يصح من غير شرط القطع صح الصلح ههنا، وان قلنا لا يصح أن يشترى زرعا
في أرضه الا بشرط القطع لم يصح ههنا (فرع)
قال ابن الصباغ: وان ادعى على رجل زرعا في أرضه فأقر له بنصفه ثم صالحه منه على نصفه على نصف الارض لم يجز، لان من شرط بيع الزرع قطعه.
وذلك لا يمكن في المشاع، وان صالحه منه عى جميع الارض بشرط القطع على أن يسلم إليه الارض فارغة صح، لان قطع جميع الزرع واجب نصفه بحكم الصلح والباقى لتفريغ الارض فأمكن القطع وجرى مجرى من اشترى أرضا فيها زرع وشرط تفريغ الارض فانه يجوز، كذلك ههنا وان أقر له بجميع الزرع وصالحه من نصفه على نصف الارض ليكون الزرع والارض بينهما نصفين، وشرط القطع في الجميع، فان كان الزرع زرع في الارض بغير حق جاز الصلح لان الزرع يجب قطع جميعه، وان كان الزرع زرع لحق لم يصح الصلح، لانه لا يمكن قطع الجميع وذكر الشيخ أبو حامد الاسفراينى في التعليق أن أصحابنا قالوا: إذا كان له زرع أرض غيره فصالح صاحب الزرع صاحب الارض من نصف الزرع على نصف الارض بشرط القطع جاز، لان نصف الزرع قد استحق قطعه بالشرط، والنصف الاخر قد استحق أيضا قطعه لانه يحتاج إلى تفريغ الارض ليسلها فوجب أن يجوز.
قال وهذا ضعيف.
أما النصف فقد استحق قطعه.
وأما النصف الاخر فلا يحتاج إلى قطعه.
لانه يمكن تسليم الارض وفيها زرع قال ابن الصباغ: ولان باقى الزرع ليس يمنع فلا يصح شرط قطعه في العقد، ويفارق ما ذكرناه إذا أقر بنصف الزرع وصالحه على جميع الارض، لانه بشرط تفريغ المبيع، والله أعلم وبه التوفيق ومنه العون سبحانه
стр. 422
قال المصنف رحمه الله تعالى:
كتاب الحوالة
تجوز الحوالة بالدين، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " مطل الغنى ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع " (الشرح) الحول: الحيلة أو القوة أو السنة، وحال الغلام وحالت الدار أتى عليها الحول.
وحالت القوس اعوجت، وحال اللون تغير.
والحال: الطين.
والتحول التنقل والاسم الحول، ومنه قوله تعالى (لا يبغون عنها حولا) وذكر الازهرى عن الزجاج أن الحول مصدر كالصغر، وأحال الرجل أتى بالمحال، وأحال عليه بدينه، والاسم الحوالة بفتح الحاء، المحالة في قولهم: لا محالة.
أي لابد.
والملئ: الغنى الواسع الثراء، ومن هنا تكون الحوالة نقل حق من ذمة إلى ذمة من قولهم: حولت الشئ من موضع إلى موضع إذا نقله إليه.
أما حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رَوَاهُ البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه باللفظ الذى ساقه المصنف، ورواه أحمد بلفظ " مطل الغنى ظلم، ومن أحيل على ملئ فليحتل " وعند ابن ماجه من حديث ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " مطل الغنى ظلم وإذا أحلت على ملئ فاتبعه " وإسناده: حدثنا اسماعيل بن توبة ثنا هشيم عن يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر.
واسماعيل بن توبة قال ابن أبى حاتم صدوق وبقية رجاله رجال الصحيح.
وقد أخرجه الترمذي وأحمد أيضا والحوالة لا تتم إلا بثلاثة أنفس، محيل.
وهو من يحيل بما عليه، ومحتال.
وهو من يحتال بما له من الحق، ومحال عليه، وهو من ينتقل حق المحتال إليه.
واختلفوا هل هي بيع دين بدين، ورخص فيه فاستثنى عن بيع الدين بالدين.
أو هي استيفاء.
وقيل هي عقد إرفاق مستقبل، ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف.
والمحتال عند الاكثر، والمحال عليه عند بعض، ويشترط أيضا تماثل التقدير
стр. 423
في الصفات وأن يكون في شئ معلوم، ومنهم من خصها بالنقدين ومنعها في الطعام لانها بيع طعام قبل أن يستوفى.
قوله " مطل الغنى " الجمهور على أنه من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمعنى أنه يحرم على الغنى القادر أن يمطل صاحب الدين، بخلاف العاجز.
وقيل هو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي يجب على المستدين أن يوفى صاحب الدين.
ولو كان المستحق للدين غنيا فإن مطله ظلم، فكيف إذا كان فقيرا، فإنه يكون ظلما بالاولى، ولا يخفى بعد هذا.
كما قال الحافظ بن حجر والمطل في الاصل المد.
وقال الازهرى: المدافعة قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر.
قوله " وإذا أتبع " بهمز القطع وإسكان التاء المثناة الفوقية على البناء للمجهول قال الامام النووي: هذا هو المشهور في الرواية واللغة.
وقال القرطبى: أما أتبع فبضم الهمزة وسكون التاء مبنيا لما لم يسم فاعله عند الجميع.
وأما فليتبع فالاكثر على التخفيف.
وقيده بعضهم بالتشديد، والاول أجود، وتعقب الحافظ ما ادعاه من الاتفاق.
يقول الخطابى: إن أكثر المحدثين يقولونه.
يعنى اتبع بتشديد التاء والصواب التخفيف.
والمعنى إذا أحيل فليحتل كما وقع في الرواية الاخرى قوله " على ملئ " قيل هو بالهمز، وقيل بغير همز، ويدل على ذلك قول الكرماني: الملئ كالغنئ لفظا ومعنى وقال الخطابى: إنه في الاصل بالهمز.
ومن رواه بتركها فقد سهله قوله " فاتبعه " قال الحافظ بن حجر: هذا بتشديد التاء بلا خلاف
(قلت) وحديث أبى هريرة وحديث ابن عمر يدلان على أنه يجب على من أحيل بحقه على ملئ أن يحتال، والى هذا ذهب أهل الظاهر وأكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير، وحمله الجمهور على الاستحباب.
قال ابن حجر: ووهم من نقل فيه الاجماع.
وقد اختلف في المطل من الغنى هل هو كبيرة أم لا؟ وقد ذهب الجمهور إلى أنه موجب للفسق، واختلفوا هل يفسق بمرة أو يشترط التكرار؟ وهل تعتبر
стр. 424
الطلب من المستحق أم لا؟ قال في فتح الباري: وهل يتصف بالمطل من ليس القدر الذى عليه حاضرا عنده، لكنه قادر على تحصيله بالتكسب مثلا؟ قولان عندنا (أولهما) عدم الوجوب
(والثانى)
الوجوب مطلقا، وفصل أصحاب قول ثالث بين أن يكون أصل الدين بسبب يعصى به فيجب وإلا فلا.
قال الشوكاني: والظاهر الاول لان القادر على التكسب ليس بملئ، والوجوب إنما هو عليه فقط، لان تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
ولا تجوز إلا على دين يجوز بيعه، كعوض القرض، وبدل المتلف، فأما مالا يجوز بيعه كدين السلم ومال الكتابة فلا تجوز الحوالة به، لان الحوالة بيع في الحقيقة، لان المحتال يبيع ماله في ذمة المحيل بما له في ذمة المحال عليه، والمحيل يبيع ماله في ذمة المحال عليه بما عليه من الدين، فلا يجوز إلا فيما يجوز بيعه.
(الشرح) الاحكام: تجوز الحوالة بعوض القرض وبدل المتلف، لانه حق ثابت مستقر في الذمة، فجازت الحوالة به كبيعه قال الشيخ أبو حامد الاسفرايينى: وتجوز الحوالة بثمن المبيع لانه دين
مستقر.
وهل تجوز الحوالة بالثمن في مدة الخيار؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ
(أحدهما)
وهو قول القاضى أبى حامد: لا تصح الحوالة به لانه ليس بثابت.
(والثانى)
يصح لانه يؤول إلى اللزوم ولا تجوز الحوالة بالمبيع لانه غير مستقر، لانه قد يتلف قبل القبض فيبطل البيع فيه.
(فرع)
ولا تجوز الحوالة بدين السلم ولا عليه، لان دين السلم غير مستقر لانه يعرضه للفسخ انقطاع المسلم فيه، ولا تصح الحوالة به لانها لم تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه والسلم لا يجوز أخذ العوض عنه، وذلك لقوله ﷺ " من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى غيره " وأما المكاتب إذا حصلت عليه ديون لغير سيده من المعاملة، وله ديون جاز
стр. 425
أن يحيل بعض غرمائه على بعض، وجاز لغرمائه أن يحيلوا عليه بما لهم في ذمته.
لان الحق ثابت في ذمته.
وأما ما في ذمته من مال الكتابة فلا يجوز لسيده أن يحيل به عليه، لانه غير مستقر، لان له أن يعجز نفسه متى شاء، فلا معنى للحوالة به، وإن أراد المكاتب أن يحيل سيده بمال الكتابة الذى عليه على غريم للمكاتب قال ابن الصباغ صحت الحوالة.
(قلت) وقد قال أصحاب أحمد كقولنا في كل ما ذكرنا وفى الدين على المكاتب وله حكمه حكم الاحرار، وكذلك ما في ذمته من مال الكتابة له أن يحيل سيده على غرمائه وتبرأ ذمته من مال الكتابة بهذه الحوالة، ويكون ذلك بمنزلة القبض، ولا يصح لسيده أن يحيل مال الكتابة إلى غرمائه لانه يستطيع أن يعجز نفسه.
واشترط صاحب المجموع أن يكون النجم قد حل لانه بمنزلة أن يقضيه
ذلك من يده، وان كان لسيده عليه مال من جهة المعاملة فهل يجوز للسيد أن يحيل غريما له عليه، فيه وجهان حكاهما الطبري
(أحدهما)
يصح.
ولم يذكر ابن الصباغ غيره، لانه دين لازم
(والثانى)
لا يصح لانه قد يعجز نفسه فيسقط ما في ذمته لنفسه من دين المعاملة وغيرها، لان السيد لا يثبت له مال على العبد قال الصيمري: وان أحاله رجل على عبده - فإن كان مأذونا في التجارة - جاز، وان كان غير مأذون ففيه وجهان، الاصح لا تصح الحوالة (فرع)
إذا أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول لم يصح لانه دين غير مستقر، وان أحالها الزوج به صح، لانه له تسليمه إليها وحوالته به تقوم مقام تسليمه، وان أحالت به بعد الدخول صح لانه مستقر قال المصنف ﵀:
(فصل)
واختلف أصحابنا في جنس المال الذى تجوز به الحوالة، فمنهم من قال لا تجوز الا بما له مثل، كالاثمان والحبوب وما أشبهها، لان القصد بالحوالة اتصال الغريم إلى حقه على الوفاء من غير زيادة ولا نقصان، ولا يمكنه ذلك الا فيما له مثل، فوجب أن لا يجوز فيما سواه، ومنهم من قال تجوز في كل ما يثبت
стр. 426
في الذمة بعقد السلم كالثياب والحيوان، لانه مال ثابت في الذمة يجوز بيعه قبل القبض، فجازت الحوالة به كذوات الامثال.
(فصل)
ولا تجوز الا بمال معلوم، لانا بينا أنه بيع فلا تجوز في مجهول واختلف أصحابنا في ابل الدية، فمنهم من قال لا تجوز.
وهو الصحيح لانه مجهول الصفة فلم تجز الحوالة به كغيره.
ومنهم من قال تجوز لانه معلوم العدد والسن فجازت الحوالة به.
