← Адаб

Адаб · id 1017

بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

إحسان عباس

Полный текст (411 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

كانت تضطلع به المجلة الأولى من مدد مادي: " اكتب قصائد على مستواها، انك ابتدأت من حيث الشهرة خارج نطاق جماعة شعر منذ الآن، وسوف يخلو لك الميدان فلا منافس، منذ أول قصيدة تنشرها بعد انفكاكك من دار " شعر " وهنيئا لشعر بشعرائها الباقين؟ ماء إلى حصان العائلة، وهلم جرا " (١) . ان ضروب ذلك النشاط وأنواع الاهتمام التي كان يبديها بدر تجاه أمور مختلفة متفاوتة تنبئ عن أن نسمة الحياة كانت ما تزال تتردد في بنيته النحيلة بقوة، وتشير أول رسالة من العراق بعث بها إلى حوار عن مدى انشغال نفسه بالموضوع الذي تحدث فيه إلى المؤتمرين برومة أعني موضوع الالتزام، ومع أنه لم يأت بشيء جديد حول تلك المشكلة نفسها، نجد لديه صورة جديدة يحاول أن يصوغ فيها رأيه في حقيقة الشعر: " أن الأثر الأدبي أو الفني يشبه اللؤلؤ وان عملية الخلق الأدبي تشبه إلى حد كبير عملية انبثاق اللؤلؤ وتولده داخل المحار؛ وحين يدخل إلى المحارة جسم غريب يحدث في أنسجتها الداخلية التهابا يجعلها تحيط ذلك الجسم الغريب بما نسميه فيما بعد لؤلؤة. وفي الإمكان إدخال جسم غريب إلى المحار بالإكراه لإحداث الالتهاب وتوليد اللؤلؤة، لكن مثل ذلك اللؤلؤ لن يكون إلا صناعيا لا يداني اللؤلؤ الأصيل في الجودة " (٢) ، ومعنى هذا أن الجسم الغريب هو المؤثرات الخارجية كالتوجيه السياسي أو ما اشبه، مما يعده بدر إلزاما لا التزاما؛ أما الرسالة الآنية فأنها حافلة بأخبار الأدب في العراق، مما يدل على تتبع حي للحركة الأدبية هنالك، وإذا كان لنا أن نوجه الانتباه إلى شيء يتصل ببدر في تلك الرسالة فهو فهمه الدقيق لمعنى عمود الشعر ومخالفته للذين يطلقون هذا الاصطلاح على كل الشعر

стр. 352

القديم حتى ظهور الشعر الجديد، فهو يرى أن المقصود بعمود الشعر هو طريقة استعمال المجاز، (وحتى الصفات أحياناً) ، ومن أجل ذلك أتهم أبو تمم في القديم بالخروج على عمود الشعر مع انه لم ينظم على الطريقة الجديدة، ومع ذلك فان الذين يستعملون هذه اللفظة اليوم يقولون أن أبا تمام كان شاعرا " عموديا ". ولكن هذه الطاقة الجديدة سرعان ما انحسرت، أثر برد شديد ألم به فأدخل مستشفى المواني بالمعقل، وطال به الرقود على سرير المستشفى، " ولم تتخذ احتياطات لوقاية ظهره من التعفن فحصل احتقان وجرح أخذ يتسع ويعمق حتى بدأ عموده الفقري فوصفت له بعض العلاجات كان أنجعها مرهم ينفق منه أنبوبا واحدا يداف بالبودر الطبي " (١) . ولذلك كتب يستصرخ صديقه رئيس تحرير مجلة حوار لعله يمده بالدواء اللازم: " شفيت من ذات الرئة لكن امتلأ ظهري من منتصفه حتى فخذي بجراح ناغرة فاغرة. لا تسأل عن العذاب والالم. دواء هذه الجراح الناجع في بيوت في صيدلياتها، واسمه درمنت بودر Dermont Powder أو هكذا اذكر؟. " (٢) . واجتمع عليه وهو في المستشفى الاقلال من الاهلين: البسر والأسرة؟ كما حكى المعري عن نفسه - فقد قطع عنه النصف الثاني من مرتبة؟ بعد فترة من قطع نصفه الاول، وفقد جدته التي كفلته بعد وفاة أمه (في ١٠ - ٥ - ١٩٦٤) وكتم الخبر عنه عشرين يوما (٣) لئلا يصاب بنكسة، وأخيرا كان لا بد مما ليس منه بد، ولا ريب في أن الخبر كان

стр. 353

مؤلما، وان كان الانشغال بالآلام الذاتية يطغى على النفس ويقف كالدخان بين العين والمرئي أو بين البصيرة والتصور (١) . وفي مطلع الربيع من عام ١٩٦٤ تقرر نقله إلى الكويت، ومن الواضح ان الدافع إلى ذلك أمران: جودة العناية في مستشفياتها وقلة التكاليف المادية التي قد يتحملها معوز مثل بدر، وكان جرحه الناغر قد جف، وأصبح رحيله ممكنا، ولنستمع إلى رفيق طفولته وصباه الأستاذ محمد علي إسماعيل بقص قصة سفره إلى حاضرة البترول: " وصباح يوم سفره إلى الكويت كان الوجوم مخيما على زوجته وأطفاله وعمه وصهره وكنا في شرفة حديقة المطار وفوجئنا بامتناع ممل الخطوط عن السماح له بالسفر نظرا لحالته الصحية، وقبل إقلاع الطائرة أرسلت شخصا في المستشفى لجلب شهادة من الطبيب المختص، وكان بدر يلبس الكوفية والدشداشة ذات الجيب الجانبي فقلت له: عزيزي بدر، أنك في زي كويتي كامل فقال: لا، إن الزي ليس كاملا إذ ليس في الجيب دفتر صكوك. ثم اذن له بالسفر بعد ذلك فساروا به في عربته من الباب الرئيسي ووقفنا خلف السياج احمل طفلته الصغيرة آلاء التي كانت الوحيدة التي تلوح له فلا يراها، وحين صعوده سلم الطائرة محمولا حملت الرياح الكوفية من رأسه وطرحتها على جسم الطائرة من أعلى فتلطف بعض الركاب فجذبها وألبسه إياها على الدرج، وكان هذا آخر العهد به " (٢) . دخل بدر الجناح الرابع من المستشفى الأميري بالكويت في ٦ - ٧ - ١٩٦٤ فقرر الطبيب الذي تولى فحصه انه يشكو من ضعف عام ومن عدم القدرة على المشي معتمدا على نفسه، وعند تشخيص

стр. 354

مرضه وجد انه يعاني من Amytrophic Iateral Sclerosis أي " تطلب جانبي ضموري " وهو؟ كما يقول معجم شرف الطبي: " مرض جمع بين الالتهاب النخاعي الأمامي المزمن والتصلب الجانبي وأهم أعراضه ضمور العضلات مع تشنج الأطراف ومبالغة في المنعكسات وينتهي بالموت لانتشاره نحو النخاع المستطيل " (١) ومثل هذا التشخيص يتفق مع ما قاله الدكتور ادواردز بلندن وما قاله الطبيب الفرنسي، ويدل على أن إقامة بدر في المستشفى لم تكن في نظر الأطباء إلا انتظار للمصير المحتوم، ولكن هذا لا يمنع من بذل كل عناية لتخفيف الآلام عنه. وقد لازمه أثناء مرضه أخ كويتي كريم هو الأستاذ علي السبتي، فقد تعهده بالرعاية، وكانت صحبته تصله بالعالم الخارجي، وتهون عليه عذاب الوحدة، وتيسر له ما يحتاجه من شئون، هذا عدا عما بذله الأطباء والممرضون من عناية به. ويقول الأستاذ السبتي انه لطول الإقامة في السرير أصيب بتقرحات في الجلد، ولكن هذا لم يرد فيما قرره الأطباء. غيران السبتي يشهد؟ ويؤكد الطبيب شهادته - بان طول الإقامة كان مسئولا عن تدهور حاله النفسية. وفي رسالة إلى أدونيس يبدو عليها بعض الاضطراب في الخط والسهو في غير موضع (وهي تحمل تاريخ ١٧ - ٩ - ١٩٦٤) نجده ما يزال يتحدث في شيء من الهدوء عن صحته العامة وعن تدفق ينبوع الشعر: " صحتي العامة لا بأس بها، لكن ساقي الكسيحتين ما زالتا على وضعيهما، إن نفسي تتدفق بالشعر، لكنه يدفق من ينبوع ألم عظيم ويأس لا طرب. البارحة فحسب كتبت قصيدة ليس فيها حزن ولا يأس ولا ألم "، وكان الذي أثار هذه القصيدة أن السبتي سافر إلى لبنان وعاد يحمل إليه أنباء عن " أحبائه " في بيروت؟ أي عن " هواه " فيها - وشاع السرور في نفسه لأن

