Полный текст (1 331 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
خَرْصًا بِالزَّبِيبِ كَيْلًا وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَوَّى بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ فِي إيجَابِ الْعُشْرِ وَفِي سَنِّ الْخَرْصِ فِيهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ أَلْغَيْنَا قَيْدَ ظَاهِرَةٍ بَادِيَةٍ كَالْأَعْذَاقِ فَيُمْكِنُ خَرْصُهَا وَالْإِحَاطَةُ بِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ادِّخَارَ اليابس منه وامكان الخرص لانهما معنيين مناسبين لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا شَرْطٌ فِي تَصْوِيرِ المسألة ووفقنا عَلَى إلْحَاقِ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ جَازَتْ فِي الْكَرْمِ نَصًّا وَرَوَيْنَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا وَالْعَرَايَا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا جَازَتْ فِي الْكَرْمِ قِيَاسًا (قُلْتُ) وَالْمَحَامِلِيُّ وبن الصَّبَّاغِ مِمَّنْ جَعَلَا ذَلِكَ نَصًّا وَلَمْ أَقِفْ على النص الذى ذكروه في شئ مِنْ الْأَحَادِيثِ بَلْ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مَا يُشْعِرُ بِخِلَافٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَانِي الْمَوْجُودَةِ فِي النَّخِيلِ مَوْجُودَةٌ فِي الْكَرْمِ بَلْ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إلَّا الاصحاب الْعَرَايَا فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ
стр. 527
وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ بِخَرْصِهِ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ الْعِنَبَ لَا يُعْطَى حُكْمَ التَّمْرِ لِأَنَّهُ فَصَلَهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ وجعله مع بقية التمر فَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
نَعَمْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَفِيهِ المزابنة تمر النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلًا وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ خَرْصُهُ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ النَّهْيَ عَنْ أُمُورٍ مِنْهَا الْمُزَابَنَةُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ إلَّا الْعَرَايَا وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مَاضِيَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَمُثْبِتَةٌ لِمَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ بِخَرْصِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ عَامٌّ فِي الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ فَيَكُونُ إلْحَاقُ الْعِنَبِ بالرطب تخصيصا للعموم بالقياس فمن يمنع منه يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ الْإِلْحَاقِ هَهُنَا إلَّا بِدَلِيلٍ
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الثِّمَارِ الَّتِي تُجَفَّفُ مِثْلَ الْخَوْخِ وَالْإِجَّاصِ وَالْكُمَّثْرَى وَالتِّينِ والجوز واللوز
стр. 528
وَالْمِشْمِشِ فَهَلْ يَجُوزُ عَلَى شَجَرِهِ بِخَرْصِهِ جَافًّا فيه طريقان (احدهما) أن المسالة على قولين وَهِيَ الَّتِي حَكَاهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصباخ وَالْمُصَنِّفُ وَأَتْبَاعُهُ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ إنَّهَا الْمَشْهُورَةُ فِي كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِ لِشَبَهِ ذَلِكَ بِالْمُسَاقَاةِ تَجُوزُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ قَوْلًا وَاحِدًا وفى غيرها من الثمار حكي قَوْلَيْنِ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ تَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ لِأَنَّ النَّفْسَ تَدْعُو إلَى أَكْلِهَا في رُطُوبَتِهَا وَهَذِهِ عِلَّةٌ مُنَاسَبَةٌ لِشَبَهِ الْحَاجَةِ الَّتِي شُرِعَ لَهَا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ﵀ لِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ فَتَعْلِيلٌ لِمُجَرَّدِ الِاسْمِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا عِنْدَهُ وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ فَغَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ فَلَوْ عَلَّلَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا كَانَ أَوْلَى وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ تَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ فِيهَا سَأَذْكُرُهَا فِي آخِرِ الْكَلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(وَالثَّانِي)
لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْعَرِيَّةِ من
стр. 529
الْأُمِّ الْمَنْسُوبِ إلَى الصَّرْفِ قَالَ وَلَا تَكُونُ الْعَرَايَا إلَّا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ لِأَنَّهُ لَا يضبط خرص شئ غيره واقتصره فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى هَذَا وَسَيَأْتِي عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ تَلْوِيحًا إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْنِي قَوْلَ الْمَنْعِ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الرُّويَانِيِّ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَغَوِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَالرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَعَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ وَيَكُونَ قِيَاسُهُ عَلَى الرُّطَبِ حِينَئِذٍ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَتَّفِقْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَصَحِيحٌ لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ عَلَى مِثْلِ هَذَا وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ ظَهَرَ له بقرينة الحال أن الرخصة مقصودة عَلَى ذَلِكَ وَأَوْجَبْنَا الْأَخْذَ بِذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ وَلَكِنَّ الْأَصْحَابَ لَمَّا رَأَوْا إلْحَاقَ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ ظَاهِرًا قَوِيًّا لَمْ يَتْرُكُوهُ بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ وَلَمَّا كَانَ إلْحَاقُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الثِّمَارِ لَيْسَ بِجَلِيٍّ
стр. 530
قَدَّمُوا ذَلِكَ اللَّفْظَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّ الْأَصْحَابَ بَنَوْا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْخَرْصَ هَلْ يَجْرِي فِي ثِمَارِ سَائِرِ الْأَشْجَارِ (إنْ قُلْنَا) لَا يَجْرِي امْتَنَعَ الْبَيْعُ لِلْجَهَالَةِ (وَإِنْ قُلْنَا) يَجْرِي فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّا هَلْ نَقْتَصِرُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِتْبَاعِ أَوْ نَتْبَعُ طَرِيقَ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ فَمَنْ سَلَكَ الْإِتْبَاعَ مَنَعَ وَمَنْ جَوَّزَ الرَّأْيَ سَوَّغَ وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ قَدَّمَ الْخِلَافَ فِي الْخَرْصِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وكذلك الغزالي ﵀ قال قَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي الزَّكَاةِ وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الزكاة ولا الامام وَلَا رَأَيْتُهُ فِي مَوْضِعٍ مَا وَلَا يَلِيقُ ذِكْرُهُ فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي ذَلِكَ فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا (قُلْت) وَالْغَزَالِيُّ وَإِمَامُهُ مَسْبُوقَانِ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ لَكِنَّ الِاعْتِرَاضَ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ وَقَدْ يُقَالُ فِي جَوَابِهِ إنَّ ذَلِكَ يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزَّيْتُونِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مِمَّا سِوَى الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ
стр. 531
لِأَنَّ سَائِرَ الثِّمَارِ لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ أَنَّمَا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ فَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ لِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ كَذَلِكَ فَرَضَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْإِمَامُ فِي الْجَافِّ بِالرُّطَبِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بالجاف ما هو على هيئة الادخار ولابد مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَايَا بَيْعُ رُطَبٍ بِيَابِسٍ وَالْيَابِسُ الَّذِي لَا يُدَّخَرُ لَا يُرْغَبُ فِيهِ وَقَوْلُهُ وَلَا يُمْكِنُ خَرْصُهَا إنْ أَرَادَ عَدَمَ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا الْخَرْصُ فَصَحِيحٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ بَيْعُ الثِّمَارِ وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ يَعْنِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ان شيئا من الحبوب تؤخذ زكاته يخرص وَلَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَهْلُهُ رُطَبًا لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ كَمَا يُدْرَكُ عِلْمُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ الْإِمْكَانِ الْحِسِّيِّ فَقَدْ يمنع (نعم) هو عسر لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْعِلَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ الْخَرْصُ فِيهِ شَرْعًا فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الِاسْتِتَارُ فِي الْأَوْرَاقِ وَعَدَمِ الظُّهُورِ وَاَلَّذِي عَلَّلَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ الْعُشْرَ
стр. 532
لَا يَجِبُ فِيهَا وَلَا يُسَنُّ الْخَرْصُ فِيهَا كَمَا فَعَلَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي إلْحَاقِ الْعِنَبِ وَقَطْعِ بَقِيَّةِ الثِّمَارِ عَنْ الْإِلْحَاقِ إلَى كَوْنِ الْعِنَبِ يُخْرَصُ وَهِيَ لَا تُخْرَصُ
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ لانه لا يضبط خرص شئ غَيْرُهُ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَسْلَمُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَحَامِلِيِّ وَالرُّويَانِيِّ وَنَقَلَهُ الْعُمْرَانِيُّ عَنْ حِكَايَةِ صَاحِبِ الْمُعْتَمَدِ وَمِنْ الْجَازِمِينَ بِهِ سُلَيْمٌ فِي الْكِفَايَةِ وَفَرَّقَ الْمَحَامِلِيُّ بينه وبين المساقات بأن المعنى الذى لاجله جوزت المساقات فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى ثَمَرَتِهِ وَيَسْقِيهَا ويتعهدها فدعت الحاجة إلى جواز المساقات عَلَيْهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَيْعُ الْعَرَايَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ بِالْخَرْصِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الثِّمَارِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ قَوْلًا وَاحِدًا وَالظَّاهِرُ الطريقة
стр. 533
الْأُولَى لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي بَابِ بَيْعِ الْعَرَايَا مِنْ الْأُمِّ وَكُلُّ ثَمَرَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ مِثْلُ الْفِرْسِكِ وَالْمِشْمِشِ وَالْكُمَّثْرَى وَالْإِجَّاصِ وغير ذلك مُخَالَفَةٌ لِلتَّمْرِ وَالْعِنَبِ لِأَنَّهَا لَا تُخْرَصُ لِتَفَرُّقِ ثِمَارِهَا وَالْحَائِلِ مِنْ الْوَرِقِ دُونَهَا وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمَا وُصِفَتْ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ هِيَ وَإِنْ لَمْ تُخْرَصْ فَقَدْ رَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي فَأُجِيزُهُ كَانَ مَذْهَبًا هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ بِحُرُوفِهِ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ مِنْهُ تَقْتَضِي إثْبَاتَ قَوْلٍ آخَرَ بِالْجَوَازِ وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُ مَا قَدَّمَهُ وَهُوَ الْمَنْعُ وَمُقْتَضَى تَجْوِيزِ الْعَرَايَا فِيهَا جَوَازُ الْخَرْصِ فِيهَا وَإِلَّا فَكَيْفَ تُبَاعُ الْعَرَايَا وكيف ما قُدِّرَ فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا حَرَّمَ مِنْ غَيْرِهَا أَيْ مَا يُبَاعُ بِالتَّحَرِّي هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ الْأُمِّ وَنُسْخَةٍ ثَانِيَةٍ مِنْهَا أَيْضًا وَفِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ رَخَّصَ مِنْهَا في شئ حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الْجَوَازِ وَذَلِكَ مَعْنًى لَا يَنْسَاغُ ولافرق بيها وبين وغيرها فِي أَنَّ بَيْعَهَا بِجِنْسِهَا بِالتَّحَرِّي غَيْرُ جَائِزٍ وَبِغَيْرِ جِنْسِهَا جَائِزٌ وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بن
стр. 534
بِشْرِي الْمِصْرِيَّ فِي كِتَابِهِ الْمُخْتَصَرِ الْمُنَبَّهِ مِنْ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ نَقَلَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ بِصِيغَةٍ سَالِمَةٍ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ هِيَ وَإِنْ لَمْ تُخْرَصْ فَقَدْ رَخَّصَ فِيمَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي فَأُجِيزُهُ كان مذهبنا فَأَسْقَطَ لَفْظَةً مِنْهَا وَاسْتَقَامَ الْمَعْنَى وَصَارَ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ كَمَا رَخَّصَ فِيمَا هُوَ حَرَامٌ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ
يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي جَازَ فِيهَا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِوَجْهِ الْإِلْحَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فيما نقله الماوردى في الحاوى ولو قائل يجوز التحرى فيها كان مذهبنا وهذا لااشكال فِي فَهْمِهِ (فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنْ قُلْتَ إنَّهُ يَجِبُ إذَا مَنَعْنَا الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ وَقَوْلٌ لِغَيْرِهِ أَنْ لَا يُقَاسَ الْعِنَبُ عَلَى الرُّطَبِ وَلَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِهِ فِي مَذْهَبِنَا وَأَجَابَ بِأَنَّ السُّؤَالَ صَحِيحٌ إنْ صَحَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ فِي الْقَدِيمِ وَجَوَابُهُ لَعَلَّهُ كَانَ فِي الْقَدِيمِ يَرَى أَنَّ اسْمَ الْعَرِيَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِالرُّطَبِ (قُلْت) وَقَدْ تَقَدَّمَ رَدُّ قَوْلِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا وَتَرْجِيحُ كَوْنِهِ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ وَأَمَّا كَوْنُ الشَّافِعِيِّ له قول
стр. 535
يَمْنَعُ الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ حَتَّى يَلْزَمَ عَلَيْهِ ما لورده فَلَمْ أَعْلَمْ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا بِذَلِكَ وَلَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي نَقْلٍ مُعْتَمَدٍ وَلَيْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَابٌ يَمْتَنِعُ فِيهِ الْقِيَاسُ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى قِيَاسَ الْعَرَايَا مِنْ قِسْمِ مَا اسْتَثْنَى عَنْ قَاعِدَةٍ سَابِقَةٍ ويتطرق إلى استثنائه معنى فقياس عَلَيْهِ كُلُّ مَسْأَلَةٍ دَارَتْ بَيْنَ الْمُسْتَقِرِّ وَمُشَارِكِ الْمُسْتَثْنَى فِي عِلَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَثَّلَ بِالْعَرَايَا فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَاسِخًا لِقَاعِدَةِ الرِّبَا لَكِنْ اُسْتُثْنِيَ لِلْحَاجَةِ فَنَقِيسُ الْعِنَبَ لِأَنَّا نَرَاهُ فِي مَعْنَاهُ نَعَمْ لَنَا رُخَصٌ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا لَا لِأَجْلِ أَنَّهَا رُخَصٌ بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا شُرُوطُ الْقِيَاسِ كَرُخَصِ السَّفَرِ وَالْمَسْحِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْعَاقِلَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَالْغُرَّةِ وَالشُّفْعَةِ وَالْقَسَامَةِ وَنَظَائِرِهَا وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ مِنْ قِسْمٍ تَرْجَمَ الغزالي عنه بالقواعد المبتدأة العديمة النظر فهذا إنَّمَا امْتَنَعَ الْقِيَاسُ فِيهَا لِعَدَمِ نَظِيرِهَا وَلَيْسَ كُلُّ رُخْصَةٍ كَذَلِكَ فَلَعَلَّ مَنْ نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَقِيسُ فِي الرُّخَصِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى هَذَا النَّقْلِ إلَّا بَعْدَ تَثَبُّتٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
قَالَ الْجُرْجَانِيُّ لَا تَجُوزُ الْعَرِيَّةُ فِي الزَّرْعِ بِخِلَافِ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ لِأَنَّ أَعْذَاقَهَا وَعَنَاقِيدَهَا مُجْتَمَعَةٌ بَارِزَةٌ.
стр. 536
(فَرْعٌ)
لَوْ بَاعَ الرُّطَبَ عَلَى الشَّجَرِ بِجِنْسٍ آخَرَ مِنْ الثِّمَارِ عَلَى الشَّجَرِ وَعَلَى الْأَرْضِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خَرْصٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَيَتَقَابَضَانِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَلَوْ بِيعَتْ الْعَرَايَا بِنَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ مَوْصُوفٍ مِنْ كُلِّ مَا عَدَا الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ إلَى أَجَلٍ وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الْعَرِيَّةَ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ
الشَّافِعِيُّ ﵁.
(فَرْعٌ)
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَحَقُّ الْفَقِيهِ أَنْ لَا يَغْفُلَ فِي تَفَاصِيلِ الْمَسَائِلِ عَمَّا مَهَّدْنَاهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ وَفِيهَا حَقُّ الْمَسَاكِينِ أو لاحق فِيهَا وَالتَّنْبِيهُ كَافٍ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا بَاعَ من في ملكه خمسة أوسق فصاعدا يحيث تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالثَّمَرَةِ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ وَبَيْعِ الْمَالِ وَفِيهِ حَقُّ الزَّكَاةِ مَذْكُورٌ بِأَحْكَامِهِ وَتَفَاصِيلِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَذَلِكَ بعينه جار هنا لانه لافرق في ذلك بين أن يكون المبيع بتمر أو بنقد فيجئ إذَا أَطْلَقْنَا هُنَا الْمُرَادَ مِنْ حَيْثُ مَا نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِيهِ وَأَمَّا تِلْكَ التَّفَاصِيلُ وَالْأَحْكَامُ فَمَعْلُومَةٌ فِي بَابِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا إنَّمَا يَجُوزُ
стр. 537
إذَا خُرِصَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَقُلْنَا الْخَرْصُ تَضْمِينٌ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْجَمِيعِ قَالَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالتَّضْمِينِ أو أراد إذا لم يبلغ مافى حائط قدرا تجب فيه الزكاة أو أراد الاقدر الزَّكَاةِ إذَا قُلْنَا الْخَرْصُ غَيْرُهُ انْتَهَى وَهَذَا يوافق ما أشار إليه الامام واصل هذه التنبيه عن القفل كذلك حَكَاهُ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ الْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَرَأَيْتُهُ في كلام في شرح التخليص وَأَصْلُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فَإِنَّهُ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ فِي بَابِ صَدَقَةِ التَّمْرِ من الام ولا حقله هُنَاكَ تَفْرِيقَ الصَّدَقَةِ إذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَسَكَتَ عَنْ الصَّدَقَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الشافعي وروايته أن مصدق الحائط أمران يأمر الْخَارِصَ أَنْ يَدَعَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ قَدْرَ مَا يَرَاهُمْ يَأْكُلُونَهُ وَلَا يَخْرُصُهُ لِتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَتَكُونُ تِلْكَ الْعَرِيَّةُ إذَا فُرِضَتْ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بها كما ذكر والله أعلم.
لكن قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصْحَابَ نَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ الْقَدِيمِ وَأَنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُهُ أَمَّا إذَا فُرِضَ الْبَيْعُ فِيمَا تَعَلَّقَ حَقُّ الزَّكَاةِ بِهِ فَلَا شَكَّ فِي جَرَيَانِ مَا نَبَّهُوا عَلَيْهِ وَهَذَا الفرع الذى نبه على الشافعي
стр. 538
مِنْ أَنَّهُ يَدَعُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ حَائِطِهِمْ قَدْرَ مَا يَرَاهُمْ يَأْكُلُونَهُ مُسْتَفَادٌ غَرِيبٌ ثُمَّ فِيهِ مُبَاحَثَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ حَقَّ الْمَسَاكِينِ قبل الخرص هل تعلق الجميع أولا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَكَيْفَ يَنْقَطِعُ بِأَفْرَادِ الْخَارِصِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفْرِدَ حَقَّهُمْ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوُثُوقِ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَصَدَّقُ بِعُشْرِهِ كَمَا
تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَيَكُونُ حَقُّهُمْ فِي نَخَلَاتٍ مُبْهَمَةٍ وَحِينَئِذٍ فهل ولاية اليقين لِلْمَالِكِ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْأَكْلِ وَغَيْرِهِ قَبْلَ التَّعْيِينِ فإذا باع تكوين كَمَا لَوْ بَاعَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ الشِّيَاهِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الزَّكَاةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَخْرُجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَجْلِ الْإِبْهَامِ وَأَمَّا اقْتِضَاءُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ لِتَرْجِيحِ الصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ فِيمَا عَدَا قَدْرِ الزَّكَاةِ فَبَعِيدٌ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ لَمَّا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ هَلْ يُجْبَرُ بِالْقِسْطِ أَوْ بِالْكُلِّ قَالَ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَخْرُجَانِ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ إنَّ الزكاة تجب في الذمة لافى الْعَيْنِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إذَا وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ صَحِيحًا فِي جَمِيعِ الْأَرْبَعِينَ فَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي مِنْهَا وَاحِدًا كَانَ ذَلِكَ عيبا.
стр. 539
(فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا فِي الْمَوْضِعِ مَنْ له حائط أي بستان بذلك الموضع لموافقة ثمرتها وفصلها أو قرنها لان الحلال عام لاخاص الا أن يخص بجزء لازم وَإِنْ حَلَّ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ شِرَاؤُهَا حَلَّ لَهُ هِبَتُهَا وَإِطْعَامُهَا وَبَيْعُهَا إذَا حَازَهَا وَمَا يَحِلُّ له من المثال في ماله انتهى وَهَذِهِ الْفُرُوعُ كُلُّهَا وَاضِحَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لِمُوَافَقَةِ ثَمَرَتِهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَغْرَاضَ فِي الْبِيَاعَاتِ تَخْتَلِفُ فَلَا يُحْصَرُ الْغَرَضُ فِي أَنْ لَا يَكُونَ لمالك الثمرة أو مِثْلُهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَلْ قَدْ يَكُونُ مِثْلُهَا عِنْدَهُ وَيُرِيدُ ضَمَّهَا إلَيْهِ.
(فَرْعٌ)
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ﵀ إنَّ الْخَارِصَ هُنَا يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ عَلَى رَأْيٍ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ هُنَا نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْكَيْلِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ وَيَكْفِي فِي الْكَيْلِ وَاحِدٌ فَكَذَلِكَ هَذَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ يَكْفِي أَحَدُهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كَيْفِيَّةِ الْخَرْصِ أن ينظر المتبايعان إلى النخلة ويحذر انها وَذَلِكَ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِهِمَا وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُمَا لَوْ عَلِمَا الْمُمَاثَلَةَ لَا يشترط اخبار
стр. 540
غَيْرِهِمَا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ هَهُنَا لَوْ خَرَصَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَخْرُصْ الْآخَرُ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيهِ احتمال يتخرج على مالو أَذِنَ مَنْ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ بِالْكَيْلِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ فِي كَيْلِهِ لِنَفْسِهِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا قَالَ وَفِي ظَنِّي أَنَّهُ مَرَّ فِيهِ كَلَامٌ يَلْتَفُّ عَلَى اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ لِأَنَّ الْكَيْلَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقَبْضِ صَارَ بِكَيْلِهِ مُقْبِضًا
وَقَابِضًا وَأَمَّا الْخَرْصُ هَهُنَا فَهُوَ إخْبَارٌ مَحْضٌ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ بِمُسَاوَاةِ هَذِهِ الصُّبْرَةِ لِصُبْرَتِهِ أَوْ الدِّينَارِ لِدِينَارِهِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْقَبْضِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ كَلَامٌ وَأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي حَتَّى لَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْكَيْلِ بَطَلَ الْعَقْدُ وَهَهُنَا لَا يَتَأَتَّى قَبْضُ الرُّطَبِ هُنَا إلَّا بِالتَّخْلِيَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْكَيْلُ فَظَهَرَ أَنَّ الْخَارِصَ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ والله أعلم.
стр. 541
قال المصنف رحمه الله تعالى
.
(ولا يباع منه ما ينزع نواه بما لم ينزع نواه لان أحدهما على هيئة الادخار والآخر على غير هيئة الادخار ويتفاضلان حال الادخار فلم يجز بيع أحدهما بالآخر كالرطب بالتمر وهل يجوز بيع ما نزع نواه بعضه ببعض فيه وجهان
(أحدهما)
يجوز لقوله ﷺ (لا تبيعوا التمر بالتمر الاسواء بسواء)
(والثانى)
لا يجوز لانه يتجافى في المكيال فلا يتحقق فيه التساوى ولانه يجهل تساويها في حال الكمال والادخار فأشبه بيع التمر بالتمر جزافا) .
(الشَّرْحُ) الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا قَدَّمْتُهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي جَمَعْتُ فِيهِ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ فَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِكَمَالِهِ قِطْعَةً مِنْهُ بَلْ لَفْظُهُ (لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ) فَاخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَذَلِكَ
стр. 542
جائز عند من يجوز الرواية بالمعنى لاسيما فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِدْلَال دُونَ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ.
(أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ سَوَّى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَجَعَلَ الْوَجْهَيْنِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَبَاعَ مَا نُزِعَ مِنْهُ النَّوَى بِمَا لَمْ يُنْزَعْ مِنْهُ أَمْ بِمِثْلِهِ كَذَلِكَ فِيمَا عَلَّقَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْهُ وَفِيمَا عَلَّقَهُ سُلَيْمٌ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي المسألة الاولى وسكت عن الثانية ويعلم جريانها فيها بطريق وَالْمَحَامِلِيُّ وَنَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ حَكَيَا الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْضًا وَجَزَمَ الْبَغَوِيّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالْمَنْعِ وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ جَزَمَ بِالْمَنْعِ ثُمَّ حَكَى أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ ذَكَرُوا وَجْهًا فِي الْمَنْزُوعِ بِالْمَنْزُوعِ فَاسْتَبْعَدَهُ جِدًّا قَالَ ثُمَّ جَاءُوا بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ وَذَكَرُوا خِلَافًا
فِي بَيْعِ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِتَمْرٍ غَيْرِ مَنْزُوعِ النَّوَى وَهَذَا سَاقِطٌ لَا يُحْتَفَلُ بِمِثْلِهِ قَالَ الْفَارِقِيُّ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ ﵀ مَعْنَى قَوْلِهِ يَتَفَاضَلَانِ حَالَ الِادِّخَارِ أَنَّهُمَا قَبْلَ نَزْعِ النَّوَى إذَا كُيِّلَا مُتَسَاوِيَيْنِ ثُمَّ نُزِعَ النَّوَى مِنْ أَحَدِهِمَا وَكُيِّلَا ظَهَرَ التَّفَاضُلُ لِأَنَّهُ تَنْتَفِشُ أَجْزَاؤُهُ بِالنَّزْعِ وَتَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ.
стр. 543
(فرع)
المشمش والخوخ ونحوهما لا يبطل كما لها نَزْعُ النَّوَى فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي تَجْفِيفِهَا نَزْعُ النَّوَى قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَكَلَامُ الْفُورَانِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الثَّمَرِ الْمَنْزُوعِ النَّوَى بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فَإِنَّهُ قَاسَ الْمَنْعَ فِي ذَلِكَ عَلَى الثَّمَرَةِ وَمِنْ ذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ الْخِلَافَ قَرِيبٌ إنْ جَوَّزْنَا فِي التَّمْرِ الْمَنْزُوعِ النَّوَى فهذا أولى والا فوجهان وكذلك أورده يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ فِيمَا جَمَعَ مِنْ الْمَسَائِلِ وَلِلْفَرْقِ بِمَا ذَكَرَهُ الرافعى وفرق في الابانة بأن الثمر
стр. 544
* إذَا نُزِعَ نَوَاهُ تَسَارَعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ شَيْخَهُ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَجْهًا بَعِيدًا فِي اشْتِرَاطِ نَزْعِ النَّوَى كَمَا يُشْتَرَطُ نَزْعُ الْعَظْمِ عَنْ اللَّحْمِ فِي ظَاهِرِ المذهب وقال إنَّهُ لَمْ يَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِ شَيْخِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ إنَّ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثَةٌ التَّمْرُ نُزِعَ نَوَاهُ يُمْنَعُ بَيْعُهُ وَاللَّحْمُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ يَتَعَيَّنُ نَزْعُ عَظْمِهِ إذَا حَاوَلْنَا بَيْعَ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وبينهما المشمش وما في معناه فيجوز بيع بعضهه بِبَعْضٍ مَعَ النَّوَى وَفِيهِ مَعَ النَّزْعِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ (قُلْت) فَتَحَصَّلْنَا فِي الْمِشْمِشِ وَنَحْوِهِ عَلَى ثلاثة أوجه
(أحدهما)
أنه يشترط نزع النوى
(والثانى)
أَنَّهُ يَفْسُدُ بِنَزْعِ النَّوَى (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فِي الْحَالَتَيْنِ مَعَ النَّوَى وَمَنْ غَيْرِ نَوَى قَالَ الرُّويَانِيُّ إنَّ الْجَوَازَ قَوْلُ الْقَفَّالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كلام الرافعي أنه الاصح.
ويجوز بَيْعُ لُبِّ الْجَوْزِ بِلُبِّ الْجَوْزِ وَلُبِّ اللَّوْزِ بِلُبِّ اللَّوْزِ وَفِيهِ وَجْهٌ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي التَّعْلِيقِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللُّبِّ بِاللُّبِّ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَالَةِ الِادِّخَارِ وَبِهَذَا أجاب في التتمة قاله الرافعي وهو رِبَوِيٌّ قَوْلًا وَاحِدًا قَدِيمًا وَجَدِيدًا لِلتَّقْدِيرِ وَالطَّعْمِ قَالَهُ الْإِمَامُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْجَوْزِ بِالْجَوْزِ مَعَ قِشْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَكَذَلِكَ اللوز.
قال المصنف ﵀.
(ولايجوز بيع نيئه بمطبوخه لان النار تعقد أجزاءه وتسخنه فان بيع كيلا لم يجز لانهما لا
يتساويان في الكيل في حال الادخال وان بيع وزنا لم يجز لان أصله الكيل فلا يجوز بيعه وزنا ولايجوز بيع مطبوخه بمطبوخه لان النار قد تعقد من أجزاء أحدهما أكثر من الآخر فيجهل التساوى) .
(الشَّرْحُ) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ) (إحْدَاهُمَا) أَنَّ مَا حَرُمَ فِيهِ الرِّبَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ نيه بمطبوخه
стр. 545
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأُمِّ لَا يَجُوزُ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَطْبُوخًا بنئ مِنْهُ بِحَالٍ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ إذَا كَانَ إنَّمَا يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا وَقَالَ فِي الْأُمِّ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ إنَّمَا يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا فَأَعْطَيْتَ مِنْهُ شيئا بمطبوخ فالنئ إذَا طُبِخَ يَنْقُصُ فَيَدْخُلُ فِيهِ النُّقْصَانُ فِي النئ وَمَنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الْعِنَبَ أَوْ الْعَصِيرَ بِالدِّبْسِ الْمُتَّخَذِ مِنْهُ وَكَذَلِكَ التَّمْرُ بِالدِّبْسِ الْمُتَّخَذِ مِنْهُ لَا يَجُوزُ قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ وَالْقَاضِي حسين واتفق الاصحاب على أن النئ أَوْ الْقَدِيدَ بِالْمَطْبُوخِ أَوْ بِالْمَشْوِيِّ لَا يَجُوزُ ولافرق بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَطْبُوخُ مِمَّا يُدَّخَرُ أَوْ ما لَا يُدَّخَرُ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ إذَا كَانَ إنَّمَا يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنَّهُ خَطَأٌ فِي النَّقْلِ بَلْ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِ وَقَالَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ قَبْلَ عِبَارَةِ الشافعي ولايجوز من الجنس الواحد مطبوخا منه بنئ بِحَالٍ وَلَا مَطْبُوخٌ طُبِخَ لِيُدَّخَرَ مَطْبُوخًا فَنَقَلَ المزني هذا وقدم بعض كلام وَأَخَّرَ بَعْضَهُ وَعَطَفَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَقِيلَ مَعْنَى مَا نَقَلَ الْمُزَنِيّ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ دَاوُد وَقَصَدَ بِهِ بَيَانَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِعُذْرٍ (قُلْت) وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ مَوْجُودٌ مِثْلُهُ فِي الْأُمِّ فِي تَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ فَالْوَجْهُ تأويل ذلك
стр. 546
وَعَدَمُ حَمْلِهِ عَلَى الْخَطَأِ مِنْ الْمُزَنِيِّ وَتَأْوِيلُهُ عُسْرٌ بَلْ هُوَ قَوِيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا يُدَّخَرُ فِي حَالِ كَوْنِهِ نِيئًا وَفِي حال كونه مطبوخا يجوز بيع النئ مِنْهُ بِالْمَطْبُوخِ وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ هُوَ أقرب ما يتمحل مع تكلف وقال أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ بِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَلِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِأَنَّ الْخَصْمَ يَمْنَعُ الْحُكْمَ فِيهِ إلَى مَا ذَكَرَهُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَاسَهُ على الحنصة بدقيقها والجامع أنهما على صفة يتفاضلا حَالَةَ الِادِّخَارِ وَمَنْ جُمْلَةِ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْعُ الدِّبْسِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ بِخَلِّ الْعِنَبِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ قَالَ وَحَكَى فِي التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ وجه أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الدِّبْسِ بِالْخَلِّ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الِاسْمِ وَالصُّورَةِ وَالطَّبْعِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَعَلَى هَذَا لَا تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا وَهَذَا الَّذِي حَكَيْنَاهُ مُوَافِقٌ
لِلْوَجْهِ الَّذِي سَيَأْتِي عَنْ حِكَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي أَنَّ عَصِيرَ الْعِنَبِ وخله جنسان ومال إلَيْهِ الْإِمَامُ هُنَاكَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) بَيْعُ مَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ تِلْوَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا مَطْبُوخًا مِنْهُ بِمَطْبُوخٍ لِأَنَّ النَّارَ تُنْقِصُ مِنْ بَعْضٍ أَكْثَرَ مِمَّا تُنْقِصُ مِنْ بَعْضٍ وَلَيْسَ لَهُ غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا كَمَا يَكُونُ لِلتَّمْرِ فِي الْيُبْسِ غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا وَقَالَ مَعْنَى
стр. 547
ذلك في الام فِي بَابِ مَا يُجَامِعُ التَّمْرَ وَمَا يُخَالِفُهُ مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ التَّمْرِ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَإِنْ كَانَتْ الشمس قد أخذت من أحدهما ومنهما فَرُبَّمَا يَكُونُ أَخْذُهَا مِنْ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ أَخْذِهَا مِنْ الْآخَرِ لَكِنَّ لَهُ غَايَةً فِي الْيُبْسِ يَنْتَهِي إلَيْهَا وَالْمَطْبُوخُ بِخِلَافِهِ وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فَرْقًا آخَرَ بَيْنَ الْعَصِيرِ الْمَطْبُوخِ وَبَيْنَ التَّمْرِ فَإِنَّ التَّمْرَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ تَمْرًا لَا يجوز بيع بعضه ببعض والرب أَوْ الدِّبْسُ مَثَلًا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي كَوْنِهِ عَصِيرًا فَجَرَتْ حَالَةُ الْعَصِيرِ بَعْدَ الطَّبْخِ لِحَالَةِ التَّمْرِ وَهُوَ رُطَبٌ فَلَا يَجُوزُ الدِّبْسُ بِالدِّبْسِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِنْ طُبِخَا فِي قِدْرٍ وَاحِدٍ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ وَفِي مَعْنَى الدِّبْسِ عَصِيرُ قَصَبِ السُّكَّرِ إذَا عُقِدَ وَصَارَ عَسَلًا وَكَذَلِكَ مَاءُ الرُّطَبِ وَعَصِيرُ الرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ.
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ بَيْعُ الطِّلَى بِالدِّبْسِ لَا يَجُوزُ وَالطِّلَاءُ أَرَقُّ مِنْ الدِّبْسِ وَبَيْعُ الطِّلَى
стр. 548
بِمِثْلِهِ فِيهِ وَجْهَانِ وَبَيْعُ الْخَلِّ بِالدِّبْسِ فِيهِ وجهان وبيع العصير بالخل ولاماء فيهما فيه وجهان قال الماوردى ولايجوز بيع الزيت المطبوخ بالنئ ولا بالمطبوخ ويجوز بيعه بالمشوى والنئ وَالْمَطْبُوخِ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَشْوِيِّ بِالْمَشْوِيِّ ولا المطبوخ بِالْمَشْوِيِّ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ (١) والرافعي وجزموا به ولايجوز بَيْعُ النَّاطِفِ بِالنَّاطِفِ وَلَا الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ وَلَا بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ لِتَغَيُّرِهَا عَنْ هَيْئَتِهَا وَاخْتِلَافِ الْحَبَّاتِ فِي الْيَابِسِ بِالنَّارِ وَكَذَلِكَ لَا يجوز الْحِنْطَةِ الْمَطْبُوخَةِ بِالْمَطْبُوخَةِ وَالْمَشْوِيَّةِ بِالْمَشْوِيَّةِ وَالْمَقْلِيَّةِ بِالْمَبْلُولَةِ وَالْمَبْلُولَةِ بِالْمَشْوِيَّةِ وَأَمَّا بَيْعُ الْمَبْلُولَةِ بِالْمَبْلُولَةِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ صَرَّحَ بِجَمِيعِ الْأَمْثِلَةِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ وَأَكْثَرُ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ لَا خِلَافَ فِيهَا عَلَى
مَا يقتضيه اطلاق أكثر الاصحاب الا الدبس فيه ثلاثة أوجه (أحدها) هو الْمَشْهُورُ الَّذِي ادَّعَى الْإِمَامُ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَإِنْ طُبِخَا فِي قَدْرٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ
(وَالثَّانِي)
حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّهُ إنْ طُبِخَا فِي قِدْرٍ وَاحِدٍ جَازَ وَأَبْطَلَهُ الْقَاضِي بان مافى أَسْفَلِ الْقِدْرِ أَسْخَنُ مِمَّا فِي أَعْلَاهُ لِكَثْرَةِ стр. 549
مُمَاسَّةِ النَّارِ (وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ الْجَوَازُ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُطْلَقًا لِإِمْكَانِ ادِّخَارِهِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ فِي تَعْلِيلِ الْمَنْعِ مُطْلَقًا أَنَّ الْعَصِيرَ كَامِلٌ وَإِذَا نَظَرْنَا إلَى مِقْدَارٍ مِنْ الدِّبْسِ مُقَابَلَةَ مِثْلِهِ فَلَا يُدْرَى كَمْ فِي أَحَدِهِمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْعَصِيرِ وَكَمْ فِي الدِّبْسِ مِنْهُ فَكَانَ كَالدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ نَظَرًا إلَى تَوَقُّعِ تفاوت في كمال سبق للحب قَالَ وَلَوْ قِيلَ قَدْ يُخَالِفُ مِكْيَالٌ مِنْ الدِّبْسِ مَكِيلًا فِي الْوَزْنِ لِتَفَاوُتٍ فِي التَّعْقِيدِ لَكَانَ كَذَلِكَ لَكِنْ لَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُعَقَّدَ يُبَاعُ وَزْنًا بِالتَّعْوِيلِ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ من ملاحظة كما الْعَصِيرِ لِإِمْكَانِ ادِّخَارِهِ وَلِتَأْثِيرِ مَأْخَذِ بَعْضِ الْعَصِيرِ لِيَصِيرَ دِبْسًا وَقَدْرُ الْمَأْخُوذِ يَخْتَلِفُ وَمَنْ فُرُوعِ مَا دَخَلَتْهُ النَّارُ الْحِنْطَةُ الْمَقْلُوَّةُ بِمِثْلِهَا وَبِالنِّيئَةِ والزيت المغلى بمثله وبالنى كل ذلك لَا يَجُوزُ..
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
.
(واختلف أصحابنا في بيع العسل الصفى بالنار بعضه ببعض فمنهم من قال لا يجوز لان النار تعقد أجزاءه فلا يعلم تساويهما ومنهم من قال يجوز وهو المذهب لان نار التصفية نار لَيِّنَةٌ لَا تَعْقِدُ الْأَجْزَاءَ
стр. 550
وانما تميزه من الشمع فصار كالعسل المصفى بالشمس) .
(الشَّرْحُ) الْعَسَلُ إذَا أَطْلَقَهُ فَالْمُرَادُ بِهِ عَسَلُ النَّحْلِ لَا غَيْرُ فَكُلُّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ تَمْرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ حَبٍّ جِنْسٌ آخَرُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النَّحْلِ مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا قَالَ ابْنُ سِيدَهْ الْعَسَلُ لُعَابُ النَّحْلِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ الْوَاحِدَةُ عَسَلَةٌ وَجَمْعُهُ أَعْسَالٌ وَعَسَلٌ وَعُسُولٌ وَعُسْلَانٌ إذَا أَرَدْتَ أَنْوَاعَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْمُخْتَصَرِ تِلْوَ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَلَا يُبَاعُ عسل نحل بعسل نحل الا مصفين مِنْ الشَّمْعِ لِأَنَّهُمَا لَوْ بِيعَا وَزْنًا وَفِي أَحَدِهِمَا شَمْعٌ وَهُوَ غَيْرُ الْعَسَلِ كَانَ الْعَسَلُ بِالْعَسَلِ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَكَذَلِكَ لَوْ بِيعَا كَيْلًا وَكَذَلِكَ
ذَكَرَ فِي الْأُمِّ وَقَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَمْعٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فَعَسَلُ النَّحْلِ الْمُنْفَرِدُ بِالِاسْمِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ الْحُلْوِ وَقَالَ فَلَا بأس بالعسل بعصير السكر لانه لا يسمى عسلا الاعلى ما وصفت يعنى من جهة حُلْوًا كَالْعَسَلِ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ في عسل الطبر زد وقال وهو ما يبقى من السكر ثخيبا كَالْعَكِرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النَّحْلِ مُتَفَاضِلًا وَقَالَ أبو الطيب
стр. 551
عَسَلُ الطبرزد أَنْ يُطْبَخَ السُّكَّرُ ثُمَّ يُطْرَحَ فِي إجَّانَةٍ فَإِذَا جَمَدَ أُمِيلَتْ الْإِجَّانَةُ عَلَى جَانِبِهَا فَخَرَجَ مِنْهَا الْعَسَلُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النحل متفاضلا ولايجوز بَيْعُ عَسَلِ الطَّبَرْزَدِ بِعَسَلِ الْقَصَبِ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَهَلْ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا فِيهِ وَجْهَانِ لِأَجْلِ الطَّبْخِ كَمَا فِي السُّكَّرِ بِالسُّكَّرِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ ناره خفيفة وحمل القول في بيع العسل النَّحْلِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُبَاعَ بشمعه أولا فَإِنْ بِيعَ بِشَمْعِهِ فَلَا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ وَلَا بالصافي وقد تقدم ذلك في قاعدة مدعجوة وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّحْمِ وَفِيهِ الْعَظْمُ وَبَيْنَ التَّمْرِ وَفِيهِ النَّوَى مِنْ وَجْهَيْنِ أَنَّ بقاء ذلك من مصلحته بخلاف الشمع
(والثانى)
أَنَّ الشَّمْعَ لَهُ قِيمَةٌ وَأَنَّ بَيْعَ الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِمِثْلِهِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ التَّصْفِيَةُ بِالشَّمْسِ أَوْ بِالنَّارِ فَإِنْ صُفِّيَ بِالشَّمْسِ فَإِنْ تُرِكَ فِيهَا حَتَّى ذَابَ وَتَمَيَّزَ الشَّمْعُ مِنْ الْعَسَلِ جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ صُفِّيَ بِالنَّارِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ النَّارُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ تَأْخُذُ مِنْهُ وَيَنْعَقِدُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ خَفِيفَةً بِحَيْثُ يَحْمِيهِ بِهَا وَيُصَفِّيهِ مِنْ غَيْرِ كَثْرَةٍ فَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً أَوْ تُرِكَ حَتَّى انْعَقَدَتْ
стр. 552
أَجْزَاؤُهُ وَثَخُنَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدِّبْسِ وَالزَّيْتِ وَشِبْهِهِمَا وَإِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً بِحَيْثُ أُذِيبَ وَأُخِذَ أَوَّلَ مَا ذَابَ قَبْلَ أَنْ تَنْعَقِدَ أَجْزَاؤُهُ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ بِالْجَوَازِ هَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ عَلَيْهَا وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ قَالَ إنْ صُفِّيَ بِالنَّارِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ سَوَاءٌ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنَّ قَوْلَ الْمَنْعِ مُخْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ وَرَدَّ الْقَاضِي ذَلِكَ بِأَنَّ السَّلَمَ امْتَنَعَ لِأَنَّهُ تَعَيَّبَ بِدُخُولِ النَّارِ فِيهِ وَالسَّلَمُ فِي الْمَعِيبِ لَا يَجُوزُ
وَكَذَلِكَ الْفُورَانِيُّ رَدَّ ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ (وَأَظْهَرُ) الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ الْجَوَازُ وَنَسَبَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إلَى سَائِرِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ (وَقَالَ) الرُّويَانِيُّ إنَّهُ الْمَذْهَبُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ عَصْرِهِ تَمَيُّزُ الشَّمْعِ عَنْهُ وَنَارُ التَّمْيِيزِ لَيِّنَةٌ لَا تُؤَثِّرُ فِي التَّعْقِيدِ فَأَشْبَهَ الْمُصَفَّى بالشمس وممن صحح الجواز ابن عَصْرُونٍ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْفُورَانِيِّ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْجَوَازَ ثُمَّ ذَكَرَ
стр. 553
عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْمُصَفَّى بالشمس والمصفى بالنار ومنع في المصفى بالنار قال وهذا ليس بشئ كما رجحه الفورانى وما حكاهما الوجهان اللذان في الكتاب ويشبه أن يكونا هَذَانِ الْوَجْهَانِ مُنَزَّلَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنْ التَّفْصِيلِ وَيَكُونُ ذَلِكَ تَحْقِيقُ مناط هل حصل نقص أولا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ بَيْنَ الْعَسَلِ وَالزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ حَيْثُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِأَنَّ النَّارَ دَخَلَتْ فِي الْعَسَلِ بِالصَّلَاحِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ شَمْعِهِ فَلَمْ تَأْخُذْ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَسَلِ شَيْئًا وَكَذَلِكَ السَّمْنُ وَإِنَّمَا تَأْخُذُ النَّارُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ الِانْعِقَادُ وَاجْتِمَاعُ أَجْزَائِهِ قَالَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الْعَسَلَ الْمُصَفَّى أُغْلِيَ بِالنَّارِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لِأَنَّ النار اذن لم تميزه من غيره (اعلم) أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَكَلَّمَ أَوَّلًا فِي الْمَعْرُوضِ عَلَى النار عرض عقد واطبخ كَاللَّحْمِ وَالدِّبْسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَهَذَا الْقِسْمُ فِي الْمَعْرُوضِ عَلَى النَّارِ لِلتَّمْيِيزِ وَالتَّصْفِيَةِ وَذَكَرَ مِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا هو مختلف فيه وهو العسل الذى عتاب سرحه والسكر وَسَيَأْتِي وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لَهُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُعْرَضَانِ عَلَى النَّارِ لِتَمْيِيزِ الْغِشِّ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ إذَا دَخَلَا النَّارَ لَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ بَعْضِهِمَا بِبَعْضٍ لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ في جرمهما نَعَمْ لَوْ خَالَطَهُمَا غِشٌّ فَأُدْخِلَا النَّارَ لِتُخَلِّصَهُ فَقَدْ يُقَالُ بِامْتِنَاعِ بَيْعِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ لِأَنَّهَا قَدْ تُؤَثِّرُ فِي إخْرَاجِهِ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِمَّا تُؤَثِّرُ فِي الْآخَرِ وَقَدْ يُقَالُ بِأَنَّهُ يجوز
стр. 554
لِأَنَّ لِأَهْلِ الصِّنَاعَةِ فِي ذَلِكَ خِبْرَةً لَا تُحْرِقُهُ وَلَا تَغْلِبُهُمْ النَّارُ عَلَيْهَا بِخِلَافِهَا فِي السُّكَّرِ وَنَحْوِهِ (قُلْت) وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَإِنْ لَمْ يُفَصِّلُوا هَذَا التَّفْصِيلَ بَلْ فِي تصريحهم بالعرض لتمييز الْغِشِّ مَا يَدُلُّ لِمَا قَالَهُ مِنْ النَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ يَدُلُّ عَلَى
أَنَّ الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الْإِمَامُ فَإِنْ قِيلَ إذَا صُفِّيَ الْعَسَلُ بِشَمْسِ الْحِجَازِ فَقَدْ يَكُونُ أَثَرُ الشَّمْسِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ بَالِغًا مَبْلَغَ النَّارِ فَإِنَّا نَرَى شَرَائِحَ اللَّحْمِ تُعْرَضُ عَلَى رَمْضَاءِ الْحِجَارَةِ فَتَنِشُّ نَشِيشًا عَلَى الْجَمْرِ قُلْنَا هَذَا فِيهِ احْتِمَالٌ (وَالْأَظْهَرُ) جَوَازُ الْبَيْعِ وَأَنَّ أَثَرَ الشَّمْسِ فِيمَا أَظُنُّ لَا يَتَفَاوَتُ وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُ أَثَرُ النَّارِ لِاضْطِرَامِهَا وَقُوَّتِهَا وَبُعْدِهَا مِنْ الْمِرْجَلِ وَالتَّعْوِيلُ عَلَى تَفَاوُتِ الْأَثَرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَغْلَى مَا عَلَى النَّارِ أَوْ خَلَّ ثَقِيفٍ لَمْ يَمْتَنِعَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فَإِنَّ النَّارَ لَا تُؤَثِّرُ فِي هَذِهِ الْأَجْنَاسِ بِتَعْقِيدٍ حَتَّى يَعْرِضَ فِيهَا التَّفَاوُتُ فَيُزِيلَ بَعْضَ الْأَجْزَاءِ وَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى اسْتِوَاءٍ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ في الكفالة ذهب بعض أصحابنا إلى أنه ان صففى بِهَا يَعْنِي الشَّمْسَ فِي الْبِلَادِ الْمُعْتَدِلَةِ الْحَرِّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا صُفِّيَ بِهَا فِي البلاد الشديدة الحر قال محكى وليس بشئ.
(فَرْعٌ)
إنْ مَنَعْنَا بَيْعَ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ بِمِثْلِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ بِغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَسَلِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ لِأَنَّ النَّارَ إذَا عَقَدَتْ أَجْزَاءَ أَحَدِهِمَا أَدَّى إلَى التَّفَاضُلِ أَمَّا إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ
стр. 555
بَيْعِ الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ بِمِثْلِهِ فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ النَّارَ قَدْ يَتَقَارَبُ تَفَاوُتُهَا وَيَتَبَاعَدُ في الشمس تباعد مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ (قُلْت) وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْجَوَازُ لِأَنَّا إنَّمَا نُجَوِّزُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّارَ لَطِيفَةٌ تُمَيِّزُ وَلَا تَعْقِدُ الْأَجْزَاءَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا أَثَرَ لَهَا فِي التَّمَاثُلِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ.
(التَّفْرِيعُ) حَيْثُ قُلْنَا بِجَوَازِ بَيْعِ الْعَسَلِ بِالْعَسَلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُصَفًّى بِالشَّمْسِ وَإِمَّا بِالنَّارِ اللَّطِيفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيمَا تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ وَالْعَسَلُ بِالْعَسَلِ كَيْلًا بِكَيْلٍ إنْ كَانَ يُبَاعُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا بِوَزْنٍ إنْ كَانَ يُبَاعُ وَزْنًا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ وَالسُّكَّرُ الْوَزْنُ فِيهِمَا أَحْوَطُ فَالظَّاهِرُ فِي هَذَا أَنَّهُ مَوْزُونٌ وَعَدَّهُ فِي الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ مَعَ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالسُّكَّرِ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ فَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ إنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ قَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ لِأَنَّهُمَا لَوْ بِيعَا وَزْنًا إلَى آخره وقال أبو إسحق لَا يُبَاعُ إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ التعرض لشئ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ هُوَ كَالسَّمْنِ وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ وَهُمَا جَمِيعًا مَوْزُونَانِ خِلَافًا لِأَبِي اسحق كَمَا
تَقَدَّمَ وَقَدْ حَمَلَ الرُّويَانِيُّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورَ فِي الصَّرْفِ عَلَى التَّوَقُّفِ فِيهِ قَالَ وَقِيلَ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ أَنَّهُمَا لَوْ بِيعَا وزنا إذا انعقدا بِبَرْدِ الْهَوَاءِ وَغَلُظَ لَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ فَيُبَاعُ حِينَئِذٍ وَزْنًا فَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ كَيْلُهُ
стр. 556
فَلَا يُبَاعُ إلَّا كَيْلًا قَالَ وَهُوَ قَرِيبٌ من قول أبى اسحق (وَالْمَذْهَبُ) الْمَنْصُوصُ مَا تَقَدَّمَ وَاعْتَرَضَ الْأَصْحَابُ عَلَى الْمُزَنِيِّ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُمَا لَوْ بِيعَا وَزْنًا وَفِي أَحَدِهِمَا شَمْعٌ وَهُوَ غَيْرُ الْعَسَلِ كَانَ الْعَسَلُ تَارَةً غَيْرَ مَعْلُومٍ قَالُوا لِأَنَّهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَعْلُومُ الْمُفَاضَلَةِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا التَّعْلِيلُ فِي الشَّهْدِ بِالشَّهْدِ لِأَنَّهُمَا بِمَا فِيهِمَا مِنْ الشَّمْعِ غَيْرُ مَعْلُومَيْ الْمُمَاثَلَةِ قَالُوا وَالشَّافِعِيُّ ذَكَرَ هَذَا التَّعْلِيلَ هُنَاكَ فَاشْتَبَهَتْ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ يَدُلُّ عَلَى تَصْحِيحِ أَحَدِ الْوُجُوهِ فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ مِعْيَارُهُ يَعْنِي الْوَجْهَ الْقَائِلَ بِالتَّخَيُّرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَقَالَ ابْنُ دَاوُد لَمَّا ذَكَرَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِيهِ كَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ كَيْلًا تَارَةً وَوَزْنًا أخرى قال وهذا غريب قل ما يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ (قُلْت) وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ بَلْ الْمُرَادُ التَّوَقُّفُ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ عَسَلُ الرُّطَبِ وَهُوَ رُبٌّ يَسِيلُ مِنْهُ يَجُوزُ بيع بعضه ببعض متساوين فِي الْكَيْلِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النَّحْلِ مُتَفَاضِلًا وَجُزَافًا يَدًا بِيَدٍ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ كَمَا يجوز بيع العسل بالدبس.
قال المصنف رحمه الله تعالى
.
(واختلفوا في بيع السكر بعضه ببعض فمنهم من قال لا يجوز لان النار قد عقدت أجزاءه ومنهم من قال يجوز لان ناره لَا تَعْقِدُ الْأَجْزَاءَ وَإِنَّمَا تُمَيِّزُهُ مِنْ الْقَصَبِ) .
стр. 557
* (الشَّرْحُ) الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ وَجَعَلَهُمَا الرَّافِعِيُّ كَالدِّبْسِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَهُ الْمَنْعُ فِي السُّكَّرِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ قَالَ فِي التَّهْذِيبِ إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابن الرفعة عن الارغانى أَنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوَى النِّهَايَةِ بِالْبُطْلَانِ فِي السكر والفانيد وَالْعَسَلِ الْمُمَيَّزِ بِالنَّارِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَذَلِكَ قِيَاسُ جَزْمِ الْعِرَاقِيِّينَ بِمَنْعِ السَّلَمِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ بَابَ الرِّبَا أَحْوَطُ مِنْ بَابِ السَّلَمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لِأَجْلِ طَلَبِ الْمُمَاثَلَةِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ فِي السُّكَّرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنَّهُ الصَّحِيحُ
وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ إيرَادُ الْجُرْجَانِيِّ وَنَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَنْ سُلَيْمٍ أَنَّهُ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ وَجَزَمَ فِي التَّعْلِيقِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْمَنْعِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَتْ لِلتَّصْفِيَةِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ وَإِنْ دَخَلَتْ لِعَقْدِ الْأَجْزَاءِ لَمْ يَجُزْ (وَاعْلَمْ) أَنَّهُ قَدْ يُسْتَشْكَلُ قَوْلُ الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ إنَّ نَارَ السُّكَّرِ لَيِّنَةٌ لَا تَعْقِدُ الْأَجْزَاءَ وَإِنَّمَا تُمَيِّزُهُ مِنْ الْقَصَبِ وَالسُّكَّرُ إنَّمَا يَتَمَيَّزُ مِنْ الْقَصَبِ بِالْعُودِ الَّذِي يُعْصَرُ بِهِ فَإِذَا وَقَعَ أَحَدُ الْعُودَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَانْعَصَرَ الْقَصَبُ تَمَيَّزَ وَفِي بَعْضِ ما تكلم به على المذهب تأويل ذلك بانه لابد أن يبقى في السكر شئ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَصَبِ وَيَكْثُرُ ذَلِكَ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى اسْتِخْرَاجِهِ فَإِذَا أُغْلِيَ بِالنَّارِ سَهُلَ إخْرَاجُهُ فَإِنَّ مَا يَبْقَى مِنْ أَجْزَاءِ الْقَصَبِ يَعْلُو عَلَى السُّكَّرِ عِنْدَ الْغَلَيَانِ وَيَسْهُلُ اسْتِخْرَاجُهُ فَهَذَا معنى التمييز الذى
стр. 558
قصده وَعَلَّلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْجَوَازَ بِأَنَّ لِدُخُولِ النَّارِ فِيهِ حَدًّا وَنِهَايَةً وَعَلَّلَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ الِانْعِقَادَ مِنْ طِبَاعِ السُّكَّرِ كَمَا حَكَيْنَاهُ وَقَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فقال في السكر والفانيدان أُلْقِيَ فِيهِمَا مَاءٌ أَوْ لَبَنٌ أَوْ دَقِيقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَإِلَّا فَيُنْظَرُ فَإِنْ دَخَلَتْ النَّارُ فِيهِمَا لِتَصْفِيَتِهِمَا وَتَمْيِيزِهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا جَازَ وَإِنْ دَخَلَتْ لِاجْتِمَاعِ أَجْزَائِهِ وَانْعِقَادِهَا فَلَا (قُلْت) أَمَّا تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَاءٌ أَوْ لَبَنٌ أَوْ دَقِيقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ مُنَزَّلًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ بيع السكر وغيره بملثه قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَمَا قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ لان السكر لامن إذَابَةِ أَصْلِهِ بِالْمَاءِ لِيَحِلَّ ثُمَّ يُطْبَخَ وَنَصُبُّ عَلَيْهِ بَعْدَ غَلَيَانِهِ اللَّبَنَ لِيُبَيِّضَهُ وَيُزِيلَ وَسَخَهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَنْعَ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ عَلَى طَرِيقِهِ (قُلْت) وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَتَحَدَّدْ عِنْدَهُ حَالُ السُّكَّرِ وَلَا حَالُ تَأْثِيرِ النَّارِ فِيهِ فَأَمَّا حُكْمُهُ بِالْمَنْعِ عِنْدَ اخْتِلَاطِهِ بِغَيْرِهِ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ أَنَّ ذلك لابد مِنْهُ فَهُوَ يَقْتَضِي قَوْلَهُ بِالْمَنْعِ فِيهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فَإِنَّ الْخَلِيطَ الَّذِي فِيهِ مِنْ الدَّقِيقِ وَاللَّبَنِ مَانِعٌ مِنْ التَّمَاثُلِ أَمَّا الْمَاءُ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ فِي وَزْنِهِ بَعْدَ الْجَفَافِ شَيْئًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ مَا ذَكَرَ فِي السُّكَّرِ قَالَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَعْنِي مِنْ الْخِلَافِ جَارٍ فِي كُلِّ مَا يَنْعَقِدُ كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ قَالَ وَقَدْ صَرَّحَ بِإِجْرَاءِ الْخِلَافِ فِي الْقَنْدِ الْفُورَانِيُّ وَأَجْرَاهُ الْإِمَامُ الغزالي في الفانيد وأجراه الغزالي ﵀ أيضا القند وفى اللباء.
стр. 559
(فَرْعٌ)
إذَا بِيعَ السُّكَّرُ فَالْمِعْيَارُ فِيهِ الْوَزْنُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَمِنْ الْأَصْحَابِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وقد تقدم قول الجوزى وَتَنْبِيهُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيهِ وقال ابن أبى الدم ان أبا اسحق قَالَ يُبَاعُ كَيْلًا وَجَعَلَ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ كَالسَّمْنِ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِ ابْنِ أَبِي الدَّمِ وعلل وجه أبى اسحق على ما زعم بأن أصله الكيل وكأن يعني العصير فانه مكيل وبيع الفانيد كبيع السكر بالسكر قاله المارودى وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ.
(فَرْعٌ)
قَالَ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْكَافِي يَجُوزُ بَيْعُ السُّكَّرِ بِالسُّكَّرِ وَزْنًا إذَا تَسَاوَيَا فِي الْيُبْسِ وَالصِّفَةِ فَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ الْيُبْسَ فَصَحِيحٌ وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ التَّسَاوِي فِي الصِّفَةِ فَمُشْكِلٌ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ شَرْطٍ فِي الرِّبَوِيَّاتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ مِنْ نَوْعٍ بِالتَّمْرِ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ نَصْرٍ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ السُّكَّرِ بِالسُّكَّرِ إذَا اخْتَلَفَتْ صِفَتُهُمَا وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ غَيْرُهُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ قَصَبِ السُّكَّرِ بِقَصَبِ السُّكَّرِ وَلَا بِالسُّكَّرِ كَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ أَوْ بِالرُّطَبِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَالَ الْإِمَامُ فِي السكر والفانيد مِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُمَا جِنْسٌ وَهَذَا بَعِيدٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ جِنْسَانِ فَإِنَّ قَصَبَهُمَا مُخْتَلِفٌ وليس للفانيد عَكَرُ السُّكَّرِ وَأَمَّا السُّكَّرُ الْأَحْمَرُ الَّذِي يُسَمَّى الْقَوَالِبَ فَهُوَ عَكَرُ السُّكَّرِ الْأَبْيَضِ وَمِنْ قَصَبِهِ وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَرَدُّدٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يخالف صِفَةَ الْأَبْيَضِ مُخَالَفَةً ظَاهِرَةً وَقَدْ يَشْتَمِلُ أَصْلٌ وَاحِدٌ عَلَى مُخْتَلِفَاتٍ
стр. 560
كَاللَّبَنِ وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ مِنْ جِنْسِ السُّكَّرِ وَقَالَ القاضى حسين ان بيع قصب الفانيد بقصب الفانيد جائز وبالفانيد لَا يَجُوزُ وَبِقَصَبِ السُّكَّرِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا إنْ كَانَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا وَإِنْ كَانَا مِنْ أَصْلَيْنِ يَجُوزُ مُتَفَاضِلَيْنِ وَتَابَعَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ عَلَى ذَلِكَ (قُلْتُ) وَهَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ فَإِنَّ الْقَصَبَ كُلَّهُ الَّذِي يعمل منه السكر والفانيد جِنْسٌ وَاحِدٌ.
(فَرْعٌ)
لَمَّا ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ حُكْمَ السكر والفانيد قَالَ وَكَذَلِكَ دِبْسُ التَّمْرِ وَرَبُّ الْفَوَاكِهِ.
(فَرْعٌ)
بيع الفانيد بِالسُّكَّرِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنْ كَانَ أَصْلُهُمَا واحد فهو كبيع الفانيد بالفانيد وان كان أصلهما مختلفا فيجوز كيف ما كَانَ (قُلْتُ) وَهَذَا مِثْلُ الْأَوَّلِ فَإِنَّ أَصْلَ السكر والفانيد قَصَبٌ وَاحِدٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْقَصَبَ فِي بِلَادِهِمْ (فَائِدَةٌ)
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّ النَّارَ في القتد فوق النار في السكر والفانيد لِأَنَّ عَصِيرَ الْقَصَبِ يُوضَعُ فِي قِدْرٍ كَبِيرٍ كَالْخَابِيَةِ وَيُغْلَى عَلَيْهِ غَلَيَانًا شَدِيدًا إلَى أَنْ تَزُولَ مِنْهُ مَائِيَّةٌ كَثِيرَةٌ وَيُسَمَّى ذَلِكَ صَلْقًا ثُمَّ يُطْبَخُ فِي قِدْرٍ أَلْطَفَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ وَتُقَوَّى نَارُهُ إلَى أَنْ تَذْهَبَ مَائِيَّتُهُ فَيُوضَعُ فِي أَوْعِيَةٍ لِطَافٍ فَوْقَ الْأَوْعِيَةِ الَّتِي يُصَبُّ فِيهَا السُّكَّرُ وَالنَّارُ فِيهِ فَوْقَ النَّارِ فِي الَّذِي يُطْبَخُ عَسَلًا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الْمَصْلُوقِ فِي الْخَابِيَةِ وَكَثِيرًا مَا تَقْوَى نَارُ الَّذِي يُطَبَّخُ عَسَلًا فَتَصِيرُ أَجْزَاؤُهُ إذَا بَرَدَ قريبا من عقد أجزاء في القتد وعند ذَلِكَ يُسَمَّى بِالْجَالِسِ
стр. 561
ويطبخ منه السكر كما يطبخ من القتد لكن طعمهما متابين وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمِنْ عَصِيرِ قَصَبِ السكر يتخذ العسل المرسل ويتخذ القتد وعن القتد يَنْفَصِلُ الْعَسَلُ الْمُسَمَّى بِالْقَصَبِ وَهُوَ مَا يَقْطُرُ من أسفل أنالينح القتد بعد أخذه في الجفاف والقتد يَخْتَلِفُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ بِحَسَبِ تَبْرِيدِ الْقَصَبِ وجودة الطبخ ومن الطيب من القتد يُتَّخَذُ السُّكَّرُ وَإِذَا جَمَدَ اُسْتُقْطِرَ مَا فِيهِ مِنْ الْعَسَلِ مِنْ ثُقْبٍ فِي أَسْفَلِ الْإِجَّانَةِ الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا بَعْدَ طَبْخِهِ وَهَذَا الْعَسَلُ يُسَمَّى كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ بِعَسَلِ الطبرزد وَنَحْنُ نُسَمِّيهِ بِالْقَطَّارَةِ وَهُوَ يَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ تَنَوُّعِ السُّكَّرِ الَّذِي يُسْتَقْطَرُ مِنْهُ وَأَنْوَاعُ السُّكَّرِ ثَلَاثَةٌ الْوَسَطُ وَهُوَ أَدْوَنُهُ وَمِنْ أَعْلَا إنَاءٍ يتجه يكون الآخر لان القطارة تنجس فيه والعال وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ فِي الْجَوْدَةِ وَالْمُكَرَّرُ هُوَ أَعْلَا الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ يُطْبَخُ مَرَّةً ثَانِيَةً مِنْ السُّكَّرِ الْوَسَطِ وَالسُّكَّرُ النَّبَاتُ يُطْبَخُ مِنْ السُّكَّرِ الْوَسَطِ أَيْضًا لَكِنَّهُ يُجْعَلُ فِي قِدْرٍ مِنْ الْفَخَّارِ قَدْ صُلِبَ فِيهِ عِيدَانٌ مِنْ الْجَرِيدِ رِقَاقٌ لِيَثْبُتَ فِيهَا السُّكَّرُ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ عَسَلٍ عِنْدَ كَمَالِ نَبَاتِهِ يُسَمَّى بِقَطْرِ النبات والفانيد تَارَةً مِنْ السُّكَّرِ غَيْرِ النَّبَاتِ وَتَارَةً مِنْ الْعَسَلِ الْمُسَمَّى بِالْمُرْسَلِ الْمَطْبُوخِ مِنْ مَاءِ الْقَصَبِ في أول أمره وطبعه مخلف طبع السكر ولونه يخالف لونه الاسم مُخْتَلِفٌ لَكِنَّ الْأَصْلَ فِيهَا وَاحِدٌ الْقَصَبُ وَعِنْدَ ذلك يتقرر الخلاف في الفانيد وَالسُّكَّرِ هَلْ هُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِمَا كما في عسل القتد وَعَسَلِ السُّكَّرِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالطَّبَرْزَدِ أَوْ جِنْسَانِ باعتبار
стр. 562
اخْتِلَافِ الصِّفَةِ وَالِاسْمِ فَهَذَا فَصْلٌ مُفِيدٌ مِنْ كلام ابن الرفعة فانه كان عرافا بِذَلِكَ وَكَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَشِبْهُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُحَقِّقُوا الْحَالَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي بِلَادِهِمْ أَوْ لَيْسَ لَهُمْ بِهِ خِبْرَةٌ وَاَللَّهُ
أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَيْضًا وَأَمَّا السُّكَّرُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالنَّبَاتُ فَجِنْسٌ وَاحِدٌ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ وَقُرْبِ الطِّبَاعِ وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا فِيهِ الْخِلَافُ السابق والفانيد قد يجعل فيه شئ مِنْ الدَّقِيقِ وَعِنْدَ ذَلِكَ إذَا قُلْنَا هُوَ وَالسُّكَّرُ جِنْسَانِ لَمْ يَضُرَّ (وَإِنْ قُلْنَا) جِنْسٌ واحد فلا يجوز بيعه بالسكران لم ينظر إلى التأثير النَّارِ وَلِأَنَّهُ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَقَالَ ومع تفاوت النار في القتد والسكر والفانيد لم يذكر المصنف يعنى الغرالى فَرْقًا بَيْنَهُمَا كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ الْأَصْحَابُ بَيْنَ ذلك في السكر بل جوزوه في الجميعع عَلَى رَأْيٍ مُرَجَّحٍ فِي الْحَاوِي وَمَمْنُوعٌ عَلَى وَجْهٍ جَزَمَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ فَوَجْهُ التَّسْوِيَةِ فِي الْجَمِيعِ أَنَّ لِلنَّارِ فِي ذَلِكَ حَدًّا بِحَسَبِ الْعُرْفِ فَأُحِيلَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُقَالُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي النَّارِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الدِّبْسِ وَقَدْ قَطَعَ فَرِيقٌ فِيهِ بِالْمَنْعِ وان حكى الخلاف في السكر وَنَحْوِهِ تُصْلِحُهُ فَلَا يُحْتَرَزُ عَنْهَا فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا قَالَ وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنِّي رَأَيْتُ حِكَايَةً عن الامالى أن تأثير النار في الشئ إنْ لَمْ يَكُنْ
стр. 563
لَهُ نِهَايَةٌ كَالدِّبْسِ فَكُلَّمَا كَثُرَ النَّارُ كَانَ أَجْوَدَ وَلَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ إلَى أَنْ يَتَلَابَسَ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لِأَنَّ تَأْثِيرَ النَّارِ فِي تَنْقِيصِ رُطُوبَتِهِ تَتَفَاوَتُ وَإِنْ كَانَ له نهاية كالسكر والفانيد فيه وَجْهَانِ (قُلْتُ) هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ الْأَمَالِي وَذِكْرُ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا لَمْ أَفْهَمْهُ وَلَا يَقَعُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ ذِكْرُ وَجْهَيْنِ فليتأمل ذلك إلا أن يكون المراد أمال السرخسى..
قال المصنف رحمه الله تعالى
.
(ولايجوز بيع الحب بدقيقه متفاضلا لان الدقيق هو الحب بعينه وانما فرقت أجزاؤه فهو كالدنانير الصحاح بالقراضة فأما بيعه به متماثلا فالمنصوص أنه لا يجوز وقال الكرابيسى قال أبو عبد الله يجوز فجعل أبو الطيب بن سلمة هذا قولا آخر وقال أكثر أصحابنا لا يجوز قولا واحدا ولعل الكرابيسى أراد أبا عبد الله مالكا أو أحمد فان عندهما يجوز ذلك والدليل على أنه لا يجوز أنه جنس فيه ربا بيع
стр. 564
منه ما هو على هيئة الادخار بما ليس منه على هيئة الادخار على وجه يتفاضلان في حال الادخار فلم يصح كبيع الرطب بالتمر) .
(الشَّرْحُ) الْكَرَابِيسِيُّ هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ على البغدادي صاحب الشافعي في العراق كان عَالِمًا فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَغَيْرِهِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا كِتَابُ الرَّدِّ عَلَى الْمُدَلِّسِينَ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِ أبى جعفر توفى الكرابيسى سنة خمسة وَأَرْبَعِينَ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ وَأَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدٌ بْنِ الْمُفَضَّلِ بِمِيمٍ فِي أَوَّلِهِ ابْنُ سَلَمَةَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا دَرَسَ الْفِقْهَ عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ وَكَانَ مَخْصُوصًا بِفَرْطِ الذَّكَاءِ وَالشَّهَامَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ يُقْبِلُ عَلَيْهِ غَايَةَ الْإِقْبَالِ وَيَمِيلُ إلَى تَعْلِيمِهِ كُلَّ الْمَيْلِ صَنَّفَ كُتُبًا عِدَّةً مَاتَ شَابًّا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ صلاة المسافر
стр. 565
وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ مَالِكٍ ﵀ وَهُوَ أَجَلُّ من أن ينبه على شئ مِنْ أَخْبَارِهِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْمُهَذَّبِ فِيمَا أَظُنُّ وَهُوَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالِ بْنِ اسد بن ادريس ابن عبد الله بن حبان بحاء مهملة وياء آخر الحرو ف ابْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَنَسِ بْنِ عَوْفِ بن قاسط بن مازن ابن ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بن أقصى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مُضَرَ بْنِ مَعْدِ بن عدنان مولده سنة (١) وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفَضَائِلُهُ وَمَنَاقِبُهُ عِلْمًا وَزُهْدًا وَوَرَعًا أَكْثَرُ مِنْ أن تحصى وأشهر ممن تُذْكَرَ وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵃ بالعراق وقول الْمُصَنِّفُ الْحَبُّ بِدَقِيقِهِ يَشْمَلُ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَغَيْرَهُمَا وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ بَيْعِهِ بِدَقِيقِ غَيْرِهِ كَبَيْعِ الحنطة بدقيق الشعير والشعير следующие страницы →