← Акыда

Акыда · id 10165

حكم الإسلام فيمن زعم أن القرآن متناقض

ابن باز

Полный текст (45 стр.). Показаны 36–45 · переход к 41.

стр. 36

والعمل بمقتضاه، وأنه لا يجوز رده أو بعضه، أو التكذيب بشيء منه، لأن الله - سبحانه- هو أصدق قيلا من خلقه، وهو العالم بأحوال عباده وما يصلحهم، ولأنه سبحانه أمر باتباع المنزّل ولم يجعل لعباده الخيرة في ردّ شيء منه، ولأن رسوله ﷺ هو أصدق الخلق وأكملهم عقلاً وأزكاهم نفساً، وهو الأمين على وحيه- سبحانه- وقد أخبر أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وقد بلّغ كلام ربه كما أنزل، وبلّغ شريعته كما أمر بذلك فلا يجوز لأحد، بعد ذلك، مخالفة المنزّل أو تغيير المشروع برأي أو اجتهاد، وقد أجمع العلماء كافة على أنه لا يجوز لأحد التكذيب بشيء مما أنزل الله أو دفعه، وعدم الرضى به أو العدول عمّا شرع، وذكروا أن ذلك كفر صريح وردة عن الإسلام، لما سبق من الأدلة، ولقوله سبحانه في هذا المعنى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ، وقد سبق ما نقله الإمام الكبير إسحاق بن راهويه والقاضي عياض بن موسى، وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله عليهم - من إجماع العلماء على ما ذكرنا فراجعه تجد ما يشفي ويكفي.. وأما اعتراضه على تعدد الزوجات وحجره على الشعب التونسي أن يجمع بين زوجتين فأكثر، وزعمه أنه فعل ذلك بالاجتهاد في مفهوم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ الآية.. فجوابه أن يقال: هذا من الغلط الكبير، والجهل العظيم، لأنه ليس لأحد من الناس أن يفسر كتاب الله بما يخالف ما فسره به رسوله محمد ﷺ أو فسره به أصحابه ﵃ أو أجمع عليه المسلمون، لأن الرسول ﷺ هو أعلم الناس بتفسير كتاب الله وأنصحهم لله ولعباده، وقد أباح الجمع لنفسه ولأمته، وأمر بالعدل بين النساء وحذّر من الميل، وهكذا أصحابه ﵃ هم أعلم الناس بعد رسول الله ﷺ ، بتفسير كتاب الله كما أنهم أعلم الناس بسنته، وهم أنصح الناس للناس، بعد الأنبياء، ولم يقل أحد منهم بتحريم الجمع، فكيف يجوز - بعد ذلك -

