← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وفي سراج المريدين لابن العربي: إن الله خلق الأرض مختلفة محدودبة ويخلقها يوم القيامة مستوية، لا ترى فيها عِوجاً ولا أمتاً، متماثلة بيضاء كخبرة النقي، كما في الصحيح، وأما تبديل السموات فليس في كيفيتها حديث، وإنما هو مجهول. وفي حديث مسلم: «أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟ قال: هم على الصراط» . قال: يحتمل أنه الصراط المعروف، ويحتمل أنه اسم لموضع غيره، تستقر الأقدام عليه، وكأنه الأظهر للحديث الآخر. وقد سألته عائشة- رضى الله عنها- أين يكون الناس يوم تبدل الأرض؟ قال ﷺ : «هُمْ في الظُّلْمَةِ دُونَ الجسْر» «١» . والجسر: الصراط. هـ. أما تبديل الأرض: فظاهر الآيات أنها قبل البعث والحشر، فلا يقع البعث والحشر، إلا على الأرض المبدلة كقوله: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ «٢» . وقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قَاعاً صَفْصَفاً «٣» .. ثم قال: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ «٤» . وقوله: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ «٥» ، ثم قال: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا «٦» ، إلى غير ذلك من الآيات. والأرواح حينئذٍ أضياف الله، أو في ظل العرش، أو دون الجسر، حيث يعلم الله. وأما تبديل السماوات فظاهر الأخبار أنه وقت وقوف الناس في المحشر، حيث تشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة تنزيلاً. والله تعالى أعلم. وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ، أي: وبرزوا من أجداثهم لمحاسبة الواحد القهار، أو لمجازاته. وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أنه في غاية الصعوبة، كقوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ «٧» ، وأن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار، وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ: قرن بعضهم إلى بعض فِي الْأَصْفادِ: في القيود، أو الأغلال، كل واحد قُرن مع صاحبه، على حسب مشاركتهم في العقائد والأعمال، كقوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ «٨» . أو قُرنوا مع الشياطين، أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائفة والأهوية الفاسدة، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. فقوله: فِي الْأَصْفادِ: متعلق بمقرنين، أو حال من ضميره. والصفد: القيد أو الغل. سَرابِيلُهُمْ: قُمصانُهم، والسربال: القميص، مِنْ قَطِرانٍ، وهو الذي تهنأ به الإبل، أي: تدهن به. وللنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جُعِل قَميصَ أهل النار. قال البيضاوي: وهو أسود منتن، تشتعل فيه النار بسرعة،

стр. 1297

يُطلى به جلود أهل النار، حتى يكون طلاؤه لهم كالقميص، ليجتمع عليهم لذغ القطران ووحشة لونه ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم. على أنَّ التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين. هـ. وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ، أي: تكسوها وتأكلها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق، ولم يخضعوا بها إلى الخالق، كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة من المعرفة والنور، مملوءة بالجهالات والظلمة. ونظيره قوله: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ «١» ، وقوله تعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ «٢» . فعل ذلك بهم لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ من الإجرام، أو ما كسبت مطلقاً لأنه إذا بيَّن أن المجرمين معاقبون لأجرامهم علم أن المطيعين يُثابون لطاعتهم. ويتعين ذلك إذا علق اللام ببرزوا. إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ، فيحاسب الناس في ساعة واحدة لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فكل شخص يظهر له أنه واقف بين يديه، يُحاسب في وقتِ حسابِ الآخر لأن ذلك وقت خرق العوائد. هذا القرآن، أو ما فيه من الوعظ والتذكير، أو ما وصفه من قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا ... «٣» إلخ، بَلاغٌ لِلنَّاسِ أي: كفاية لهم عن غيره في الوعظ وبيان الأحكام، يقال: أعطيته من المال ما فيه بلاغ له، أي: كفاية. أو بلاغ أي: تبليغ لهم، كقوله: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ «٤» ، وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ» ، وقوله: وَلِيُنْذَرُوا بِهِ: عطف على محذوف، أي: ليُنصحوا به، ولينذروا به، أو متعلق بمحذوف، أي: ولينذروا به أنزلناه، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى، أو المنبهة على ما يدل عليه. وَلِيَذَّكَّرَ أي: ليتعظ به أُولُوا الْأَلْبابِ أي: القلوب الصافية بالتدبر في أسرار معانيه وعجائب علومه وحكمه، فيرتدعوا عما يُرديهم، ويتذرعوا بما يحظيهم. واعلم أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد، هي الغاية والحكمة في إنزال الكتاب: تكميل الرسل للناس، واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، وإصلاح القوة العملية التي هي التدرع بكمال التقوى. جعلنا الله من الفائزين بغايتها. قال معناه البيضاوي. الإشارة: قد مكر أهلُ الغفلة بالأولياء، قديماً وحديثاً، واحتالوا على إطفاء نورهم، فأبى الله إلا نصرهم وعزهم (إن الله عزيز ذو انتقام) فينتقم لهم وينصرهم. ووقت نصرهم هو حين يتحقق فناؤهم عن الرسوم والأشكال، فتبدل الأرض عندهم غير الأرض والسماوات فتنقلب كلها نوراً مجموعاً ببحر الأنوار، وبمحيطات أفلاك الأسرار،

стр. 1298

فتذهب ظلمة الأكوان بتجلي نور المكون، اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «١» . وبرزوا من سجن الأكوان لشهود الواحد القهار. وقال الورتجبي: يريد أن أرض الظاهر وسماء الظاهر تبدل من هذه الأوصاف، وظلمة الخليقة، إلا أنها منورة بنور جلال الحق عليها، وأنها صارت مَشْرق عيان الحق للخلق حين بدا سطوات عزته، بوصف الجبارية والقهارية بقوله: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها «٢» وهناك يا أخي يدخل الوجود تحت أذيال العدم من استيلاء قهر أنوار القدم، قال: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «٣» . قيل: فأين الأشياء إذ ذاك؟ قال: عادت إلى مصادرها. وقال: متى كانوا شيئاً حتى صاروا لا شيء؟! لأنهم أقل من الهباء في الهواء في جنب الحق. هـ. وترى المجرمين، وهم الغافلون، مقرنين في قيود الأوهام، والشكوك، مسجونين في محيطات الأكوان، سرابيلهم ظلمة الغفلة، تغشى وجوههم نارُ القطيعة، لا تظهر عليها بهجة المحبين، ولا أسرار العارفين. فعل ذلك بهم ليظهر فضيلة المجتهدين. هذا بلاغ للناس، ولينذروا به وبال الغفلة والحجاب، وليتحقق أولوا الألباب أن الوجود إنما هو للواحد القهار. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

стр. 1299

سورة الحجر مكية. وهى تسع وتسعون آية. ومناسبتها لما قبلها: قوله تعالى: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ «١» ، مع قوله ﷻ : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ فهى تتميم لعنوان القرآن، وتفسير له. [سورة الحجر (١٥) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) قلت: رُب: حرف جر، تدل على التقليل غالباً. وفيها ثماني لغات: التخفيف، والتثقيل مع ضم الراء وفتحها بالتاء، ودونها. وتدخل عليها (ما) فتكفها عن العمل، ويجوز دخولها حينئذٍ على الفعل، ويكون ماضياً، أو منزلاً منزلته في تحقيق وقوعه، وقد تدخل على الجملة الاسمية كقول الشاعر: رُبَّمَا الجَامِلُ المُؤَبَّلُ فِيهمْ ... وَعَناجِيجُ بَيْنَهُنَّ المِهَارُ وجملة: (إلا ولها) : صفة لقرية، والأصل ألا يدخلها الواو، كقوله: إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ «٢» ، لكن لما شابهت صورة الحال دخلت عليها تأكيداً لوصفها بالموصوف. يقول الحق ﷻ : أيها الرسول المعظم، تِلْكَ الآيات التي تتلوها هي آياتُ الْكِتابِ الذي أنزلناه إليك، وَآيات قُرْآنٍ عربي مُبِينٍ واضح البيان، مبيناً للرشد والصواب، فمن تمسك به وآمن بما فيه كان من المسلمين الناجين، ومن تنكب عنه وكفر به كان من الكافرين الهالكين، وسيندم حين لا ينفع الندم، كما قال تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ: متمسكين بما فيه حتى يكونوا من الناجين. وهذا التمني قيل: يكون عند الموت، وقيل: في القيامة، وقيل: إذا خرج العصاة من النار، وهذا أرجح لحديثٍ في ذلك «٣» . ومعنى التقليل فيه: أنه تدهشهم أهوال يوم القيامة، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنوا أن لو كانوا مسلمين.

стр. 1300

قال تعالى: ذَرْهُمْ: دعهم اليوم يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا بدنياهم، وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ: ويشغلهم توثقهم بطول الأعمار، واستقامة الأحوال، عن الاستعداد للمعاد، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءهم. والأمر للتهديد، والغرض: حصول الإياس من إيمانهم، والإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنَّ نصحهم بعد هذا تعب بلا فائدة. وفيه إلزام الحجة لهم. وفيه التحذير عن إيثار التنعم، وما يؤدي إليه طول الأمل من الهلاك عاجلاً وآجلاً، ولذلك قال تعالى بُعد: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ أي: أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ، ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها أي: أجَل هلاكها، وَما يَسْتَأْخِرُونَ عنه ساعة. وتذكير الضمير في يَسْتَأْخِرُونَ للحمل على المعنى، لأن الأمة واقعة على الناس. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر هذا التهديد العظيم، والخطر الجسيم لمن تمتع بدنياه، وعكف على حظوظه وهواه: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون) . ولله در القائل: تَفَكَّرتُ فِي الدُّنيا وفي شَهَواتِها ... ولَذاتِها حَتَّى أَطَلْتُ التَّفَكُّرَا وَكيْفَ يَلَذُّ العَيشُ مَنْ هُو سَالِكٌ ... سَبِيلَ المَنَايا رائِحا أوْ مُبكِّرا فَلاَ خَيْرَ في الدنيا ولا في نَعِيِمهَا ... لحُرِّ مقلِّ كانَ أو مكثرا ثم أجاب من اقترح الآيات، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦ الى ٩] وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) يقول الحق ﷻ : وَقالُوا أي: كفار قريش: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في زعمه، أو قالوه تَهكماً، إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ أي: إنك لتقول قول المجانين، حين تدعي أنه ينزل عليك الذكر، أي: القرآن. لَوْ مَا: هلا تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ ليصدقوك فيما تدعي، أو يعضدوك على الدعوى، أو للعقاب على تكذيبنا، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك، قال تعالى: ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ لعذابهم أو لغيره إِلَّا بِالْحَقِّ من الوحي، والمصالح التي يريدها الله، لا باقتراح مقترح، أو اختيار كافر، أو: إلا تنزيلاً ملتبساً بالحق، أي: بالوجه