стр. 355

" الأحباء " وعدوا بأن يكتبوا إليه، ولعل السبتي إنما ألف قصة اللقاء والرسالة لينعش صديقه بشيء من الأمل، أما قصة الهوى نفسه فربما كانت مما حدثه به السياب في إحدى زياراته له. ولكن هذه الخفقة لم تلبث أن ذابت كما يذوب الحبيب الطافي، وظل بدر فريسة لنوبات من الكآبة والاضطراب العصبي، وكان اشد ما يؤلمه قلقه على زوجه وأطفاله، وحين أصبحت نوباته " مرضية " أخذ يتردد عليه طبيب نفسي فقرر انه مصاب بما يسمى Reactive Anxiety أي " القلق الارتكاسي " أو " الانعكاسي "؟ وهو انعكاس للمرض الجسمي نفسه؛ وحين كانت النوبة تستبد به، فأنها كانت تتركه فريسة للوساوس والرؤى المزعجة، فينسرب في أحلام يقظة مخيفة ولا يكاد يستفيق من حلم راعب حتى يتردى في حلم آخر أشد هولا. وفي أثناء تلك النوبات كان " الكابوس الشيوعي "؟ إن صحت التسمية - يضغط على نفسه ضغطا خانقا يسلمه إلى الرعب والهلع. دخل عليه صديقه السبتي في إحدى حالاته تلك، فلما استفسره عما يجد أخبره بأن أنباء موثوقة وصلته تؤكد ان جماعة من الشيوعيين تأتمر به لتقتله، قال السبتي: " فأخذت أطمئنه ثم رفعت وسادته ووضعت تحتها حافظة تقود خاوية وقلت له: هذا مسدس تستطيع استعماله ان دعت الحاجة إلى ذلك " ثم خرج ذلك الصديق وهو يوهمه أنه سيتصل بدوائر الأمن لتأخذ الحيطة اللازمة، وغاب عنه بعضا من الوقت وعاد إليه فبادره السياب قائلا أن أنباء أخرى وصلته تؤكد أنه قد تم القبض على تلك العصابة. ومن الطبيعي أن يقال ان مثل هذه النوبة كانت تعني تضخم الوهم إلى درجة فاض فيها على منطقة التعقل الواعي وحطم السياج القائم بين المنطقتين، ولكن هذا التضخم لم يكن ليتم لولا أن السياب تقمص

стр. 356

صورة الطفل الذي صوره في قصائده من قبل ضحية للشيوعيين، فإذا هو ذلك الطفل نفسه يصرخ؟ دون صوت (١) آه يا أمي ... عرفت الجوع والآلام والرعبا ... حين رأى الحبال والعصي تملأ الطريق لتسحب جسمه وتمزقه أي أن بدرا أصبحت تخايله صور الأحداث المرعبة التي رسمها بتهويل في وصفه لأحداث الموصل وكركوك وغيرهما. وكان هنالك كابوس آخر يعتصر وعيه فلا ينفذه منه الا هربه التام إلى منطقة الرؤى: كانت الشهوة الجنسية التي عبر عنها تعبيرا احموما في قصائد الغربة في بيروت ولندن ما تزال تصب عليه سياطها، ولكنه لم يتحدث عنها في قصائده التي نظمها في الكويت، واكتفى بحديث الحب المتسامي، ولهذا تحولت لديه إلى رؤى كابوسية: دخل عليه السبتي ذات يوم فوجد ممرضة هندية تقف أمامه وهو يشتد في تقريعها وتوبيخها فلما سأله عن السبب في حدة: " ألا تخجل هذه المرأة من الدخول علي والنساء العاريات يحطن بي!! " فإذا انجابت عنه هذه الرؤى عاد إلى طبيعته الأصلية يتحدث فيطيل أو يتوجه بالحنين إلى زوجه وأطفاله فيكتب الشعر والرسائل أو يتخذ من المناجاة والتوسل إلى الله بأن يمن عليه بالشفاء سفينة تبحر به من " بحران " المرض إلأى بر الهدوء والسكينة. لقد عجز العلم عن أن يحقق له الشفاء، وفي مثل هذه الحال تستسلم النفس إلى تعليق الرجاء بالغيب، ولهذا كان بدر يتمنى في تلك الحال لو كان لدى المسلمين شخصية شبيهة بالعذراء تجيب دعاء الزمنى والضعفاء؟ ونسي في مرضه

стр. 357

قصة البوصيري وقصيدته المشهورة في مدح الرسول -؛ ولدى الأستاذ السبتي مسودة قصيدة بخط السياب يمدح فيها الإمام علي بن أبي طالب ويستعطفه على حاله ويتوسل بجاهه رجاء الشفاء. وفي ١٥ - ١١ - ١٩٦٤ أخذ الممرض يدلك جسمه، فشعر فجأة بألم حاد في فخذه اليسرى، وكانت تلك بداية تحول خطير في مرضه فعندما صور موضع الألم بالأشعة أظهرت الصورة حقيقتين مرعبتين: الأولى أن هناك كسرا في عنق عظم الفخذ والثانية انه كان قد أصيب بمرض خبيث جعل العظم ينكسر كأنه قشة من حركة خفيفة كالتدليك. وزاده هذا الكسر كساحا وربطه بسرير مقعدا لا يروم مكانه، وحين حدث التطور التالي لم يستطع جسمه الهزيل مزيدا من المقاومة، فقد أصيب بنزلة رئوية شعبية Bronchopneumonia فارق على أثرها الحياة في الساعة الثانية والدقيقة الخمسين من بعد الظهر يوم ٢٤ - ١٢ - ١٩٦٤، وختمت تلك السلسلة الطويلة من الآلام الجسدية المبرحة والعذاب النفسي المؤرق ومعاناة الوحدة والغربة والفقر وغياب الرجاء وتوقع الموت في كل لحظة على مدى أربع سنوات. وقد يقال في تعليل مرض السياب أشياء كثيرة: فمن الناس من يتحدث عن هزاله الموروث وضعف جسمه بعامة ويقرنه بالمصاعب التي واجهها مشردا وجائعا ومسجونا ومحروما أحياناً من مورد الرزق، ومنهم من يتحدث عن استعداد خاص في العائلة للسل لان خاله توفي بهذا المرض، ولأن عمة له أصبحت به، ومنهم من يتحدث عن شدة شبقه وإسرافه في الناحية الجنسية، ومنهم من يقرن بين الصدمة النفسية التي أصابته في السجن وبين الوهن العام الذي أصاب جسده من بعد، وقد تجد من يقرن المرض بالرعب استولى عليه اثر هجومه الحاد السافر على الشيوعيين، ولكن الطبيب إدوارد قد رد على هؤلاء جميعا حين قال ان العلم لم يتوصل بعد إلى سر ذلك المرض.

стр. 358

واراني هنا مضطرا للوقوف عند قول أحد الأدباء: " وكان بدر مع ذلك كله يزيد دائه بكثرة الشراب؛ لقد كان الشراب رفيقه الدائم في حالتي الصحة والمرض، وكثرة الشراب تسرع حتى بالأجسام السليمة إلى القبر " (١) ، وقد كان من الممكن أن أعيد هنا أيضاً قول الدكتور ادوادز، ولكن الأمر يتعلق بحقيقة هذا السؤال: هل كان بدر يكثر من الشراب حقا؟ وقد سألت بعض من عرفوه عن الكثب، فأكد أخوه مصطفى أنه مسرفا في الشراب قبل الزواج قم اصبح اقباله عليه قليلا من بعد. وشهد ثان كان يعمل معه في جريدة " الحرية " بأن صفة " الإسراف " هنا لا تنطبق عليه، ووضع الدكتور عبد الله السياب الجواب على هذه المسألة وضعا أدق حين قال: " لم يكن بدر يشرب كثيرا، وإذا جلس للشرب لم يتناول كمية كبيرة، ولكن لضعف صحته كان قليل من الشراب يتركه فاقد الوعي مدة ساعات ". توفي بدر بعد ظهر يوم الخميس، وفي يوم الجمعة التالي نقل جثمانه إلى البصرة، ولرجح مرة أخرى إلى الأستاذ محمد علي إسماعيل ونستمع إلى ما يرويه: " وقفت سيارة كبيرة حمراء اللون فيها شخصان كويتيان، وقفت في محلة السيف بالبصرة، وسأل الكويتيان هل يوجد مسجد قريب، فأجاب شخصان آخران: أن جامع السيف مفتوح لصلاة العصر، وكانت السماء ممطرة وأدخلت الجنازة، وصلى عليها أربعة

