بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
١ - توطئة:
يقول الميداني في مقدمة كتابه " مجمع الأمثال " عند الحديث عن المصادر التي جمع منها كتابه: " فطالعت من كتب الأئمة الأعلام ما امتد في تقصيه نفس الأيام مثل كتاب أبي عبيدة وأبي عبيد، والأصمعي وأبي زيد، وأبي عمرو وأبي فيد، ونظرت فيما جمعه المفضل بن محمد والمفضل بن سلمة، حتى لقد تصفحت أكثر من خمسين كتاباً..... وذكرت في كل مثل من اللغة والإعراب ما يفتح الغلق، ومن القصص والأسباب ما يوضح الغرض ويسيغ الشرق مما جمعه عبيد بن شرية وعطاء بن مصعب والشرقي بن القطامي وغيرهم " (١) .
وإذا نحن تجاوزنا عما في هذا النص من ميل إلى السجع، ومن مستلزمات أخرى أوجبت بعض التقديم والتأخير، وحاولنا أن نعيد ترتيب هذه المصادر بحسب التاريخ الزمني وجدنا أن العناية بالأمثال نشأت في عهد مبكر، وكان من أول القائمين عليها؟ بين من ذكرهم الميداني؟ عبيد بن شرية الذي تحدثت المصادر عن صلته بمعاوية بن أبي سفيان؛ وقد ذكر له ابن النديم كتاباً في الأمثال (٢) وذكر من بين من روى عنهم علاقة بن كرشم (كريم في الفهرست) الكلابي ونسب له أيضاً كتاباً في الأمثال في نحو خمسين ورقة؛ وقد دلت نقول البكري في غير
стр. 2
موضع أنه ينقل عن كتاب ابن كرشم هذا (١) ؛ كذلك أشار البكري إلى الشرقي بين القاطمي في موضعين أحدهما في تفسير المثل " وافق شنّ طبقة " حيث انفرد الشرقي بتفسير مناسبة هذا المثل (٢) ، ولكن ليس هناك ما يدل دلالة قاطعة على أنه كان للشرقي كتاب مفرد في الأمثال، ولم يذكر له ابن النديم كتاباً بهذا الاسم، أما عطاء ابن مصعب فلم نجد أحداً تصدى لذكره غير الميداني، وإذا لم يكن في الاسم تصحيف أو تحريف فإنه يبدو أنه كان من تلك الطبقة المبكرة من الرواة التي اهتمت برواية ما تتصل به بعض الأمثال من أخبار وأساطير، ولولا أن ابن نديم ذكر أنه رأى كتاب ابن كرشم في الأمثال لقدرنا أن هؤلاء الثلاثة هم مصدر الأخبار الأسطورية لا غير، بل ربما ذهبنا إلى الظن بأن كتاب ابن كرشم إنما يمثل تصنيفاً متأخراً في الزمن جمعه شخص آخر أو تفرد بروايته.
وبعد هؤلاء يجيء طبقة ممن استع لهم باع التأليف في هذا الموضوع وهم أبو عمرو (ولعلّ الذي يعنيه الميداني هو أبو عمرو بن العلاء) (- ١٥٤) والمفضل بن محمد الضبي (- ١٧٠) وأبو فيد وهو مؤرخ بن عمرو السدوسي (- ١٩٣) وأبو عبيدة بن المثنى (- ٢١٠) والأصمعي عبد الملك بن قريب (- ٢١٣) وأبو زيد الأنصاري (- ٢١٥) ؛ وربما كان كتاب المفضل الضبيّ صورة شاملة لجهود الرواة الذين سبقوه، وذلك لأنه اهتم على وجه الخصوص بالأمثال التي تستند إلى أساطير وقصص؛ وكان كاتب أبي عبيد القاسم بن سلام (- ٢٢٤) توسيعاً لطبيعة المثل وتجديداً في تقسيم الأمثال بحسب الموضوعات، إذا قيس بما تم قبله (٣) ؛ وقد كثر التأليف في الأمثال بعد أبي عبيد وخاصة في القرن الثالث، فألف في الأمثال كلّ من ابن الأعرابي (- ٢٣١) وابن السكيت (- ٢٤٤) وابن حبيب (- ٢٤٨)
стр. 3
والجاحظ (- ٢٥٥) وابن قتيبة (- ٢٧٦) والمفضل بن سلمة (- ٢٩٠) ؟ الذي أفرده الميداني بالذكر دون الآخرين؟ وكتابه مطبوع باسم فاخر؛ وثعلب (- ٢٩١) .
٢ - هجرة كتب الأمثال إلى الأندلس:
نحن مدينون لأبي بكر ابن خير الاشبيلي بمعرفة عددٍ من كتب الأمثال المشرقية التي دخلت إلى الأندلس واشتغل بها طلاب العلم، وقد كانت هذه الكتب نوعين: نوع من الأمثال الواردة في القرآن والحديث؟ وليس من الضروري التصدي لذكرها هنا؟ ونوع في الأمثال عامة، وأهم ما وصل إلى الأندلس منها:
١ - أمثال المفضل بن محمد الضبي: وفي سند روايته نفطوية عن ثعلب عن الأحوال عن ابن الأعرابي عن الفضل (١) .
٢ - أمثال أبي زيد الأنصاري: وهو برواية أبي علي القالي عن أستاذه ابن دريد عن أبي محمد التوزي عن أبي زيد الأنصاري (٢) .
٣ - أمثال الأصمعي: وهو أيضاً برواية القالي عن ابن دريد عن أبي حاتم السجستاني عن الأصمعي (٣) .
٤ - أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى: وفي سنده أبو عبد الله اليزيدي عن أبي العباس ابن دينار عن سعدان بن المبارك عن أبي عبيدة؛ وقد دلنا ابن خير أن هذا الكتاب كان يسمى " المجلة في الأمثال " (٤) .
٥ - كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام (٥) .
стр. 4
هذا هو ما عده ابن خير، ولكن إشارات البكري في " فصل المقال " تدل على أنه طلع على كتب أخرى في الأمثال مما ألف قبل كتاب ابن سلام وبعده، إلا أنه ليس من السهل أن نقطع بأن البكري ينقل عن تلك الكتب، حين نجده يشير مثلاً إلى ابن السكيت والمفضل بن سلمة وغيرهما.
٣ - كتاب أبي عبيد ابن سلام في الأندلس:
جاء في مخطوطة فيض الله (رقم: ١٥٧٨) ؟ وهي التي رمزنا لها بالحرف (ف) " قال عليّ بن عبد العزيز كاتب أبي عبيد القاسم بن سلام: كتبت هذا الكتاب من نسخة أبي عبيد ﵀ بخط يده، وعارضت بها حرفاً حرفاً، ثم قرأناه على أبي محمد بن عاصم النحوي (- ٢٧٠) صاحب الفراء، فزادنا فيه أشياء ألحقتها في حواشي الكتاب؛ ثم قرأته على الزبير بن بكار (- ٢٥٦) وهو قاضي أهل مكة فكتبت أيضاً ما زادنا فيه ونسبت ذلك إليه "؛ وبعد نصف قرن وقعت هذه النسخة في يد أبي بكر ابن الأنباري (- ٣٢٧) فأضاف إليها تعليقات أخرى بخطه؛ هذه النسخة القيمة وصلت إلى الأندلس، وهناك مواضع عديدة في كتاب البكري تدل على أنه اطلع عليها وأفاد منها تعقبه لأبي عبيد ابن سلام (١) ؛ وقد أشرنا إلى ذلك في عدد من المواضع في الحواشي.
ويقول البكري في أول شرحه: " حدثنا أبو مروان ابن حيان قال: أخبرنا أبو عمر أحمد بن أبي الحباب، قال: أنبأنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: أنبأنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي قال: أنبأنا علي بن عبد العزيز وثابت ابن أبي ثابت قالا: أنبأنا أبو عبيد القاسم ابن سلام.