стр. 1301

الذي قدره في الأزل، واقتضته الحكمة الإلهية، وهو أنه لا تنزل إلا باستئصال العذاب، وقد سبق في العلم القديم إنَّ من ذريتهم من سبقت كلمتنا له بالإيمان، أو يراد بالحق: العذاب، ويؤيده قوله: وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ أي: ولو نزلت الملائكة لعوجلوا، وما كانوا، إذا نزلت، مُؤخرين عن العذاب ساعة. ثم رد إنكارهم نزولَ الذكر واستهزاءَهُمْ، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ أي: القرآن، وأكده بأن وضمير الفصل، وحفظه بعد نزوله، كما قال: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من التحريف، والزيادة والنقص، بأن جعلناه معجزاً، مبايناً لكلام البشر، لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان. قال القشيري: نزل التوراة، وَوَكَلَ حفظها إلى بني إسرائيل، بما استُحفظوا من كتاب الله، فحرَّفوا وبَدَّلوا، وأنزل القرآن، وأخبر أنه حافظه، فلا جرم أنه كتاب عزيز، لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه. ويقال: إنه أخبر أنه حافظ القرآن، وإنما يحفظه بقرائه، فقلوبُ القُرَّاءِ هي خزائنُ كتابه وهو لا يضيع حفظة كتابه، فإن في ذلك تضييع كتابه. هـ. وقال ابن عطية على قوله: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ «١» : ذهبت جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظاً من تلقائهم، وأن ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ضمن حفظه. هـ. الإشارة: كل ما جاء في القرآن من الإنكار على الرسل على أيدي الكفرة وتنقيصهم، والاستهزاء بهم، ففيه تسلية لمن بعدهم من الأولياء. وكذلك ما ذكره الحق تعالى من مقالات أهل الجهل في جانبه كقوله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ «٢» ، وقوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ «٣» ، إلى غير ذلك من مقالات أهل الجهل، فكأن الحق تعالى يقول: لو سَلِم أحد من الناس، لسلمتُ أنا وأنبيائي، الذين هم خاصة خلقي، فليكن بي وبرسلي أسوة لمن أُوذي من أوليائي. وبالله التوفيق. ثم تمم تلك التسلية، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٠ الى ١٥] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)

стр. 1302

يقول الحق ﷻ فى تسلية رسوله- ﵊: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رسلاً فِي شِيَعِ: فرق الْأَوَّلِينَ أي: القرون الماضين، جمع شيعة، وهي: الفرقة المتفقة على طريق واحد، وتتشيع لمذهب أو رجل، من شاعه إذا تبعه، أي: نبأنا رجالاً فيهم، وجعلناهم رسلاً إليهم، فكذبوهم واستهزءوا بهم، فكانوا: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ كما يفعل بك هؤلاء المجرمون. كَذلِكَ نَسْلُكُهُ أي: ندخل الاستهزاء فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. والسلك: إدخال الشيء فى الشيء كالخيط في المخيط، وفيه دليل على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوبهم. وإذا سلك في قلوبهم التكذيب لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبداً. أو: نسلكه، أي: القرآن مستهزءاً به، أي: مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مُكَذَّباً غير مؤمن به، ثم هددهم على عدم الإيمان به، فقال: وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي: تقدمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء، حتى هلكوا بسبب ذلك، أو مضت سنته في الأولين بإهلاك من كذب الرسل منهم، فيكون وعيداً لأهل مكة. وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أي: على هؤلاء المقترحين المعاندين من كفار قريش، باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ: يصعدون إليها، ويرون عجائبها طول نهارهم، لكذبوا، أو فظلت الملائكة يعرجون فيها وهم يشاهدونهم لقالوا من شدة عنادهم وتشكيكهم في الحق: إِنَّما سُكِّرَتْ: حيرت أَبْصارُنا، فرأينا الأمر على غير حقيقته من أجل السكر الذي أصابنا بالسحر. ويحتمل أن يكون مشتقاً من السَكر بفتح السين، وهو السد، أي: سُدَّت أبصارنا، ومُنعنا من الرؤية الحقيقية. بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ سحرنا محمد، كما قالوا عند ظهور غيره من الآيات. قال البيضاوي: وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على جزمهم بأن ما يرونه لا حقيقة له، بل هو باطل خُيّل ما خيل لهم بنوع من السحر. هـ. وذلك من فرط عنادهم، وشقاوتهم. والعياذ بالله. الإشارة: هذا كله من قبيل التسلية لأهل الخصوصية، إذا قوبلوا بالإنكار والاستهزاء، فيرجعون إلى الله، والاكتفاء بعلمه، والاشتغال بالله عنه. وقد قال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضى الله عنه: عداوة العدو حقاً هي اشتغالك بمحبة الحبيب، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك، وفاتتك محبة الحبيب. وقال الولي الصالح سيدي أبو القاسم الخصاصى رضى الله عنه لبعض تلامذته: لا تشتغل قط بمَن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حرَّكه عليك، ليختبر دعواك في الصدق. وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير اشتغلوا بإيذاء مَن آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم، وكفاهم أمرهم. هـ.

стр. 1303

ثم دلهم على المعجزة الحقيقية، التي تدلهم على التوحيد الذي فيه نجاتهم، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٦ الى ٢٥] وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماء فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً اثني عشر برجاً، وهي: الحَمَل، والثور، والجَوْزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، والبرج عبارة عن قطعة في الفلك تقطعها الشمس في شهر فتقطع البروج كلها في سنة، ستة يمانية، وستة شمالية، وهي مختلفة الهيئات والخواص، على ما دلّ عليه الرصد والتجربة. وكل ذلك بقدرة المدبر الحكيم. قال تعالى: وَزَيَّنَّاها بالأشكال والهيئات البهية لِلنَّاظِرِينَ المعتبرين ليستدلوا بها على قدرة مبدعها، وتوحيد صانعها. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ: مرجوم، فلا يقدر أن يصعد إليها ليسترق السمع منها، أو يوسوس أهلها، أو يتصرف في أمرها، أو يطلع على أحوالها. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ أي: حفظناها من الشياطين، إلا من استرق منها. والاستراق: الاختلاس، رُوي أنهم يركبون بعضهم بعضاً حتى يصلوا إلى السماء، فيسمعون أخبار السماء من الغيب، فيخطف الجن الكلمة قبل الرمي فيلقيها إلى الكهنة، ويخلط معها مائة كذبة، كما فى الصحيح. ورُوي عن ابن عباس: أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات، فلما وُلد عيسى ﵇ مُنعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ مُنعوا من كلها بالشهب. وقيل: الاستثناء منقطع، أي: ولكن من استرق السمع، فَأَتْبَعَهُ لحقه شِهابٌ مُبِينٌ ظاهر للمبصرين. والشهاب: شُعلة نار يقتبسها الملك من النجم، ثم يضرب به المسترق، وقيل: النجوم هي التي تضرب بنفسها، فإذا أصابت الشيطان قتلته أو خبلته فيصير غولاً. ثم ذكر معجزة الأرض فقال: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها: بسطناها، وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ جبالا ثوابت، وَأَنْبَتْنا فِيها في الأرض، أو فيها وفى الجبال مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مقدر بمقدار معين تقتضيه

стр. 1304

حكمته. فالوزن مجاز، أو ما يوزن حقيقة كالعشب النافعة، أو كالذهب والفضة وسائر الأطعمة. وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ تعيشون بها من المطاعم والملابس، وَخلقنا لكم مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ من الولدان والخدمة والمماليك، وسائر ما تظنون أنكم ترزقونهم ظنا كاذباً فإن الله يرزقكم وإياهم. قال البيضاوي: وفذلكة الآية: الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار معين، مختلفة الأجزاء في الوضع، محدثة فيها أنواع النباتات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة، مع جواز ألا تكون كذلك على كمال قدرته، وتناهي حكمته، والتفرد في ألوهيته، والامتنان على العباد بما أنعم في ذلك ليوحدوه ويعبدوه. ثم بالغ في ذلك فقال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي: وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره، أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد. هـ. قال ابن جزي: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ قيل: المطر، واللفظ أعم من ذلك، والخزائن: المواضع الخازنة، وظاهر هذا أن الأشياء موجودة قد خلقت. هـ. وَما نُنَزِّلُهُ أي: نبرزه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ: بمقدار محدود في وقت معلوم اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة، لا يزيد ولا ينقص على ما سبق به العلم. وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ: حوامل للماء في أوعية السحاب، يقال: لقحت الناقة والشجرة إذا حملت، فهي لاقحة، وألْقَحَت الريحُ الشجرَ فهي ملقحة. ولواقح: جمع لاقحة، أي: حاملة، أو جمع ملقحة على حذف الميم الزائدة، فهي على هذا ملقحة للسحاب أو الشجر، ونظيره: الطوائح، بمعنى المطيحات في قوله: ومُخْتَبِط مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ «١» والرياح أربعة: صَبَا، ودَبُور، وجَنوب، وشمال. والعرب تسمي الجنوب الحامل واللاقحة، وتسمى الشمال الحائل والعقيم. وفى البخاري ﷺ : «نُصِرتُ بالصِّبَا، وأُهْلِكَتْ عَادٌ بالدُّبُور» «٢» . وروي أبو هريرة ﵁، عنه ﷺ أنه قال: «الرِّيحُ الجنوب من الجنة، وهي اللواقح التي ذكر الله، وفيها منافع للناس» «٣» . وفى حديث: «الرِّيحُ من نفس الرحمن» «٤» . والإضافة هنا إضافة خلق إلى خالق، كما قال: مِنْ رُوحِي «٥» . ومعنى نفس الرحمن، أي:

стр. 1305

من تنفيسه وإزالة الكرب والشدائد، فمن التنفيس بالريح: النصر بالصبا، وذر الأرزاق بها، وجلب الأمطار، وغير ذلك مما يكثر عده. قاله ابن عطية. والمختار في تفسير اللواقح: أنها حاملة للماء، بدليل قوله: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي: جعلناه لكم سقيا. يقال: سقى وأسقى بمعنى واحد عند الجمهور. وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ: بممسكين له في الجبال، والغدران، والعيون، والآبار، فتخرجونه متى شئتم، بل ذلك من شأن المدبر الحكيم، فإن طبيعة الماء تقتضي الغور، فوقوفه دون حد لا بد له من مسبب مخصص، وجريه بلا انتهاء لا يكون إلا بقدرة السميع العليم، الذي لا تتناهى قدرته. أو: وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بقادرين متمكنين من إخراجه وقت الاحتياج إليه. نفى عنهم ما أثبته لنفسه بقوله: عِنْدَنا خَزائِنُهُ. وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ أي: نحيي من نريد إحياءه بإيجاد الحياة فيه، ونميت من نريد إماتته بإزالة الحياة منه. وقد أول الحياة بما يعم الحيوان والنبات. وتكرير الضمير للدلالة على الحصر. وَنَحْنُ الْوارِثُونَ: الباقون إذا مات الخلائق كلهم. وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ أي: علمنا من تقدم ولادةً، ومن تأخر، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعدُ، أو من تقدم إلى الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة، ومن تأخر، لا يخفى علينا شيء من أحوالكم. وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته، فإنَّ ما يدل على كمال قدرته دليل على كمال علمه. قيل: رغّب رسول الله ﷺ في الصف الأول، فازدحموا عليه، فنزلت، وقيل: إن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله ﷺ ، فتقدم بعض القوم لئلا ينظر إليها، وتأخر بعض ليبصرها، فنزلت. قاله البيضاوي. وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ لا محالة للجزاء، كأن هذا هو الغرض من ذكر العلم بالمتقدمين والمتأخرين لأنه إذا أحاط بهم علماً لم تصعب عليه إعادتهم وحشرهم. إِنَّهُ حَكِيمٌ باهر الحكمة، عَلِيمٌ واسع العلم والإحاطة بكل معلوم. قال البيضاوي: وفي توسيط الضمير- يعني في قوله: هُوَ يَحْشُرُهُمْ للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غيره، وتصدير الجملة بأن لتحقيق الوعيد والتنبيه على أن ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء يدل على صحة الحكم. هـ. الإشارة: ولقد جعلنا في سماء قلوب العارفين بروجاً، وهي المقامات التي ينزلون فيها بشموس عرفانهم، وهي: التوبة، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والصبر، والشكر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة،