(الشرح) الاحكام: تجوز الحوالة بالدراهم والدنانير وبما له مثل كالطعام
والادهان، وما استحدث في عصرنا هذا من صناعات بخارية وكهربية كالسيارة والثلاجة والغسالة والمرناة (التلفزيون) والمذياع بشرط أن تكون جديدة محددة الصفات حتى تتحق المثلية، فإذا كانت مستعملة وأمكن تحديد الهرش من حيث زمن الاستعمال وقدر الهرش وضبطه ووجد المثيل بشهادة الخبير الامين من غير زيادة أو نقصان جازت الحوالة، لان القصد بالحوالة ايفاء الغريم حقه من غير زيادة ولا نقصان، وذلك يحصل بما ذكرناه.
وهل تصح الحوالة بما لا مثل له مما يضبط بالصفة كالثياب والحيوان والعروض التى يصح السلم عليها؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يصح، لانه مال ثابت في الذمة مستقر فصحت الحوالة به، كالدراهم والدنانير
(والثانى)
لا يصح، لان المثل فيه لا ينحصر، ولهذا لا يضمن بمثله في الاتلاف.
فإذا قلنا بهذا لم تجز الحوالة بإبل الدية، وإذا قلنا بالاول فهل تصح الحوالة بإبل الدية.
فيه وجهان مخرجان من القولين للشافعي رضى الله عنه: إذا جنت امرأة على رجل موضحة فتزوجها على خمس من الابل في ذمتها له أرش جنايتها عليه.
وكذلك قال في الصلح: إذا كان له في ذمته أرش جناية خمس من الابل فصالح عنها، فهل يصح.
فيه قولان
(أحدهما)
يصح لانه دين مستقر في الذمة معلوم العدد والسن.
(والثانى)
لا يصح وهو الصحيح، لانها مجهولة الصفة، لا يتعين على من وجبت عليه أن يسلمها بخصوصها
стр. 427
وقال أصحاب أحمد لا تصح الحوالة فيما لا يصح السلم فيه، لانه لا يثبت في الذمة، ومن شرط الحوالة تساوى الدينين، فأما ما يثبت في الذمة سلما غير المثليات كالمذروع والمعدود، ففى صحة الحوالة به وجهان
(أحدهما)
لا تصح لان
المثل فيه لا يتحرر، ولهذا لا يضمنه بمثله في حالة الاتلاف (الثاني) تصح، ذكره القاضى من الحنابلة قال المصنف ﵀:
(فصل)
ولا تجوز الا أن يكون الحقان متساويين في الصفة والحلول والتأجيل، فإن اختلفا في شئ من ذلك لم تصح الحوالة، لان الحوالة ارفاق كالقرض، فلو جوزنا مع الاختلاف صار المطلوب منه طلب الفضل، فتخرج عن موضوعها، فان كان لرجل على رجلين ألف على كل واحد منهما خمسمائة، وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه خمسمائة، فأحال عليهما رجلا له عليه ألف، على أن يطالب من شاء منهما بألف، ففيه وجهان
(أحدهما)
تصح، وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفراينى ﵀، لانه لا يأخذ الا قدر حقه.
(والثانى)
لا تصح، وهو قول شيخنا القاضى أبى الطيب ﵀، لانه يستفيد بالحوالة زيادة في المطالبة، وذلك لا يجوز، ولان الحوالة بيع فإذا خيرناه بين الرجلين صار كما لو قال " بعتك أحد هذين العبدين " (الشرح) ولا تصح الحوالة الا ان كان الحقان من جنس واحد، فإن كان عليه لرجل دنانير فأحاله بها على رجل له عليه دراهم، أو حال من له عليه حنطة على من له شعير أو ذرة لم تصح الحوالة، لان موضوع الحوالة أنها لا تفتقر إلى رضى المحال عليه، فلو صححناها بغير جنس الحق لاشترط فيها رضاه، لانه لا يجبر على تسليم غير الجنس الذى عليه، ولان الحوالة تجرى مجرى المقاصة، لان المحبل سقط ما في ذمته بما له في ذمة المحال عليه، ثم المقاصة لا تصح من جنس بجنس آخر وكذلك الحوالة، ولا تصح الحوالة الا ان كان الحقان من نوع
стр. 428
واحد لما ذكرناه في الجنس.
فإن كان له على رجل ألف صحاح، فأحاله بها على من له عليه ألف مكسرة، أو كان بالعكس من ذلك لم تصح الحوالة، لان الحوالة في الحقيقة بيع دين بدين، وبيع الدراهم بالدراهم صرف من شرطه القبض في المجلس إلا ان جوزنا تأخير القبض في الحوالة، لانه عقد إرفاق معروف، فإذا دخل فيه الفضل صار بيعا وتجارة، وبيع الدين بالدين لا يجوز.
ألا ترى أن القرض في الحقيقة صرف، لانه يعطى درهم بدرهم، ولكن جوز تأخير القبض فيه لانه إرفاق.
ولو قال أقرضتك هذه الدراهم المكسرة لتردها على صحاحا لم يصح.
وكذلك هذا مثله.
(فرع)
وإن كان لرجل على رجلين ألف درهم كل واحد خمسمائة، وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه، فأحاله أحدهما على آخر بألف برئت ذمتهما مما له عليهما وإن أحال عليهما رجلا له عليه ألف ليأخذ من كل واحد منهما خمسمائة صح.
وإن أحاله عليهما على أن يطالب من شاء منهما بالالف فهل تصح الحواله، فيه وجهان حكاهما أبو العباس بن سريج
(أحدهما)
تصح الحوالة، وهو اختيار الشيخ أبى حامد الاسفرايينى، لان المحتال لا يأخذ الا قدر حقه، لان الزيادة انما تكون في القدر أو الصفة، ألا ترى أنه يجوز أن يحيل على من هو أملا منه
(والثانى)
لا تصح الحوالة، وهو اختيار القاضى أبى الطيب لانه يستفيد بهذه الحوالة زيادة في المطالبة، لانه كان يطالب واحدا فصار يطالب اثنين، ولان الحوالة بيع فإذا كان الحق على اثنين كان المقبوض منه منهما مجهولا فلم يصح وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀:
(فصل)
ولا تجوز الحوالة الا على من له عليه دين، لانا بينا أن الحوالة بيع ما في الذمة بما في الذمة، فإذا أحال من لا دين له عليه كان بيع معدوم فلم
تصح.
ومن أصحابنا من قال تصح إذا رضى المحال عليه، لانه تحمل دين يصح إذا كان عليه مثله فصح، وان لم يكن عليه مثله كالضمان فعلى هذا يطالب المحيل
стр. 429
بتخليصه، كما يطالب الضامن المضمون عنه بتخليصه، فإن قضاه بإذنه رجع على المحيل، وإن قضاه بغير إذنه لم يرجع.
(الشرح) الاحكام: إذا كان لرجل على رجل حق فأحاله على من لا حق عليه: فإن لم يقبل المحال عليه الحوالة لم تصح الحوالة ولم يبرأ المحيل لانه لا يستحق شيئا على المحال عليه.
وإن قبل المحال عليه الحوالة فهل تصح الحوالة فيه وجهان
(أحدهما)
لا تصح.
وهو قول أكثر أصحابنا، وهو ظاهر كلام المزني لان الحوالة معاوضة، فإذا كان لا يملك شيئا في ذمة المحال عليه لم يصح، كما لو اشترى شاة حية بشاة ميتة.
ولانه لو أحال على من له عليه دين غير لازم أو غير مستقر أو مخالف لصفة دينه لم يصح، فلان لا تصح الحوالة على من لا دين له عليه أولى
(والثانى)
تصح الحوالة.
وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، لان المحال عليه إذا قبل الحوالة صار كأنه قال لصاحب الحق أسقط عنه حقك وأبرئه وعلى عوضه.
ولو قال ذلك للزمه لانه استدعى إتلاف ملك بعوض فكذلك هذا مثله فإذا قلنا بهذا فللمحال عليه أن يطالب المحيل بتخليصه، كما يطالب الضامن المضمون عنه بتخليصه.
وإن قبض المحتال الحق من المحال عليه بإذن المحيل، ثم وهبه المحتال للمحال عليه فهل يرجع المحال عليه على المحيل بشئ، فيه وجهان
(أحدهما)
لا يرجع عليه بشئ، لانه لم يغرم شيئا، لان ما دفع إليه رجع إليه
(والثانى)
يرجع عليه وهو المذهب، لا أنه قد غرم، وإنما يرجع عليه بسبب آخر.
وان كان عليه حق مؤجل فأحال به على رجل لا شئ له عليه، وقبل المحال عليه الحوالة - وقلنا
تصح - فإن قضاه المحال عليه الحق في محله بإذن المحيل رجع عليه، وان قضاه قبل حلول الحق لم يرجع على المحيل قبل محل الدين، لانه متطوع بالتقديم فإن اختلف المحيل والمحال عليه فقال المحال عليه: أحلت على ولا حق لك على، فأنا أستحق الرجوع عليك لانى قضيت بإذنك، وقال المحيل: بل أحلت بحق لى عليك، فالقول قول المحال عليه مع يمينه، لان الاصل براءة ذمته من الدين.
والله أعلم
стр. 430
قال المصنف ﵀:
(فصل)
ولا تصح الحوالة من غير رضا المحتال، لانه نقل حق من ذمة إلى غيرها فلم يجز من غير رضا صاحب الحق، كما لو أراد أن يعطيه بالدين عينا، وهل تصح من غير رضا المحال عليه.
ينظر فيه فإن كان على من لا حق له عليه وقلنا انه تصح الحواله على من لا حق له عليه لم تجز الا برضاه، وإن كان على من له عليه حق ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول أبى سعيد الاصطخرى واختيار المزني أنه لا تجوز الا برضاه لانه أحد من تتم به الحوالة فاعتبر رضاه في الحوالة كالمحتال
(والثانى)
وهو المذهب أنه تجوز، لانه تفويض قبض فلا يعتبر فيه رضى من عليه، كالتوكيل في قبضه، ويخالف المحتال فإن الحق له فلا ينقل بغير رضاه كالبائع، وههنا الحق عليه فلا يعتبر رضاه كالعبد في البيع (الشرح) الاحكام: اعتبار رضى المحتال، هو مذهبنا ومذهب مالك رضى الله عنه.
وقال أحمد وأصحابه وداود وأهل الظاهر: لا يعتبر الرضا.
قال الخرقى ومن أحيل بحقه على ملئ فواجب عليه أن يحتال وقال ابن قدامة، قال أحمد في تفسير الملئ " كان الملئ عنده أن يكون مليئا بماله " وقوله وبدنه ونحو هذا، فإذا أحيل على من هذه صفته لزم المحتال والمحال
عليه القبول ولم يعتبر رضاهما.
وقال أبو حنيفة يعتبر رضاهما، لانها معاوضة فيقتضى الرضا من المتعاقدين.
(قلت) ودليل أحمد وداود وأهل الظاهر قوله ﷺ " إذا أحيل على ملئ فليحتل " وهذا أمر، والامر يقتضى الوجوب أما دليلنا فان الحق قد تعلق بذمة المحيل فلا يملك نقله إلى غير ذمته بغير رضا من له الحق، كما لو تعلق بعين فليس له أن ينقله إلى عين أخرى بغير رضا من له الحق.
وأما الحديث فمحمول على الاستحباب وأما المحيل فان البغداديين من أصحابنا قالوا يعتبر رضاه لان الحق عليه فلا يتعين عليه جهة قضائه، كما لو كان له دراهم في كيسه فليس لصاحب الحق أن يطالب باجباره على أن يقضيه حقه من كيس معين.
стр. 431
وأما الخراسانيون فقالوا: هل يعتبر رضا المحيل؟ فيه وجهان.
وصورتها أن يقول المحتال عليه لرجل أحلتك على نفسي بالحق الذى لك على فلان، فإذا قال: قبلت، فهل يصح؟ على الوجهين بناء على الوجهين فيما لو قال: ضمنت عنه بشرط أن تبرئه.