فلأبي عبيد القاسم بن سلام في نقل كتاب الأمثال تلميذان أهمهما علي بن عبد العزيز؛ وعن الاثنين معاً أخذ إبراهيم بن محمد بن عرفة الشهير بنفطويه
стр. 5
(- ٣٢٣) (١) وعن نفطويه أخذ الكتاب شيخ لغوية الأندلس أبو علي القالي (- ٣٥٦) (٢) وعن القالي أخذه تلميذه ابن أبي الحباب القرطبي (- ٤٠٠) (٣) وتلقاه عنه مؤرخ الأندلس أبو مروان ابن حيان (- ٤٦٩) .
وهناك ثلاث طرق أخرى في الأندلس لرواية كتاب الأمثال، أولاً: طريق ابن القوطية عن أبي الحسن طاهر بن عبد العزيز عن علي بن عبد العزيز نفسه، والثانية: طريق ابن الافليلي عن القاسم بن سعدان عن طاهر بن عبد العزيز عن علي بن عبد العزيز، والطريق الثالثة بسند يونس بن أحمد الحراني عن ابن أبي الحباب عن القالي عن ابن درستويه عن علي بن عبد العزيز (٤) ، فكل الطرق تنتهي إلى علي بن عبد العزيز، ويمكن تصويرها في الجدول الآتي:
يوجد هنا مخطط في ص ١١ في الكتاب.
стр. 6
ومن هذا الجدول يتبين أن الأندلس مدينة بإشاعة هذا الكتاب وحمله ونقله إلى رجلين هما: القالي وطاهر بن عبد العزيز (- ٣٠٤) وهذا الثاني رعيني قرطبي، رحل إلى المشرق والتقى بعلي بن عبد العزيز في مكة، ولم يقتصر على أخذ الأمثال عنه، بل روى أيضاً كتب أبي عبيد، وحين عاد إلى الأندلس سمعها الناس منه (١) وتاريخ وفاته يدل على أنه سبق القالي إلى تدريس كتاب الأمثال، وأثار حوله عناية كثير من المتأدبين. وقد ذكر البكري نفسه أن ابن عبد ربه قال: شهدت أبا محمد ابن بكار العامري الأعرابي في مجلس يزيد بن طلحة وكتاب الأمثال يقرأ؛ وأضاف أن العامري توقف عن المثل " شاكه أبا يسار ". كذلك فإن بن عبد ربه لخص كتاب الأمثال وأدرج هذا الملخص في كتاب العقد، وكل هذا تم قبل أن يصل القالي إلى الأندلس (٣٣٠هـ؟) إذ توفي ابن عبد ربه قبل ذلك بحوالي عامين.
واستمر الأندلسيون يولون كتاب أبي عبيد ابن سلام اهتماماً كبيراً في حياتهم الثقافية؛ إذ تسلسل الرواية بعد ابن القوطية حتى يصل الإسناد إلى الشلوبين في القرن السابع؛ وفي هذا القرن نفسه يحدثنا الرعيني في برنامجه أن ابن أبي عزفة سمع على أبي ذر الخشني كتاب الأمثال لأبي عبيد (٢) ، ويبدو أن أبا ذر الخشني هو المشار إليه في نسخة فيض الله بالحرف (خ) حيث كتب هنالك بعض التعليقات؛ وكل هذه الحقائق تشير إلى ما أحرزه كتاب ابن سلام من مقام في نفوس الدارسين الأندلسيين.
٤ - شرح البكري لأمثال أبي عبيد:
تتبع البكري (٣) بعض الأصول بالشرح والتعليق والنقد، هذا إلى جانب ما ألفه في موضوعات أخرى؛ وقد عرفنا من شروحه:
стр. 7
١ - اللآلي في شرح الأمالي، وقد نشر بعناية الأستاذ عبد العزيز الميمني.
٢ - التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه، وقد طبع ملحقاً بالأمالي.
٣ - كتاب صلة المفصول في شرح أبيات الغريب المصنف لأبي عبيد (١) .
٤ - فصل المقال في شرح الأمثال (أبي أمثالابي عبيد ابن سلام) وهو هذا الكتاب.
وقد بين البكري في فاتحة هذا الشرح منهجه في كتابه حين قال " أما بعد فإني تصفحت كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام فرأيته قد أغفل تفسير كثير من الأمثال فجاء بها مهملة، وأعرض عن ذكر كثير من أخبارها فأوردها مرسلة، فذكرت من تلك المعاني ما أشكل، ووصلت من تلك الأخبار بأمثالها ما فصل، وبينت ما أهمل ونبهت على ما ربما أجمل، إلى أبيات كثيرة غير منسوبة نسبتها، وأمثال جمة غير مذكورة ذكرتها، وألفاظ عدة من الغريب فسرتها "؛ وحين يتأمل القارئ هذا المنهج يجد أن البكري قد اضطلع بالتفصيل إذا وجد الاختصار غير واضح، وهذا التوضيح يتناول المعاني والأخبار، كما أنه قام بنسبة الشعر الذي أورده الملف الأول دون نسبة، وأضاف إلى ما ذكره أبو عبيد أمثالاً أخرى لم ترد في كتابه، واهتم بتفسير بعض الألفاظ الغربية.
وقد أتاح له منهج ابن سلام نفسه أن يقوم بهذا القدر من العمل، وبما هو أكثر منه، إذ كان كتاب الأمثال يميل إلى شيء من الإيجاز، ولا يحتفل كثيراً بإيراد قصة المثل على طولها؛ وكان ابن سلام أيضاً قليل الاكتراث؟ فيما يبدو؟ بنسبة الشعر إلى أصحابه، أما لداعي الإيجاز والاستعجال وإما لجهله قائل البيت أو المقطوعة من الشعر. فمن أمثلة جهله أن يقول عند رواية بيت مشهور لأبي خراش الهذلي " يقول شاعر في سالف الدهر "، ومنها أيضاً قوله عندما روى البيت "
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر وهذا البيت يقول بعضهم إنه لعثمان بن عفان. وعند هذا الموقف يغضب البكري فيقول معلقاً: كيف جهل أبو عبيد أن هذا البيت من شعر الأبيرد اليربوعي وهو أشهر من أن يجهله أحد فكيف يجهله أحد الجلة من العلماء بفنون العلم؟ وهكذا
стр. 8
كان شأن ابن سلام أيضاً في مواطن تستدعي التوقف في النسب أو في صحة الأسماء، فقد تعقبه البكري في كل ذلك، وأبان عن الوجوه الصحيحة، أو قرن برواية أبي عبيد رواية غيره من العلماء في التوجيهات اللغوية، وفي فهم الأمثال والنصوص. وخطأه أيضاً في فهمه بعض الأمثال، من ذلك ما ورد في تفسير المثل " سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة: فقد قال ابن سلام في تفسيره له: يقول لأن يزل الإنسان وهو عامل بوجه العمل وطريق الإحسان والعمل، خير من أن تأتيه الإصابة وهو عامل بالإساءة بالخرق، فقال البكري في تعليقه: " تفسير أبي عبيد يقتضيه لفظ المثل، ولا يصح عليه لأن الذي يعمل بوجه العمل وطريق الاستحسان ليس سيئ الاستمساك، كما أن العامل بالإساءة والخرق ليس بحسن الصرعة ".