стр. 1306

والمشاهدة. وزيناها للناظرين أي: السائرين حتى يقطعوها جملة محمولين بعناية الجذب، حتى يَحلو لهم ما كان مُراً على غيرهم، وحفظنا سماء قلوبهم من طوارق الشيطان، إلا ما كان طيفاً خيالياً لا يثبت، بل يتبعه شهاب الذكر فيحرقه، وأرضَ النفوس مددناها لقيام رسم العبودية، وظهور عالم الحكمة وآثار القدرة، وألقينا فيها جبال العقول الرواسي، لتعرف الرب من المربوب الذي اقتضته الحكمة. وأنبتنا فيها من العلوم الرسمية والعقلية، ما قدر لها في العلم المكنون، وجعلنا لكم فيها من علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين ما تتقوت به قلوبكم، وتعيش به أرواحكم وأسراركم، وتعولون به من لستم له برازقين من المريدين السائرين. سئل سهل ﵁ عن القوت، فقال: هو الحي الذي لا يموت، فقيل: إنما سألناك عن القوام. فقال: القوام هو العلم، فقيل: سألناك عن الغذاء، فقال: الغذاء هو الذكر، فقيل: سألناك عن طعام الجسد، فقال: مالك وللجسد، دع من تولاَّه أولاً يتولاه آخراً، إذا دخلت عليه علة رده إلى صانعه، أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها. وأنشدوا: يَا خادِمَ الجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ ... وتَطلُب الربْحَ مما فيه خُسْرَانُ عليك بالنفسِ فاستكمل فَضِِيلَتَهَا ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ واستكمال فضيلة النفس هو تزكيتها وتحليتها حتى تشرق عليها أنوار العرفان، وتخرج من سجن الأكوان. وبالله التوفيق. ثم قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ من الأرزاق المعنوية والحسية، أو العلوم اللدنية، والفتوحات القدسية، إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ فمن توجه بكليته إلينا فتحنا له خزائن غيبنا، وأطلعناه على مكنون سرنا شيئاً فشيئاً، وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. وقال الورتجبي: عِلْم الإشارة في الآية: دعوة العباد إلى حقائق التوكل، وهي: قطع الأسباب، والإعراض عن الأغيار، قيل: كان الجنيد ﵁ إذا قرأ هذه الآية وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، قال: فأين تذهبون؟. وقال حمدون: قطع أطماع عبيده عمن سواه بقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، فمن رفع بعد هذا حاجته إلى غيره، فهو لجهله ولؤمه. هـ. وأرسلنا رياح الهداية لواقح، تلقح الطمأنينة والمعرفة في قلوب المتوجهين، وتلقح اليقين والتوفيق في قلوب الصالحين، وتلقح الإيمان والهداية في قلوب المؤمنين، فأنزلنا من سماء الغيب ماء العلم اللدني، فأسقيناكموه على أيدي وسائط الشيوخ، أو بلا واسطة، وما أنتم له بخازنين، بل يفيض على قلوبكم عند غلبة الحال، أو لهداية مريد، أو عند الاحتياج إليه عند استفتاح القلوب، وإنا لنحن نُحيي قلوباً بالمعرفة واليقين، ونميت قلوباً بالجهل والكفر، ونحن الوارثون لبقاء انوارنا على الأبد. ولقد علمنا المستقدمين منكم إلى حضرة قدسنا بالاستعداد، وإعطاء الكلية

стр. 1307

من نفسه، ولقد علمنا المستأخرين عنها بسبب ضعف همته، وإن ربك هو يحشرهم فيُقرب قوماً لسبقهم، ويبعد آخرين لتأخرهم. إنه حكيم عليم. ثم ذكر أول نشأة الثقلين، ليدل بها على الحشر والإعادة، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٢٦ الى ٢٧] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) قلت: قال في الصحاح: الحَمأُ الْمسنُون: المنتنُ المتغير. وسُنَّةُ الوجه: صورته، ثم قال: والمسْنُونُ: المصَوَّرُ، وقد سَنَنتُهُ أَسُنُّه سَنَّا إذا صَوَّرتُه، والمسْنُونُ: المُملَّسُ. وفي القاموس: الحَمأُ المسْنُونُ: المنْتنُ، ورجُل مَسْنُونُ الوجه: مُمَلسُهُ، حَسنُهُ، سَهْلُهُ. أو في وَجْهِهِ وأنْفِهِ طُولٌ. وسنن الطين: عمله فخاراً. هـ. وفي ابن عطية: هو من سننت السكين والحجر: إذا أحكمت تلميسه. انظر بقية كلامه. وموضع مِنْ حَمَإٍ: نعت لصلصال، أي: كائن من حمأ. و (الجان) : منصوب بمحذوف يُفسره ما بعده. يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي: أصله، وهو آدم، مِنْ صَلْصالٍ أي: طين يابس يصلصل. أي: يصوت إذا نقر فيه وهو غير مطبوخ، فإذا طُبخ فهو فخار، مِنْ حَمَإٍ: من طين أسود مَسْنُونٍ: متغير منتن، من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فإنَّ ما يسيل بينهما يكون منتناً، ويسمى سنيناً. أو مسنون: مصور، أو مصبوب ليتصور، كالجواهر المذابة تصب في القوالب، من السن، وهو الصب، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غير ذلك طوراً بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه. وَالْجَانَّ وهو: إبليس الأول، ومنه تناسلت الجن، خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ أي: من قبل خلق الأنسان، مِنْ نارِ السَّمُومِ: من نار الحر الشديد النافذ في المسام، ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة، كما لم يمتنع خلقها في الجواهر المجردة، فضلاً عن الأجساد المؤلفة، التي الغالب فيها الجزء الناري، فإنها أقبل منها لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي. وقوله: مِنْ نارِ: لاعتبار الغالب، كقوله: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ «١» . ومساق الآية كما هو للدلالة على قدرة الله تعالى، وبيان بدء خلق الثقلين، فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر، وهو قبول المواد للجمع والإحياء. قاله البيضاوي.

стр. 1308

الإشارة: اعلم أن الخمرة الأزلية، حين تجلت في مرائي جمالها، تلونت في تجليها، فتجلت نورانية ونارية، ومائية وترابية، وسماوية وهوائية، إلى غير ذلك من ألوان تجلياتها، فكانت الملائكة من النور، والجن من النار، والآدمي من التراب، إلا أن الادمي فيه روح نورانية سماوية، فاجتمع فيه الضدان: النور والظلمة فشرف قدره في الجملة، فاستحق الخلافة، فإذا غلبت روحانيته على جسمانيته فضل على جميع التجليات، وما مثاله إلا كالمرآةِ التي خلفها الطلاءُ، فينطبع فيه الوجود بأسره، إذا صقلت مرآة قلبه، فتكون معرفته بالحق أجلى وأنصع من معرفة غيره لأن المرآة التي خلفها الطلاء يتجلى فيها ما يقابلها أكثر من غيرها. وأيضاً بشرية الآدمي كالياقوتة السوداء إذا صقلت كانت أعظم اليواقيت. وسيأتي بقية الكلام عند قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ «١» إن شاء الله. ثم ذكر تشريف آدم الملائكة بالسجود له، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٢٨ الى ٤١] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) قلت: (وإذْ قال) : ظرف لاذكر، وقوله: (فَقَعُوا) : امرٌ، من وقَع، يقع، قَعْ، فهو مما حُذفت فاؤه. وقوله: فَسَجَدَ معطوف على محذوف، أي: فخلقه، وأمر الملائكة فسجدوا.

стр. 1309

يقول الحق ﷻ : وَاذكر يا محمد إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، قبل خلق آدم: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وصفه لهم بذلك ليظهر صدق من يمتثل أمره، قال تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ: عدلت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي حين جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي، وأصل النفخ: إجراء الروح في تجويف جسد آخر. ولما كان الروح يتعلق أولاً بالبخار اللطيف المنبعث من القلب، وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسري في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن، جعل تعلقه بالبدن نفخاً. قاله البيضاوي. وأضاف الروح إلى نفسه إضافة ملك إلى مالك، اي: من الروح الذي هو لي، وخلق من خلقي. فإذا نفخت فيه فَقَعُوا: فأسقطوا لَهُ ساجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ حين أكمل خلقته، وأمرهم بالسجود، وقيل: اكتفى بالأمر الأول، كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى: امتنع أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ، قال البيضاوي: إن جُعِل الاستثناء منقطعاً اتصل به قوله: أَبى أي: لكن إبليس أبَى أن يسجد «١» ، وإن جُعِل متصلاً كان قوله أَبى: استئنافاً، على أنه جواب سائل قال: هلا سجد؟ فقال: أبى.. الخ. قلت: والأحسن: أن يقدر السؤال بعد قوله: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أي: وما شأنه؟ فقال: أبى أن يكون مع الساجدين. قال تعالى: يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أي شيء عرض لك، أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ لآدم؟ قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ أي: لا يصح مني، بل ينافي حالي أن أسجد لِبَشَرٍ جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، وقد خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وهو أخس العناصر، وخلقتني من نار وهي أشرفها. استنقص آدم من جهة الأصل، وغفل عن الكمالات التي خصه الله بها، منها: أنه خلقه بيديه بلا واسطة، أي: بيد القدرة والحكمة، بخلاف غيره، ومنها: أنه خصه بالعلوم التي لم توجد عند غيره من الملائكة، ومنها: أنه نفخ فيه من روحه المضافة إلى نفسه، ومنها: أنه جعله خليفة في أرضه ... إلى غير ذلك من الخواص التي تشرف بها فاستحق السجود.

