← Адаб

Адаб · id 1014

تاريخ النقد الأدبي عند العرب

إحسان عباس

Полный текст (611 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مبدأ الجودة المثالية وقريب من هذه القاعدة أخرى نشأت عن ملاحظة الجودة المثالية في الشيء الموصوف، فالشاعر قد يصف فرسه بان شعره مسترسل على جبينه، وكذلك هو في واقع حاله، فيعاب بهذا الوصف لان العرب اتفقت على أن الفرس الجيد لا يكون شعره كذلك (١) . الخضوع للعرف في النظر للبيت المفرد إن الخضوع للعرف العام في الخلق الفردي والاجتماعي وفي محاسن الأشياء وعيوبها هو الحكم الذي كان يفيء إليه أولئك النقاد العلماء في دراستهم للشعر. وكانوا ما يزالون يتساءلون عن أمدح بيت وأغزل بيت وأهجى بيت، ولم يكن هذا السؤال؟ على سذاجته - وليد اعتقاد بان البيت هو الوحدة الشعرية، وإنما كان وليد البيئة التي تعتمد على الحفظ وعلى الاستشهاد والتمثل بالأبيات المفردة السائرة، مثلما هو نتاج المفاضلة الساذجة في نطاق الموضوع الواحد، وسيكون النظر إلى " البيت المفرد السائر "؟ أو الأبيات المفردة السائرة - محكاً للجودة ما دام الحفظ لا يسمح بتصور القصيدة جميعاً، ولكنا نرى إلى جانب ذلك اهتماماً بقصائد تؤخذ جملة، ويطلق عليها الحكم ويقرظ صاحبها بها، وبأنه لو اجتمع له عدد من القصائد مثلها لكان عالي الشأن في ميزان النقد. الرواة يستجيبون للتغيير في الشعر وقد جرت القواعد السابقة وأشباهها إلى عمل خطير في نطاق الرواية الأدبية حين استباح الرواة أن يغيروا ما يمكن تغييره إذا هو لم يتفق وتلك القواعد؛ يقول الأصمعي: قرأت على خلف شعر جرير فلما بلغت قوله: فيا لك يوماً خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله

стр. 37

فقال: ويليه، ما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ قلت له: هكذا قرأته على أبي عمرو؛ فقال لي: صدقت، وكذا قاله جرير، وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك غلا كما سمع، فقلت: فكيف كان يجب أن يقول، قال: الأجود له ولو قال: فيا لك يوماً خيره دون شره ... فاورده هكذا، فقد كان الرواة قديماً تصلح من أشعار القدماء. فقلت: والله لا ارويه بعد هذا إلا هكذا (١) . الخليل ومصطلح العروض البدوي وكان الخليل بن احمد (٢) - حين وضع العروض - قد وضع في أيدي هؤلاء العلماء مصطلحاً للعيوب الشكلية، من إقواء وإسناد وإيطاء، ظل هو مفزعهم كلما أرادوا نقد الشعر من تلك الناحية. والشيء اللافت للنظر في مصطلح الخليل انه مستمد من " بيت الشعر " - بفتح الشين - وقد كان عمله من هذه الناحية يمثل وعياً دقيقاً وتكاملاً في النظرة العامة. يقول في وصفه لما صنع: " رتبت البيت من الشعر ترتيب البيت من بيوت الشعر - يريد الخباء - قال: فسميت الإقواء ما جاء من المرفوع في الشعر والمخفوض على قافية واحدة؟. وإنما سميته إقواء لتخالفه، لان العرب تقول: أقوى

стр. 38

القائل إذا جاءت قوة من الحبل تخالف سائر القوى؟ (١) ، وستكون هذه السنة التي سنها الخليل في الوصل بين المصطلح الشعري وشئون الخباء البدوي - والحياة البدوية عامة - مرجعاً يستوحي منه هؤلاء العلماء كلما حاولوا مصطلحاً جديداً في النقد، وذلك ما سيتبين لنا بعد قليل. قاعدة الاستواء النفسي ونحن إذا أنعما النظر في أحكام هؤلاء العلماء؟ وكتاب الموشح للمرزباني معرضها - وجدنا ان هناك نواة لحركة نقدية، مهما تكن أسبابها موصولة بالخطا أو الصواب، وإنها قد تتطور في المستقبل إلى نظرات أوفى وأشمل. وفي مقدمة تلك القواعد ما يمكن أن نسميه " قانون الاستواء النفسي "، أي أن يظل الشاعر ملتزماً بمستوى واحد من النظرة إلى الحياة وقيمها، فامرؤ القيس متسق الشعور مع حاله - وهو ابن ملك وطالب مجد - حين يقول (٢) : ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب، قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ويتطلب الناقد منه أن يظل ملتزماً بهذا المستوى من الشعور بالذات وبقيمة الغاية، ولذلك فإن الناقد يراه قد هوى من عليائه أو أصبح على حد تعبيره " نذلاً " حين يقول: لنا غنم نسوقها غزار ... كأن قرون جلتها العصي فتملأ بيتنا اقطاً وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وروي وهذا القانون الصارم يجهل تقلب الحال النفسية، وينكر أن يكون شعر

стр. 39

الشاعر متفاوتاً بحسب تلك الحال، وهو من القوانين الخاطئة التي لا تلبث أن تندرس كلما اتسع مجال الفهم النفسي لدى النقاد، ولعل هذا هو الذي دعا بعض النقاد إلى أن يقول: عن كثيراً من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه (١) ، يعتذر بذلك عن التفاوت النفسي، بالإضافة إلى التفاوت في مستوى الجودة الشعرية (٢) . قانون الشمول الخاطئ وإذا كان القانون السابق يدل على مقدار التصور الخاطئ والإدراك الساذج فإن بعض المقاييس الأخرى يدل على شمول في النظرة ويعتريه الخطأ من ذلك الشمول نفسه؛ ومثاله ما رواه أبو عبيدة عن أبي الخطاب الأخفش، قال أبو الخطاب وكان " اعلم الناس بالشعر وانقدهم له، واحسن الرواة ديناً وثقة " -: " لم يهج جرير الفرزدق إلا بثلاثة أشياء يكررها في شعره، كلها كذب، منها جعثن والزبير والقين؟. " (٣) فهذا الحكم قائم على تمثل واضح لشعر جرير الذي يكرر الهجاء بهذه الأشياء، ولكنه حكم ينظر إلى الموضوع نفسه لا إلى الطريقة، ويحتكم إلى قاعدة " الكذب "؟ وهي قاعدة أخلاقية. تميز الأصمعي بين الرواة ومن الطبيعي أن يتفاوت هؤلاء العلماء في طبيعة إسهامهم النقدي، ويقف الأصمعي (- ٢١٠) بينهم مثلاً متميزاً، فهو وإن شاركهم في كثير من النظرات الساذجة من مثل الالتفات نحو أغزل بيت وأهجى بيت وما أشبه ذلك من أحكام، قد هداه بصره النافذ إلى مواقف نقدية واضحة، ونكتفي هنا بثلاثة

стр. 40

مواقف منها: (١) الفصل بين الشعر والأخلاق: من العجيب أن الأصمعي الذي كان يتحرج تديناً من رواية أي شعر فيه ذكر للأنواء (١) ، يقيم حداً فاصلاً بين الشعر والدين، ويراهما عالمين منفصلين لا يتصل أحدهما بالآخر، وفي اتصالهما حيف على الشعر نفسه، ومن ذم نسمعه يقول في لبيد راوياً هذا القول عن أستاذه أبي عمرو بن العلاء: " ما أحد أحب إلي شعراً من لبيد بن ربيعة لذكره الله ولإسلامه ولذكره الدين والخير، ولكن شعره رحى بزر "، يريد انه ذو جعجعة وطنين، وليس وراءه كبير شيء؛ ويسند الأصمعي رأي أستاذه بقوله: " شعر لبيد كأنه طيلسان طبري، يعني انه جيد الصنعة وليست له حلاوة " (٢) . وأوضح من هذا في تبيان موقفه من العلاقة بين الشعر والدين، قوله الذي لا يزال يقتبس دائماً في هذا المعرض: " طريق العر إذا أدخلته في باب الخير لان، ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام فلما دخل شعره في باب الخير - من مراثي النبي (ص) وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم - لان شعره. وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول مثل امرئ القيس وزهير والنابغة، من صفات الديار والرحل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الحمر والخيل والحروب والافتخار، فإذا أدخلته في باب الخير لأن " (٣) . ففي هذا النص القيم الغريب نجد الأصمعي قد قصر مجال الشعر على الشئون الدنيوية التي كانت سائدة في الجاهلية، وحدد موضوعاته التي تصلح له