ويشعر القارئ أحياناً أن البكري يتحكم في بعض التخريجات، ويأخذ على أبي عبيد ما يقع فيه غيره منت العلماء. فقد فسر ابن سلام المثل: " عند فلان من المال عائرة عين " بأن لديه من كثرة المال يملأ العين حتى يكاد يعورها، فقال البكري: " قبح الله كل مال يكاد يفقأ العين حين النظر ... الخ " ولو تمهل البكري لوجد أن علماء آخرين قبلوا هذا التفسير، وأن أبا عبيد لم يزد على أن اختار توجيه أبي عبيدة في فهم المثل. وقد يتجاوز التدقيق عند البكري حده الطبيعي المقبول في بعض الأحيان فيؤاخذ ابن سلام على أشياء لم يقلها؟ قال ابن سلام في المثل " قد نفخت لو تنفخ في فحم " إن هذا المثل الأغلب في شعره، فتعقبه البكري بقوله: " أما قوله نفخت لو تنفخ في فحم وهو في شعر الأغلب فليس ما أورده شعراً ولا رجزاً "؟ والحق أن أبا عبيد ابن سلام لم يقل إنه يورد شعراً أو رجزاً، وكل ما قاله أن هذا المثل ورد " في " شعر؟ وحقه أن يقول في رجز؟ للأغلب العجلي.
وقد مضى ابن سلام بدافع الإيجاز يحيل على أشياء ذكرها في كتابه غريب الحديث والغريب المصنف، مما جعل البكري يقف عند هذه المواطن ليشرحها منتقداً ابن سلام على موقفه هذا، لأن ابن سلام افترض أن قارئ كتابه لا بد من أن يكون قادراً على الرجوع إلى كتبه الأخرى.
وثمة صفة أخرى في ابن سلام أتاحت للبكري أيضاً مجالاً من القول، تلك هي تحرج أبي عبيد من ذكر بعض الأسماء، أو رواية بعض القصص، كقوله " وذكر
стр. 9
عند عمر بن الخطاب فلان، قال ذلك رجل وفيه دعابة " فعند ذلك يورد البكري القصة ويذكر الاسم الذي كنى عنه ابن سلام بكلمة " فلان "؛ وصفة التحرج غالبة على ابن سلام في مواطن متفرقة من كتابه، أما البكري فإنه لا يرى بأساً يذكر ما يستحي أبو عبيد من روايته.
وإذا اغتفرنا بعض هنات للبكري في تعقبه لأبي عبيد، وكلها مما يدل على اعتداد بالنفس، وجدناه قد أغنى شرحه بالتحقيقات الطيبة في اللغة والأنساب والشعر، وكان في شرحه هذا ذا شخصية قوية، كما كان في شرحه لأمالي القالي، واسع الإطلاع، جم المعارف وإن لم يخل من خطأ أو وهم. وقد تقيد بالشرح ولذلك فإنه لم يورد الأمثال التي لا يستطيع التعليق عليها أو التي لا تستحق منه تعليقاً، بل اختار منها ما يستطيع إخضاعه للتفسير والتعليق، ونحسب أن ما حذفه من الأمثال من أصل أبي عبيد أضعاف أضعاف ما زاده إليه أثناء الشرح لأنه في بعض الأحيان كان يغفل أبواباً كاملة. وعلى هذا فإن كتاب " فصل المقال " لا يضم إلا قدراً محدوداً من الأمثال، وكذلك كتاب أبي عبيد نفسه، لأن التبويب اتبعه مؤلفه يحدد طبيعة الأمثال التي أمكنه إدراجها فيه، ولهذا التقسيم عيوب ليس البكري مسؤولاً عنها، وإن التزم به في سياق شرحه.
وعلى ما لهذا من قيمة علمية فإننا لم نجد عدداً كبيراً من العلماء قد أفاد منه واستغل ما فيه. وكل ما نعرفه في هذه الناحية أن تلميذين لأبي عبيد البكري روياه عنه وهما: الوزير أبو بكر محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز اللخمي، ومحمد بن محمد بن عبد الرحمن القرشي المعروف بابن الأحمر، ونقل منه العيني مرة واحدة في قصة النعمان وسعد القرقرة (العيني ٤: ٥٥) وربما كان صاحب التاج أو شيخه مطلعاً على بعض ما جاء فيه، لأن هنالك إشارات إلى بعض تعليقات البكري وردوده.
стр. 10
تحقيق الكتاب
١ - نسخ الكتاب:
اعتمدنا في تحقيق هذه الطبعة من الكتاب على أربع نسخ:
(١) نسخة مكتبة لاله لي (رقم: ١٧٩٥) وقد رمزنا لها بالحرف (ص) ، وهي نسخة أصلها قديم يبدو، وتتألف من ١٦٠ ورقة، كتبت بخط نسخي، وفي كل صفحة من صفحاتها ٢١ سطراً، وربما كان أصلها يعود إلى القرن السابع أو الثامن، إلا أن الورقات (١؟ ٤٧) فيها قد فقدت من الأصل، فأعاد أحد النساخ كتابتها بخط يرجع إلى القرن الحادي عشر أو ما بعده، وبما أنها كانت أكمل نسختين موجودتين لدينا عند تحقيق هذا الكتاب أول مرة فقد اعتبرناها أصلاً، وهذا هو سرّ اختيار حرف (ص) رمزاً لها، ولكنها في الحقيقة لا تستحق هذا التقدير، لأنها مليئة بالأخطاء، وأكثر أخطائها يعود إلى جهل الناسخ (١) .
(٢) نسخة مكتبة الفاتح (رقم: ٤٠١٤) ومنها فيلم بمعهد المخطوطات بالجامعة العربية. ومن هذا المعهد حصلنا على صورة منها، عدد أوراقها ١٠٣ ومسطرتها ١٧ × ٢٢ سم (انظر فهرست المخطوطات المصورة رقم: ٦٣٤) ؛ وهذه
стр. 11
النسخة مكتوبة بخط مغربي رديء، يبدو عليه القدم، وهي ناقصة في عدة مواضع، وقد رمزنا لها بالحرف (ح) .
(٣) نسخة الاسكوريال (رقم: ٥٢٦) وقد رمزنا لها بالحرف (س) ، وتتألف من ١٦٥ ورقة، في كل صفحة ٢١ سطراً، ومسطرتها ٢٣ × ١٧. ٥، وخطها أندلسي جميل؛ والضبط فيها؛ بوجه عام، جيد، وقد سقطت منها افتتاحية المؤلف، وقسمة الكتاب في أبواب، وجاء في آخرها: " تم فصل المقال في شرح الأمثال لأبي عبيد الله ابن سلام بتفسير غريبه ومعانيه وذكر الأمثال الواقعة فيه لأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري، ﵀، والحمد لله على معونته، وصلى الله عليه وسلم "؛ وليس هناك تاريخ للنسخ.