стр. 1310

قال له تعالى لَمَّا امتنع واستكبر: فَاخْرُجْ مِنْها أي: من السماء، أو من الجنة، أو من زمرة الملائكة، فَإِنَّكَ رَجِيمٌ: مطرود من الخير والكرامة فإنَّ من يُطرد يُرجم بالحجر، أو شيطان يُرجم بالشُهب، فهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته، أي: ليس الشرف بالأصل، إنما الشرف بالطاعة والقرب. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ: الطرد والإبعاد إِلى يَوْمِ الدِّينِ يوم الجزاء، ثم يتصل باللعن الدائم. وقيل: إنما حد اللعن لأنه أبعد غاية يضربها الناس، أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن، فيصير كأنه زال عنه ذلك اللعن. قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي: أخرني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، أراد أن يجد فسحة في الإغواء، ونجاة من الموت، إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأول دون الثاني، قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ: المعين فيه أجلك عند الله، وانقراض الناس كلهم، وهو النفخة الأولى عند الجمهور. وهذه المخاطبة، وإن لم تكن بواسطة، لا تدل على منصب إبليس لأن خطاب الله له على سبيل الإهانة والإذلال. قاله البيضاوي. وجزم ابن العربي، في سراج المريدين، بأن كلام الحق تعالى إنما كان بواسطة، قال: لأن الله لا يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس، فكيف يكلم من تولى إضلالهم. هـ. وتردد المازُريُّ في ذلك وقال: لا قاطع في ذلك، وإنما فيه ظواهر، والظواهر لا تفيد اليقين. ثم قال: وأمّا قوله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ: فيحتمل أن يكون بواسطة أو بغيرها، تقول العرب: كلمت فلاناً مشافهة، بالكلام، وتارة بالبعث. هـ. قلت: الظاهر أنه كلمه بلا واسطة من وراء حجاب، كلامَ عتابٍ وإهانة، كما يوبخ الكفار يوم القيامة، مع أن الواسطة محذوفة عند المحققين، وإن وُجِدَتْ، صُورَةً. ثم قال: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي أي: بسبب إغوائك لي، لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وقيل: الباء للقسم، أي: بقدرتك على إغوائي، لأزينن لهم المعاصي والكفر في الدنيا، التي هي دار الغرور. قال ابن عطية: قوله: رَبِّ: مع كفره، يُخرج على أنه يقر بالربوبية والخلق، وهذا لا يدفع في صدر كفره. وقال، على قوله: لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ: ليس هذا موضع كفره عند الحذاق لأن إبايته إنما هي معصية فقط، أي: وإنما كفره لاعتراضه لأمر الحق واستكباره. وأما قوله وتعليله فإنما يقتضي أن آدم مفضول، وقد أمره أن يسجد لمن هو أفضل منه، فرأى أن ذلك جور، فقاس وأخطأ، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها الله تعالى المالك للجميع. هـ. مختصراً. وقال المازري: أما كفر إبليس فمقطوع به لقوله: اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ «١» ثم قال: ويؤكده قوله: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي، وقوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ ... الآية «٢» ، وغير ذلك من ظواهر ما يدل على كفره.

стр. 1311

وأما: هَلْ حدث هذا الكفر بعد إيمان سابق، أو لم يزل كافراً منذ كان؟ فهذا لا يحصله إلا نص قرآن، أو خبر متواتر، أو إجماع أمة، وهي المحصلة للعلم، وهذه الثلاثة مفقودة هنا. هـ. قلت: والظاهر أنَّ كفره لم يظهر إلا بعد الأمر بالسجود لآدم، وإنما سبق به العلم القديم، وكان قد أظهر الإيمان والعبادة والله تعالى أعلم. وقوله: وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ لأحملنهم على الغواية أجمعين، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ الذين أخلصتهم لطاعتك، وطهرتهم من الشهوات، فلا يعمل فيهم كيدي. ومن قرأ بالكسر فمعناه: الذين أخلصوا دينهم لله، وتحصنوا بالإخلاص في سائر أعمالهم. قالَ تعالى: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، الإشارة إلى نجاة المخلصين، أو إلى العبادة والإخلاص، أي: هذا الطريق الذي سلكه أهل الإخلاص في عبوديتهم هو طريق وارد عليَّ، وموصل إلى جواري، لا سبيل لك على أهله لأنه مستقيم لا عوج فيه. وقيل: الإشارة إلى انقسام الناس إلى غاوٍ ومخلص، أي: هذا أمر إليَّ مصيره، والنظر فيه لي، عليَّ أن أراعيه وأبينه، مستقيم لا انحراف فيه. وقرأ الضحاك ومجاهد والنخعي، وغيرهم: «عَلِيٌّ» بكسر اللام والتنوين، من العلو والشرف، والإشارة حينئذٍ إلى الإخلاص، أي: هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال أنت بإغوائك أهلَه يا إبليس. الإشارة: إنما يصعب الخضوع للجنس أو لمن دونه، في حق من يغلب حسه على معناه، وفرقُه على جمعه، وأما من غلب معناه على حسه، حتى رأى الأشياء الحسية أواني حاملة للمعاني، أي: لمعاني أسرار الربوبية، بل رآها أنواراً بارزة من بحر الجبروت، لم يصعب عليه الخضوع لشيء من الأشياء لأنه يراها قائمة بالله، ولا وجود لها مع الله، فلا يخضع حينئذٍ إلا لله، فالملائكة- ﵈ نفذت بصيرتهم، فرأوا آدم ﵇ قبلة للحضرة القدسية، فغلب عليهم شهود المعاني دون الوقوف مع الأواني، فخضعوا لآدم صورةً، ولله حقيقة. وإبليس وقف مع الحس، وحجب بالفرق عن الجمع، فلم ير إلا حس آدم دون معناه، فامتنع عن السجود. وفي الحِكَم العطائية: «فمن رأى الكون، ولم يشهد الحق فيه، أو عنده، أو قبله، أو بعده، أو معه، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسُحب الآثار» . ولهذا المعنى صعب الخضوع للأشباح لغلبة الفرق على الناس، إلا مَن سبقت له العناية، فإنه يخضع مع الفرق محبة لله، حتى يفتح الله عليه في مقام الجمع، فيخضع لله وحده. والتوفيق لهذا، والسير على منهاجه- أعني الخضوع لمن يوصل إلى الله- هو الصراط الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله: (هذا صراط عَلَيَّ مستقيم) . والله تعالى أعلم. ثم ذكر من لا تسلط للشيطان عليه، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٢ الى ٤٨] إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨)

стр. 1312

قلت: (إلا من اتبعك) : يحتمل ان يكون منقطعاً، ويريد بالعباد: الخصوص من أهل الإيمان والإخلاص، أي: إن عبادي المخلَصين لا تسلط لك عليهم، لكن من اتبعك من الغاوين فهو من حزبك. ويحتمل الاتصال، ويريد بالعباد جميع الناس، أي: إن عبادي كلهم لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ، إلا من اتبعك من أهل الغواية، فإنك تتسلط عليه بالوسوسة والتزيين والتحريض فقط، فيتبعك لقوله يوم القيامة: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي «١» . وعلى الاتصال يكون المستثنى منه أكثر من المستثنى، وإلا تناقض مع قوله: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. قال أبو المعالي: كون المستثنى أكثر من المستثنى منه ليس معروفاً في كلام العرب. انظر ابن عطية والبيضاوي. ومِنْهُمُ: حال من جزء مقدم، أي: لكل باب جزء حاصلٌ منهم مقسوم، أو من المستكن في الظرف لا من مقسوم لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفها. وإِخْواناً: حال من الضمير المضاف إليه لأنه جزء ما أضيف إليه، والعامل فيه: الاستقرار، أو معنى الإضافة، وكذا: عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ، ويجوز أن يكونا صفتين لإخوان، أو حالين من ضميره. يقول الحق ﷻ : إِنَّ عِبادِي المتحققين بالعبودية لي، المخلصين في أعمالهم، لَيْسَ لَكَ يا إبليس عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي: غلبة وتسلط بالغواية والإضلال، إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ الذين سبقت لهم الغواية، وتنكبتهم العناية. وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ: لموضع إبعاد الغاوين أو المتبعين لك أَجْمَعِينَ، لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ يدخلون فيها لكثرتهم، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة، وفي كل طبقة باب يسلك منه إليها، فأعلاها: جهنم، وهي للمذنبين من الموحدين، ثم لظى لليهود، ثم الحُطمة للنصارى، ثم السعير للصابئين، ثم سقر للمجوس، ثم الجحيم للمشركين، وكبيرهم أبو جهل، ثم الهاوية، وهي الدرك الأسفل، للمنافقين،

стр. 1313

وعبَّر في الآية عن النار جملة، بجهنم إذ هي أشهر منازلها وأولها، وهو موضع العصاة الذين لا يخلدون، ولهذا رُوي أن جهنم تخرب وتبلى، يعني: حين يخرج العصاة منها. وقيل: أبواب الطبقات السبع كلها من جهنم، ثم ينزل من كل باب إلى طبقته التي تفضى إليه. قاله ابن عطية. قال البيضاوي: ولعل تخصيص العدد بالسبعة، لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات، ومتابعة القوة الشهوية والغضبية. هـ. فالقوة الشهوية محلها ست وهي: السمع والبصر والشم واللسان والبطن والفرج. والقوة الغضبية في البطش باليد والرجل، فالمعاصي المهلكات جلها من هذه السبع، ومَلِكها القلب، إذا صلح صلحت، وإذا فسد فسدت. كما في الحديث. ثم قال البيضاوي: أو لأن أهلها فرق سبع. هـ. يعنى: الفرق التي تقدمت للطبقات، قال تعالى: لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ أي: من الأتباع جُزْءٌ مَقْسُومٌ أفرد له، لا يدخل إلا منه، ولا يسكن إلا في طبقته. وقد تقدم أهل كل طبقة، من عصاة الموحدين إلى المنافقين. ثم شفع بضدهم، على عادته في كتابه، فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ للكفر والفواحش، أو لمتابعة إبليس، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، لكل واحد جنة وعين، أو لكل واحد جنات وعيون، يقال لهم عند دخولهم: ادْخُلُوها، وقرأ رويس عن يعقوب: «أدخلُوها» بضم الهمزة وكسر الخاء، على البناء للمفعول، فلا يكسر حينئذٍ التنوين، أي: تقول الملائكة لهم: ادخلوها، أو قد أدخلهم الله إياها. بِسَلامٍ أي: سالمين من المكاره والآلام، أو مسلماً عليكم بالتحية والإكرام، آمِنِينَ من الآفة والزوال. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي: من حقد وعداوة كانت في الدنيا، وعن على ﵁: (أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم) ، أو من التحاسد على درجات ومراتبِ القُرْبِ. قلت: أما التحاسد على مراتب القرب فلا يكون لاستغناء كل أحد بما لديه، وأما التأسف والندم على فوات ذلك بالتفريط في الدنيا فيحصل، ففي الحديث: «ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلاَّ على سَاعَةٍ مَرَّتْ لهم لَمْ يَذْكُرُوا الله فيهَا» «١» . ولا يحصل التحسر حتى يرى ما فاته باعتبار وقوفه. قال ابن عطية: ذكر هنا نزع الغل من قلوب أهل الجنة، ولم يذكر له موطناً، وجاء في بعض الحديث أن ذلك على الصراط، وجاء في بعضها: أن ذلك على أبواب الجنة، وفي بعضها: ان الغل يبقى على أبوابها كمعاطن الإبل. ثم قال: وجاء في بعض الأحاديث: أن نزع الغل إنما يكون بعد استقرارهم في الجنة. والذي يقال في هذا: أن الله ينزعه في موطن من قوم وفي موطن من آخرين. هـ.