стр. 41

ويصلح لها، وجعل صفة " اللين " عالقة بالموضوعات المتصلة بالخير والدين. فلدينا هنا اصطلاحان غامضان بعض الغموض هما " اللين " و " الخير "؛ فأما " اللين " فقد وضع الأصمعي إزاءه " طريقة الفحول " ثم لم يتجاوز حدود الموضوع، ولكن كلمة " اللين " سترد عند بعض النقاد مرادفة لضعف الأسر، يقول ابن سلام: " وأشعار قريش أشعار فيها لين فتشكل بعض الأشكال " (١) ، ولا باس ان نفهمها على النحو نفسه عند الأصمعي. وأما كلمة " الخير " فليس يقابلها لفظة " الشر " وإن روي قول الأصمعي من بعد " الشعر نكد بابه الشر "، وظني أن هذه الرواية غير دقيقة، وإنها ترجمة متأخرة بعض الشيء لمفهوم قول الأصمعي، وإنما الخير عند الأصمعي يعني " طلب الثواب الأخروي " أو ما يتصل اتصالاً وثيقاً بالناحية الدينية ويقابله حينئذ " دنيوية " الشعر واتصاله بالصراع الإنساني في هذه الحياة، فالليونة والانحياز إلى الخير مضادان للفحولة، وهذا هو المبدأ الثاني الذي نميز به الأصمعي: (٢) الفحولة: يعود بنا هذا المصطلح إلى طريقة الخليل بن أحمد في انتخاب الألفاظ الدالة على الشعر من طبيعة الحياة البدوية، فالفحل جملاً كان أو فرساً، يتميز بما يناقض صفة " اللين " التي يكرهها الأصمعي في الشاعر، وبالفحولة يتفوق على ما عداه، فقد سال أبو حاتم الأصمعي عن معنى الفحل فقال له: " له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق " (٢) ؛ لهذا انقسم الشعراء لدى الأصمعي في فئتين: فحول وغير فحول: قال أبو حاتم: " سالت الأصمعي عن الأعشى - أعشى بني قيس بن ثعلبة - أفحل هو؟ قال: لا ليس بفحل " (٣) ؛ وقال: سالت الأصمعي عن مهلهل، قال:

стр. 42

ليس بفحل، ولو قال مثل قوله " أليلتنا بذي حسم أنيري " خمس قصائد لكان أفحلهم (١) . وقال: سالت الأصمعي عن عمرو بن كلثوم، أفحل هو: فقال: ليس بفحل، قلت: فأبو زبيد؟ قال: ليس بفحل، قلت: فعروة بن الورد؟ قال: شاعر كريم وليس بفحل. قلت: فالحويدرة؟ قال: لو كان قال خمس قصائد مثل قصيدته - يعني العينية - كان فحلاً. قلت: فحميد بن ثور؟ قال: ليس بفحل. قلت: فابن مقبل: قال: ليس بفحل؟ قلت: فابن أحمر الباهلي: قال: ليس بفحل؟ قلت: فكعب بن جعيل؟ قال: أظنه من الفحول ولا أستيقنه. قلت: فحاتم الطائي؟ قال: حاتم إنما يعد في من يكرم، ولم يقل إنه فحل في شعره. قلت: فمعقر بن حمار البارقي حليف بني نمير؟ قال: لو أتم خمساً أو ستاً لكان فحلاً؟ قلت: فكعب بن سعد الغنوي؟ قال: ليس من الفحول إلا في المرئية فإنه ليس مثلها في الدنيا؛ قال: وسألته عن خفاف بن ندبة وعنترة والزبرقان بن بدر فقال: هؤلاء اشعر الفرسان؟ ولم يقل إنهم فحول. قلت: فالأسود بن يعفر النهشلي: قال: يشبه الفحول؟ قلت: فأوس بن مغراء الهجيمي، قال: لو كان قال عشرين قصيدة لحق بالفحول، ولكنه قطع به. قلت: فكعب بن زهير بن أبي سلمى؟ قال: ليس بفحل، قلت: فزيد الخيل الطائي؟ قال: هو من الفرسان؟ الخ (٢) . يتجلى لنا في هذا النص أن الفحولة صفة عزيزة، تعني التفرد الذي يتطلب: (أ) غلبة الشعر على كل صفات أخرى في المرء، فرجل مثل حاتم قد يقول قصائد ولكنه يعد في الاجواد ولا يسمى فحلاً لان الشعر لا يغلب عليه؛ وكذلك أشباه زيد الخيل وعنترة، فإنهم فرسان يقولون شعراً، وحسب.

стр. 43

(ب) وأن غلبة صفة الشعر تستدعي عدداً معيناً من القصائد التي تكفل لصاحبها التفرد، فالقصيدة الواحدة كما هي مرئية كعب بن سعد الغموي لا تجعل من صاحبها فحلاً. ويتفاوت هذا العدد، على قاعدة لا ندريها، فهو خمس قصائد أو ست أو عشرين. ونقل ابن رشيق نصاً عن الأصمعي يذكر فيه كيف يصبح الشاعر فحلاً، ويبين ذلك النص المجال الثقافي للشاعر ولكنه لا يضيف إليه عنصراً آخر من موهبة أو غيرها، قال الأصمعي: " لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلاً حتى يروي أشعار العرب ويسمع الأخبار ويعرف المعاني وتدور في مسامعه الألفاظ، وأول ذلك ان يعلم العروض ليكون ميزاناً له على قوله، والنحو ليصلح به لسانه وليقيم إعرابه. والنسب وأيام الناس ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها بمدح أو بذم " (١) . وليس من شك في أن هذه الفحولة تعني طرازاً رفيعاً في السبك وطاقة كبيرة في الشاعرية وسيطرة واثقة على المعاني وإن لم يفصح الأصمعي عن ذلك كله. ومن غريب ان هذه الفحولة لا تلتبس بروح الفروسية لدى الأصمعي، فليست هي وحسب " قوة النفس " على الموت حين يعبر عنها في الشعر، غير أنها اتجهت هذا الاتجاه في المفهوم عند أبي عبيدة فقد كان إذا سمع شعر قطري بن الفجاءة قال: " هذا الشعر! لا ما تعللون به نفوسكم من أشعار المخنثين " (٢) . فالفحولة بهذا المعنى ضد " التخنث "، وتلك عودة إلى مقياس خلقي ربما لم يقره الأصمعي، وإن كان هناك شبه ما بين صفتي " التخنث " و " اللين ". وأياً كانت الفروق القائمة بين تصور الأصمعي وأبي عبيدة للفحولة فإن صفة " القوة " هي المقياس المشترك لديهما ولدى سائر هؤلاء العلماء

стр. 44

الرواة؛ غير أن اعتماد مقياس واحد للتمييز بين مختلف ألوان الشعر يعد خطراً على النقد وعلى التذوق معاً، ولابد من أن يضيق به الدارسون ذرعاً، حتى هؤلاء الرواة أنفسهم لن يحسنوا الصبر على لون واحد فيما يرونه. إذ ما أسرع ما يحدث تضييق المقاييس تقلباً في الذوق بين الحين والحين، فكيف إذا كان المعتمد مقياساً واحداً؛ وقد ذكر ابن قتيبة أن الأصمعي نفسه كان يروي قول الشاعر (١) : يا تملك يا تملي ... صليني وذري عذلي ذريني وسلاحي ثم ... شدي الكف بالغزل ويعلل روايته له واختباره " بخفة رويه "، فكيف يكون حال غير الأصمعي وهو لا يملك مقياساً يلزمه الإعجاب بالفحولة وعدم اللين. وقد صور الجاحظ هذا التقلب في الأذواق لدى الرواة أنفسهم فقال: " وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين: ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب ونسيب الأعراب والأرجاز الأعرابية القصار وأشعار اليهود والأشعار المصنفة، فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله، ووقعوا على قصار الأحاديث والقصائد والفقر والنتف من كل شيء. ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب فصار زهدهم في نسيب العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب، ثم رأيتهم منذ سنيات وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر أو فتياني متغزل " (٢) .

стр. 45

(٣) العناية بالتشبيه: أورد الحاتمي في حلية المحاضرة (١) صورة مجلس في بلاط هارون الرشيد دار الحوار فيه حول أحسن التشبيهات عند الشعراء، ويبدو أن هذا المجلس جمع فعلاً أكثر الأبيات التي ميزها الاستحسان على مر الزمن، لما فيها من جمال التشبيه، ولو فرضنا ان هذا المجلس من نسج الخيال، لما استطعنا أن ننكر أن ذكر الأصمعي فيه غنما كان مبنياً على شهرته في هذه الناحية أيضاً، وقد ميز الأصمعي تشبيهات امرئ القيس مثل: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب ولو عن ثنا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد وآثر الرشيد والفضل ويحيى تشبيهات أخرى، مثل تشبيه طرفة: يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد وتشبيه عنترة في الذباب وغير ذلك. ومما يدل على أن هذه المجموعة تمثل المختار من التشبيهات لا بالنسبة للأصمعي وحده بل بالنسبة لمن تقدمه من العلماء، قول الأصمعي نفسه (٢) " اجمع أبو عمرو بن العلاء وخلف الأحمر و [] وهؤلاء أهل العلم بالشعر أن التشبيهات العقم التي انفرد بها أصحابها ولم يشركهم فيها غيرهم ممن تقدم ولا ممن تأخر أبيات معدودات أحدها قول عنترة