(٤) نسخة الرباط (رقم: ١٥٨ ق) وقد رمزنا لها بالحرف (ط) وهي في ١٩٥ صفحة، في كل صفحة ١٩ سطراً، ومسطرتها ٢٠. ٥ × ١٦. ٥ وخطها مغربي دقيق، وهي النسخة الوحيدة التي تحمل تاريخاً، فقد جاء في آخر ورقة من أوراقها " وكل الفراغ منه في الموفي عشرين من شهر شعبان من سنة ثمان وستمائة "، وعلى هذا فربما كانت أقدم نسخة بين هذه الأصول الأربعة؛ إلا أن الورقتين اللتين تحويان المقدمة وتقسيم الكتاب إلى فصول قد سقطتا منها. تلك هي النسخ التي اعتمدنا عليها من شرح البكري نفسه، ولكنا زيادة في التدقيق، رأينا أن الأصول المشروح وهو كتاب القاسم بن سلام في الأمثال لا بدّ من أن يكون بين أيدينا لدى القيام بالتحقيق، ولهذا يمكن أن يقال إنه كانت لدينا نسخة خامسة اعتمدناها، وربما كانت من أهم ما اعتمدناه:
(٥) كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام، نسخة فيض الله (رقم: ١٥٧٨) وقد رمزنا لها بالحرف (ف) ، وهي تقع في ٨٩ ورقة، يضاف إليها ورقة واحدة ليست من صلب الكتاب، وهي مكتوبة أيضاً بخط مغربي، وفي كل صفحة ١٩ سطراً، وهي جيدة الضبط والشكل، وعلى هامشها تعليقات مفيدة، وقد نقلت تلك التعليقات مع الأصل نفسه عن نسخة بخط علي بن عبد العزيز تلميذ ابن سلام وصححت على أصل المؤلف، ثم قرأها أبو بكر ابن الأنباري وكتب فيها حواشي بخطه، وللمهلبي اللغوي فيها حواش أخرى كتبها ابن
стр. 12
الأنباري جميعها بخطه من قراءته على أبي العباس الأحول اللغوي، ولعل الأصل المشار إليه هو الذي اطلع عليه ابن السيد البطليوسي (سنة ٥١٧) وعليه قرأه الفقيه المشاور أبو الحسن ابن النعمة، كما تدل الورقة الأولى من هذه النسخة؛ وليس في مقدورنا أن نغالي في تقدير قيمة هذه المخطوطة الهامة عندما قمنا بالتحقيق، ولكن يكفي أن نقول إنها كانت مرجعنا الأكبر عند قيام إشكال أو تعارض بين النسخ، كما أن هومشها كانت مصدراً لفوائد جليلة.
٢ - منهجنا في التحقيق:
إن دراسة النسخ الأربع التي اعتمدناها في التحقيق تدل على أننا أمام فئتين متفاوتتين من الأصول؛ الفئة الأولى تمثلها النسختان ص ح، فهما؟ وخاصة في الثلث الأول من الكتاب؟ تتفقان في زيادات كثيرة، لا وجود لها في النسختين الأخريين، ويبدو أن هذه الزيادات إنما كانت استداداً من أصل ابن سلام نفسه للتوضيح، وأنه لم يكن للبكري يد فيها؛ كذلك فإن هاتين النسختين تتفقان فيما ينقصهما عند المقارنة بالنسختين الأخريين؛ أما الفئة الثانية فتتمثل في النسختين س ط، رغم ما قد يكون بينهما من تفاوت، نعم إن القراءات في كلتا النسختين قد تكون أحياناً متباعدة، مما يدل على أنهما تنتميان إلى أصلين مختلفين، ولكن تلك الفروق جزئية، وليس بين النسختين اختلاف كبير في السياق العام نفسه. وعلى هذا وجدنا أنه لا بد لنا الأخذ بالأمور الآتية:
١ - أنه ليس هناك " نسخة أمّ " تتخذ حكماً عند التباين بين النسخ.
٢ - أن زيادات ص ح قد وضعت في المتن بين قوسين بهذا الشكل
٣ - أن زيادات س ط قد وضعت بين معقفين هذه صورتهما []
٤ - أننا حذفنا كثيراً من الفروق التي انفردت بها ص، لأنها في الأساس تعود إلى جهل الناسخ، وما كان خطأً واضحاً لا لبس فيه فلا يصح أن يثبت في الحواشي.
٥ - أن ما زدناه من النسخة (ف) ؟ وهي أصل أبي عبيد ابن سلام؟ وضع بين
стр. 13
قوسين، هذه صورتهما () ؛ ولكنا في هذه الطبعة الثانية حذفنا من الزيادات التي أدرجناها من (ف) في الطبعة الأولى شيئاً كثيراً، لأن أصول فصل المقال؟ في هذه الطبعة الثانية؟ قد أصبحت تمكننا من الحسم في كثير من الأمور، دون الاعتماد الكبير على نسخة (ف) .
٦ - أن هناك فروقاً كثيرة في القراءات قد أغفلناها لأنها لا تغير كثيراً في المبنيى والمعنى؛ ومن ذلك الأدعية مثل " ﷺ " و " ﵁ " و " ﵀ "، فقد اتبعنا فيها منهجاً مناسباً، وإن تفاوتت النسخ في ذلك، كذلك قد نجد تفاوتاً بين النسخ في أمور صغيرة مثل " ومنه قولهم " بدلاً من " منه قولهم " وما أشبه من فروق مثل " وقال " " فقال "؟ ولو أنا أردنا أن نشير إلى أمثال هذه الخلافات في كل موطن لأثقلنا الحواشي بأمور لا ضرورة لها؛ كذلك فإنا على تمام الشعور بالمسؤولية العلمية حين نقول: إن الأخطاء التي لا تتحمل تأويلاً إلى جانب الصحة المحتملة يجب أن يغفل إثباتها، لأن ذلك يعد إثقالاً على القراء، دون ما داعٍ يدعو لذلك.
٣ - شكر وتقدير:
حين أصدرنا الطبعة الأولى من هذا الكتاب (سنة ١٩٥٨) كان لجامعة الخرطوم الفضل الكبير في طبعه على نفقتها، تشجيعاً منها لإحياء التراث العربي، وتقديراً لعمل أستاذين من أساتذتها، وأظن أن كرور الأيام، لن ينسينا الاعتراف بالجميل لتلك الجامعة، ولما أدته في خدمة العلم؛ وقد حرصت الجامعة يومئذ أن يكون عملنا مسدداً بإرشاد عالم طويل الباع في ميدان التحقيق وفي سعة الاطلاع، وذلك هو صديقنا الأستاذ محمود شاكر الذي قرأ الكتاب قبل دفعه للمطبعة، وأرسل إلينا بتعليقات كثيرة مفيدة، أثبتنا ما يحتاج إليه القارئ منها في هوامش الكتاب؛ وقد عانينا في طبع الكتاب؟ في الخرطوم؟ ما لا قبل لنا بتصويره، ولم تستطع غيرتنا العلمية أن تبرئه من أخطاء، كنا نحن أشد الناس ألماً لوقوعها فيه، حتى لقد قلنا حينئذ في تقديم تلك الطبعة: " غير أن نقص الوسائل عامة، اضطرنا إلى قبول الأمر الواقع آسفين، فقد امتلأ الكتاب بالأخطاء، مع حرصنا على تصفيته منها ".
стр. 14
أما اليوم، فإننا نستطيع أن نقول بكل تواضع إننا نتقدم بالكتاب وهو لا يشكو من تلك العثرات، ويعود جانب كبير من الفضل في ذلك إلى صديقي العالم المحقق الأستاذ أحمد راتب النفاخ الذي أولى هذا الكتاب عناية خاصة، وقدم إليّ صوةرة من مخطوطة الاسكوريال لأستعين بها في العمل، وكانت أريحيته دائماً عوناً كبيراً لي في ما قمت به من تحقيقات. ولا أنس فضل أخ كريم هو الأستاذ مجير العمري الذي يعمل على إحياء التراث بغيرة صادقة، فهو الذي اضطلع بعبء هذا الكتاب، حتى خرج على النحو الذي يرتضيه المحقق والقارئ؛ فلهذين الصديقين شكري وتقديري.
ولما تيسر لي إعادة النظر في الكتاب على ضوء مخطوطتين جديدتين أستأذنت صديقي الدكتور عبد المجيد عابدين في إعادة طبعه، فأذن في ذلك، ولم يكن في مقدوري أن أعرض عليه ما تمّ في هذا العمل لتباعد المسافة فيما بيننا، ولكنه أولاني مشكوراً ثقته، فعملت بوحي من هذه المسئولية في جميع أجزاء الكتاب، حتى انني أعدت النظر في المقدمة، ووضعتها على نحو جديد، مستفيداً من المعلومات التي وردت في مقدمة الطبعة الأولى، وقد حذفت منها ما كان مكرراً أو ما ظننته إمعاناً في التفصيلات، لا يفيد القارئ منه كثيراً.