стр. 359

أشخاص كانوا بقية من بقي في المسجد " (١) . وقد قرن بعضهم بين وفاة بدر وبين " المطر " خامس المشيعين لتلك الجنازة، وهي التفاتة لا بأس بها، فان " المطر " في شعر بدر يمثل الحياة والموت معا، ولكنا حين نأخذ في إثارة هذه اللفتات، قد نقف عند لون السيارة أيضاً فنجد ان " اللون الأحمر " لم يتخل عن بدر وان حاول بدر التنصل منه، ولو أمعنا في الإثارة لربطنا بين الميت الذي لفظته أمواج الخليج في قصيدته " غريب على الخليج " وبين موت بدر نفسه غريبا على سيف الخليج نفسه، وإذا ذهبنا هذا المذهب لم نكد نحجم عن القول بأن مالية بدر الصحيح الجسم لم تسعفه على الرحلة، وتكفل المرض باطلاعه على دنيا لم يكن يعرفها فكأن تطاول المرض إنما أعطاه فرصة ليودع بيروت ورومة ولندن وباريس وهذا سياق متشعب والخوض فيه ضرب من التفسيرات الباطنية. وأبين من كل ذلك دلالة على فداحة العبء الذي ينهض به الفرد العربي حيا وميتا أن نذكر حادثة أخرى لا تتحمل التفسير الباطني أبداً: كان أحد الأربعة الذين يرافقون الجنازة قد اتصل هاتفيا بدار الفقيد ليخبر زوجه أن الجنازة قد وصلت. ولكن ما الذي يجري في تلك الساعة؟ كانت الزوجة ومن يعاونها من أقربائها قد أخذوا يقومون بنقل الأثاث لإخلاء البيت الذي يسكنونه فقد أصرت مصلحة الموانئ على ضرورة إخلائه غير مصغية إلى التماس الشفعاء وتوسلات الضعفاء. مصلحة المواني آلة إلكترونية لا مجال فيها لغير الأرقام، والأرقام تقول: انه منذ كذا وكذا انقطعت صلة المسمى بدر شاكر السياب بتلك المصلحة، ومعنى ذلك ان البيت لم يعد بيته. لن نقف عند هذه المفارقة أيضاً، فمن ذا الذي يجرؤ أن يلوم بدرا على ما كان يحس به من قلق تجاه الأيتام الثلاثة وامهم؟ ولكنه حينئذ

стр. 360

كان قد استراح من كل هم وقلق، ووري التراب في مقبرة الحسن البصري، بقضاء الزبير، بينما كان صديقه علي السبتي يردد في دخيلة نفسه: " لا تبعد؟ لا تبعد "!!

стр. 361

- ٢٩ - اضمحلال الرموز عاد السياب إلى أحضان " الروحية " ادعانا لصورة الأم، وتقبلا لإرادتها، فقد كان يحس أنه لا يستغني عن وجه من وجوه اللقاء بها، وهذا معناه أن يؤمن؟ على الأقل - بتلاقي الأرواح بعد الموت، أو أن يؤمن باتحاد النفوس الإنسانية في رحم الأم الكبرى (الأرض) مثلما آمن بالقوى لسارية التي تحرك مخاض تلك فتربو وتهتز وتلد، واتخذ لتلك القوى أسماء مثل تموز وعشتار وأتيس وغيرها، وقد أبعده كفاحه النضالي عن مجال " الروحية " حين جعله يتخذ من الحزب ومبادئه قوة يستند إليها فتغنيه عن السند الذي كان يحتاج إليه وهو متفرد منعزل في شبابه الباكر لا يجد إلا " النخلة الفرعاء " مستندا يحمل روحه وجسده، وحين خطأ بعد انهيار الركن الجماعي الأول ليعانق ركنا جماعيا جديدا في القومية المغلقة؟ حسب مفهومه - بنوع من الدين القومي استند إلى هذا الركن فترة من الزمن غير طويلة، ذلك أنه؟ لا شعوريا - اكتشف حقيقة موقفه الجديد من خلال رموز الأرض، فكأنه كان من خلال هذا الانتماء الجماعي يعود مرة أخرى إلى الام، إلى فرديته القديمة، ولذلك فانه سرعان ما تحول من تموز إلى المسيح أو وحد بينهما في القوة الرمزية، وسرعان ما وجد نفسه؟ في حومة مجلة " الشعر " - يبشر بقيم دينية في الفن؛ وإذا كان هذا هو الجانب

стр. 362

العفوي في تلك العودة فان وجهها الإرادي يتمثل في محاولته الإمعان في البعد عن اليساريين ويعد إقداما على التظرف إلى النقيض، لكي يثبت لنفسه أنه قد بلغ إلى حيث لا يرجو عودة اليهم، وألى حيث لا يستطيعون أن يمدوا إليه حبالهم أو عصيهم؛ ومن جراء هذا التحول نفسه أخذ الشك يساوره حول جدوى الالتزام، فحاول أولا أن يوسع من مفهوم هذا المصطلح، ثم أن يعلن عن ضجره من الموقف الالتزامي جملة، ثم أن يتخلى عنه تحت وطأة المرض وحدة الإحساس بالمشكلة الفردية التي تمثلت في مرضه وما جره من نتائج؛ ومن الإنصاف للسياب أن نلمح في سريرته نقاء لم تستطع أن تطمسه أنواع العذاب الجسدي الذي كان يعتصره، إذ نجده ما يزال معذب النفس والضمير أيضاً بين التخلي عن التزامه القديم وبين ضرورات المشكلة الفردية التي كانت تستحوذ على كل كوة يتسرب منها النور إلى عالمه، وحسبنا أن نجده يقول وهو مقيد بالعجز والمرض والحرمان: " مالي وما للعالم كيفما سار فليسر، رغم أن صوتا تحت ذلك الصوت يهمس: كلا، أنه عالمي ويهمني الاتجاه الذي يسير فيه " (١) ، فذلك الصوت الهامس الذي لم يلبث إلا قليلا حتى خفت؛ للضغط الشديد الذي يعانيه شاعر يتوقع الموت، هو الصوت الذي يعبر عن تألم الشاعر لتخليه عن المسئولية الجماعية؛ وقد يقول بعض الناس أن قصيدته التي حيا فيها الخلاص من قاسم إنما كانت تكفيرا عن موقف من النفاق الذي اضطرته إليه ظروف الحياة (أو على التحقيق ظروف الموت البطيء) ، وقد يرى فيها آخرون امتداد للنقمة على اليساريين الذين أيدوا قاسما وأيدهم بنفوذه وسلطانه، وهي كذلك دون ريب، ولكنها تدل على أن الشاعر صحا فيه إحساسه القديم بالرابطة بينه وبين قضية أمته، مهما يختلف

стр. 363

التقدير بيننا لتلك الرابطة (١) : مرحى لجيش الأمة العربية انتزع الوثاق ... يا اخوتي بالله بالدم بالعروبة بالرجاء ... هبوا فقد صرع الطغاة وبدد الليل الضياء ... فلتحرسوها ثورة عربية، صعق " الرفاق " ... منها وخر الظالمون؟.. ... غير أننا يجب ألا نتوقع شيئا كثيرا في هذه الناحية، فمن المعروف أن إلحاح السقم يخلق في المريض مشاعر مريرة، ويجعل مزاجه منحرفا وتصوراته مئوفة، فالسياب الصحيح المعافى طالما مجد انتفاض الجزائر وروح التضحية والاستشهاد لدى أبنائها، وعير عرب المشرق بالركون إلى الكهوف والقبور؟ في استسلامهم الطويل - ولكن السياب المريض حين تحدث عن " ربيع الجزائر " (٢) لم يستطع أن يرى إلا صورة الموت والأشلاء والخراب والقبور واليتامى، وكأنه يقول للجزاءر: ماذا نفعت كل تلك التضحيات؟ ويسخر على لسان المجاهد من الحصاد الذي أعطته الثورة في حوار بين الأطفال الجائعين وأبيهم المجاهد، إذ يقول الأطفال: وماذا حملت لنا من هديه ... فيرد أبوهم قائلا: غدا ضاحكا أطلعته الدماء. ... كان السياب حين كتب القصيدة، لا يستطيع أن يفهم معنى " الغد " عند الأحياء، ولذلك ركز نظره في الواقع، فرأى واقع الجزائر صورة