وعندي أن هذين الوجهين انما يتصوران في المحال عليه، إذا لم يكن عليه حق للمحيل - وقلنا: تصح الحوالة على من لا حق له عليه برضاه - فأما إذا كان عليه حق للمحيل فهل يعتبر في صحة الحوالة؟ فيه وجهان.
أحدهما: وهو قول ابن القاص وأبى سعيد الخدرى وأبى سعيد الاصطخرى أن الحوالة لا تصح الا برضاه، وهو قول الزهري، لانه أحد من تتم به الحوالة فاعتبر رضاه كالمحيل والمحتال.
والثانى: وهو المذهب أن الحوالة تصح من غير رضاه، لان المحيل أقام
المحتال مقامه في القبض فلم يعتبر رضا من عليه الحق، كما لو وكل من له الحق وكيلا في القبض، فانه لا يعتبر رضا من عليه الحق.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
إذا أحال بالدين انتقل الحق إلى المحال عليه، وبرئت ذمة المحيل لان الحواله اما أن تكون تحويل حق أو بيع حق، وأيهما كان وجب أن تبرأ به ذمة المحيل.
(فصل)
ولا يجوز شرط الخيار فيه، لانه لم يبن على المغابنة فلا يثبت فيه خيار الشرط، وفى خيار المجلس وجهان
(أحدهما)
يثبت لانه بيع فيثبت فيه خيار المجلس كالصلح
(والثانى)
لا يثبت، لانه يجرى مجرى الابراء، ولهذا لا يجوز بلفظ البيع، فلم يثبت فيه خيار المجلس.
(الشرح) الاحكام: قال الشيخ أبو حامد.
اختلف أصحابنا في الحوالة هل هي بيع أو رفق، على وجهين، فمنهم من قال.
انها رفق لقوله ﷺ " فإذا أحيل أحدكم على ملئ فليحتل " فندب إلى الحوالة والبيع مباح لا مندوب
стр. 432
إليه، وانما المندوب إليه الرفق لقوله ﷺ في القرض " قرض درهم خير من صدقة " ولان الحوالة لو كانت بيعا لدخل فيها الفضل، ولما صحت بالدين ومنهم من قال.
ان الحوالة بيع، لان البيع ضربان.
ضرب بلفظ البيع فيدخله الربح والفضل والمغابنة.
وضرب منه بغير بفظ البيع القصد منه الرفق فلا يدخله الفضل والمغابنة، ولا يقتضى التمليك كالبيع، لان المحيل يملك المحتال ماله في ذمة المحال عليه الا أنهما اختلفا في الاسم ليعرف به المطلوب من كل واحد منهما فإذا قلنا: انها رفق لم يدخلها خيار المجلس كالقرض.
وإذا قلنا: انها بيع دخلها خيار المجلس في الصرف.
وأما خيار الثلاث فلا يدخلها بالاجماع،
وعندي أن الوجهين في الحوالة على من لا حق له عليه برضا المحال مأخوذان من هذا، فإذا قلنا.
ان الحوالة رفق صحت، وان قلنا.
انها بيع لم تصح.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان أحاله على ملئ فأفلس أو جحد الحق وحلف عليه لم يرجع إلى المحيل، لانه انتقل حقه إلى مال يملك بيعه فسقط حقه من الرجوع، كما لو أخذ بالدين سلعة ثم تلفت بعد القبض، وان احاله على رجل بشرط أنه ملئ فبان أنه معسر فقد ذكر المزني أنه لا خيار له، وأنكر أبو العباس هذا.
وقال له الخيار، لانه غيره بالشرط فثبت له الخيار، كما لو باعه عبدا بشرط أنه كاتب ثم بان أنه ليس بكاتب.
وقال عامة أصحابنا.
لا خيار له، لان الاعسار نقص، فلو ثبت به الخيار لثبت من غير شرط كالعيب في المبيع، ويخالف الكتابة، فان عدم الكتابة ليس بنقص، وانما هو عدم فضيلة، فاختلف الامر فيه بين أن يشرط وبين أن لا يشرط.
(الشرح) الاحكام.
إذا أحال بالحق انتقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
وبرئت ذمة المحيل، وهو قول العلماء كافة.
وقال زفر.
لا ينتقل الحق من ذمة المحيل، وانما يكون له مطالبة أيهما شاء كالضمان.
دليلنا: أن الحوالة مشتقة من تحويل الحق، والضمان مشتق من ضم ذمة
стр. 433
إلى ذمة، فيجب أن يعطى كل لفظ ما يقتضيه، إذا ثبت أن الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فإن الحق لا يعود إلى ذمة المحيل بافلاس المحال عليه، ولا بموته، ولا بجحوده ويمينه، وبه قال مالك والليث وأحمد رضى الله عنهم وروى ذلك عن على كرم الله وجهه.
وقال أبو حنيفة: يرجع إليه في حالين، إذا مات المحال عليه مفلسا، وإذا
جحد الحق وحلف.
وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع إليه في هذين الحالين، وفى حالة ثالثة إذا أفلس المحال عليه، وحجر عليه.
وقال الحكم: يرجع عليه في حالة واحدة إذا مات المحال عليه مفلسا، وأيس من الوصول إلى حقه لقوله ﷺ " مطل الغنى ظلم وإذا أتبع على ملئ فليتبع ".
وقال أصحاب أحمد رضى الله عنه: لانه شرط ما فيه المصلحة للعقد في عقد معاوضة.
فيثبت الفسخ بفواته ويرجع على المحيل، كما لو شرط صفة في المبيع وقد يثبت بالشرط ما لا يثبت باطلاق العقد، بدليل اشتراط صفة في المبيع.
وقال الشافعي رضى الله عنه: فلما ندب المحتال إلى إتباع المحال عليه بشرط أن يكون المحال عليه مليئا علم أن الحق يتحول عن المحيل إلى ذمة المحال عليه تحولا يمنع المحتال من الرجوع إلى المحيل إذ لو كان له الرجوع إليه لم يكن لعقد هذا الشرط ضرورة.
وقال الربيع بن سليمان: أخبرنا الشافعي في الاملاء قال.
والقول عندنا - والله أعلم - ما قال مالك بن أنس، ان الرجل إذا أحال الرجل على الرجل بحق له، ثم أفلس المحال عليه أو مات لم يرجع المحال على المحيل أبدا، فان قال قائل ما الحجة فيه؟ قال مالك بن أنس أخبرنا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال " مطل الغنى ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع " فان قال قائل.
وما في هذا مما يدل على تقوية قولك، قيل.
أرأيت لو كان المحال يرجع على المحيل كما قال محمد بن الحسن إذا أفلس المحال عليه في الحياة أو مات مفلسا، هل يصير المحال على من أحيل، أرأيت لو أحيل
стр. 434
على مفلس وكان حقه نائيا عن المحيل هل ان يزداد بذلك الا خيرا ان أيسر المفلس، والا فحقه حيث كان، ولا يجوز الا أن يكون في هذا.
ثم قال: أما قولنا: إذا برئت من حقك وضمنه غيرى فالبراءة لا ترجع إلى أن تكون مضمونة، واما لا تكون الحوالة جائزة، فكيف يجوز أن أكون بريئا من دينك إذا أحلتك لو حلفت وحلفت ما لك على حق بررنا، فان أفلس عدت على بشئ بعد أن برئت منه بأمر قد رضيت به جائزا بين المسلمين واحتج محمد بن الحسن بأن عثمان قال في الحوالة والكفالة: يرجع صاحبه لا توى على مسلم، وهو في أصل قوله يبطل من وجهين، ولو كان ثابتا عن عثمان لم يكن فيه حجة، انما شك فيه عثمان.
ولو ثبت ذلك عن عثمان احتمل حديث عثمان خلافه.
وإذا أحال الرجل على الرجل بالحق فأفلس المحال عليه أو مات ولا شئ له لم يكن للمحتال أن يرجع على المحيل، من قبل أن الحوالة تحول حق من موضعه إلى غيره، وما تحول لم يعد، والحوالة مخالفة للحمالة، ما تحول عنه لم يعد الا بتجديد عودته عليه، ونأخذ المحتال عليه دون المحيل بكل حال.
اه قال أصحابنا: ولان عموم الخبر يدل على أنه يتبع أبدا، وان مات مفلسا أو جحد فحلف.
وروى أن جد سعيد بن المسيب كان له على عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ حقا فسأله أن يحيل به على رجل فأحاله به عليه فمات المحال عليه فعاد جد سعيد يسأل عليا رضى الله عنه حقه فقال له على: اخترت علينا غيرنا أبعدك الله.
فثبت أنه اجماع لانه لم ينكر على على رضى الله عنه أحد من الصحابة رضى الله عنهم، ولانه لا يخلو اما أن يكون بالحوالة سقط حقه من ذمة المحيل، أو لم يسقط، فان لم يسقط حقه عنه كان له الرجوع عليه، سواء مات المحال عليه أو لم يمت، وسواء
أفلس أو لم يفلس.
وان كان قد سقط حقه عنه فكيف يرجع بالاعسار والجحود.
لان الحوالة كالقبض للحق فلم يرجع على المحيل، كما لو قبض عن حقه عوضا فتلف في يده.
(فرع)
إذا كان عليه لرجل فأحاله على من له عليه دين، ثم ان المحيل
стр. 435
قضى المحتال صح القضاء، ولا يرجع المحيل على المحال عليه بشئ، إذا قضى بغير اذنه.
وقال أبو حنيفة رضى الله عنه وأصحابه: يكون له الرجوع عليه.
دليلنا أن الحوالة قد صحت، وانما يتبرع بالقضاء، فلم يرجع عليه بشئ، ولانه لا يملك ابطال الحوالة فكان بدفعه متبرعا، كما لو قضى عنه أجنبي.
(فرع)
فان أحاله على رجل ولم يشرط أنه ملئ أو معسر فبان أنه معسر لم يرجع المحتال على المحيل سواء علم باعساره أو لم يعلم، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك إذا لم يعلم باعساره كان له الرجوع على المحيل دليلنا أن الاعسار لو حدث بعد الحوالة وقبل القبض لم يثبت للمحتال الخيار فكذلك إذا ثبت أنه معسر حال العقد، وأما إذا أحاله على رجل بشرط أنه ملئ قال الشيخ أبو حامد، فان قال أحلتك على فلان الموسر أو على فلان وهو موسر فقبل الحوالة، ثم بان أنه معسر فقد روى المزني عن الشافعي أنه لا يرجع على المحيل أبدا، سواء كان المحال عليه غنيا أو فقيرا أفلس أو مات معدما، غره أو لم يغره.
واختلف أصحابنا فيه، فقال أبو العباس بن سريج له أن يرجع على المحيل كما لو باعه سلمة بشرط أنها سليمة من العيب فبانت بخلافها، قال وما نقله المزني فلا أعرفه للشافعي ﵀ في شئ من كتبه.
وقال أكثر أصحابنا ليس له أن يرجع عليه كما نقله المزني، لان الاعسار لو كان غنيا في الحوالة لثبت له به
الخيار من غير شرط كالعيب في المبيع، ولان التفريط في البيع من جهة البائع حيث لم يبين العيب في سلعته.
فإذا لم يبين ثبت للمشترى الخيار.
والتفريط ههنا من جهة المحتال حيث لم يختبر حال المحال عليه ولان السلعة حق للمشترى فإذا وجدها ناقصة كان له الرجوع إلى الثمن.
وليس كذلك ذمة المحال عليه لانها ليست بنفس حق المحتال وانما هي محل لحقه فوجود الاعسار بذمة المحال عليه ليس بنقصان في حقه، وانما يتأخر حقه، ألا ترى أنه قد يتوصل إلى حقه من هذه الذمة الخربه.
بأن يوسر أو يستدين فيقضيه حقه بخلاف المبيع إذا وجده معيبا.