والله أسأل أن يوفقنا جميعاً ويسدد خطانا بمنه وكرمه.
بيروت في ٤ ذي الحجة ١٣٩٠
٣٠ - كانون الثاني (يناير) ١٩٧١ إحسان عباس
стр. 15
فصل المقال
في شرح كتاب الأمثال
стр. 16
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ولي الحمد وأهله، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وصفوته من رسله.
أما بعد: فإني تصفحت كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام فرأيته قد أغفل تفسير كثير من تلك الأمثال فجاء بها مهملة، وأعرض أيضاً عن ذكر كثير من أخبارها فأوردها مرسلة، فذكرت من تلك المعاني ما أشكل، ووصلت من تلك الأمثال بأخبارها ما فصل، وبينت ما أهمل، ونبهت على ما ربما أجمل، إلى أبيات كثيرة غير منسوبة نسبتها، وأمثال جمة غير مذكورة ذكرتها، وألفاظ عدة من الغريب فسرتها، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقد رتبته على عشرين باباً يتفرع منها أبواب في محالها:
الباب الأول: في حفظ اللسان، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الثاني: في معايب المنطق، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الثالث: في جماع أحوال الرجال واختلاف نعوتهم وأحوالهم، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الرابع: في تعاطف ذوي الأرحام وتحنن بعضهم على بعض، ويتفرع منه أبواب.
الباب الخامس: في مكارم الأخلاق، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب السادس: في الجود والمجد.
الباب السابع: في الخلة والصفاء، ويتفرع منه أبواب في معناه.
стр. 17
الباب الثامن: في المعاش والأموال، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب التاسع: في العلم والمعرفة، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب العاشر: في شواهد الأمور الظاهرة على علم باطنها، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الحادي عشر: في الحوائج، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الثاني عشر: في الظلم، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الثالث عشر: في المعايب والذم، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الرابع عشر: في الخطأ والزلل في الأمور، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الخامس عشر: في البخل وصفاته وأشكاله، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب السادس عشر: في صنوف الجبن وأنواعه، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب السابع عشر: في مرازي الدهر، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب الثامن عشر: في الجنايات، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب التاسع عشر: في منتهى التشبيه، ويتفرع منه أبواب في معناه.
الباب العشرون: في اللقاء والنفي للناس والطعام، ويتفرع منه أبواب في معناه.
فأقول: حدثنا أبو مروان ابن حيان، قال: أخبرنا أبو عمر أحمد بن أبي الحباب قال: أنبأنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: أنبأنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي قال: أنبأنا علي بن عبد العزيز وثابت بن أبي ثابت قالا: أنبأنا أبو عبيد القاسم بن سلام الخزاعي قال: هذا كتاب الأمثال وهي حكمة العرب في الجاهلية والإسلام، وبها كانت تعارض كلامها فتبلغ بها ما حاولت فيها (١) .
ع: المعارضة هنا من الذي ورد: في المعارض مندوحة عن الكذب (٢) ،
стр. 18
وهي الكلام الذي يفهم عنك منه خلاف ما تضمره لاحتماله معنيين، وهذا هو اللحن عند العرب، تقول: لحنت له لحناً، إذا قلت له قولاً يفهمه عنك ويخفى على غيره، وقد لحنه إذا فهمه، وهو الذي أراد مالك بن أسماء بن خارجة بقوله (١) :
وحديثٍ ألذه هو مما ... تشتهيه النفوس يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... ناً، وخير الحديث ما كان لحنا أي تعرض به في حديثها وتزويه (٢) عن جهته لئلا يفهمه الحاضرون.
ومن المعارض ما روي عن النبي ﷺ (٣) أنه حين هاجر إلى المدينة مخفياً لشأنه عن قريش نزل منزلاً، فمر به قوم يؤمون مكة ومعه أبو بكر، فقال لهما القوم: من أين أنتما؟ قال رسول الله ﷺ : نحن من ماء من المياه، فقال القوم: هما من بعض مياه العرب. وإنما أراد النبي ﵇ قول الله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماءٍ دافق﴾ (الطارق: ٥) فلحن لهم بذلك ليخفى أمره، وصدق كما قال ﵇: إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً. وقال لامرأة من العرب (٤) : " إن الجنة لا تدخلها العجز " ففزعت وبكت، أراد النبي ﵇ قوله تعالى: ﴿إنا أنشأناهن إنشاءً، فجعلناهن أبكاراً، عرباً أتراباً﴾ (الواقعة: ٣٦) ، وأهل الجنة أجمعون/ شبان لا يهرمون (٥) .
стр. 19
وحضر باب عبد الملك بن مروان (١) ناس من العرب فيهم تميمي ونميري، فمر عليهم رجل يحمل بازياً، فقال التميمي للنميري: انظر ما أحمق (٢) هذا البازي، ففهم النميري ما أراد فقال له: نعم، وهو يصيد القطا:
أراد التميمي قول جرير (٣) :
أنا البازي المطل على نميرٍ ... أتيح من السماء له انصبابا (٤) وأراد النميري قول الطرماح (٥) :
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت قال أبو عبيد: وكان ما دعانا إلى تأليف هذا الكتاب وحثنا عليه ما روينا من الأحاديث المأثورة عن النبي ﷺ (٦) .
стр. 20
ع: المأثورة هي المحمولة المروية، يقال هذا الحديث مأثور عن فلان، وهو يأثره عنه أي يحمله ويحكيه، وهو معنى قول الله تعالى: ﴿أو أثارة من علم﴾ (الأحقاف: ٤) وروى الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال (١) : سمعني النبي ﷺ أحلف بأبي فقال: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " فما حلفت بها ذاكراً ولا آثراً (٢) ، يعني أنه لم يأثر ذلك عن غيره، أي يحيكه عنه، لئلا يجري على لسانه. وقال الأعشى (٣) :
إن الذي فيه تناويتما ... بين للسامع والآثر قال أبو عبيد: ومن أمثاله أيضاً قوله ﷺ (٤) : " مثل المؤمن كمثل الخامة من الرزع تمليها الريح مرةً هاهنا، ومرةً هاهناك، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على الأرض حتى يكون انجعافها مرة ".
ع: لفظ الحديث (٥) تمليها الريح مرة هكذا ومرة هكذا، ويروى: تفيئها؛ والخامة: الغضة (٦) من الزرع أول ما تستقل على ساق، وألفه (٧) منقلبه عن ياءٍ.
стр. 21
وقال أبو عبيد: هي الغضة (١) الرطبة، وأنشد (٢) :
إنما نحن مثل خامة زرعٍ ... فمتى يأن يأت محتصده والبيت للطرماح، أخذه ابن مناذر (٣) فقال:
وأرانا كالزرع يحصده الده؟ ... ر فمن بين قائمٍ وحصيد
وكأنا للموت ركب مخبو ... ن سراعاً (٤) لمنهل مورود والأرزة: شجرة معروفة وهي من أصلب الخشب؛ قال أبو عبيد: وأهل العراق يسمونها الصنوبر، وإنما الصنوبر ثمر الأرز. والمجذية: الثابتة القائمة، وكل ثابت على شيء فقد جذا عليه وأجذى، قال الشاعر (٥) :
إذا شئت غنتني دهاقين قريةٍ ... وصناجة تجذو على كل منسم والانجعاف: السقوط والانقلاع معروف، يقال جعفت الرجل: إذا صرعته؛ ومعنى الحديث، والله أعلم، أنه شبه المؤمن بالخامة التي تمليها الريح لأنه مرزأ في نفسه وأهله، وولده وماله، وأما الكافر فمثل الأرزة التي لا تمليها الريح، والكافر لا يرزأ شيئاً حتى يموت، وإن رزئ لم يوجد عليه (٦) ، فشبه موته بانجعاف تلك حتى يلقى الله بذنوبه كملا؛ ويروى حتى يكون انخعافها مرة، بالخاء المعجمة، والانخعاف والانخفاع: الضعف من جوع أو مرض (٧) .