стр. 1314

قلت: والذي جاء في الأحاديث الواردة في أخبار الآخرة: ان أهل الجنة، إذا قربوا منها وجدوا على بابها عينين، فيغتسلون في إحداهما، فتنقلب إجسادهم على صورة آدم ﵇، ثم يشربون من الأخرى فتطهر قلوبهم من الغل والحسد، وسائر الأمراض، وهو الشراب الطهور. قال القشيري في قوله تعالى: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً «١» : يقال: يُطَهَّرُهم من محبة الأغيار، ويقالُ: ويُطَهَّرُهم من الغلِّ والغِشِّ والدَّعوى ... الخ ما يأتي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وسترى وتعلم. ثم قال تعالى: إِخْواناً، أي: لما نزعنا ما في صدورهم من الغل صاروا إخواناً متوددين، لا تَباغض بينهم ولا تحاسد، عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ يُقابل بعضهم بعضاً على الأسرة، لا ينظر أحد في فناء صاحبه. وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: المتجه أن المقابلة معنوية، وهي عدم إضمار الغل والإعراض، سواء اتفق ذلك حسّاً أم لا، ومن أضمر لأخيه غلاً فليس بمقابله، ولو كان وجهه إلى وجهه، بل ذلك أخلاقُ نفاقٍ، ولذلك شواهد بذمه لا بمدحه. هـ. لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ أي: تعب، وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ، لأن تمام النعمة لا يكون إلا بالخلود والدوام فيها. أكرمنا الله بتمام نعمته، ودوام النظر إلى وجهه. آمين. الإشارة: لا ينقطع عن العبد تسلط الشيطان حتى يدخل مقام الشهود والعيان، حين يكون عبداً خالصاً لله، حرا مما سواه، وذلك حين ينخرط في سلك القوم، ويزول عنه لوث الحدوث والعدم، فيفنى مَن لم يكن، ويبقى مَن لم يزل، وذلك بتحقيق مقام الفناء، ثم الرجوع إلى مقام البقاء. قال الشيخ أبو المواهب ﵁: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء وذلك أن العبد حين يتصل بنور الله، ويصير نوراً من أنواره، يحترق به الباطل ويدمغ، فلا سبيل للأغيار عليه. ولذلك قال بعضهم: نحن قوم لا نعرف الشيطان، فقال له القائل: فكيف، وهو مذكور في كتاب الله تعالى، قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا «٢» ؟. فقال: نحن قوم اشتغلنا بمحبة الحبيب، فكفانا عداوة العدو. وحين يتحقق العبد بهذا المقام ينخرط في سلك قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ.. الآية، وهذا لا ينال إلا بالخضوع لأهل النور، حتى يوصلوه إلى نور النور، فيصير قطعة من نور، غريقاً في بحر النور. ومع هذا لا ينقطع عنه الخوف والرجاء، لقوله تعالى: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٩ الى ٥٠] نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)

стр. 1315

يقول الحق ﷻ : نَبِّئْ: أخبر، عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لمن آمن بي، وصدق رسلي، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ لمن كفر بي، وجحد رسلي، أو بعضهم. قال البيضاوي: هي فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد، وتقرير له، وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين متقى الذنوب بأسرها، كبيرها وصغيرها، وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب- أي: لم يقل وأنا المعذب المؤلم- ترجيح الوعد. هـ. وذكر ابن عطية ان سبب نزولها: أن رسول الله ﷺ جاء إلى جماعة من أصحابه، عند باب بني شَيْبَةَ في الحرم، فوجدهم يضحكون، فزجرهم ووعظهم، ثم ولى، فجاءه جبريل عن الله، فقال: يا محمد أتُقَنِّط عبادي؟ وتلى عليه الآية، فرجع بها رسول الله ﷺ إليهم وأعلمهم «١» . هـ. ثم قال: ولو لم يكن هذا السبب لكان ما قبلها يقتضيها إذ تقدم ذكر ما في النار وذكر ما في الجنة، فأكّد تعالى تنبيه الناس بهذه الآية. هـ. قيل: وهذه الآية أبلغ ما في القرآن في إثارة الخوف والرجاء، من الآي التي لا تشبهها في الإجمال لما فيها من التصريح، ثم الرجاء فيها أغلب لأجل التقديم، مع ذكره في آية الرجاء، لصفاته العلية وأسمائه الحسنى، وذلك يؤذن بالتهمم به وترجيحه، وهو مذهب الصوفية في حال الحياة والممات. الإشارة: الخوف والرجاء يتعاقبان على الإنسان، فتاره يغلب عليه الخوف، وتارة يغلب عليه الرجاء. هذا قبل الوصول، وأما بعد الوصول فالغالب عليهم الاعتدال، قال في التنبيه: أما العارفون الموحدون فإنهم على بساط القرب والمشاهدة، ناظرون إلى ربهم، فانون عن أنفسهم، فإذا وقعوا في ذلة، أو أصابتهم غفلة، شهدوا تصريف الحق تعالى لهم، وجريان قضائه عليهم. كما أنهم إذا صدرت منهم طاعة، أو لاح منهم لائح من يقظة، لم يشهدوا في ذلك أنفسهم، ولم يروا فيها حولهم ولا قوتهم لأن السابق إلى قلوبهم ذكر ربهم، فأنفسهم مطمئنة تحت جريان أقداره، وقلوبهم ساكنة بما لاح لهم من أنواره، ولا فرق عندهم بين الحالين لأنهم غرقى في بحار التوحيد، قد استوى خوفهم ورجاؤهم، فلا ينقص من خوفهم ما يجتنبونه من العصيان، ولا يزيد في رجائهم ما يأتون من الإحسان. هـ. قلت: بل طرق الرجاء عندهم أرجح، كما تقدم لأن الرجاء ناشئ عن غلبة المحبة، وهي غالبة. والله تعالى أعلم.

стр. 1316

ثم ذكر قصة إبراهيم مع أضيافه لاشتمالها على الرحمة، وهى البشارة بالولد، وعلى النقمة، وهى الإعلام بتعذيب قوم لوط، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥١ الى ٦٠] وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) قلت: سَلاماً: مفعول بمحذوف، أي: سلمنا سلاماً، أو نسلم عليكم سلاماً. والضيف يطلق على الواحد والجماعة، والمراد هنا: جماعة من الملائكة. و (تُبشرون) : قرئ بشد النون بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وبالتخفيف بحذف إحدى النونين، وبالفتح، على أنها نون الرفع. و (يقنط) : بالفتح والكسر، يقال: قنط كضرِب وعلم. يقول الحق ﷻ : وَنَبِّئْهُمْ أي: وأخبر عبادي عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ حين بشروه بالولد، وأعلموه بعذاب قوم لوط، لعلهم يعتبرون فيرجون رحمته ويخافون عذابه. أو: ونبئهم أن من اعتمد منهم على كفره وغوايته، فالعذاب لاحق به في الدنيا، كحال قوم لوط. ثم ذكر قصتهم من أولها فقال: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ، وذلك حين دَخَلُوا عَلَيْهِ، وهم أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، فَقالُوا سَلاماً أي: نُسلم عليكم سلاماً، قال: سلام، ثم أتاهم بعجل حنيذ، فلما قربه إليهم، قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن، فقال إبراهيم: إن له ثمناً، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا ان يتخذه ربه خليلاً، فلما رأى أنهم لا يأكلون فزع منهم. ومن طريق آخر: أن جبريل مسح بجناحه العجْل، فقام يدرج حتى لحق بأمه فى الدار. هـ. هكذا ذكر القصة المحشي الفاسي عن ابن حجر. فلما أحس إبراهيم ﵇ بالخوف منهم قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ: خائفون إما لامتناعهم من أكل طعامه، أو لأنهم دخلوا بغير إذن، أو في غير وقت الدخول. والوجل: اضطراب النفس لتوقع مكروه. قالُوا لا تَوْجَلْ:

стр. 1317

لا تخف، ثم عللوا نهيه عن الخوف فقالوا: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ وهو إسحاق، لقوله: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ «١» ، عَلِيمٍ إذا بلغ أوان العلم. قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ أي: أبشرتموني بالولد مع أني قد كبر سني، وكان حينئذٍ من مائة سنة وأكثر، فَبِمَ تُبَشِّرُونَ؟ أي: فبأي أعجوبة تبشرون؟ أو فبأي شيء تبشرون؟ فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء. قال ذلك على وجه التعجب من ولادته في كِبَرهِ. قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ: باليقين الثابت الذي لا محالة في وقوعه، فلا تستبعده، ولا تشك فيه، فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ: من الآيسين، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق بشراً من غير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوز عاقرٍ. وكان استعجاب إبراهيم باعتبار العادة دون القدرة ولذلك قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ أي: لا ييأس من رحمة ربه إِلَّا الضَّالُّونَ: المخطئون طريق المعرفة، فلا يعرفون سعة رحمته تعالى، وكمال قدرته. قال القشيري: أي: من الذي يقنط من رحمة الله إلا من كان ضالاً، فكيف أخطأ ظنكم بي، فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟. هـ. وفيه دليل على تحريم القنوط قال تعالى: إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ «٢» . قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ أي: ما شانكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة؟ ولعله علم ان كمال المقصود ليس هو البشارة فقط، لأنهم كانوا عدداً، والبشارة لا تحتاج إلى عدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم. أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لأزالة الوجل، ولو كانت تمام المقصود لابتدروه بها. ثم أجابوه: قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعني: قوم لوط لأن شأنهم الإجرام بفعل الفاحشة، إِلَّا آلَ لُوطٍ أي: لكن آل لوط لم نُرْسَل إلى عذابهم إذ ليسوا مجرمين. أو أرسلنا إلى قوم أجرموا كلهم، إلا آل لوط، لنهلك المجرمين وننجي آل لوط، ويدل عليه قوله: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ من العذاب الذي يهلك به قوم لوط. قال ابن جزي: قوله: إِلَّا آلَ لُوطٍ: يحتمل أن يكون استثناء من قومه، فيكون منقطعاً لوصف القوم بالإجرام، ولم يكن آل لوط مجرمين. ويحتمل أن يكون استثناء من الضمير في مُجْرِمِينَ فيكون متصلاً، كأنه قال: إلى قوم أجرموا كلهم إلا آل لوط فلم يجرموا، وقوله: إِلَّا امْرَأَتَهُ استثناء من آل لوط، فهو استثناء من استثناء. قيل: وفيه دليل على أنَّ الأزواج من الآل لأنه استثنى امرأته من آله. وقال الزمخشري: إنما هو

стр. 1318

استثناء من الضمير المجرور في قوله: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ، وذلك هو الذي يقتضيه المعنى. هـ. أي: إنا لمنجوهم من العذاب إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ الباقين في العذاب مع الكفرة لتهلك معهم، وقرأ أبو بكر عن عاصم: «قدرنا» بالتخفيف، وهما لغتان، يقال: قدّر الله كذا وقدره. قال البيضاوي: وإنما علق، والتعليق من خواص أفعال القلوب لتضمنه معنى العلم، ويجوز أن يكون (قدرنا) : أجرى مجرى قلنا لأن التقدير بمعنى القضاء قول، وأصله: جعل الشيء على مقدار غيره، وإسناد التقدير إلى إنفسهم، وهو فعل الله تعالى لما لهم من القرب والاختصاص. هـ. قلت: وفيه إشارة إلى حذف الوسائط، كما هو توحيد المحققين. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، فالوجل والخوف والفرح والحزن والتعجب والاستعظام للأشياء الغريبة، كل ذلك من وصف البشر، يقع من الخصوص وغيرهم، لكن فرق بين خاطر وساكن فالخصوص تهجم عليهم ولا تثبت، بخلاف العموم. ويؤخذ من الآية: أن صحبة الخصوص لا تنفع إلا مع الاعتقاد والتعظيم، فإنَّ امرأة نبي الله لوط كانت متصلة به حساً، ومصاحبة له، ولم ينفعها ذلك، حيث لم يكن لها فيه اعتقاد ولا تعظيم. وكذلك صحبة الأولياء: لا تنفع إلا مع الصدق والتعظيم. وقول ابن عطاء الله: «سبحان مَن لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه. ولم يوصل إليهم إلا مَن أراد أن يوصله إليه» : مقيد بوصول التعظيم والاعتقاد، والاستماع والاتباع. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هلاك قوم لوط، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦١ الى ٧٧] فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)

