر، وفي غمار النشوة أخرجت دملجاً من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالا وأقسمت عليه إلا أدخله في يده، ومن ثم بعثت بأشعب إلى عزة الميلاء تدعوها للمشاركة في هذه المناسبة.
ولما جاء دور هذه القينة غنت بأبيات من شعر عننزة، فأعجب ابن سريج بما سمع وأبدى استحسانه غناءها، وترجمت السيدة مشاعرها بأن ألقت إلى القينة بالدملج الآخر!.
واستمرت المناسبة ثلاثة أيام أغرقت الدار بما فيها ومن فيها من الجواري والمطربين في جو من البهجة المذهلة. ولم يستطع عبيد التملص من مأزقه حتى عاد فغنى بأمر السيدة، واختار لذلك أبياتا تلوِّح بمشكلته، فدعت لكل من عزة وابن سريج بحلة ثم أذني لهما بالانصراف، وهي تقول للمغني: قد علمت ما أردت بهذا وقد شفعناك.. وإنما كانت يميني على ثلاثة أيام.. فاذهب في حفظ الله وكلاءته..
стр. 47
الشهادة الفاضحة:
ويأبى الأصفهاني إلا أن يعاود الحديث عن الطاهرة سكينة بأسوأ مما بدأ، وذلك عندما عرض لأخبار الفاسق الأكبر عمر بن أبي ربيعة فروى من شعره ١٧/ ١٥٩.
стр. 48
قالت (سُعيدةُ) والدموع ذو ارف
...
منها على الخدين والجلباب
ليت المغيريَّ الذي لم أجزه
...
في ما أطال تصيدي وطلابي
كانت ترد لنا المنى أيامُها
...
إذلا نلام على هوى وتصابي
أسُعيدُ.. ما ماء الفرات وطيبُه
...
مني على ظمأ وحب شراب
بألذ منك، وان نأيت وقلما
...
يرعى النساء أمانة الغياب
ويعقب على النص بأنه تُغُنِّي فيه باسم (سكينة) مكان سُعَيدة وإنما غَّيره المغنون، ثم يروي عن لسان اسحق الموصلي قوله: غنيتُ الرشيد يوما بقوله: قالت سكينة والدموع ذوارف ...
فوضع القدح من يده وغضب غضبا شديدا ثم قال: لعن الله الفاسق ولعنك معه.. ويحك أتغنيني بأحاديث الفاسق ابن أبي ربيعة في بنت عمي وبنت رسول الله صلي الّله عليه وسلّم؟!!.
وفي هذا وذاك ما يؤكد أن اسم (سكينة) كان صريحا في ذلك أو أن كونها هي المقصودة بهذه الأبيات أمرٌ مشهور يدركه السامع ولو أبدل باسمها غيرُه.
وليس ثمة أي غموض في أن الفاسق إنما يتغزل بالطاهرة وبأسلوب الماجنين، وهي وقاحة لا يحتملها سمع مسلم..
ورب قائل إن المرجَّح كونُ الأصل هو اسم سعيدة لا سكينة، وإنما اختلط على الرواة لاتفاق وزن الاسمين.. وسواء كان الأصل ذلك أو هذا فسيظل الأمر في نطاق الكبائر، لأن المقصود بسعدي حسب تعريف الأصفهاني نفسه هي بنت الصحابي الجليل عبدا لرحمن بن عوف- ١٧/١٥٧ - أحد العشرة المبشرين بالجنة والسابقين إلى الإسلام.
فكيف إذا علمت أن مضمون هذا الغزل أبعد ما يكون عن الواقع، وبهذا يصرح المؤلف في الصفحة نفسها حين يروي ذلك الحوار بين الشاعر الفاسق وسُعدى بنت الصحابي الجليل، إذ رأت الشاعر يطوف بالبيت فأرسلت إليه: إذا فرغت فأتِنا فأتاها فقالت وقال:
стр. 49
- ألا أراك إلا سادرا في حرم الله!. أما تخاف الله!. ويحك إلى متى هذا السفَه؟!.
- أيْ هذه.. دعي عنك هذا. أما سمعت ما قلت فيك؟. وتلا بعض تلك الأبيات.
- أخزاك الله يا فاسق.. ما علم الله أني قلت مما قلتَ حرفا، ولكنك إنسان بَهوت..
