← Фикх общий

Фикх общий · id 10223

دعائم التمكين

حمد بن حمدي الصاعدي

Полный текст (146 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية على ضوء قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُم في الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَة وَآتُوا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهواْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُور﴾ [الحج، الآية: ٤١] إعداد الدكتور/ حمد بن حمدي الصاعدي الأستاذ المشارك بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ أمَّا بعد: فإنَّ الكتابة في موضوع دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية على ضوء قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَْرضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] ذات شئون؛ لأنَّ الموضوع واسع جداً، والمادَّة غزيرة ومتشعبة، ولا يفيد في ذلك اختصار الموضوع مهما حاول الكاتب الاختصار. ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، كما قيل. ولذا فإني سوف أشير إلى أمور أجدها أولى بالإشارة؛ ومنها ما يلي: ١ - أنَّ الكتابة في هذا الموضوع هي من باب التذكير بالنعم لتعرف فتُشْكَر فَتَدُوم كما قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] . ٢ - أنَّ المقصود الأهم في هذا الموضوع، هو التنبيه على أهمية العقيدة وتطبيق الشريعة في جميع شئون الحياة؛ لأنَّ التمسك بالعقيدة الصحيحة وتطبيق أحكام الشريعة على الوجه الذي أراده الشارع، هما أساس التمكين في الأرض، وشرط العاقبة الحسنة والنجاة والحياة السعيدة في الدنيا والآخرة ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] . ٣ - أنَّ الالتفاف حول المنهج الشرعي، والاعتصام بالكتاب والسنة، والتكاتف والتآلف، وتحقيق الأخوة الإسلامية - كما أمر الله - مقصد شرعي ودعامة من دعائم التمكين والاستخلاف في الأرض كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ

стр. 2

قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور: ٥٥] . ٤ - أنَّ عالمية المنهج وبقاءه وتفرده على غيره بميزات لا توجد في غيره، كل ذلك يتطلب الدعوة المستمرة إليه والمحافظة على بقائه ووقايته من كل ما يخدش نقاءه وصفاءه أو الاعتداء عليه؛ لأنَّ الحق لا يكفيه كونه حقاً وحسب، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْض﴾ [البقرة: ٢٥١] . ٥ - أنَّ المتتبع لسير ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية منذ نشأتها وخلال مراحلها وأدوارها المتتابعة، وخاصّةً في الدور الثالث الذي يبدأ بفتح الرياض على يد الملك عبد العزيز ﵀ عام ١٣١٩هـ، لا يمكنه إلاَّ أن يقول: إنَّ القاعدة التي يسير عليها أولئك الحكام، والمنهج الذي يطبقونه في حياتهم وحياة رعيتهم هو تطبيق الدعائم الشرعية الواردة في الآية الكريمة موضوع البحث، وقد وعد الله بالنصر والتمكين لمَنْ وَفَّى بشروط التمكين. وأنَّ المهم هو تحقق الشروط، لا حصول المشروط؛ لأنَّ حصوله قد أخبر الله به، وما أخبر الله به ورسوله ﷺ لا شك ولا ارتياب في تحققه. وهذه الأمور التي سبقت - وإن كان البحث سوف يتكفل ببيانها وإيضاحها - الإشارةُ إليها في هذه المقدمة مما يدفع المطلع على الاستمرار في قراءة الموضوع، وهذا أحد أهداف الكاتبين. نسأل الله تعالى العون والتوفيق، إنَّه سميع مجيب.

стр. 3

خطة البحث: ١ - المقدمة: وتشتمل على ما يلي: أ - أهمية الموضوع، أسباب اختياره. ب - تحديد الزمان الذي يتناوله البحث، وأسباب الحصر في ذلك. ٢ - التمهيد: وهو في بيان ألفاظ عنوان البحث. ويتناول ما يلي: أ - الدعائم. ب - التمكين. ج – المملكة العربية السعودية. ٣ - صُلْب الموضوع، وفيه عِدَّة فصول: الفصل الأول: فيما يتعلَّق بالآية الكريمة. وفيه مباحث: الأول: في بيان حال العرب قبل مبعث الرسول ﷺ . الثاني: في مناسبة الآيات لِمَا قبلها. الثالث: في سبب نزول الآية الكريمة. الرابع: في أقوال المفسرين في الآيات. الخامس: في بيان دلالات الآية الكريمة، وعلاقة ذلك بما كان عليه الحال إبان قيام الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز ﵀. وفيه مطالب: الأول: الصورة الكريمة التي سيكون عليها الذين إنْ مَكَّنهم الله في الأرض. الثاني: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الثالث: وظيفة الدولة المسلمة. وأنَّ الحق لا يكفيه كونه حقاً فقط. الرابع: أن تلك الصورة الكريمة لم تدم طويلاً. وإن كان التمسك بالأصل لم يزل موجوداً للوعد الإلهي بذلك.

стр. 4

الخامس: علاقة الآية الكريمة بما كان عليه الحال عند قيام الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز عام ١٣١٩هـ. الفصل الثاني: في ماهية الدعائم، وبيان أهميتها. وفيه مباحث: الأول: في الدعامة الأولى: إقام الصلاة. وفيه مطالب: الأول: في ماهية الصلاة. الثاني: في أهميتها. الثالث: في المقصود بإقامة الصلاة على ضوء الآية الكريمة. الثاني: في الدعامة الثانية: إيتاء الزكاة. وفيه مطالب: الأول: في ماهية الزكاة. الثاني: في أهمية الزكاة. الثالث: في الحكمة من إيتاء الزكاة على ضوء الآية الكريمة. الثالث: في الدعامة الثالثة والرابعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه مطالب: الأول: في ماهيتهما. الثاني: في أهميتهما. الثالث: في الحكمة منهما على ضوء الآية الكريمة. الفصل الثالث: في اهتمام ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية بتلك الدعائم والأسس، وتطبيقها على أنفسهم ورعيتهم. وفيه مباحث: الأول: في اهتمام المؤسس الأول بتلك الدعائم. وفيه مطلبان: الأول: تقريره للهدف العام من الدعامة الأولى، وهو العقيدة السلفية. الثاني: عنايته بالهدف الخاص من الدعامة الأولى: إقام الصلاة. الثالث: في جهود أبنائه من بعده في ترسيخ وتطبيق تلك الدعائم. الرابع: في ثمرة تطبيق تلك الدعائم على الراعي والرعية.

стр. 5

١ - المقدمة: وتشتمل على ما يلي: أ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره. ب - تحديد الزمان الذي يتناوله البحث وأسباب الحصر في ذلك. أ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره: إنَّ بيان أهمية موضوعٍ مَّا تنبع من أهمية الأمور التي يبحثها، وما لها من مكانة وشأن عظيم. وهذا الموضوع الذي نتحدَّث عن أهمية وأسباب اختياره يتناول الأمور التالية: ١ - العقيدة الصافية المبنية على توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون سواه، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] . ٢ - الشريعة والمنهج الكامل الذي رضيه الله لعباده وأتَمَّ به النعمة عليهم وفيه بيان صحة المعتقد وسلامة البناء١. ٣ - التعاون والاعتصام حول المعتقد الصحيح المبني على النصوص الشرعية من الكتاب والسُنَّة وفهم السَّلَف الصَّالح. كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .

стр. 6

وكقول الرسول ﷺ : "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى" ١. ٤ - السلطة المسلمة التي تحمي ذلك كله، وأنَّه لا يكفي في الأمر أن يكون حقاً، بل لابدَّ من مدافع عن الحق ودافع إليه، في استقامة المنهج. ٥ – التذكير بالنعم وتجليتها، لتعرف، فتشكر، فتدوم، لأنَّ دوام النعم والزيادة منها مرهون بشكرها، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُم﴾ [إبراهيم: ٧] . ٦ - التحذير من كفران النعم؛ لأنَّ ذلك يعرضها للزوال والاضمحلال. هذه بعض الأمور التي حضرتني عند التفكير في كتابة هذا الموضوع دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية على ضوء قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُم في الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَة وَآتُوا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهواْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُور﴾ [الحج، الآية: ٤١] . وإن كانت الأسباب ليست محصورة في تلك الأمور إلاَّ أنَّ ما ذُكِرَ أهمها. ب - تحديد الزمان الذي يتناوله البحث: يتحدَّد الكلام في هذا الموضوع بالمدة الزمانية - التي دخل فيها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ مدينة الرياض عام ١٣١٩هـ، إلى الوقت الحاضر - عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود أطال الله في عمره. والسبب في هذا التحديد أمور منها:

стр. 7

١ - أنَّ دعائم التمكين للمملكة العربية السعودية المذكورة في عنوان البحث أشد وضوحاً، وأكثر جلاءً في هذا الدور. ٢ - أنَّ المناسبة التي كُتِبَ الموضوع من أجلها حددت الاحتفاء بمرور مائة عام على تأسيس المملكة، فكان من المناسب أن لا يخرج الموضوع عن ذلك التحديد. ٣ - أنَّ قصر الموضوع على هذه المدة المتميزة يعطيه مجالاً للاستيفاء بخلاف ما لو كان مشتملاً على أدوار المملكة العربية السعودية الثلاثة.

стр. 8

التمهيد: ويتناول شرح ألفاظ عنوان الموضوع. وهي: أ – الدعائم. ب - التمكين. ج – المملكة العربية السعودية.

стр. 9

أ - الدعائم: جمع لدعامة، وفعله (دَعَمَ) كمَنَعَ، قال في مقاييس اللغة١: "الدال والعين والميم أصل واحد. وهو شيء يكون قياماً لشيءٍ آخر ومساكاً؛ تقول: دعمت الشيء أدعمه دعماً، وهو مدعوم. والدّعامتان: خشبتا البكرة، ودعامة القوم سيدهم. ويقال: لا دعم لفلان أي: لا قوة له". - وفي اللسان: "دعم الشيء يدعمه دعماً مَال فأقامه"٢. - وفي المعجم الوسيط٣: "دَعَمَهُ دعماً: أسنده بشيءٍ يمنعه من السقوط. ويقال: دعم فلاناً أعانه وقَوَّاه. ودَعَّمَه: قوَّاه وثبَّته. ويقال: هو دعامة الضعيف أي معينه. ويقال: هذا من دعائم الأمور، أي: مِمَّا تتماسك به الأمور". - ومن هذه المعاني السابقة لمادَّة (دَعَمَ) يتضح معنى الدعائم، وأنَّها تدور على معنى التثبيت، والتقوية، والمنع من السقوط، والقوة، والإسناد، والإعانة، والدعم. ولا نقصد بدعائم التمكين إلاَّ هذه الأمور التي ثَبَّتَتْ وقَوّتْ ودعَّمَت وأسندت ومنعت من السقوط، وأعانت على استمرار الولاية الراشدة التي قامت على تلك الدعائم. وبذلك يلتقي المعنى اللغوي مع المعنى الاصطلاحي، وهذا ما قصدناه من البحث اللغوي.

стр. 10

ب - التمكين: تفعيل مصدر للفعل الرباعي (أمكن أو مَكَّنَ) يقال: (أمكنه) من الشيء جعل له عليه سلطاناً وقدرة. والأمر: فلاناً سهل عليه وتيسر له. ويقال: فلان لا يمكنه النهوض لا يقدر عليه١. و (مَكَّنَ له في الشيء) : جعل له عليه سلطاناً. وفي القرآن الكريم: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ ... ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٨٤] . وقد يأتي هذا الفعل لازماً كما يقال: (مَكُنَ) فلانٌ عند الناس مكانةً، عظم عندهم، فهو مكين٢. ويجمع على مكناء. وفي القرآن الكريم: ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [سورة يوسف: الآية: ٥٤] . وبعد أن عرفنا معنى الدعائم والتمكين يتضح أنَّ إضافة الدعائم إلى التمكين من باب شجر الأراك؛ لأنَّها سلبت المعنى وأصبح معنى الكلمتين واحداً هو التثبيت والإمساك والمنع من السقوط ... الخ المعاني التي سبقت. ج- المملكة العربية السعودية: دولة إسلامية عربية ذات سيادة، وهي معروفة بما تتميز به وتحويه من الحرمين الشريفين، حيث قبلة المسلمين التي يتوجهون إليها في صلاتهم خمس مرات في اليوم والليلة ومهاجر نبيهم ﷺ ، ومحاولة تعريف المعرف قد يزيده غموضاً. ولكن نقول: إنَّ المملكة العربية السعودية تشغل الجزء الأكبر من جزيرة العرب وتقع في الجزء الغربي من قارة آسياً بين خطي طول ٣٥ْ - ٥٦ْ شرقاً، وعرض ١٦ْ - ٣٢ْ شمالاً.

стр. 11

ويحدها شمالاً: الكويت، والعراق، والأردن. وجنوباً: الجمهورية اليمنية. وشرقاً: عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر، والخليج العربي. وغرباً: البحر الأحمر. وعاصمتها: الرياض. ومن أهم مدنها: مكة المكرمة، والمدينة المنورة. وجدة على البحر الأحمر، والدمام على الخليج العربي. وقد أطلق عليها هذا الاسم (المملكة العربية السعودية) بعد توحيدها تحت راية التوحيد عام ١٣٥١هـ الموافق ٢١ جمادى الأولى، أول برج الميزان ١٣١٠ شمسية الموافق الموافق ٢٣/٩/١٩٣٢م. ووصفت بالسعودية: نسبة إلى مؤسسها الأول محمد بن سعود الذي عاش في المدة من ١١٣٩-١١٧٩هـ حيث التقى بالداعية السلفي المجدِّد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتعاهد معه على نصرة الإسلام، ونشر الدعوة السلفية عام ١١٥٧هـ، وعلى تطبيق الشريعة الغرَّاء، وذلك في مدينة الدرعية ١.

стр. 12

الفصل الأول: فيما يتعلق بالآيات الكريمة مدخل ... الفصل الأول: فيما يتعلَّق بالآيات الكريمة وفيه مباحث: الأول: في حالة العرب قبل مبعث الرسول ﷺ . الثاني: في مناسبة الآيات لما قبلها. الثالث: في سبب نزول الآيات. الرابع: في بيان أقوال المفسرين في الآيات الكريمة. الخامس: في دلالات الآية الكريمة وعلاقة ذلك بما كان عليه الحال في زمان قيام الدولة السعودية الثالثة: وفيه مطالب: الأول: الصورة الكريمة التي سيكون عيها الحال بعد التمكين في الأرض. الثاني: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الثالث: بيان وظيفة الدولة المسلمة على ضوء الآية الكريمة.

стр. 13

المبحث الأول: في حالة العرب قبل مبعث الرسول ﷺ المبحث الأول: في حالة العرب قبل مبعث الرسول ﷺ ... المبحث الأول: في حالة العرب قبل مبعث الرسول ﷺ : كانت العرب، والناس جميعاً - إلاَّ القليل - عند مبعث الرسول ﷺ في جاهليَّةٍ جهلاء، وضلالةٍ عمياء، انتشرت فيهم عبادة الأوثان، وعكفوا على القبور، ودعوا غير الله تعالى. فاضطربت أحوالهم السياسية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، وكثرت الحروب، وثارت لأتفه الأسباب، وتفكَّكت الأُسَر، وعمَّت الرذيلة، وقلَّت الفضيلة. ولم يكن هناك نظام يحكم بين الناس إلاَّ النظام القبلي القائم على التعصب للقبيلة. فبعثَ اللهُ تعالى رسوله محمَّداً ﷺ بالدين الحقِّ، والتوحيد الخالص، مُبَشِّراً مَنْ أطاعه بالجنة، ومُحَذِّراً مَنْ عصاه بالنار. فاستجاب لدعوته الرجل، والرجلان، وبعض النساء، والصبيان، مِمَّن كتب الله لهم الفوز والفلاح١. وعارضَ دعوته كثيرٌ مِمَّن كُتِبَت عليه الشقاوة، فوقف في طريق الدعوة التي جاء بها الرسول ﷺ من عند ربه، وأخذ يثير حولها الشكوك والأوهام، ويؤذي الذين دخلوا في دين الله بشتى أنواع العذاب، فَقُتِلَ بعض من آمن، ظلماً وعدواناً، وضُيِّقَ على بعضهم الآخر، حتى اضطروا إلى ترك أهلهم وأموالهم وبلدهم، وفرُّوا بدينهم الذي هو أغلى شيء يملكونه. وكانت الحكمة تقضي بألاَّ يعرض هؤلاء النفر أنفسهم للهلاك، فلم يؤمروا بالجهاد في بادئ الأمر، وإنَّما أُمِرُوا بالصبر والتحمُّل حتى قوي أمر المسلمين، وكانت لهم شوكة ودولة تحميهم، وتصد العدو عنهم٢. وحينئذٍ شُرِعَ الجهاد لإعلاء كلمة الله -تعالى-، والدفع عن المستضعفين٣.

стр. 14

المبحث الثاني: مناسبة الآيات لما قبلها المبحث الثاني: مناسبة الآيات لما قبلها ... المبحث الثاني: مناسبة الآيات لما قبلها الآية الكريمة التي يدور البحث على ضوئها مرتبطةٌ بثلاث آيات قبلها، والآيات الثلاث ليست بمنفصلة عمَّا تقدمها من آيات السورة الكريمة. فالله لَمَّا ذكر جملة مِمَّا يُفْعَل في الحج، وما فيه من منافع دنيوية وأخروية - وكان المشركون قد صدُّوا الرسول ﷺ عام الحديبية ومنعوه من دخول الحرم، وآذوا مَنْ كان بمكة من المؤمنين - أنزل الله تعالى هذه الآيات مبشرة للمؤمنين بدفعه عنهم، ومشيرة إلى نصرهم وإذنه لهم في القتال١. ومعلنة ما به يزول الصد والمنع، وما به يصير المسلمون أعزة أحراراً أقوياء٢. ووعد الله في هذه الآيات بالتمكين لهم في الأرض، وردهم إلى ديارهم، وفتح مكَّة لهم٣. وأنَّ عاقبة الأمور راجعةٌ إلى الله تعالى. والعاقبة للتقوى. ولم يذكر ما يدفعه عنهم ليكون أفخم وأعظم وأعمَّ٤. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [سورة الحج - الآيات: ٣٨-٤١] .

стр. 15

المبحث الثالث: في سبب نزول الآيات الكريمة المبحث الثالث: في سبب نزول الآيات الكريمة ... المبحث الثالث: في سبب نزول الآيات الكريمة: ١ - رُوِيَ أنَّ المؤمنين لَمَّا كثروا بمكَّة أذاهم الكُفَّار، وهاجر مَنْ هاجر إلى أرض الحبشة، أراد بعض المؤمنين أن يقتل مَنْ أمكنه من الكُفَّار ويغتال ويغدر، فنزلت الآيات إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٩] . فوعد الله فيها بالمدافعة، ونهى عن الخيانة، وخصَّ المؤمنين بالدفع عنهم والنصرة لهم، وعلَّل ذلك بأنَّه لا يحب أعداءهم الخائنين الله والرسول ﷺ الكافرين نعمه١. ٢ - وعن ابن عباس٢ ﵄ قال: "لما أخرج النبي ﷺ من مكَّة قال أبو بكر٣ ﵁: أخرجوا نبيهم. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ليهلكن القوم، فنزلت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية. قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال".

стр. 16

قال الترمذي١: "حديث حسن". وقد رواه غير واحد عن الثوري٢. وروى نحوه عن جماعة من التابعين٣.

стр. 17

المبحث الرابع: في أقوال المفسرين في معنى الآيات المبحث الرابع: في أقوال المفسرين في معنى الآيات ... المبحث الرابع: في أقوال المفسرين في معنى الآيات: ١ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] . المعنى: إنَّ الله يدافع عن المؤمنين الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه، غوائل المشركين وشر الأشرار وكيد الفجار. وقيل: يعلي حجتهم. وقيل: يوفقهم. والمعنى متقارب. والجملة مستأنفة لبيان هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من رب العالمين وأنَّه المتولي للمدافعة عنهم١. وفي الآية إشارة إلى أنَّ المؤمنين مُعَرَّضون للابتلاء من أعداء الله، ولكنَّ الله يدافع عنهم. فيربط على قلوبهم ويثبت أقدامهم على طريق الهدى، ويمدهم بالصبر على احتمال المكروه، وهذا الوعد أشبه بالدروع التي تتكسَّر عليها ضربات الباطل والكفر. ثُمَّ ينتهي الأمر بانحسار الضلال وأهله، وغلبة الإيمان وانتصار أهله؛ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] . وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨] . أي أنَّ الله لا يحب مَن اتَّصَف بهذه الصفة، وهي الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال. والكفر: الجحود للنعم لا يعترف بها٢. والجملة مقررة لمضمون الجملة الأولى؛ فإنَّ مدافعة الله للكافرين عن عباده المؤمنين مشعرة أتم إشعار بأنَّهم مبغضون إلى الله غير محبوبين له.

стр. 18

وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنَّهم كذلك في الواقع لا لإخراج مَن خان دون خيانتهم، أو كفر دون كفرهم١. وهكذا تضمَّنت الآية وعداً من الله بنصر المؤمنين، ووعيداً بخذلان الكافرين الخائنين، والخيانة - هنا - تصدق بالأصالة على الخيانة الكبرى. وهي خيانة الأمانة الإلهية التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان. مما يجب على الإنسان الوفاء به من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد في كُلِّ آن. وتصدق بالتبع على بقية صنوف الخيانات مِمَّا يتفرَّع عنها ويظهر أثره في مختلف التصرفات٢. ٢ - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] . الآية على تقدير محذوف: أي أذن لهم في القتال بسبب أنَّهم ظلموا. قال ابن عباس ﵄: "هذه أول آية نزلت في الجهاد"٣. وقال أكثر المفسرين: هم أصحاب رسول الله ﷺ . كان مشركو مكَّة يؤذونهم أذىً كثيراً، وكانوا يأتون إليه بين مضروب ومشجوج، ويتظلَّمون إليه، فيقول لهم: "اصبروا فإنِّي لم أومر بقتالهم"، حتى هاجروا، فأُنْزِلَت هذه الآية٤. وقال في أحكام القرآن: "إنَّ الله لَمَّا بعثَ محمَّداً ﷺ بالحجَّة، دعا قومه إلى الله دعاءً دائماً عشرة أعوام لإقامة حجة الله، ووفاءً بوعده الذي امتن به بفضله في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ... ﴾ [الإسراء:١٥] .

стр. 19

واستمرَّ الناس في الطغيان، وما استدلوا بواضح البرهان، وحين أعذر الله بذلك إلى الخلق وأبوا عن الصدق، أمَرَ رسولَه ﷺ بالقتال يستخرج الإقرار بالحق منهم بالسيف"١. وقُرِئ ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء وكسرها. وقوَّى صاحب الأحكام٢ قراءة الكسر؛ لأنَّ النبي ﷺ بعد وقوع العفو والصفح عمَّا فعلوا، أذِنَ الله له بالقتال عند استقراره بالمدينة، فأخرج البعوث، ثُمَّ خرج بنفسه حتى أظهره الله يوم بدر. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ٣. وفي هذا التذييل للآية وعد من الله تعالى بنصر المؤمنين نصراً مؤزراً متى خاضوا المعركة لإعلاء كلمة الله ونصر دينه. وقد جاء هذا الوعد في صيغة تحفز على الاستماتة في سبيل الله، كلها توكيد وتأييد. ومَنْ كانت قدرة الله توجهه وترافق خطواته وحركاته، لن يستطيعَ عائق كيفما كان أن يقف في طريقه أو يفتّ من عزيمته٤. ٣ - ﴿الذين أُخْرِجُوا من الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] .

стр. 20

﴿الذين أُخرجوا من ديارهم﴾ : وصفٌ للذين أذن لهم بالقتال، فهو بدل منصوب على المدح، أو مرفوع على أنَّه مبتدأ. والمراد بالديار: مكَّة المكرَّمة١. قال ابن عباس ﵄: "أُخْرِجُوا من مكَّة إلى المدينة بغير حق، وهم محمَّد ﷺ وأصحابه"٢. ﴿إِلأَ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ : أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذَنْب إلاَّ أنَّهم وحَّدوا الله وعبدوه لا شريك له. - وهل في هذا عدوان على أحد؟ أو ضرر يعود على أحد؟! ولكن أهل الضلال والبغي ينظرون بعيون مريضة، ويحكمون على الأمور بعقولٍ فاسدة. فيرون النور ظلمة، والخير شرّاً، والإحسان إساءً!! ٣. فتكون هذه الآية الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] . وقول النابغة٤: ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم ... بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب٥ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] .

стр. 21

معنى: لهدِّمَت: لَخُرِّبَت باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل. والصوامع: صوامع الرهبان. وقيل: صوامع الصابئين. والبيع: جمع بيعة، وهي كنيسة النصارى. والصلوات: هي كنائس اليهود. والمساجد: هي مساجد المسلمين. والمعنى: لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض١. قال ابن كثير٢ ﵀: "أي لولا أنَّه يدفع بقومٍ عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، ولأهلك القويُّ الضعيفَ"٣. وقيل: لولا هذا الدفع لهدِّمَت في زمن موسى ﵇ الكنائسُ. وفي زمن عيسى ﵇ الصوامِعُ والبِيَعُ. وفي زمن محمَّد ﷺ المسَاجِدُ. وقيل: لولا دفع الله ظُلْمَ الظَّلَمة بعدل الولاة٤. وحمل الآية على العموم أولى؛ لأنَّ التخصيص لم يقم عليه دليل. - والآية فيها تحريض على القتال المأذون فيه قبل، وأنَّه تعالى أجرى العادة بذلك في الأمم الماضية بأن ينتظم به الأمر، وتقوم الشرائع، وتصان المتعبدات من الهدم، وأهلها من القتل والشتات.

стр. 22

- وكأنَّه لما قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ قيل: فليقاتِل المؤمنون، فلولا القتال لَتُغُلِّبَ على أهل الحق في كُلِّ أُمَّة١. وقوله -تعالى-: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ . الضمير ﴿فِيهَا﴾ يعود على المساجد؛ لأنَّها أقرب مذكور. وقيل: يعود على الجميع، باعتبار ما كان عليه الأمر قبل أن ينحرف أهلها عن دين الحق، وتنسخ بما جاء في القرآن. وأُخِّرَت المساجد لتأخرها في الوجود. وقيل: إنَّ هذه المواضع ذُكِرَت مرتَّبة على الأشرف فالأشرف. فأُخِّرَت المساجد لشرفها٢؛ ولأنَّها أماكن العبادة الحقة٣. ﴿وَلَيَنْصُرنَّ الله مَنْ ينْصُرُه إنَّ الله لقويٌّ عزيز﴾ اللام واقعة في جواب القسم. والمعنى: والله لينصرن مَنْ ينصره. - والمراد بمَن ينصر الله: من ينصر دينه وأولياءه٤. - ونصر الله تعالى لهم: أن يظفر أولياءه بأعدائهم جلاداً وجدالاً، وفي ذلك حضٌّ على القتال. - ثُمَّ أخبر تعالى: أنَّه قوي على نصرهم، عزيز، لا يغالب٥. فوصف الله نفسه بالقوة والعزَّة، فبقوته خلق كل شيء، فقدَّره تقديراً. وبعزَّته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب. بل كل شيء ذليل لديه، فقيرٌ إليه. ومَن كان القاهر الذي لا يغالب ناصرَهُ، فهو المنصور، وعَدَوَّهُ المقهور. قال تعالى: ﴿ولقد سَبَقَت كَلِمَتُنا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ. إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورونَ. وإنَّ

стр. 23

جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١-١٧٣] . وقد أنجز الله وعده حيث سلَّط المهاجرين والأنصار على صناديد الكفر من العرب، وعلى أكاسرة العجم، وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم١. ولن يخلف الله وعده لمن جاء بما شرطه في هذه الآية وغيرها مِمَّن تحقَّق فيه هذا الوعد. ٤ - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] . ﴿الذين﴾ : منصوب بدل ﴿ممن ينصره﴾ أو وصف المأذون لهم في القتال. فيجوز فيه من الإعراب ما جاز في قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ كما سبق. - والتمكين: السلطنة ونفاذ الأمر على الخلق. - وفي الآية إخبار بالغيب عمَّا تكون عليه سيرتهم إنْ مكَّن لهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين٢. وعن عثمان بن عفَّان٣ ﵁ هذا والله – "ثناء قبل بلاء": يريد أنَّ الله قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. وقالوا: فيه دليل على صحة

стр. 24

أمر الخلفاء الراشدين؛ لأنَّ الله تعالى لم يجعل التمكن ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة لغيرهم من المهاجرين. فلا حَظَّ فيها للأنصار والطلقاء١. - وفي الآية أخذ العهد على مَنْ مكَّنه الله أن يفعل ما رتب على التمكين في الآية٢. - وقيل: نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم٣. - وعن الحسن٤، وأبي العالية٥: هم أمته ﵇. وقيل: هم أهل الصلوات الخمس، وهو قريب مِمَّا قبله٦. وقال ابن أبي نجيح٧: هم الولاة.

стр. 25

وقال الضحاك١: هو شرطٌ شرطه الله من أتاه الملك. قال ابن عباس ﵄: المهاجرون والأنصار والتابعون. وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: "فينا نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ . والآية بعدها. أُخْرِجْنَا من ديارنا بغير حق٢ إلاَّ أن قلنا: ربنا الله، ثُمَّ مكنا في الأرض فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي"٣. وقال الصباح بن سوادة الكندي٤: "سمعت عمر بن عبد العزيز٥: يخطب ويقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض ... ﴾ الآية. ثُمَّ قال: ألا إنَّها ليست على الوالي وحده. ولكنها على الوالي والموَلَّى عليه. ألا أُنبئكم بما لكم على الوالي من ذلك. وبما للوالي عليكم منه؟: ١ - إنَّ لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم. ٢ - وأن يأخذ لبعضكم من بعض. ٣ - وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع.