стр. 1319

قلت: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ، القضاء هنا بمعنى القدر السابق، وضمَّنه معنى أوحينا، فعداه بإلى. و (أنَّ دابر) : بدل من الأمر، وفي ذلك تفخيم الأمر وتعظيم له، ومُصْبِحِينَ: حال من «هؤلاء» ، أو من ضمير مقطوع، وجمعه للحمل على المعنى لأن دابر بمعنى دوابر، أي: قطعنا دوابرهم حال كونهم داخلين في وقت الصباح. ولَعَمْرُكَ: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: قسمي، قال ابن عزيز: عَمْرٌ وعُمْرٌ واحد، ولا يقال في القسم إلا مفتوحاً، وإنما فتح في القسم فقط لكثرة الاستعمال. يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ، وهم أضياف إبراهيم، فلما دخلوا عليه ولم يعرفهم، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ لا نعرفكم. أو تنكركم نفسي مخافة أن تطرقوني بشيء، قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما يسرك، وهو: قطع الفاحشة من بلدك، وإتيان العذاب لعدوك الذي توعدناهم، فكانوا يمترون فيه ويشكون في إتيانه، وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ باليقين الثابت، وهو إتيان العذاب لا محالة، وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما أخبرناك به. فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ: فاذهب بهم بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي: فاخرج بهم في طائفة من الليل، قيل: آخره، وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ أي: كن خلفهم في ساقتهم، حتى لا يبقى منهم أحد، أو: أمره بالتأخر عنهم ليكونوا قدامه، فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا خلفه لخوفه عليهم، أي: ليسرع بهم، ويطلع على أحوالهم. وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ خلفه، لينظر ما وراءه، فيرى من الهول ما لا يطيقه، أو: ولا ينصرف أحد منكم، ولا يتخلف لغرض فيصيبه ما أصابهم. وقيل: نهوا عن الالتفات ليوطنوا أنفسهم على الهجرة. وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ أي: إلى حيث أمركم الله، وهو الشام أو مصر، وقال بعضهم: «ما من نبي هلك إلا لحق بمكة، وجاور بها حتى مات» . وَقَضَيْنا: أوحينا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ، وهو هلاك قومه، ذكره مبهماً ثمَّ فسره بقوله: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ وهو كناية عن استئصالهم، والمعنى: أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد، حال كونهم وقت العذاب مُصْبِحِينَ: داخلين في الصباح. وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وهي سدوم، يَسْتَبْشِرُونَ بأضياف لوط طمعاً فيهم في فعل الفاحشة، والظاهر: أن هذا المجيء إليه، وما جرى له معهم من المحاورة، كان قبل الإعلام بهلاكهم، كما تقدم في هود. وانظر ابن عطية. فلما جاءوه يراودونه عن ضيفه قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ بهتك حرمة ضيفي، فإنَّ

стр. 1320

من فُضح ضيفه فقد فُضح هو، ومن أًسِيء إلى ضيفه فقد أُسيء إليه، وَاتَّقُوا اللَّهَ في ركوب الفاحشة، وَلا تُخْزُونِ: ولا تهينوني بإهانتهم. والخزي هو الهوان، أو: ولا تخجلون فيهم، من الخزاية وهو الحياء. قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ عن أن تجير منهم أحداً، أو تحول بيننا وبينهم، وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط ﵇ يمنعهم ويزجرهم عنه بقدر وسعه. وذكر السدي: إنهم إنما كانوا يفعلون الفاحشة بالغرباء، ولا يفعلونها بعضهم ببعض، فكانوا يعترضون الطرق. هـ. أو: أَوْ لم ننهك عن ضيافة العالمين وإنزالهم؟ قالَ هؤُلاءِ بَناتِي تُزَوِّجُوهُنَّ إياكم، وقد كان يمنعهم قبل ذلك لكفرهم، فأراد أن يقي أضيافه بهن. ولعله لم يكن حراماً في شريعته. أو يريد بالبنات نساء القوم فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم، إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ قضاء الوطر، أو: ما أقولُ لكم من التزويج، فابوا، ولجوا في عملهم. قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : لَعَمْرُكَ: لحياتك يا محمد، أقسم بحياته- ﵊ لشرف منزلته عنده. قال ابن عباس- رضى الله عنهما: «ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من محمد ﷺ ، وما أقسم بحياة أحد إلا بحياته، فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ قال القرطبي: وإذا أقسم الله بحياة نبيه فإنما أراد التصريح لنا أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته. وقد قال الإمام أحمد فيمن أقسم بالنبي ﷺ : ينعقد به يمينه، وتجب الكفارة بالحنث، واحتج بكون النبي ﷺ أحد ركني الشهادة. قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: هذا إذ استدل من جوّز الحلف به ﵊، بأن أيمان المسلمين جرت من عهده ﷺ حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا جاء صاحبه قال له: احلف لي بما حوى هذا القبر، وبحق ساكن هذا القبر، يعني النبي ﷺ . هـ «١» . قلت: ومذهب مالك أنه لا ينعقد يمين بغير الله، وصفاته، وأسمائه. وقيل: إن قوله تعالى: لَعَمْرُكَ: هو من قول الملائكة للوط، أو لحياتك يا لوط، إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ: أي: لفي غوايتهم، أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ والصواب، يتحيرون. والغلمة: شهوة الوقاع. والعمه: الحيرة، أي: إنهم لفي عماهم يتحيرون، فكيف يسمعون نصح من نصحهم؟ والضمائر لقوم لوط، وقيل: لقريش، والجملة: اعتراض. قال تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، يعني: صيحة هائلة مهلكة. قال ابن عطية: هذه الصيحة صيحة الرجعة، وليست كصيحة ثمود. هـ. وقيل: صاح بهم جبريل فأهلكتهم الصيحة، مُشْرِقِينَ: داخلين في وقت شروق الشمس فابتدئ هلاكهم بعد الفجر مصبحين، واستوفى هلاكهم مشرقين. فَجَعَلْنا عالِيَها أي: عالي المدينة، أو قراها، سافِلَها، فصارت منقلبة بهم.

стр. 1321

رُوي أن جبريل ﵇ اقتلعَ المدينة بجناحيه ورفعها، حتى سمعت الملائكة صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها وأرسل الكل، فمن كان داخل المدينة أو القرى مات، ومن كان خارجاً عنها أرسلت عليه الحجارة، كما قال تعالى: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ: من طين متحجر مطبوخ بالنار. وقد تقدّم في سورة هود «١» مزيد بيان لهذا. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ: المتفكرين المعتبرين المتفرسين في الأمور، الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته، وَإِنَّها أي: المدينة أو القرى، لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ: لفي طريق ثابت يسلكه الناس، ويمرون به، ويرون آثارها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: لعبرة لِلْمُؤْمِنِينَ بالله ورسله فإنهم هم المهتدون للتفكر والاعتبار، دون من غلبت عليه الغفلة والاغترار، كحال الكفار والفجار. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما بعث الله داعياً يدعو إليه إلا وكان أول ما يدعوهم إليه، بعد الإيمان، الخروج من العوائد والحظوظ النفسانية، وما هلك من هلك من الأمم إلا بالبقاء معها، وعدم الخروج عنها، وما نجى من نجى إلا بالخروج عنها. وكذلك في طريق الخصوصية: ما بعث الله ولياً مربياً إلا وكان أول ما يأمر: بخرق، العوائد لاكتساب الفوائد، فلا طريق لخصوصية الولاية إلا منها. وفي الحِكَم: «كيف تخرق لك العوائد، وأنت لم تخرق من نفسك العوائد» . فمن تربى في الرئاسة والجاه فلا مطمع له في الخصوصية حتى يبدلهما بالخمول والذل، وكذلك من تعود جمع الدنيا واحتكارها، فلا بد من الزهد فيها والخروج عنها، وكذلك سائر العوائد النفسانية، والحظوظ الجسمانية، فمن جاور قوماً منهمكين فيها، ولم يجد من يساعده على خرقها، فليهاجر منها، ويقال له: فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد إلى الرجوع، إلا بعد الرسوخ والتمكين في معرفة الحق تعالى، وليمض حيث يجد من ينهض معه إلى الله في نقل عوائدها وعوائقها. وقوله تعالى: وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ: هذه عادة أهل الغفلة، إن جاءهم من يجدون فيه موافقة هواهم، هرعوا إليه مستبشرين، وإن جاء من ينصحهم ويأمرهم بالخروج عن أهوائهم أدبروا عنه، ومقتوه، وربما أخرجوه من بلدهم، قال تعالى في أمثالهم: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) . وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة شعيب ﵇، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧٨ الى ٧٩] وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) قلت: «إن» : مخففة، واللام فارقة. يقول الحق ﷻ : وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ، وهم قوم شعيب، كانوا يسكنون غيضة، وهي الأيكة. والأيكة: الشجر الملتف، قيل: كانت من الدوح، وقيل: من السدر، فكانوا يسكنون فيها، ويرتفقون بها

стр. 1322

فى معايشهم، فبعث الله لهم شعيباً ﵇ فكفروا به، فسلط الله عليهم الحر سبعة أيام، ثم رأوا سحابة فخرجوا فاستظلوا تحتها، فاضطرمت عليهم ناراً، فاحترقوا. قال تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالهلاك بالحر، وَإِنَّهُما، يعني: سدوم مدينة قوم لوط، والأيكة قرية شعيب. وقيل: الأيكة ومدين لأن شعيباً ﵇ كان مبعوثاً إليهما، وكان ذكر أحدهما مغن عن الآخر، لَبِإِمامٍ مُبِينٍ: لبطريق واضح يسلك منه إلى الشام، فيعتبر كل من وقف بآثارهم. والإمام: ما يؤتم به، ويوصل إلى المقصود من طريق أو غيره. وقيل: وَإِنَّهُما أي: لوط وشعيب، على طريق من الشرع واضح. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أهلكَ اللهُ قَوماً إلا كانوا عبرة لمن بعدهم، فالعاقل يبحث عن سبب هلاكهم، فيعمل جهده في التحرز منه، والغافل منهمك في غفلته، لا يلقى لذلك بالاً، حتى يأتيه ما يوعد. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة صالح ﵇، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٠ الى ٨٤] وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) قلت: (بيوتاً) : مفعول (ينحتون) ، بمعنى يتخذون، أو يصنعون. و (آمنين) : حال من فاعل (ينحتون) . يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ هم قوم ثمود، والحِجْر: واديهم الذي يسكنونه، وهو بين المدينة والشام. كذبوا صالحاً ﵇، ومن كذَّب واحداً من الرسل فكأنما كذّب الجميع لأنهم جاءوا بأمر متفق عليه، وهو التوحيد، أو يراد به الجنس، كما تقول: فلان يركب الخيل، وإنما يركب فرساً واحداً، أو يراد به صالح ومَن معه من المؤمنين لموافقتهم له فيما يدعو إليه. وَآتَيْناهُمْ آياتِنا يعني: الناقة، وما كان فيها من العجائب، كسقيها وشربها ودرها، أو ما نزل على نبيهم من الكتب، أو ما نصب لهم من الأدلة. فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ: لم ينظروا فيها، ولم يعتنوا بأمرها. وَكانُوا يَنْحِتُونَ: يصنعون، والنحت: النقر بالمعاول في الحجر والعود وشبهه، فكانوا يتخذون مِنَ الْجِبالِ بالنقر فيها، بُيُوتاً يسكنونها آمِنِينَ من الانهدام، ونقب اللصوص، وتخريب الأعداء لوثوقها. أو من العذاب لفرط غفلتهم، أو حسبانهم أن الجبال تحميهم منه. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ: داخلين في وقت الصباح، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ من بناء البيوت الوثيقة، واستكثار الأموال والعدد.