وإنها لشهادة فاضحة من شأنها أن تهدم كل الأقاصيص الخرقاء التي تبناها صاحب (حديث الأربعاء) عن فضليات ذلك العهد، ليوهم قارئه أن إقبالهن المزعوم على مخالطة ذلك الفاجر في الخلوات ليس إلا انطلاقا مع الحرية التي منحها الإِسلام للمرأة! وما تلك لعمر الله إلا حرية السفهاء الذين لا ينظرون إلى الحياة إلا من خلال الشهوات، ولو نظر إلى أعاضيه ابن أبي ربيعة في مقاييس الإِيمان وعلى ضوء الضوابط الإسلامية لما جاوز في تفسيرها قولَ الحكيم الحليم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ وها هو ذا ابن أبي ربيعة يقول ما لم يفعل ويفتري الكذب على المحصنات الغافلات لِيُسهِم في إشاعة الفجور مع أعداء الإنسان والإِسلام، ثم يستيقظ ضميره النائم ذات يوم فيستغفر الله ويَشهد على نفسه بأنه لم يفعل شيئا من كل ما نسجه من هاتيك المحاورات المفتريات!!.
ومن غير المعقول أن يمر أديب كبير مثل صاحب (حديث الأربعاء) بتلك الموبقات دون أن يلاحظ عليها طابع الافتعال، الذي يصور أوضاع فارغين حيل بينهم وبن السلوك الرفيع، وتدفقت عليهم هبات الحكم الذي قصد إلى شل فاعليتهم البناءة، فلم يجدوا سبيلا لإثبات ذواتهم سوى ميادين الغواية، فراحوا يتسابقون لا صناعة ذلك الشعر الذي يترجمون به أحلامهم الكمينة في صور محسوسة يُخيَّل لقارئها أنها منتزعة من صميم الواقع!..
ولكن صاحب (حديث الأربعاء) ما كان ليهمه من تلك المرويات سوى الامتاع والاستمتاع، كما فعل في كتابه الآخر (على هامش السيرة) فأحسن العرض الفني بمقدار ما أساء إلى الحقيقة الواقعية، وهو المنهج نفسه الذي سلكه في كتابه عن الأدب الجاهلي
стр. 50
الذي جرَّأ به الغُواة على التشكيك في بعض حقائق الوحي تحقيقا لرغبة أساتيذه من المنصِّرين والمستشرقين..
وما مثله ومثل سلفه صاحب (الأغاني) في ذلك إلا كمثل أولئك الذين يقول الشاعر القديم فيهم:
أن يسمعوا ريبة طار ابها فرحا
...
عنى وما علموا من صالح دفنوا
وأخيرا.. إن مثل هؤلاء لا يسعد قلب المؤمن بصحبتهم فكيف إذا امتدِّز منها إلى المدى الذي اضطررنا إليه في هذا العرض، فلْنُنْهِ هذه الرحلةَ بالخاتمة التي اختارها صاحب الأغاني لأثيره كبير المفسدين إبراهيم بن ماهان الملقب بالموصلي. ويأبى الأصفهاني إلا أن يطبع هذه الخاتمة بسواة جديدة يلصقها بذكر الرشيد، إذْ جاءه الخبر بموت هذا الخليط العجيب - في يوم واحد - إبراهيم الموصلي والكسائي النحوي، والشاعر النظيف ابن الأحنف، وهُشَيمةَ الخمارة - بل القوادة على رأى اسحق في رثائه إياها - فما كان من الرشيد إلا أن ندب ابنَه المأمون للصلاة عليهم صفا - ٥/١٦٥ - وبذلك استوى هؤلاء الأربعة باستحقاق التكريم في دولة الخليفة العظيم- على رأي ذلك المفتري الأثيم-!.
بيد أن ابن سبابة أو أبا الأسد، وهما من غواة إبراهيم، كان أعلم به وبمكانته الحقيقية إذ يقول أحدهما في رثائه:
ستبكيه المزاهروالملاهي
...
وتُسعدُهنَّ عاتقةُ الدِنان
وتبكيه الغَوِّيةُ إذ تولّى
...
ولا تبكيه تاليةُ القُران
(٥/ ٢٥٦)
وحقا إن موت نظراء الموصلي وهشيمة لأحق بدموع الخلعاء السفهاء من أدوات الشيطان، ولن يجعل الله لأشباههم حظاً في عيون حَمَلَةِ القرآن..
والحمد لله.. ولا حول ولا قوة إلا بالله ...