والله أعلم
стр. 436
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن اشترى رجل من رجل شيئا بألف، وأحال المشترى البائع على رجل بالالف، ثم وجد بالمبيع عيبا فرده فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال أبو على الطبري: لا تبطل الحوالة، فيطالب البائع المحال عليه بالمال ويرجع المشترى على البائع بالثمن لانه تصرف في أحد عوضي البيع فلا يبطل بالرد بالعيب كما لو اشترى عبدا وقبضه وباعه، ثم وجد البائع بالثوب عيبا فرده.
وقال أبو إسحاق تبطل الحوالة، وهو الذى ذكره المزني في المختصر، فلا يجوز للبائع مطالبة المحال عليه، لان الحوالة وقعت بالثمن، فإذا فسخ البيع خرج المحال به عن أن يكون ثمنا فإذا خرج عن أن يكون ثمنا ولم يتعلق به حق غيرهما وجب ان تبطل الحوالة ويخالف هذا إذا اشترى عبدا وقبضه وباعه لان العبد تعلق به حق غير المتبايعين وهو المشترى الثاني، فلم يمكن إبطاله، والحوالة لم يتعلق بها حق غيرهما، فوجب إبطالها.
وإن أحال الزوج زوجته بالمهر على رجل، ثم ارتدت المرأة قبل الدخول ففى الحوالة وجهان بناء على المسألة قبلها.
وإن أحال البائع رجلا على المشترى بالالف، ثم رد المشترى المبيع بالعيب لم تبطل الحوالة وجها واحدا، لانه تعلق بالحوالة حق غير المتعاقدين، وهو الأجنبي المحتال، فلم يجز إبطالها.
(الشرح) الاحكام: إذا اشترى رجل من رجل سيارة بألف ثم أحال المشترى البائع بالالف على رجل عليه للمشترى ألف، ثم وجد المشترى بالسيارة عيبا فردها.
فإن ردها بعد قبض البائع مال الحوالة انفسخ البيع ولم تبطل الحوالة بلا خلاف على المذهب.
بل تثبت في ذمة المحال عليه ويرجع المشترى على البائع بالثمن.
وان رده قبل قبض البائع مال الحوالة فقد ذكر المزني في المختصر أن الحوالة باطلة.
وقال في الجامع الكبير الحوالة ثابتة.
واختلف أصحابنا فيها على أربع طرق.
فقال أبو العباس بن سريج وأبو علي ابن أبى هريرة: تبطل الحوالة كما ذكر في المختصر.
لان الحوالة وقعت بالثمن
стр. 437
فإذا رد المبيع بالعيب انفسخ البيع فسقط الثمن فبطلت الحوالة.
وقال أبو على في الافصاح: لا تبطل الحوالة كما ذكر في الجامع الكبير، لان الحوالة كالقبض فلم تبطل برد المبيع، كما لو قبض المحتال مال الحوالة ثم وجد المشترى بالمبيع عيبا فرده ولان المبتاع دفع إلى البائع بدل ماله في ذمته وعاوضه بما في ذمة المحال عليه، فإذا انفسخ العقد الاول لم ينفسخ الثاني، كما لو أعطاه بالثمن ثوبا وسلمه إليه ثم وجد بالمبيع عيبا فرده فإن العقد لا ينفسخ في الثوب ومنهم من قال هي على حالين.
فحيث قال الحوالة باطلة أراد إذا رد المبيع قبل أن يقبض البائع مال الحوالة.
وحيث قال الحوالة لا تبطل أراد إذا رد المبيع بعد قبض البائع مال الحوالة.
ومنهم من قال هي على حالين أخريين.
فحيث قال تبطل الحوالة أراد إذا ادعى المشترى وجود العيب فصدقه البائع، لان الحوالة تمت
بهما جميعا فانحلت بهما.
وحيث قال لا تبطل أراد دعوى المشترى أن العيب كان موجودا حال العقد وقال البائع بل حدث في يدك وكان مما يمكن حدوثه فلم يحلف البائع وحلف المشترى، فإن الحوالة لا تنفسخ، لان الحوالة تمت بهما فلم ينفسخ بأحدهما، هذا إذا كان الرد بغير مدة الخيار فأما إذا كان الرد في مدة الخيار فإن البيع ينفسخ بأحدهما: هذا إذا كان الرد بغير مدة الخيار، فأما إذا كان الرد في مدة الخيار فإن البيع ينفسخ والحوالة تبطل وجها واحدا.
سواء كان قبل القبض أو بعده، لان البيع لا يلزم قبل انقضاء الخيار، وإذا لم يلزم لم تلزم الحوالة لانها متعلقة بالثمن، هكذا ذكر الشيخ أبو حامد، وهذا بدل من قوله ان الحوالة بالثمن في مدة الخيار تصح، وقد مضى فيها وجهان (فرع)
وإن أحال الزوج زوجته بالمهر ثم اردت قبل الدخول، أو وحد أحدهما بالآخر عيبا ففسخ النكاح، فان كان ذلك بعد أن قبضت المرأة مال الحوالة لم تبطل الحوالة، وان كان ذلك قبل القبض فعلى الخلاف المذكور في البيوع (فرع)
وإن أحال البائع رجلا بالثمن على المشترى ثم وجد المشترى بالمبيع عيبا فرده لم تنفسخ الحواله وجها واحدا، لانه تعلق بالحواله حق غير المتعاقدين وهو الأجنبي فلم يبطل حقه بغير رضاه، وهكذا لو أحالت الزوجه بمهرها على
стр. 438
الزوج رجلا ثم ارتدت قبل الدخول لم تبطل الحواله، لانه تعلق بالحواله حق أجنبي وهو المحتال فلا يبطل من غير رضاه، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى
(فصل)
وإن أحال البائع على المشترى رجلا بألف ثم اتفقا على أن العبد كان حرا فإن كذبهما المحتال لم تبطل الحواله، كما لو اشترى عبدا وباعه ثم اتفق
البائع والمشترى أنه كان حرا فإن أقاما على ذلك بينة لم تسمع لانهما كذبا البينه بدخولهما في البيع.
وان صدقهما المحتال بطلت الحواله لانه ثبتت الحرية وسقط الثمن فبطلت الحواله (الشرح) الاحكام: ولو اشترى رجل من رجل عبدا بألف ثم أحال البائع رجلا له ألف على المشترى ثم صادف البائع والمشترى أن العبد كان حرا وقت البيع فان صدقهما المحتال على حرية العبد وقت البيع وأن الحواله وقعت بالثمن حكم ببطلان الحواله وكان للمحتال أن يطالب البائع بما له عليه لان الحواله وقعت بالثمن وقد صدقهما أنه لا ثمن للبائع على المشترى.
وان كذبهما المحتال ولم يكن هناك بينة فالقول قول المحتال مع يمينه لان الحواله تمت بالمحيل والمحتال فلا يتحلل إلا بهما.
كما أن البيع لما تم بالبيع والمشترى لا ينفسخ البيع الا بهما.
ولانه قد تعلق بالثمن حق غير المتعاقدين فلا يبطل حقه بقول المتبايعين كما لو اشترى عبدا فقبضه وباعه من آخر ثم اتفق المتبايعان الاولان أن العبد كان حرا فإنهما لا يحيلا على المبتاع الثاني.
فإذا حلف المحتال قبض المال من المشترى.
وهل يرجع المشترى على البائع بذلك.
فيه وجهان قال صاحب الفروع يرجع عليه.
لان المشترى قضى عن البائع دينه باذنه فرجع عليه وقال الطبري في العدة " لا يرجع عليه لان المشترى يقر أن المحتال ظلمه بأخذ ذلك منه فلا يرجع به على غير من ظلمه.
وان أقام البائع والمشترى بينة فهل تسمع.
فيه وجهان
стр. 439
قال الشيخ أبو إسحاق: لا تسمع، لانهما كذبا البينة بدخولهما في البيع، وقال الشيخ أبو حامد وصاحب الفروع: إن شهدت البينة أن العبد حر الاصل، وأن
الحوالة وقعت بالثمن أو شهدت بأنه حر الاصل وأقر المحتال بأن الحوالة وقعت بالثمن بطلب الحواله، لانه إذا ثبت أنه حر تبينا أنه لم يتعلق بذمة المشترى شئ فحكم ببطلان الحوالة، وإن أقام العبد بينة بحريته، قال ابن الصباغ تثبت حريته وبطلت الحواله، ولم يذكر له وجها والذى يقتضى المذهب أن الحوالة لا تبطل بذلك، لان العبد يحكم بحريته بتصادق البائع والمشترى، ولا تبطل الحوالة بذلك فكذلك إذا أقام العبد بينة، ولان المتبايعين إذا كانا مقرين بحريته فلا حاجة به إلى إقامة البينة فلا تبطل الحوالة بإقامته البينة.
وإن صدقهما المحتال أنه كان حرا وادعى أن الحوالة وقعت بغير الثمن وقالا بل وقعت بالثمن أو أقاما البينة أن العبد كان حرا، ولم يذكر البينة أن الحوالة وقعت بالثمن، فالقول قول المحتال مع يمينه، لانهما يدعيان ما يفسدها، والاصل صحتها، قال الشيخ أبو حامد: ويحلف على العلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى
.
(فصل)
إذا أحال رجل رجلا له عليه دين على رجل له عليه دين ثم اختلفا فقال المحيل وكلتك، وقال المحتال: بل أحلتني نظرت، فان اختلفا في اللفظ فقال المحيل: وكلتك بلفظ الوكالة، وقال المحتال: بل أحلتني، بلفظ الحوالة، فالقول قول المحيل، لانهما اختلفا في لفظه، فكان القول فيه قوله، وإن اتفقا على لفظ الحواله ثم اختلفا فقال المحيل وكلتك، وقال المحتال: بل أحلتني ففيه وجهان.
قال أبو العباس: القول قول المحتال، لان اللفظ يشهد له.
ومن أصحابنا من قال: القول قول المحيل، وهو قول المزني، لانه يدعى بقاء الحق في الذمة والمحتال يدعى انتقال الحق من الذمة، والاصل بقاء الحق في الذمة.
فإن قلنا: بقول أبى العباس، وحلف المحتال ثبتت الحوالة وبرئ المحيل وثبتت له مطالبة المحال عليه، وإن قلنا بقول المزني فحلف المحيل ثبتت الوكالة
стр. 440
فإن لم يقبض المال انعزل عن الوكالة بانكاره فان كان قد قبض المال أخذه المحيل وهل يرجع هو على المحيل بدينه؟ فيه وجهان.
(أحدهما)
لا يرجع، لانه أقر ببراءة ذمته من دينه.
(والثانى)
له أن يرجع لانه يقول: إن كنت محتالا فقد استرجع منى ما أخذته بحكم الحوالة، وإن كنت وكيلا فحقي باق في ذمته فيجب أن يعطينى، وإن هلك في يده لم يكن للمحيل الرجوع عليه، لانه يقر بأن ماله تلف في يد وكيله من غير عدوان، وليس للمحتال أن يطالب المحيل بحقه لانه يقر بأنه استوفى حقه وتلف عنده.
وان قال المحيل: أحلتك، وقال المحتال بل وكلتني، فقد قال أبو العباس القول قول المحيل، لان اللفظ يشهد له.
وقال المزني: القول قول المحتال، لانه يدعى بقاء دينه في ذمة المحيل، والاصل بقاؤه في ذمته.
فان قلنا بقول أبى العباس فحلف المحيل برئ من دين المحتال، وللمحتال مطالبة المحال عليه بالدين، لانه إن كان محتالا فله مطالبته بمال الحوالة، وإن كان وكيلا فله المطالبة بحكم الوكالة، فإذا قبض المال صرف إليه، لان المحيل يقول: هو له بحكم الحوالة، والمحتال يقول.
هو لى فيما لى عليه من الدين الذى لم يوصلني إليه.