стр. 1323

الإشارة: من علامة الغفلة عن الله: الإنكار على أولياء الله، والإعراض عما خصهم الله تعالى به من الآيات وخوارق العادات، كالعلوم اللدنية والمواهب القدسية، وكمال المعرفة، والرسوخ في اليقين، وشهود رب العالمين، مع الاشتغال بعمارة هذه الدار، ونسيان دار القرار كأنه أمن من الموت من شدة الاغترار. وسبب ذلك: عدم التفكر والاعتبار. ولذلك قال تعالى بإثر قصص من أهلكهم من الأمم الغافلة: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٥ الى ٨٦] وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) يقول الحق ﷻ : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من الكائنات إِلَّا بِالْحَقِّ أي: إلا خلقاً ملتبساً بالحق، وهو الدلالة على كمال قدرتنا وباهر حكمتنا، فمن كمال القدرة: إهلاك أهل الفساد، ودفع شرورهم وإبطال فسادهم، ومن باهر حكمته أنه لم يهلكهم إلا بسبب عتوهم وفسادهم. فالحكمة رداء للقدرة، القدرة تبرز، والحكمة تستر، فإظهار الكائنات يدل على كمال القدرة، وترتيبها على أسباب وشروط يدل على باهر الحكمة. ومن مقتضيات الحكمة: ترتيب الجزاء على العمل، بحيث لا يهمل عملاً، فأهل الإكرام يترتب إكرامهم وإنعامهم على عملهم الصالح، واعتقادهم الصحيح، وما قاسوه من المجاهدة والمكابدة. وأهل الانتقام يترتب الانتقام منهم على عملهم الفاسد، واعتقادهم الباطل، وعلى ما قالوا في الدنيا، التي هي مزرعة الآخرة، من الدعة والحظوظ الفانية، ولذلك رتَّب عليه قوله: وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فيجازي فيها من يستحق الإكرام، ويعاقب من يستحق الانتقام، وينتقم لك فيها ممن يكذبونك، فَاصْفَحِ اليوم الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ولا تعجل بالانتقام، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم. وكان هذا قبل الأمر بالقتال. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الذي خلقك وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم، الْعَلِيمُ بحالك وبحالهم، فهو الحقيق بأن تتكل عليه حتى يحكم بينك وبينهم. أو: هو الخلاق لأشباحكم وأرواحكم، العليم بما هو الأصلح لكم في الوقت، وقد علم أن الصفح اليوم أصلح. والخلاق أبلغ من الخالق باعتبار اللغة، وأفعال الله تعالى كلها عظيمة كثيرة. الإشارة: ما نصبت لك الكائنات لتراها بعين الفرق، بل لترى فيها مولاها بعين الجمع. وما جعل لك هذه الدار لتتخذها دار القرار، وإنما جعلها قنطرة ومعبراً لدار القرار. إنما جعل لك الدنيا الفانية مزرعة للدار الباقية. وإن الساعة لآتية، فاصبر في هذه الدار اللمحة اليسيرة على شدائد الزمان، وجفوة الإخوان، واصفح الصفح الجميل،

стр. 1324

حتى ترد النعيم الباقي، والجزاء الجزيل. وتخلق بأخلاق الحليم الكريم، إن ربك هو الخلاق العليم، فلا قدرة لك على شيء إلا بقدرة السميع العليم. ثم أمر نبيه بالغنى بالله وبكلامه، عن التطلع إلى زهرة الدنيا، والمراد: الأمر بدوامه على ما كان عليه، فقال: [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٧ الى ٩٩] وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) قلت: السبع المثاني: هي الفاتحة عند الجمهور، و (من المثاني) : للبيان، وعطفُ القرآن عليها من عطف العام على الخاص. و (أنزلنا) : نعت لمفعول النذير، أي: أنا النذير عذاباً مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: صفة لمصدر محذوف يدل عليه: (ولقد آتيناك) فإنه بمعنى أنزلنا إليك إنزالاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وهم، على هذا، أهل الكتاب. و (عِضِين) : جمع عضة. وأصله: عِضْوة، من عَضَوْتَ الشيء: فَرَّقْته، حُذفت لامه، وعوض منها هاء التأنيث، فجمع على عضين، كعزَةٍ وعزين. وقيل: أصله: عضة من عضهته: رميته بالبهتان، قال في الصحاح: عَضَهَهُ عَضْهاَ: رماه بالبهتان. وقد أعْضَهْتَ، أي: جئت بالبهتان. فهما قولان في أصل عِضة. هل هو واوي أو هائي. والموصول مع صلته نعت للمقتسمين. يقول الحق ﷻ ، لنبيه ﵊: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي، وهي فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، وتثنى- أي: تكرر- في كل صلاة، فالمثاني من التثنية، وقيل: من الثناء لأن فيها الثناء على الله تعالى، وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. ولذلك تركت البسملة بينهما. وكونها مثاني لتثنية قصصها، أو ألفاظها، وقيل: هى الحواميم السبع. وَآتيناك الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، ففيه الغنية والكفاية عن كل شيء.

стр. 1325

لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ: لا تطمح ببصرك طموح راغب إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أي: أصنافا من الكفار، من زهرة الحياة الدنيا، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي حديث أبي بكر: «من أوتي القرآن، فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً» . «١» قال ابن جزي: أي: لا تنظر إلى ما متعناهم به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيد في الدنيا، كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم فلا تنظر إلى الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها. هـ. وروي أنه ﷺ وافى مع أصحابه أذْرِعَات، فرأى سبع قوافل ليهود بني قُرَيْظَة والنَّضير، فيها أنواع البُرِّ، والطيب والجواهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم ﵊: «قد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه السبع القوافل» . «٢» . وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ: لا تتأسف على كفرهم حيث أنذرتهم فلم ينزجروا ولم يؤمنوا. أو: حيث متعناهم بالدنيا فلم ينتفعوا بها، ولم يصرفوها في مرضاة الله، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ أي: تواضع وألن جانبك للمؤمنين، وارفق بهم. والجناح، هنا، استعارة. وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ: البين الإنذار، أنذرتكم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا، وفي الحديث: «أنا النذير، والموت مغير، والقيامة الموعد» . أو كما قال ﵊، وفي حديث آخر: «أنا النَّذير العُريَانُ» . وكانت العرب، إذا رأى أحْدهم جيشاً يقصدهم، تجرد من ثيابه، ثم أنذر قومه ليصدقوه، أي: وقل: إني أنذرتكم ان ينزل بكم عذابه. كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ، أي: مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين، وهم أهل الكتاب، الذين آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض، فاقتسموا قسمين. والعذاب الذي نزل بهم هو الذل والهوان وضرب الجزية، أو تسليط عدوهم عليهم. وقيل: هم كفار قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، وكانوا اثني عشر رجلاً، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول ﵊، يقول أحدهم: هو ساحر، والآخر: هو شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. وقيل: هم الرهط الذين اقتسموا، أي: تقاسموا ليُبيتوا صالحاً، فأسقط الله عليهم الغار الذي كمنوا فيه، فشدخهم. أو: آتيناك القرآن، وأنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة على المقتسمين، وهم اليهود، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أي: أجزاء متفرقة، وقالوا فيه أقوالاً مختلفة، فقالوا عناداً وكفراً: بعضه موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه

стр. 1326

باطل مخالف لهما. وإذا قلنا المقتسمين: هم كفار قريش، حيث اقتسموا أبواب مكة، فقد جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة، فقد قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو جعلوه بهتاناً متعدداً، على تفسير العضة بالبهت. وفي الحديث: «لعن رسول الله ﷺ العاضهة والمستعضهة» » أي: الباهتة، والمستبهتة: الطالبة له. قال تعالى في وعيد المقتسمين: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ من التقسيم والتكذيب، أو عن كل ما عملوه من الكفر والمعاصي، وفي البخاري: «لنسألنهم عن لا إله إلا الله» . فإن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ؟ «٢» فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، والسؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض لأن الله تعالى يعلم الأعمال، فلا يحتاج إلى سؤال. وقيل: في القيامة مواطن وخوارق، فموطن يقع فيه السؤال، وموطن يذهب بهم إلى النار بغير سؤال. قال تعالى لنبيه ﵊: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: فاجهر، وصرح به، وأنْفِذْه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهاراً. أو: فَرِّقْ، بما تؤمر به، بين الحق والباطل، وأصله: الشق والإبانة، وما: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع. وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فلا تلتفت إلى ما يقولون، ولا يمنعك ذلك من تبليغ الوحي والصدع به وإظهاره. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بك، وبما أنزلنا إليك بأن أهلكنا كل واحد منهم بمصيبة تخصه، من غير سعى من النبي ﷺ في ذلك. وكانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، كانوا يبالغون فى إيذاء النبي ﷺ ، والاستهزاء به، فقال جبريلُ للنبى ﷺ : «أمرتُ بأن أكفيكهم» فأومأ إلى ساق الوليد فمرَّ بنبَّالٍ فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف لأخذه، تعظماً، فأصاب عرقاً في عقبه فمات. وقيل: خدش بأسفل رجله فمات من تلك الخدشة. وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيها شوكة، فانتفخت حتى صارت كالرحى، فمات. وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحاً فمات. وأومأ إلى الأسود ابن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. وقيل: استسقى بطنه فمات، ولعله جمع بينهما. وأومأ إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي. وفي السيرة، بدل عدي بن قيس، الحارث بن الطلاطلة، وأن جبريل أشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله «٣» .