стр. 364

في نفسه المحطمة الكسيحة: وها أنت تدمع فيك العيون ... وتبكين قتلاك. نامت وغى فاستفاق ... بك الحزن؛ عاد اليتامى يتامى، ... ردى عاد ما ظن يوما فراق؛ ... سلاما بلاد الثكالى بلاد الايامى ... سلاما، سلاما؟ ... أن مثل هذه القصيدة يدل على أن السياب لم يتخل عن الالتزام وحسب بل انه كان عاجزا؟ حينئذ - عن التمسك به، رغم شيء من الحسرة على فراقه. وحين ابتعد ظل الالتزام عن الشعر اخذ ظل الرموز ينحسر أيضا، ذلك لأن السياب ربط بين الرمز والنضال السياسي، فجعل الرمز طريقة للتعمية والتستر وملاذا من وجه التضريح الذي يلقي بصاحبه في أغلال الاضطهاد أو غيابات السجون، وقد عبر عن ذلك في محاضرته بروما حين قال: " وساعدت الظروف السياسية؟. حيث الإرهاب الفكري وانعدام الحرية على اللجوء إلى الرمز " (١) ، أي انه جعل الرمز مرادفا للحكاية الكنائية التي يوري فيها الشاعر عن غايته بمحمل تمثيلي، وهذا تحديد ضيق للرمز، وقصر له على مظهر واحد. وبسبب هذا التحديد نفسه فقد السياب صلته " الرمزية " بقصة تموز ولم يعد يلجأ إلى استغلال الأسطورة كما كان يفعل من قبل. ولست أعني أن الأسماء الأسطورية أو الرمزية قد اختفت من شعره بل ظل يذكر تموز وعشتار وقابيل والمسيه، ولكنه لم يتعد مرحلة التمثيل أو التشبه ليوضح بذكرها فكرة أو صورة، بل أن المرض جعله يضيف إليها أسماء أخرى

стр. 365

أهمها: عولس والسندباد والحسن البصري، ثم لا يتجاوز في هذه أيضاً جانب التمثيل، وهذه الأسماء الثلاثة تشير إلى التجواب، وقد أراد أن يقرن نفسه بها حين كان يتنقل بين البلدان طلبا للاستشفاء، ولكن وردوها على خاطره ذو دلاله عكسية، فهي من ذلك النوع الذي يضرب تاها في الأرض دون كلل على التقيض من حالهن لأنه مقيد إلى سرير، لذلك كان يحس وهو يتمثلها بنعمة القدرة على المشي والرحلة الإرادية المغامرة المتصلة بقوة الجسد، وحين نتذكر وقوفه عند هرقل أيضا؟ ومعه تموز في صراعه للرب الأسطوري " موت " - فأننا ندرك تماما أي راحة كان يجدها في تمثل هذه الأسماء (١) : بالعقل المفتول والسواعد المجدوله ... هرقل صارع الردى في غاره المحجب ... بظلمة من طلب ... وقام تموز بجزح فاغر مخضب ... يصك (موت) صكة، محجبا ذيوله ... وخطوه الجليد بالشقيق والزنابق ... كان يتشبث بالقوة ويريد ان يصرع الموت، فاستغل الشعر سلاحا: رميت وجه الموت يهوي نحوي ... كأنه الستار في رواية هزيلة ... رميت وجه الموت ألف مرة ... ؟.. فأنتضي من سيفي المجرد ... ويقطر الشعر ولا يغيض ...

стр. 366

ولكن الشعر لا يصلح سلاحا لدفع المنية، ولا بد من ساعدي هرقل وإرادة تموز. ثم أن بينه وبين " عولس " رابطة أخرى، لأنه مثله ترك زوجا وفيه تنتظره وتعد الساعات لعودته، ولهذا يعود إلى ذكره غير مرة في قصائد هذه الفترة. على أن المرض ربط بينه؟ ربط تطابق - وبين أيوب، ويمثل استدعاؤه لصورة أيوب نهاية المرحلة التي بلغها في حمى " الروحية "، ولعله لولا المرض لم يبلغها، ولكن المرض هو الذي منح شكلا مثاليا للعلاقة بين الإنسان والإله؛ فأيوب يمثل فلسفة الاستسلام والرضى من جانب الانسان، كما يمثل حقيقة " لا يسأل عما يفعل " من جانب الله، لان حكمته اعمق من كل فكر إنساني. غير أن " رمز " ايوب؟ في ذهن السياب - لم يكن عميق الموقع. فهو لم يكن مثل أيوب في بدء المرض حين نسمعه يصرخ في وجه الإله (١) : صائد الرجال ... وساحق النساء أنت، يا مفجع ... يا مهلك العباد بالرجوم والزلازل ... يا موحش المنازل ... منطرحا أمام بابك الكبير ... أحسن بانكساره الظنون في الضمير ... أثور؟ أغضب؟ ... وهل يثور في حماك مذنب؟ ... ثم يستكين استكانة أيوب (٢) : لك الحمد مهما استطال البلاء ...

стр. 367

ومهما استبد الألم ... لك الحمد إن الرزايا عطاء ... وأن المصيبات بعض الكرم ... ذلك لأنه رغم تجسيده للرضى بكل ما كتبته يد الله، يؤمن بأن الشفاء أمر قريب: لك الحمد يا راميا بالقدر ... ويا كاتبا بعد ذاك الشفاء ... ويتمثل اتحاده مع أيوب في قصيدته " قالوا لأيوب "، دون أن يزايله أيضاً الأمل في الشفاء، فقد كان ذلك الأمل هو العامل الموجه لذلك الرضى المطلق (١) : يا رب لا شكوى ولا من عتاب ... ألست أنت الصانع الجسما ... فمن يلوم الزارع التما ... من حوله الزرع، فشاء الخراب ... لزهرة والماء للثانية ... هيهات تشكو نفسي الراضيه ... أني لأدري أن يوم الشفاء ... يلمح في الغيب ... سينزع الأحزان من قلبي ... وينزع الداء، فأرمي الدواء؟.. ... ولكنه؟ قبيل النهاية - حين ضاع كل أمل يتحدث في شيء من التبرم والنزق، وبدلا من " يا رب " التي تدل على الضراعة

стр. 368

الاستسلامية أخذ يستعمل " يا إله " أو " أيها الإله "؟ مبقيا مسافة بعيدة بين الإنسان والله، فيها ترتفع الشكوى الإنسانية وفيها تنطلق الرحمة ولكن على شكل " رصاصة " (١) : أليس يكفي أيها الإله ... أن الفناء غاية الحياة ... فتصبغ الحياة بالقتام ... تحيلني؟ بلا ردى - حطام ... سفينة كسيرة تطفو على المياه ... هات الردى، أريد أن أنام ... بين قبور أهلي المبعثره ... وراء ليل المقبره ... رصاصة الرحمة يا إله! ... والحق أن ألفته للرموز المتعلقة بأرباب الأساطير ثم برمز المسيح على مجه الخصوص، قد محت حينا المسافة القائمة بين الله والانسان، فهو حين أصيب بفزع بالغ من الموت لدى نبوءة عراف هندي تقول أن الحياة ستنتهي يوم ٢ شباط ١٩٦٢ وجد نفسه يحاسب الله في حنق بالغ لأنه يصرع الأطفال ويخيب الآمال (٢) : يكاد يهوي من صراخي عنده التاج ... ويهدم عرشه ويخر، تطفأ حوله الآباد والآزال ... ويقطر لابن آدم قلبه ألما وينفطر ... فإذا كان للمرض من اثر في موقفه من الالوهية، فهو انه عاد به

стр. 369

إلى معرفة الحد الذي لا يصح للإنسان أن يجاوزه في تصوره للإله، حتى وان كان ثائرا شاكيا. ولولا المرض لما تعرض هذا الجانب في السياب إلى مثل الاختبار العسير، فقد كانت راحته النفسية في عودته إلى " الروحية "، وكان من الممكن أن يظل مطمئنا في ذلك الحمى الآن، لان السكينة فيه هي السكينة فيه هي السكينة عينها التي تنبع من قلب الأم؛ وليس من المصادفات ان تصبح " النخلة " رمزا للإله؟ في بعض لحظات المزج بين السكينتين - كما كانت دائما رمزا للأم (١) : وابصر الله على هيئة نخلة، ... كتاج نخلة يبيض في الظلام أحسسه أقول: " يا بني، يا غلام ... وهبتك الحياة والحنان والنجوم؟.. ومن الأسماء الأسطورية التي عثر عليها في هذه الفترة " ايكار " (٢) و " اورفيوس " وقد ذكر الأول في حديثه عن شباك وفيقة (٣) : إيكار يسمح بالشمس ... ريشات النسر وينطلق ... إيكار تلقفه الأفق ... وزماه إلى اللجج الرمس ... وتبدو الصورة بعيدة الصلة بما حولها إلا أن يعني أن شباك وفيقة هو نفسه إيكار وأنه قد نأى عن الأعين المنتظرة ثم سقط فوارته

стр. 370

اللجج، أي ضاع من دنياه إلى الأبد. وأما اورفيوس فانه يمثله لأنه شق طريقه بالحنين والغناء، وفتح بأنغامه مغالق الفناء، والسياب وقف عند دار جده في جيكور فرأى عالم الفناء نفسه، مع انه ظل طوال حياته يمنح جيكور الضياء ويكسوها الرواء بشعره (١) : وبالغناء يا صباي يا عظام يا رميم ... كسوتك الرداء والضياء ... ومع ذلك انطبق من حولها فكا الفناء كما انطبقا على " يورديس " ولم يستطع إنقاذها.

стр. 371

- ٣٠ - أسطورتان هكذا كانت اكثر الأسماء الأسطورية أو الرمزية في هذه المرحلة تنطبق على السياب وتلائم ذاته وفرديته، أما الجانب الجماعي منها فكان قد توارى لانعدام الحاجة إليه. ولم يحاول في هذه الأسماء أن يتجاوز الإشارة أو موضع العلاقة، إلا في قصيدتين بناهما كاملتين على الأساس الاسطوري، ولعلهما؟ فيما ارى - خير قصيدتين من قصائد هذه الفترة من حيث العناية بالبناء الفني، وهما " المعبد الغريق " و " نار إرم ". أما قصيدة " المعبد الغريق " فقد استوحاها السياب من خبر عارض ذكر روايه أن في بحيرة شيني التي يصب فيها نهر الباهنج في الملايو معبدا بوذيا غرق في قعر البحيرة بسبب زلزال بركاني حدث قبل ألف سنة، وفي المعبد كنوز تحرسها تماسيح ووحش له عين حمراء واحدة في مثل حجم كرة البنج بونج؟. " (١) ومن هذا الخيط نسج الشاعر قصيدة كاملة: فصور شيخا في حانة يعب الخمر ويقص قصته عن " رحم البحيرة " الذي تفجر باللظمى حتى قر عليه كلكل معبد مليء بالكنوز وطفا التمساح فوقه يحرح فوقه يحرس تلك الكنوز وسمى الوحش ذا

стр. 372

العين الواحدة " الأخطبوط "، وهنا تذكر ان هذين الحيوانين وغيرهما من الحيوانات عاشت آلاف السنين ولم يستطع الفناء ان يصيبها بسهامه وسخر من الإنسان الفاني الذي يحرس ألوفا من الكنوز الغارقة (دون فلك الضمير) ، وهو ما يزال عبدا مسترقا (١) : هنالك ألف كنز من كنوز العالم الغرقى ... ستشبع ألف طفل جائع وتقيل آلافا من الداء ... وتنقذ ألف شعب من يد الجلاد، لو ترقى ... إلى فلك الضمير! ... أكل هذا المال في دنيا الأرقاء ... ولا يتحررون، وكيف وهو يصفد الاعناق، يربطها إلى الداء؟ ... والتفت الشاعر إلى عوليس الذي ما فتئ يجوب البلاد، فأخذ يقنعه بالذهاب إلى معبد شيني لان العودة إلى الوطن لم تعد مجدية إذ شاب الابن وأصبحت الزوجة عجوزا خرقة، وتبين له ان كنوز ذلك المعبد في انتظاره، أما شبع من الدم الذي أريق على أرض طروادة؟ ومن اجل ماذا؟ من اجل فجور أنثى اسمها (هيلين) وإشباع الرغبة في الثأر؟ أهكذا يقتل الإنسان أخاه؟ إن أرض طروادة لا تفترق في شيء عن ارض العراق التي شهدت أنها الحقد وهي تتدفق بالخناجر والعصي، وبالأجساد التي تجرر بالحبال. وهل الذي شهد حرب طروادة وعقارب " الرقاع " وهي تبث السم في الجسوم يجفل من بعض حيوانات تحرس الكنز؟ هلم نشق في الباهنج حقل الماء بالمجذاف ... ويلح الشاعر في النداء على " عوليس " ليقطعا معا ليل آسية الطويل قبل ان تطلع عليه شمس " النظار " فيأكل هذا الوحش الموتى ويشرب

стр. 373

من دم الأحياء ويدس في القبلات مدى من حشرجات الموت، ويؤكد له أن عهد النبوات لم يظهر بعد، وان شريعة القوة والغضب ما تزال هي المسيطرة، وان تأليه القائمين على البحيرة أمر ممكن فطالما رفع الإنسان آلهته إلى قمة جبل. ويبدو ان نواة القصيدة في مخيلة الشاعر كانت تعتمد المقارنة بين الوحوش الخالدة حارسة الكنز في البحيرة، وبين الإنسان الفاني الذي يحرس آلافا من الكنوز دون أن يستطع التحرر، ثم تطورت القصيدة بين يديه إلى مستوى جديد حين استحضر صورة عوليس وحرب طروادة وأخذ يجري المقارنة بينهما وبين وضع العراق في عهد قاسم، ولكنه لم يستطع ان يدرك معنى عميقا وراء عودته هو وعوليس إلى بحيرة شيني، فقد بدأ من طبيعة القصيدة أول الأمر أنها دعوة إلى استغلال مخزونات الطبيعة في سبيل رقي الإنسان ونهضته بدلا من انشغاله بالحروب والفتن، ثم تبين أنه يريد العودة إلى بحيرة شيني لأنه يريد أن يتوارى في ظلمات ليل آسية قبل ان يطلع " التبر " مثل وحش يأكل الموتى، انه يريد هو وصاحبه أن ينعما في ظلمات القرون وغيابات الجهل، مطمئنين إلى ان شريعة " الغضب " وتأليه الإنسان للقوى التي يورد تأليهها ما يزالان يحكمان الوجود؛ وهذه غاية من أسوأ ما تنتهي إليه قصيدة حتى ولو كنا اأخذ هذا القول على محمل السخرية. ولا ريب في أن الذي أوقع السياب في هذا المزلق هو فكرته الوعظية عن الذهب وقدرته على إفساد النفوس، تلك الفكرة التي استدها شعريا من اديث سيتول واستمدها معتقدا من القصص الذي يتمتع أحياناً بمسحة دينية، ورآها عمليا فكرة محببة حين أخفق في أن يجد " النقود " التي تعينه على المرض ومصاعب العيش. وتتعرض القصيدة لعيب آخر، عدا هذا التحول القاصم الذي أصابها، وهو تفكك التعبير وانبساطه وتمدده دون اعتماد على الايجاد، وقد ظهرت المقارنات فيها؟ من ثم

стр. 374

ساطعة تفسيرية، وتلك عودة إلى عهد " حفار القبور " و " المومس العمياء "؛ وهذا المبنى اقرب إلى طبيعة السياب إلا أنه من الناحية الفنية أشد صلة بالتقرير أو الإقناع الذهني. ومع ذلك فأننا نميز هذه القصيدة بالحرص على المبنى الفني المحكم إذا نحن قارناها بأكثر قصائد هذه الفترة. وبين " المعبد الغريق " و " إرم ذات العماد " مشابه شكلية؛ إذ يفتتح الحديث في كل منهما قاص، فالأول كان يهمس جاحظ العينين وهو يعب الخمر عما حدث في البحيرة من هوي للمعبد تحت سطح الماء، والثاني كان يشرب الشاي ويدخن سيكارة وهو يقص قصة " إرم " التي اختفت عن عيون الناس فهي تطوف الأرض فلا تراها إلا عين امرئ سعيد مرة كل أربعين سنة، ويشرك المعبد وإرم في الاختفاء عن الانتظار ولكن كلا منهما يمثل رمزا مستقلا، فالمعبد يمثل السعي نحو المستقبل، نحو الكنز المخبا، وإرم حلم الماضي (١) . حلم صباي ضاع؟. آه ضاع حين تم ... وعمري انقضى. ... وليس في بناء قصيدة " ارم " جهد كالذي بذله الشاعر في القصيدة السابقة، لأنه هنا اكتفى بقصة قصيرة ومنح للقصيدة شكلها البسيط، ولكنه اعتمد على بعض ضروب الربط والاستنكار، ففي خلال القصة ربط بين بحثه عن اللؤلؤة الفريدة وبين " نجمته البعيدة " وتذكر قصة عنتر وعبلة، وفي سيره حول سور ارم تذكر السندباد وطوافه حول بيضة الرخ، وفي وقفته في الظلام رأى نفسه مثل ناسك لا يقبله الاله في حماه وهو يدعو مسترحما؛ وبقوة هذه الانتقالات التي لم تتحول إلى استطرادات، تعمقت الأسطورة وازدادت خصبا، وتعمقت إيحاءاتها في نفس القارىء؛ ولكن السياب لا يستطيع ان يترك مشكلة يطرحها

стр. 375

دون حل، ولذلك قدم التفسير الختامي لها رغم أنها قادرة دون ذلك التفسير على ان تنقل من خلال الحلم الأسطوري شعورا عميقا بالأسى على استلاب اليقظة للمعجزة التي حققها الحلم، وحين يقول السياب: وقال جدنا ولج في النشيج ... ولن أراها بعد أن عمري انقضى ... وليس يرجع الزمان ما مضى ... سوف أراها فيكم فانتم الأريج ... بعد ذبول زهرتي. ... فانه ملتزم بتعميق الأسى على " الضائغ " من طريق استخلاص العبرة أو المغزى الكامن وراء احتجاب ارم، وهي طريقة مدرسية توضيحية لم يستطع الاستغناء عنها لأنه كان يؤثر أن يكون ما يقوله مفهوما واضحا بذاته دون لجوء إلى تأويلات مختلفة؛ وقد سلمت قصيدة " إرم " من التفكك والتمدد في التعبير فجاءت تعبيراتها محكمة موشحة بالايجار غالبا، وكان ذلك من العوامل التي تقوي تأثيرها في النفس إلى جانب بساطتها القصصية، وواقعيتها في النقل. وحين أحس السياب انه حقق في هذه القصيدة مبنى جميلا نظم على مثالها قصيدة " شناشيل ابنة الجلبي " (١) فجاءت صنوا لها في الغاية والمبنى المكون من أسطورة وحل، وفي شيء من اتساق السرد وان كانت قصيدة الشناشيل مثقلة بتزاحم الصور. وتدل قصيدة الشناشيل على انه كان في مقدوره أن يخلق الأسطورة ولكنه كان؟ فيما يبدو - معجلا عن ذلك، لأسباب أقواها ان اللجوء إلى الأسطورة يتطلب تأنيا في الرسم للمبنى، وكان في هذه

стр. 376

الفترة يتدفق بالشعر تلقائيا كأنه يخشى التأمل والصمت؛ كان حديثه إلى نفسه هو البرهان الوحيد على أنه ما يزال يحيا وينتج شعرا، وكان ذلك الحديث هو نفسه تلك القصائد، وفي مثل هذا الانسياب الطوعي يتضاءل الاهتمام بخطة البناء، ويصبح أي دفق شعوري هامر قادرا على التحول إلى إيقاعات تسمى شعرا؛ وهناك سبب آخر يبعده عن الرمز والأسطورة وذلك هو سطوع الحقيقة المادية على نحو يتضاءل إلى جانبه كل رمز، بل يصبح أي لجوء إلى الرمز مضحكا. ومن اجل التعبير عن تلك الحقيقة المادية؟ بكل أبعادها - جاء الشعر منساقا بقوتها وسطوعها، ولم تدع قوتها مجالا للتأمل، لأنها كانت أقوى من كل ما قد يستشف منها (١) : ممض ما أعاني: شل ظهر وانحنت ساق ... على العكاز أسعى حين أسعى عاثر الخطوات مرتجفا ... غريب غير نار الليل ما واساه من أحد ... بلا مال بلا أمل يقطع قلبه أسفا ... ألست الراكض العداء في الأمس الذي سلفا؟ ... ولهذا كان اللجوء إلى الصراحة السافرة والقول التحقيقي المحض طريق الشاعر التي قل ان يجد طريقا سواها (٢) : ألفيتني أحسب ما ظل في جيبي من النقد ... أيشتري هذا القليل الشفاء؟ ... وتحت سياط هذه الحقيقية المادية وسفافيدها لم يعد الشاعر يعنى حتى بقوة اللمح الشعري. انه يريد ان يصور كل ما في عالمه المحدود على

стр. 377

حقيقته، ولذلك ضاع الحد بين ما يمكن ان يقال وما يمكن ان يظل مطويا وراء حجاب الصمت؛ فإذا ثار على زوجته عبر عن تلك الثورة بمرارة لا تطاق، وإذا أحس بالحرمان الجنسي اندفعت الكلمات المحمومة تقول في صراحة (١) : نهداها ... يتراعشان، جوانب الظهر ... تصطك، سوف تبل بالقطر ... وهناك أمثلة كثيرة تعبر عن وقائع الحال بصراحة لا تعرف الكنابة أو المواربة، وتقترب في دقتها من الخبر الصحيح، لا أرى موضعا لإيرادها. قلت: كان في مقدور بدر أن يخلق الاسطورة، لأنه بعيد عودته إلى حمى " الروحية " آثر الانسحاب من المدينة والعودة إلى جيكور عملا؟ لا تصورا، وحين صدم بواقع جيكور عاد إلى الماضي واخذ يحيي قصصه القديمة، وكأن في مقدوره؟ كما فعل في قصيدة الشناشيل - ان يجعل من كل قصة اسطورة، ولكنه لم يفعل، واكتفى بالتذكر والاستعادة، إذ لم يكن الماضي سوى مثابة للراحة من آلام الواقع؛ وهذا إيجاز لما تم يتطلب التوضيح من زاوية العلاقة بالشعر.

стр. 378

- ٣١ - مذكرات أمس اليوم هاجر بدر من بغداد وهو مغص النفس من المدينة لأنها أولا حاولت ان تحرق جيكور في نفسه ولأنها ثانيا امتلأت بمناظر دموية مرغبة؛ ولكن جيكور لم تستطع ان تنسيه هاتين الحقيقتين عن المدينة، لأنه وجد " المدينة " تحاول ان تعدو إلى الريف، فتحول مقبرة أم البروم إلى جزء منها؛ لقد عرف أن الأحياء يجلون عن ديارهم، أما امتداد يد المدينة لطرد الموتى من قبورهم فانه شيء غير معهود (١) : ولكن لم أر الأموات قبل ثراك يجلبها ... مجون مدينة وغناء راقصة وخمار ... ولهذا استيقظت في نفسه صورة المدينة التي رسمها من قبل في " مدينة بلا مطر " وما أشبهها من قصائد، فيقول: مدينتنا منازلها رحى ودروبها نار ... لها من لحمنا المعروك خبز فهو يكفينا ... علام تمد للأموات أيديها وتختار ... وعاد يرى فيها عروق تموز التي قال عنها من قبل (٢) :

стр. 379

شرايين في كل دار وسجن ومقهى ... وسجين وبار وفي كل ملهى ... وفي كل مستشفيات المجانين ... في كل مبغى لعشتار ... فهو لذلك يقول في العدوان على أم البروم: تسلل ظلها الناري من سجن ومستشفى ... ومن مبغى ومن خمارة؟. من كل ما فيها ... المدينة حيثما كانت في نظرة واحدة لا تتغير، أنها مبادءة للرذيلة، فهي تستبيح الاعتداء على الموتى: لتثمر بالرنين من النقود وضجة السفر ... وقهقهة البغايا والسكارى في ملاهيها ... وتكاد قصيدة " ام البروم " ان تكون إعادة للمادة التي أوردها السياب في قصائد هاجم فيها المدينة، فهي مثال على عودة الشاعر إلى وسائله المألوفة واستغلاله لها. وأما نفوره من المدينة لأنها امتلأت بمناظر القتل والحرق والصلب فانه ظل ينبعث في نفسه بين الحين والحين رغم استقراره في جيكور طلبا للطمأنينة. ولهذا عبر عنه في بعض قصائده مثل " المعبد الغريق " و " ابن الشهيد ". وتستوقفنا تلك المقدمة التي كتبها للقصيدة الثانية حين نشرها بمجلة الآداب: " يسرني أن يعود الولد الضال إلى بيته، وان أعود إلى الآداب التي على صفحاتها متنفسي الطبيعي الذي أعاهد نفسي أن يدوم أبدا " (١) . ولكن هذا العهد لم يكن إلا ومضة عابرة،