стр. 26

- وإنَّ عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة١، ولا المستكثر بها. ولا المخَالِف سرُّها علانيتها". وقال عطية العوفي٢: "هذه الآية كقوله -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ كقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ " [طه: ١٣٢] . وعن زيد بن أسلم٣: في قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض﴾ : قال: "أرض المدينة". ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ : قال: "المكتوبة". ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ : قال: "المفروضة". ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوف﴾ : قال: "بلا إله إلاَّ الله". ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ : قال: "الشرك بالله". ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُُمُورِ﴾ : قال: "وعند الله ثواب ما صنعوا"٤. ويقول ابن جرير٥ - رحمه الله تعالى - في تأويل قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ

стр. 27

وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] : "يقول تعالى ذكره: أذن للذين يقاتلون بأنَّهم ظلموا - الذين إنْ مكَّناهم في الأرض أقاموا الصلاة - والذين ههنا رد على الذين يقاتلون. ويعني قوله: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض﴾ : إن وطَّنا لهم في البلاد فقهروا المشركين وغلبوهم عليها، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، يقول: إنْ نصرناهم على أعدائهم وقهروا مشركي مكة، أطاعوا الله فأقاموا الصلاة بحدودها. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ : يقول: وأعطوا زكاة أموالهم من جعلها الله له. ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾ : يقول: ودعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته وما يعرفه أهل الإيمان بالله١. ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ : يقول: ونهوا عن الشرك بالله والعمل بمعاصيه الذي ينكره أهل الحق والإيمان بالله. ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ : يقول: ولله آخر أمور الخلق، يعني أنَّ إليه مصيرها في الثواب عليها، والعقاب في الدار الآخرة٢. وعن أبي العالية: "كان أمرهم بالمعروف أنَّهم دعوا إلى الإخلاص لله وحده لا شريك له. ونهيهم عن المنكر أنَّهم نهوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان. ثُمَّ قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلهم فقد أمر بالمعروف، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان فقد نهى عن المنكر٣.

стр. 28

المبحث الخامس: في دلالات الآية الكريمة، وعلاقة ذلك بما كان عليه حال الجزيرة العربية عند قيام الدولة السعودية الثالثة مدخل ... المبحث الخامس: في دلالات الآية الكريمة، وعلاقة ذلك بما كان عليه حال الجزيرة العربية عند قيام الدولة السعودية الثالثة عام ١٣١٩هـ، وفيه مطالب: الأول: الصورة الكريمة التي سيكون عليها ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ . الثاني: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الثالث: وظيفة الدولة المسلمة. وأنَّ الحق لا يكفيه كونه حقّاً فقط. الرابع: أنَّ تلك الصورة الكريمة لم تدم طويلاً، وإن كان التمسك بالأصل موجوداً للوعد الإلهي بذلك. الخامس: علاقة ما تدل عليه الآية الكريمة بما كان عليه الحال عند قيام الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز.

стр. 29

المطلب الأول: في الصورة الكريمة التي سيكون عليها المؤمنون بعد التمكين في الأرض: لقد جاءت الآية الكريمة ذات الرقم (٤١) من سورة الحج، تحمل دلالات عامَّة وشاملة لا يحدها زمان ولا مكان - كما ظهر ذلك من أقوال المفسرين -، وسواء أريد ب ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض﴾ طائفة مخصوصة - كالمهاجرين، أو أصحاب الرسول ﷺ ، أو أهل الصلوات الخمس، أو الولاة - أو كان المراد عموم أُمَّة الرسول ﷺ ، كما يدل عليه ظاهر نظم الآية - التي سيقت في قوالب شاملة عامَّة - كالذين، والأرض، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر - فإنَّ الآية تعرض الصورة الكريمة التي سيكون عليها هؤلاء المؤمنون الذين أُخْرِجُوا من ديارهم بغير حق، وذلك حين ينصرهم الله، ويمكِّن لهم في الأرض، وتكون لهم القوة والغلبة١. إنَّهم مع ذلك لن يكونوا على شاكلة مشركي مكَّة الذين كان إليهم وبأيديهم القوة والسلطان، فتسلَّطوا على عباد الله، ورهقوهم، وأخذوهم بالبأساء والضراء، وأخرجوهم من ديارهم بغير حق٢. إنَّ هؤلاء المؤمنين حين يمكن لهم في الأرض - سيكونون مصابيح هدى وينابيع رحمة - للإنسانية كلها بما يقيمون فيها من موازين الحق والعدل، وما يغرسون في آفاقها من مغارس الخير والإحسان. إنَّهم يقيمون الصلاة ليستمدوا منها العون من الله. ويؤتون الزكاة فيكشفون الضر عن عباد الله.

стр. 30

ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فيصلحون بهذا من سلوك الناس، ويقيمون لهم الطرق المستقيمة، فلا تتصادم منازعهم، ولا تفسد مشاربهم. وقد صدق الله وعده، ومكَّن للمؤمنين في الأرض، بعد أن هاجروا من مكة إلى المدينة. فكانوا أعلام هدى، وآيات رحمة، وموازين عدل وإحسان بين الناس، وكانوا كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿كُنْتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروفِ وَتَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمَنُونَ باللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ١.

стр. 31

المطلب الثاني: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: وبيان ذلك أنَّ سبب نزول الآية - كما سبق - هو إيذاء كفار قريش لأصحاب الرسول ﷺ ، وهجرتهم إلى المدينة. ولكن نَظْم الآية والقوالب التي صيغت بها معانيها، جاءت عامَّة كليةً تشمل جميع من توفرت فيه شروط التمكين في الأرض، وقد مرَّ مَنْ قال بذلك من المفسرين١. والقاعدة عند العلماء والأصوليين والمفسرين: أنَّ الآية إذا كان لها سبب نزول خاص، وكذا الحديث، إذا كان وارداً على سببٍ خاصٍّ. فإنَّ الحكم لا يكون مقصوراً على السبب. وإن كان دخول صورة السبب في الحكم لها الأولوية؛ لأنَّ العبرة بعموم اللفظ عند استنباط الحكم لا بخصوص السبب، كما هو الراجح لدى كثيرٍ من العلماء. وعلى ذلك يكون الحكم الذي دلَّت عليه الآية الكريمة عامّاً لجميع مَنْ تحقَّقت فيه شروط التمكين في الآية٢. وهذا أحد الأسباب التي توضح العلاقة بين دلالة الآية وموضوع البحث.

стр. 32

المطلب الثالث: وظيفة الدولة المسلمة. وأنَّ الحق لا يكفيه كونه حقّاً فقط: ذكر كثيرٌ من المفسرين أنَّ الآية الكريمة - وهي قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ...﴾ الآية [الحج: ٤١] . قد تضمَّنت الغاية الكبرى من وجود الدولة المسلمة الصالحة. وبيان الأسس والدعائم التي تقوم عليها تلك الدولة١. - وأنَّ القيام بالمبادئ المذكورة والتقيد بمضمونها - هو الشرط الذي شرطه الله لمن يستحق النصر في قوله -تعالى-: ﴿وَلَيَنْصُرنَّ الله مَنْ ينْصُرُه إنَّ الله لقويٌّ عزيز﴾ [الحج:٤٠] . وتلك الأسس والدعائم -كما ذُكِرَت في الآية- أربع: الأولى: إقام الصلاة. الثانية: إيتاء الزكاة. الثالثة: الأمر بالمعروف. الرابعة: النهي عن المنكر. والكلام على أهمية هذه الأسس وما قامت به الدولة السعودية في شأنها - سيأتي - إن شاء الله. لكن نشير إلى ناحية أخرى تعرَّضت لها الآيات - كما سبق - وهي أنَّ الحق لا يكفيه كونه حقّاً، بل لابدَّ من منافح عنه، ودافع إليه. ومِنْ ثَمَّ لم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير عزلاً، تكافح قوى الطغيان والشر - اعتماداً على قوة الإيمان في النفوس، وتغلغل الحق في الفطر، وعمق الخير في القلوب، إلاَّ ريثما يستعدون للمقاومة، ويتهيأون للدفاع. ويتمكنون من وسائل الجهاد.

стр. 33

وعندئذٍ أُذِنَ لهم في القتال لرد العدوان؛ لأنَّ الإيمان والخير والحق لابدَّ لها من قوة تحميها من البطش، وتقيها من الفتن، وتحرسها من كُلِّ مَنْ يريد الاعتداء عليها١. ووراء ذلك كُلِّه تلك القاعدة العامَّة، وهي حاجة العقيدة إلى الدفع عنها، وأنَّ الحقَّ مهما كان نوعه لابدَّ له من نصرة ودفاع، وهذه الحقيقة عبَّر عنها القرآن الكريم بمنتهى الدقة والوضوح في قوله -تعالى-: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢١٥] وإليها يشير في هذه الآيات بقوله -تعالى-: ﴿وَوَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ فهذه المواضع - على قداستها وتخصيصها لعبادة الله - معرَّضة للهدم والخراب، ولا يشفع لها في نظر الباطل، كونها يُذْكَر فيها اسم الله كثيراً، ولا يحميها إلاَّ دفع الله الناس بعضهم ببعضٍ، أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها ويعتدون على أهلها، فكان من حكمة الجهاد في الإسلام، حماية العقيدة، وحرية العبادة، وتمكين المؤمنين العابدين العاملين من تحقيق منهاج الحياة القائم على العقيدة، المتصل بالله، الكفيل بتحقيق الخير للبشرية في الدنيا والآخرة٢.

стр. 34

المطلب الرابع: أن تلك الصورة الكريمة والسيرة الحسنة لم تدم طويلا ... الرابع: أنَّ تلك الصورة الكريمة والسيرة الحسنة لم تدم طويلاً: سبق أنَّ الصورة الكريمة التي سيكون عليها المؤمنون الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق - بعد التمكين لهم في الأرض - قد تحقَّقت في رسول الله ﷺ وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم، وذلك بعد أن هاجروا إلى المدينة

стр. 35

النبوية، وتوفَّرت فيهم شروط التمكين، حيث قامت أول دولة إسلامية تحت راية لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّداً رسول الله. وكان أولئك المؤمنون القائمون على أمرها، مَصابيح هدى، وينابيع رحمة للإنسانية كلها، بما يقيمون فيها من موازين الحق والعدل، وما يغرسون في آفاقها من مغارس الخير والإحسان. فكانت سيرتهم في الحكم والرعية شعيرة إسلامية يجب الاهتداء بها، كما قال الرسول ﷺ : "عليكم بسنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كُلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ١. كما أصبحت سيرتهم في الرعية وما كانوا عليه من العدل أمنية إنسانية يود كل قائم ومسئول عن أمر المسلمين أن يسيرها ويهتدي بها أو بما يشابهها. لكن تلك الصورة الكريمة والسيرة الطيبة التي كان عليها الرسول ﷺ وخلفاؤه من بعده - لم تدُم طويلاً، لحكمةٍ يعلمها الله، وأسباب قدرها، ومنها الابتعاد عن شروط التمكين في الأرض، والإخلال بما أمر الله به.. نعم! ما برحت عوامل الضعف الذاتية، ونقم الكيد الخارجية تنهش في جسم الأمة الإسلامية بما يوهن أو يمرض عافيتها٢. إلاَّ أنَّ الله -تعالى- بمقتضى اسمه اللطيف، واسمه الرحيم، وقى هذه الأُمَّة من الاستئصال٣. وقضى بقدره الحكيم بحفظ الدين إلى يوم التناد، كما قال -تعالى-: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .

стр. 36

وقال الصادق المصدوق ﷺ : "لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَنْ خذلهم - أو مَن خالفهم - حتى يأتي أمرُ الله" ١. وإنَّ المستقرئ لتاريخ هذه الأُمَّة في حقبه المتتابعة والمتفاوتة، قوةً وضعفاً، يعلم أنَّ: دولة الإسلام لم ينقطع موكبها، ولم تقف سفينتها منذ أن أقام الرسول ﷺ دولة الإسلام العظمى في المدينة النبوية. فقد شهد التاريخ الإسلامي - بعد عهد الرسول ﷺ والخلافة الراشدة - عِدَّة دول٢. تعنى بأمر العقيدة والشريعة، وتحمي الحوزة، وتدافع عن حصن الإسلام، وإن كان ذلك لا يقاس بمعيار الخلافة الراشدة، لكن الأمر الذي لا يجوز نكرانه، هو أنَّ تلك الدول قد قامت بمسئولياتٍ كبيرة، منها: ١ - اتخاذ الكتاب والسُنَّة مصدراً للتشريع والحكم، وإن حصل تقصير في إنفاذ مقتضاهما دون الاستخفاف بالأصل أو ردّ للأمر أو جحود للأحكام. ٢ - الحفاظ على كيان الأُمَّة والاستمساك بمبدأ وحدتها، ولو على ضعف في بعض الأحيان. ٣ - استمرار الدعوة والفتح الإسلامي. ٤ - اتصال النشاط العلمي والحضاري ونشر الثقافة الإسلامية. ولو في مستوى أقل مِمَّا هو مطلوب٣.

стр. 37

وفي ذلك كله تصديق لمعنىً جليلٍ من معاني الحديث العظيم الذي مرَّ، كما أنَّ فيه دليلاً على صدق ما وعد الله به من أنَّه يخرج لهذه الأمة مَن يجدد لها دينها. كما في الحديث النبوي: " إنَّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يجدِّد لها دينها" ١. فلم يزل المصلحون يتتابعون على هذه الأمَّة المحمدية، كلَّما بَعُدَ العهد بواحدٍ خلفه آخر، وفاءً من الله جلَّ وعلا بهذا الوعد الحكيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] . حتى وصل الأمر بالأمة الإسلامية إلى العقد الأول والثاني من القرن الرابع عشر من هجرة المصطفى ﷺ ، فكان المجدِّد فيه هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقد نشأ في زمن ضعفت فيه الآثار المحمدية. وضعفت المعالم الإسلامية، فلا راية إلاَّ لأهل الشرك والبدع. لهم الصولة والجولة، والعامة تبعٌ لهم. والخاصة دعاة لهم، قد ضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، لم يسلم من شباكهم إلاَّ نذر يسير. وأصبحت البدعة عندهم سُنَّة إذا غيرت قيل: غيرت السُنَّة. فلمَّا رأى الشيخ حالهم، وعرف ضلالتهم، دعاهم إلى توحيد الله بالعبادة، وإفراده بها. ولم يزل صابراً على ما يلقاه من أذى، داعياً إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، يسانده في ذلك - بعد عون الله تعالى - الإمام محمد بن سعود ﵀، إلى أن أتت هذه الدعوة المباركة ثمارها، وغرست غرساً

стр. 38

طيباً ما زال الناس يعيشون في ظله، فأثمرت تلامذة يدعون إلى الحق، وكتباً تهدى إليه، فسار الطلاب بهذه الدعوة إلى كل مكان، وسارت مؤلفات الحق مسار النهار، فانشرحت صدور الموفقين لهذه الدعوة وقبلوها، ودعوا إليها، والتقت قلوبهم عليها، وإن تباعدت أقطارهم. واتضح دين الحق، وظهر أمر الله: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] . لكن هذه الدعوة المباركة لم تسلم من حروبٍ شرسة، شنَّها أعداؤها، أعداء الدين الذين شَرِقُوا بدعوة الحق وكرهوها، وسعوا في الإطاحة بها، والقضاء عليها، وعملوا بكل ما أوتوا من الوسائل إلى إخماد نور هذه الدعوة الإصلاحية، ولكن وسائلهم باءت بالفشل، ولم تحقق تقدماً ولم تقض لهم وطراً؛ لأنَّ نور الله باقٍ ودينه منصور. فحقق الله لعباده المؤمنين وعده بالنصر والتمكين في الأرض١ على يد الإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، حيث رفع راية التوحيد خفاقة، فأعزَّ الله به أهل هذه الدعوة بعد أن كانوا أذِلَّة، وأغناهم جلَّ وعلا به بعدما كانوا عالة٢.

стр. 39

المطلب الخامس: في بيان العلاقة والموازنة بين دلالة الآية الكريمة وما كان عليه الحال إبان قيام المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز: إنَّ بيان العلاقة وعقد المقارنة بين دلالة الآيات الكريمة، وما صاحب نزولها من الظروف المتعلقة بحال العرب من الناحية الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية عند مبعث الرسول ﷺ ، وحال جزيرة العرب إبان قيام الدولة السعودية على يدي الملك عبد العزيز ﵀ لا يتطلب كبير عناء؛ إذ المشابهة والموازنة بينهما جداً واضحة، فالجاهلية الجهلاء بالأمور الدينية، وكثرة البدع وعبادة القبور من دون الله قد كانت موجودة. - والفوضى السياسية، واستئساد الحكم القبلي العشائري، هو الذي يتحكم في كثيرٍ من المناطق. - والفاقة والعوز وقلة الموارد الاقتصادية هي الحالة الظاهرة. - والتفكك الاجتماعي والأسري والتناحر بين الأخ وأخيه هو المسيطر في غالب الأحيان. - والإخراج بدون ذنب إلاَّ أن يقول المؤمن ربنا الله، قد حصل. - والهجرة إلى البلاد الآمنة من أجل إقامة الحق قد وقع. - والتمكين في الأرض للمؤمنين وعودتهم إلى ديارهم منصورين قد تحقق. - وتطبيق الشرع ومعرفة الغاية الكبرى من وجود الدولة المسلمة الصالحة، وفقه الأسس التي تقوم عليها تلك الدولة قد وجد. - والجهاد من أجل إعلاء كلمة الله قد كان.

стр. 40

- فما الذي حدث، حتى عادت الحال إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين - رضوان الله عليهم - أو قريباً من ذلك؟! إنَّ الذي حدث فعلاً، هو العودة إلى الصورة الكريمة التي بشَّرت بها الآية، والاقتراب من شروط التمكين في الأرض التي دلَّت عليها الآيات، واستحقاق النصر الذي وعد الله به المؤمنين. كل هذه الأمور وغيرها مِمَّا يؤهل للاستخلاف في الأرض كما وعد الله قد حصل. والله لا يخلف الميعاد، وينصر مَنْ نصر دينه، ويُعْلِي مَنْ أعزَّ عقيدته، وما ذلك على الله بعزيز١.
следующие страницы →