стр. 46

في تشبيه حنك الغراب بالجلمين؟ الخ " ثم عد هذه التشبيهات العقم؛ فللأصمعي الفضل في توسيع نطاق هذا الموضوع الذي حام حوله العلماء قبله. قصور النقد عن متابعة التغير في الثقافة والشعر من ثم يمكننا أن نقول إن النقد في مطلع القرن الثالث كان قاصراً عن الوفاء بحاجة دارسي الأدب. لاتساع الآفاق الجديدة، وضيق أفق النقد. فقد ظل النقد حيث هو، بينا كان الشعر يشهد تغيراً كبيراً على يدي أبي نواس وأبي العتاهية وأبي تمام والعباس بن الأحنف وإضرابهم ممن سموا المحدثين، ولم يعد مقياس " القوة " صالحاً لأمثال العباس وأبي العتاهية، كما ان الحكم على شعر أبي تمام المسرف في " البديع " اصبح يتطلب مقياساً جديداً. ونشأت طبقة جديدة ن الكتاب عربية اللغة غير أنها ليست عربية الذوق، لأنها تعتمد في ثافتها على كليلة ودمنة وعهد أدرشير وكتاب مزدك (١) وما شاكل ذلك. وهي تمثل عصب الطبقة المثقفة. وتسللت الثقافة المنطقية الفلسفية إلى نفوس المثقفين - في بطئ - وبدا صراع بين المبنى الشعري والمبنى المنطقي. وكاد ان يتم الانفصال ثمة بين الشعر والنثر، وكثر التساؤل عن المقياس الصالح للمبنى النثري. وكان الجاحظ يمثل هذا الانفصال على نحو عملي، كما كان أمثال أبي تمام ثم ابن الرومي من بعده يحاولون عملياً الجمع بينهما. وزادت حركة الاعتزال من تقديس العقل واستتبع ذلك اللحاح على الوضوح في الفكرة، وكان النثر ارحب صدراً من الشعر لتقبل هذا المنحى. ولكن كان لابد لهذا الاتجاه من أن يتساءل عن منزلة المعنى بالنسبة إلى الشكل شعراً كان الموضوع أم نثرا، لصلة المعنى بالاتجاه العقلي.

стр. 47

تباين الرواة في تصورهم لمهمة الشعر وزاد الأمر حدة اختلاف طبقة الرواة أنفسهم في تصورهم للمهمة التي يروى الشعر من اجلها، فكل فريق منهم يريده أن يخدم غاية محددة، دون الالتفات إلى الغايات الأخرى، وهذا على أنه تحيز في الذوق، يعد تسخيراً للشعر كي يخدم غايات عملية وفؤائد نفعية، لا عن طريق التأثير بل عن طريق المحتوى غير الشعري: (١) فالنحويون من هؤلاء الرواة لا يروون إلا كل شعر فيه أعراب. (٢) والذين يجمعون الأشعار لا يهتمون غلا بكل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج. (٣) ورواة الأخبار لا يقبلون إلا على كل شعر فيه الشاهد والمثل. (٤) وعامة الرواة لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة والمعاني المنتخبة وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة والديباجة الكريمة وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ وأشارت إلى حسان المعاني، وهؤلاء أكثرهم من رواة الكتاب (١) . وعلى الرغم من ان الطبقة الأخيرة هي التي تصطلح للنقد، فإنها لا تهتم بالشعر من حيث هو، بل تتخير منه ما يقوي قدرة أفرادها على البيان، وتجعل من الشعر وسيلة إلى إتقان الصياغة النثرية.

стр. 48

الجاحظ يعيب الرواة في مجال النقد وقد قضى الجاحظ على هؤلاء الرواة - وهم أساتذته الذين درس عليهم - بحكم أخرجهم به من نطاق النقد الأدبي، وترك المكان خالياً ليحتله أي ناقد قدير. فقال: " ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعاراً من أفواه جلسائه ليدخلها في باب التحفظ والتذاكر، وربما خيل إلي ان أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون ان يقولوا شعراً جيداً لمكان أعراقهم في أولئك الآباء؛ ولو أن أكون عياباً ثم للعلماء خاصة لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة ومن هو ابعد في وهمك من أبي عبيدة " (١) . تحكم الذوق المحافظ في الرواة ولكن ما كان الجاحظ ولا غيره ليستطيعوا تغيير الذوق الأدبي في زمن يسير، بل ربما زادت الهجمات التي يوجهوها للرواة من تمسك بعضهم بما نشأوا عليه وألفوه، فوجد أولئك المتشبثون بما عرفوا، الذين تشدهم روح المحافظة إلى الموروث والذوق المألوف، على نحو يوحي بالتعصب المحض أحياناً، وفي طليعة هؤلاء ابن الأعرابي الذي نتخذه نموذجاً لهذا الموقف المحافظ، فقد قرا عليه أحد تلامذته أرجوزة أبي تمام: وعاذل عذلته في عذله ... فظن أني جاهل من جهله وهو لا يعرف نسبتها، فأمر تلميذه بان يكتبها له، قال التلميذ فقلت له: أحسنة هي؟ قال: ما سمعت بأحسن منها. فقلت: أنها لأبي تمام. فقال: خرق خرق (٢) . وأمثلة هذه العصبية في طبقة المحافظين ثيرة، وهي ليست قاصرة على رفض شعر أبي تمام بل إنها تتناول كل شعر محدث؛ يقول

стр. 49

الصولي في ابن العرابي " وكذلك فعل في النوادر (يعني كتاب النوادر) جاء فيها بكثير من أشعار المحدثين ولعله لو علم بذلك ما فعله " (١) . وينقل المرزباني عمن روى عن ابن الأعرابي قوله في شعر المحدثين عامة: " إنما أشعار هؤلاء المحدثين - مثل أبي نواس وغيره - مثل الريحان يشم يوماً ويذوي فيرمى به، وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر كلما حركته أزداد طيباً " (٢) . الجو مهيأ لظهور الناقد كان الجو إذن مهيأ للناقد الذي تتكافئ لديه صفتا القدم والحداثة، ويهيديه ذوقه إلى الجيد في كل منهما، فلا يتحيز لإحداهما على الأخرى، فهل وجد هذا الناقد؟ ذلك ما نريد أن نتبينه عند دراسة المحاولات النقدية في القرن الثالث.

стр. 50

المحاولات النقدية في القرن الثالث

стр. 51

المحاولات النقدية في القرن الثالث قد يذهب الدارس إلى القول: إن النقد الأدبي لم يفز من النقاد بكتاب خاص مستقل في هذا القرن، ولكن يجب أن نتحفظ في إطلاق هذا الحكم فنقول: ذلك هو صورة ما وصلنا، إذ يبدو إننا يجب أن نفسح المجال لآثار قد تنفتح عنها باب المستقبل، وفي طليعة ذلك جهد الناشئ الأكبر في النقد. دور الناشئ الأكبر في النقد الخليل والناشئ الأكبر أبو العباس عبد الله بن محمد المشهور بابن شرشير كان شاعراً متكلماً نحوياً عروضياً، نقض علل النحويين وأدخل على قواعد العوض شبهاً ومثلها بغير أمثلة الخليل (١) ، ونظم قصيدة طويلة في فنون العلم تبلغ أربعة آلاف بيت ونقض المنطق في كتب كثيرة (٢) ، وقد عاش فترة من حياته في بغداد ثم هاجر إلى مصر وتوفي فيها (سنة ٢٩٣) (٣) . وما كنا نعلم أن له مشاركة في النقد، لولا أن أبا حيان التوحيدي وصفه في كتاب " البصائر والذخائر " بالتفوق في هذا المضمار فقال: " وما أصبت

стр. 52

أحداً تكلم في نقد الشعر وترصيفه أحسن مما (أتى) به الناشئ المتكلم، وان كلامه ليزيد على كلام قدامة وغيره وله مذهب حلو وشعر بديع واحتفال عجيب " (١) . وهذه شهادة قيمة لما نعرفه من ذوق أبي حيان ونفاذ نظراته وسداد رأيه. ويبدو أن الناشئ قد خص النقد الأدبي بالتأليف المفرد. لقول أبي حيان " وقال الناشئ أبو العباس في نقد الشعر " (٢) . ولكن النقول التي اقتبها أبو حيان في القسم المنشور من كتاب البصائر تدل على نزعة أدبية خالصة في الكلام على الشعر، فلعل أبا حيان إنما اعجب فيها بتدفق الأسلوب وبراعة العرض. تعريفه للشعر. فالناشئ يقول في تعريف الشعر ووصفه: " الشعر قيد الكلام وعقال الأدب وسور البلاغة ومحل البراعة ومجال الجنان ومسرح البيان وذريعة المتوسل ووسيلة المترسل وذمام الغريب وحرمة الأديب وعصمة الهارب وعذر الراهب وفرحة المتمثل وحاكم الأعراب وشاهد الصواب " (٣) . فهذا التعريف يشير إلى طبيعة الشعر (من حيث أنه مقيد بإيقاع ولذا فهو يتطلب براعة خاصة) وإلى ما يحققه من مهمات، فهو وسيلة الشاعر إلى استفتاح المغلق وعون للكاتب المترسل وسبيل للاعتذار وموطن للتمثل وإيراد الشواهد النحوية واللغوية.

стр. 53

نظرته إلى موضوعات الشعر فإذا تناول الناشئ موضوعات الشعر، تحدث عنها بهذا الأسلوب البياني فقال: " أول الشعر إنما يكون بكاء على دمن، أو تأسفاً على زمن، أو نزوعاً لفراق، أو تلوعاً لاشتياق، أو تطلعاً لتلاق، أو أعذاراً إلى سفيه، أو تغمداً لهفوة، أو تنصلاً من زلة، أو تحضيضاً على أخذ بثار، أو تحريضاً على طلب أوتار، أو تعديداً للمكارم، أو تعظيماً لشريف مقاوم، أو عتاباً على طوية قلب، أو متاباً على مقارفة ذنب، أو تعهداً لمعاهد أحباب، أو تحسراً على مشاهد أطراب، أو ضرباً لامثال سائرة، أو قرعن لقوارع زاجرة، أو نظماً لحكم بالغة، أو تزهيداً في حقير عاجل أو ترغيباً في جليل آجل، أو حفظاً لقديم نسب، أو تدويناً لبارع أدب " (١) . ويبدو أنه بعد أن تناول موضوعات الشعر على هذا النحو العام عاد يقف عند كل موضوع منها على حدة، فمما نقله عن أبو حيان متصلاً بموضوع الغزل والنسيب قوله: " ومخاطبات النساء تحلو في الشعر وتعذب في القريض لاسيما لغانية قد أطر الفتاء شاربها، وزوى الآباء حاجبها، وأشط الجمال قوامها، وأفرد الحسن تمامها، وانجل الهوى عينيها، وامرض الزهو جفنيها، وأرابت الصبابة ألفاظها، وفتر الرنو ألحاظها؟ الخ " (٢) ، وهي قطعة طويلة، كان الناشئ يعدد فيها مقاييس الجمال، وما يلتفت إليه الشاعر من شئون الحسن إذا هو اخذ في الغزل، وما قد يصوره من المشاعر أو من الالتفاتات النفسية إذا هو تحدث عن مواقف الغرام وقصص الحب. وهذا منزع غريب في النقد - أن صحة التسمية - وليس في مقدورنا أن نحكم على كتاب الناشئ وجهده عامة، لأنا لا نملك إلا أربعة

стр. 54

اقتباسات، منها هذه الثلاثة، واقتباس رابع أورده ابن رشيق في " العمدة " (١) ، ولم يقطع انه لأبي العباس الناشئ، وقد أورده بالمعنى، للدلالة على تفضيل الشعر قال: العلم عند الفلاسفة على ثلاثة طبقات: أعلى وهو علم ما غاب عن الحواس فأدرك بالعقل أو القياس، وأوسط: وهو علم الآداب النفسية التي أظهرها العقل من الأشياء الطبيعية كالأعداد والمساحات وصناعة التنجيم وصناعة اللحون، وأسفل: وهو العلم بالأشياء الجزئية والأشخاص الجسمية فوجب، إذا كانت العلوم: أفضلها ما لم يشارك فيه الجسوم، ان يكون افضل الصناعات ما لم تشارك فيه الآلات، وإذا كانت اللحون عند الفلاسفة أعظم أركان العمل الذي هو أحد اسمي الفلسفة وجدنا الشعر اقدم من لحنه لا محالة، فكان اعظم من الذي هو اعظم أركان الفلسفة، والفلسفة عندهم علم وعمل ". ولسنا نقول شيئاً في هذه العبارة سوى إنها سفسطة قائمة على المغالطة. ويسمي ابن رشيق كتاب أبي العباس الناشئ " تفضيل الشعر " (٢) ، ولا نعلم أهو الكتاب الذي سماه أبو حيان " نقد الشعر " أم هو كتاب آخر. اثر الاعتزال في النقد ومهما تكن طبيعة هذه المحاولة، فأن نسبتها إلى الناشئ الأكبر أمر هام لأنها تؤكد أن الدوائر الاعتزالية كانت من اكثر المجالات اعتصاماً بالنقد سواء منه ما تناول الخطابة وما تناول الشعر، وقد مكننا هذا الكشف من أن لا نقصر الحديث - إذا نحو ذكرنا اثر الاعتزال - على بشر بن المعتمر والجاحظ، بل زاد في أملنا في العثور على جهود اعتزالية أخرى، وقد اندفع المعتزلة نحو استبانة المقاييس البلاغية والنقدية لعاملين كبيرين: (١) أولهما أن البلاغة عنصر هام في الإقناع، والإقناع غاية الجدل

стр. 55

الكلامي، ولهذا كان بعض علماء المعتزلة " معلمي " بلاغة، كما كان سفسطائي يونان، وعلى هذا النحو يجب ان نفهم دور بشر بن المعتمر وغاية صحيفته، بل أن نفهم دور المتكلمين " لان كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء وابلغ من كثير من البلغاء " (١) وقد شهد الجاحظ لثمامة بن أشرس المعتزلي بقوله: " وما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي كان بلغ من حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف، ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف ما قد بلغه. وكان لفظه في وزن إشارته، ومعناه في طبقة لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه إلى قلبك " (٢) . وقد قررت صحيفة بشر أشياء ستصبح مشتركة بين نقد الخطابة ونقد الخطابة ونقد الشعر، منها اعتبار اللحظات التي يسمح فيها القول والابتعاد عن الكد والاستكراه، والملاءمة بين اللفظ والمعنى، فالمعنى الكريم يحتاج لفظاً كريماً؛ وليس ذلك بان يكون المعنى من معاني الخالصة وغنما " مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة "، والبليغ التام من استطاع ان يفهم العامة معاني الخاصة. ثم لابد من الملاءمة بين المعنى والمستعمين، فلكل طبقة كلام ولكل حالة مقام (٣) . وغدا التناسب بين المعاني والمستمعين هو مدار القول في البلاغة الخطابية، ومنه استمد تعريف البلاغة وإنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال. وهذا المبدأ نفسه هو مدار الصحيفة الهندية: " لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة ولا الملوك بكلام السوقة؟ ومدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقتهم والحمل عليهم على أقدار منازلهم " (٤) وكذلك ألحت الصحيفة الهندية على

стр. 56

التناسب بين المعاني والألفاظ. فكانت في روحها متفقة مع ما أورده بشر ابن المعتمر. (٢) وثانيهما: إيمان المعتزلة - رغم دراستهم للثقافات الأجنبية وتأثرهم بها - أن الشعر العربي مصدر من مصادر المعرفة الكبرى ووعاء لها، أما أنه مصدر من مصادرها فذلك واضح في مقدار ما يتيح لدارسيه من معارف في الحيوان والأنواء والنبات والأشربة وغير ذلك، وأما انه وعاء لها فلأنه يمكن بشر بن المعتمر من أن ينظم قصائد في الحيوان، ويمنح الناشئ وسيلة صالحة - في نظره - ليتحدث عن أنواع المعارف في أربعة آلاف بيت، ويتيح لصفوان الأنصاري شاعر المعتزلة ان يتحدث عن الفلزات وخيرات الأرض (الطين) رداً على بشار. وإلى جانب هذه الميزة الثقافية يضطلع الشعر بمميزات تتصل بحاجات النفس الإنسانية، ولهذا الشرف في منزلته فإنه حقيق بالتمحيص والدرس والنقد. تأثر النقد بالوقفة ضد الشعوبية ويمنح هذا الإيمان أصحابه قوة في وقفتهم ضد الشعوبية لأن الشعر في تصور هؤلاء المدافعين عن العرب تراث عربي خالص، ليس هناك ما يشبهه لدى الأمم الأخرى إلا شبهاً عارضاً، ومن هنا كان إيمان الجاحظ بالصلة بين الشعر والعرق، ثم بين الشعر والغريزة، ومن هنا كان الاتجاه نحو القول بالإعجاز في النظم، لكي يتميز القرآن عن كتب الحكمة الفارسية وأشباهها، وكذلك كان تمسك هؤلاء العلماء بالمصطلح البدوي في النقد، ثم تمسكهم بالطريقة التقليدية في بناء القصيدة - إلى حد ما - لان في كل ذلك دفاعاً عن الموروث العربي ضد الشعوبية.

стр. 57

تأثير الاعتزال في النقاد من غير المعتزلة وقد كانت هذه الموجة الاعتزالية - من جميع أطرافها - اكبر قوة فاعلة في تطور النقد الأدبي أثناء القرن الثالث، لا بأشخاص وحسب بل من خلالا المتأثرين بها، فقد تناول ابن قتيبة مبادئ صحيفة بشر والصحيفة الهندية من حديث حول اللفظ والمعنى، ومراعاة نفسية السامعين، والانقياد إلى اللحظات التي لا يوجد فيها ما يعترض الغريزة أي الحالة النفسية للمنشيء. والتكلف واسماح الطبع. وطبقها جميعاً على الشعر، ولكنه لم يقف منها موقف الناقل بل منحها من التحليل والبسط ما رفعها فوق مستوى النصائح الموجزة. وكذلك أخذ المبرد مفهوماته عن الاستعانة والتشبيه والإيماء من المدرسة الاعتزالية ومبادئها البلاغية. وأقبل ابن المعتز على بيان الجاحظ، فاستخرج منه مبحثه في البديع واستعار مصطلحه عن المذهب الكلامي. وهو نوع من البديع نشأ في جو اعتزالي. فإذا أضفت إلى ذلك جهود الجاحظ والناشئ، استبانت لك حقيقة القوة الدافعة الكبرى في نقد القرن الثالث. في تقرير أبعاده وفي تثبيت مصطلحه. كذلك فإن إلحاح المتأدبين من المعتزلة على اتخاذ الشعر وعاء للمعرفة، كان ذا اثر في توجيه النقد الأدبي، ولكن بطريقة سلبية، إذ صادف ذلك انكساراً في الذوق الأدبي بين الأجيال. وأصبحت الحاجة ماسة إلى نقد يعتمد تبيان الجمال لا المنفعة الثقافية في الشعر. ومن ثم وجدت تلك التلمسات النقدية لتحديد حقيقة الشعر " الجيد ". إذ ليس كل شعر " يعلم " الناس يستحق هذه الصفة، وليس كل شعر " يتعمق " المعاني يصلح أن يسمى شعراً. وأياً كان الأمر فقد تعددت المحاولات النقدية في القرن الثالث. وتدل الآثار التي وصتنا كاملة أو على شكل نقول متناثرة - أو ذكرت لنا أسماؤها دون أن تصلنا - على إنها تقع تحت فئات متباينة، نميز فيها خمساً:

стр. 58

(١) الاهتمام بإبراز المعاني المشتركة بين الشعراء: وهو اهتمام أدى إلى تتبع السرقات، وسيكون من أكثر النواحي التي شغل بها النقاد على مر الزمن، ووسعوا فيها مجال القول، وتمحلوا لها الأسباب، ثم آل بهم الأمر إلى تصنيف السرقات في أنواع وضروب، وكان العكوف عليها يبرز مدى اطلاع الناقد أكثر مما يبرز إيمان ذلك الناقد بان الأخذ قد تم على النحو الذي يقرره، وسوف نقف عندها وقفات طويلة أو قصيرة ثم ندرس فيها طبيعة الظاهرة العامة. ومن صور الاهتمام بها في القرن الثالث: كتاب سرقات الشعراء وما اتفقوا عليه لابن السكيت (- ٢٤٣) وكتاب إغارة كثير على الشعراء للزبير بن بكار (- ٢٥٦) وكتاب سرقات البحتري من أبي تمام وكتاب سرقات الشعراء لأحمد بن أبي طاهر طيفور (- ٢٨٠) (١) . ولو سألنا أنفسنا ما هي الحاجة التي دفعت إلى هذا اللون من الاهتمام في ذلك القرن لوجدنا أن الانشغال بقضية المعنى، تلك التي أثارها الجو الاعتزالي العقلي، ذو صلة وثيقة بتوجيه النقاد حينئذ إلى رصد المعاني المشتركة بين الشعراء واخذ اللاحق بينهم من السابق، يستوي في ذلك القدماء والمحدثون. (٢) النقد الضمني: كادت الشكوى أن تكون عامة من ان شعر المحدثين لا يجد الناقد الذي يبرزه للناس ويقربه إليهم. وأنه لم ينل حظ الشعر القديم الذي شغل به الرواة والعلماء وذللوه على مر الزمن (٢) . ولما كنا نقل الشعر يقوم على الرواية عن الشيوخ تعامى العلماء الشعر المحدث لأنهم " لم يجدوا في شعر المحدثين منذ عهد بشار أئمة كأئمتهم ولا رواة كرواتهم " (٣) ولذلك

стр. 59

تهربوا من عجزهم عن الخوض في ذلك الشعر إلى الطعن عليه، وحسبك أن تجد عالماً ناقداً مثل ثعلب في هذا القرن يقول لبني نيبخت: " أنا أعاشر الكتاب كثيراً وخاصة أبا العباس ابن ثوابة واكثر ما يجري في مجالسهم شعر أبي تمام ولست أعلمه فاختاروا لي منه شيئاً "، وكان ينشد البيت من شعره ويقول ما أراد بهذا؟ فيشرح له (١) . ولذلك رأى بعض المشتغلين بالشعر ممن لا يقفون موقف العداء من الشعر المحدث أن يبرزوه للناس بعمل مختارات منه، فكانت من ذلك كتب الاختيار التي ظهرت في ذلك القرن، وهي كتب لا تقوم على أسس نقدية صريحة، بل تعتمد على ذوق صاحبها، وذوقه يرتد إلى " مسبقات " ضمنية توجهه في أخذ ما يثبته وترك ما ينفيه، وليس لدينا من هذه الكتب ما يمكننا من استنباط طبيعتها العامة او طرق أصحابها، فمن ذلك كتاب " البارع " وهو اختيار شعر المحدثين لأبي عبد الله هارون بن علي. وكتاب اختيار الشعراء الكبير له أيضاً وقد أتم منه شعر بشار وأبي العتاهية وأبي نواس (٢) . ولأحمد بن أبي طاهر طيفور عدد من كتب الاختيار منها: شعر بكر بن النطاح، ودعبل، ومسلم، والعتابي، ومنصور النمري، وأبي العتاهية، وبشار وغيرهم (٣) وللمبرد كتاب " الروضة " أختار فيه شعر المحدثين. وسيتسع باب الاختيار أيضاً على سبيل الاحتذاء أو رغبة في تقريب الفائدة، ولكن دواعيه في القرن الثالث متصلة اتصالا وثيقاً بالحركة النقدية.

стр. 60

حماسة أبي تمام وقد خالف أبو تمام (- ٢٣١) في تأليف كتاب " الحماسة " هذه الروح المتوجهة نحو الشعر المحدث، لأن ما أورده في كتابه من شعر المحدثين قليل، ولا ريب في أن موقفه يثير إعجابنا ودهشتنا معاً، فهو شاعر ذو طريقة خاصة في الشعر يهاجمها كثير من النقاد والمتذوقين حينئذ. فلا يحاول أن يدافع عن هذه الطريقة بالتعصب لما قاربها أو أشبهها من شعر معاصريه وإنما هو يعمد إلى الشعر القديم، فيستخرج منه من المقطعات التي يحتاج إلى إثباتها إلى تذوق أصيل. معرضاً عن القصيدة في الأكثر. وقد دلت مختاراته على أنه يستطيع أن يتجاوز طريقته الشعرية وما فيها من طلب للصور ومن إغراب في توليد المعاني واستغلال للذكاء الواعي إلى شعر مشمول بالبساطة وشيء غير قليل من العفوية والصدق العاطفي المباشر، ثم أن لا يطلب ذلك فيما " ذله " العلماء من شعر المشهورين، وإنما يعمد - في الأغلب - إلى أناس مغمورين من شعراء الجاهلية والإسلام، دون مثال يحتذيه سوى الاعتماد على الذوق الذاتي. فأن المفضل الضبي والأصمعي من قبله إنما عمدا في اختيارهما إلى القصيدة، معتمدين على ما كانت الرواة قد استخرجته ونوهت به من شعر المقلين، فكان أبو تمام بذلك رائداً كثر مقلدوه دون أن يبلغوا شأوه. وقد أتيح له أن يهتدي إلى ابتكار جزئي حين جمع ضروباً من الفنون الشعرية - مثل وصف المعركة، والفخر بالشجاعة. وذكر الفرار من الحرب؟ الخ - تحت فن جديد سماه " الحماسة " وبه سمي الكتاب كله. وقد كان البون بعيداً حقاً بين اختيار أبي تمام وطريقته الشعرية. ولكن بدلاً من أن يلمح بعض النقاد أصالة الذوق المنصف لديه اتهموه بأنه طوى أكثر ما أحسنت فيه الشعراء ولم يدرجه في الحماسة وأبقاه لديه ليسرق معانيه منه فتخفى سرقاته من النقاد (١) .

стр. 61

حماسة البحتري ولقد حاول البحتري (٢٨٤) محاكاة صنيعه، فورد مورداً مختلفاً، وأكثر من الأبواب، ولم يتبين الحاجة إلى جمع الفنون المتشابهة في باب، وغلبت عليه النزعة الاخلاقية، بينما كان المحمل الضمني عند أبي تمام " جمالياً ". ولا تمثل حماسة البحتري إزاء طريقته في الشعر " تكامل " التشابه أو التناظر، بينا تكون ماسة أبي تمام وطريقته " تكامل " التوازي بين شعره وأشعار الحماسيين. المنظوم والمنثور لابن طيفور إن الوحدة المعتمدة في اختيار كل من أبي تمام والبحتري، في الغالب، هي المقطوعة، أو عدد أبيات منتخبة من قصيدة طويلة؛ وفي هذا يختلفان عن معاصرهما ابن أبي طاهر طيفور صاحب كتاب " المنظوم والمنثور "، فهو أولاً لم يقصره على الشعر دون النثر، ثم إن القاعدة في اختياره ثانياً هي تمييز النظم والنثر على درجتين: (أ) المفرد في الإحسان. (ب) المشارك بعضه بعضاً في الإحسان؛ وقد شارك صاحب الحماسة في وقوفه عند موضوع " الشجاعة والحرب " كما وافق البحتري في إيراد ما قيل في الأخلاق المذمومة والمحمودة؛ وفي تخصيص فصل للنساء (١) ، ويدل القسم المتبقي من هذا الكتاب على أن ابن طيفور احتذى حذو القصائد الطوال لدى الرواة فأورد في كتابه قصائد طويلة انفردت كل واحدة منها بالموضوع الذي تناولته أو بعدد من الموضوعات، فكتابه يشتمل، على " كل قصيدة ورسالة وصفة لا يوجد لشيء منها مثل ولا اشترك الناس في وصفتها ".

стр. 62

ما هي القصائد الطوال؟ وهذا المنهج اضطره إلى أن يقف عند حقيقة القصائد الطوال، فيكشف لنا عن جوانب جديدة تتعلق بها، ومن هذا نفهم انه حتى القرن الثالث لم تكن تلك القصائد تسمى معلقات (١) ، إذ لم ترد هذه اللفظة في كتاب " المنظوم والمنثور " وقد أورد عن الحرمازي ثلاث روايات نسبها الحرمازي إلى غيره في ماهية تلك القصائد، وفي من جمعها، وتقول إحدى تلك الروايات إن الذي جمع القصائد السبع هو عبد الملك بن مروان نفسه " ولم يكن في الجاهلية من جمعها قط " وهي قصيدة عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة وسويد بن أبي كاهل (بسطت رابعة الحبل لنا) وأبي ذؤيب (أمن المنون وريبها تتوجع) وعبيد بن الأبرص (أن تبدلت من أهلها وحوشا) وعنترة (يا دار عبلة بالجواء تكلمي..) ثم أرتج على عبد الملك وهو يختارها فدخل عليه ابنه سليمان وهو يومئذ غلام فانشده قصيدة أوس بن مغراء (محمد خير من يمشي على قدم) ، فقال عبد الملك وتعصب لها " مغروها " أي أدخلوا قصيدة ابن مغراء فيها؛ ويقول الحرمازي أيضاً: إن للعرب أربع قصائد جمعت كل منها موضوعات كثيرة منها النسيب والصفات والمواعظ والأمثال والفخر، ثلاث منهن ربعيات وواحدة مضرية، فالمضرية قصيدة زهير، والربعيات قصيدة طرفة والحارث بن حلزة وسويد؛ أما الرواية الثالثة فتقول إن معاوية هو الذي أمر الرواة بأن ينتخبوا قصائد يرويها ابنه فاختاروا له اثنتي عشرة قصيدة: لامرئ القيس وطرفة وزهير ولبيد وعمرو وعبيد (إن تبدلت من أهلها) وسويد والنابغة وعنترة، قال، وأظن قصيدة الأعشى فيها وقصيدة حسان (أسالت رسم الدار أم لم تسأل) (٢) . وقد

стр. 63

يستنتج من هذه الروايات التي أوردها ابن طيفور أن عملية انتخاب عدد معين من القصائد يتراوح بين ٧ - ١٢ قصيدة قد قام به غير واحد، وان التمحيص قد تناول المختارات فأسقط منها ما أسقط، وأثبت ما اثبت، وأن الإجماع تم حول سبع قصائد طوال لا دخل للجاهليين باختيارها (١) وهي: قصيدة امرئ القيس وزهير وطرفة وعمرو وعنترة ولبيد والحارث ابن حلزة، ثم حاول بعضهم أن يلحق بها قصيدة عبيد (أقفر من أهله ملحوب) وقصيدة الأعشى وقصيدة النابغة. وقد حاول ابن طيفور أن يبين الأسس النقدية في اختيار تلك القصائد (وخاصة السبع التي نالت الإجماع) ، ومما لا ريب فيه ان طول تلك القصائد كان أبين تلك الأسس، ولكن ابن طيفور يورد تعليلات أخرى لا ندري هل كانت قائمة في أذهان الذين اختاروا تلك القصائد أو إنها نتاج تصوره الذاتي، فقد جعل (١) اشتمال القصيدة على معان كثيرة لا مثل لها، مثل قصيدة امرئ القيس وزهير (٢) وانفرادها بمحاسن لم تجئ في غيرها وإطلاق خاتمة بليغة فيها كقصيدة طرفة. (٣) وانفرادها في الوزن والعروض كقصيدة عبيد - جعل هذه الأمور عناصر في الحكم على الشعر الجيد؛ وإذا كانت هذه العناصر حقاً تفرد قصيدة بالاعتبار، فإنها لا تفردها بالجودة الفنية، فالانفراد في الوزن والعروض بدعة لا تجعل القصيدة شيئاً متفردا في خصائصها الأخرى؛ ومن اللافت للنظر أن يقول ابن طيفور في قصيدة لبيد " إنها عين شعر صاحبها " - وهذا شيء نسبي خالص؛ وحين يحكم على قصيدة الأعشى بأنها " ليست إلى القصائد الأولى ولا منها في شيء " فإنه لا يعلل لم كان ذلك كذلك. " المفرد " قصيدة كان أو مقطوعة أو بيتاً هو هدف ابن طيفور في

стр. 64

اختياره، ولهذا أخذ يورد المفردات، مثل قصيدة جراد العون النميري التي مطلها: ذكرت الصبا فانهلت العين تذرف ... وراجعك الشوق الذي كنت تعرف فإنها " من الشعر المقدم في الغزل الذي لا نعرف له مثلاً في جاهلية ولا إسلام " وقصيدة عبد نبي الحسحاس: عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا " فهي من النسيب الذي لا لأحد مثله ولا مثل ما جمع من المعاقبة فيه "؛ كما أن قصيدة عمر بن أبي ربيعة " آمن آل نعم أنت غاد فمبكر " من القصائد التي لا نظير لها في النسيب والمعاني المستظرفة؟ وهكذا مضى ابن طيفور ينظر في اختياره إلى ما يعز نظيره أو ينعدم دون ان يكون لديه معيار واضح إلا ذوقه الخاص، أو ما حام حوله ذوق النقاد القدماء، كقصيدة لقيط بن يعمر ولامية العرب للشنفري. موقف ضد الاختيار إن الاختيار مظهر طبيعي لأنه يعتمد على قاعدة " التفاوت " في القصيدة أو في شعر الشاعر الواحد أو مجموعة من الشعراء، ولكن حين يبلغ التقدير لشاعر ما درجة تشبه التقديس، يصبح شعره غير قابل للأختيار، أي يصبح جميع ما قاله مختاراً، ولكن مثل هذا الأمر نادر الوقوع؛ ولعل حادثة واحدة نموذجية تشير إلى ندرته، فإن ابن أبي طاهر طيفور كان يحاول صنع اختيار لشعر امرئ القيس، وبسبب انشغاله في تحقيق تلك الغاية انقطع أياماً عن مجلس أبي الحسن علي بن هارون المنجم، فلما عاد إليه عاتبه على غيابه فكر له انه كان متشاغلاً باختيار شعر امرئ القيس، فأنكر أبو الحسن ابن المنجم عليه لك وقال له: " أما تستحي من هذا القول؟ وأي

стр. 65

مرذول في شعر امرئ القيس حتى تحتاج إلى اختياره " (١) ؟ وهذا الغضب من ابن المنجم قد يكون له ما يسوغه لو أن كل اختيار فإنما يتم بالمفاضلة بين المقبول والمرذول، غير أن الاختيار يكون بين أشعار متفاوتة في درجات الجودة نفسها أيضا، وإذ أدرك ابن المنجم ذلك، كف عن اعتراضه (٢) . ٣ - إعادة صياغة النظريات القديمة: قد رأينا كيف أن جهد العلماء والرواة وقف أحياناً عند حدود البيت المفرد، أو تعداه إلى استبانة صفة عامة في طبيعة الشعر كاللين أو الفحولة، وما من ريب في أن تلك الأحكام كانت قاصرة عن ان تفي بحاجة النقد، فهي لا تستطيع أن تفسر القصيدة ولا تستطيع أن تمايز بين المستويات المختلفة في ضروب الفنون الشعرية من غزل ومدح وهجاء؟ الخ، وهي إلى ذلك كله تغفل جوانب كثيرة في الشعر يمكن للنقد أن يقف عندها وقفات طويلة. غير أن بعض نقاد القرن الثالث كانوا مخلصين للموروث الذي تلقوه عن أساتذتهم، وكانوا يرون أن الحل للمشكلات الأدبية هو تطوير النظريات التي لقنوها عن أولئك الأساتذة وإعادة صياغتها بحيث ينفتح صدرها للشمول جميع أنواع الاعتراضات الحادثة أو شمول أكثرها، متجاوزين بذلك تزمت ابن الأعرابي وإضرابه، لكن دون ان يبارحوا دائرة الشعر القديم، وفي طبيعة هؤلاء النقاد محمد بن سلام الجمحي وأبو العباس ثعلب.

стр. 66

محمد بن سلام الجمحي (- ٢٣٢) ابن سلام يهتم بدور الناقد كان ابن سلام من أول من نص على استقلال النقد الأدبي فأفرد الناقد بدور خاص، حين جعل للشعر - أي بنقده والحكم عليه - " صناعة " يتقنها " أهل العلم بها "، مثلما أن ناقد الدرهم والدينار يعرف صحيحهما من زائفهما بالمعاينة والنظر؛ ولعله كان يرد بهذا على من يتطاولون إلى الحديث في نقد الشعر من معاصريه وهم لا يملكون ما يسعفهم على ذلك، ولكنه بدلا من أن يصرح بالهجوم عليه وجه نقده إلى ابن إسحاق كاتب السيرة " الذي افسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه " (١) ، وشمل بحملته جميع " الصحفيين " الذين يأخذون علمهم من الدفاتر " ولو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق ومثل ما رواه الصحفييون ما كانت غليه حاجة ولا فيه دليل على علم " (٢) . وفي هذا نقل ابن سلام ميدان الخصومة بين الشعر القديم والمحدث وجعلها حول الناقد البصير وغير البصير، إذ لم تكن المشكلة في نظره مشكلة قدم وحداثة، وإنما كانت تربية القدرة على الحكم لفرز الأصيل من الدخيل في هذا الميدان، ومتى تحقق وجود " الناقد " سهل بعدئذ أن نصل إلى الصواب. ولكن ابن سلام يمنح الناقد البصير " سلطاناً مطلقاً " فمتى قال رأيه في أمر وجد على الآخرين ان يأخذوا بحكمه لانه لا يحسنون ما يحسنه.