стр. 380

إذ سرعان ما وجد نفسه يعلق في شباك حوار ومنظمة حرية الثقافة؟ لحاجته إلى المال -. ولو كان ثمة مجال للحديث عن تجاوب التوأمين عند ذكر العلاقة بين الإنسان والمكان لقلنا دون تردد ان السياب أحس بزحف المرض وبشبح الموت يسعى نحوه حين رأى الفناء قد أناح بكلكله فوق جيكور، فقد مان هو ولقرية يرتبطان كالتوأمين بمراحل الولادة والصبا والشباب والأكتهال، وحين رأى السياب نفسه في مرآة القرية التي أحبها ندت عنه صرخة تقول: " جيكور شابت "؛ لقد كان يهدف حين عاد إليها ان يعيش؟ كما عاش الطفل القديم - في " ظل النخل " (١) الذي يمتد فيئه " كأهداب طفل "، ولكن الحيرة تملكته إزاء هذه المسافة التي قطعتها جيكوز في الزمن (٢) : جيكور ماذا أنمشي نحن في الزمن ... أم أنه الماشي ... ونحن فيه وقوف؟ أين أوله ... وأين آخره؟ هل مر أطوله؟ ... أم مر أقصره الممتد في الشجن ... أن جيكور هذه التي تحيره ليست هي التي يريدها ولذلك طالبها بأن ترد إليه أي تعود كما كانت، بل طالبها بأن تعيده إلى الحياة لأنه يرى نفسه يرى نفسه في مآتها ميتا: ردي إلي الذي ضيعت من عمري ... أيام لهوي؟. وركضي خلف أفراس ...

стр. 381

تعدو من القصص الريفي والسمر ... ؟.. جيكور لمي عظامي وانفضي كفني ... من طينه واغسلي بالجدول الجاري ... قلبي الذي كان شباكا على النار ... وأراد من جيكور ان تمد إليه افياءها: أفياء جيكور أهواها ... كأنها انسرحت من قبرها البالي ... من قبر أمي التي صارت أضالعها التعبى وعيناها ... من أرض جيكور ترعاني وأرعاها ... ولكن يجوز كانت قد تقلصت افياؤها وتغضنت وجناتها " جيكور شابت وولى صباها " (١) ، ولهذا عاد يسألها سؤال الحيران: هل ترى أنت في ذكرياتي دفينه ... أم ترى أنت قبر لها فابعثيها ... وابعثيني؛ وهيهات ما للصبا من رجوع ... أن ماضي قبري وانى قبر ماضي؟. (٢) ... ولم تكن جيكور وحدها هي التي أدركها الخراب، بل قلب جيكور نفسه كان قد توقف عن النبض، وقلب جيكور هو " بيت الجد " الذي فتح بدر فيه عينيه على الدنيا ولذلك رثى هذا البيت مرتين، وكان كأنه ينتحب وهو يصرخ في أولاهما: (٣)

стр. 382

طفولتي صباي أين أين كل ذاك ... ورأى الفناء يحدق إليه من الحجار كما وجد صنوه في دمه: أم أنني رأيت في خرابك الفناء ... محدقا إلي منك، من دمي ... مكشرا من الحجار؟ ... وسماه في القصيدة الثانية، " منزل الاقنان " (١) ، وهي تسميه غريبة، إذ من المعروف أن القن تعني " من يولد عبدا "، فهل اختار الشاعر هذه التسمية لأن نزعة إقطاعية ساورته في تلك اللحظة أو لأنه كان ينظر في شيء من الاحتقار إلى الإقطاعيين الذي لم تبق منهم بقية سوى جدران بيت خرب؟ ليس هناك جواب حاسم ولكنا نعلم من قصيدة أخرى أن لفظة " قن " ترد في معرض التنقص والتحقير: ونفسا حدها بين السرير وبين قائمة الحساب كأنها قن ... من الأقنان (٢) ... ولكنا لا ندري لمن كان يوجهها وهو يتحدث عن بيت جده. وحين وجد السياب أن الفناء قد عصف برواء جيكور التفت بشدة إلى ذكريات الماضي، وأراد ان يبعثه حيا أو ان يعيد بناء لبناته من جديد، ومما قوى التفاته إلى ذكرياته، وقوعه في براثن المرض، فإن العودة إلى الماضي أصبحت ملجأه من حاضره المعذب بالأسقام، ولهذا انقسم شعره في هذه الفترة في موضعين ذاتيين على الأغلب: الحديث عن آثار الماضي وصوره أو الحديث عن آلام الحاضر، وقد يجمع بين الموضوعين علاقة الشاعر بالموت.

стр. 383

إن الذين مهدوا للسياب سبيل السفر إلى إحدى الجامعات الإنكليزية ليدرس فيها ويتفرغ لتدوين مذكراته قد غفلوا عن حقيقة هامة: وهي عجز السياب الفاضح عن كتابة مذكرات ذات طابع تاريخي فني متناسق وتدرج محكم؛ إذ لو فعل ذلك لصب مادة شعره كلها على شكل نثري؛ ولهذا اختار هو الشكل الشعري فكتب ثلاثة دواوين وبعض رابع تحدث فيها عن ذكريات الماضي وعن ابرز لحظات الحاضر، وواضح ان جانبا كبيرا من الماضي إنما اعتمد على الحلم وان اكثر الحاضر كان خلوا من الأحداث ومعنى ذلك ان السياب لو حاول ان يكتب مذكراته لجاءت مخفقة بطيئة ضعيفة الحركة وهي انا أن تعتمد التأمل في تجارب الماضي والحاضر، وذلك شيء لا يحسنه، وأما أن تحوي أحداثاً مثيرة (عدا فترة الخصومة مع الشيوعية) وهو لا يملكها. ولهذا أحسن صنعا بمذكراته حين صاغها في قوالب شعرية. وتكاد كل صور الماضي تستعاد من جديد: فتحيا الأساطير القديمة التي تحكي عن الجنية وسندباد وقمر الزمان وعنتر وتصحو " وفيقة " من هجعتها العميقة ويتراءى للعين شباكها الذي يمثل نافذة الأمل، ويعود خيال ابنة الجلبي وشناشيل شباكها؛ ويلخص الشاعر تاريخ حياته في قصيدة " ليلة في العراق " (١) كما يتحدث عن تاريخ حبيباته السبع وعن مصايرهن في قصيدة " أحبيني " (٢) ؛ حتى الراعي القديم ينبعث حيا ليتحدث إلى النهر الذي عرفه في الصبا، وليجدد العهد لهالة (٣) ؛ وفي ليلة شتائية كثيرة المطر والثلج بلندن رأى فتاة ذكرته بآخر فتاة احبها قبل زوجته (٤) كذلك عاد يستحث تصوراته القديمة عن

стр. 384

بودلير الذي أوحى له من قبل بقصيدة " الروح والجسد " (١) ؛ وفي قصيدة " فرار عام ١٩٥٣ " (٢) استعادة لرحلته إلى الكويت وما انتابه من حنين إلى العراق. وقد كشفت هذه الذكريات عن حقيقة هامة هي العلاقة بين الطفولة والمطر وقيمة رمز المطر في حياة السياب. فقد بدأ أن الذي يفتنه من منظر المطر وما يصحبه من برق ورعد إنما هو ما يتكشف عنه الجو الماكر من وجود، وقد ارتبط ذلك الجو في ذهنه بحلمه الكبير، أن يتزوج (أو ان يرى على الأقل) بنت القصر المنيف، وهذا هو الحلم الذي عبر عنه في قصيدة " شناشيل ابنة الجلبي " وقرنه بمنظر المطر: وأرعدت السماء فطار منها ثمة انفجرا ... شناشيل ابنة الجلبي ... ثم تلوح في الأفق ... ذرى قوس السحاب؟. ... ولهذا تجاوز منظر المطر دائما إلى ما وراءه، ولعل هذا الإحساس هو الذي كان يسيطر على نفسه وهو يكتب إلى زوجته (٣) : من خلل الضباب والمطر ... ألمح عينيك تشعان بلا انتهاء ... فالزوجة هنا؟ من قبيل الشعور بالجميل - قد حلت محل " ابنة الجلبي " وان لم تكن كذلك في مطاوي شعوره. وقد كان يحس؟ دون تهويل - ان الماضي هو الحقيقة