стр. 37

لحاكم أو عالم أن يقدم على خلافهم، وأن يقول على الله خلاف ما علموه، من شرع الله وأجمع عليه العلماء بعدهم، هذا من أبطل الباطل، ومن أقبح الكفر والضلال، ومن أعظم الجرأة على كتاب الله وعلى شريعته بغير حق، ثم إن من تأمل ما شرعه الله- سبحانه- من إباحة التعدد علم أن في ذلك مصالح كثيرة، للرجال والنساء وللمجتمع نفسه - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله - وعلم - أيضا - أن ذلك من محاسن الشريعة الإسلامية التي بعث الله بها رسوله محمدا ﷺ إلى الناس كافة وجعلها مشتملة على ما فيه صلاحهم وسعادتهم، في المعاش والمعاد، واتضح له، من ذلك، - أيضا - أن إباحة التعدد من كمال إحسان الله لعباده ولطفه بهم، وله فيه الحكمة البالغة، لمن تدبر هذا المقام وعقل عن الله شرعه وأحكامه، وما ذاك إلا لأن المرأة عرضة لأشياء كثيرة، منها المرض والعقم، وغير ذلك، فلو حرّم التعدد لكان الزوج بين أمرين، إذا كانت زوجته عاقرا أو كبيرة السن أو قد طال بها المرض وهو في حاجة إلى من يعفه ويصونه ويعينه على حاجاته، أو في حاجة إلى الولد أو غير ذلك، فإما أن يطلقها - وذلك مضرة عليه وعليها - وإما أن يبقيها في عصمته فيحصل له من الضرر والتعب الكثير، والتعرض لما حرّم الله من الفاحشة وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى على المتأمل، وكلا الأمرين شرّ لا يرضى بهما عاقل، وقد يكون الرجل - أيضاً - لا تعفّه المرأة الواحدة فيحتاج إلى ثانية أو أكثر ليعفّ نفسه عمّا حرّم الله، وقد تكون المرأة التي لديه قليلة النسل، وإن لم تكن عاقراً، فيحتاج إلى زوجة ثانية أو أكثر لطلب تكثير النسل الذي حثّ عليه النّبي ﷺ ورغّب فيه الأمة، وقد تكون المرأة عاجزة عن الكسب وليس لها من يقوم عليها ويصونها فتحتاج إلى زوج يقوم عليها ويعفّها، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة للرجل والمرأة وللمجتمع نفسه، في تعدد الزوجات، وقد تكثر النساء بسبب الحرب أو غيرها فيقل من يقوم عليهن فيحتجن إلى زوج يعفهن ويرعى مصالحهن ويحصل لهن بسببه، الولد الشرعي، وقد علمت - مما ذكرنا سابقا - أن الله- سبحانه- هو الحكيم العليم في كل ما شرعه لعباده وأباحه لهم، كما أنه الحكيم العليم في كل ما قضاه

стр. 38

وقدره فلا يجوز لأحد - كائنا من كان - أن يعترض عليه في حكمه أو يتهمه في شرعه، كما أنه لا يجوز لأحد أن يزعم أن غير حكم الله أحسن من حكمه، أو أن غير هدى الرسول ﷺ أحسن من هديه، كما قال الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وكان النبي ﷺ يقول في خطبه: " أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد كان بعض أهل الجاهلية يجمعون بين العدد الكثير من النساء فجاء الإسلام وقصرهم على أربع، كما في قصة غيلان بن سلمة ﵁ فإنه أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، وثبت عن النبي ﷺ ما يدل على أن الله- سبحانه- أباح لنبِيَيْهِ الكريمين، داود وسليمان، ﵉ أكثر من أربع، فجاءت الشريعة الإسلامية المحمدية الكاملة العامة لجميع البشر على يد أفضل الخلق وخاتم الرسل - عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام - بأمر وسط يجمع المصالح كلها وهو إباحة الجمع بين أربع من النساء، ومنع ما زاد على ذلك، وقد أجمع العلماء ﵏ على إباحة الجمع بين أربع - كما تقدم - وأجمعوا - أيضا - على تحريم ما زاد على ذلك، وقد شذ عنهم، في جواز الزيادة على ذلك، من لا يعتد بخلافه ما عدا النبي ﷺ فإن الله خصّه بخصائص، منها جواز الجمع بين تسع نسوة، لأسباب وحكم كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، ومن تأمل حال من أنكر التعدد، كالنصارى وأشباههم، علم - من واقع الكثير منهم - أنهم وقعوا فيما حرم الله من الزنا، واتخذوا الخدينات الكثيرات فاعتاضوا الحرام عن الحلال، والخبيث عن الطيب، وشابهوا من قال الله فيهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ ومعلوم أن الرسول ﷺ هو أعلم الناس بتفسير كتاب الله، وقد فسر قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ، المراد من ذلك إباحة الجمع بين أربع من النساء فأقل دون ما زاد على ذلك، وهكذا