стр. 22
قال أبو عبيد: ومنها قوله: ﷺ حين ذكر الفتن والحوادث التي تكون في آخر الزمان، فقال له حذيفة بن اليمان: أبعد هذا الشر خير؟ فقال: " هدنة على دخن وجماعة على أقذاءٍ "؛ (١) >. قال أبو عبيد: فقد علم أن الأقذاء إنما تكون في العين أو في الشراب، وأن الدخن إنما يكون (٢) من الدخان، فجعل ذلك رسول الله ﷺ مثلاً لنغل القلوب وما فيها من الضغائن والأحقاد.
ع: الدخن ليس في معنى الدخان كما قال أبو عبيد، وإنما الدخن فساد في القلب عن باقي عداوة، وبهذا فسر حديث النبي ﷺ ، ولا مدخل هنا لاستعارة الدخان، والدخن لغة في الدخان وكذلك الدخ، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لابن صياد: " قد خبأت لك خبئاً فما هو؟ قال: الدخ. فقال رسول الله ﷺ إخسأ فلن تعدو قدرك " وكان قبض من دخان مر به بيده. وقال الداوودي: ويقال إنه خبأ له سورة الدخان.
قال أبو عبيد: ومنها حديثه ﷺ حين ذكر الدنيا وزينتها فقال: " وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم " (٣) أو جمال فقد تؤول بصاحبها إذا سلك بها غير القصد إلى سوء المغبة، كما أن آكلة الخضر من الماشية إذا لم تقصد في مراعيها آل بها ذلك إلى أن تستوبله (٤) حتى تحبط منه بطونها فتهلك> (٥) .
стр. 23
ع: فسره أبو عبيد ولم يبين معنى الحبط، وهو داء يصيب الماشية عن كثرة أكل الكلأ حتى تنتفخ بطونها فتمرض عنه. يقال منه: حبط بكسر الباء، يحبط بفتحها، حبطاً بفتح الباء أيضاً، فهو حبط، والحبط: لقب الحارث بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وهو أبو الحبطات، قيل إنه لقب بذلك لعظم بطنه، وقيل إنه (١) كان في سفر فأصابه مثل هذا، وقوله: أو يلم، معناه أو يدني من الموت. قال الشاعر (٢) :
وزيد ميت كمد الحبارى ... إذا زارت قريبة أو ملم أي مقارب للموت (٣) .
قال أبو عبيد: ومنها قوله ﷺ لأبي سفيان بن حرب: " أنت يا أبا سفيان: كما قيل: كل الصيد في جوف الفرإ " أي إنك في الرجال كالفرإ في الصيد، وهو الحمار الوحشي، قال له ذلك يتألفه على الإسلام.
ع: استأذن أبو سفيان على رسول الله ﷺ فتأخر أذنه فلما دخل عليه قال: ما كدت تأذن لي حتى أذنت لحجارة الجلهتين، ويروى الجلهمتين (٤) ، فقال له رسول الله ﵇ هذه المقالة استئلافاً له، وقد روي أن رسول الله إنما قال
стр. 24
هذا المثل لأبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب لا لأبي سفيان ابن حرب. وأصل هذا المثل فيما ذكر أبو عبيدة أن قوماً خرجوا يصيدون، فصاد أحدهم ضباً، وصاد الآخر يربوعاً، وصاد الثالث أرنباً، فجعلوا يفخرون بما صادوا وجاء أحدهم قد صاد جحشاً فقال: كل الصيد في جوف الفرا، قصور على مثال فرع وجمعه فراء بالمد على مثال فراع، قال الشاعر (١) :
بضربٍ كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإيزاغ المخاض تبورها (٢) وقد تغفل الأصمعي أبا عمرو الشيباني فقال له (٣) : ما معنى قول الشاعر:
" بضربٍ كآذان الفراء فضوله ": ... وجعل يجر يده على فراء كانوا يجلسون عليها، فقال: هي هذه، فقال له الأصمعي: أخطأت يا أبا عمرو.
قال أبو عبيد: ومنها قوله ﵇ حين ذكر الضرائر قال (٤) : " ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفيء ما في صحفتها "، فقد علم أنه لم يرد الصفحة خاصة، إنما جعلها ثلاً لحظها من زوجها (يقول: إنه إذا طلقها لقول هذه كانت قد أمالت نصيب صاحبتها إلى نفسها) .
ع: يروى هذا الحديث لتكتفيء ما في صحفتها ولتكفأ ما في صحفتها، ويروى ما في إنائها، يقال: كفأت الإناء أكفؤ كفأ إذا قلبته، ويقال أيضاً
стр. 25
أكفأته، وكفأته أفصح، وأكفأت في الشعر لا غير، إذا قلت شيئاً مرفوعاً وآخر مخفوضاً.
وهذا حديث صحيح، رواه مالك (١) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها، ذكر ذلك في باب جامع ما جاء في القدر، والعرب تضرب انكفاء وإراقته مثلاً لخلو موضع صاحبه بذهاب أو موت، قال الأعشى (٢) :
رب رفدٍ هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشرٍ أقتال الرفد: القدح العظيم، يقول: قتلت أربابها فكانت تلك إراقتها، وقيل إنه أراد ذهبت بإبلهم فصرفت أقداحهم من اللبن.
وقال أبو قردودة يرثي ابن عمار وكان حذره صحبة النعمان بن المنذر، فقال لما قتله النعمان (٣) :
يا جفنةً كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقاً مثل وشي اليمنة الحبره وهو معنى قول امرئ القيس في أحد الوجهين (٤) :
فأفلتهن علباء جريضاً ... ولو أدركنه صفر الوطاب
стр. 26
قال النمر بن تولب (١) :
فإن ابن أخت مصغىً إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بابٍ جلد (٢) فضرب إصغاء الاناء للهضيمة والوضيعة.
قال أبو عبيد: ومنها قوله ﵇ حين ذكر الغلو في العبادة فقال: " إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى " يقول إن هذا الذي كلف نفسه فوق طاقتها من العبادة، بقي حسيراً كالذي أفرط في إغذاذ السير حتى عطبت راحلته ولم يقض سفره.
ع: أورد أبو عبيد هذا الحديث محذوف الصدر وبه يفهم معناه: روى غير واحد عن ابن المنكدر عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفقٍ ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ".
يقال: أوغل في الأرض يوغل إيغالاً إذا أبعد، ووغل بين الشجر إذا توارى يغل وغولاً، وكذلك إذا دخل بين قوم ليس منهم، وبذلك سمي الواغل وهو الذي يشرب مع القوم ولا ينفق ويقال لشربه الوغل، قال الشاعر (٣) :
إن أك مسكيراً فلا أشرب ال؟ ... وغل ولا يسلم مني البعير
стр. 27
وقد يسمى الواغل أيضاً وغلاً، وقال الآخر (١) :
فجاء بها كيما يوفي حجة ... نديم كرامٍ غير نكسٍ ولا وغل وقال امرؤ القيس في الواغل (٢) :
فاليوم أشرب غير مستحقبٍ ... إثماً من الله ولا واغل وكل منقطع منبت، والبت: القطع، قال الشاعر (٣) :
فبت حبال الوصل بيني وبينها ... أزب ظهور الساعدين عذور والعذور: السيء الخلق. ومن هذا قولهم: طلق ثلاثاً بتاً امرأته.
قال أبو عبيد: (٤) ومنه قوله ﷺ : " إياكم وخضراء الدمن " قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت لسوء "؛ (٥) فقد علم أنه ليس هناك قيد، ولكنه جعل منع الايمان إياه تقييداً، ثم قال: " الحرب خدعة ".
стр. 28
رأينا في الحاشية على كتاب الأمثال بخط المهلبي ما صورته: قال أبو محمد سلمة (١) من قال الحرب خدعة فمعناه أنه من خدع خدعةً فزلت قدمه عطب، فليس له إقالة، ومن قال خدعة أي أنها تخدع أهلها، ومن قال خدعة فهي تخدع، وإذا خدع أحد الفريقين صاحبه فكأنما خدعت هي.
قال أبو عبيد الله الزبيري: هي عندنا خدعة، وحدثنا قال: حدثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال سمعت رسول الله عليه الصلاة السلام يقول: الحرب خدعة، قلت: أتراها محكية؟ قال: نعم> (٢) .
ع: الدمن جمع دمنة وهي المواضع الذي يجتمع فيه الغنم، فتتلبد فيه أبوالها وأبعارها، وقد دمنت الغنم المكان تدميناً إذا بولت فيه وبعرت، فضرب النبي ﷺ الدمنة مثلاً لخبث المنبت، وجودة النبات مثلاً لحسن المرأة، وكانت العرب تقول في النهي عن مثل هذا المنكح: لا تنكحها حنانة ولا منانة ولا أنانة ولا عشبة الدار ولا كية القفا (٣) ، فعشبة الدار هي خضراء الدمن، لأن السوام من الإبل والبقر والغنم وغيرها إنما يكون مراحها بأفنية الدور، ومعنى حنانة أن يكون لها ولد من غيرك فهي تحن إليه، ومعنى أنانة أنها تئن شوقاً إلى زوجها الأول، ومعنى منانة أنها تملك عليك بمالها، ومعنى كية القفا أن زوجها يمر بالقوم فإذا وليّ قال أحدهم: فعلت بامرأة هذا، وكان من شأن امرأة هذا كذا (٤) .
стр. 29
قال أبو عبيد: وقال أيضاً ﷺ (١) : " إن من البيان لسحرا ".
ع: لما سأل النبي ﵇ عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر فقال: هو مانع لحوزته، مطاع في أدنيه، فقال الزبرقان: أما إنه قد علم أكثر مما قال: ولكن حسدني شرفي، فقال عمرو: أما إذ قال ما قال فوالله ما علمته إلا ضيق الصدر، زمر (٢) المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى. فلما رأى أنه قد خالف قوله الآخر قوله الأول، ورأى الانكار في عيني رسول الله، عليه أكمل التحية (٣) ، قال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما ذكبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى. فقال النبي ﵊: إن من البيان لسحراً. والناس يتلقون هذا الحديث على أنه في مدح البيان ويضمنونه كتبهم على هذا التأويل، وتلقاه العلماء على خلاف ذلك: بوب مالك (٤) ﵀ في موطأ " باب ما يكره من الكلام " ثم ذكر عن زيد بن أسلم أنه قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما فقال التبي ﵇: " إن من البيان لسحراً "، أو إن بعض البيان لسحر، وهو الصحيح في تأويله لأن الله تعالى قد سمى السحر فساداً فقال: ﴿ما جئتم به السحر إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ (يونس: ٨١) .
قال أبو عبيد: ومنها قوله في أهل الإسلام وأهل الشرك: " لا تتراءى ناراهما "
ع: أول هذا الحديث: " أنا بريء من كل مسلمٍ مع مشركٍ، لا تتراءى
стр. 30
ناراهما ". معناه بريء من كل مسلم يوالي مشركاً، وقوله: لا تتراءى ناراهما جملة مستأنفة منقطعة مما قبلها، ولفظها لفظ الخبر، ومعناها الإلزام والنهي كما قال زهير (١) :
القائلين يساراً لا تناظره ... عشاً لسيدهم في الأمر إذ أمروا (٢) أراد: لا تناظره، وجعل النهي للنار، وهو يريد أهلها، كما قال النبي ﷺ وقد نظر إلى جبل أحد: " هذا جبل يحبنا ونحبه " وهو يريد أهله (٣) . وفي هذا الحديث وجوه من التأويل، أحدهما: أن معناه لا يستوي حكماهما. وقال بعضهم: معناه أن الله قد فرق بين دار الإسلام ودار الكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا ناراً كان منهم بحيث يراها. وذكر بعض أهل العلم واللغة قال (٤) : معناه لا يتسم مسلم بسمة المشرك، ولا يتشبه به في هديه وشكله، والعرب تقول: ما نار بعيرك؟ أي ما سمته، ومنه هذا قولهم: نجارها نارها أي ميسمها يدل على كرمها وعتقها. قال الراجز (٥) :
قد سقيت آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار يقول: لما عرفت سماتها سقيت لكرامة أهلها وعزهم.
قال أبو عبيد: وقال ﵇: " للعاهر الحجر "، وقال: " لا ترفع عصاك عن أهلك "، فقد علم أنه لم يرد ضربهن بالعصا، إنما هو الأدب. وكذلك الحجر، إنما معناه أنه لا حق له في نسب الولد.
стр. 31
ع: قال النبي ﵇ (١) : " الولد للفراش وللعاهر الحجر "، والفراش: الأم، يقال للنساء: المفارش، وفلان كريم المفارش أي كريم النساء، والعاهر: الزاني، والعَهْر والعَهَر والعهارة: الزنا، وللعاهر الحجر أي الخيبة، أي لا حظ له في الولد، يقال للخائب من الشيء يريده أو لمن يدعى عليه بالخيبة: بفيه الحجر وبفيه الكثكث والأثلب، أي التراب، وقال حميد بن ثور (٢) :
جلبانة ورهاء تخصي حمارها ... بفي من بغى خيراً لديها الجلامد وقال آخر:
بفيك مما طلبت الترب والحجر ... قال أبو محمد: لم يرد ﵇ أن يدفع إلى العاهر حجر، وإنما يريد أنه لا شيء له إلا ما يهينه ولا ينفع، فقيل له إذا طلب الولد: الحجر لك. قال: وعلى هذا يتأول قوله ﷺ : " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " معناه: أن يقال للمادح بالباطل: بفيك التراب، وعلى معنى التغليظ عليهم، والعصا كناية عن الأدب كما قال أبو عبيد، قال الراعي يصف راعيه (٣) :
ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أقحل الناس إصبعاً يعني أنه لين عليها، رفيق بها، وهو معنى قول النبي ﷺ في أبي جهم: لا يرفع عصاه عن أهله (٤) .
стр. 32
وتفاخر رجلان من بني هلال يصفان النعم فقال أحدهما: والذي لا إله إلا هو ما تخذت (١) فيها عصاً قط غير هذه منذ شببت، ولا فارقتني فما انكسرت، قال له صاحبه: تعسفت بها (٢) ، والذي لا إله إلا هو ما اتخذت فيها عصاً غير يدي.
وقال الراجز:
دعها من الضرب وبشرها يدي ... ذاك الذياد لا ذياد بالعصي وقوله: " ترى له عليها إذا ما أقحل الناس أصبعاً " يعني أثراً حسناً يدل على حسن رعيته.
قال أبو عبيد (٣) وفي حديث مرفوع (٤) : " وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ".
ع: هذا من حديث شعبة (٥) عن الحكم (٦) ، سمعت عروة بن النزال يحدث عن معاذ بن جبل، قال: قلت يا رسول الله، إنا لنؤاخذ بما نتكلم به (٧) ؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ " قال الخليل: ويروى حصاة ألسنتهم.
стр. 33
الباب الأول
في حفظ اللسان
١ - باب المثل في حفظ اللسان.
قال أبو عبيد: ومنها قول شداد بن أوس الأنصاري (١) : " ما تكلمت
стр. 34
بكلمةٍ منذ كذا وكذا حتى أخطمها وأمها ".
(١) .
ع: الزمام: ما تزم به الناقة عند المشي؛ والخطام ما تخطم به عند الامساك، فالخطام غير الزمام: قال امرؤ القيس في الزمام (٢) :
فقلت لها سيري وأرخى زمامه ... ولا تعبدينا من جناك المعلل قال أبو عبيد: ومنها قول عمر بن عبد العزيز " التقي ملجم ".
ع: ضرب اللجام للتقي مثلاً، لأن التقي يمنعه من الكلام فيما لا يعنيه كما يمنع اللجام الدابة من الأخذ فيما لا يعني راكبها. قال الشاعر (٣) :
خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام
стр. 35
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
إنما السالم من أل؟ ... جم فاه بلجام ٢ - باب حفظ اللسان لما يخاف على أهله
قال أبو عبيد:؛من أمثالهم في هذا مقالة أكثم بن صيفي التميمي " مقتل الرجل بين فكيه " يعني لسانه، والفكان: اللحيان>. وقال بعض العرب لرجل وهو يعظه في حفظ لسانه " إياك أن يضرب لسانك عنقك "
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثاً مغيرا> ع: هكذا أورد أبو عبيد هذا الكلام وإنما هو " إياك وأن يضرب.. " بالواو، كما ورد في الحديث: إذا بلغ الرجل السبعين فإياه وايا الشوارب، وانظر عبد الله المعتز هذا المثل فقال (١) :
يا رب ألسنة كالسيوف ... تقطع أعناق أصحابها
وكم دهي المرء من نفسه ... فلا تؤكلن بأنيابها قال أبو عبيد: ومنه قول أكثم بن صيفي أيضاً " رب قولٍ أشد من صولٍ "
стр. 36
في الناس من يلتقطه فينميه (١) ويشيعه حتى يورط فيه قائله، فاحذره. وقال الأصمعي واسمه عبد الملك بن قريب: من أمثالهم في التحفظ " ربما أعلم فأذر " يريد أني قد أدع ذكر الشيء وأنا به عالم لما أحاذر من فتنته> (٢) .
ع: أي رب كلام يعاب به الإنسان هو أشد عليه من أن يصال به. وقد قال الشاعر (٣) :
وقد يرجى لجرح السيف برء ... وجرح الدهر ما جرح اللسان (٤) :
جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان> ويروى:
وجرح السيف تدمله فيبرا ... وجرح الدهر ما جرح اللسان وقال الآخر (٥) :
والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر ... وقالوا: اللسان أجرح جوارح الإنسان، وقال ابن عباد الصاحب:
حفظ اللسان راحة الإنسان ... فاحفظه حفظ الشكر للإحسان فآفة الإنسان في اللسان ...
стр. 37
وقال امرؤ القيس (١) :
إذا المرء يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان يقال: صال الرجل على قرنه، يصول صولاً إذا قهره. وقال علي بن أبي طالب ﵁: كان النبي ﷺ إذا أراد سفراً قال: " اللهم بك أصول، وبك أحل، وبك أسير ".
قال أبو عبيد: ومن جناية اللسان على صاحبه قولهم: " محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا " وهو سالم بن دارة أحد بني عبد الله بن غطفان، وكان هجا بعض بني فزارة فاغتاله الغزاري حتى ضربه بالسيف.
ع: دارة لقب، واسمه مسافع، وكانت امرأة من العرب تعشقه، فقيل لها: من هذا الذي تصبين إليه؟ قالت: لا أعلم، إلا أن وجهه كدارة القمر، فلقب بدارة. والدارة أيضاً الداهية، وذلك من قولهم: " دار الدهر بدوائره ".
وقاتل ابن دارة زميل بن أبرد الفزاري (٢) وكان يعرف بأمه، أم دينار، وهو القائل لما قتله ووداه:
أنا زميل من بني فزاره ... أنا زميل قاتل ابن داره ثم جعلت عقله البكاره (٣) ...
стр. 38
ولما عذل في فتكه به قال:
فلا تكثروا فيه الضجاج فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا قال الزبير (١) : قال مسافع أبو سالم لزميل بعد أن أمن: ويحك يا زميل لم قتلت سالماً، قال أحرقتني بالهجاء، قال: أنت أشعر الناس حين تقول (٢) :
أجارتنا من يجتمع يتفرق ... ومن يك رهناً للحوادث يغلق ع: في هذا معنى لا يفهمه كثير من الناس، وإنما أراد مسافع بقوله أنت أشعر الناس في الكلمة المذكورة أن من كان هذا مقداره من الشعر ومنزلته من الاقتدار عليه قارض على الهجاء بأشد منه وأبلغ وانتصف من هاجيه هجواً بهجو، ولم يتعد إلى القتل، وبيت زميل أول القصيدة، وبعده:
ومن لا يزل يوفي على الموت نفسه ... صباح مساء يا ابنة الخير يعلق
ويفرق بين الناس بعد اجتماعهم ... وكل جميعٍ صالحٍ لتفرق
فلا السالم الباقي على الدهر خالد ... ولا الدهر يستبقي حبيباً لمشفق يقول: الحوادث تفرق الناس بعد اجتماعهم. ويروى: ولا الدهر يستبقي جنيناً (٣) لمشفق. وقد روى هذا الشعر لطارق بن صفوان الضبي (٤) .
قال أبو عبيد:
стр. 39
" إذا وقي الرجل شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي " قال: فاللقلق: اللسان، والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج>.
وفي بعض الأحاديث أن الإنسان إذا أصبح كفرت أعضاؤه اللسان، فتقول له: اتق الله فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا.
(١) " من صدق الله نجا " يكون في القول والعمل جميعاً.
ويروى عن يونس بن عبيد أنه قال: " ليس خلة من خلال الخير تكون في الرجل هي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلها فيه من حفظ اللسان " >.
ع: التكفير هاهنا: الخضوع، وأصله الانحناء الشديد، كما تكفر النصارى لكبارهم، روى ابن علية عن أيوب عن أبي معشر أنه كان يكره التكفير في الصلاة، وهو الانحناء الشديد في الركوع، وقد ورد في ذلك النهي عن النبي ﷺ قال: " لا تدبحوا كما يدبح الحمار "، وقال محمد بن عبد السلام الخشني (٢) : أشهد لقد رأيت أبا حاتم يكفر بين يدي الرياش ويجله ويعظمه وهو أسن منه ولكنه كان يرى فضلاً.
стр. 40
٣ - باب الاقتصاد في المنطق
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة واسمه معمر بن المثنى: من أمثالهم في هذا " من أكثر أهجر ". .
ع: الهجر: القبيح من الكلام، يقال [منه] : أهجر، إذا أفحش وقال ما يقبح، ويقال هجر في منامه إذا تكلم بما لا يعقل، ويقال هجر المريض وأهجر إذا هذى. وقال ابن عباس: اشتد برسول الله ﵊ وجعه فقال: ايتوني بكتاب أكتب لكم لا تضلوا بعدي فقالوا: ما شأنه أهجر (١) . وقرئ ﴿سامراً تهجرون﴾ وتهجرون (المؤمنون: ٦٧) فمن قرأ بفتح التاء احتمل معنيين: معنى الهذيان ومعنى تهجرون الحق.
وقال شبيب بن كريب (٢) :
صلاصل لو أدركتها لجزيتها ... بما جر مولاها عليها وأهجر وقال الشماخ بن ضرار (٣) :
كماجدة (٤) الأعراق قال ابن ضرةٍ ... عليها كلاماً جار فيه وأهجرا