стр. 385

الوحيدة التي تستحق ان تعاش، ولذلك كان يرى صلته بالحاضر نوعا من الكذب والتصنع، فيحتاجه إحساس شامل بالتعب (١) : تعبت من تصنع الحياة ... أعيش بالامس، وادعو أمسي الغدا ... كأنني ممثل من عالم الردى ... ؟.. تعبت " كالطفل " إذا أتعبه بكاه. ... ولهذا كانت أقوى صور الماضي يقظة في نفسه هي صورة الأم، وكان للمرض أثر كبير في مضاعفة الرابطة وتضخيم الحاجة إليها؛ واتخذ بدر للعودة إلى الام طريقين: إيحائية وعامدة؛ فمن الأساليب التي اتبعها في الطريقة الإيحائية ان جعل أما تفتش في لوعة عن ابنتها التي اختطفها الموت في قصيدة " الأم والطفلة الضائعة " (٢) ، وذلك عكس للواقع الذي كان يعانيه، وزيادة في إحساسه بأنه هو الميت على التحقيق وان أمه هي التي تبحث عنه. ومن العبارات الدالة في هذه القصيدة قوله: " مضت عشر سنوات "، فان هذا المقدار من السنوات هو الذي يفصله عن وفيقة: (٣) عشر سنين سرتها إليك، يا ضجيعة تنام ... ذلك ان الحديث عن وفيقة إنما كان أيضاً حديثا عن أمه بطريقة ايحائية، فوفيقة تجمع في طبيعة حياتها وموتها بين بدر وامه، فهي فتاة من عائلته (وفيقة بنت صالح بن محمد بن السياب) ماتت أمها وتركتها يتيمة، كما حدث لبدر، ثم توفيت في حال وضع وتركت طفلا يتيما. فهي في

стр. 386

شخصها تمثل مشكلة بدر وهي في موتها تمثل الام، وكان هذا التلاقي في المصيبة هو الذي يعطف بدرا إليها، ولهذا نحس ان حديثه عنها وإن حمل ألفاظ الحب، لا يعني إلا " إسقاطا " نفسيا أو نقلا، ولهذا يقول لها " يا اقرب الورى إلي " (١) رغم بعدها العميق عنه، وهو البعد الذي يصوره بقوله: وأنت في القرار من بحارك العميقة ... أغوص لا أمسها، تصكني الصخور ... تقطع العروق في يدي، أستغيث: " آه يا وفيقه "؟ ... وهي نفس عملية الغوص على المحار الضائع حين يتحدث عن طفولته وأمه وعن أحلامه على ضفة بويب. ولهذا أيضاً كان شباكها الأزرق إحدى نوافذ الرجاء؟ وان كان رجاء شارعا على الموت (٢) ؛ وقد استيقظت وفيقة في نفسه على أثر أغنية سمعها لام كلثوم (٣) ، وكانت هذه الاستفاقة من أشد اليقظات أسى على أن وفيقة تزوجت غيره: واشرب صوتها فيظل يرسم في خيالي صف أشجار ... أغازل تحتها عذراء؛ أواها ... على أيامي الخضراء بعثرها وواراها ... زواج. ليت لحن العرس كان غناء حفار ... وليس واضحا أي زواج يعنيه بدر: أهو زواج وفيقة من غيره، أم زواجه هو، وحين نبلغ قوله:

стр. 387

قساة كل من لاقيت: لا زوج ولا ولد ... ولا خل ولا أب أو أخ فيزيل من همي ... تعود وفيقة فتتخذ دور " الأم " لأن الأم هي الوحيدة التي كانت كفاء بإزالة همه بين ذلك الصف الطويل من علاقات القربى والصداقة. لهذا فأني لا أرى فصلا بين الحديث عن جيكور وبويب والأم ووفيقة، لانها جميعا ترمز لشيء واحد؛ ذلك أن وفيقة ليست كسائر الحبيبات اللواتي عرضن له في طريق الحياة، وأقربهن إليها؟ رغم التفاوت الكبير - ذات المنديل الأحمر التي كانت تكبره بسبع سنوات. تلك هي الطريقة الإيحائية التي اتخذها للحديث عن الأم، فأما الطريقة العامدة فأنها تتمثل حينا في استدعاء الام له ليلحق بها (١) : وتدعو من القبر أمي: " بني احتضني فبر الردى في عروقي ... فدفء عظامي بما قد كسوت ذراعيك والصدر، واحم الجراح ... جراحي بقلبك أو مقلتيك ولا تحرفن الخطى عن طريقي " ... ويكون جوابه على هذا الدعاء: فيا قبرها افتح ذراعيك؟. ... أني لآت بلا ضجة، دون آه! ... ويتصور هذا الاستدعاء في صورة يد ممدودة إليه تحجب إليه الموت (٢) : أوشك أن أعبر في برزخ من جامدات الدماء ... تمتد نحوي كفها، كف أمي بين أهليها: ... " لا مال في الموت، ولا فيه داء ". ...

стр. 388

وأحيانا يتراءى له أن اللقاء بالأم قد تحقق، ولو وهما، فاستراح إلى عطفها وكلماتها الحانية: (١) ولبست ثيابي في الوهم ... وسريت: ستلقاني أمي ... في تلك المقبرة الثكلى؛ ... ستقول: أتقحم الليلا ... من دون رفيق ... جوعان؟ أتأكل من زادي ... خروب المقبرة الصادي ... والماء نهلا ... من صدر الأرض؛ ألا ترمي ... أثوابك؟ والبس من كفني ... لم يبق على مر الزمن ... عزريل الحائك إذ يبلى ... يرفوه. تعال ونم عندي ... أعددت فراشا في لحدي ... لك يا أغلى من أشواقي ... فأمه ترحب بعودته، ولكنها جازعة من الوحشة التي يحسها وهو سائر وحده، ذلك أنه كان منذ مدة قد تخلى عن الموت في الجماعة ولذا اصبح موته الفردي مصدرا للخوف والفزع؛ ومن اجل هذا عادت أمه تأسى لوحدته في ذلك الطريق (٢) : " ويلاه! كيف تعود وحدك، لا دليل ولا رفيق ". ...

стр. 389

فيجيبها معاتبا لأنها اختارت؟ في عهد مبكر - أن تعيش في عالم لا عودة منه: أماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار ... لا باب فيه لكي أدق ةلا نوافذ في الجدار ... كيف انطلقت على طريق لا يعود السائرون ... من ظلمة صفراء فيه كأنها غسق البحار ... وفيما كان في مستشفى الموانئ جاءه نسيم الليل يحمل إليه همسات أمه وهي تقول: " مضى أبد وما لمحتك عيني " (١) فيؤكد لها أنه يعشق الموت لأنها بعض منه: فما أمشي؛ ولم أهجرك، أني أعشق الموتا ... لأنك منه بعض؛ أنت ماضي الذي يمض ... إذا ما اربدت الآفاق في يومي فيهديني ... ولكنه رغم عشقه للموت كان يؤثر الحياة اكثر، ولذا فهو يطلب إليها أن تأتي وتصنع معجزة: أيا أمي تعالي والمسي ساقي واشفيني ... ان عودة الشاعر إلى الأم، هي التي ترسم علاقته بالموت في هذه الفترة، وقد اتضح أنه لم يعد " انتصاراً " وإنما راحة من العناء في أحضان الأم. وقد تتم هذه الراحة في هدوء الاستسلام، كما قد تجيء عاقبة للضجر من المرض الممض؛ فلو كانت الدرب إلى االقبر في أقصى أركان الدنيا لسعى إليه (٢) :

стр. 390

لسعيت إليه على رأسي أو هدبي أو ظهري ... وشققت إلى سقر دربي، ودحوت الأبواب السودا ... وصرخت بوجه موكلها ... لم تترك بابك مسدودا؟ ... ولكنه حين يتصور أنه لم يكتب كل ما في نفسه يتمنى لو يتمهل الموت قليلا حتى يتم رسالته الفنية (١) : فدونك يا خيال مدى وآفاق وألف سماء ... وفجر من نجومك، من ملايين الشموس، من الأضواء ... وأشعل في دمي وزلزال ... لأكتب قبل موتي (أو جنوني أو ضمور يدي من الإعياء) ... خوالج كل نفسي، ذكرياتي، كل أحلامي ... وأوهامي ... وأسفح نفسي الثكلى على الورق ... ليقرأها شقي بعد أعوام وأعوام ... ليعلم أن أسقى منه عاش بهذه الدنيا ... وآلى رغم وحش الداء والآلام والأرق ... شطرورغم الفقر أن يحيا. ... وكان على وعي دقيق بأن الشعر هو طريقه للبقاء (٢) : فيكتب القصيدة يريد أن يجدد البقاء، أن يعيده ... ولكن كل ما حوله كان محاطا بالموت، حتى الشعر نفسه، ومن ثم ...
следующие страницы →