стр. 39

أصحابه، ﵃ لم يحفظ أن أحدا منهم أنكر الجمع بين أربع أو نكح أكثر من أربع، وهو أعلم الناس - بعد رسول الله ﷺ بتفسير كتاب الله، كما أنهم أعلم الناس بسنته ﵊ كما سبق بيانه، وفي ذلك كفاية ومقنع لطالب الحق، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به. وأما المنكر السادس، من المنكرات الستة التي سبق ذكرها، وهو زعمه أن المسلمين في إكثارهم من الصلاة على رسول الله ﷺ قد ألهّوهُ بذلك، فجوابه أن يقال: إن هذا ليس بتأليه لرسول الله ﷺ والعبادة له، بل ذلك عبادة لله وحده وامتثال لأمره عزوجل - حيث قال في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ فقد أخبر- سبحانه- أنه وملائكته يصلون على النبي ﷺ ثم أمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، فدل ذلك على شرعية الإكثار من الصلاة والسلام عليه ﷺ وأن ذلك من أفضل القربات، وقد أجمع علماء الإسلام على ذلك وصح عنه ﷺ أنه أمر بذلك ورغب فيه فقال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة" وفي الصحيحين - واللفظ للبخاري -عن كعب بن عجرة ﵁ أن الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد"، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والصلاة من الله سبحانه، معناها: الثناء على عبده في الملأ الأعلى بذكر صفاته الحميدة، وأعماله الجليلة، ومن العباد طلبهم ذلك من الله سبحانه، ويراد بالصلاة - أيضا - الثناء من الله سبحانه على عبده

стр. 40

ورحمته إياه، كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ، وهذه المسألة من أوضح المسائل لصغار طلبة العلم، وعامة المسلمين، فكيف خفي هذا على زعيم كبير؟ فالله المستعان. فإن قيل: إذا كان الإكثار من الصلاة والسلام على النبي ﷺ ليس تأليها له، فما هو التأليه للرسول ﷺ والعبادة له؟ قلنا: إن التأليه للرسول ﷺ ولكثير ممن يسمون بالأولياء وغيره، واقع من كثير من الجهال، ومنتشر في أنحاء الأرض، يعلم ذلك من خبر واقع الناس، وعرف دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، وخلق الثقلين من أجله،وهذا التأليه - الذي وقع من كثير من الجهال - هو صرف بعض العبادة للنبي ﷺ أو لغيره من المخلوقين، كدعائه والاستغاثة به وطلبه المدد والشفاء للمرضى، والنصر على الأعداء، ونحو ذلك من أنواع العبادة، والله سبحانه أوجب على عباده أن يخصوه بالعبادة، ونهاهم عن الشرك به، وبعث الرسل وأنزل الكتب لبيانها وبيان ما يضادها، كما قال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وقال- سبحانه-: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَنْ لا تَعْبُدُوا إَِّلا اللَّهَ﴾ الآية.. وقال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله سبحانه، هو الذي يشفي المرضى، وينصر على الأعداء، ويكشف الكروب، يجيب المضطر، وينزل المدد على عباده، - إذا لجؤوا إليه واستغاثوا به - كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، وقال : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الآية، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ

стр. 41

يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ، وقد عرف المشركون ذلك في جاهليتهم، فكانوا يشركون في حال الرخاء، وأما في حال الشدائد فيخلصون لله العبادة، كما قال : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ، كما اعترفوا - أيضا - أن الله- سبحانه- هو الخالق الرازق، النافع، الضار، المدبر لأمور العباد، وأنهم ما عبدوا غيره - من الأنبياء، والأولياء والملائكة والجن والأصنام والأوثان - إلا ليشفعوا لهم عند الله وليقربوهم لديه زلفى، كما ذكر الله عنهم ذلك في كتابه المبين حيث قال- في سورة يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، وقال في سورة الزمر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ففي هذه الآيات وغيرها من الآيات الكثيرة، الدلالة الصريحة على أن الله سبحانه هو الإله الحق، المستحق للعبادة، وأنه لا يجوز تأليه غيره ولا صرف شيء من ذلك لسواه، كما قال : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إَلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ، وقد أخبر سبحانه، في غير موضع من كتابه، أنه حرّم الشرك على عباده وأنه لا يغفره لمن لقيه به، كما أخبر أن صرف شيء من العبادة لغيره شرك به وعبادة لسواه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ، وقال في سورة المائدة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ، فبيّن سبحانه في هذه الآية، أن دعاءهم