стр. 67

الناقد وقصة الانتحال ولهذا تصدى ابن سلام في مقدمته إلى ضروب الانتحال وأسبابه فدون في ذلك نظرات لم يطورها من جاء بعده من النقاد ومؤرخي الأدب العربي، فمن ذلك قوله: " فلما راجعت العرب رواية الشعر (بعد تشاغل العرب عنه بالجهاد والفتوحات) استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلة وقائعهم وأشعارهم وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على السن شعائرهم. ثم كانت الرواة بعد فزادوا في الأشعار التي قيلت؛ وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولودون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم فيشكل ذلك بعض الأشكال " (١) واتهم حماداً الراوية بأنه " كان ينحل شعر الرجل غيره وينحله غير شعره ويزيد في الأشعار " (٢) . فكرة الطبقات وقد بنى ابن سلام كتابه، كما يدل عنوانه على فكرة " الطبقات "، فذكر من شعراء الجاهلية عشر طبقات في كل طبقة أربعة شعراء، ثم اتبعهم بذكر ثلاث طبقات أخرى هي: طبقة أصحاب المراثي، وطبقة شعراء القرى العربية، وطبقة شعراء اليهود؛ ثم جعل شعراء الإسلام في عشر طبقات أخرى، منتهياً بذلك إلى أواخر العصر الأموي، ولم يلق بالا إلى من نشأ بعدهم من شعراء حتى عصره.

стр. 68

الأساس في قسمة الشعراء إلى طبقات ولابد لمن يطالع هذه القسمة من أن يتساءل: على أي الأسس أقام ابن سلام هذا التمييز والتدريج؟ يبدو أن " الفحولة " هي الأساس الأول في ذلك، فكل من ذكرهم في كتابه شعراء فحول، صرح بذلك لدى ذكره شعراء الجاهلية " فأقصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعراً " ولم يصرح به عندما ذكر طبقات الإسلاميين، لكنه قد يستنتج من طبيعة عمله في الكتاب. وهنا يتجلى لنا كيف أن ابن سلام وسع من حدود فكرة الأصمعي وأعاد صياغتها، فقد كان الأصمعي يقسم الشعراء إلى فحول وغير فحول، فجاء ابن سلام وقال: هم فحول إلا أن الفحولة تتفاوت - كان الأصمعي لا يعد الأعشى وكعببن زهير في الفحول، فجاء ابن سلام ووضع الأعشى في الطبقة الأولى من فحول الجاهلية وكعباً في الثانية، وكان الأصمعي يقول في الأسود بن يعفر أنه يشبه الفحول، ولكن ابن سلام يقول: " وكان الأسود شاعراً فحلاً؟ " (١) . أما الأساس الثاني فهو تقارب كل أصحاب طبقة في أشعارهم: " فألفنا من تشابه شعره منهم إلى نظرائه "، وهذه قاعدة هامة، ولكنا اليوم إذا احتكما إلى مقاييسنا النقدية لم نجد بين شعر الأعشى وشعر زهير أو النابغة شبهاً كبيراً، وترددنا في ان نضع أبا ذؤيب الهذلي مع النابغة الجعدي في طبقة واحدة، كما فعل ابن سلام، للتباين بين الشاعرين وأشعارهما. وأحياناً يكون هذا التشابه الذي اعتمده ابن سلام تشابههاً في الموضوع كأنه يجمع أصحاب المراثي في طبقة واحدة، وان يضع ابن قيس الروقيات والاحوص وجميل بثينة ونصيباً معاً لأنه يشتركون في الغزل، وان يجمع بين الرجاز في فئة. لك وجه من التشابه محتمل، كما أن حشد شعراء كل قرية ينظر إلى صلتهم ببيئة واحدة ولك مقياس لا ضرر منه، وجمع شعراء جنس

стр. 69

واحد معاً ينظر إلى صلات مشتركة كثيرة. ٍ ولكن سائر التقسيمات مبهمة لا نستهدي فيها إلى أسس واضحة أو متينة. ويبدو التصنيف الرباعي قائماً على نوع من التحكم في العدد. بل ان ابن سلام يصرح بلك حين يحدثنا انه وضع أوس بن حجر في الطبقة الثانية مع انه يستحق أن يكون في الأولى غير أن اقتصاره على أربعة في كل طبقة هو الذي اضطره إلى ذلك (١) . وهناك مبدأ اعتمده الأصمعي من قبل فجعله ابن سلام أحد الأسس في التدريج الطبقي، فقد كان الأصمعي يرى أن الفحول لا تتحقق بقصيدة أو عدد قليل من القصائد، ولابد من اعتبار " الكم " في إلحاق الشاعر بالفحول، وهذا مبدأ اعتمده ابن سلام حين تحدث الطبقة السابعة من فحول الجاهلية فقال: " أربعة رهط محكمون مقلون وفي أشعارهم قلة فذاك الذي أخرهم " (٢) ، وإذا سأل ابن سلام كيف تقدم طرفة وعبيد ابن الأبرص ولم يصح لهما إلا عشر قصائد قال: " وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدمة " ولكن يفترض ابن سلام هنا أن شهرتهما وتقدمهما يوجبان أن يكون لهما شعر كثير إلا أن أكثره ضاع، وضياعه لا يحرمهما التقديم. وبقي من مقاييس الأصمعي مقياس " اللين "، وقد كان هذا المقياس حاضراً في ذهن ابن سلام غير أنه لم يقرنه بالخير، بل أنه تحدث عن تعهر الشعراء دون ان نحس أنه يربط هذا التعهر بقوة الشعر أو ضعفه، ولكنه اتخذ " اللين " أداة للتوقف في أخذ الشعر والاسترابة فيه، ذلك شانه عندما تحدث عن شعراء قريش فقال: " واشعار قريش أشعار فيها لين فتشكل بعض الأشكال " (٣) ، وبدلاً من أن يقول في شعر حسان ما قاله الأصمعي

стр. 70

من أن شعره لان بسبب الخير، أوحى إلينا أن هذا اللين إنما هو سمة تدل على الانتحال فقال له حسان: " وهو كثير الشعر جيده وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد؟ وضعوا عليه أشعاراً كثيرة لا تنقى " (١) ، وكأنه يقول: ان اللين ليس من قبل الخير وإنما هو من قبل الوضع. تلك صورة موجزة لما أداه ابن سلام في تاريخ النظيرة القديمة، ومنها يتضح لنا كيف عاد إلى المبادئ القديمة فمنحها شكلاً جديداً ووسع منها أو غير بعض التغيير في مدلولها. وحاول أن يخلق نظاماً جديداً لدراسة الشعراء، كانت بذوره موجودة في الصراع حول الأربعة الكبار من شعراء الجاهلية، والثلاثة الكبار (جرير والفرزدق والأخطل) من شعراء الإسلام، ولكن ابن سلام لم يتجاوز التصنيف العام وبعض الأحكام الموجزة على كل شاعر. أن نظرية الطبقات جليلة حقاً ولكنها تظل قوالب إذا هي لم تعتمد الدراسة التحليلية وتبيان الأسس المشتركة والسمات الغالبة، ومن ثم كانت نظرية صعبة، آثر النقاد ومؤرخو الأدب من بعد تحاشيها فراراً من تلك الصعوبة. ثعلب (- ٢٩١) وكتاب " قواعد الشعر " موقع ثعلب في القرن الثالث لم يضرب ابن سلام بعيداً في حياة القرن الثالث سناً أو ثقافة، بل كان تلميذاً لكبار طبقة الرواة أمثال الأصمعي وأبو زيد الأنصاري وأبي عبيدة وخلف الأحمر وغيرهم (٢) ، ولو سأل كيف كان يتصور الناقد البصير الذي يجب أن يأخذ الناس أحكامه مأخذ التسليم لأشار إلى خلف الأحمر. ولكن الأمر لم يكن كذلك في حال ثعلب، فقد توفي سنة ٢٩١هـ؟، وعاشر طبقات

стр. 71

سوى طبقة العلماء الذين أخذ عنهم، واتسعت الثقافات في أيامه، وكثر الجدل حول الشعر المحدث، وشهد جانباً من عصبية أستاذه ابن الأعرابي للقديم، ومع ذلك فان كتاب " قواعد الشعر " الذي يحمل اسمه لا يعدو أن يكون عودة إلى الأحكام التي سبقت ابن سلام والأصمعي، وليس فيه أي صدى لذلك الجيشان الذي حفل به القرن الثالث. وتفسير ذلك أن ثعلباً كان عالماً في النحو واللغة، وأنه كان يعرف حده فيقف عنده، ولا يدعي ما لا يعرف، وقد شهد له تلميذه الصولي كما شهد للمبرد بأنهما ما " ادعيا التقدم في علم شعر المحدثين؟ وتمييز نادره ووسطه وما كان دوناً منه؟ ومعرفة استراقات الشعراء وأخذ بعضهم من بعض، والمحسن منه في ذلك والمسيء " (١) . وبينا يثني الصولي عليهما بالعلم والتواضع ينفي عنهما ما يؤهلهما أن يكونا ناقدين، في مفهوم ذلك العصر. الشك في نسبة قواعد الشعر إلى ثعلب ولولا القول بان " قواعد الشعر " قد يكون من تأليف ثعلب لما صح أن ندرجه بين النقاد، بل ان نسبة الكتاب إليه محل شك - فيما أرى - إذ لم تشر المصادر القديمة إلى كتاب له بهذا الاسم، وقد كانت غاية جهده في رواية الشعر أن يفسر ما فيه من غريب، وليس له في " مجالسه " تعليق نقدي واحد، وإذا تحدث عن الشعراء أورد تعليقات مجملة سريعة مثل قوله: " الفرزدق وجرير أشعر من ذي الرمة، وذو الرمة اشعر من كثير، وكثير أشعر من جميل " وقوله: " زهير أشعر شعراء الجاهلية والحطيئة بعده، وجرير أشعر شعراء الإسلام وبعده المرار الأسدس، وجرير في صدر الإسلام كزهير في صدر الجاهلية " (٢) .