وإن قلنا بقول المزني وحلف المحتال، ثبت أنه وكيل، فان لم يقبض المال كان له مطالبة المحيل بماله في ذمته، وهل يرجع المحيل على المحال عليه بشئ فيه وجهان.
(أحدهما)
لا يرجع، لانه مقر بأن المال صار للمحتال.
(والثانى)
يرجع، لانه إن كان وكيلا فدينه ثابت في ذمة المحال عليه وان كان محتالا فقد قبض المحتال المال منه ظلما، وهو مقر بأن ما في ذمة المحال عليه
للمحتال، فكان له قبضه عوضا عما أخذه منه ظلما فان كان قد قبض المال فان كان باقيا صرف إليه، لانه قبضه بحوالة فهو له، وإن قبضه بوكالة فله أن يأخذه عما له في ذمة المحيل.
وان كان تالفا نظرت، فان تلف بتفريط لزمه ضمانه، وثبت للمحيل عليه مثل ما ثبت له في ذمته فتقاصا، وان تلف من غير تفريط
стр. 441
لم يلزمه الضمان، لانه وكيل، ويرجع على المحيل بدينه، ويبرأ المحال عليه، لانه إن كان محتالا فقد وفاه حقه وإن كان وكيلا فقد دفع إليه.
(الشرح) الاحكام: قال أبو العباس بن سريج: إذا كان لرجل عند رجل ألف فقال من له الدين لرجل لا شئ له عليه، أحلتك على فلان بألف، فهذا توكيل منه في القبض، وليس بحوالة، لان الحوالة إنما تكون عمن له حق، ولا حق للمحتال ههنا فثبت أن ذلك توكيل.
وإن كان لزيد على عمرو ألف درهم ولعمرو على خالد ألف، فاختلف زيد وعمرو، فقال زيد.
أحلتني بالالف التى عليك لى بالالف التى لك على خالد بلفظ الحوالة.
وقال عمرو.
بل وكلتك بأن يقبضها لى منه بلفظ الوكالة، فالقول قول عمرو لانهما اختلفا في لفظه، وهو أعلم بلفظه، ولانه قد ثبت استحقاق عمرو الالف في ذمة خالد، وزيد يدعى أن ملكها قد انتقل إليه بالحوالة، والاصل بقاء ملك عمرو عليها، وعدم ملك زيد.
فإن قال عمرو لزيد.
أحلتك على خالد بالالف التى لى عليه، فقبل زيد ثم اختلفا فقال عمرو وكلتك لتقبضها لى منه.
ومعنى قولى أحلتك أي سلطتك عليه وقال زيد.
بل أحلتني عليه بدينى الذى لى عليك، فاختلف أصحابنا فقال المزني.
القول قول المحيل وهو عمرو.
وقال الشيخ أبو حامد والطبري: وبه قال المصنف وأبو العباس بن سريج
وأكثر أصحابنا، وهو قول أبى حنيفة.
لانهما قد اتفقا على ملك عمرو للالف التى في ذمة خالد، واختلفا في انتقالها إلى زيد وهو المحتال كان القول قول عمرو لان الاصل بقاء ملكه عليها، وإن كان الظاهر مع زيد، كما لو كان لرجل سيارة في يد آخر فادعى من هي بيده أن مالكها وهبها منه.
وقال المالك.
بل أعرتكها فالقول قول المالك.
وكما لو كانت دار في يد رجل فادعى رجل أنه ورثها من أبيه أو ابتاعها، وأقام على ذلك بينة، وادعى من هي بيده أنها ملكه فإنه يحكم بها لصاحب البينة لانه قد عرف له أصل ملك، وإن كان الظاهر مع صاحب اليد.
стр. 442
(والوجه الثاني) حكاه المصنف وابن الصباغ عن أبى العباس بن سريج أن القول قول زيد وهو المحتال، لان اسم الحوالة موضوع لتحويل الحق من ذمة إلى ذمة، فكان اللفظ يشهد له.
كما لو تنازعا دارا وهى في يد أحدهما فوجهان فذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يرجع عليه، والثانى.
له أن يرجع عليه، لان المحتال إن كان صادقا فالذي في ذمة المحال عليه يمكنه أخذه عن حقه، فإذا قلنا يرجع عليه لان المحتال إن كان صادقا فالذي في ذمة المحال عليه للمحيل، وإن كان المحتال كاذبا فقد استحق المحيل على المحتال ما أخذه منه ظلما، وللمحتال حق على المحال عليه يمكنه أخذه عن حقه.
فإذا قلنا: يرجع عليه، فالذي يقتضى المذهب أنه يرجع عليه بأقل الامرين مما أخذ منه المحتال أو الدين الذى على المحال عليه لانه إن أعطى المحتال أكثر من حقه فلم يستحق الرجوع على المحال عليه بأكثر مما عنده، وإن أعطى المحتال أقل من حقه فهو يقر أن جميع ما على المحال عليه للمحتال، وإنما يرجع من ماله
بالقدر الذى أخذه منه، وما زاد عليه يقر به المحتال.
وإن قلنا.
القول قول المحيل فحلف فبرئ من دين المحتال، وكان للمحتال مطالبة المحال عليه إما بحكم الحواله أو الوكالة فإذا أخذ منه المال أمسكه بحقه لان المحيل يقول.
هو له بحق الحوالة، والمحتال يقول.
هو للمحيل ولى عليه مثله وهو غير قادر على حقه من جهة المحيل، فكان له أخذه.
(مسألة) إذا كان لزيد على عمرو ألف درهم، ولخالد على زيد ألف درهم فجاء خالد إلى عمرو وقال.
قد أحالني زيد بالالف التى عليك له فان صدقه وجب عليه دفع المال إليه، ثم ينظر في زيد فان صدقه فلا كلام، وإن كذبه كان القول قوله مع يمينه، لان الاصل عدم الحوالة، فإذا حلف رجع زيد بالالف على عمرو، ولا يرجع خالد على زيد بشئ، لانه إن كان قد قبض حقه من عمرو فقد استوفى، وإن لم يقبضه فله أن يطالبه بحقه، لانهما متصادقان على الحوالة.
وان كذب عمرو خالدا ولا بينة فالقول قول عمرو مع يمينه، لان الاصل
стр. 443
عدم الحوالة، فإذا حلف سقطت دعوى خالد، ولم يكن لخالد الرجوع على زيد بشئ لانه يقر أن ذمته برئت من حقه، ثم ينظر في زيد فان كذب خالدا كان له مطالبة عمرو بدينه، وإن صدق خالدا ففيه وجهان.
قال عامة أصحابنا: يبرأ من دين زيد لانه قد أقر بذلك.
وقال ابن الصباغ إذا قلنا: ليس من شرط الحوالة رضا المحال عليه، فان الحوالة ثبتت بتصادق المحيل والمحتال.
(فرع)
إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فطالبه بها فقال من عليه الدين أحلت بها على فلان الغائب، فأنكر المحيل فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل عدم الحوالة، فان أقام من عليه الدين بينة بالحواله.
قال ابن الصباغ: سمعت البينة لاسقاط حق المحيل عليه، ولا يثبت بها الحق للغائب، لان الغائب لا يقضى له بالبينة، فإذا قدم الغائب وادعى فانما يدعى على المحال عليه دون المحيل وهو مقر له بذلك فلا يحتاج إلى إقامة البينه ولو ادعى رجل على رجل أنه أحاله على فلان الغائب، وأنكر المدعى عليه فالقول قوله مع يمينه، وان أقام المدعى بينة ثبتت في حق الغائب، لان البينة يقضى بها على الغائب، فان شهد للمحتال ابناه لم تقبل شهادتهما لانهما يشهدان لابيهما، وان شهد له ابنا المحال عليه أو ابنا المحيل قبلت شهادتهما، لانهما يشهدان على أبيهما، والله تباك وتعالى أعلم.
تم الجزء الثالث عشر ويليه الجزء الرابع عشر وأوله كتاب الضمان
стр. 444
قال المصنف رحمه الله تعالى:
كتاب الضمان (١)
(الشرح) الاصل في جواز الضمان الكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى في سورة يوسف الآية ٧٢ " قالوا: نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " قال ابن عباس: الزعيم الكفيل.
وفيها ست مسائل: (الاولى) قال علماؤنا: هذا نص في جواز الكفالة.
وقال القاضى أبو إسحاق ليس هذا من باب الكفالة فإنها ليس فيها كفالة إنسان عن إنسان وإنما هو رجل التزم عن نفسه وضمن منها، وذلك جائز لغة لازم شرعا.
قال الشاعر: فلست بآمر فيها بسلم
* ولكني على نفسي زعيم وقال الآخر: وإنى زعيم إن رجعت مملكا
* بسير ترى منه الغرانق أزورا قال الامام ابو بكر بن العربي: هذا الذى قاله القاضى أبو إسحاق صحيح.
بيد أن الزعامة فيه نص، فإذا قال أنا زعيم فمعناه أنى ملتزم، وأى فرق بين ان يقول: التزمه عن نفسي أو التزمت به عن غيرى؟
(الثانية) قوله " وأنا به زعيم " إنما يكون في الحقوق التى تجوز النيابة فيها، وأما كل حق لا يقوم فيه أحد عن أحد كالحدود فلا كفالة فيها، وتركب على هذا مسألة وهي: (الثالثة) إذا قال: أنا زعيم لك بوجه فلان.
قال مالك " يلزمه " وقال الشافعي لا يلزمه لانه غرر، إذ لا يدرى هل يجحده أم لا؟ والدليل على جوازه
стр. 445
أن المقصود بالزعامة تنزيل الزعيم مقام الاصل، والمقصود من حضور الاصل أداء المال، فكذلك الزعيم (الرابعة) كما أن لفظ الآيه نص في الزعامه فمعناها نص في الجعاله، وهى نوع من الاجارة، لكن الفرق بين الجعاله والاجارة أن الاجارة يتقدر فيها العوض والمعوض من الجهتين، والجعاله يتقدر فيها الجعل والعمل غير مقدر.
ودليله أن الله سبحانه شرع البيع والابتياع في الاموال لاختلاف الاغراض وتبدل الاحوال، فلما دعت الحاجة إلى انتقال الاملاك شرع لها سبيل البيع، وبيئن أحكامه، ولما كانت المنافع كالاموال في حاجة إلى استيفائها، إذ لا يقدر كل أحد أن يتصرف لنفسه في جميع أغراضه نصب الله الاجارة في استيفاء المنافع بالاعواض، لما في ذلك من الاغراض (الخامسه) فإذا ثبت هذا فقد يمكن تقدير العمل بالزمان كقوله: تخدمني اليوم.
وقد يقول: تخيط لى هذا الثوب، فيقدر العمل بالوجهين، وقد يتعذر
تقدير العمل، كقوله: من جاءني بضالتي فله كذا.
فأحد العوضين لا يصح تقديره والعوض الآخر لابد من تقديره، فان ما يسقط بالضرورة لا يتعدى سقوطه إلى مالا ضرورة فيه، والاصل فيه الحديث الذى ورد من أخذ الاجرة على الرقيه: وهو عمل لا يتقدر، وقد كانت الاجارة والجعاله قبل الاسلام فأقرتهما الشريعه، ونفت عنهما الغرر والجهاله (السادسة) في حقيقة القول في الآيه: ان المنادى لم يكن مالكا، انما كان نائبا عن يوسف ورسولا له: فشرط حمل البعير على يوسف لمن جاء بالصواع، وتحمل هو به عن يوسف، فصارت فيه ثلاث فوائد: (الاولى) الجعاله، وهى عقد يتقدر فيه الثمن، ولا يتقدر فيه المثمن (الثانيه) الكفالة، وهى ههنا مضافه إلى سبب موجب على وجه التعليق بالشرط، وقد اختلف الناس فيها اختلافا متباينا تقريره في المسائل وهذا دليل على جوازه فانه فعل نبى ولا يكون إلا شرعا.
وقد اختلف الائمة في الكفالة، فجوزها أصحاب أبى حنيفه محالة على سبب
стр. 446
وجوب.
كقوله: ما كان لك على فلان فهو على، أو إذا أهل الهلال فلك على عنه كذا، بخلاف أن تكون معلقة على شرط محضر، كقوله إن قدم فلان.
أو إن كلمت زيدا.
وقال الشافعي لا يجوز بشئ من ذلك.
وهذه الآية نص على جوازها محالة على سبب الوجوب.
(الثالثة) جهالة المضمون له.
قال علماؤنا هي جائزة، وتجوز عندهم أيضا مع جهاله الشئ المضمون أو كليهما ومن العجب أن أبا حنيفة والشافعي اتفقا على أنه لا تجوز الكفالة مع جهالة
المكفول له.
وادعى أصحاب أبى حنيفه أن هذا الخبر منسوخ من الآيه خاصه وقال أصحابنا من أئمة المذهب هذه الآيه دليل على جواز الجعل، وهى شرع من قبلنا، وليس لهم فيه تعلق في مذهب وقال أصحابنا أيضا إن معرفة المضمون عنه والمضمون له فيه ثلاثة أقوال (أحدها) أنه لابد من معرفتهما، أما معرفه المضمون عنه فليعلم هل هو أهل للاحسان أم لا، وأما معرفة المضمون له فليعلم هل يصلح للمعاملة أم لا؟ (الثاني) أنه افتقر إلى معرفة المضمون له خاصة، لان المعاملة معه خاصة (الثالث) أنه لا يفتقر إلى معرفة واحد منهما وهو الصحيح في حديث أبى قتادة أنه ضمن عن الميت ولم يسأله النبي ﷺ عن المضمون له، ولا عن المضمون عنه، والآية نص في جهالة المضمون له، وحمل جهالة المضمون عليه أخف وقال القرطبى، إن قيل كيف ضمن حمل البعير وهو مجهول، وضمان المجهول لا يصح، قيل له حمل البعير كان معينا معلوما عندهم كالوسق فصح ضمانه، غير أنه بذل مال للسارق، ولا يحل للسارق ذلك، فلعله كان يصح في شرعهم، أو كان هذا جعالة وبذل مال لمن يفتش ويطلب، ثم قال قال بعض العلماء في هذه الآيه دليلان
(أحدهما)
جواز الجعل وقد أجيز
стр. 447
للضرورة، ثم ساق كلام الشافعي الذى سبق إيراده (الثاني) جواز الكفالة على الرجل لان المؤذن الضامن هو غير يوسف.
قال علماؤنا: إذا قال الرجل تحملت أو تكفلت أو ضمنت أو وأنا حميل لك أو زعيم لك أو كفيل أو ضامن أو قبيل، أو هو لك عندي أو على أو إلى أو
قبلى، فذلك كله حمالة لازمة.
والزعامة لا تكون إلا في الحقوق التى تجوز النيابة فيها بما يتعلق بالذمة في الاموال وكان ثابتا مستقرا فلا تصح الحمالة بالكتابة لانها ليست بدين ثابت مستقر، لان للعبد إن عجز رق وانفسخت الكتابة، وأما كل حق لا يقوم به أحد عن أحد كالحدود فلا كفالة فيه.
ويسجن المدعى عليه الحد حتى ينظر في أمره.
وشذ أبو يوسف ومحمد فأجازا الكفالة في الحدود والقصاص وقالا: إذا قال المقذوف أو المدعى القصاص بينتي حاضرة كفله ثلاثة أيام.
واحتج الطحاوي لهم بما رواه حمزة بن عمرو عن عمر وابن مسعود وجرير بن عبد الله والاشعث أنهم حكموا بالكفالة بالنفس بمحضر الصحابة رضى الله عنهم وأما السنة ففى حديث أبى هريرة عند أبى داود والترمذي وقال حديث حَسَنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يوم فتح مكة فقال " ألا إن الله تعالى قد أعطى كل ذى حق حقه، فلا وصية لوارث، ولا تنفق امرأة شيئا من بيتها إلا بإذن زوجها، والعارية مؤداة والمنحة مردودة، والدين مقضى والزعيم غارم، فلولا أن الضمان يلزمه إذا ضمن لم يجعله رسول الله ﷺ غارما وروى قبيصة بن المخارق الهلالي إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لا تحل الصدقة إلا لثلاثة.
فذكر رجلا تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك " فأباح له الصدقة حتى يؤدى، فدل على أن الحمالة قد لزمته وروى عن سلمة بن الاكوع أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى برجل ليصلى عليه فقال " هل عليه دين " قالوا " نعم.
ديناران " قال " هل ترك لهما وفاء؟ قالوا لا فتأخر.
فقيل لم لا تصلى عليه؟ فقال ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة، إلا إن قام أحدكم فضمنه، فقام أبو قتادة فقال: هما علي يا رسول الله، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ
стр. 448
صلى الله عليه وسلم " رواه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي وصححه.
والنسائي وابن ماجه وقالا " فقال أبو قتادة أنا أتكفل به " وقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله وأخرجه أيضا ابن حبان والدارقطني والحاكم وفيه " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دينا فعلى، ومن ترك مالا فلورثته " وفى معناه عند الدارقطني والبيهقي عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ﵁ وفيه أن عليا قال أنا ضامن، ثم دعا له الرسول صلى الله عليه ثم قال " ما من مسلم فك رهان أخيه إلا فك الله رهانه يوم القيامة " قال الحافظ بن حجر في إسناده ضعف وعن سلمان عند الطبراني بنحو حديث أبى هريرة رضى الله عنه وزاد " وعلى الولاة من بعدى من بيت مال المسلمين " وفى إسناده عبد الله بن سعيد الانصاري متروك ومتهم.
وعن أبى أمامة رضى الله عنه عند ابن حبان في ثقاته ضعف والحكمة في تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ على من عليه دين تحريض الناس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل إلى البراءة، وقد توسع شيخنا الامام النووي رضى الله عنه في كتاب الجنائز من المجموع في بحث صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبيان الاحاديث الواردة فيها والكلام عليها وأما الاجماع فإن أحدا من العلماء لم يخالف في صحة الضمان، وان اختلفوا في فروع منه على ما بينا في أقوالهم في الكتاب، فإذا ثبت هذا فإنه يقال: ضمين وكفيل وقبيل وحميل وزعيم وصبير كلها بمعنى واحد ولابد في الضمان من ضامن ومضمون عنه ومضمون له، ولابد من رضى الضامن، فان أكره على الضمان لم يصح، ولا يعتبر رضا المضمون عنه.
لا نعلم في ذلك خلافا، لانه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح فكذلك إذا ضمن
عنه.
ولا يعتبر رضا المضمون له.
وقال أبو حنيفة " يعتبر " لانه إثبات مال لآدمي فلم يثبت إلا برضاه أو رضى من ينوب عنه كالبيع والشراء.
وعندنا كالمذهبين لاصحابنا، والله أعلم
стр. 449
قال المصنف رحمه الله تعالى:
يصح ضمان الدين عن الميت، لما روى أبو قتادة قال " أقبل بجنازة عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال: هل على صاحبكم من دين فقالوا: عليه ديناران، قال ﷺ : صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة هما على يا رسول الله فصلى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ويصح عن الحى لانه دين لازم فصح ضمانه كالدين على الميت.
(الشرح) الحديث مر تخريجه في شرح الترجمة.
أما الاحكام: فإنه يصح ضمان الدين عن الميت سواء خلف وفاء بدينه أو لم يخلف، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد.
وقال الثوري وأبو حنيفة.
لا يصح الضمان عن الميت إذا لم يخلف وفاء بماله أو بضمان ضامن.
دليلنا ما رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يؤتى بالميت وعليه دين فيقول.
هل خلف لدينه قضاء؟ وروى.
وفاء؟ فإذا قيل له.
لم يخلف وفاء، قال للمسلمين.
صلوا عليه، فلما فتح الله عليه الفتوح قال.
من خلف مالا فلورثته، ومن خلف دينا فعلى قضاؤه " فضمن النبي ﷺ القضاء.
وكذلك حديث جابر رضى الله عنه الذى أشرنا إلى تخريجه في شرح ترجمة هذا الباب وَلَفْظُهُ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يصلى على رجل مات عليه دين فأتى بميت فسأل.
عليه دين؟ قالوا.
نعم ديناران، قال.
صلوا على
صاحبكم الحديث " وهى أحاديث تدل على جواز الضمان عن الميت، ولانه لم يكن يمتنع من الصلاة إلا على من مات وعليه دين ولم يخلف وفاء، ولان صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رحمة، والدين يحجبها بدليل ما روى عن أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ.
مِنْ استطاع منكم أن يموت وليس عليه دين فليفعل فإنى شهدت النبي ﷺ وقد أتى بجنازة فقالوا صل عليها فقال أليس عليه
стр. 450
دين؟ فقالوا: بلى، فقال " ما ينفعكم صلاتي عليها وهو مرتهن في قبره، فإن ضمنه أحدكم قمت وصليت عليه ".
قال في البيان: بعد أن ساق هذا الحديث " فكانت صلاتي تنفعه " لان كل من صح الضمان عنه إذا كان له وفاء بما عليه، صح الضمان عنه، وإن لم يكن له وفاء كالحى.
(فرع)
قال أبو على الطبري ﵀: لو قال تكفلت لك بمالك على فلان صح، وإن قال: أنا به قبيل، لم يكن صريحا في الضمان في أحد الوجهين خلافا لابي حنيفة، لان القبيل بمعنى قابل كالسميع بمعنى سامع وإيجاب الضمان لا يكون موقوفا على قبوله فلم يصح.
وإن قال: إلى دين فلان، لم يكن صريحا في الضمان في أحد الوجهين خلافا لابي حنيفة.
دليلنا: أنه يحتمل قوله إلى بمعنى إذن عنه، ويحتمل مرجعه إلى بحق أستحقه.
ولو قال: خل عن فلان والدين الذى عليه لك عندي، لم يكن صريحا في الضمان خلافا لابي حنيفة، لان كلمة عندي تستعمل في غير مضمون كقولهم الوزير عند الامير.
قال المصنف ﵀:
(فصل)
ويصح ذلك من كل جائز التصرف في ماله، فأما من يحجر عليه
لصغر أو جنون أو سفه فلا يصح ضمانه، لانه إيجاب مال بعقد، فلم يصح من الصبى والمجنون والسفيه كالبيع، ومن حجر عليه للفلس يصح ضمانه.
لانه إيجاب مال في الذمة بالعقد فصح من المفلس كالشراء بثمن في الذمة.
وأما العبد فإنه إن ضمن بغير إذن المولى ففيه وجهان.
قال أبو إسحاق: يصح ضمانه ويتبع به إذا عتق لانه لا ضرر فيه على المولى لانه يطالب به بعد العتق، فصح منه كالاقرار بإتلاف ماله.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: لا يصح لانه عقد تضمن إيجاب مال فلم يصح منه بغير إذن المولى كالنكاح، فإن ضمن بإذن مولاه صح ضمانه، لان الحجر لحقه فزال بإذنه، ومن أين يقضي؟ ينظر فيه، فان قال له المولى اقضه من كسبك قضاه منه، وإن قال.
стр. 451
أقضه مما في يدك للتجارة قضاه منه لان المال له، وقد أذن له فيه، وإن لم يذكر القضاء ففيه وجهان.
(أحدهما)
يتبع به إذا أعتق، لانه أذن في الضمان دون الاداء.
(والثانى)
يقضى من كسبه إن كان له كسب: أو مما في يده إن كان مأذونا له في التجارة، لان الضمان يقتضى الغرم كما يقتضى النكاح المهر، ثم إذا أذن له في النكاح وجب قضاء المهر مما في يده، فكذلك إذا أذن له في الضمان وجب قضاء الغرم مما في يده، فان كان على المأذون له دين وقلنا: ان دين الضمان يقضيه مما في يده، فهل يشارك فيه الغرماء؟ فيه وجهان.
(أحدهما)
يشارك به، لان المال للمولى، وقد أذن له في القضاء منه، اما بصريح الاذن، أو من جهة الحكم، فوجب المشاركة به.
(والثانى)
أنه لا يشارك به، لان المال تعلق به الغرماء فلا يشارك بمال الضمان كالرهن.
وأما المكاتب فانه ضمن بغير اذن المولى فهو كالعبد القن، وان
ضمن بإذنه فهو تبرع، وفى تبرعات المكاتب بإذن المولى قولان نذكرهما في المكاتب ان شاء الله تعالى.
(الشرح) الاحكام: يصح الضمان من كل جائز التصرف في المال، فأما الصبى والمجنون والسفيه فلا يصح ضمان أحد منهم، لانه ايجاب مال بعقد فلم يصح كالبيع، فقوله بعقد، احتراز من ايجاب المال عليه بالجناية، ومن نفقة من تجب عليه نفقته، والزكاة.
وأما المحجور عليه للافلاس فيصح ضمانه لانه ايجاب مال في الذمة بالعقد فصح من المفلس، كالشراء بثمن في ذمته كما مضى في التفليس.
وأما المرأة فإنه يصح الضمان منها إذا كانت جائزة التصرف.
وقال مالك: لا يصح الا أن يكون بإذن زوجها.
دليلنا أن كل من لزمه الثمن في البيع والاجرة في الاجارة صح ضمانه كالرجل.
(فرع)
ولا يصح الضمان من المبرسم - على ما لم يسم فاعله، والبرسم علة تصيب الاعصاب - الذى لا يعقل لانه لا حكم لكلامه، فأما الاخرس فإن لم
стр. 452
يكن له إشارة مفهومة وكناية معقولة أو كتابة مقروءة لم يصح ضمانه، وإن كانت له إشارة مفهومة وكناية معقوله، لانه حصل مع الكناية إشارة مفهومة، وإلا فالكتابة المقروءة تنفرد مكانهما أو مكان النطق ما دام ذلك يؤدى إلى فهم قصده من الضمان على أحد القولين.
وإن انفردت إشارته المفهومة بالضمان صح وإن انفردت الكتابة في الضمان عن إشارة يفهم بها أن قصده الضمان.
قال ابن الصباغ لم يصح الضمان، لان الكتابة قد تكون عبثا، أو تجربة للقلم أو حكاية للخط.
فلم يلزمه الضمان بمجردها.
(مسألة) إذا ضمن العبد دينا لغير سيده فان كان غير مأذون له في التجارة
نظرت، فان كان بغير اذن سيده فهل يصح ضمانه؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يصح ضمانه لانه مكلف له قول صحيح، وانما منع من التصرف فيما فيه ضرر على السيد ولا ضرر على السيد في ضمانه، فهو كما لو أقر لغيره بمال.
فعلى هذا يثبت في ذمته إلى أن يعتق.
(والثانى)
لا يصح، لانه اثبات مال لآدمي بعقد، فلم يصح من العبد بغير اذن سيده كالمهر، فقولنا " لآدمي " احتراز من النذر.
وقولنا " بعقد " احتراز من الاقرار لانه اجبار.
ومن الجناية على غير سيده.
وان ضمن بإذن سيده صح لان المنع منه لحق السيد، وقد أذن فيه فإن أذن فيه أن يؤديه من كسبه قضاه منه.
وان أطلق الاذن ففيه وجهان
(أحدهما)
يقضيه من كسبه.
كما لو أذن له سيده في النكاح، فإن المهر والنفقة يقضيان من كسبه.
(والثانى)
لا يقضيه من كسبه، ولكن يتبع به إذا عتق، لان السيد انما أذن في الضمان دون القضاء، فيعلق ذلك بذمة العبد لانها محل للضمان، ويفارق المهر والنفقة يجبان عوضا عن الاستمتاع المعجل، وكان ما في مقابلهما معجلا.
وحكى أبو على الشيحى وجها آخر أنه يتعلق برقبته - وليس بشئ - وان كان العبد مأذونا له في التجارة فلا يخلو اما أن يضمن بإذن السيد أو بغير اذنه، فإن ضمن بغير إذنه نظرت، فإن قال: ضمنت لك حتى أؤدى من هذا المال لم يصح الضمان، لان السيد انما أذن له في التجارة فيما ينمى المال لا فيما يتلفه.
стр. 453
وان ضمن له مطلقا فهل يصح ضمانه؟ على الوجهين في غير المأذون، فإذا قُلْنَا لَا يَصِحُّ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ قُلْنَا يصح فإنه لا يجوز له أن يقضى مما في يده من مال التجارة، ولكن يثبت في ذمته إلى أن يعتق.
وان ضمن باذنه صح الضمان.
فان كان اذن السيد بالضمان مطلقا فمن أين يقضى العبد دين الضمان، فيه وجهان
(أحدهما)
من كسبه أو مما في يده للتجارة
(والثانى)
يثبت في ذمته إلى أن يعتق.
وان أذن له السيد بالضمان في المال الذى في يديه فقال: ضمنت لك حقك الذى لك على فلان حتى أؤدى من المال الذى في يدى صح الضمان ولزمه أن يؤدى من المال الذى في يده للتجارة لان المنع منه لاجل السيد، وقد أذن فجاز فإذا قال الحر: ضمنت لك دينك على فلان في هذا المال لم يصح الضمان، والفرق بينهما أن العبد ضمن الحق في ذمته.
وانما علق الاداء في مال بعينه، والحر لم يضمن الحق في ذمته، وانما ضمنه في المال بعينه، فوزانه أن يقول الحر ضمنت لك دينك على فلان وأزنه من هذا المال فيصح الضمان، فان كان على المأذون له (العبد) دين يستغرق ما بيده ثم أذن له السيد بالضمان والقضاء مما في يده من مال التجارة، أو قلنا يلزمه القضاء منه، على أحد الوجهين، فهل يشارك المضمون له الغرماء، فيه وجهان
(أحدهما)
يشاركهم، لان المال للسيد، وقد أذن بالقضاء منه، اما بصريح القول أو من جهة الحكم
(والثانى)
لا يشاركهم، لان حقوق أصحاب الديون متعلقة بما في يده فصار ذلك كالمرهون بحقوقهم، نرى أن السيد لو أراد أخذ ذلك قبل قضاء الغرماء لم يكن له ذلك.
(فرع)
وان كان في ذمة العبد دين فضمن عنه ضامن صح الضمان لان الدين في ذمته لازم، وانما لا يطالب به لعجزه في حال رقه فصح الضمان عنه كالدين على المعسر.
قال الصيمري: لو ثبت على عبده دين بالمعاملة فضمنه عنه سيده صح ضمانه كالأجنبي (فرع)
وأما المكاتب فانه إذا ضمن دينا على سيده - فان كان بغير اذنه
стр. 454
فهل يصح؟ فيه وجهان كما قلنا في غير المكاتب، وإن قُلْنَا لَا يَصِحُّ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ قُلْنَا يصح كان ذلك في ذمته إلى أن يعتق وإن ضمن بإذن سيده، فان قلنا يجوز للكاتب أن يهب شيئا من حاله بإذن سيده على ما مضى من بياننا لحكمه وإن قلنا لا يجوز للمكاتب أن يهب شيئا لغيره بغير إذن سيده فالذي يقتضى المذهب أن يصح الضمان ويتبع به إذا عتق، ولا يقضى من المال الذى بيده قبل أداء الكتابة وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
ويصح الضمان من غير رضا المضمون عنه لانه لما جاز قضاء دينه من غير رضاه، جاز ضمان ما عليه من غير رضاه.
واختلف أصحابنا في رضا المضمون له، فقال أبو على الطبري: يعتبر رضاه لانه إثبات مال في الذمة بعقد لازم، فشرط فيه رضاه كالثمن في البيع وقال أبو العباس: لا يعتبر، لان أبا قتادة ضمن الدين عن الميت بحضرة النبي.
ولم يعتبر النبي ﷺ رضا المضمون له
(فصل)
وهل يفتقر إلى معرفة المضمون له والمضمون عنه.
فيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يفتقر إلى معرفة المضمون عنه، ليعلم أنه هل هو ممن يسدى إليه الجميل ويفتقر إلى معرفة المضمون له ليعلم هل يصلح لمعاملته أم لا يصلح، كما يفتقر إلى معرفة ما تضمنه من المال هل يقدر عليه أم لا يقدر عليه
(والثانى)
أنه يفتقر إلى معرفة المضمون له: لان معاملته معه ولا يفتقر إلى معرفة المضمون عنه لانه لا معاملة بينه وبينه (والثالث) أنه لا يفتقر إلى معرفة واحد منهما لان أبا قتادة ضمن عن الميت: ولم يسأله النبي ﷺ عن المضمون له، والمضمون عنه.
(الشرح) الاحكام: يصح الضمان من غير رضى المضمون عنه، لان عليا رضى الله عنه وأبا قتادة رضى الله عنه ضمنا عن الميت بحضرة النبي ﷺ .
والميت لا يمكن رضاه، ولانه لما جاز له أن يقضى الدين بغير اذن جاز أن يضمن عنه الدين بغير اذنه.
وأما المضمون له فهل يعتبر رضاه؟ فيه وجهان قال أبو على
стр. 455
الطبري: يعتبر رضاه، وهو قول أبى حنيفة كما سبق في شرح ترجمة الباب إلا في مسألة واحدة، وهو إذا قال المريض لبعض ورثته اضمن عنى دينا لفلان الغائب فضمن عنه بغير اذن المضمون له وان لم يسم الدين استحسانا، لانه اثبات مال لآدمي فلم يصح الا برضاه أو من ينوب عنه كالبيع والشراء له فقولنا " لآدمي " احتراز كما قلنا من النذر.
وقال أبو العباس بن سريج يصح من غير رضاه، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره، وبه قال أبو يوسف لان عليا وأبا قتادة رضى الله عنهما ضمنا الدين بحضرة النبي ﷺ بغير رضا المضمون له ولان الضمان وثيقة بالحق فلم يفتقر إلى رضا من له الوثيقة، كما لو أشهد من عليه الدين بنفسه فصحت الشهادة وان لم يرض المشهود له.
وأما معرفة الضامن للمضمون له والمضمون عنه فهل يفتقر إلى ذلك فيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه لا يفتقر إلى معرفة واحد منهما، وانما يضمن بالاسم والنسب ووجهه ضمان أبى قتادة وعلي، ولم يسأل النبي ﷺ هل يعرفان عين المضمون له والمضمون عنه أم لا، ولو كان الحكم يختلف بذلك لبينه النبي ﷺ ، ولان الواجب أداء الحق فلا حاجة إلى معرفة ما سوى ذلك.
(والثانى)
أنه لا يصح حتى يعرف الضامن عينهما: لان معاملته المضمون له
فلابد من معرفته بعينه ليعلم هل هو أهل لان يسدى إليه الجميل أم لا.
(والثالث) أنه يفتقر إلى معرفة عين المضمون له لان معاملته معه، ولا يفتقر إلى معرفة المضمون عنه، لانه لا معاملة بينه وبينه قال المحاملى فإذا قلنا بهذا افتقر إلى قبوله، فان قيل لزم الضمان وان رد بطل، وان رجع الضامن قبل قبول المضمون له صح رجوعه
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وان باعه بشرط أن يضمن الثمن ضامن، لم يجز حتى يعين الضامن، لان الغرض يختلف باختلاف من يضمن، كما يختلف باختلاف
стр. 456
ما يرهن من الرهون: وإن شرط أن يضمنه ثقة لم يجز حتى يعين، لان الثقات يتفاوون، فان لم يف له بما شرط من الضمين ثبت للبائع الخيار، لانه دخل في العقد بشرط الوثيقة ولم يسلم له الشرط، فثبت له الخيار، كما لو شرط له رهنا ولم يف له بالرهن.
وإن شرط أن يشهد له شاهدين جاز من غير تعيين، لان الاغراض لا تختلف باختلاف الشهود، فان عين له شاهدين فهل يجوز إبدالهما بغيرهما؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز.
كما لا يجوز في الضمان
(والثانى)
يجوز، لان الغرض لا يختلف.
(الشرح) الاحكام: إذا باع رجل من غيره شيئا بثمن في ذمته بشرط أن يضمن له بالثمن ضامن معين صح البيع والشرط، لان الحاجة تدعو إلى شرط الضمين في عقد البيع، فان لم يضمن له الضمين المعين ثبت للبائع الخيار في فسخ البيع، لانه إنما دخل في البيع بهذا الشرط، فإذا لم يف له المشترى بالشرط ثبت للبائع الخيار.
وان أتاه المشترى بضمين غير الضمين المعين لم يلزم البائع
قبوله بل يثبت له الخيار، وإن كان الذى جاءه به أملا من المعين، لانه قد يكون له غرض في ضمانه المعين، وان شرط في البيع أن يضمن له بالثمن معه لم يصح الشرط وبطل البيع لان الثقات يتفاوتون، وإذا كان الشرط مجهولا بطل البيع (فرع)
وان باعه سلعة بثمن بشرط أن يشهد له شاهدين جاز من غير تعيين وكان عليه أن يشهد له شاهدين عدلين، لان الاغراض لا تختلف باختلاف الشهود، فإذا لم يشهد له ثبت لصاحبه الخيار في فسخ البيع، وان باعه بشرط أن يشهد له شاهدين معينين فأشهد له شاهدين عدلين غير المعينين فهل يسقط خيار الآخر؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يلزم الآخر قبول ذلك بل يثبت له الخيار في فسخ البيع.
كما قلنا في الضمين المعين
(والثانى)
يلزم قبول ذلك ولا خيار له لانه لا غرض له في أعيان الشهود إذا حصلت العدالة، ولهذا قلنا لابد في شرط الضمين من تعيينه وفى الشهادة يجوز شرط شاهدين عدلين وان كانا غير معينين.
والذى يقتضى
стр. 457
المذهب أن هذا الشرط في الشهادة يصح أن يكون وثيقة لكل واحد من المتبايعين ويثبت لكل واحد منهما الخيار، إذا شرط ذلك على الآخر ولم يف الآخر له بذلك، لان للبائع غرضا في الاستيثاق بالشهادة خوفا أن يستحق عليه المبيع فيرجع بالثمن على البائع قال المصنف ﵀:
(فصل)
ويصح ضمان كل دين لازم كالثمن والاجرة وعوض القرض ودين السلم وأرش الجناية وغرامة المتلف لانه وثيقة يستوفى منها الحق فصح في كل دين لازم كالرهن، وأما مالا يلزم بحال وهو دين الكتابة فلا يصح ضمانه لانه لا يلزم المكاتب أداؤه فلم يلزم ضمانه، ولان الضمان يراد لتوثيق الدين،
ودين الكتابة لا يمكن توثيقه، لانه يملك إسقاطه إذا شاء فلا معنى لضمانه، وفى مال الجعالة والثمن في مدة الخيار ثلاثة أوجه (أحدها) لا يصح ضمانه لانه دين غير لازم فلم يصح ضمانه كدين الكتابة
(والثانى)
يصح لانه يؤول إلى اللزوم فصح ضمانه (والثالث) يصح ضمان الثمن في مدة الخيار ولا يصح ضمان مال الجعالة لان عقد البيع يؤول إلى اللزوم وعقد الجعالة لا يلزم بحال.
فأما المال المشروط في السبق والرمى ففيه قولان
(أحدهما)
أنه كالاجارة فيصح ضمانه
(والثانى)
أنه كالجعالة فيكون في ضمان وجهان (الشرح) الاحكام قال أصحابنا: الحقوق على أربعة أضرب (أحدها) حق لازم كالثمن في الذمة بعد قبض المبيع، والاجرة في الذمة بعد انقضاء الاجارة ومال الجعالة بعد العمل، والمهر بعد الدخول وعوض القرض وقيم المتلفات فهذا يصح ضمانه لانه دين لازم مستقر (الضرب الثاني) دين لازم غير مستقر كالمهر قبل الدخول، وثمن المبيع قبل قبض المبيع والاجرة قبل انقضاء الاجارة ودين السلم، فهذا يصح ضمانه أيضا وقال احمد رضى الله عنه في احدى الروايتين لا يصح سمان المسلم فيه.
стр. 458
لانه يؤدى إلى استيفاء المسلم فيه من غير المسلم عليه فهو كالحوالة.
ودليلنا أنه دين لازم فصح ضمانه كالمهر بعد الدخول (الضرب الثالث) دين ليس بلازم ولا يئول إلى اللزوم، وهو دين الكتابة فلا يصح ضمانه لان المكاتب يملك إسقاطه بتعجيز نفسه فلا معنى لضمانه، ولان ذمة الضامن فرع لذمة المضمون، فإذا لم يلزم الاصل لم يلزم الفرع، ومن حكم الضمان أن يكون لازما، وإن كان على المكاتبة دين لاجنبي صح ضمانه لانه
دين لازم عليه، وإن كان عليه لسيده دين من غير جهة الكتابة فهل يصح ضمانه فيه وجهان
(أحدهما)
يصح ضمانه لانه يجبر على أدائه
(والثانى)
لا يصح ضمانه لانه قد يعجز نفسه فيسقط ما في ذمته لسيده قال العمرانى: وأصلهما الوجهان هل يستدام ثبوت الدين في ذمته لسيده بعد أن يصير ملكا له؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: يستدام ثبوته صح ضمانه، وإن قلنا: لا يستدام ثبوته لم يصح ضمانه.
الضرب الرابع: دين غير لازم إلا أن يؤل إلى اللزوم، وهو مال الجعاله قبل العمل بأن يقول: من رد ضالتي فله دينار، فان أضمن عنه غيره ذلك قبل رد الضالة هل يصح، فيه وجهان.
(أحدهما)
يصح لقوله تعالى: قالوا " نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " فضمن المنادى مال الجعالة، وحمل البعير معلوم.
(والثانى)
لا يصح، لانه دين غير لازم فلا يصح ضمانه، كمال الكتابة، وممن قال: لم يضمن المنادى، وإنما أخبر عن الملك أنه بذل لمن رده حمل البعير، وأن الملك قال: وأنا به زعيم.
وأما ضمان ثمن المبيع في مدة الخيار فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: فيه وجهان، كمال الجعالة قبل العمل، ومنهم من قال يصح ضمانه وجها واحدا لانه يؤل إلى اللزوم، ولان الثمن قد لزم، وإنما له إسقاطه بالفسخ بخلاف مال الجعالة، فإنه لا يلزم بحال.
(فرع)
وأما مال السبق والرمى بعد العمل فيصح ضمانه، لانه دين لازم
стр. 459
مستقر، فهو المهر بعد الدخول، وأما قبل العمل فان كان المخرج للسبق أحدهما أو أجنبيا فهل يصح ضمانه: فيه وجهان، كما في الجعالة، وإن كان مال السبق
منهما وبينهما محلل، فان قلنا إن ذلك كالاجارة صح ضمانه، كضمان الاجرة قبل انقضاء مدة الاجارة، وإن قلنا: إنها كالجعالة كان في ضمان المال عنهما: أو عن احدهما، وجهان كمال الجعالة.
(فرع)
وأما أرش الجناية والدية - فان كان دراهم أو دنانير - مثل أن جنى على عبد أو كانت الابل معدومة، فأوجبنا قيمتها وكانت معلومة، أو قلنا يجب ألف مثقال، أو اثنى عشر ألف درهم صح ضمانها.
وإن كان الواجب الابل.
فهل يصح ضمانها، فيه وجهان، بناء على القولين في جواز بيعها.
(فرع)
وأما ضمان نفقة الزوجة - فإن ضمن عنه نفقة مدة قد مضت - صح ضمانها، لانه دين لازم مستقر فهى كالمهر بعد الدخول، وإن ضمن عنه نفقة يومه الذى هو فيه صح أيضا، لانه دين لازم فصح ضمانه، وإن كان غير مستقر كضمان المهر قبل الدخول لم يصح، وإن ضمن عنه مدة مستقبلة معلومة فهل يصح؟ فيه قولان بناء على أن النفقة تجب بالعقد أو بالعقد والتمكين من الاستمتاع، فقال في القديم: يجب بالعقد، وإنما يجب استيفاؤها يوما بيوم فعلى هذا يصح أن يضمن نفقة مدة معلومة، ولكن لا يضمن إلا نفقة المعسر.
وإن كان الزوج وقت الضمان موسرا، لان نفقة المعسر متحققة، وما زاد على ذلك مشكوك فيه.
وقال في الجديد: لا تجب النفقة إلا بالعقد والتمكين من الاستمتاع، فعلى هذا لا يصح أن يضمن نفقة مدة مستقبلة بحال.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يجوز ضمان المجهول، لانه إثبات مال في الذمة بعقد لآدمي فلم يجز مع الجهالة، كالثمن في البيع، وفى إبل الدية وجهان.
(أحدهما)
لا يجوز ضمانه، لانه مجهول اللون والصفة
(والثانى)
أنه يجوز
стр. 460
لانه معلوم السن والعدد، ويرجع في اللون والصفة إلى عرف البلد.
(فصل)
ولا يصح ضمان ما لم يجب، وهو أن يقول: ما تداين فلان فأنا ضامن له، لانه وثيقة بحق، فلا يسبق الحق كالشهادة.
(الشرح) الاحكام: لا يصح ضمان مال مجهول، وهو أن يقول ضمنت لك ما تستحقه على فلان من الدين، وهو لا يعلم قدره، وكذلك لا يصح ضمان ما لم يجب، وهو أن يقول: ضمنت لك ما تداين فلانا، وبه قال الليث وابن أبى ليلى وابن شبرمة والثوري وأحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: يصح ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب، وقال أبو العباس بن سريج: وهو قول الشافعي في القديم كما قال الشافعي في القديم: يصح ضمان نفقة الزوجة عن مدة مستقبلة، وهذا ضمان ما لم يجب، وضمان مجهول وهو طريقة الخراسانيين أنها على قولين، قال الشيخ أبو حامد خالف سائر أصحابنا ذلك، وقالوا: لا يصح قولا واحدا، وما قاله الشافعي ﵀ في القديم أنه يصح ضمان نفقة الزوجة مدة مستقبلة، فانها أجازه لان النفقة تجب على هذا بالعقد فقد ضمن ما وجب، ولا يصح منها إلا ضمان شئ مقدر وليس بمجهول دليلنا: على أنه لا يصح ضمانها لانه إثبات مال في الذمة بعقد لازم فلم يصح مع جهله، ولا قبل ثبوته كالثمن في البيع، والمهر في النكاح فقولنا: في الذمة احتراز ممن غصب من رجل شيئا مجهولا، وقولنا بعقد، احتراز ممن أتلف على غيره مالا أو وطئ امرأة بعقد فاسد، فان ذلك يثبت في ذمته مالا، وإن كان لا يعلم قدره.
(فرع)
قال في الابانة: فلو جهل مقدار الدين إلا أنه قال: ضمنت لك من درهم إلى عشرة.
وقلنا لا يصح ضمان المجهول، فهل يصح هذا، فيه قولان.
(أحدهما)
قال: وهو الاشهر -: يصح، لان جملة ما ضمن معلومة
(والثانى)
وهو الاقيس أنه لا يصح، لان مقدار الحق مجهول.
(فرع)
فأما إذا قال الرجل لغيره ضمنت لك ما تعطى وكيلى وما يأخذ منك فان يلزمه ذلك، لا من جهة الضمان، ولكن من جهة التوكيل، وذلك أن يد الوكيل يد الموكل.