نسبة الشرف الذي يؤلفنا على تباين النحل، فإن ذلك من الأسباب التي تخصنا وإياك. ورأينا من تحقيق ظنك بنا إيناس رسلك وبسطهم، والاستماع منهم والإصغاء إليهم والإقبال عليهم. وتلقينا انبساطك إلينا وإلطافك إيانا القبول الذي يحق علينا ليقع ذلك موقعه، وزدنا في توكيد ما اعتمدته مما حملناه رسلك في هذا الوقت على استقلالنا إياه من طرائف بلدنا وما يطرأ من البلاد علينا، وإن الله بعدله وحكمته أودع كل قرية صنفاً ليتشوف إليه من بعد عنه، فيكون ذلك سبباً لعمارة الدنيا ومعايش أهلها، ونحن نفردك بما سلمناه إلى رسولك لتقف عليه إن شاء الله.
وأما ما أنفذته للتجارة فقد أمكنا أصحابك منه، وأذنا لهم في البيع وفي ابتياع ما أرادوه واختاروه، لأنا وجدنا جميعه مما لا يحظره علينا دين ولا سياسة، وعندنا من بسطك وبسط من يرد من جهتك، والحرص على عمارة ما بدأتنا به ورعايته، ورب ما غرسته أفضل ما يكون عند مثلنا لمثلك. والله يعين على ما ننويه من جميل ونعتقده من خير، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ومن أبتدأ بالجميل لزمه الجري عليه والزيادة، ولا سيما إذا كان من أهله خليقاً به. فقد ابتدأنا بالمؤانسة والمباسطة، وأنت حقيق بعمارة ما بيننا، واعتمادنا بحوائجك وعوارفك قبلنا، فأبشر بتيسير ذلك إن شاء الله. والحمد لله أحق ما ابتدىء به وختم بذكره، وصلى الله على سيدنا محمد نبي الهدى والرحمة وعلى آله وسلم تسليما ".
ولإعجاب إبراهيم بن عبد الله النجيرمي بما عمله في هذا الكتاب نسخ منه نسخاً وأنفذها إلى البصرة وأعمالها يفتخر بها.
وفي هذه السنة وهي سنة خمس وعشرين جهز الإخشيد المراكب الحربية للمسير إلى الثغور للفداء الذي كوتب فيه، وشحنها بنصارى الروم ممن أهدي إليه ومن اشتراه، وأنفذ الثياب والطيب والطعام لمن يحصل في الفداء من المسلمين.
وفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة كتب محمد بن طغج إلى الراضي يستدعي أن يلقب بالإخشيد، وقال في كتابه: وقد كنى أمير المؤمنين جماعة ولقبهم، فليسرني بما سألت، فقال الراضي لحاجبه ذكا: ما معنى الإخشيد؟ فسأل فقيل:
стр. 247
تفسيره عبد، دعي به ملك الملوك. فعرف الراضي فقال: لا نبخل عليه بهذا، اكتبوا له بذلك، وكان هذا بعقب خلع أنفذها الراضي إليه، وطوق وسوارين، وزينت الأسواق فطاف المدينة.
وفي هذه السنة عاد أصحاب مالك والشافعي إلى القتال في المسجد العتيق، وكان في الجامع للمالكيين خمس عشرة حلقة، وللشافعيين مثلها، ولأصحاب أبي حنيفة ثلاث حلق، فلما زاد قتالهم أرسل الإخشيد ونزع حصرهم ومساندهم وأغلق الجامع، وكان يفتح في أوقات الصلوات، ثم سئل الإخشيد فيهم فردهم.
وفي أول سنة ست وعشرين أرسل الراضي إلى مصر يستدعي الفضل ابن جعفر للوزارة، وأنفذ له خلعاً فامتنع أن يلبسها، فحدثني ابنه أبو الفضل قال: ركب الإخشيد بنفسه إليه وألزمه لبسها، فألبسه إياها الإخشيد بيده، ثم قام أبي فصلى ركعتين والإخشيد قائم متكىء على سيفه، ثم تجهز للمسير فشيعه أهل مصر، ورحل إلى الشام ثم سار إلى العراق، وخلف ابنه أبا الفضل بحمص، فلما بلغ الرقة لقيته خلع الوزارة فلبسها، ودخل بغداد ونظر في الأمور ودبرها، ورأى الأمور مضطربة فاستأذن الراضي في المسير إلى الشام ومصر ليحمل الأموال ويكشف الأعمال. واستخلف عبد الله بن عليّ بن المغربي وسار إلى الشام، فتوفي بالرملة لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين، وجاء نعيه إلى الإخشيد فقلق لذلك وجلس للتعزية. وكان محمد بن عليّ الماذرائي عنده بالرملة فأرسل الإخشيد فحمله إلى مصر، وقد كان أقام بالرملة في دار الفضل أبي جعفر ثلاث سنين وثمانية أشهر، فلما وصل إلى مصر أنزله الإخشيد معه في داره.
ولما بلغ الراضي وفاة الفضل بن جعفر حزن لذلك، وأقر الوزارة بحالها، وكتب إلى الإخشيد يعزيه بالفضل بن جعفر ويأمره بإنفاذ ابنه جعفر بن الفضل إلى موضع أبيه فدافع الإخشيد بذلك وأعتذر. وأقامت الوزارة شهرين، وكتب الراضي إلى جعفر بن الفضل كتاباً يستدعيه للوزارة، وكان خليفته ببغداد عبد الله بن محمد المغربي، وخليفته على مصر محمد بن عبد الرحمن الروذباري، وخلفاؤه بالشام على حالهم، والكتب تنفذ باسمه كما كانت في حياته. فلما يئس الراضي من
стр. 248
خروج جعفر بن الفضل إليه كتب له يستخلفه على كشف اعمال الإخشيد كلها كما كان أبوه، واستوزر أحمد بن محمد البريدي. فحدثني أبو الفضل جعفر بن الفضل الوزير قال: حملت كتاب الراضي ووضعته بين يدي الإخشيد وانصرفت إلى محمد ابن عليّ الماذرائي.
وفي شهر رمضان من ستة سبع وعشرين ورد كتاب الراضي مع رسول يعرف بابن الشيعي يلقبه " الإخشيد " وهذا أول من لقب به، فدعي بذلك على منبر الفسطاط وسائر المنابر، وكتب بذلك على كتبه، وكوتب به، وعبأ الإخشيد مالاً كثيراً وهدية وكراعاً وبغالاً وحميراً وثيابأً وأنفذ ذلك إلى الراضي.
وفي ذي القعدة سنة سبع وعشرين أرجف الناس بمسير محمد بن رائق من العراق، وأنه قد حصل بالرقة يريد الشامات ومصر، وكان عبيد الله بن طغج بدمشق، فأنفذ الإخشيد عمران بن فارس في جيش كثير بسبب محمد بن رائق. ثم وصلت الأخبار بوصول محمد بن رائق إلى دمشق وملكها مع ما خلفها من حمص وحلب والثغور وسائر الأعمال، فقلق لذلك الإخشيد، وخرج عبيد الله بن طغج عن دمشق منهزماً.
ثم ورد الخبر في آخر ذي الحجة سنة سبع وعشرين بدخول محمد بن رائق الرملة، وكان كالطائر في مسيره، وانصرف أصحاب الإخشيد عن غير قتال، ونبش قبر الفضل بن جعفر الوزير فوجد فيه مالاً فأخذه. ثم أخذ الإخشيد في أهبة المسير لقتال محمد بن رائق فهاجت به السوداء على عادته فعولج أياماً.
وفي المحرم سنة ثمان وعشرين سار الإخشيد لقتال ابن رائق، واستخلف أخاه أبا المظفر، وسار حتى نزل الفرما، وتقدمت طلائع محمد بن رائق فكانت بينهم مناوشة. وسفر الحسن بن طاهر العلوي (١) بين الإخشيد وبين محمد بن رائق في الصلح. وأنفذ الإخشيد كاتبه محمد بن كلا للرملة للموافقة على شرائط بينهما. وتم الصلح على أن الرملة للإخشيد، ومن طبرية وما خلفها لمحمد
стр. 249
ابن رائق على أن يحمله الإخشيد إلى ابن رائق متى توافقا عليه.
وخرج ابن رائق عن الرملة، وعاد الإخشيد إلى مصر فسر برجوعه الناس، وكانوا زينوا له الطرق والأسواق فلم يطف المدينة، وكان هذا يوم الخميس فأقرت الزينة على حالها، فلما كان من الغد ركب إلى الجامع العتيق لصلاة الجمعة وكان يوماً عظيماً.
وقبض الإخشيد على محمد بن عبد الرحمن الروذباري الكاتب وصادره بسبب كلام خاطبه به في محمد بن رائق، فإنه شاوره فأشار عليه فخالفه فقال له: فيك أيها الإخشيد خلتان مذمومتان: البخل والجبن، وما يتم لك معهما شيء إلا بالإقبال، فحقد عليه وصادره بعد أيام وكان خليفة الفضل بن جعفر.
وفي رجب سنة ثمان وعشرين أطلق الإخشيد أبا بكر محمد بن عليّ الماذرائي واستوزره، واستكتب ابنه الحسين بن محمد وخلع عليه وصرفه إلى داره، فمشى بين يديه أهل الدولة وابنه الحسين خلفه بالخلع، ومشى الشريف أبو جعفر مسلم بين يديه حتى حلف عليه فركب، ومشى الأشراف وسائر الناس. وكان الإخشيد يعامله في اعتقاله أربع سنين وتسعة أشهر بكل جميل، ورد إليه الإخشيد التدبير بمصر والشام، وألزمه لبس الدراعة ونزع الطيلسان، وكان لا يصدر إلا عن رأيه، ولا يخليه من حضور مجلسه، ويقول للناس إذا انصرف: كم قبلت يده ووقفت بين يديه.
وكان القائم بأمر الله لما انصرفت عساكره بالإسكندرية اختار أن يستعطف الإخشيد ويصطنعه، وكان محمد بن عليّ الماذرائي وهو في قبضة الفضل بن جعفر قد اتهم بمكاتبة القائم، وأنه استدعى منه العساكر وحسن له رأيه. وكتب القائم إلى الإخشيد كتاباً قرأه على خاصته، ورقعة بخطه لم يقف عليها أحد، وكانت نسخة الرقعة: قد خاطبتك أعزك الله في كتابي المشتمل على هذه الرقعة بما لم يجز لي في عقد الدين وما جرى به الرسم من سياسة أنصار يستجلبون، وضمنت رقعتي ما لم يطلع عليه أحد من كتابي وذوي المكانة عندي، وأرجو أن تردك صحة عزيمتك وحسن رأيك إلى ما أدعوك إليه، فقد شهد الله على ميلي إليك، وإيثاري
стр. 250
لك، ورغبتي في مشاطرتك ما حوته يميني واحتوى عليه ملكي، وليس يتوجه لك العذر في التخلف عن إجابتي لأنك قد استفرغت مجهودك في مناصحة قوم لا يرون إحسانك ولا يشكرون إخلاصك، يخلفون وعدك ويخفرون ذمتك، لم يعتقد منهم أحد حسن المكافأة ولا جميل المجازاة، وليس ينبغي لك أن تعدل عن منهج من نصحك، وإيثار من آثرك إلى من يجهل موضعك، ويضيع حسن سعيك، وأنا أعلم أن طول العادة في طاعتهم قد كره إليك العدول عنهم، فإن لم تجد من نفسك معونة على اتباع الحق ولزوم الصدق فإني أرضى منك بالمودة والأمر والطاعة حتى تقيمني مقام رئيس من أهلك، تسكن إليه في أمرك، وتعول عليه بمثل ذلك. وإذا تدبرت هذا الأمر علمت أن الذي يحملني على التطأطئ لك وقبول الميسور منك إنما هو الرغبة فيك، وأنت حقيق بحسن مجازاتي على ما بذلته، والله يريك حسن الاختيار في جميع أمرك، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فلما وقف الإخشيد على هذه الرقعة، احتج إلى الرسول بأنه لا يقرأ ولا يكتب، ولا يجوز له أن يبوح بما في نفسه إلى كاتب، إذ كان الصواب يقتضي ذلك، ثم قال: وأنا أتدبر الجواب فأجيب عنه ويصل مع من أثق به، وأسلك من حسن الموالاة ما لم يكن غيري يسلكه.
ثم بلغ الإخشيد مسير محمد بن رائق من العراق إلى أعمال الإخشيد ووصوله إلى الرملة، وأن الراضي قلده، فاغتاظ وكتب إلى خليفته ببغداد عليّ بن أحمد العجمي بإخبار الراضي بمسير ابن رائق: فإن كان أمير المؤمنين قلده سلمت له، أو يأمرني بالقتال، فإني قد صالحته وأرضيته وما رضي. فدخل ابن العجمي على الراضي وأخبره، وبجكم بين يديه، وقال له: والأعمال أعمالك يا أمير المؤمنين فأمر عبدك الإخشيد بما يكون عمله بحسبه، فما نطق الراضي بحرف، فقال بجكم: من ضرب بالسيف وهزم صاحبه فالعمل له، فكتب ابن العجمي لوقته بذلك إلى الإخشيد،، فصرع وثارت به السوداء.
فحدثني بعض الوجوه بمصر فال، قال لي عمر بن الحسن العباسي الخطيب بمصر: دعاني الإخشيد يوماً فقال لي: إذا كان يوم الجمعة فأقم الدعوة لأبي
стр. 251
القاسم صاحب المغرب وأسقط الدعوة للراضي حتى يعلم [من] محمد بن طغج، قال عمر بن الحسن، فقلت: كما يأمر الإخشيد. فغدوت إليه ثانية واستأذنته وقلت: لعله يرجع، فقال: نعم، فلم أزل على هذا ثلاثة أيام إلى يوم الخميس، فاتهمت أن يكون أبو الحسين محمد بن عبد الوهاب، وكان رجلاً جزلاً جيد الرأي شيعياً، قد حسن له هذا الرأي، لأنه أقام في اعتقاله سبع سنين، وكان كما أطلقه واختص به. فجئت إلى ابن عبد الوهاب وخلوت به وحدثته فقال: إن السوداء ربما ثارت به، أفعاودته؟ فقلت: قد عاودته أربعة أيام. فقال لي: أنا أخلو به كل جمعة بالغداة، فارفق به وقل: أين أعمل الذي أمرتني به: في جامع أسفل أو في جامع ابن طولون؟ وخلني وإياه. قال عمر بن الحسن: فجئت إليه ورفقت به وقلت: أيها الأمير، الذي أمرتني به أين أعمله؟ في الجامع العتيق أم جامع ابن طولون. فقال له ابن عبد الوهاب: أيش هذا الذي تعمل؟ فقال الإخشيد: شيء، فقال ابن عبد الوهاب: الله المستعان، شيء يعمل على المنبر يكتم وبعد ساعة يعلم به الجمهور! فقال له: قد تأذبت بالراضي وبهذا الصبي ابن رائق، وقد أمرت الخطيب أن يدعو لأبي القاسم صاحب المغرب، فقال له: وفق الله الإخشيد، فلقد وضعت الصنيعة في موضعها، ولقد أخبرت أنه في الحزن على أبيه إلى الساعة، وما جلس في مرتبته إلا حزيناً كئيباً، ولا جدد ثوباً، وهو من الشرف والملك على ما سمعت، والحمد لله الذي جعل رجوع هذا الأمر إلى أهله وعلى يدك، فاستبشر الإخشيد وأسفر وجهه، ثم التفت ابن عبد الوهاب إلى الخطبي وقال له: اقرأ الذي عملت، قال: ما عملت شيئاً، قال ابن عبد الوهاب: تؤمر مذ خمسة أيام بهذا الأمر فلم تعمل فيه شيئاً؟! فقال الإخشيد: أيش يعمل؟ قال: يحتاج إلى نحو خمس أوراق كلاماً معمولاً في فضل النبي ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين وأهل البيت ﵈، ويذكر أنهم أحق بالإمامة، ويقول ذلك والناس يسمعون، فمن كان يشتهي هذا قويت نفسه ومن كرهه انحل. فقال له الإخشيد: اعمله، فقال لي ابن عبد الوهاب: تلحق اليوم؟ (١) فقلت: لا، الجمعة الأخرى؟
стр. 252
فقال الإخشيد: الجمعة الأخرى، فانصرفت. فلما كان من الغد دخلت على ابن عبد الوهاب فقال لي قلت له بعدك: إنه رأيي وهواي فيما تعلمه، ولكني أصدقك، تكون أنت من أبرك الناس على ابن رائق، لأنك إذا عملت هذا كاتبه من مصر من يكره هذا، وكتب بذلك إلى العراق، فإن كان الراضي لم يقلده قلده وأنفذ إليه الأموال والعساكر، وصيرت له شيعة وخاصة، ولكن دع هذا إلى وقت آخر.
وحدثني عليّ بن يعقوب قال: ورد كتاب الإخشيد من مصر إلى القائم يعرض عليه ابنته لابنه المنصور، فقرأ القائم الكتاب على الناس، فأشاروا عليه أن يجيبه بما يجب، فكتب إليه: وصل كتابك وقد قبلنا ما بذلت، وهي وديعة لنا عندك، قد نحلناها من بيت مالنا قبلك مائة ألف دينار فتوصل ذلك إليها. قال: وإنما ظن الإخشيد أن القائم يكافئه على هذا بهدية يفتخر بها ويتجمل.
وفي شعبان وصلت الأخبار بعودة محمد بن رائق إلى الرملة، فتجهز الإخشيد وسار، وراسل ابن رائق فلم يجد فيه حيلة، وعسكرا جميعاً بالعريش، والتقى العسكران فهزمهم محمد بن رائق وملك السواد، واجتمع واطمأن أصحابه. وكان الإخشيد قد عبأ مراكب في البحر ليلحق ببلاد الروم أو بالمغرب ووقف منفرداً في غلمانه. ولما اطمأن محمد بن رائق أقبل الإخشيد في عدته وعديده وكبسهم في الخيم، ومحمد بن رائق ومحمد بن تكين يتحدثان، فملك الإخشيد الرجال وأسر وقتل، وقام محمد بن رائق فأفلت بحشاشة نفسه، وأستأمن محمد بن تكين في جماعة.
وكان شادن غلام الإخشيد لما انهزمت عساكر الإخشيد انصرف إلى مصر منهزماً فاضطرب البلد وانتقل أهل العسكر إلى أسفل، وركب أبو المظفر ابن طغج ومحمد بن عليّ الماذرائي يسكنان الناس ويمنعانهم من النقلة. ثم ورد الخبر بظفر الإخشيد بجميع العساكر، وأنفذ الأسرى والرؤوس إلى مصر، وسار الإخشيد في أثره إلى الرملة، وخرج محمد بن رائق يريد دمشق. وليس يعرف للإخشيد وقعة قاتل فيها غير هذه. وكان الأسرى نحو خمسمائة طيف بهم في المحامل على الجمال في أسواق
стр. 253
مصر، ومنهم أربعة رؤساء طيف بهم على بغال بسروج، وكانت الرؤوس بين أيديهم، وزينت الأسواق، ولما انقضت الوقعة سار الإخشيد فنزل غزة.
وكان محمد بن رائق قد توجه من الرملة إلى دمشق، فرجع من طريقه وأسرى ليلاً إلى الرملة، فقتل صاحباً للإخشيد وصلبه على شجرة مع رفيق له، ومضى ابن رائق، فأصبح الإخشيد فوجد صاحبيه مقتولين مصلوبين، فقامت عليه القيامة. وحصل محمد بن رائق بدمشق، وعبأ الإخشيد العساكر وعليها أخوه أبو نصر الحسين بن طغج، فأسرى محمد بن رائق في خيل جريدة من دمشق في نحو ثلاثمائة غلام، فوصل إليهم في يومين وليلة، فكبس عسكر الإخشيد وقتل أخاه أبا نصر وأسر جماعة من القواد وسار بهم إلى دمشق وأدخلهم بين يديه، وأخذ أخا الإخشيد فغسله وكفنه وحنطه وحمله في تابوت وأنفذه إلى الإخشيد واعتذر، وأنفذ ابنه مزاحم بن محمد بن رائق وسنه يومئذ سبع عشرة سنة وأنفذ معه طاهر ابن الحسين، وقال له: اقتص. فبلغ ذلك الإخشيد فأرسل برده من الطريق فلم يفعل. ووصل مزاحم بن محمد بن رائق إلى الإخشيد وهو بأرض فلسطين، فأكرمه ورفعه وتزحزح له وسأله الجلوس فلم يفعل فوقف بين يديه وقال: بهذا أمرت. فلما انصرف حمله على فرس له أدهم، بحلية ذهب مخرمة، وأرسل إليه: ليس لقدره أرسلت به إليك، وإنما هو ذهب صامت محرق وما سبقت إليه، وحمل إليه فأكثر، ورده مع ابن طاهر إلى أبيه، وزوج الإخشيد ابنته فاطمة ابنه مزاحم بن محمد بن رائق، وتولى ذلك ابن طاهر وكتب بذلك الكتاب، ونثر محمد بن رائق الدنانير والدراهم. ثم سفر ابن طاهر في الصلح بينهما، وقرر الأمر على أن للإخشيد من الرملة إلى مصر، وما خلفها لمحمد بن رائق، ومال بحمله الإخشيد، وعلى أن يكون عبيد الله بن طغج عند ابن رائق ومزاحم بن محمد بن رائق عند الإخشيد.
وسار مزاحم مع ابن طاهر، ولقيهم رسول الإخشيد يقول: إن غلمان أخي عبد الله بكوا ومنعوا منه، فيرجع أبو الفتح مزاحم إلى أن أرسل إلى ابني أونوجور فيكون عندك ويجيء أبو الفتح. ولما فرغ التوسط سار الإخشيد إلى مصر، وخليفته
стр. 254
على الإمارة أبو المظفر، ووزيره محمد بن عليّ الماذرائي، ودخل وبين يديه محمد ابن تكين.
وفي هذا الشهر نزه محمد بن عليّ الماذرائي الإخشيد في بستانه ببني وايل وفرش له، وأكثر الطعام والفواكه والطيب والفرش وقام بجميع العسكر. حدثني محمد بن الحسين قال: لما أكل ثم نام ثم انتبه وصلى وكنت قد فرشت في البستان عند البركة، ونصبت بين يديه من الذهب والفضة، والتماثيل من الكافور والعنبر، وجمعت له المغنين من الرجال والنساء قال ما يدل على طيب نفسه، فجعلت بين يديه صينيتين من الفضة، الواحدة مملوءة دنانير والأخرى مملوءة دراهم للنثار، فأخذ صينية الدنانير فتركها خلفه ونثر الدراهم، فلما انصرف حملت جميع ما كان جالساً عليه، وما كان بين يديه، وما شرب وما أكل فيه، فأرسلته خلفه، وحملته على فرسين بسرج ولجام من ذهب، وقدت بين يديه الجنائب، وحملت كاتبه وحجابه وأكثر أصحابه.
وورد على الإخشيد الكتاب بوفاة الراضي لسبع خلون من شعبان سنة تسع وعشرين، وجلوس أخيه إبراهيم بن جعفر المتقي فدعا له.
وفي شوال ورد كتاب المتقي بإقرار الإخشيد، ثم وردت عليه الخلع من قبله، فركب إلى المسجد الجامع ولبسها ورجع إلى داره بعد أن زينت له الأسواق (١) .
ثم ورد الخبر على الإخشيد بقتل محمد بن رائق بنواحي الفرات. وذلك أن وافق الإخشيد على أن تكون له الرملة وما بعدها إلى آخر أعمال مصر، ويحمل إليه مالاً قرره ابن طاهر، ويكون لابن رائق طبرية ودمشق إلى حدود بغداد، واستقر الأمر وكوتب من بغداد وجاءته رسل المتقي بالمسير، فمنعه كاتبه محمد بن عليّ بن
стр. 255
مقاتل، فقال: لا تفعل، فقال: ركوبي في الطيار في دجلة وصياح الملاحين أحب إلي من ملك الشام كله. فاستخلف على أعماله ابنه الحسن بن محمد بن رائق وسار، وخرج ولد المتقي لتلقيه، وأرسل إليه أن يعبر له وهو عند بني حمدان، فأشير عليه ألا يفعل، فأبى وقال: لو وقع سوطي ما نظروا إليه. فعبر إلى ابن المتقي وابني حمدان ناصر الدولة وسيف الدولة، فقتلوه وأحدروا ابن المتقي إلى أبيه، واحتزوا رأس محمد بن رائق ورموا جثته في الفرات. ووافى الرسول إلى الإخشيد يبشره بذلك، فأنفذ العساكر إلى الشام عليها كاتبه عليّ بن محمد بن كلا.
ولست خلون من شوال سنة ثلاثين سار الإخشيد إلى الشام في عساكره، واستخلف أخاه أبا المظفر ابن طغج. وكان الإخشيد لما قوي أمره ومات الفضل ابن جعفر بالرملة وقتل محمد بن رائق، وتفرغ قلبه، أحب أن يسلك طريقة أحمد ابن طولون وابنه أبي الجيش، فتقدم بأشياء: منها ألا يركب أحد بحلية دقيقة سواه، ولا يلبس أحد خفتان ديباج فضياً محفوراً سواه، ولا يركب أحد برذوناً محفف العرف سواه، ولا يكون في عسكره شيخ، وأن يصبغ الشيوخ لحاهم، فقيل له: يحتاج الصباغ إلى مؤونة، فزاد كل أحد في رزقه من خمسة دنانير وما زاد.
ومن حكايات الإخشيد في أول أمره قال: كنت مع أبي منصور تكين بدمشق، وكان الحاج لهم طريق من دمشق أنا عورتها خوفاً أن يأتيني أحد منها بمكيدة، فجهز تكين حاج دمشق وأخرجني على القافلة، وحج في تلك السنة أبو صالح مفلح المقتدري فخدمته، وأكرمته، ووقفت بالناس في عرفات، فلما غربت الشمس دفعنا إلى المزدلفة، فرأيت قبة محمد بن عليّ الماذرائي أعلى قبة، فتقدمت أنا وغلماني وضربنا وجه ناقة محمد بن علي، وقدمت قبة مفلح، فصاح محمد بن عليّ من قبته: من هذا؟ فقالوا: محمد بن طغج، فصاح: يا عاض ابن العاض، فضحكت، فلما وصلنا إلى المزدلفة شكر مفلح فعلي، وأرسل إلي منديلاً مختوماً فيه عشرة دنانير وزنها ألف دينار، وقال يسرني بقبولها فهي مما زودني مولاي أمير المؤمنين، فأخذته، وخدمته بمنى ومكة إلى أن سار إلى العراق، فكان ذلك في نفس محمد بن عليّ يحقده.
стр. 256
وأمر الإخشيد في وقت من الأوقات بهدم المواخير ودور المقامرين والقبض عليهم، وأدخل عليه جماعة من المقامرين وعرضوا عليه، وفيهم شيخ له هيئة، فقال: هذا الشيخ مقامر؟ فقالوا: هذا يقال له المطمع، فقال الإخشيد: وأيش المطمع؟ فقالوا: هو سبب عمارة دار القمار، وذلك أن الواحد إذا قمر ما معه قال له: فالعب على ردائك فلعلك تغلب، فإذا ذهب رداؤه قال له: العب على قميصك حتى تغلب به، كل شيء حتى يبلغ نعليه، وربما اقترض له. ولهذا الشيخ جراية يأخذها على هذا كل يوم من متقبل دار القمار، فضحك الإخشيد وقال: يا شيخ تب إلى الله وحده من هذا، فتاب، وأمر له الإخشيد بثوب ورداء وألف درهم وقال: يجرى عليه في كل شهر عشرة دنانير، فانصرف الشيخ شاكراً داعياً، فقال: ردوه وقال: خذوا ما أعطيناه وابطحوه، فضربه ستمائة عصا، ثم قال: خلوه، أين هذا من تطميعك؟!.
وكلن بمصر رجل يعرف بأبي القاسم عمرو بن نافع، وكان به وضح وكان معدلاً عند الشهود، وكان له ولد يكنى أبا جعفر يتفقه للشافعي حافظاً للمذهب، وكان قد خرج إلى العراق فأقام سنين، ثم إنه عاد إلى الشام، فحدثني عليّ ابن محمد الصوري الفقيه قال، قال لي أبو جعفر ابن عمرو بن نافع: قصدت أبا عليّ وتقربت بجوارنا منه، فأدخلني إلى الإخشيد بدمشق وعرفه بي ووصفني له، فقال لي الإخشيد: أبوك الأبرص؟ قلت: نعم. فقال: لمن تتفقه؟ قلت: للشافعي، فقال أيش معنى قول المزني: اختصرت هذا من قول الشافعي ومن معنى قوله؟ قال أبو جعفر: وكانت هذه صنعتي، فقلت: المعنى كذا وكذا، وصرت في الكلام فولاني مظالم السواحل.
وكان الإخشيد على تشبه بأحمد بن طولون في أحواله: كان ابن طولون إذا راح إلى الجامع العتيق يوم الجمعة يبعد الناس عن المقصورة، فعمل الإخشيد كذلك. وكان أكثر صلاته في جامع أحمد بن طولون إلا في رجب وشعبان وشهر رمضان.
стр. 257
وحدثني محسن قال، سمعت كافوراً يقول: ركب الإخشيد ثم قال لي: ارجع فقل لهم يصلحون المائدة، ويكون أول ما يقدمونه حماضية، قال كافور: فجئت إلى صاحب المائدة فقلت له: أول ما تقدم حماضية، فقال: والله ما أصلحت حماضية، فقلت: إنا لله ، فقال: كم عليك وأصلح لك الساعة حماضية؟ قال [قلت] : مائة دينار. قال: فاجمع لي كل أترج عندك، فجمعناه واستخرج الحماض فألقاه في الحصرمية، وطرح فيها ماء الورد والمسك والأفاوية، فلما جاء الإخشيد قدمتها إليه، فأكل منها وأكثر وقال: طيبة والله، فقلت: هي والله تقوم عليّ مائة دينار فقال: كيف؟ فحدثته فقال: إيتوني بالطباخ، فقال: تأخذ من غلامي مائة دينار، ردها فردها، فأعطاها غلاماً وقال له: ادفعها إلى الطرائفي الذي يطالبنا، قال: فقلت للإخشيد: فأنت أخذت المائة.
وحدثني يحيى بن مكي بن رجاء المعدل قال: كنت أنا وأبو الحسين ابن إسحاق مع القاضي الحسن بن أبي زرعة، وكان معنا جماعة من الشهود إلى الإخشيد، وحضر صدقة بن الحسن متولي دار الضرب، ومعه دنانير وسبيكة، وأحضر السباكين ليقوموا عيار الدنانير بحضرة الإخشيد، وأوقدوا النار، وجاء صدقة بخمسين ديناراً لتسبك بحضرته، فقال له الإخشيد: كم معك؟ فقال: خمسون ديناراً، فقال: هاتها وأخرج منها عشرة دنانير فقال: اسبكوا، فسبكت وأعتدل العيار. فقال: يكون العيار على هذا، ورد العيار إلى عليّ بن إسحاق المعدل، وسلم إليه السكك وانصرف. قال ابن رجاء: فاجتمعت مع صدقة بعد أيام فقلت: أربعون التي عدلها ولم يسبكها ردها إليك؟ قال: أيش يرد؟ أخذها وانصرفت وغرمتها لأصحابها.
وكان يصون مجلسه أن يجري فيه لغط أو قبيح. ولقد تنازع أبو بكر ابن الحداد الفقيه وأبو الذكر محمد القاضي المالكي وعبد الله بن الوليد، وجرى بينهم لغط كثير. فلما انصرفوا قال: يجري هذا في مجلسي؟! كدت والله أن آمر بأخذ عمائمهم.
وكان يكره سفك الدماء، ولقد شرع في الخروج إلى الشام في آخر سفراته
стр. 258
وسار العسكر، وكان نازلاً في بستانه في موضع القاهرة اليوم، فركب للمسير، فساعة خرج من باب البستان اعترضه شيخ يعرف بمسعود الصابوني يتظلم إليه، فنظر له فتطير به وقال: خذوه ابطحوه، فبطح فضرب خمس عشرة مقرعة وهو ساكت. فقال الإخشيد: هو ذا يتشاطر، فقال له كافور: قد مات، فانزعج، واستثقل سفره، وعاد إلى بستانه، وأحضر أهله واستحلهم وأطلق لهم ثلاثمائة دينار، وحمل الرجل إلى منزله ميتاً، وكانت له جنازة عظيمة.
وكان قد سار إليه سبعة أمراء لأخذ أعماله، فأما أولهم فرجل يعرف بالعدل، وبلغ إلى دمشق فراسله وأرضاه فصار في جملته، والثاني بدر الخرشني راسله وولاه دمشق فصار في جملته، والثالث الحسين بن أبي العلاء بن حمدان فبلغ إلى حمص ومد يده إلى أموال الإخشيد وأخيه عبيد الله فراسله الإخشيد وأرضاه وانصرف عنه، والرابع تكين الخادم فراسله وقلده فصار في جملته، والخامس ابن رائق وقد شرحنا قصته، والسادس عي بن حمدان سيف الدولة، ونحن نذكر قصته فيما بعد إن شاء الله، والسابع يانس المؤنسي راسله وأرضاه.
وحدثني بعض الإخشيدية قال: لما زاد أمر محمد بن رائق على الإخشيد وطلب منه الأموال وإلا قاتله، اشتغل قلبه وقال: ابني يطلب مني مالاً حتى يكف شره عني؟! وامتنع من الطعام يومين، فدخل عليه محمد بن الخازن فقال له: من أين؟ قال: جئت من عند أبي سهل ابن يونس الرجل الصالح، فسألته الدعاء لمولاي الإخشيد، وشكوت إليه غمي وغم أهل الدولة بشغل قلبه، وأنه قد امتنع من الطعام لما التمسه منه محمد بن رائق فقال (١) : ومن الإخشيد حتى لا تبذل في صيانته الأموال؟! أمر الله رسوله ﷺ أن يعطي المؤلفة قلوبهم ويجعل لهم سهماً في الصدقات حتى يكفوا أذاهم، فما له برسول الله ﷺ أسوة؟! فقال: كيف؟ فأعدت عليه الكلام فقال: هاتوا المائدة، وأرسلوا خلف محمد بن الحسين ابن طاهر يخرج إلى ابن رائق ويرضيه.
стр. 259
وحدثني عبد الوهاب بن سعيد الكاتب قال: حدثني أبو الحسين ابن العجمي قال: كنت ببغداد أخلف الإخشيد وأنوب عنه، وكان ابن مقلة الوزير مصروفاً، فأرسل إلي فجئته، فقال لي: يا أبا الحسين أنا في فاقة فأحب أن تكتب إلى صاحبك يرسل إلي بنفقة، فقلت له: عندي هاهنا ألف دينار أحملها الساعة، فقال: أحسن الله جزاءك. ترسلها إلى الباب الآخر تسلم إلى فلانة الخازنه، فحملتها، وكتبت إلى الإخشيد أعرفه، فأنفذ إلي سفاتج بثلاثين ألف دينار، فأخبرته فشكر وصححتها له واستأذنته في حملها فقال: أخرج منها ألفين وأحمل الباقي. وكتب إلى الإخشيد كتاباً يشكره يقول في أوله: كتابي إلى الإخشيد، أطال الله بقاءه، وساق سائر الكتاب بالشكر والثناء والدعاء بالمكافأة، فحسن موقع ذلك من الإخشيد.
وكان الإخشيد ذا سياسة ومدافعة، ولقد انهدمت قطعة من كنيسة أبي شنودة في سنة ست وعشرين، فبذل له النصارى مالاً ليطلق عمارتها، فقال: خذوا فتيا الفقهاء. فأما ابن الحداد فأفتى بألا تعمر، وبذلك أفتى أصحاب مالك، وأفتى محمد بن عليّ بأن لهم أن يرموها ويعمروها، واشتهر ذلك عنه فحملت الرعية إلى داره النار وأرادوا قتله، فاستتر وندم على فتياه، وشغبت الرعية وأغلقت الدروب وأحاطت بالكنيسة، فبلغ الإخشيد ذلك فاغتاظ، وأرسل بوجوه غلمانه كافور ومنجح وشادن في عسكر كبير وقال لهم، لا تجاوزوا مسجد عبد الله، فبلغوا مسجد عبد الله، وزحفت إليهم الرعية ورموهم بالحجارة، فأرسلوا يخبرون الإخشيد فأرسل إليهم ارجعوا. ثم دعا بأبي بكر ابن الحداد الفقيه وقال له: اركب إلى الكنيسة فإن كانت تبقى فاتركها على حالها، وإن كانت مخوفة فاهدمها إلى لعنة الله. فسمعت أبا بكر ابن الحداد يقول: أخذت معي عليّ بن عبد الله البواش المهندس وركبت إلى الكنيسة فما تركت من كل درب، فلم أزل أرفق وأعلمهم أني معهم، ففتحوا إلي فجئت إلى الكنيسة وأمرت بإخراج جميع من فيها من النصارى، ودخلت ومعي ابن البواش وأغلقت عليّ وعليه وجئت به إلى المذبح فقلت له: هذا الموضع الذي قال الله تعالى فيه ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولدا﴾ فخذ بيدك شمعة وأدخل
стр. 260
معك فعرفني، فطاف وعاد إلي وقال لي: تبقى كذا خمس عشرة سنة، ثم يسقط منها موضع، ثم تقيم إلى تمام أربعين سنة ويسقط جميعها، فانصرفت إلى الإخشيد وعرفته، فتركها ولم يعمرها. وكان أمرها كما قال ابن البواش المهندس، فعمرت سنة ست وستين قبل تمام أربعين سنة ولو تركت سقطت.
وكان محمد بن تكين قد أكرمه الإخشيد وكان يؤاكله، وولاه طبرية، فلما ورد محمد بن رائق إلى الشام صار معه، فلما كانت وقعة العريش وانهزم محمد ابن رائق استأمن محمد بن تكين للإخشيد فلم يؤاخذه ولم يزل يكرمه.
وكان بمصر أبو القاسم سعيد المعروف بقاضي البقر، وكان من شعراء أبي الجيش ابن طولون، وكان في آخر عشر التسعين، وكان يبيت عند الإخشيد يحادثه ويسامره وكان مليح الحديث. وكان يصف أخلاق الإخشيد وإمساكه، ومما تحدث عنه أنه قال: قدم بين يديه في الليل طبق فاكهة، فتناولت باقلاءة فقبلتها ووضعتها في جيبي وقلت له: جعل الله عمر الإخشيد فوق كل عمر أغناني وأنسى الناس تكرم البرامكة، قال: فتبسم وعلم أني قد هزلت عليه. فتأخرت عنه يوماً فقال لي: لك يومان لم أرك فيهما، فقلت: كان حماري غامزاً، فقال: ما كنت تكتري حماراً بقيراطين من دار الحرم؟! وقال لي ليلة: أيش أكلت اليوم؟ فقلت: شواء من السوق فقال: إياك شواء دار فرح فإنه يباع نياً وأزيدك فأحذره، إنهم يقطعون الماعز ويجعلونه في جوفه.
قال سعيد: واعتللت مرة وكان الشتاء شديداً، ثم وجدت خفاً فركبت إليه عشاءً وعلي قميص وجبتان وعمامة وسراويل وخفتان، فلما دخلت عليه رحب بي وقال: صح الجسم؟ قد كنت أرسل أفتقدك، فقلت: قد كان رسل سيدي الإخشيد يجوني. فقال: حدثني بحديث صغير، فقلت: أيد الله الإخشيد ما في نفس، فقال: صغير بطول الإصبع، فقلت: نعم أيها الإخشيد، بلغني أنه كان باليمن ملك يقال له ذو الكلاع، وكان الناس يسجدون له، فحكي عن رجل أنه قال: دخلت اليمن فرأيت الناس سجوداً فقلت: ما الخبر؟ قالوا: الملك ذو الكلاع أخرج اليوم يده فسجد له ثمانون ألف جنين ومن الله عليهم بالإسلام، ولم يلق
стр. 261
رسول الله ﷺ ، ولكنه بايع أبا بكر وبايع عمر وبايع عثمان وحضر وقعة صفين، وكان مع معاوية فقتل، فحكى بعض من حضر الوقعة أنه قال: نزلت علينا ريح في الليل فقطعت الحبال وقلعت الأوتاد، فمددت يدي، وقد طاح وتد خيمتي، فشددت الحبل في رجل قتيل فلما أسفر الصبح إذا بها رجل ذي الكلاع. فتعجب الإخشيد وقال: ما أعجبه من خبر! ! ثم نهضت، وكان الإخشيد في علو، فقام فمشى معي واتكأ على درابن القاعة، ونزلت في الظلام من الدرج، فلما صرت في القاعة سقطت في البركة، فصاح الإخشيد: يا كافور، يا منجح، يا جانك، يا شادن (وجوه غلمانه) فرموا أنفسهم خلفي وأخرجوني، والإخشيد يقول: ويلكم مات؟ فقالوا: هو مسترج. فصاح يا أبا القاسم، قلت: لبيك، فقال: من أين أقبلت؟ قلت: من عند ذي الكلاع، فضحك وقال: الساعة تم الخبر، فقال قاضي البقر: ليت الله لم يسرك بتمامه. ثم صعدوا بي ونزعوا ثيابي وألقوا عليّ ثياباً، وانصرفت إلى منزلي وانتكست في العلة.
وحدثني مزاحم بن رائق قال: استعمل لي فرو قام عليّ بستمائة درهم، فمن حسنه وفرحي به لبسته بدمشق وركبت إلى الإخشيد، فلما رآه قلبه واستحسنه وقال: ما رأيت مثله قط، فلم تسمح نفسي بأن أنزعه للوقت. فلما انصرف اعترضني جانك وقال لي: اجلس فإن الإخشيد يريد أن يخلع عليك، وجاءوا برزمة وقالوا: اخلع الفرو، وطووه ومضوا به، وبقيت جالساً ثم قالوا: قد نام، تعود إليه العشية، فانصرفت إلى داري وقلت: هاتوا الفرو، فقالوا: أيما فرو؟ ما جاءنا شيء. فلما كان عشية دخلت على الإخشيد فإذا الفرو عليه، فلما رآني ضحك وقال: كيف رأيت؟ ما أصفق وجهك، ولكنك ابن أبيك، وكم عرضت لك وأنت لا تستحي، فلم تفعل، حتى أخذناه بلا شكر ولا منة.
قال: وكان الإخشيد يحب الصالحين ويركب إليهم ويأخذ دعاءهم. وحدثني مسلم بن عبيد الله الحسني قال: وصفت للإخشيد رجلاً صالحاً بالقرافة يعرف بابن المسيب، فركب معي إليه وسأله الدعاء، ثم انصرف فقال لي: تعال أريك أنا أيضاً رجلاً صالحاً فمضيت معه إلى أبي سهل ابن يونس، فرأيت شيخاً أديباً جالساً
стр. 262
على حصر سامان مبطن، فقام فتلقى الإخشيد وأقعده على الحصير، ثم قال له: يا أبا سهل أقرأ عليّ فإن الريح آذتني الساعة في الصحراء، فأدخل يده تحت الحصير فأخرج منه منديلاً نظيفاً مطوياً فغطاه على يده وقرأ عليه، فلما انصرف الإخشيد قال لي: ما رأيت أطرف من هذا، لم يقابل وجهي بيده حتى غطاها، وليتك شممت المنديل مبخراً بالند، أفتراه علم أني أسأله فعبأه؟! هذا نظيف ظريف طبعاً.
وكان لا يتأخر عن الجمعة في الجامع العتيق في رجب وشعبان وشهر رمضان، ويركب ليلة الختم إلى الجامع ويحضر الختم والدعاء.
والإخشيد أول من رأينا في موكبه بالليل الشمع على البغال، والفراش راكب، وعلى البغل شمعة من خلف الفراش، يلتفت كل ساعة يصلح الشمعة.
ووقع للإخشيد أمر عجيب، وذلك أن رجلاً من أهل العراق صعد فوق زمزم بمكة وصاح: معاشر الناس، أنا رجل غريب، ورأيت البارحة رسول الله ﷺ وهو يقول لي: سر إلى مصر والق محمد بن طغج وقل له عني يطلق محمد بن عليّ الماذرائي فقد أضر بولدي. ثم سارت القافلة إلى مصر وسار الرجل ووصل إلى مصر وبلغ الإخشيد خبره. فأحضره وقال: أيش رأيت؟ فأخبره فقال: كم أنفقت في مسيرك إلى مصر؟ قال: مائة دينار، فقال: هذه مائة دينار من عندي وعد إلى مكة ونم في الموضع الذي رأيت فيه رسول الله ﷺ ، فإذا رأيته فقل لرسول الله: قد أديت رسالتك إلى محمد بن طغج فقال: بقي لي عنده كذا وكذا، وذكر شيئاً كثيراً، فإذا دفعه إلي أطلقه، فقال له الرجل: ليس في ذكر رسول الله ﷺ هزل، وأنا أخرج إلى المدينة وأنفق من مالي، وأسير إلى رسول الله ﷺ وعلى آله واقف بين يديه يقظان بغير منام وأقول له: يا رسول الله أديت رسالتك إلى محمد بن طغج فقال لي: كذا وكذا، وقام الرجل، فأمسكه وقال: حصلنا في الجد، إنما ظننا بك ظناً والآن فما تبرح حتى أطلقه، فأرسل إليه الإخشيد من توسط أمره وأطلقه.
وكان الإخشيد بالشام وبلغه خبر أحمد بن الحسين المتنبي الشاعر، فقال جيئوني به فأحضروه إليه وأكرمه وقال: أنشدني قصيدتك الدالية في ابن
стр. 263
الفصيصي (١) فأنشده حتى بلغ إلى قوله:
فلما جئته أعلى محلي ... وأجلسني على السبع الشداد
تبسم قبل تسليمي عليه ... وألقى كيسه قبل الوساد فقال الإخشيد للغلمان: بللتم الخيش؟ وقام ولم يجلس له حتى يفرغ.
وحدثني بعض غلمانه قال: كانت الهدايا تأتيه في الأعياد والنوروز والمهرجان، وكان قد اشتهر عنه محبة العنبر، وكان أكثر ما يهدى إليه، فكان إذا جاءت هذه الأوقات التي يهدى إليه فيها أخرج من خزانته العنبر إلى التجار فيشتريه الذين يهدونه إليه، فيحصل له الثمن الوافر ثم يعود العنبر. أقام سنين كثيرة يعمل هذا وقيل إنه اجتمع عنده قناطير. واحترق في سنة ثلاث وأربعين في دار أبي الفضل بعقبة ابن فليح لجاريته أم أولاده عنبر كثير، كان يشم على بعد، وكنت أسمع الناس يقولون: احترق لهم في دار أبي الفضل عنبر وأسفاط وأعدال وصيني ما مبلغه مائة ألف دينار.
وكان الإخشيد حسن التأمل والنظر: حدثني أبو الفرج البالسي الطبيب قال: اشتهى الإخشيد بقرية فعملت له، وكان رسمي إذا قدمت المائدة إليه أن أقف في طريق الطعام فأشرف على كل لون يقدم فأرد ما أرى رده، وأصلح ما أراه أرسل إليه، فجاءوا ذلك اليوم بالبقرية فكشفتها وأزلت منها ما يصلح إزالته، فأخذها كافور بيده وأدخلها إليه، ولم يكن رسمه أن يحمل طعاماً، فلما خرج قلت له: ما يزيدك الله بهذا إلا رفعة، فقال لي: كانت شهوة مولاي لها قوية فأحببت أن أدخل أنا بها. فلما رفعت المائدة دخلت إليه، وسألته عن أكله، فقال لي: كانت البقرية طيبة وأكلتها شهوة، فأيش أعجب ما كان فيها؟ فقلت: يقول الإخشيد أيده الله، قال: حمل كافور لها، وحياتك يا أبا الفرج لا جلس في هذا المجلس غيره، ولا أخذ هذا المال سواه.
وحدثني محمد بن الحسين المكفوف المفسر قال، قال لي الإخشيد: رأيت
стр. 264
في المنام كأني سلمت إلى غلام من غلماني الكبار شيئاً فلم يقم به، ثم نقلته إلى غيره فلم يقم به حتى سلمته إلى جماعة منهم، ثم سلمته إلى كافور، وانتبهت وهو في يده، فقلت له: هذا الملك يعود إلى كافور ويقوم به، فضحك وعجب. فلما نهضت أخذ بيدي غلام، فلما خرجت قال لي الغلام: رأيت مولاي يخاطبك، وينظر إلي ويضحك، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا كافور، فقلت له: أبقى الله عزك، إن هذا الملك ستملكه واذكرني، قال: وهذا المقام كان سبب وصوله إلى ما وصل إليه ووصية الإخشيد له.
وكان الإخشيد إذا توفي قائد من قواده أو كاتب، تعرض ورثته وأخذ منهم وصادرهم وكذلك كان يفعل مع التجار المياسير. وقال أبو بكر بن محمد بن عليّ الماذرائي: أخذ مني الإخشيد مالاً عيناً وضياعاً وعروضاً ما مبلغه ثلاثة وثلاثون إردباً دنانير. (وعدد صاحب الكتاب جماعة كثيرة صادرهم وأخذ منهم أموالاً عظيمة) . قال: واستخرج من مصر في إحدى عشرة سنة اثنين وعشرين ألف [ألف] دينار، لأنه كان يعقد الخراج بمصر ألفي ألف دينار في كل سنة خراجاً، سوى خراج الرملة وطبرية ودمشق والسواحل، وسوى ضياعه التي كانت ملكاً له.
وكان الإخشيد يقول: المصادرة مشؤومة وأنا مضطر إليها، وما أنفقتها قط إلا في سفر إلى عدو. وكانت أيام الإخشيد إحدى عشرة سنة، سافر فيها خمس سفرات إلى أعداء يقاتلهم فالأولى حين بلغه مسير محمد بن رائق فتجهز إلى الفرما واصطلحا، والثانية لما نقض ابن رائق الصلح والموافقة، فسار إليه والتقيا بالعريش وآل الأمر إلى أن هزم الإخشيد وكان الظفر له، والثالثة لما بلغ الإخشيد قتل محمد ابن رائق سار إلى دمشق في عديده وتمكن وقرر، ثم عاد إلى مصر، والرابعة حين ورد عليه كتاب المتقي بالمسير إليه، والخامسة لما سار إليه سيف الدولة ابن حمدان فسار إليه واقتتلا بفنسرين، واستظهر الإخشيد ثم اصطلحا وتصاهرا وتقاربا، وعاد الإخشيد إلى دمشق فأقام بها سنة واحدة وتوفي.
وكان الغالب على الإخشيد رقة الوجه والحياء، وكان إذا صادر أحداً لم يعذبه ولم يضربه ولم يضيق عليه ولم يره حتى تنقضي المصادرة، ثم يؤانسه
стр. 265
ويصطفيه. وكان يحب قراءة القرآن ويبكي عند سماعها.
وحدثني بعض الإخشيدية قال: استتر سهل بن محمد الكاتب البغدادي، فطلبه الإخشيد طلباً شديداً، فعرف أنه عند أبي إبراهيم الرسي العلوي، فأرسل إليه فخرج إلى الرسل وصاح عليهم، فعادوا إلى الإخشيد فأخبروه، فقال لمنجح غلامه: أركب في مائة فارس واكسر دار أبي إبراهيم الرسي وخذ سهلاً الكاتب. فركب منجح، وبلغ أبا إبراهيم فأغلق بابه، ولبس الدرع وتقلد السيف وأخذ الدرقة، وفتح الباب وقال لمنجح: تقدم فوالله لا طمعت في الدخول أو أقتل، فأرسل إلى الإخشيد فأخبره، فأرسل الإخشيد إلى منجح: انصرف، ثم أرسل إلى أبي إبراهيم، اركب، فركب فلما دخل على الإخشيد قال: يا أبا إبراهيم الحرب؟ قال: نعم، قال محمد: فبحقي عليك سهل عندك؟ قال: نعم، قال: فهو آمن وهذا خاتمي وأماني، والساعة ازدادت رغبتي فيك ياشريف، قم وأحضر سهلاً آمناً. وعجب الإخشيد من فعله.
وحدثني بعض الكتاب قال: (١) : كان محمد بن رائق لما سار لقتال الإخشيد راسله الإخشيد بالحسن بن طاهر الحسيني، وكانت كتب الحسن بن طاهر ترد من الشام إلى أخيه الحسين بن طاهر شقيقه، وكان ينوب عنه ويوقف الإخشيد على ما يرد عليه، ويوقفه على كتبه، وكان إذا كتب إلى الإخشيد كتب مع الطائر، ويكتب كثيراً إلى أخيه الحسين. قال الحسين (٢) : فورد إلي (٣) كتاب أخي الحسن بن طاهر من الشام يسأل فيه الإخشيد أن يعفيه من ضمان بلبيس وفاقوس فإنه قد عجز عنهما (٤) لقلة فائدتهما وكثرة غشيان البوادي لهما، ولم تكن هاتان الضيعتان في يد أخي، فحملت الكتاب إلى الإخشيد (٥) وقرأته عليه، فقال: هاتوا كاتب (٦) ديوان
стр. 266
الخراج فقال: في يد أبي محمد الحسن بن طاهر ضمان فاقوس وبلبيس؟ قال: لا، فأطرق ثم قال: ما قصر أبو محمد فيما قاله، عزم محمد بن رائق يجيئنا على غفلة إلى مصر، فأشار أبو محمد بحفظ فاقوس وبلبيس، يخرج الساعة إلى فاقوس ثلاثة آلاف فارس وراجل وإلى بلبيس مثلها وتزاح عللهم (١) ويكونون على غاية اليقظة ولا ينامون الليل ويحفظون (٢) هذه المواضع. قال الحسين بن طاهر: فعجبت من فطنته، وكتبت إلى أخي: قد أعفاك من ضمان فاقوس وبلبيس وضمنهما من يقدر عليهما، لأن الحسن بن طاهر كان يتقي محمد بن رائق أن تقع كتبه في يده، لأنها (٣) وقعت في يده مرة، فحدثني سليمان بن الحسين (٤) بن طاهر قال: أرسل محمد بن رائق إلى أبي، فركب وأخذني معه، فدخل عليه وهو مقطب، فلما جلس لم يكن منه إليه الانبساط الذي يعرفه، فقال: أيش خبر الأمير؟ فقال: قد وقعت في أيدينا كتبك إلى محمد بن طغج، قال: مع من؟ قال: مع صاحبك المعروف بالزطي، فقال: سبحان الله ما أصاب الأمير الدين ولا السياسة، فأما الدين فنهى جدي رسول الله ﷺ أن يطلع أحد في كتاب أخيه بغير إذنه، والسياسة انخراق الهيبة، أفليس يعلم الأمير أني جئته من قبل محمد بن طغج؟ أفلي بد من مكاتبته وتعظيم أمره في عينيه (٥) ، وأن أطلعه على ما يحتاج إليه؟ هذه رسل الأرض، فأيش يعمل (٦) الأمير في رسل السماء؟ قد والله كتبت (٧) مع الطائر أكثر من هذا وأستودع الأمير، ما يراني بعدها، فأخذ بذيله وما زال يرفق به ويترضاه ويقول له: أنت أولى من احتمل. وكان شريفاً قوي النفس جريئاً في خطابه، وأكثر نعمته اكتسبها في هذه الوساطة بين هذين الرجلين.
وحدثني الأصبهاني صاحب محمد بن رائق قال: لما استقرت الرسالة على
стр. 267
أن ينصرف ابن رائق من الرملة فما وراءها، قال محمد بن عليّ بن مقاتل كاتب محمد بن رائق وصاحبه للحسن بن طاهر: يا أبا محمد نحن على الانصراف، فاذكر جميع ما تحتاج إليه، فإن الإخشيد إذا وصل إلى الرملة أمضى ما يعمله لك فسأله في إسقاط ما عليه من الخراج، فأمضى ذلك، وكتب إليه بإقطاع وأرزاق له ولحاشيته مبلغ الجميع خمسة عشر ألف دينار سوى ما تقدم.
وحدثني محمد بن الحسين قال: كان الإخشيد بعد وقعة العريش قد عظم أمره، فحدثني أبو الحسن ابن جابر كاتب عبيد الله بن طغج قال: كتب صاحبي عبيد الله إلى أخيه الإخشيد من الرملة يستأذنه في المسير إليه لزيارته شوقاً إليه، فأذن له، فلما قرب دعاني الإخشيد فقال لي: قد قرب أبو الحسين، وقد عزمت على الخروج لتلقيه فأيش تعمل؟ اكسر عزمه وقل له إنك ليس تلقى محمد ابن طغج، إنما تلقى أحمد بن طولون وبالله لئن لم يترجل لي لأضربن عنقك. فسرت فلقيته بفاقوس، فقلت له: الإخشيد خارج يتلقاك، قال: على أي شيء؟ قلت: تترجل له، قال: ما يسومني أخي هذا، قلت له: إنه قال لي: قل له: إنما تلقى أحمد بن طولون، وقد أوعدني بضرب العنق إن لم تترجل له، وأنا سائر إلى الشام. فقال: أفعل. فلما وصلنا إلى المنية أقبلت عساكر الإخشيد، فقلت له: انزل، قال: حتى يراني، فقلت: خبرك عنده، فنزل نحواً من ثلاثمائة ذراع، فلما رآه الإخشيد قال: أركب يا أبا الحسين، وحمله على خمسة أفراس بسروج طاهرية وزاد في إكرامه.
وحدثني محمد بن الحسين قال: انصرف الإخشيد من وقعة العريش بعد هزيمة ابن رائق منه وإنفاذه إلى مصر بالأسارى والرؤوس، وخليفته على مصر يومئذ أخوه أبو المظفر ووزيره محمد بن عليّ الماذرائي، فلما قرب من المنية قال للحسين بن محمد الماذرائي: أرى هيضة قد أقبلوا وأحسب الشيخ فيهم، يعني أباه محمد بن علي، فسر إليه يا أبا عليّ وأسرع وبادر، قال الحسين، فعلمت ما في نفسه، فأسرعت إلى أبي وسلمت عليه وقلت له: هذا الإخشيد قد قرب منك وقد رآك، فأخرج رجلك من الركاب فهو يرضى منك بها، فصاح عليّ وقال: اذهب
стр. 268
والله لا فعلت هذا، ولم أجد فيه حيلة، فقرب الإخشيد ولقيه محمد بن عليّ ولم يترجل له، وعانقه ولم ينبسط الإخشيد، وصاح الإخشيد: هاتوا أبو بكر الكاتب، يعني كاتبه ابن كلا، فسايره وأقبل عليه يحادثه، وبقي محمد بن علي، فقال محمد ابن عليّ لغلمانه: أخرجوني من زحمة الموكب فأخرجوه وسار فرآه الإخشيد وقال لابنه: يا أبا عليّ أين يمضي الشيخ؟ قال: خوف زحمة الموكب، فقال: ردوه، وسايره وعلم أن ذهاب محمد بن عليّ عنه هجنة. قال: ولما قيل لمحمد بن عليّ في الترجل قال: ذهاب المال أهون عليّ من هذا. فلما وصل الإخشيد إلى مصر أقام أياماً وقبض على محمد بن عليّ وابنه.
وكان الإخشيد أزرق بطيناً مشهوراً بالعين، وكان قد تمكن وتشبه بابن طولون، وقصده أمراء بغداد وقوادهم وكتابها وأولاد الوزراء، وأجرى الأرزاق. وهو أول من أقام الراتب، ونكب عماله وكتابه مراراً.
وكان الإخشيد لما قتل محمد بن رائق وسار إلى دمشق وخلا وجهه واستخلف على أعماله، عاد إلى مصر في سنة إحدى وثلاثين، وبلغه ما كان يعمل بجكم بالعراق من النظر في المظالم والجلوس للناس، فجلس بنفسه كل يوم أربعاء. وكان مكرماً للصالحين، ودخل إليه محمد بن أحمد الدينوري منكراً لأمور فأزالها.
وحدثني بعض الشيوخ أنه أفطر ليلة تسع وعشرين ولحقه كسل عن حضور الختم، فقالت له جاريته: تأخر وأنا أعتق عنك غداً عشرة رقاب، فقال: أعشرة رقاب ويحك؟! لعله يكون في هذه الليلة رجل صالح له عند الله منزلة، فيقول في دعائه: اللهم أغفر لجماعتنا، فعسى أن أدخل فيهم، هاتوا ثيابي، فلبس وركب ونزل إلى الجامع العتيق وحضر الصلاة والختم.
وحدثني بعض أهل مصر قال: كنت بالرملة وهو يسير في أحد شوارعها حتى صاحت به امرأة من فوق سطح: أيها الأمير قف علي، بوقوفك بين يدي الله، فرفع وجهه وبادر فنزل عن دابته واتكأ على سيفه وقال: هاتوا المرأة، فوجدها قد
стр. 269
سقطت خوفاً فأحضرت: فقال: ما شأنك؟ فقالت: ابني صبي أمرد غيب عني، فأمر بإحضاره فأحضر، فدعا بصرة فيها مائة دينار فرمى بها إليها وقال: خذي ابنك وهذه الصرة فعسى الله أن يرحم ذل موقفي بين يديه.
ثم لم يزل الإخشيد بقية سنة إحدى وثلاثين يدبر أمر مصر مطمئن القلب قد استراح من أعدائه، ثم ورد عليه خبر بمسير عسكر من الشرق فأمر بمضاربة فأخرجت، فاجتمع إليه أهل مصر فسألوه المقام فلم بفعل، ثم تراخى، فورد عليه الخبر في شعبان سنة اثنتين وثلاثين بمسير عسكر بعد عسكر، وكان قد أطلق محمد ابن عليّ الماذرائي وصرفه إلى منزله.
ثم قدم صالح بن نافع من الشام فحرض الإخشيد على المسير، فقبض على محمد بن عليّ ورده إلى الاعتقال، وقبض على كاتبه ابن كلا وعلى جماعة معه وصادرهم، وحمل معهم محمد بن عليّ وابن كلا واستخلف ابنه أونوجور على مصر، واستخلف له عمه الحسن بن طغج وكان يدعى للمتقي، ثم للإخشيد ثم لأونوجور، ثم لأبي المظفر الحسن بن طغج.
ولما ورد عليه كتاب المتقي بأنه سائر إليه، سار إليه الإخشيد وبلغ الرقة، فأراد منه المتقي أن يعبر إليه فلم يفعل خوفاً مما جرى على محمد بن رائق حين عبر إلى ابن المتقي وصنع ابن حمدان ما صنع، فعبر المتقي إلى الإخشيد والتقيا بالرقة، وحمل إليه الإخشيد من العين والورق والكسوة والجوهر والطيب والفرش والكراع والبغال ما مبلغه مائتان وخمسون ألف دينار، وحمل إلى خواصه، ولم يدع أحداً إلا حمل إليه. وكان الإخشيد لما لقي المتقي ترجل عن بعد وهو بسيفه ومنطقته وجعبته على سبيل الخدمة وقبل الأرض مراراً، ثم تقدم فقبل يده، فصاح به محمد بن خاقان: اركب يا محمد، ثم صاح: أركب يا أبا بكر، فقيل: إن المتقي قال لابن خاقان: كنه، فكناه للوقت. ثم كان الإخشيد يقف بين يديه على سيفه، وإذا ركب حجبه وجعل مقرعته على كتفه، لأنه لم يخدم خليفة قط غيره، وافتخر بذلك وأعجبه. ثم قال للإخشيد: قد وليتك أعمالك ثلاثين سنة فاستخلف لك أونوجور، وقيل إنه كناه أبا القاسم، فقبل الأرض مراراً. وأهدى إليه الإخشيد
стр. 270
هدية أخرى مكافأة على ما فعله بابنه أونوجور وتكنيته له وطلب منه (١) المتقي الحسن بن طاهر الحسيني فادخله إليه، وطلب منه محمد بن علي الماذرائي فدافع عنه ولم يخبره أنه معه، وكنى المتقي الحسن بن طاهر في مجلسه [وعطس المتقي فشمته الحسن بن طاهر] (٢) ، فقال المتقي: يرحمك الله يا أبا محمد. ولما شاهد الإخشيد إكرام المتقي قال له: أسير بين يدي أمير المؤمنين وأخدمه إلى بغداد، فأجابه المتقي إلى ذلك.
وأحب الإخشيد أن يكون أمير الأمراء، فحدثني أحمد بن عبد الله الفرغاني قال، قال لي أبي: فبلغني ما عزم عليه الإخشيد، فوبخته على ذلك وقلت له: أتلفت مصر والشام، وأتلفت نفسك مع الأتراك ومع توزون وما تدري أيش يكون، فتبين الإخشيد الخطأ، وقال: قد قلت، فكيف الحيلة؟ قلت: ما يسهله الله، قال الفرغاني: فدعوت برجل من المغاربة له أخ بالمغرب فقلت له:خذ رقا واكتب فيه كتابا من أخيك إليك وقل فيه: لما اتصل بأمير المؤمنين القائم بأمر الله مسير الإخشيد إلى المتقي بالعراق جهز العساكر فى البر والبحر إلى مصر واغتنم خلوها، وإذا كتبت الكتاب ففركه وادعكه حتى يصير كأنه قديم. ثم قال للرجل: اسبقني بالخبر إلى الإخشيد، فبلغ الإخشيد، فقال للفرغاني: أيش في هذا الكتاب؟ فقال: لا أدري، فقال: خذه، فأخذه وقرأه على الإخشيد، فقال للفرغاني: اكتمه لئلا يتشوش العسكر، ثم حمله للمتقي وقرأه عليه فقال: كنت قد عزمت على السير لخدمة أمير المؤمنين وأخاف على مصر والشام، فقال سر ولا تتأخر، فودعه وسار، واستخلف غلامه نحريرا الأزغلي، فسار مع الإخشيد إلى الشامات، ولما وصل المتقي إلى باب بغداد إلى موضع يقال له السندية لقيه توزون التركي أمير بغداد فقبض على المتقي وخلعه، وعقد للمستكفي عبد الله بن المكتفي، رجلا كهلا، فلما قبض توزون على المتقي قال ابنه: يا أبا الوفاء تفعل بمولاك مثل هذا؟ فقال: غركم أني أقول مولى أمير المؤمنين، إنما أعني أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁.
стр. 271
ولما بلغ الإخشيد وهو بالشام ما فعل بالمتقي بكى وتأسف على شبابه وحسنه، ثم جد الإخشيد في السير حين بلغه هذا ودخل إلى مصر، وزينت له الأسواق، فركب ركوبا عظيما، وركب معه ابنه أونوجور، وأقام الإخشيد الدعوة للمستكفي على منابر مصر والشام.
ولما انصرف الإخشيد من حضرة المتقي سار سيف الدولة ابن حمدان إلى حلب وقنسرين والثغور الشامية وحمص وإنطاكية وسائر الأعمال فأخذها وأقام الدعوة فيها للمستكفي ولأخيه ولنفسه، ثم عزل وولى واستخرج الأموال.
وكتب الإخشيد إلى المستكفي يخبره بما سارع إليه من إقامة الدعوة وأخذ البيعة، ويعرفه ما عمله سيف الدولة ابن حمدان، فكتب إليه المستكفي، ومع الكتاب خلع للإخشيد ولابنه أونوجور.
وبلغ الإخشيد أن سيف الدولة سار إلى حمص، يريد دمشق، فجرد الإخشيد عسكرا كبيرا وجعل عليه أربعة، فساروا إلى دمشق وعبوا عساكرهم، ثم ساروا إلى حمص فالتقوا مع سيف الدولة بالرستن من أرض حمص، فهزمهم سيف الدولة، فعادوا إلى دمشق، ثم خرجوا عن دمشق يريدون الرملة، ثم إلى مصر. ثم سار سيف الدولة في أثرهم يريد دمشق، وكتب إلى أهل دمشق كتابا قرئ على منبر جامع دمشق، وحملت نسخه إلى الإخشيد وهي: " بسم الله الرحمن الرحيم، من سيف الدولة أبي الحسن إلى جماعة الأشراف والعلماء والأعيان والمستورين بمدينه دمشق: أطال الله بقاءكم، وأدام عزكم وسعادتكم وكفايتكم ونعمتكم، كتابنا إليكم من المعسكر المنصور بظاهر عين الجر، عن سلامه وجميل كفاية، لموليها خالص الدعاء والشكر. وقد علمتم، أسعدكم الله، تشاغلي بجهاد أعدائي وأعداء الله الكفرة وسبيي لهم وقتلي فيهم وأخذي أموالهم وتخريبي ديارهم، وقد بلغكم خبر القرانين في هذه السنة وما أولانا الله وخولناه وأظفرنا به، واستعملت فيهم السنة في قتال أهل الملة، فما اتبعت مدبرا ولا ذففت على جريح، حتى سلم من قد رأيتم، وقد تقدمنا إلى وشاح بن تمام بصيانتكم وحفظكم وحوط أموالكم، وفتح الدكاكين وإقامة الأسواق والتصرف في المعاش إلى حين موافاتنا ان شاء الله ". فلما
стр. 272
وصلت نسخة هذا الكتاب للإخشيد قلق لذلك، واستخلف على مصر ابنه أبا القاسم، واستخلف له عمه أبا المظفر، ثم سار الإخشيد لا يلوي على شيء، وحصل سيف الدولة بدمشق ودخلها ومعه سائر أهله من شيخ وكهل.
وكتب الإخشيد من الرملة إلى عيسى كيل وهو بدمشق مع سيف الدولة يعده بالأموال والتقليد والخلع وإضعاف الرزق، ومع الرسول خاتم الإخشيد، فوصل الرسول إلى عيسى كيل وهو مع سيف الدولة بالشماسية، فاستأذنه في الركوب إلى دمشق لدخول الحمام فأذن له، وشرب وسكر، وثار مع العصر بدمشق، ودعا الناس إلى الإخشيد وخاتم الإخشيد في يده، وغلق أبواب دمشق، وأفاق عيسى كيل من سكره بالليل وتبين أمره، فهرب في جوف الليل إلى الإخشيد وهو بطبريه، فخلع عليه وأجازه وحمله وقاد إليه فرسا أدهم وعليه سرج ولجام مطلي فيه أربعة عشر ألف درهم، ما يقدر الفرس يتحرك من ثقل ما عليه. وسار عيسى كيل بين يدي الإخشيد، فلما قرب من دمشق دفع سيف الدولة وأحرق أخصاصا كانت قد عملت، وسار إلى نواحي حمص، ودخل الإخشيد إلى دمشق والأمراء والقواد بين يديه، ثم سار إلى حمص، ثم سار إلى قنسرين (١) ، والتقى مع سيف الدولة واقتتلا، واستظهر عليه سيف الدولة، فحسده ابن عمه الحسين بن أبي العلاء فانهزم، فاستظهر الإخشيد وقتل وأسر جماعه من وجوه العجم. ولم ينصرف سيف الدولة. بل عسكر مواجها للإخشيد، فاختار الإخشيد المسالمة، وراسله بالحسن ابن طاهر على مال يجعله إليه، وان يكون لسيف الدولة من جوسية (٢) إلى حمص إلى سائر أعمالها وما وراءها، ويكون للإخشيد من دمشق وما بين يدها إلى آخر أعماله، وزوجه ابنته فاطمة وكان الولي الحسن بن طاهر بتوكيل الإخشيد، فسر سيف الدولة بذلك وأجاب إلى السلم وعقد النكاح، ونثر سيف الدولة في مضربه للحاضرين ثلاثين ألف دينار، ونثر خارج المضرب أربعمائة ألف درهم، وحمل إلى الحسن بن طاهر مالا كثيرا خلعا [وحملانا] (٣) .
стр. 273
وحدثني الحسين بن أريخا قال: كان الإخشيد يوم لقي سيف الدولة في خمسين ألفا من الجبل إلى الجبل، فجاء جاسوس إلى الإخشيد فقال له: إن علي ابن حمدان قد سأل عنك، فقيل له: هو صاحب الخفتان الأسود، فقال: والله لألقين بنفسي عليه، فنزع الإخشيد الخفتان الأسود وأقام غلاما بخفتان أسود، وحمل ابن حمدان يريد صاحب الخفتان الأسود، فخرج عليه الإخشيد من موضع آخر في غلمانه فهزمه.
وحدثني بعض شيوخ دمشق ممن كان الإخشيد يأنس به ويحادثه قال: سألني جماعه وجوه غلمان الإخشيد توبيخ الإخشيد على ما عمله من الصلح والمصاهرة، فقلت له: أيها الإخشيد إيش حملك على مصالحة ابن حمدان ومسالمته ومصاهرته؟ فقال: الغلمان سألوك مساءلتي؟ فقلت: نعم،فقال: عليهم لعنة الله أتراهم يعلمون من الأمر أكثر مما أعلم؟ اعلم أن علي بن حمدان كاتبناه من الرملة فبذلنا له فلم يفعل، وكاتبناه من طبرية فامتنع، ثم سرنا إليه ورزقنا الله تعالى النصر عليه وعلى أصحابه الظفر، فلم ينصرف وخيم حذاءنا بوجه صفيق وقله حياء، فتوقفت عنه، فقال لي الغلمان: دعنا نمضي تلقاءه، ففكرت في قولهم ولم أخل من أحد وجهين: إما أن يهزمنا ويرزق علينا النصر فتكون الفضيحة، وإما أن نرزق عليه النصر فنأخذه فأيش أعمل به؟! هل هو أكثر من أن أنزله في مضرب يشبهه وأنفق عليه ما يصلح له، ثم أجهزه وأرده لأخيه وأهله لأنهم لا يتركونه؟ وأقل ما كان يكفيني له مائتا ألف دينار، ثم لا أطيق غلماني من إذلالهم والشجب والتجني علي بما عملوه، ويطلبون مني الأعمال والولايات، فرأيت أن مسالمته ومصالحته أفضل وأصلح، وأرسلت إليه الحسن بن طاهر أعده بالأموال والخروج من أعماله، فلما رأوا الحسن بن طاهر قد مضى ازدحموا علي يسبوني ويشتموني ويسألون الله الراحة مني. فما أقام الإخشيد بعد هذا إلا سنة وتوفي. ولما فرغ من هذا الصلح سار مجدا إلى دمشق فأقام بها ودبر أموره، ثم بويع المطيع فكتب إلى الإخشيد بالتقليد.
وتكاف الإخشيد وسيف الدولة، وهدأت الفتنة، واستقامت الطريق، وتفرغ سيف الدولة للجهاد آمنا، وركب الإخشيد بدمشق ركبة عظيمة إلى الصيد، وبين
стр. 274
يديه من الجوارح من كل فن ما لم يكن بين يدي خليفة قط، وبين يديه محمد بن تكين، وتكين الخاقاني، وجماعة القواد، فما قدر على شيء من الصيد ولا عصفور، وعاد كاسف البال. فلما بلغ باب البركة التي كان ينزلها قال: لا يبرح أبو بكر ولا أبو على ولا أبو الحسين، فأمر لهم بأفراس حملوا عليها ثم دخل الحمام، وعملت المائدة ليخرج من الحمام ويأكلوا معه، فبينما هو في الحمام إذ خرج الغلمان وقالوا لكافور: الحق الإخشيد، فلحقه وقد غشي عليه في الحوض، فرمى كافور بنفسه في الحوض وأخرجه وصب الماء عليه، ثم أخرجه إلى المسلخ (١) وألبسه ثيابه ثم بخره، ودعا بابن البالسي الطبيب، فسقاه شرابا، وركب وقدمت المائدة وجلست الجماعة معه، ومد يده ليكسر الرغيف فما قدر، فشد يده اليمنى بيده اليسرى فلم يقدر، ففطن له محمد بن تكين فقال: قد أخذت الحمام من الإخشيد ونحن نعود فى غد، فما نطق بحرف، وانصرفوا وحمل إلى مرقده، وابتدأت العله خمسة عشر يوما، وتوفى لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
وثارت الفتنة بدمشق، وركب عيسى كيل ليأخذ الدولة، ونهبت خزائن الإخشيد. وكان الإخشيد يتقدم فى كل سفرة ويقول للفرغاني: لا تجعلوا المال في الصناديق فإن الصناديق مطلوبة، بل اجعلوها في الخزائن، قال كافور: في خزائن السلطان. فجعل المال في أعدال الجواشن، فلما ثارت الفتنة ونهبت الأكياس إلى أن سكنت الفتنه، [قال] : أيش نعمل بالمال؟ ثم قال: اطرحوه في البركة فطرحت الأعدال.
وحدثني منصور بن أحمد الصيمري قال: ركب صاحبي في ألف ترس من الديلم، فأرسل إليه كافور ووعده فجاء اليه، فلما سكنت الفتنة بعد ثلاث وجد الإخشيد قد انتفخ وأكل الفأر أطراف أصابعه وأكل الذر عينيه، فغسل صبا، وطلب له كافور فلم يوجد إلا في السوق مغشوشا، وطلب له بغل يحمل تابوته فلم يوجد إلا جمل أعور، فحمله عليه الخازن وسار به إلى بيت المقدس.
стр. 275
وحدثني محمد بن المنهال قال: لقيت تابوت الإخشيد بنواحي طبرية على جمل أعور، والذين معه من السودان يتأذون بريحه، وإذا نزلوا بعدوا منه، إلى أن وصلوا به إلى بيت المقدس ودفن هناك.
وحدثنا أبو جعفر أحمد بن يوسف في كتابه في سيرة ابن طولون بما خلفه، فأردت أن أذكر في سيرة اخشيد ما خلفه، وكان كثير المصادرة، فأما الذي خلفه من المال والعين والورق فحدثني محمد بن عبد الله قال: قال لي أبي قلت الإخشيد بالرقة وقد ذهب أكثر ما معنا من المال في ذلك، فأخذ منطقتي بيده وجذبني وقال: تدرى كم خلفت عند كردن؟ خلفت عندها عشرين بيت مال. وذكر صالح بن نافع أن الإخشيد أوقفه على سبع مطامير في كل مطمورة ألف ألف دينار، مطمورة من الدنانير الإخشيدية، ومطمورة مقتدرية، ومطمورة مكتفية، ومطمورة متقية، ومطمورة مغربية، ومطمورة من خلط دنانير العراق (١) .
ولما توفي الإخشيد وجلس ابنه واستوزر أبا بكر محمد بن علي الماذرائي طلب من أم ولد الإخشيد المال للرجال، فقالت: ما عندي، فقال: ما فعلت سبعة أرادب أخذها مني دفعة ما أنفق منها دينارا واحدا؟
وخلف من الجواهر ما قيمته مائتا ألف دينار، وخلف من العنبر ثمانمائة رطل، وخلف من العبيد ثلاثة آلاف ما بين روم ومولدين وسود، وخلف من الخيل لركابه ألفا ومائتي فرس سوى دواب غلمانه، وخلف من البغال ثلاثة آلاف، ومن النوق ثلاثة آلاف، ومن المراكب مائة مركب سوى العشاريات، كل مركب يقوم عليه بثلاثة آلاف دينار.
أبو القاسم أونوجور بن الإخشيد
لما ورد نعى الإخشيد إلى مصر سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة في المحرم اضطرب البلد، وركب أبو المظفر أخوه، ووزيره أبو بكر محمد بن علي بن مقاتل إلى دار الإمارة، وخرج إليهما ابنه أبو القاسم أونوجور، وحضر الناس للتعزيه، وانصرفوا على غير رأي ولا تدبير، وانصرف أبو المظفر إلى داره في موكب كبير،
стр. 276
وانصرف محمد بن علي إلى داره في الدولة كلها، لأن الذين انصرفوا مع أبي المظفر لحقوه. ثم اجتمعوا من الغد في دار الإمارة وحضر وجوه الناس من الأمراء والقواد والوزراء والكتاب والأشراف والقضاة والشهود، وأرسلوا إلى أبي بكر محمد بن علي الماذرائي فحضر، فعرفوه وشاوروه فقال: ما ها هنا مشورة، لم يمت الإخشيد حتى عقد لابنه أبي القاسم أونوجور، واستخلفه المتقى لأبيه، وكناه المكتفي، وأنفذ إليه الخلعة. فأومأوا إليه بأنه صغير ابن خمس عشرة سنة فقال لهم: وأيش يكون؟ أنا عقدت لهارون بن أبي الجيش وهو أصغر منه، ونزعت من أذنيه القرطين. وكانت أم أونوجور بحيث تسمع، فأرسلت إلى محمد بن علي ينوب عنه ويدبر الأمور، فقال: على ألا أنزع الطيلسان، ويكون ابني أبو علي كاتبه، فاتفقوا على ذلك، وكان أبو المظفر عمه حاضرا ينتظر أن يرد الأمر إليه، فتم الأمر لأبي القاسم أونوجور. ولما أنفذ له الأمر قال أبو المظفر لمحمد بن مقاتل: نريد المال، قال: ما عندي مال، فأسمعه أبو المظفر، ووثب عليه أبو بكر ابن كلا ونتف لحيته وأخذ خصاه.
وقال أبو بكر محمد بن على الماذرائي: يطلق الساعة علي بن خلف بن طياب فاطلق له، وقال: ينفى ابن قرماقس إلى الإسكندرية، فنفى لوقته. وانصرف أبو بكر الماذرائي بين الحاضرين من أهل الدولة يزف إلى داره، ونظر فى الأمر كله. وركب أبو القاسم أونوجور يوم الجمعة لصلاة الجمعة في الجامع العتيق في جميع عساكره التي بمصر، وبين يديه عمه أبو المظفر يحجبه، وخلفه أبو بكر محمد بن علي الماذرائي وزيره، فصلى الجمعة، وانصرف في موكب أبيه.
стр. 277
- ٢٢ -
سيرة سيف الدولة
لأبي الحسن على بن الحسين الزراد الديلمي
стр. 278
فراغ
стр. 279
- ١ - (١)
[حديث وقعة قنسرين] : وسار الأمير سيف الدولة فلم يتبعه أحد من عسكر الإخشيد، وقطع الفرات من جسر منبج، وسار الإخشيد فنزل الرقه، ونزل سيف الدولة مقابل عسكر الإخشيد، ومشى الحسن بن طاهر [الشريف العلوي] في الصلح بينهما، واستقر على أن أفرج الإخشيد لسيف الدولة عن حلب وحمص وأنطاكية، وكان ذك في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين [يعني وثلاثمائة] .
- ٢ - (٢)
سنة ٣٤٤: وسار أبو العشائر الحسين بن علي بن حمدان من حلب إلى مرعش وسلمها إليهم وسار عنها فنزل على نهر يقال له حوريب، فجلس يشرب على النهر وسار سواده وبعض غلمانه فلم يشعر إلا بالروم قد أقبلوا عليه، فركب فرسه وركب أصحابه فطردهم الروم، وكان أبو العشائر قد ثمل من الخمر فغلبه السكر فسقط عن الفرس، فأدركه الروم فأسروه وحملوه إلى قسطنطينية.
стр. 280
- ٣ - (١)
سنة ٣٥٤: واجتمع في البلاط بالقسطنطينية من الأسارى الحمدانية نحو ثمانمائة رجل، منهم أبو العشائر وأبو فراس ومحمد بن ناصر الدولة [وذكر جماعة وقال] : وفادى [يعنى سيف الدولة] بأبي فراس وأبي العشائر ورقطاش وغيرهم [قال ابن العديم: هذا وهم من الديلمي فإن أبا العشائر توفي بالقسطنطينية فى حال الأسر] .
- ٤؟ ٥ - (٢)
وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة فيتكلمون بحضرته، وكان يحضره أبو إبراهيم الشريف وابن ماثل القاضي وأبو طالب البغدادي [واسمه أحمد بن نصر بن طالب] وغيرهم فوقع بين المتنبي وبين أبي عبد الله الحسين بن خالويه كلام، فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان معه ففتحه، وخرج دمه يسيل على ثيابه، وغضب ومضى إلى مصر فامتدح كافورا الإخشيدي.
стр. 281
شذرات من كتب مفقودة
في الأدب
- ٢ -
استخرجها وحققها
إحسان عباس
стр. 282
فراغ
стр. 283
- ٢٣ - (١)
كتاب المفاوضة
لأبي الحسن علي بن محمد بن نصر الكاتب
٣٧٢ - ٤٣٧/٩٨٣ - ١٠٤٦
стр. 284
فراغ
стр. 285
هو أخو عبد الوهاب بن محمد بن نصر القاضي المالكي المشهور (١) ، الذي يقول فيه أبو العلاء المعري حين زاره فى المعرة (٢) :
والمالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكا جدلا ... وينشر الملك الضليل إن شعرا وكان أبوهما محمد بن نصر قاضيا على بعض الأرباع ببغداد من غير تسمية بالقضاء (٣) .
ولد علي ببغداد وبها نشأ، واتجه نحو الأدب والترسل - في آخر المطاف - مثلما اتجه أخوه نحو الدراسات الفقهية، غير أنه قبل ذلك حصل ضروبا من الثقافة على شيوخ العصر، ومن أهم شيوخه فى النحو أبو الحسن الربعي (٤) وأبو الحسن الزعفراني البصري (٥) .