стр. 72

وسواء أصبحت نسبة الكتاب إلى ثعلب أم لم تصح فإنه يغلب على الظن أنه لمؤلف من القرن الثالث، لك لان اضطراب الأنواع والتقسيمات وعدم وضوح منهج معين في تبويب الكتاب يدل على أن مؤلفاته لم يدرك القرن الرابع، ولا قرأ لابن طباطبا أو لقدامة بل ولم يعرف " بديع " ابن المعتز، في أواخر القرن الثالث. غير أن مما يلفت النظر اشتراكه مع قدامة في عد " التشبيه " أحد فنون الشعر، ففنون الشعر في كتاب " القواعد " هي: المدح والهجاء والمراثي والاعتذار والتشبيب والتشبيه واقتصاص الأخبار (١) ؛ وعند قدامة: المديح والهجاء والمراثي والتشبيه والوصف والنسيب (٢) . ونحن نعلم ان الصلة بين ثعلب وقدامة صلة وثيقة، ولو كان الكتاب من تأليف فلعلنا لم نكن لنجد هذا التباين الشديد بينهما في المصطلحات. الطابع العام لكتاب قواعد الشعر ويتسم كتاب قواعد الشعر بغرابة المنحى وشذاجته معاً، وبالتفرد في كثير من المصطلح النقدي. فلن تجد ناقداً سوى مؤلف هذا الكتاب يجعل قواعد الشعر هي: الأمر والنهي والخبر والاستخبار، وأن فنون الشعر من مدح ورثاء واعتذار. وغيرها إنما تتبع من هذه القواعد، ثم يجمع إلى هذا كله حديثاً عن لطاقة المعنى وعن حسن الخروج ومجاورة الأضداد والمطابقة ثم عن جزالة اللفظ واتساق النظم، كل ذلك في سطور وبانتقال مفاجئ من موضوع إلى آخر.

стр. 73

عودة إلى المصطلح البدوي وإذا كان ابن سلام قد تناول مقاييس الأصمعي بالصياغة الجديدة فإن مؤلف " قواعد الشعر " قد عاد إلى الخليل بن أحمد، فتحدث عما يخل باتساق النظم من سناد وإقواء وأكفاء وإجازة وايطاء، وذلك شيء قد وقف عنده ابن سلام نفسه وسيقف عنده ابن قتيبة وقدامة وغيرهما. ولو اقتصر كتاب " قواعد الشعر " على هذا لما كانت عودته إلى الخليل ذات شأن، ولكن عدة الخبر والاستخبار والأمر والنهي قواعد للشعر إنما هو عودة إلى الأصول النحوية التي وضعها الخليل. واهم من ذلك كله أنه حاول أن يستوحي روح الخليل في صياغة مصطلح مبتكر، فإذا كان الفراهيدي قد نظر إلى الخباء في وضع مصطلح العروض، ووقف الأصمعي عند الفحل من الجمال في تصور الشاعرية فما أجراه هو أن يقف عند الفرس، ولاول مرة نجد مصطلحاً نقدياً غريباً لم يعش إلا في كتاب " قواعد الشعر "؛ وربما استوحى واضعه قول ابن الأعرابي من قبل في وصف القافية: " استجيدوا القوافي فأنها حوافز الشعر " أي أنها أشرف ما في البيت لان حوافز الفرس هي أوثق ما فيه وبها نهوضه وعليها اعتماده (١) . فوسع صاحب قواعد الشعر في هذه اللمحة وأوجده مصطلحاً مستمداً من الفرس يدور حول وصف البيت المفرد؛ فالبيت إما معدل أو أغر أو محجل أو مرجل. أما الأغر والمحجل فهما واضحا العلاقة بالفرس، وأما المعدل فلعلها صفة تومئ إلى اعتدال جانبي الجواد، وأما المرجل فلعله يعني البياض في رجل واحدة. وصورة الفرس واضحة في شرحه لكل مصطلح: فالمعدل يبز سائر الأبيات " سابقاً " والأغر يجيء في المكانة بعده " مصلياً " والأبيات المحجلة " ما نتج قافية البيت عن عروضه، وأبان عجزه بغية قائلة، وكان

стр. 74

كتحجيل الخيل والنور بعقب الليل (١) " - وهي تجيء للنوع الثاني " تالية ". فالمعدل: ما اعتدل شطراه وتكافأت حاشيتاه، وهو أقرب الأشعار من البلاغة وأشبهها بالأمثال السائرة كقول طرفة: " أرى الدهر كنزاً ناقصاً كل ليلة " ... " وما تنقص الأيام والدهر ينفد " والأغر: ما نجم من صدر البيت بتمام معناه دون عجزه كقول الخنساء: وان صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار وقد مر تعريف الأبيات المحجلة، ومثالها: فتملأ بيتنا أقطاً وسمناً ... وحسبك من غنى شبع وري والأبيات المرجلة هي التي لا ينتهي معناها إلا بانتهاء القافية كقول زهير: فان الحق مقطعه ثلاث: ... يمين أو نفار أو جلاء فالأول يستقل فيه كل شطر بحكمة أو بقول مكتمل، والثاني يأتي بالقول المكتمل في الشطر الأول ويجعل الشطر الثاني تفسيراً، وينعكس الحال في النوع الثالث، أما الرابع فلا استقلال فيه بين الشطرين. ومن هذا يتضح أن جهد المؤلف لا يتعدى ابتكار المصطلح أو توسيع دلالته وأن الحديث عن البيت المفرد على هذا النحو لا يقدم النقد الأدبي خطوة واحدة، وانه إمعان في التجزئة، وتناس تام للقصيدة، وعودة إلى فكرة " أحسن بيت " بانتحال لبوس جديد، وإذا كانت طبقات ابن سلام قد شدت وثاقاً ضيقاً حول الشعراء، فغن مصطلح " قواعد الشعر " قد ربط بالسلاسل القوية جسم البيت الواحد وشده كتافاً.

стр. 75

٤ - المفاضلة بين شاعرين: كانت المفاضلة بين شاعرين وأكثر محوراً يدور حول كثير من النقد القديم، ولكن أصولها كانت بسيطة ساذجة، تلخص الإعجاب العام لدى أحد المتذوقين بشاعر دون آخر، أما في هذا العصر، فقد اتسع باب القول في المفاضلة وألفت فيها رسائل: وكانت تلك خطوة في الاتجاه الذي اعتمده الآمدي من بعد في كتاب " الموازنة ". رسالة أبي احمد المنجم في المفاضلة بين العباس والعتابي من ذلك رسالة كتبها أبو احمد يحيى بن علي المنجم (٢٤١ - ٣٠٠) يفاضل فيها بين العباس بن الأحنف والعتابي، ويفضل الأول منهما على الثاني؛ وابن المنجم هذا كان متكلماً معتزلي المذهب ينادم معاصريه من خلفاء بني العباس (١) ؛ وقد بنيت الرسالة على أصول مناظرة قامت بينه وبين رجل يدعى المتفقه الموصلي في مجلس علي بن عيسى الوزير، فلما انقض المجلس، كتب ابن المنجم رسالة في هذا الموضوع وأنفذها إلى الوزير المذكور. وليست لدينا صورة من هذه الرسالة، وغنما احتفظ ببعض ما جرى في المناظرة الصولي، ونقل المرزباني ما أورده في كتاب الموشح (٢) . ولا ريب في أن الرسالة اكثر ترتيباً وتعمقاً وتفصيلاً ولكن ما جاء في المناظرة قد يعطي بعض صورة عنها. قال ابن المنجم: " ما أهل نفسه العتابي قط لتقديمها على العباس بن الأحنف في الشعر، ولو خاطبه بذلك مخاطب لدفعه وأنكره لأنه كان عالماً لا يؤتي من معرفة بالشعر، ولم أر أحداً من العلماء بالشعر قط مثل بين العباس والعتابي فضلاً عن تقديم العتابي عليه لتباينهما في المذهب، وذلك أن العتابي متكلف والعباس يتدفق طبعاً، وكلام هذا
следующие страницы →