стр. 42

غيره شرك به كما أوضح - سبحانه - أن ذلك من الكفر الأكبر فقال : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ، وأخبر أنه لا أضل ممن دعى غير الله وأن المدعوين من دونه - من الملائكة والأنبياء وغيرهم - يتبرءون من عابديهم وداعيهم، وأنهم غافلون عن ذلك لا شعور لهم به، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة، وفيما ذكرناه كفاية ودلالة صريحة على أن العبادة حق الله وحده وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغيره- سبحانه- فالواجب على أهل العلم أن يبينوا ذلك للناس وأن يشرحوا لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله محمداً ﷺ ومن قبله من الرسل، وأن يعلِّموهم ما جهلوا من ذلك، وأن يحذّروهم من الشرك بالله ، وعلى الحكام أن يُنفّذوا أمر الله، وسنة رسوله، ﷺ مستعينين بعلماء الحق على معرفة ما جهلوا من كتاب الله، أو سنة رسوله ﵊، وفي ذلك عزهم وشرفهم، ونجاتهم، في الدنيا والآخرة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، وقال ﵊ "خيركم من تعلّم القرآن وعلمه"، وقال ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، وفي الأثر المشهور عن عثمان ﵁ وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضا -: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وقال الإمام مالك ﵀:" لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"، وهذه الكلمة العظيمة هي قول جميع أهل العلم، والذي صلح به الأولون وصاروا به

стр. 43

قادة الناس وأئمة الهدى وحكام الأرض، هو اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﵊ ورد ما تنازعوا فيه إليهما، لا إلى آراء الناس واجتهاداتهم، ولن يصلح آخرهم إلا بهذا الأمر، الذي صلح به أولهم، فنسأل الله أن يوفق أئمة المسلمين، وعلماءهم لذلك، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يصلح عامة المسلمين ويمن عليهم بالفقه في الدين، ويولي عليهم خيارهم إنه جواد كريم.

стр. 44

ماذا يجب على رؤساء الدول الإسلامية إزاء ما نسب إلى الرئيس أبي رقيبه ؟؟ لا شك أن ما نسب إلى الرئيس أبي رقيبه، من القول بتناقض القرآن وإنكار عصا موسى وقصة أهل الكهف، والتنقص للرسول ﷺ ونسبته إلى الكذب على الله- سبحانه- أنواع من الكفر الصريح والردة عن الإسلام، وهكذا دعوته الحكام إلى تطوير الأحكام وزعمه أن إعطاء الأنثى - في الميراث - نصف الذكر، نقص تجب إزالته، لأنه ليس منطقيا ولا يناسب تطور المجتمع، وهكذا حجره تعدد النساء، لكونه لا يناسب تطور المجتمع، كل ذلك من الكفر الصريح والاعتراض على الله- سبحانه- والاتهام له في حكمه - كما تقدم بيان ذلك - فالواجب - على جميع رؤساء الدول الإسلامية - قطع العلاقات السياسية معه حتى يعلن التوبة الصريحة مما نسب إليه، أو التكذيب لذلك بطرق الإعلام الرسمية، حتى يعلم الناس حقيقة ما هو عليه، وحتى يعاملوه بما يجب أن يعامل به، وحتى لا يتأسى به غيره، من الحكام أو غيرهم، لأن ما نسب إليه من أنكر المنكرات التي يجب إنكارها على من وقعت منه - حسب القدرة -. ولا شك أن قطع العلاقات معه من إنكار المنكر المستطاع، من الدول الإسلامية، كما قال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، وقال ﵊: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون

стр. 45

وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"، وأبلغ من ذلك وأشد في التحذير من السكون على المنكر قول الله : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ، والله المسؤول سبحانه، أن يهدينا وسائر المسلمين لما فيه صلاح الدين والدنيا، وأن يوفق حكام المسلمين للتمسك بكتابه، وسنة نبيه ﷺ ، والحكم بشريعته، والتحاكم إليها، والإنكار على من خالفها، وأن يجمع كلمتهم على الهدى إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على عبده ورسوله وخيرته، من خلقه، نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين... رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز