Полный текст (3 572 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
دليلنا قوله تعالى (وقالت إمرأة فرعون) وقوله تعالى (تبت يدا أبى لهب وتب إلى قوله وإمرأته حمالة الحطب) فأضاف إمرأتيهما اليهما وحقيقة الاضافة تقتضي الملك، وَرُوِيَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (ولدت من نكاح لا من سفاح) وكان مولودا في الشرك.
إذا ثبت هذا فان أسلم الزوجان المشركان معا فإن كانا عند إسلامهما يجوز ابتداء النكاح بينهما أقرا على نكاحهما الاول، وإن كانا عقدا بغير ولى ولا شهود لانه أسلم خلق كبير وأقرهم النبي ﷺ على أنكحتهم، ولم يسأل عن
شروطها، وإن كان لا يجوز لهما ابتداء النكاح بينهما، فإن كانت محرمة عليه بنسب أو رضاع أو صهارة أو معتدة عنه لانه لا يجوز لهما ابتداء النكاح فلا يجوز إقرارهما عليه.
قال أصحابنا: فإن أسلم الزوج والزوجة كتابية أقرا على النكاح لانه يجوز للمسلم ابتداء النكاح على الكتابية فأقرا عليه، وإن أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين أو أسلم الزوج ولم تسلم الزوجة، فان كان قبل الدخول انفسخ النكاح، وإن كان بعد الدخول وقف النكاح، وإن أسلم الكافر منهما قبل انقضاء عدة الزوجة أقرا على النكاح، وأن لم يسلم الكافر منهما حتى انقضت عدة الزوجة بانت منه من وقت إسلام المسلم منهما، ولا فرق بين أن يكون ذلك في دار الاسلام أو في دار الحرب، وبه قال أحمد.
وقال مالك: إن كانت هي المسلمة فكما قلنا، وإن كان هو المسلم عرض عليها الاسلام في الحال، فإن أسلمت والا انفسخ نكاحها، وقال أبو بكر رضى الله عنه ان أسلم الزوج قبل الزوجة وقعت الفرقة بكل حال.
وقال أبو حنيفة: ان كان في دار الحرب وكان ذلك بعد الدخول فالنكاح موقوف على انقضاء العدة كقولنا، وان كان في دار الاسلام فسواء كان قبل الدخول أو بعده فإن النكاح لا ينفسخ بل يعرض على المتأخر منهما الاسلام، فإن اسلم فهما على الزوجية، وان لم يسلم فرق بينهما بتطليقة، وان لم يعرض الاسلام على المتأخر منهما وأقاما على الزوجية مدة طويلة فهما على النكاح.
دليلنا ما رويناه من الاخبار التى تفيد بمنطوقها أن الناس كانوا يسلمون على
стр. 1682
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرجل قبل المرأة والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهى امرأته، وان أسلم بعد انقضاء العدة فلا نكاح
بينهما، والعدة لا تكون الا بعد الدخول، ولم يفرق بين أن أسلم الرجل أو لا أو المرأة، وبين أن يكون في دار الاسلام أو في دار الحرب، فإن اسلم الزوجان في حالة واحدة قبل الدخول لم ينفسخ نكاحهما لانه لم يسبق أحدهما الآخر.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان أسلم الحر وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه، لزمه أن يختار أربعا منهن، لما روى ابن عمر رضى الله عنه (أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يختار منهن أربعا) ولان ما زاد على أربع لا يجوز اقرار المسلم عليه، فإن امتنع أجبر عليه بالحبس والتعزير، لانه حق توجه عليه لا تدخله النيابة فأجبر عليه، فإن أغمى عليه في الحبس خلى إلى أن يفيق لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الاختيار، فخلى كما يخلى من عليه دين إذا أعسر به، فان أفاق أعيد إلى الحبس والتعزير إلى أن يختار، ويؤخذ بنفقة جميعهن إلى أن يختار لانهن محبوسات عليه بحكم النكاح، والاختيار أن يقول: اخترت نكاح هؤلاء الاربع، فينفسخ نكاح البواقى، أو يقول: اخترت فراق هؤلاء، فيثبت نكاح البواقى: وان طلق واحدة منهن كان ذلك اختيارا لنكاحها، لان الطلاق لا يكون الا في زوجة، وان ظاهر منها أو آلى لم يكن ذلك اختيارا لانه قد يخاطب به غير الزوج، وان وطئ واحدة ففيه وجهان.
(أحدهما)
أنه اختيار لان الوطئ لا يجوز الا في ملك فدل على الاختيار كوطئ البائع الجارية المبيعة بشرط الخيار.
(والثانى)
وهو الصحيح أنه ليس باختيار لانه اختيار للنكاح فلم يجز بالوطئ كالرجعة، وان قال كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت نكاحها لم يصح لان الاختيار كالنكاح فلم يجز تعليقه على الصفة ولا في غير معين، وان قال: كلما اسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاحها لم يصح، لان الفسخ لا يجوز
стр. 1683
تعليقه على الصفة، ولان الفسخ انما يستحق فيما زاد على أربع، وقد يجوز أن لا يسلم أكثر من أربع فلا يستحق فيها الفسخ، وان قال: كلما أسلمت واحدة فهى طالق ففيه وجهان.
(أحدهما)
يصح، وهو ظاهر النص، لانه قال: وان قال: كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاحها لم يكف شيئا الا أن يريد به الطلاق.
فدل على أنه إذا أراد الطلاق صح، ووجهه أن الطلاق يصح تعليقه على الصفات
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنه لا يصح، لان الطلاق ههنا يتضمن اختيار الزوجية، والاختيار لا يجوز تعليقه على الصفة، وحمل قول الشافعي ﵀ على من أسلم وله أربع نسوة في الشرك، وأراد بهذا القول الطلاق فانه يصح، لانه طلاق لا يتضمن اختيارا فجاز تعليقه على الصفة، وان أسلم ثم ارتد لم يصح اختياره، لان الاختيار كالنكاح فلم يصح مع الردة، وان أسلم وأحرم، فالمنصوص أنه يصح اختياره، فمن أصحابنا من جعلها على قولين.
أحدهما، لا يصح كما لا يصح نكاحه.
والثانى: يصح كما تصح رجعته، ومنهم من قال: ان اسلم ثم احرم ثم اسلمن لم يجز ان يختار قولا واحدا، لانه لا يجوز ان يبتدئ النكاح وهو محرم، فلا يجوز ان يختاره، وحمل النص عليه، وإذا اسلم ثم اسلمن ثم احرم فان له الخيار، لان الاحرام طرأ بعد ثبوت الخيار.
(الشرح) حديث ابن عمر اخرجه احمد وابن ماجه والترمذي عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وزاد احمد في رواية (فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: انى لاظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك، ولعلك لا تمكث الا قليلا، وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن مالك أو لاورثنك منك، ولآمرن بقبرك ان يرجم
كما رجم قبر ابى رغال (وابو رغال ككتاب ففى سنن ابى داود ودلائل النبوة عن ابن عمر (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال: هذا قبر ابى رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود، وكان بهذا
стр. 1684
الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه) الحديث.
أما قول الجوهرى بأنه كان دليلا للحبشة حين توجهوا إلى مكه فمات في الطريق غير معتد به، وكذا قول ابن سيدة في المخصص أنه كان عبدا لشعيب وكان عشارا جائرا، وقد سبق لنا الكلام على إسناد الحديث وما في وهم معمر وتفرده والعلل في الخبر.
أما الاحكام: فإذا أسلم الرجل وتحته أكثر من أربع زوجات فأسلمن معه في العدة أو كن كتابيات، لزمه أن يختار أربعا منهن، ويفارق ما زاد سواء تزوجهن بعقد واحد أو بعقود، وسواء اختار من نكاحها أولا أو آخرا، وبه قال مالك وأحمد ومحمد بن الحسن.
وقال الزهري وأبو حنيفة وأبو يوسف: لا يصح التخيير بحال، بل ان كان تزوجهن بعقد واحد بطل نكاح الجميع، ولا يحل له واحدة منهن إلا بعقد مستأنف، فإن تزوجهن بعقود لزمه نكاح الاربع الاوائل، وبطل نكاح من بعدهن.
دليلنا ما روى عن غيلان بن سلمة في قصة إسلامه التى أتينا عليها قبل.
(فرع)
إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن فقد ذكرنا أنه يجب عليه أن يختار الاربع منهن لقوله ﷺ لغيلان: اختر أربعا، وهذا أمر، والامر يدل على الوجوب، فان لم يختر أجبره الحاكم على الاختيار، لانه لا يجوز له أن يمسك أكثر من أربع ويحبسه ليختار، فان لم يفعل اخرجه وضربه
جلدات دون اقل الجلد، فان لم يختر اعاده إلى الحبس، فان لم يفعل اخرجه وضربه ثانيا وعلى هذا يتكرر عليه الحبس والضرب إلى ان يختار، لان هذا حق يتعين عليه، فهو كما لو كان عليه دين وله مال ناض اخفاه فانه يحبس ويعزر إلى ان يظهره ليقضى به الدين، ويجب عليه ان ينفق على جميعهن إلى ان يختار لانهن محبوسات عليه، فان جن في حال الحبس اطلق سراحه لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الاختيار، فإذا افاق اعيد إلى الحبس والتعزير، ولا ينوب الحاكم عنه في الاختيار، لانه اختيار شهوة فلم يثب عنه الحاكم.
فان قال لاربع منهن: اخترتكن أو اخترت نكاحكن أو اخترت حبسكن
стр. 1685
أو أمسكنكن أو أمسكت نكاحكن أو أثبت نكاحكن أو أثبت عقدكن لزم نكاحهن وانفسخ نكاح ما زاد عليهن.
وإن قال لواحده أو لما زاد على أربع: فسخت نكاحكن انفسخ نكاحهن ولزم نكاح الاربع الباقيات.
وإن طلق واحدة أو أربعا وقع عليها وكان ذلك اختيار لها للزوجية، لان ذلك يتضمن الاختيار لان الطلاق لا يقع إلا في زوجة وإن قال لواحدة فارقتك أو اخترت فراقك فذكر الشيخان أبو حامد وأبو إسحاق أن ذلك يكون اختيارا لفسخ نكاحها.
وقال القاضى أبو الطيب: يكون ذلك اختيارا لها الزوجية فيقع عليها الفرقة ويعتد بها من الاربع الزوجات، لان الفراق صريح في الطلاق، فلما كان الطلاق في واحدة منهن اختيارا لزوجيتها فكذلك لفظ الطلاق صريح في الطلاق.
قال ابن الصباغ: وهذا وإن كان مبنيا على هذا الاصل إلا أنه مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لغيلان اختر منهن أربعا وفارق سائرهن.
وكذلك حديث نوفل بن معاوية حيث قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أمسك أربعا وفارق
الاخرى رواه الشافعي وفى إسناده مجهول لان الشافعي يقول حدثنا بعض أصحابنا عن أبى الزناد عن عبد المجيد بن سهل عن عوف بن الحارث عن نوفل بن معاوية.
وهل يكون لفظ الفراق صحيحا كما قلنا إنه صريح في الطلاق، فيكون صريحا في الطلاق وفى الفسخ لانه حقيقة فيهما ويتخصص بالموضع الذى يقع فيه، فإن كان ظاهر من واحدة منهن أو آلى منها لم يكن ذلك اختيارا لها، لانه قد يخاطب به غير الزوجة.
وإن وطئ واحدة ففيه وجهان:
(أحدهما)
يكون ذلك اختيارا للنكاح، لان الظاهر أنه لا يطأ إلا من يختارها للنكاح كما قلنا في البائع إذا وطئ الجارية المبيعة في حال الخيار فإنه فسخ للبيع،
(والثانى)
لا يكون ذلك اختيارا لها، لان ما يتعلق به اصطلاح النكاح لا يكون بالوطئ كالرجعية، فإذا قلنا إنه اختيار للموطوءة للنكاح فوطئ أربعا منهن لزم نكاحهن وانفسخ نكاح البواقى.
وإذا قلنا لا يكون اختيارا للنكاح
стр. 1686
قلنا له: اختر أربعا، فإن اختار الموطوءة فلا شئ عليه، وإن اختار أربعا غير الموطوءة لزمه للموطوءة مهر مثلها (فرع)
وان قال: كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت نكاحها لم يصح، لان الاختيار كابتداء العقد، فلا يجوز تعليقه على صفة.
قال الشافعي رضى الله عنه: كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاحها.
لم يكن شيئا إلا أنه يريده طلاقا، وجملة ذلك أن الرجل إذا أسلم وتحته أكثر من أربع زوجات فقال: كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاحها، فإن أراد به الفسخ لم يصح لان الفسخ لا يصح تعليقه بالصفات، فهو كما لو أسلمن وقال لكل واحدة (إذا طلعت الشمس فقد فسخت نكاحك)
وإن نوى به الطلاق، أو قال كلما أسلمت واحدة منكن فهى طالق، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال بظاهر كلام الشافعي، وقال يصح ذلك لان الطلاق يصح تعليقه على الصفات، فإذا أسلم أربع منهن وقع عليهن الطلاق، وكان ذلك اختيار الزوجتين، ومنهم من قال لا يصح ولا يتعلق بهذا حكم.
قال الشيخ أبو حامد، وهو المذهب، لان هذا يتضمن اختيارا للزوجة.
والاختيار لا يصح تعليقه بالصفة، ومن قال بهذا تأول كلام الشافعي ثلاثة تأويلات.
(أحدهما)
أنه إذا أسلم الرجل وليس عنده إلا أربع زوجات حرائر وتأخر إسلامهن فقال كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاحها، فإن أراد به الفسخ لم يصح لان الفسخ لا يصح الا فيمن تفضل عن الاربع، وان أراد به الطلاق صح لانه يلزمه نكاح جميعهن والطلاق يصح تعليقه بالصفات (والتأويل الثاني) أنه أراد إذا أسلم وتحته أكثر من أربع زوجات، فكلما أسلمت واحده منهن قال لها فسخت نكاحك ونوى به الطلاق فيصح ذلك ويكون طلاقا واختيارا لها، فيكون الشرط من كلام الشافعي لا من كلام الزوج،
стр. 1687
والتأويل الثالث: أنه أراد إذا أسلم رجل وعنده ثمانى زوجات فأسلم أربغ منهن فاختار نكاحهن لزمه نكاحهن، ثم قال بعد ذلك الباقيات: كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاح واحدة من زوجاتي اللاتى اخترت نكاحهن فإن أراد به الفسخ لم يصح، وإن أراد به الطلاق صح، فكلما أسلمت واحدة من الباقيات طلقت واحدة من الزوجات.
قال ابن الصباغ: والطريقة الاوله أظهر والتأويل يبعد، لان الطلاق يصح تعليقه بالصفات والاختيار تابع.
(فرع)
وان أسلم وأسلمن ثم ارتد لم يصح اختياره، وكذلك إذا رجعن إلى الردة لم يصح اختيارهن ولا واحدة منهن، لان الردة تنافى ابتداء النكاح فكذلك الاختيار، وان أسلم وأحرم فالمنصوص أنه يصح اختياره كما تصح رجعته، ومنهم من قال: إن أسلم وأحرم فالمنصوص في الام أنه يصح اختياره، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يصح اختياره كما لا يصح نكاحه.
والثانى: يصع اختياره كما تصح رجعته، ومنهم من قال: إن أسلم وأحرم ثم أسلمن لم يصح اختياره كما لا يصح نكاحه، وإن أسلم وأسلمن ثم أحرم صح اختياره، لان الاحرام طرأ بعد ثبوت الاختيار.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وإن مات قبل أن يختار لم يقم وارثه مقامه، لان الاختيار يتعلق بالشهوة فلا يقوم فيه غيره مقامه، وتجب على جميعهن العدة، لان كل واحدة منهن يجوز أن تكون من الزوجات، فمن كانت حاملا اعتدت بوضع الحمل ومن كانت من ذوات الشهر اعتدت بأربعة أشهر وعشر، ومن كانت من ذوات الاقراء اعتدت بالاقصى من الاجلين من ثلاثة أقراء، أو أربعة أشهر وعشر، ليسقط الفرض بيقين وبوقف ميراث أربع نسوة إلى أن يصطلحن، لانا نعلم أن فيهن أربع زوجات، وإن كان عددهن ثمانية فجاء أربع يطلبن الميراث لم يدفع اليهن شئ لجواز أن تكون الزوجات غيرهن، وإن جاء خمس دفع اليهن ربع الموقوف لان فيهن زوجة بيقين، ولا يدفع اليهن إلا بشرط أنه لم يبق لهن حق ليمكن
стр. 1688
صرف الباقي إلى باقى الورثة، وإن جاء ست دفع اليهن نصف الموقوف لان فيهن زوجتين بيقين، وعلى هذا القياس، وإن كان فيهن أربع كتابيات ففيه وجهان.
(أحدهما)
وهو قول ابى القاسم الداركى انه لا يوقف شئ، لانه لا يوقف
إلا ما يتحقق استحقاقه ويجهل مستحقه، وههنا لا يتحقق الاستحقاق لجواز ان تكون الزوجات الكتابيات فلا يرثن.
(والثانى)
يوقف لانه لا يجوز ان يدفع إلى باقى الورثة إلا ما يتحقق انهم يستحقونه، ويجوز ان يكون المسلمات زوجاته فلا يكون الجميع لباقي الورثة.
(الشرح) الاحكام: إذا اسلم رجل حر وعنده اكثر من اربع زوجات حرائر واسلمن معه، فمات قبل ان يختار اربعا، فإن الوارث لا يقوم مقامه في الاختيار لانه اختيار شهوة، والوارث لا ينوب منابه في الشهوة فلزمهن العدة فإن كن حوامل لم تنقض عدتهن إلا بوضع الحمل، لان من كانت منهن زوجة فهى متوفى عنها زوجها، وعدة المتوفى عنها زوجها تنقضي بوضع الحمل، وإن كن حوائل فإن كن من ذوات الشهور لم تنقض عدتهن الا بأربعة اشهر وعشر لان من كانت منهن زوجة فهى موطوءة بشبهة فعدتها ثلاثة اشهر، ولا تنقص الزوجات من غيرهن فلزمهن اربعة اشهر وعشر ليسقط الفرض بيقين، وان كن من ذوات الافراء لزم كل واحدة منهن ان تعتد بأقصى الاجلين من اربعة اشهر وعشر أو ثلاثة اقراء، لان عدة المتوفى عنها زوجها اربعة اشهر وعشرا وعدة الموطوءة بشبهة ثلاثة اقراء.
فإن كانت قبل مضى اربعة اشهر وعشرا لزمها استكمال العدة اربعة اشهر وعشرا ليسقط الفرض بيقين كما قلنا فيمن نسى صلاة من خمس صلوات لا يعرفها بعينها،، وان كان بعضهن حوامل وبعضهن من ذوات الشهور، وبعضهن من ذوات الاقراء لزم كل واحدة حكم نفسها فيما ذكرنا من ذلك ويوقف لهن من ماله ميراث اربع زوجات وهو الربع مع عدم الولد والثمن مع الولد، لان فيهن أربع زوجات بيقين، وان لم يعرفهن بأعيانهن، فإن اصطلحن فيه، فإن كن ثمان نسوة فأخذت كل واحدة منهن ثمن الموقوف أو تفاضلن فيه برضاهن صح عن
стр. 1689
الشافعي رضى الله عنه، فإن كان فيهن مولاة عليها إما لانها صغيرة أو مجنونة لم يصح لوليها أن يصالح عنها بأقل من ثمن الموقوف لانها تستحق هذا القدر في الظاهر، فلا يجوز أن يصالح عنها على أقل منه.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ: فإن جاءت منهن واحدة إلى الحاكم تطلب حقها من الميراث لم يدفع إليها شئ لانه يمكن أن لا تكون زوجة وكذلك إن جاء اثنتان أو ثلاث أو أربع فان جاء خمس دفع اليهن ربع الموقوف لانا نتيقن أن فيهن زوجة.
قال أكثر أصحابنا: إلا أنه لا يدفع ذلك اليهن إلا بشرط أنه لم يبق لهن حق في الباقي من الموقوف ليمكن صرفه إلى الثلاث الباقيات إن طلبنه لانه إذا لم يشرط عليهن ذلك كان حقهن متعلقا به فيؤدى إلى أن يأخذن نصيب زوجة بيقين، وحقهن بالباقي، وكذلك ان جاء ست دفع اليهن نصف الموقوف بهذا الشرط، ودفع الباقي إلى الاخيرتين ان طلبتاه وان جاء سبع منهن دفع اليهن ثلاثة أرباع الموقوف بهذا الشرط، ودفع الباقي منه إلى الثامنة ان طلبت ذلك.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر، وذلك أن من يعطى من الميراث اليقين لا يسقط بذلك حقه مما يجوز أن يستحقه كما لو خلف زوجة وحملا فانا نعطى الزوجة اليقين، ونوقف الباقي، ولا يسقط حقها منه، وان أسلم وتحته أربع زوجات كتابيات وأربع وثنيات فأسلم الوثنيات معه ثم مات قبل أن يختار، ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يوقف شئ من تركته بل يدفع الجميع إلى باقى ورثته لانه لا يوقف الا ما يتيقن استحقاقه على باقى الورثة، ويجهل من يستحقه، وههنا يجوز ان يكون الزوجات هن الكتابيات
(والثانى)
يجوز ان يكون المسلمات هن الزوجات.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وان اسلم وتحته اختان، أو امرأة وعمتها، أو امرأة وخالتها، واسلمتا معه لزمه ان يختار احداهما، لما روى (ان ابن الديلمى اسلم وتحته اختان فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : اختر أيتهما شئت وفارق الاخرى) وان اسلم
стр. 1690
وتحته أم وبنت وأسلمتا معه، لم يخل إما أن لا يكون قد دخل بواحدة منهما أو دخل بهما أو دخل بالام دون البنت أو بالبنت دون الام، فإن لم يكن دخل بواحدة منهما ففيه قولان.
(أحدهما)
يمسك البنت وتحرم الام، وهو اختيار المزني، لان النكاح في الشرك كالنكاح الصحيح، بدليل أنه يقر عليه والام تحرم بالعقد على البنت: وقد وجد العقد، والبنت لا تحرم إلا بالدخول بالام، ولم يوجد الدخول.
(والقول الثاني) وهو الصحيح أنه يختار من شاء منهما، لان عقد الشرك إنما تثبت له الصحة إذا انضم إليه الاختيار، فإذا لم ينضم إليه الاختيار فهو كالمعدوم، ولهذا لو أسلم وعنده أختان واختار إحداهما جعل كأنه عقد عليها ولم يعقد على الاخرى، فإذا اختار الام صار كأنه عقد عليها ولم يعقد على البنت، وإذا اختار البنت صار كأنه عقد عليها ولم يعقد على الام، فعلى هذا إذا اختار البنت حرمت الام على التأبيد، لانها أم إمرأته، وان اختار الام حرمت البنت تحريم جمع لانها بنت إمرأة لم يدخل بها، وإن دخل بها حرمت البنت بدخوله بالام وأما الام فان قلنا: إنها تحرم بالعقد على البنت حرمت لعلتين بالعقد على البنت وبالدخول بها.
وإن قلنا: إنها لا تحرم بالعقد حرمت بعلة وهى الدخول، وإن دخل بالام دون البنت فان قلنا: إن الام تحرم بالعقد على البنت حرمت الام بالعقد
على البنت وحرمت البنت بالدخول بالام، وان قلنا: ان الام لا تحرم بالعقد على البنت حرمت البنت بالدخول بالام وثبت نكاح الام، وان دخل بالبنت دون الام ثبت نكاح البنت وانفسخ نكاح الام وحرمت في أحد القولين بالعقد وبالدخول، وفى القول الاخر بالدخول.
(الشرح) حديث ابن الديلمى لعله فيروز في رواية ابنه الضحاك عند الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه والدارقطني وابن حبان وصححه، عن الضحاك عن أبيه قال (أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي ﷺ أن أطلق احداهما) وفى لفظ الترمذي (اختر أيتهما شئت) .
стр. 1691
فإذا أسلم وعنده أختان اختار احداهما وفارق الاخرى وكذلك إذا أسلم وعنده امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها وأسلمتا اختار احداهما لانه لا يجوز الجمع بينهما فهما كالاختين، وقد مضى كلامنا على الاحاديث الواردة في ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان أسلم وتحته أربع اماء فأسلمن معه فان كان ممن يحل له نكاح الامة اختار واحدة منهن لانه يجوز أن يبتدئ نكاحها فجاز له اختيارها كالحرة وان كان ممن لا يحل له نكاح الامة لم يجز أن يمسك واحدة منهن.
وقال أبو ثور: يجوز لانه ليس بابتداء النكاح فلا يعتبر فيه عدم الطول وخوف العنت كالرجعة وهذا خطأ، لانه لا يجوز له ابتداء نكاحها فلا يجوز له اختيارها كالام والاخت ويخالف الرجعة، لان الرجعة سد ثلمة في النكاح والاختيار اثبات النكاح في المرأة، فصار كابتداء العقد، وان أسلم وتحته اماء وهو موسر فلم يسلمن حتى أعسر ثم أسلمن فله أن يختار واحدة منهن، لان وقت الاختيار عند اجتماع اسلامه واسلامهن، وهو في هذا الحال ممن يجوز له نكاح
الامة، فكان له اختيارها، وان أسلم بعضهن وهو موسر وأسلم بعضهن وهو معسر، فله أن يختار من اجتمع اسلامه واسلامها وهو معسر، ولا يختار من اجتمع اسلامه واسلامها وهو موسر اعتبارا بوقت الاختيار.
(فصل)
وان أسلم وعنده أربع اماء فأسلمت منهن واحدة، وهو ممن يجوز له نكاح الاماء فله أن يختار المسلمة وله أن ينتظر اسلام البواقى ليختار من شاء منهن، فان اختار فسخ نكاح المسلمة لم يكن له ذلك، لان الفسخ انما يكون فيمن فضل عمن يلزمه نكاحها، وليس ههنا فضل، فان خالف وفسخ ولم يسلم البواقى لزم نكاح المسلمة، وبطل الفسخ، وان أسلمن فله أن يختار واحدة، فان اختار نكاح المسلمة التى اختار فسخ نكاحها، ففيه وجهان.
(أحدهما)
ليس له ذلك لانا منعنا الفسخ فيها لانها لم تكن فاضلة عمن يلزم فيها النكاح، وباسلام غيرها صارت فاضلة عمن يلزم نكاحها، فثبت فيها الفسخ
стр. 1692
(والثانى)
وهو المذهب أن له أن يختار نكاحها لان اختيار الفسخ كان قبل وقته، فكان وجوده كعدمه، كما لو اختار نكاح مشركة قبل إسلامها.
(فصل)
وإن أسلم وعنده حرة وأمة وأسلمتا معه ثبت نكاح الحرة وبطل نكاح الامة، لانه لا يجوز أن يبتدئ نكاح الامة مع وجود حرة، فلا يجوز أن يختارها، فإن أسلم وأسلمت الامة معه وتخلفت الحرة فان أسلمت قبل انقضاء العدة ثبت نكاحها وبطل نكاح الامة كما لو أسلمتا معا، وان انقضت العدة ولم تسلم بانت باختلاف الدين، فإن كان ممن يحل له نكاح الامة فله أن يمسكها.
(فصل)
وإن أسلم عبد وتحته أربع فأسلمن معه لزمه أن يختار اثنتين فان أعتق بعد إسلامه وإسلامهن لم تجز له الزيادة على اثنتين لانه ثبت له الاختيار وهو عبد وإن أسلم وأعتق ثم أسلمن أو أسلمن وأعتق ثم أسلم لزم نكاح الاربع
لانه جاء وقت الاختيار وهو ممن يجوز له أن ينكح أربع نسوة.
(الشرح) قوله: سد الثلمة يعنى جبر الخلل يقال ثلمته أثلمه وبابه ضرب وفى السيف ثلم وفى الاناء ثلم إذا كسر من شفته.
أما الاحكام: فإنه إذا أسلم الحر وتحته أربع زوجات اماء وأسلمن معه بعد الدخول، فان كان عادما لطول حرة خائفا للعنت لزمه أن يختار واحدة منهن، وان كان واجدا لطول حرة أو آمنا من العنت لم يجز له ان يختار منهن واحدة.
وقال ابو ثور: له أن يختار واحدة منهن بكل حال، لان الاختيار ليس بابتداء نكاح وانما هو كالرجعة، وهذا ليس بصحيح لانه لا يجوز له النكاح للامة، فلا يحل له اختيار نكاحها كالمعتدة.
إذا ثبت هذا: فإن اسلم وهو موسر فلم يسلمن معه حتى اعسر فله ان يختار واحدة منهن اعتبارا بوقت اجتماع اسلامه واسلامهن، وان اسلم وهو معسر فلم يسلمن حتى ايسر لم يكن له ان يختار واحدة منهن، وان اجتمع اسلامه واسلام بعضهن وهو موسر واجتمع اسلامه واسلام بعضهن وهو معسر فله ان يختار ممن اجتمع اسلامه واسلامهن في حال الاعسار دون يساره، وان اسلم واسلمت واحدة منهن وتخلف ثلاث في الشرك فله ان يختار المسلمة، وله ان ينتظر اسلام
стр. 1693
الثلاث الباقيات، لانه قد يكون له غرض في ذلك، فإن اختار نكاح المسلمة لزمه نكاحها، فان لم يسلم الباقيات حتى انقضت عدتهن انفسخ نكاحهن من وقت اسلامهن وكان ابتداء عدتهن من ذلك الوقت، وان أسلمن قبل انقضاء عدتهن انفسخ نكاحهن وقت اختيار الاولة، وكان ابتداء عدتهن من ذلك الوقت، فان ماتت المسلمة بعد اختيار نكاحها فليس له أن يختار واحدة من الباقيات، وان لم يختر المسلمة الاولة نظرت، فإن لم يسلم الباقيات حتى انقضت عدتهن لزمه نكاح
المسلمة وانفسخ نكاح الباقيات من وقت اسلامه وابتداء عدتهن من ذلك الوقت وهكذا لو أسلم وتحته ثمان نسوة دخل بهن وأسلم منهن أربع وتخلف أربع فله أن يختار نكاح الاربع المسلمات، وله أن ينتظر اسلام الباقيات، فإذا اختار كان الحكم في وقت الفسخ ووقت العدة ما ذكرناه في التى قبلها، فان طلق الامة المسلمة أولا أو الاربع الحرائر المسلمات قبل اسلام الباقيات صح طلاقه، وكان ذلك اختيارا لمن طلق، وان أراد أن يفسخ نكاح المسلمه أولا أو الاربع المسلمات قبل اسلام الباقيات لم يكن له ذلك، لان الفسخ انما يكون فيمن فضل عمن يلزمه نكاحه، ويجوز أن لا يسلم الباقيات، فيلزمه نكاح من قد أسلم، فان خالف وفسخ نكاح من أسلم نظرت، فان لم يسلم الباقيات لم يصح الفسخ ولزمه نكاح من فسخ نكاحه، وان أسلم الباقيات نظرت، فان اختار نكاح واحدة من الثلاث الاماء أو الاربع الحرائر المسلمات لزمه نكاح من اختار نكاحه وانفسخ نكاح الباقيات، وان اختار نكاح الامة المسلمة أو الاربع الحرائر أولا ففيه وجهان.
(أحدهما)
يصح اختياره، لان فسخه الاول لم يحكم بصحته
(والثانى)
لا يصح، لانا انما لم نحكم بصحة فسخه لانها لم تكن فاضله عمن يلزمه نكاحها، وباسلام الباقيات صار من فسخ نكاحها فاضلا والاول أصح.
(مسألة) إذا نكح الحر ثمانى زوجات في الشرك، فأسلم وأسلم منهن أربع وتخلف أربع، ثم مات الاربع المسلمات أو بعضهن ثم أسلم الاربع الباقيات قبل انقضاء عدتهن، فله أن يختار الاربع الموتى للنكاح، لان الاختيار ليس هو
стр. 1694
ابتداء عقد، وإنما يتعين به من كانت زوجة ولان الاعتبار بالاختيار حال ثبوته وقد كن أحياء ذلك الوقت.
(فرع)
إذا تزوج وثنية ثم أسلمت وتخلف الزوج في الشرك فتزوج أختها فان أسلم بعد انقضاء عدة الاولة انفسخ نكاح الاولة وثبت نكاح الثانية إن أسلمت معه قبل انقضاء عدتها، وإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدة الاولة وأسلمت معه الثانية، اختار أيتهما شاء.
(فرع)
إذا كان تحته ثمان زوجات فأسلم وأسلمن معه فقد قلنا: إذا طلق واحدة كان ذلك اختيارا لزوجيتها، وإن ظاهر من واحدة أو آلى منها أو قذفها لم يكن ذلك اختيارا لها، لانه قد يخاطب به غير الزوجة، فيكون ذلك موقوفا فإن لم يختر التى ظاهر منها أو آلى لم يصح ظهاره ولا إيلاؤه، وإن اختارها للنكاح تبينا أن ظهاره أو إيلاؤه صحيح.
وأما المقذوفة: فإن لم يخترها للنكاح، وجب عليه الحد بقذفها، ولا يسقط إلا بالبينة، وان اختارها للنكاح تبينا أنها كانت زوجة، وله أن يسقط حد قذفها بالبينة أو باللعان، وان أسلم وتخلفن في الشرك فطلق واحدة منهن أو ظاهر منها أوآلى أو قذفها، فان لم يسلمن حتى انقضت عدتهن لم يكن لطلاقه وظهاره وايلائه حكم، ويجب عليه التعزير للمقذوفه، وان أسلمن قبل انقضاء عدتهن.
قال الشيخ أبو حامد الاسفرايينى: فان اختار التى طلق أو ظاهر منها أو آلى وقع عليها الطلاق والظهار والايلاء.
ويلزمه التعزير بقذفها، وله أن يسقطه بالبينة أو باللعان، وان لم يخترها فانها أجنبية منه فلا يقع عليها طلاق ولا ظهار ولا ايلاء ويلزمه بقذفها التعزير، ولا يسقط الا بالبينة.
قال ابن الصباغ في الشامل: وفى هذا عندي نظر، بل يجب إذا أسلمت المطلقة أن يقع عليها الطلاق، ويكون ذلك اختيارا لها لان هذا الطلاق إذا كان يقع عليها مع اختياره وقع عليها باسلامها.
стр. 1695
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان تزوج امرأة معتدة من غيره وأسلما فان كان قبل انقضاء العدة لم يقرا على النكاح، لانه لا يجوز له أن يبتدئ نكاحها فلا يجوز اقراره على نكاحها، وان كان بعد انقضاء العدة أقرا عليه، لانه يجوز أن يبتدئ نكاحها، وان أسلما وبينهما نكاح متعة لم يقرا عليه، لانه ان كان بعد انقضاء المدة لم يبق نكاح، وان كان قبله لم يعتقدا تأبيده، والنكاح عقد مؤبد، وان أسلما على نكاح شرط فيه الخيار لهما ألا حدهما متى شاء لم يقرا عليه، لانهما لا يعتقدان لزومه والنكاح عقد لازم، وان أسلما على نكاح شرط فيه فيه خيار ثلاثة أيام فان كان قبل انقضاء المدة لم يقرا عليه، لانهما لا يعتقدان لزومه، وان كان بعد انقضاء المدة اقرار عليه لانهما يعتقدان لزومه، وان طلق المشرك امرأته ثلاثا ثم تزوجها قبل زوج ثم أسلما لم يقرا عليه، لانها لا تحل له قبل زوج، فلم يقرا عليه كما لو أسلم وعنده ذات رحم محرم، وان قهر حربى حربية ثم أسلما فان اعتقدا ذلك نكاحا أقرا عليه لانه نكاح لهم فيمن يجوز ابتداء نكاحها فأقرا عليه، كالنكاح بلا ولى ولا شهود، وان لم يعتقدا ذلك نكاحا لم يقرا عليه لانه ليس بنكاح.
(فصل)
إذا ارتد الزوجان أو أحدهما فان كان قبل الدخول وقعت الفرقة، وان كان بعد الدخول وقعت الفرقة على انقضاء العدة، فان اجتمعا على الاسلام قبل انقضاء العدة فهما على النكاح، وان لم يجتمعا وقعت الفرقة، لانه انتقال من دين إلى دين يمنع ابتداء النكاح، فكان حكمه ما ذكرناه كما لو أسلم أحد الوثنيين.
(فصل)
وان انتقل الكتابى إلى دين لا يقر أهله عليه لم يقر عليه، لانه لو كان على هذا الدين في الاصل لم يقر عليه، فكذلك إذا انتقل إليه، وما الذى يقبل منه؟ فيه ثلاثة أقوال.
(أحدها) يقبل منه الاسلام أو الدين الذى كان عليه، أو دين يقر عليه أهله، لان كل واحد من ذلك مما يجوز الاقرار عليه.
(والثانى)
لا يقبل منه الا الاسلام لانه دين حق، أو الدين الذى كان عليه
стр. 1696
لانا أقررناه عليه (والثالث) لا يقبل منه إلا الاسلام وهو الصحيح، لانه اعترف ببطلان كل دين سوى دينه، ثم بالانتقال عنه اعترف ببطلانه، فلم يبق إلا الاسلام، وإن انتقل الكتابى إلى دين يقر أهله عليه ففيه قولان.
(أحدهما)
يقر عليه، لانه دين يقر أهله عليه فأقر عليه كالاسلام.
(والثانى)
لا يقر عليه لقوله (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ منه) فعلى هذا فيما يقبل منه قولان.
أحدهما: يقبل منه الاسلام أو الدين الذى كان عليه، والثانى: لا يقبل منه إلا الاسلام لما ذكرناه.
وكل من انتقل من الكفار إلى دين لا يقر عليه فحكمه في بطلان نكاحه حكم المسلم إذا ارتد.
(فصل)
وان تزوج كتابي وثنية ففيه وجهان.
أحدهما وهو قول أبى سعيد الاصطخرى: أنه لا يقر عليه لان كل نكاح لم يقر عليه المسلم لم يقر عليه الذمي كنكاح المرتدة.
والثانى: وهو المذهب أنه يقر عليه لان كل نكاح أقر عليه بعد الاسلام أقر عليه قبله كنكاح الكتابية.
(الشرح) إذا تزوج مرتدة من غيره، فان أسلما قبل انقضاء عدتها من الاول لم يقرا على النكاح لانه لا يجوز له ابتداء نكاحها فلم يجز إقراره عليه كذوات محارمه، وإن أسلما بعد انقضاء عدتها من الاول أقرا على النكاح لانه لا يجوز له ابتداء نكاحها فأقرا عليه.
(فرع)
إذا نكح مشرك مشركة نكاح متعة ثم أسلما لم يقرا عليه لانهما ان أسلما قبل انقضاء المدة التى شرطها فهما لا يعتقدان لزومه الآن بعد انقضائها
وإن أسلما بعد انقضائها فهما لا يعتقدان لزومه.
قال الشافعي رضى الله عنه: فان أبطلا بعد العقد المتعة وجعلا العقد مطلقا لم يؤثر ذلك، لانه حالما عقداه كانا يعتقدان أنه لا يدوم بينهما فلم يتغير ذلك الحكم بما طرأ من الشرط، وهكذا لو تزوجها على أن لهما أو لاحدهما الخيار في فسخ النكاح متى شاء ثم أسلم لم يجز إقرارهما عليه، لانهما لا يعتقدان لزومه، فان اتفقا على إسقاط الشرط لم يؤثر ذلك، ولم يقرا عليه لما ذكرناه، وان شرطا بينهما خيار ثلاثة أيام، فإن أسلما قبل الثلاث لم يقرا عليه، لانهما لا يعتقدان لزومه، وان أسلما بعد الثلاث أقرا عليه لانهما بعتقدان لزومه.
стр. 1697
(فرع)
قال في الام: وان قهر حربى حربية على نفسها فوطئها أو طاوعته فوطئها ثم أسلما لم يقر على ذلك إذا كانا لا يعتقدان ذلك نكاحا.
قال أصحابنا: فإن اعتقدا ذلك نكاحا وأسلما أقرا عليه لانه لا يجوز لبعض أهل الذمة أن يقهر بعضا، لان على الامام الذب عنهم.
(مسألة) إذا ارتد أحد الزوجين فإن كان قبل الدخول انفسخ نكاحهما وقال داود: لا ينفسخ.
دليلنا قوله تعالى (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) ولان هذا اختلاف دين يمنع الاصابة فانفسخ به النكاح كما لو أسلمت الذمية تحت كافر وان ارتد أحدهما بعد الدخول وقف النكاح على انقضاء عدة الزوجه، فإن رجع المرتد منهما قبل انقضاء عدتها فهما على النكاح.
وان انقضت عدتها قبل أن يسلم المرتد منهما بانت منه بردة المرتد منهما، وبه قال أحمد وإحدى الروايتين عن مالك وقال أبو حنيفة: ينفسخ النكاح في الحال، وهى الرواية الاخرى عن مالك دليلنا أن هذا اختلاف دين بعد الدخول فلا يوجب الفسخ في الحال كما لو أسلمت الحربية تحت الحربى، وإن ارتدا معا فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح
بينهما، وان كان بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء عدة الزوجة، فإن رجعا إلى الاسلام قبل انقضائها فهما على النكاح، وان انقضت قبل إسلامهما بانت منه بالردة، وبه قال مالك وأحمد رضى الله عنهما.
وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ العقد استحسانا، دليلنا أنها ردة طارئة على النكاح فوجب أن يتعلق بها فسخه كما لو ارتد أحدهما.
(فرع)
إذا ارتدت الزوجة بعد الدخول فطلقها الزوج ثلاثا فإن انقضت العدة قبل أن ترجع إلى الاسلام تبينا أنها بانت بالردة، ولم يقع عليها طلاق، وإن رجعت إلى الاسلام قبل انقضاء العدة، تبينا أنها كانت زوجة وقت الطلاق ووقع عليها، وإن تزوج أختها أو عمتها بعد الطلاق أو خالتها بعد الطلاق صح بكل حال، لانها إما بائن منه بالردة أو بالطلاق، وان تزوج أختها أو عمتها بعد الردة وقبل الطلاق في العدة لم يصح، لجواز أن ترجع إلى الاسلام فتكون زوجة.
(فرع)
وان ارتدت زوجة رجل بعد الدخول عليه، وله امرأة صغيرة فأرضعتها أم المرتدة قبل انقضاء عدة المرتدة خمس رضعات متفرقات، فإن رجعت
стр. 1698
المرتدة إلى الاسلام قبل انقضاء عدتها انفسخ نكاح الصغيرة وفى الكبيرة قولان وان لم ترجع إلى الاسلام بانت بالردة، ولم ينفسخ نكاح الصغيرة، وان أرضعتها الكبيرة أو بنتها انفسخ نكاح الصغيرة بكل حال.
(مسألة) إذا انتقل اليهودي أو النصراني إلى دين لا يقر أهله عليه، لم يقر عليه، كما لا يقر أهله عليه وما الذى يقبل منه؟ فيه ثلاثه أقوال.
(أحدها) الاسلام أو الدين الذى كان عليه أو دين يقرا أهله عليه، لان كل دين من ذلك يقر أهله عليه.
(والثانى)
لا يقبل منه الا الاسلام، لانه الدين الحق، أو الدين الذى كان
عليه، لانا قد أقررناه عليه.
(والثالث) وهو الاصح، أنه لا يقبل منه الا الاسلام، لانه قد اعترف ببطلان كل دين فلم بقبل الا الاسلام فإن انتقل إلى دين يقر أهله عليه فهل يقر عليه فيه قولان مضى توجيههما، فإن قلنا: لا يقر عليه فهل يقبل منه الدين الذى كان عليه أو لا يقبل منه الا دين الاسلام، فيه قولان مضى توجيههما، وكل موضع قلنا: لا يقبل منه ما انتقل إليه فحكمه في النكاح حكم المرتد وقد مضى بيانه.
(مسألة) إذا تزوج الكتابى بكتابية أقرا عليه قبل اسلامهما وبعد اسلامهما وان تزوج الكتابى وثنية أو مجوسية فإن أسلما أقرا عليه بلا خلاف، لان غيلان بن سلمة اسلم وتحته عشر نسوة فأسلمن معه، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يختار منهن اربعا، ولم يسأله هل هن كتابيات أو غير كتابيات، فدل على ان الحكم لا يختلف، وان ترافعا الينا قبل الاسلام فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ لَا يقران عليه لان كل نكاح لم يقر عليه المسلم لم يقر عليه الكتابى كالمرتد.
والثانى وهو المذهب انهما يقران عليه، لان كل نكاح اقرا عليه إذا أسلما أقرا عليه إذا لم يسلما كنكاح الكتابية ويخالف المسلم فإن الكافر انقص من المسلم فجاز له استدامة نكاح المجوسية والوثنية وان لم يجز ذلك للمسلم كما قلنا في العبد: يجوز له تزويج الامة ولا يعتبر فيه خوف العنت، وعدم الطول، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1699
قال المصنف ﵀:
(فصل)
إذا أسلم الوثنيان قبل الدخول ثم اختلفا فقالت المرأة: أسلم أحدنا قبل صاحبه فانفسخ النكاح، وقال الزوج: بل أسلمنا معا، فالنكاح على حاله، ففيه قولان.
(أحدهما)
أن القول قول الزوج، وهو اختيار المزني، لان الاصل بقاء النكاح
(والثانى)
أن القول قول المرأة، لان الظاهر معها، فإن اجتماع اسلامهما حتى لا يسبق أحدهما الآخر متعذر.
قال في الام: إذا أقام الزوج بينة أنهما أسلما حين طلعت الشمس، أو حين غربت الشمس، لم ينفسخ النكاح لا تفاق إسلامهما في وقت واحد، وهو عند تكامل الطلوع أو الغروب، فإن أقام البينة أنهما أسلما حال طلوع الشمس أو حال غروبها انفسخ نكاحهما، لان حال الطلوع والغروب من حين يبتدئ بالطلوع والغروب إلى أن يتكامل وذلك مجهول.
وإن أسلم الوثنيان بعد الدخول واختلفا، فقال الزوج: أسلمت قبل انقضاء عدتك فالنكاح باق.
وقالت المرأة بل أسلمت بعد انقضاء عدتي، فلا نكاح بيننا، فقد نص الشافعي رحمه الله تعالى على أن القول قول الزوج، ونص في مسألتين على أن القول قول الزوجة إحداهما إذا قال الزوج للرجعية: راجعتك قبل انقضاء العدة، فنحن على النكاح وقالت الزوجة: بل راجعتني بعد انقضاء العدة، فالقول قول الزوجة.
والثانية إذا ارتد الزوج بعد الدخول ثم أسلم.
فقال: أسلمت قبل انقضاء العدة فالنكاح باق.
وقالت المرأة بل أسلمت بعد انقضاء العدة فالقول قول المرأة.
فمن أصحابنا من نقل جواب بعضها إلى بعض، وجعل في المسائل كلها قولين.
(أحدهما)
أن القول قول الزوج لان الاصل بقاء النكاح.
(والثانى)
أن القول قول الزوجة، لان الاصل عدم الاسلام والرجعة.
ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين، فالذي قال: إن القول قول الزوج إذا سبق بالدعوى، والذى قال: القول قول الزوجة إذا سبقت بالدعوى، لان قول كل واحد منهما مقبول فيما سبق إليه، فلا يجوز ابطاله بقول غيره.
стр. 1700
ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين على وجه آخر، فالذي قال: القول قول الزوج، أراد إذا اتفقا على صدقه في زمان ما ادعاه لنفسه، بأن قال أسلمت وراجعت في رمضان، فقالت المرأة صدقت، لكن انقضت عدتي في شعبان، فالقول قول الزوج باتفاقهما على الاسلام بالرجعة في رمضان، واختلافهما في انقضاء العدة، والذى قال: القول قول المرأة إذا اتفقا على صدقها في زمان ما ادعته لنفسها، بأن قالت: انقضت عدتي في شهر رمضان، فقال الزوج لكن راجعت أو أسلمت في شعبان، فالقول قول المرأة لاتفاقهما على انقضاء العدة في رمضان، واختلافهما في الرجعة والاسلام.
(الشرح) إذا أسلم الزوج بعد الدخول وتخلفت الزوجة فلا نفقة لها، وإن أسلمت الزوجة ولم يسلم فعليه نفقتها، فإن اختلفا فقالت الزوجة: أسلمت أنا وأقمت أنت على الشرك فأنا استحق عليك النفقة، وقال الزوج: بل أسلمت أنا ولم تسلمي أنت فلا نفقة لك على، ففيه وجهان.
(أحدهما)
القول قول الزوجة، لانه قد ثبت استحقاقها للنفقة بالزوجية، والاصل بقاؤها.
(والثانى)
أن القول قول الزوج، لان نفقة كل يوم يجب بيومه، والاصل عدم الوجوب.
(مسألة) إذا أسلم الزوج قبل الزوجة وقبل الدخول وجب عليه نصف المسمى ان سمى لها مهرا صحيحا، وإن سمى لها مهرا باطلا ولم تقبضه في لشرك وجب لها نصف مهر المثل، وان أسلمت الزوجة قبله قبل الدخول لم يجب لها شئ.
إذا ثبت هذا: فان اتفقا أنهما أسلما قبل الدخول وقالا: لا نعلم السابق منا بالاسلام انفسخ النكاح بينهما، لان الحال لا يختلف في انفساخ النكاح.
وأما الصداق: فإن كان في يد الزوج لم تقبض منه الزوجه شيئا، لانها إن كانت أسلمت أولا فإنها لا تستحق منه شيئا، وإن أسلم الزوج أولا فلها نصفه، فإذا
لم تعلم على أي وجه كان لم يتيقن استحقاقها بشئ من المهر، وان كان الصداق في يد الزوجة لم يكن للزوج أن يقبض منه الا النصف، لانه لا يتيقن أنه يستحق
стр. 1701
إلا ذلك، وإن اختلفا فقالت الزوجة أسلمت أنت أولا فأنا استحق عليك نصف الصداق، وقال الزوج: بل أسلمت أنت أولا فلا تستحقين على شيئا، فالقول قول الزوجه مع يمينها، لانا تيقنا استحقاقها لنصف المهر، والاصل بقاء ذلك الاستحقاق، وان اختلفا في انفساخ النكاح، فقالت الزوجة أسلم أحدنا قبل صاحبه قبل الدخول فانفسخ النكاح.
وقال الزوج بل أسلمنا معا في حالة واحدة ففيه قولان.
(أحدهما)
القول قول الزوج مع يمينه وهو اختيار المزني وأبى اسحاق المروزى لان الاصل بقاء النكاح.
(والثانى)
القول قول الزوجة مع يمينها، لان الظاهر معها لان الظاهر أنه لا يتفق اسلامهما في حالة واحدة الا نادرا، وان قال الزوج: أسلم أحدنا قبل صاحبه.
وقالت الزوجة بل أسلمنا معا في حالة واحدة فانه يحكم على الزوج بانفساخ النكاح لانه أقر بذلك.
وأما المهر فيحتمل أن يكون على القولين كالاولة، وان أقام الزوج البينة أنهما أسلما قبل الدخول حين طلعت الشمس أو حين زالت أو حين غربت، لم ينفسخ النكاح، وان قال الزوجان أسلمنا معا مع طلوع الشمس أو مع زوالها أو مع غروبها أو حال طلوعها أو حال زوالها أو حال غروبها لم يثبت اسلامهما معا فينفسخ، والفرق بينهما ان حين طلوعها وحين زوالها وحين غروبها هو حين تكامل الطلوع والزوال والغروب إلى استكماله، فيجوز أن يكون اسلام احدهما قبل الآخر.
(فرع)
وان اسلمت الزوجة بعد الدخول ثم اسلم الزوج بعدها ثم اختلفا
فقال الزوج: اسلمت قبل انقضاء العدة، وقالت الزوجة: بل اسلمت بعد انقضاء العدة.
قال الشافعي ﵀: فالقول قول الزوج.
وقال الشافعي ﵀: إذا طلق زوجته طلقة رجعية ثم راجعها فقال الزوج: راجعت قبل انقضاء العدة.
وقالت الزوجة: بل راجعت بعد انقضاء العدة، فالقول قول الزوجة.
وقال: إذا ارتد الزوج بعد الدخول ثم اسلم فقالت الزوجة: اسلمت بعد انقضاء العدة.
وقال الزوج اسلمت قبل انقضاء العدة، فالقول قول الزوجة، واختلف أصحابنا في هذه المسائل الثلاث على ثلاث طرق.
стр. 1702
فمنهم من قال: فيها قولان.
أحدهما: القول قول الزوج لان الاصل بقاء النكاح.
والثانى: القول قول الزوجة، لان الاصل عدم الاسلام والرجعة.
ومنهم من قال: هي على حالين، فحيث قال: القول قول الزوجة إذا كانت هي السابقة بالدعوى، لان قول كل واحد منهما مقبول فيما أظهره وسبق إليه.
ومنهم من قال: هي على حالين آخرين، فحيث قال، القول قول الزوج إذا اتفقا على وقت إسلامه أو رجعته، واختلفا في وقت انقضاء عدتها بأن قال.
أسلمت أو راجعت في شعبان، فقالت صدقت لكن انقضت عدتي في رجب، وحيث قال القول قول الزوجة، أراد إذا اتفقا على وقت انقضاء عدتها، واختلفا في وقت إسلامه ورجعته، فأن قالت انقضت عدتي في شعبان فقال صدقت لكن أسلمت أو راجعت في رجب، لان الاصل بقاء العدة إلى شعبان وعدم الاسلام أو الرجعة في رجب.
(فرع)
وان تزوج الكتابى بالكتابية صغيرة وأسلم أحد أبويها قبل الدخول انفسخ نكاحها، لانها صارت مسلمة تبعا لمن أسلم من أبويها قبل الدخول فهو كما لو قال أسلمت بعد بلوغها وقبل الدخول، وهل يجب لها من المهر شئ.
قال
ابن الحداد، سقط جميع المهر، لان الفرقه وقعت بينهما قبل الدخول، ولم يكن من الزوج صنع فيها فسقط المهر، كما لو اشترت المرأة زوجها قبل الدخول، فمن أصحابنا من صوبه، ومنهم من خطأه وقال.
يجب لها المهر لانها لم يكن من جهتها صنع في الفرقه، فهو كما لو أرضعتها أم الزوج، فإذا قلنا بهذا فإن الزوج لا يرجع على من أسلم من أبويها بشئ، ويرجع على المرضعة، والفرق بينهما أن الاسلام واجب فلم يكن فعله جناية، وليس كذلك الارضاع فانه ليس بواجب، غير أنه إن وجدت هذه المرضعة الصغيرة عطشانة قد أشرفت على الموت، ولم تجد أحدا يرضعها أو يسقيها لبنا، ولم تتمكن من إحيائها إلا بالرضاع فانه يجب عليها إرضاعها وإذا أرضعتها انفسح النكاح ولم يجب عليها شئ للزوج، هكذا ذكر القاضى أبو الطيب والله تعالى أعلم وهو الموفق للصواب.
стр. 1703
قال المصنف ﵀: كتاب الصداق المستحب أن لا يعقد النكاح إلا بصداق لما روى سعد بن سهل رضى الله عنه (أن إمرأة قالت: قد وهبت نفسي لك يا رسول الله صلى الله عليك، فر في رأيك فقال رجل: زوجنيها، قال: اطلب ولو خاتما من حديد، فذهب فلم يجئ بشئ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ معك من القرآن شئ، فقال: نعم فزوجه بما معه من القرآن) ولان ذلك أقطع الخصومة، ويجوز من غير صداق، لقوله تَعَالَى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) فأثبت الطلاق مع عدم الفرض.
وروى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لرجل: إنى أزوجك فلانة، قال: نعم قال للمرأة أترضين أن أزوجك فلانا،
قالت: نعم فزوج أحدهما من صاحبه، فدخل عليها ولم يفرض لها به صداق، فلما حضرته الوفاة قَالَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زوجنى فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وإنى قد أعطيتها عن صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمه فباعته بمائة ألف) ولان القصد بالنكاح الوصلة والاستمتاع دون الصداق فصح من غير صداق.
(فصل)
ويجوز أن يكون الصداق قليلا لقوله ﷺ (اطلب ولو خاتما من حديد) ولانه بدل منفعتها فكان تقدير العوض إليها كأجرة منافعها ويجوز أن يكون كبيرا لقوله (وآتيتم إحداهن قنطارا) قال معاذ رضى الله عنه القنطار ألف ومائتا أوقية.
وقال أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه: ملء مسك ثور ذهبا.
والمستحب أن يخفف لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة) ولانه إذا كبر أجحف وأضر ودعى إلى المقت والمستحب أن لا يزيد على خمسمائة درهم، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ
стр. 1704
(كان صداق رسول الله ﷺ لازواجه إثنتى عشرة أوقية ونشا أتدرون ما النش، نصف أوقية، وذلك خمسمائة درهم) والمستحب الاقتداء به والتبرك بما بعته، فإن ذكر صداق في السر وصداق في العلانية فالواجب ما عقد به العقد، لان الصداق يجب بالعقد فوجب ما عقد به، وإن قال زوجتك ابنتى بألف، وقال الزوج قبلت نكاحها بخمسمائة، وجب مهر المثل لان الزوج لم يقبل بألف والولى لم يوجب بخسمائة فسقط الجميع ووجب مهر المثل.
(الشرح) خبر سهل بن سعد في التى وهبت نفسها أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وقد مضى ذكره في غيره موضع، وحديث عقبة بن عامر أخرجه أبو داود
والحاكم، وقد استشهد به المحدثون لصحة حديث أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي وابن حبان (أن عبد الله ابن مسعود أتى في إمرأة تزوجها رجل ثم مات عنها ولم يفرض لها صداقا، ولم يكن دخل بها، فاختلفوا إليه فقال.
أرى لها مثل مهر نسائها ولها الميراث وعليها العدة، فشهد معقل بن سنان الاشجعى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى في بروع ابنة واشق بمثل ما قضى) .
وقال الشافعي لا أحفظة من وجه يثبت مثله ولو ثبت حديث بروع لقلت به وقال ابن حزم، لا مغمز فيه لصحة إسناده، وروى الحاكم في المستدرك عن حرملة بن يحيى انه قال.
سمعت الشافعي يقول إن صح حديث بروع بنت واشق قلت به.
قال الحاكم، قال شيخنا أبو عبيد الله لو حضرت الشافعي لقمت على رؤس الناس وقلت قد صح الحديث فقل به.
أما حديث عائشة رضى الله عنها باللفظ الذى ساقه المصنف رواه أحمد ورواه الطبراني في الاوسط بلفظ (أخف النساء صداقا أعظمهن بركة) وفى إسناده الحرث بن شبل، وأخرجه الطبراني في الكبير والاوسط بنحوه، وأخرج نحوه الحاكم وأبو داود عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (خير الصداق أيسره) .
стр. 1705
وأما حديث عائشة الثاني فقد أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني عن أبى سلمة قال (سألت عائشة رضى الله عنها كم كان صداق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: كان صداقه لازواجه اثنتى عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدرى ما النش، قلت.
لا.
قالت نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم) قوله (فر) فعل أمر من رأى محذوف الوسط المهموز كحذف همزة
الوسط في سأل فيقال: سل، ولانه معتل الآخر فهو مبنى على حذف حرف العلة وبذلك حذفت الالف المهموزة والالف المقصورة فكان فعل الامر (ر) راء مفتوحة فقط.
والصداق فيه لغات أولها بفتح الصاد، والثانية كسرها، والجمع صدق بضمتين والثالثة لغة الحجاز، صدقة بفتح الصاد وضم الدال وجمعها صدقات على لفظها وفى التنزيل (وآتوا النساء صدقاتهن) والرابعة لغة تميم صدقه بضم الصاد وإسكان الدال والجمع صدقات مثل غرفه وغرفات في وجوهها، والخامسه صدقه وجمعها صدق مثل قرية وقرى، وأصدقتها أعطيتها صداقها وأصدقتها تزوجتها على صداق وشئ صدق وزان فلس أي صلب.
(أما الاحكام) الصداق هو ما تستحقه المرأة بدلا في النكاح وله سبعة أسماء الصداق والنحلة والاجرة والفريضة والمهر والعليقة والعقد، لان الله تعالى سماه الصداق والنحلة والفريضة، وسماه النبي ﷺ المهر والعليقة، وسماه عمر بن الخطاب رضى الله عنه العقد، قال تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) وقال تعالى (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضه، فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) الآيه، وقال ﷺ (فان مسها فلها المهر بما استحل من فرجها) وقال ﷺ (أدوا العلائق، قيل وما العلائق قال ما تراضى عليه الاهلون) فان قيل لم سماه نحلة، والنحلة العطية بغير عوض، والمهر ليس بعطية وإنما هو عوض عن الاستمتاع، ففيه ثلاثة تأويلات.
أحدها: أنه لم يرد بالنحله العطيه، وإنما أراد بالنحله من الانحال وهو التدين
стр. 1706
لانه يقال: انتحل فلان مذهب كذا أي دان به، فكأنه ﵎ قال (وآتوا
النساء صدقاتهن نحلة) أي تدينا.
(والثانى)
أن المهر يشبه العطية لانه يحصل للمرأة من اللذة في الاستمتاع ما يحصل للزوج وأكثر، لانها أجلب شهوة، والزوج ينفرد ببذل المهر، فكأنها تأخذه بغير عوض.
(والثالث) أنه عطية من الله تعالى في شرعنا للنساء، لان في شرع من قبلنا كان المهر للاولياء، ولهذا قال تعالى في قصة شعيب (إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج) الآية.
إذا ثبت هذا: فالمستحب أن يسمى الصداق في العقد لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يتزوج أحدا من نسائه عليهن السلام ولا زوج أحدا من بناته عليهن السلام إلا بصداق سماه في العقد، وحديث المرأة التى جاءت النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله قد وهبت نفسي منك فصعد النبي ﷺ بصره ثم صوبه ثم قال ما لى إلى النساء من حاجة، فقام رجل فقال زوجنيها يا رسول الله، فقال ﷺ : ما تصدقها، قال: إزارى، قال: إن أصدقنها إزارك جلست ولا إزار لك، التمس ولو خاتما من حديد، فالتمس ولم يجد، فقال النبي ﷺ أمعك شئ من القرآن، قال نعم سورة كذا وسورة كذا، فقال ﷺ زوجتكها بما معك من القرآن.
ولانه إذا زوجه بالمهر كان أقطع للخصومة، فإن عقد النكاح بغير صداق انعقد النكاح لقوله تَعَالَى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) والآية.
فأثبت الطلاق من غير فرض، والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح، وخير الرجل الذى تزوج إمرأة ولم يفرض لها صداقا فلما حضرته الوفاة أعطاها عن صداقها سهمه بخيبر، ولان المقصود في النكاح أعيان الزوجين دون المهر، ولهذا يجب ذكر الزوجين في
العقد، وانما العوض فيه تبع بخلاف البيع، فإن المقصود فيه العوض، ولهذا لا يجب ذكر لبائع والمشترى في العقد إذا وقع من وكيليهما.
стр. 1707
(مسألة) وليس لاقل الصداق حد عندنا، بل كل ما يتمول وجاز أن يكون ثمنا لشئ أو أجرة جاز أن يكون صداقا، وبه قال عمر رضى الله عنه وابن عباس وابن المسيب والحسن وربيعة والاوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق رضى الله عنهم قال القاضى أبو القاسم الصيمري: ولا يصح أن يكون الصداق نواة أو قشرة بصلة أو قمع باذنجان أو ليطة أو حصاة.
هذا مذهبنا.
وقال مالك وأبو حنيفة: أقل الصداق ما تقطع به يد السارق، إلا أن ما تقطع به يد السارق عند مالك ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وعند أبى حنيفة دينار أو عدة دراهم، فإن أصدقها دون العشرة دراهم.
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: كملت العشرة.
وقال زفر يسقط المسمى ويجب مهر المثل، وقال ابن شبرمة أقله خمسة دراهم، وقال النخعي أقله أربعون درهما.
وقال سعيد بن جبير أقله خمسون درهما.
دليلنا قوله تعالى (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) الاية، وقوله ﷺ : أدوا العلائق، ثم قال ﷺ : والعلائق ما تراضوا عليه الاهلون.
وقوله ﷺ التمس شيئا، التمس ولو خاتما من حديد، وهذه عمومات تقع على القليل والكثير، وروى أن عبد الرحمن بن عوف أتى النبي ﷺ وعليه علامات التزويج وقال: تزوجت إمرأة من الانصار قال ﷺ : ما سقت إليها، قال: نواة من ذهب فقال ﷺ أولم ولو بشاة.
والنواة خمسة دراهم.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: من استحل بدرهمين فقد استحل.
ولان كل ما جاز أن يكون ثمنا جاز أن يكون مهرا كالمجمع عليه، وأما أكثر الصداق فليس له حد، وهو إجماع لقوله تعالى (وآتيتم إحداهن قنطارا) الاية فأخبر تعالى أن القنطار يجوز أن يكون صداقا.
قال ابن عباس: القنطار سبعون ألف مثقال، وقال أبو صالح: مائة رطل وقال معاذ ألف ومائتا أوقية.
وقال أبو سعيد الخدرى القنطار ملء مسك ثور ذهبا، ومسك الثور جلده.
وروى عن عمر رضى الله عنه أنه خطب الناس وقال يا معاشر الناس لا تغالوا
стр. 1708
في صدقات النساء، فوالله لا يبلغني أحد زاد على مهر أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلَا جعلت الفضل في بيت المال، فعرضت له إمرأة من قريش، فقالت كتاب الله أولى أن يتبع، إن الله يعطينا ويمنعنا ابن الخطاب، فقال: أبن، قالت: قال الله تعالى (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) الاية.
فقال: فليضع الرجل ماله حيث شاء.
وفى رواية كل الناس أفقه من عمر، فرجع عن ذلك، وروى أنه رضى الله عنه تزوج أم كلثوم بنت على كرم الله وجهه وأصدقها أربعين ألف درهم.
وروى أن عبد الله بن عمر زوج بنات أخيه عبيد الله على صداق عشرة آلاف درهم، وتزوج أنس رضى الله عنه إمرأة وأصدقها عشرة آلاف درهم، وتزوج الحسن ﵇ إمرأة وبعث إليها مائة جارية ومع كل جارية ألف درهم، ثم طلقها وتزوجها رجل من بنى تميم فأصدقها مائة ألف درهم، وتزوج مصعب ابن الزبير بعائشة بنت طلحة واصدقها مائة ألف درهم.
قال الشافعي رضى الله عنه: والاقتصاد في المهر أحب إلى من المغالاة فيه لما روت عائشة ام المؤمنين ﵍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ اعظم
النكاح بركة اخفه مؤنة.
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ خيرهن ايسرهن مهرا.
وروى سهل بن سنان إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ايما رجل اصدق صداقا ونوى انه لا يؤديه لقى الله وهو زان، وإيما رجل ادان دينارا ونوى ان لا يؤديه لقى الله وهو سارق.
والمستحب ان لا يزيد على خمسمائة درهم، وهو صداق ازواج النبي ﷺ وبناته عليهن سلام الله ورحمته لما روي عن عائشة قالت: كان صداق أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثنا عشر اوقيه ونشأ قالت والنش نصف اوقيه، والاوقيه اربعون درهما.
(فرع)
ولو تواعدوا في السر على ان الصداق مائه، وعلى انهم يظهرون للناس انه ألف كما يشيع ذلك في زماننا هذا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي موضع: المهر مهر السر.
وقال في موضع: المهر مهر العلانية.
قال اصحابنا البغداديون ليست على قولين وإنما هي على حالين، فالموضع الذى قال المهر مهر السر، اراد إذا عقدوا النكاح اولا في العلانيه بألف ثم عقدوا ثانيا في السر بمائه
стр. 1709
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: في المهر قولان والاول هو المشهور، فان قال الولى: زوجتك ابنتى بألف فقال الزوج: قبلت نكاحها بخمسمائة وجب لها مهر مثلها لان الايجاب والقبول لم يتفقا على مهر واحد.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
ويجوز أن يكون الصداق دينا وعينا وحالا ومؤجلا لانه عقد على المنفعة فجاز بما ذكرناه كالاجارة.
(فصل)
ويجوز أن يكون منفعه كالخدمه وتعليم القرآن وغيرهما من المنافع المباحة لقوله (إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج) فجعل الرعى صداقا وزوج النبي ﷺ الواهبة من الذى
خطبها بما معه من القرآن، ولا يجوز أن يكون محرما كالخمر وتعليم التوراة وتعليم القرآن للذميه، لا تتعلمه للرغبه في الاسلام، ولا ما فيه غرر كالمعدوم والمجهول ولا ما لم يتم ملكه عليه كالمبيع قبل القبض، ولا ما لا يقدر على تسليمه كالعبد الابق والطير الطائر، لانه عوض في عقد فلا يجوز بما ذكرناه كالعوض في البيع والاجارة، فإن تزوج على شئ من ذلك لم يبطل النكاح، لان فساده ليس بأكثر من عدمه، فإذا صح النكاح مع عدمه صح مع فساده، ويجب مهر المثل لانها لم ترض من غير بدل، ولم يسلم لها البدل، وتعذر رد المعوض فوجب رد بدله كما لو باع سلعه بمحرم وتلفت في يد المشترى.
(الشرح) يصح أن يكون الصداق دينا وعينا، فإذا كان دينا صح أن يكون حالا ومؤجلا، فإن أطلق كان حالا كما قلنا في الثمن، ويصح أن يكون الصداق منفعه يصح عقد الاجارة عليها كمنفعة العبيد والبهائم والارض والدور لانه عقد على المنفعة فجاز بما ذكرناه كالاجارة.
(فرع)
ويصح أن تكون منفعة الحر صداقا كالخياطه والبناء وتعليم القرآن وما أشبه ذلك مما يصح استئجاره عليه، وبه قال مالك ﵀ إلا أنه قال: يكره ذلك.
وقال أبو حنيفة ﵀ لا يصح.
стр. 1710
دليلنا قوله تعالى (إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج) فذكر أن الرعى صداق في شرع من قبلنا ولم يعقبه بنكير، وزوج رسول الله ﷺ المرأة التى وهبت نفسها مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ للذى خطبها بما معه من القرآن، تقديره على تعليم ما معه من القرآن، لان القرآن لا يجوز أن يكون صداقا، ولان كل منفعة جاز أن يستحق بعقد الاجارة جاز أن يستحق بعقد النكاح كمنفعة العبيد والارض.
(فرع)
وما لا يصح بيعه كالكلب والخنزير والسرجين والمجهول والمعدوم وما لم يتم ملكه عليه والمنافع التى لا يصح الاستئجار عليها لا يصح أن يكون شئ من ذلك صداقا لانه عوض في عقد فلم يصح فيها ذكره، كالبيع والاجارة إذا ثبت هذا فان عقد النكاح لمهر باطل أو مجهول لم يبطل النكاح، وبه قال أبو حنيفة وأكثر أهل العلم.
وقال مالك ﵀ لا يصح النكاح.
وحكى المسعودي أنه قول الشافعي ﵀ في القديم، وليس بمشهور.
دَلِيلُنَا قَوْلُهُ ﷺ : لَا نِكَاحَ إلَّا بولي مرشد وشاهدي عدل.
ولم يفصل بين أن يكون المهر صحيحا أو فاسدا ولانه عقد نكاح فلم يبطل بفساد المهر كما لو تزوجها على دراهم مغصوبة، فإن مالكا وافقنا على هذا، ولان النكاح إذا انعقد مع عدم ذكر المهر فلان ينعقد مع فساده أولى، فإذا عقد النكاح بمهر باطل وجب لها مهر المثل أو المسمى.
دليلنا أنها دخلت في العقد على أن يكون لها المسمى، فإذا لم يسلم وتعذر رجوعها إلى بعضها رجعت إلى قيمته، كما لو اشترى عبدا شراء فاسدا وقبضه وتلف في يده.
وإن تزوجها على شئ موصوف في ذمته لزمه تسليم ذلك على ما وصف.
وقال أبو حنيفة وأحمد: إن شاء سلم الموصوف بصفته وان شاء دفع قيمته وعن أبى حنيفة في الثوب صداقا روايتان، إحداهما كقولنا أنه يسلم الثوب الموصوف الذى في ذمته، والثانية دفع قيمته، دليلنا أن هذه تسمية صحيحه فلم يخير بين دفع المسمى وبين دفع قيمته كالمكيل والموزون
стр. 1711
(فرع)
إذا قالت المرأة لوليها: زوجنى بلا مهر أو بأقل من مهر مثله فنقل أصحابنا البغداديون أن النكاح صحيح في جميع هذه المسائل ولها مهر مثلها.
وقال
المسعودي: هل ينعقد النكاح في جميع هذه المسائل؟ فيه قولان.
قال ومن أصحابنا من قال لا ينعقد النكاح من الوكيل قولا واحدا، لانه يزوج بالنيابة عن الولى والاصح الطريق الاول، لان النكاح لا يفسد عندنا بفساد المهر، هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: إذا زوج ابنته الصغيرة بأقل من مهر مثلها وكان ذلك المهر لا ينقص عن أقل المهر، وهى عشرة دراهم صح المهر.
دليلنا أن البنت إذا أذنت لعمها في العقد فزوجها بأقل من مهر مثلها بغير إذنها استحقت مهر مثلها، فكذلك الاب والجد، ولان الاب والجد لا يجوز أن يبيعا مال الصغيرة بأقل من ثمن مثله، فكذلك لا يجوز لهما تزويجها بأقل من مهر مثلها.
وإن زوج الرجل وليته بأرض أو عرض أو بغير نقد البلد فهل يصح المهر؟ لا أعلم فيه نصا، بمعنى أنها في مصر وأصدقها بالدولار أو بالاسترليني أو بالدينار العراقى أو بالليرة السورية أو بريال تريزة أو بالجنيه السعودي، فالذي يقتضى القياس إن كان الولى أبا أو جدا، أو كانت المنكوحة صغيرة أو مجنونة صح المهر إذا كان قيمة ذلك مثل مهر مثلها، كما يجوز أن ببتاع لها ذلك بمالها.
وان كان الولى غيرهما من العصبات، أو كان الولى أبا أو جدا والمنكوحة بالغة عاقلة لم يصح ذلك المهر إلا ان كان بإذنها ونطقها لانه لا ولاية له على مالها، وانما ولايته على عقد نكاحها بنقد البلد.
وإن كانت المنكوحة مجنونه وكان وليها الحاكم، ورأى أن يزوجها بشئ من العروض وقيمته قدر مهر مثلها صح ذلك لانه يجوز له التصرف بمالها.
(مسأله) إذا تزوجها وأصدقها تعليم القرآن مدة معلومة صح ذلك إذا كانت المدة متصلة بالعقد، وتطالبه بالتعليم في تلك المدة على حسب عادة التعليم، ولها أن تطالبه بتعليم ما شاءت من القرآن وإن كان الصداق تعليم شئ القرآن
فيشترط أن يذكر السورة التى يعلمها.
стр. 1712
فان أصدقها تعليم عشرين من سورة كذا ولم تبين الاعشار ففيه وجهان
(أحدهما)
يصح لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للرجل الذى خطب الواهبة (ما معك من القرآن؟ قال سورة البقرة والتى تليها، فقال ﷺ : زوجتك بما معك على أن تعلمها عشرين آية) ولم يفصل.
(والثانى)
لا يصح، لان الاعشار تختلف.
وأما الخبر فانما نقل الراوى جواز تعليم القرآن في الصداق ولم ينقل غير الصداق، ولا يجوز في صفة الرسول الله ﷺ أن يعقد الصداق على مجهول.
وهل من شرطه أن يبين الحرف الذى يعلمها كحرف نافع وابن كثير وغيرهما.
فيه وجهان مضى بيانهما في الاجارة.
فان أصدقها تعليم سورة وهو لا يحفظها فان كان على أن يحصل لها تعليمها صح ذلك ويستأجر محرما لها أو امرأة تعلمها أو يتعلمها هو بنفسه ثم يعلمها وان كان على أن يعلمها هو بنفسه ففيه وجهان.
(أحدهما)
يصح كما لو أصدقها ألف درهم في ذمته ولا يملك شيئا.
(والثانى)
لا يصح، كما لو أصدقها خدمة عبد لا يملكه، وإن أصدقها تعليم سورة فأتت بامرأة غيرها لتعلمها مكانها فهل يلزمه تعليمها.
فيه وجهان
(أحدهما)
يلزمه كما لو أكترت منه دابة لتركبها إلى بلد فأرادت أن تركبها مثلها
(والثانى)
لا يلزمه، لان له غرضا في تعليمها لانه أطيب له لانه يلتذ بكلام غيرها، ولانه أصدقها ايفاع منفعه في عين فلا يلزمه ايقاعها في غيرها، كما لو أصدقها خياطة ثوب بعينه فأتت بثوب غيره ليخيطه فلا يلزمه ذلك، وان لقنها
فحفظت ثم نسيت، قال الشيخ أبو حامد فينظر فيها، فان علمها دون آيه فنسينها لم يعتد له بذلك، وكم القدر الذى إذا علمها اياه خرج من عهدة التعليم، فيه وجهان
(أحدهما)
أقله آيه، لانه يطلق عليه اسم التعليم، فعلى هذا إذا علمها آيه فنسيتها لم يلزمه تعليمها اياها ثانيا
(والثانى)
أقله سورة، لان ما دونها ليس بتعليم في العادة.
وذكر ابن الصباغ أنه إذا علمها ثلاث آيات سقط عنه عهدة التعليم وجهان واحدا، وهل يسقط عنه تعليم آيه أو آيتين.
فيه وجهان
стр. 1713
قال المصنف ﵀:
(فصل)
فان تزوج كافر بكافرة على محرم كالخمر والخنزير ثم أسلما أو تحاكما الينا قبل الاسلام نظرت فان كان قبل القبض سقط المسمى ووجب مهر المثل لانه لا يمكن اجباره على تسليم المحرم، وإن كان بعد القبض برئت ذمته منه كما لو تبايعا بيعا فاسدا وتقابضا، وإن قبض البعض برئت ذمته من المقبوض ووجب بقدر ما بقى من مهر المثل، فإن كان الصداق عشرة أزقاق خمر فقبضت منها خمسة ففيه وجهان.
(أحدهما)
بعتبر بالعدد فيبرأ من النصف ويجب لها نصف مهر المثل، لانه لا قيمة لها فكان الجميع واحدا فيها فسقط نصف الصداق، ويجب نصف مهر المثل
(والثانى)
يعتبر بالكيل لانه أحصر، وان أصدقها عشرة من الخنازير وقبضت منها خمسة ففيه وجهان.
أحدهما: يعتبر بالعدد فتبرأ من النصف ويجب لها نصف مهر المثل، لانه لا قيمة لها فكان الجميع واحدا.
والثانى: يعتبر بما له قيمة وهو الغنم فيقال: لو كانت غنما كم كانت قيمة ما قبض منها فيبرأ منه بقدره، ويجب بحصة ما بقى من مهر المثل، لانه لما لم تكن له قيمة
اعتبر بماله قيمة، كما يعتبر الحر بالعبد فيما ليس له أرش مقدر من الجنايات.
(فصل)
وإن أعتق رجل أمته على أن تتزوج به ويكون عتقها صداقها وقبلت لم يلزمها ان تتزوج به لانه سلف في عقد فلم يلزم كما لو قال لامرأة خذى هذا الالف على أن تتزوجى بى وتعتق الامة لانه اعتقها على شرط باطل فسقط الشرط وثبت العتق كما لو قال لعبده ان ضمنت لى خمرا فأنت حر فضمن ويرجع عليها بقيمتها لانه لم يرض في عتقها إلا بعوض ولم يسلم له وتعذر الرجوع إليها فوجبت قيمتها كما لو باع عبدا بعوض محرم وتلف العبد في يد المشترى، وان تزوجها بعد العتق على قيمتها وهما لا يعلمان قدرها فالمهر فاسد.
وقال أبو على بن خيران: يصح كما لو تزوجها على عبد لا يعلمان قيمته وهذا خطأ لان المهر هناك هو العبد وهو معلوم والمهر ههنا هو القيمة وهى مجهولة
стр. 1714
فلم يجز وان أراد حيلة يقع بها العتق وتتزوج به ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول أبى على بن خيران أنه يمكنه ذلك بأن يقول ان كان في معلوم الله تعالى إنى إذا أعتقتك تزوجت بى فانت حرة فإذا تزوجت به علمنا أنه قد وجد شرط العتق وإن لم تتزوج به علمنا أنه لم يوجد شرط العتق
(والثانى)
وهو قول أكثر أصحابنا أنه لا يصح ذلك ولا يقع العتق ولا يصح النكاح لانه حال ما تتزوج به نشك أنها حرة أو أمة والنكاح مع الشك لا يصح فإذا لم يصح النكاح لم تعتق لانه لم يوجد شرط العتق، وان أعتقت إمرأة عبدا على أن يتزوج بها وقبل العبد عتق ولا يلزمه أن يتزوج بها لما ذكرناه في الامة ولا يلزمه قيمته لان النكاح حق للعبد فيصير كما لو أعتقته بشرط أن تعطيه مع العتق شيئا آخر ويخالف الامة فان نكاحها حق للمولى فإذا لم يسلم له رجع عليها بقيمتها.
وإن قال رجل لآخر أعتق عبدك عن نفسك على أن أزوجك ابنتى فأعتقه لم يلزمه التزويج لما ذكرناه، وهل تلزمه
قيمة العبد فيه وجهان بناء على القولين فيمن قال لغيره أعتق عبدك عن نفسك وعلى ألف فأعتقه، أحدهما يلزمه كما لو قال أعتق عبدك عنى على ألف، والثانى لا يلزمه لانه بذل العوض على ما لا منفعة له فيه.
(الشرح) إذا ترافع ذميان إلى حاكم المسلمين ليحكم بينهما في ابتداء العقد لم يحكم به بين المسلمين، فإن كانت المنكوحة بكرا أجبرها الاب والجد، وإن كانت ثيبا لم يصح تزويجها إلا بإذنها، وإن عضلها الولى زوجها حاكم المسلمين لانه يلى عليها بالحكم، وإن تحاكما في استدامته فإنه لا اعتبار بانعقاده على أي وجه كان، ولكن ينظر فيها، فان كانت ممن لا يجوز له ابتداء نكاحها في هذه الحال فرق بينهما، فان كانت ممن يجوز له ابتداء نكاحها أقرهما على نكاحها وان كان قد عقد لها بولي غير مرشد أو بغير شهود لانه عقد مضى في الشرك، فلا يجوز تتبعه ومراعاته، لان في ذلك إلحاق مشقة، وتنفيرا لهم عن الدخول في الطاعة، وفى هذا المعنى نزل قوله تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذروا ما بقى من الربا) فأمر بترك ما بقى في أيديهم من الربا وعفى عما قبض في الشرك،
стр. 1715
وإن تحاكما في الصداق أو أسلما وتحاكما، فإن كان قد أصدقها صداقا صحيحا حكم بصحته، وإن أصدقها صداقا فاسدا كالخمر والخنزير، فإن كانت قد قبضت جميعه في الشرك فقد سقط عنه جميعه وبرئت ذمته من الصداق، لان ما قبض في الشرك لا يجوز نقضه لما ذكرناه من الآية، ولقوله تَعَالَى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قد سلف) الآية.
وإن كانت لم تقبض شيئا حكم الحاكم بفساد المسمى، وأوجب لها مهر مثلها من نقد البلد.
وقال أبو حنيفة: لا يحكم لها إلا بما سمى لها.
دليلنا أنه لا يمكن أن يحكم عليها بتسليم المسمى لفساده فحكم لها بمهر صحيح.
وإن قبضت
بعضه في حال الشرك وبقى البعض سقط من المهر بقسط ما قبضته من المسمى، ووجب لها مهر المثل بقسط ما تقبضه من المسمى، لانها لو قبضت الجميع لم يحكم لها بشئ، ولو لم تقبض شيئا لحكم لها بمهر مثلها، فإذا قبضت البعض وبقى البعض فيقسط مهر المثل على المقبوض وعلى ما لم تقبض.
إذا ثبت هذا فإن كان أصدقها عشرة أزقاق خمر فقبضت منها بعضها فان كانت متساوية لا يفضل بعضها على بعض قسم المهر على أعدادها، فان قبضت خمسة سقط عنه نصف المهر ووجب لها نصف مهر مثلها، وإن كانت مختلفة فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أن المهر يقسط على أعدادها، لانه لا قيمة للخمر، فاستوى الصغير والكبير.
(والثانى)
يقسط على كيلها.
قال ابن الصباغ: وهو الاقيس، لانه لا يمكن اعتبار كيلها، وإن أصدقها عشرة خنازير أو عشرة كلاب وقبضت خمسة ففيه ثلاثة أوجه.
قال أبو إسحاق يعتبر بالعدد، سواء في ذلك الصغير والكبير فيسقط نصف المهر ويجب لها نصف مهر مثلها، لان الجميع لا قيمة له، فكان الجميع واحدا
(والثانى)
يعتبر التفاوت فيها، فيضم صغيران ويجعلان بإزاء كبير أو صغير ويجعلان بإزاء وسطين، ويقسط المهر على ذلك (والثالث) وهو قول أبى العباس بن صريح أنه يقال: لو كانت هذه الخنازير أو الكلاب مما يجوز بيعها كم كانت قيمتها فيقسط المهر على ذلك، لانه لا يمكن اعتبارها بأنفسها، فاعتبرت بغيرها كما قلنا في الجناية على الحر التى لا أرش لهما
стр. 1716
فقدر أنها تعتبر بالجناية على العبد، قال القاضى أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق: فعلى هذا تقدر لو كانت غنما، لانها أقرب إليها.
قالل ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح لان الغنم ليست من جنس الخنازير
والكلاب، فتعتبر بها بخلاف الحر والعبد، وينبغى على هذا أن تقوم بما يتبايعونها بينهم ليقدر ذلك، لان لها قيمة في الشرح كما يقدر أن لو جاز بيعها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويثبت في الصداق خيار الرد بالعيب، لان إطلاق العقد يقتضى السلامة من العيب، فثبت فيه خيار الرد كالعوض في البيع، ولا يثبت فيه خيار الشرط ولا خيار المجلس، لانه أحد عوضي النكاح فلم يثبت فيه خيار الشرط وخيار المجلس كالبضع، ولان خيار الشرط وخيار المجلس جعلا لدفع الغين، والصداق لم يبن على المغابنة، فإن شرط فيه خيار الشرط فقد قال الشافعي ﵀: يبطل النكاح، فمن أصحابنا من جعله قولا لانه أحد عوضي النكاح فبطل النكاح بشرط الخيار فيه كالبضع.
ومنهم من قال لا يبطل وهو الصحيح.
كما لا يبطل إذا جعل المهر خمرا أو خنزيرا، وما قال الشافعي ﵀ محمول على ما إذا شرط في المهر والنكاح، ويجب مهر المثل لان شرط الخيار لا يكون الا بزيادة.
جزء أو نقصان جزء، فإذا سقط الشرط وجب اسقاط ما في مقابلته، فيصير الباقي مجهولا فوجب مهر المثل.
وان تزوجها بألف على أن لا يتسرى عليها أو لا يتزوج عليها بطل الصداق لانه شرط باطل أضيف إلى الصداق فأبطله، ويجب مهر المثل لما ذكرناه في شرط الخيار.
(الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه (إذا كان النكاح بألف على أن لابيها ألفا فالمهر فاسد) وجملة ذلك أنه إذا تزوج امرأة بألف على أن لابيها أو لعمها ألفا أخرى فالنكاح صحيح والمهر فاسد ولها مهر مثلها.
وانما صح النكاح لانه لا تفتقر صحته إلى صحة المهر، وانما فسد المهر لان قوله على ان لابيها ألفا ان أراد أن ذلك جميع الالفين صداقا فالصداق لا تستحقه غير الزوجة،
стр. 1717
فإذا فسد الشرط سقط المهر وقد نقصت المرأة من صداقها جبرا لاجل الشرط وإذا سقط الشرط وجب أن يرد إلى المهر الجزء الذى نقصته لاجل الشَّرْطِ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ، وَالْمَجْهُولُ إذَا أُضِيفَ إلَى معلوم صار الجميع مجهولا، ولو أصدقها صداقا مجهولا لم يصح ووجب لها مهر مثلها بالغا ما بلغ.
وقال الشافعي في القديم: إذا تزوجها على ألف على أن لابيها ألفا ولامها ألفا صح النكاح واستحقت الثلاثة الاف، وبه قال مالك.
قال أبو على بن أبى هريرة فيجئ على هذا أن الالفين في الاولة للزوجة وهذا مخالف لما نقله المزني، وذكره الشافعي في الام في التى قبلها، والاول أصح لانه إنما أصدقها ألفا لا غير، وما شرطه وأمها لا يستحقانه ولا تستحقه الزوجة لما قدمناه في التى قبلها.
إذا ثبت هذا فذكر المزني بعد الاولة، ولو نكح امرأة على ألف وعلى أن يعطى أباها ألفا كان جائزا ولها منعه وأخذها منه لانها هبة لم تقبض أو وكالة.
قال أصحابنا: أخطأ المزني في النقل، لا فرق بين هذه والاولة، ويكون المهر فاسدا، وانما نقل المزني جواب مسألة ثالثه، ذكرها الشافعي رضى الله عنه في الام، وهو إذا تزوجها بألفين على أن تعطى أباها منها ألفا فيكون المهر جائزا لانها قد ملكت الالفين بالعقد وما شرطه عليها من دفعها لابيها ألفا لا يلزمها لانه ان كان هبة منها فلا يلزم عليها قبل القبض أو على سبيل الوكالة منها لابيها بالقبض، وذلك لا يلزم عليها، وإذا لم يلزمها سقط ولا يؤثر ذلك في المهر.
لان المرأة لم ينقص من مهرها شئ لاجل هذا الشرط ولا الزوج زاد في مهرها لكى تعطى أباها، لانه لا منفعة له في ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: وكذلك إذا أصدقها ألفين على أن يعطى الزوج منها ألفا لابيها لم يؤثر ذلك: لان ذلك هبة منها أو توكيل في قبضها والتصرف لها
لا حق للزوج في ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: ومعنى هذا عندي أنه لم يرد به الشرط، وانما أراد به أنه تزوجها على ألفين على أن لها أن تعطى أباها ألفا ويعطى هو أباها ألفا فالحكم ما ذكرنا، فأما إذا أخرج ذلك مخرج الشرط فينبغي ان يفسد المهر، لانه لم يملكها المهر ملكا تاما فيبطل.
وقد حكى الصيمري هذا عن بعض أصحابنا،
стр. 1718
ثم قال الصيمري هو قياس التحقيق لو كان من عقود المعاوضات وما الغرض فيه العتق.
فأما ما هو خلاف ذلك فلا.
(فرع)
إذا تزوج امرأة بألف على أن يطأها ليلا ونهارا، أو على أن ينفق عليها ويكسوها ويسافر بها على أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه صح ذلك ولم يؤثر في الصداق، لان ذلك من مقتضى العقد، وإن شرط على أن له أن يتزوج عليها أو يتسرى صح ولم يؤثر لانه لا ينافى مقتضاه وإن تزوجها بمائة على أن لا يتزوج أو لا يتسرى عليها، أو على أن لا يسافر بها أو على أن لا يكلم أباها وأمها أو على أن لا يكسوها ولا ينفق عليها أو على أن لها أن تخرج من بيتها متى شاءت فالنكاح صحيح والشرط والمهر فاسدان، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال أحمد: الشرط صحيح ومتى لم يف لها به ثبت لها الخيار في فسخ النكاح وروى ذلك عن عمر رضى الله عنه ومعاوية وعمر بن عبد العزيز وشريح وأبى الشعثاء رضى الله عنهم.
دليلنا قوله ﷺ : كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ باطل، وهذا الشرط ليس في كتاب الله، ويجب لها مهر مثلها، لانها تركت لاجل الشرط جزءا من المهر، فإذا سقط الشرط وجب رد الجزء وهو مجهول، وإذا صار الصداق مجهولا وجب لها مهر مثلها.
وقال أبو على بن خيران: يجب لها أقل الامرين من المسمى أو مهر المثل والمذهب الاول، لان المسمى قد سقط اعتباره، وإنما الاعتبار بمهر المثل، وإن تزوجها على ألف ان لم يخرجها من بلدها وعلى ألفين إن أخرجها فالمهر فاسد ويجب لها مهر مثلها.
وقال أبو حنيفة: إن وفى لها بالشرط الاول كان لها الالف وان لم يف لها كان لها مهر مثلها.
وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان.
دليلنا انه دخل في العقد على التخيير بين عوضين فكان العوض فاسدا كما لو قال: بعتك بألف نقدا وبألفين نسيئة.
(فرع)
إذا اشترطت المرأة على الزوج حال العقد أن لا يطأها أو على أن يطأها في الليل دون النهار، أو على أن لا يدخل عليها سنة بطل النكاح لان ذلك
стр. 1719
شرط ينافى مقتضى العقد وان شرط الزوج ذلك عليها في العقد لم يبطل النكاح لان ذلك حق له يجوز له تركه فلم يؤثر شرطه ولا يلزمه الوفاء بالشرط لِقَوْلِهِ ﷺ : كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ باطل.
وليس هذا في كتاب الله فكان باطلا.
(فرع)
إذا تزوج امرأة بمهر وشرط خيار المجلس أو خيار الثلاث في عقد النكاح فسد النكاح، لان النكاح لا يقع إلا لازما، فإذا شرط فيه الخيار نافى ذلك مقتضاه فأبطله.
وإن شرط الخيار في الصداق فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْمُخْتَصَرِ: كان المهر فاسدا.
وظاهر هذا أن النكاح صحيح.
وقال في الاملاء ان المهر والنكاح باطلان.
واختلف أصحابنا فيها فمنهم من قال هي على حالين، فحيث قال يبطلان أراد إذا شرط الخيار في النكاح والمهر أو في النكاح وحده، وحيث قال لا يبطل النكاح أراد إذا شرط الخيار في المهر وحده، فهل يصح
النكاح.
فيه قولان.
(أحدهما)
لا يصح لانه أحد عوض النكاح فبطل النكاح بشرط الخيار فيه كما لو شرطه في البضع
(والثانى)
يصح النكاح وهو الصحيح لانه لو جعل الصداق خمرا أو خنزيرا لم يبطل النكاح، فلان لا يفسد إذا شرط الخيار في المهر أولى، فإذا قلنا بهذا ففى المهر والخيار ثلاثة أوجه حكاها الشيخ أبو حامد (أحدها) أن المهر والخيار صحيحان، لان المهر كالثمن في البيع، فلما ثبت جواز الخيار في الثمن ثبت جوازه في المهر
(والثانى)
أن المهر صحيح والخيار باطل، لان المقصود هو الصداق والخيار تابع، فثبت المقصود وبطل التابع (والثالث) أن المهر والخيار باطلان وهو المنصوص في الام لان الخيار لما لم يثبت في العوض وهو البضع لم يثبت في المعوض، وإذا سقط الخيار فقد ترك لاجله جزء من المهر فيجب رده وذلك مجهول.
وإذا كان المهر مجهولا وجب مهر المثل.
قال الشيخ أبو حامد: الوجهان الاولان لا يساويان استماعهما.
(فرع)
ويثبت في الصداق خيار الرد بالعيب الفاحش واليسير وما يعد عيبا في مثله.
وقال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف: يرد بالفاحش دون اليسير.
دليلنا أن إطلاق العقد يقتضى سلامة المهر من العيب، فإذا رد بالفاحش رد باليسير كالمبيع
стр. 1720
قال المصنف ﵀:
(فصل)
وتملك المرأة المسمى بالعقد ان كان صحيحا، ومهر المثل إن كان فاسدا، لانه عقد يملك المعوض فيه بالعقد فملك العوض فيه بالعقد كالبيع، وان كانت المنكوحة صغيرة أو غير رشيدة سلم المهر إلى من ينظر في مالها، وان كانت بالغة رشيدة وجب تسليمه إليها، ومن أصحابنا من خرج في البكر البالغة قولا آخر أنه يجوز أن يدفع إليها أو إلى أبيها وجدها، لانه يجوز إجبارها على النكاح
فجاز للولى قبض صداقها بغير إذنها كالصغيرة، فان قال الزوج لا أسلم الصداق حتى تسلم نفسها، فقالت المرأة: لا أسلم نفسي حتى أقبض الصداق ففيه قولان.
(أحدهما)
لا يجبر واحد منهما بل يقال: من سلم منكما أجبرنا الاخر.
(والثانى)
يؤمر الزوج بتسليم الصداق إلى عدل وتؤمر المرأة بتسليم نفسها فإذا سلمت نفسها أمر العدل بدفع الصداق إليها كالقولين فيمن باع سلعه بثمن معين، وقد بينا وجه القولين في البيوع، فان قلنا: بالقول الاول لم تجب لها النفقة في حال امتناعها، لانها ممتنعه بغير حق، وان قلنا بالقول الثاني وجبت لها النفقة لانها ممتنعة بحق وان تبرعت وسلمت نفسها ووطئها الزوج أجبر على دفع الصداق وسقط حقها من الامتناع، لان بالوطئ استقر لها جميع البدل فسقط حق المنع كالبائع إذا سلم المبيع قبل قبض الثمن.
(الشرح) الاحكام: تملك المرأة جميع المهر المسمى لها بنفس العقد إن كان ما سماه صحيحا، وان كان باطلا ملكت مهر المثل، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رضى الله عنه وقال مالك رضى الله عنه: تملك نصف المسمى بالعقد والنصف الباقي أمانة في يدها للزوج فإن دخل بها استقر ملكها على الجميع.
دليلنا قوله تعالى (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) فلولا أنهن ملكنه لما أمر بتسليمه اليهن، ولانه عوض عن مقابلة معوض فملك في الوقت التى تملك به المعوض كالاثمان في البيع، وان كانت المنكوحة صغيرة أو كبيرة.
مجنونة أو سفيهة فللاب والجد أن يقبض صداقها لان له ولاية على مالها، وإن كانت بالغة
следующие страницы →