стр. 1327

وقيل: هم الذين قُتلوا ببدر كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. والأول أرجح لأن الله تعالى كفاه أمرهم بمكة قبل الهجرة. إلا أن يكون عبّر بالماضي عن المستقبل لتحققه، أي: إنا سنكفيك المستهزئين الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ يعبدونه من دون الله فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة أمرهم في الدارين. ثم سلَّى نبيه عن أذاهم فقال: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ في جانبنا من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، فلا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: فنزه أنت ذاتنا وصفتنا، مكان مقالتهم فينا فإن مثلك منزهنا لا غير، وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي: المصلين، أو: فافزع إلى الله فيما نابك وضاق منه صدرك بالتسبيح والتحميد. وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ من المصلين، يكفك، ويكشف الغم عنك، وعنه ﷺ : «أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» «١» أو: فنزهه عما يقولون، حامداً له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين له شكراً. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي: الموت، فإنه متيقن لحاقه، وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه، فسمي يقيناً تجوزاً. أو: لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيباً سمي يقيناً. والمعنى: فاعبده ما دمت حياً، ولا تُخِلّ بالعبادة لحظة. وفي بعض الأحاديث عنه- ﵊ أنه قال: «إِنَّ اللهَ لم يُوح إليَّ أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، وإنما أوحى إليَّ أن: سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» «٢» . أو كما قال ﵊. الإشارة: يقال للعابد، أو الزاهد: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، تتمتع بحلاوته، وبالتهجد بتلاوته، ففيه كفايتك وغناك، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أصنافاً من أهل الدنيا، الراغبين فيها، المشتغلين بها عن عبادة خالقها. قيل: لَمَّا نزلت هذه الآية قال ﷺ : «إياكم والنظر في أبناء الدنيا، فإنه يقسي القلب ويورث حب الدنيا، ولا تكثروا الجلوس مع أهل الثروة، فتميلوا لزينة الدنيا فو الله لو كانت الدنيا تزن عندَ الله جَنَاحَ بعُوضَةٍ مَا سَقَى الكافرَ منها جرعة ماء» . وقال ﷺ : «من تواضع لغني لأجل غناه اقترب من النار مسيرة سنة، وذهب ثلثا دينه» . هذا إن تواضع بجسمه فقط، فإن تواضع بجسمه وقلبه ذهب دينه كله. ويقال للعارف: ولقد آتيناك شهود المعاني، وغيبناك عن حس الأواني، حتى شهدت المتكلم بالسبع المثاني، فسمعت القرآن من مُنزله دون واسطة. وذلك بالفناء، عن الوسائط، في شهود الموسوط، حتى يفنى عن نفسه في حال قراءته.

стр. 1328

ويقال له: لا تمدن عينيك إلى شهود الحس، ولا إلى ما متعنا به أصنافاً من أهل الحس، الواقفين مع شهود الحس فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني. ولا تحزن عليهم حيث رايتهم منهمكين في الحس فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك، وقل: إني أنا النذير المبين من الاشتغال بالبطالة، والغفلة، حتى ينزل بأهلهما ما نزل على المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين إجزاء متفرقة فما كان فيه مما يدل على التسهيل لجواز جمع الدنيا واحتكارها والاشتغال بها أخذوا به، وما كان فيه مما يدل على الزهد فيها، والانقطاع إلى الله عنها، والتجريد عن أسبابها، رفضوه. فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون. فاصدع، أيها العارف الواعظ، بما تُؤمر من الأمر بالزهد، والانقطاع إلى الله، ولرفض كل ما يشغل عن الله، ولا تراقب أحداً في ذات الله، وأعرض عن المشركين، الذين أشركوا في محبة الله سواه، وشهدوا الأكوان موجودة مع الله، وهي ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فلا وجود لها في الحقيقة مع الله. فإن استهزءوا بك، وصغروا أمرك، فسيكفيكهم الله. فاشتغل بالله عنهم، فلا يضيق صدرك بما فيه يخوضون، (فسبح بحمد ربك) أي: نزِّهه عن شهود السِّوى معه، حامداً الله على ما أولاك من نعمة توحيده، (وكن من الساجدين) لله شكراً، وقياماً برسم العبودية، أو: كن من الساجدين بقلبك في حضرة القدس، حتى يأتيك اليقين «١» . وفي الورتجبي، في قوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَكَ يضيقُ صدرك) ، قال: واسى الحقُّ حبيبَه بما سمع من أعدائه، وقال له: أنت بمرأىً منا، يضيق صدرك من لطافتك، بما يقول الجاهلون بنا في حقنا، مما لا يليق بتنزيهنا، فنزه أنت صفتنا مكان مقالتهم فينا، فإن مثلك منزهنا لا غير، وكن من الساجدين حتى ترانا بوصف ما علمت منا، وتخرج من ضيق الصدر بما تشاهد من جمالنا، فإذا كنت تعايننا سقط عنك ضيق صدرك من جهة مقالتهم. هـ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

стр. 1329

سورة النّحل مكية، إلا قوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ... الآية، نزلت فى غزوة أحد. وهى مائة وثمان وعشرون آية. ومناسبتها لما قبلها قوله: حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ «١» وهو الموت وما بعده من البعث والحساب، وهو أمر الله الذي أشار إليه بقوله: [سورة النحل (١٦) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يقول الحق ﷻ : أَتى أَمْرُ اللَّهِ أي: البعث والحساب. وعبّر بالماضي لتحقُّق وقوعه، أو: ثبت أمره وقضاؤه، وقد جفّ القلم بما يكون، لا عن سؤال واستعجال، وتدبير من الخلق، ولو كان كذلك لنافى انفراده بتدبير ملكه، ولذلك نزّه نفسه بقوله: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. أو: إهلاك الله إياهم يوم بدر، وكانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول من قيام الساعة، وإهلاكهم ونصره عليهم، استهزاء وتكذيباً ولذلك قال: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ، والمعنى: أن الأمر الموعود به بمنزلة الماضي، لتحقّق وقوعه من حيث إنه واجب الوقوع فلا تستعجلوا وقوعه، فإنه لا خير لكم فيه، ولا خلاص لكم منه. ورُوِيَ لمّا نزل قوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ، وثب رسولُ الله ﷺ قائماً، ورفع الناس رؤوسهم، فلما قال: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ، سكن. وكان المشركون يقولون: إن صح ما يقول محمد من قيام الساعة، فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا، فقال تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي: تنزه وجلَّ عن أن يكون له شريك، فيدفع ما أراد بهم. هـ. وقرأ الأخوان بالخطاب، على وفق قوله: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) ، والباقون بالغيب، على تلوين الخطاب، أو على أن الخطاب للمؤمنين، أي: أتى أمر الله أيها المؤمنون فلا تستعجلوه، سبحانه وتعالى عما يشركه به المشركون. أو: لهم ولغيرهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أشرق نورُ اليقين في صميم القلوب تحقق وقوع ما وعد الله به من أمر الغيوب، فصار الماضي آتياً، والمستقبل واقعًا. وفي الحكم: «لو أشرق نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت الدنيا وكسفَةُ الفناء ظاهرة عليها» . وكذلك المقادير المستقبلة والمواعيد الغيبية، كلها عند أهل اليقين محققة الوقوع، واجبة الحصول، ينتظرون وقوعها في مواقيتها، شيئًا فشيئًا، ويتلقونها بالمعرفة والأدب فإن كانت جلالية فبالرضى والتسليم، وإن كانت جمالية فبالحمد والشكر، هكذا نظرهم دائمًا إلى ما يبرُز من عنصر القدرة، ليس لهم

стр. 1330

وقت دون ما هم فيه، ولا أمل دون ما أقامهم الحق تعالى فيه، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار، ولا يستعجلون ما تأخر وقوعه من أقداره، ولا يشركون مع الله في تدبيره واختياره. قد هجم عليهم اليقين، فهم، في عموم أوقاتهم، مستغرقون في شهود المحبوب، غائبون عن كل مرغوب ومطلوب، سوى شهود وجه المحبوب، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. آمين. وسبب وجود هذا فى قلوبهم حياة روحهم بالإيمان التام، والمعرفة الكاملة، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله: [سورة النحل (١٦) : آية ٢] يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) قلت: (أن أنذروا) : مفسرة، بمعنى أي لأن الوحي فيه معنى القول. أو مصدرية في موضع الجر، بدلاً من الروح، أو النصب بنزع الخافض، أو مخففة من الثقيلة. وقوله: (لا إله إلا أنا) : جرى على المعنى، ولم يجر على اللفظ، وإلا لقال: لا إله إلا الله. انظر ابن عطية. قال المحشى الفاسي: وسر ذلك هنا: التصريح بالمقصود، وأن الإله الواحد هو المتكلم لا غيره، كما قيل في قوله: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ «١» ، أي: ولم يقل: فإياه فارهبوا، بل نقل الكلام من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب، وتصريحا بالمقصود، كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون لا غير. هـ. قلت: وكأنه قال هنا: يُنزل الملائكةَ بالوحي أن أَعلِموا أنه لا يُعبد إلا إله واحد، وأنا ذلك الواحد. يقول الحق ﷻ ، تحقيقًا لِمَا وعدهم به، وأن ذلك الوعد، مع دنوه وقربه بالوحي، فلا خلف فيه، فقال: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ أي: جبريل، جمعه تعظيمًا، أو: لأنه قد ينزل معه غيره من الملائكة، فيحضرون الوحي حُرّسا له. أو: لأنه قد ينزل بالوحي غيره من الملائكة، كما في صحيح مسلم: «إن سورة الحمد نزل بها ملك لم ينزل إلى الأرض قبل ذلك» «٢» . وقال ﵊: «إن إسرافيل وُكِّلَ بي في ثلاث سنين، فكان يأتيني بالكلمة والكلمتين، ثم كان جبريل يأتيني بالقرآن في كل وقت» . ورُوي أن خالد بن سنان كان نبيًا، وكان يأتيه بالوحي مالك خازن النار، وكان بعد عيسى ﵇، ولم يبق في النبوة إلا عشرين يومًا، ثم مات، فلقصر مدته لم يُعد نبيًا، بعد عيسى ونبينا محمد ﷺ ، وإنما كانت فترة خمسمائة عام. وذكر ابن العربي أن ذا القرنين كان ينزل عليه ملك، يقال له: رفائيل، فكان يلقي إليه الوحي، ويطوي له الأرض. هكذا نقل الشطيبي عنه في اللباب، فانظره.

стр. 1331

وقوله: بِالرُّوحِ أي: بالوحي، أو القرآن فإنه سبب حياة القلوبَ والأرواحَ الميتة بالجهل والحجاب، أو سبب حياة الدين بعد موته واندراسه بالكفر فإن الوحي يقوم في الدين مقام الروح من الجسد. يُنزل ذلك مِنْ أَمْرِهِ أي: من أجل أمره وبيان شأنه، أو بأمره وإذنه، عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أن يصطفيه للرسالة، قائلاً لهم: أَنْ أَنْذِرُوا: خوفوا أهل الشرك، أو أعْلِموا عبادي أَنَّهُ أي: الأمر والشأن، لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ بترك الكفر والمعاصي، أي: اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية، بأن تُوحدوه، وتطيعوه فيما أمر به. قال البيضاوي: والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة، وأن حاصله: التنبيه على التوحيد، الذي هو القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمالات القوة العملية. وأن النبوة عطائية- أي: لا كسبية-، والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته، من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه، على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريك لقَدَرَ على ذلك، فيلزم التمانع. هـ. الإشارة: قوله تعالى: بِالرُّوحِ: قال الورتجبي: الروح: الوحي الإلهي، سماه بالروح لأنه كلامه صدر من ذاته، وهو حياة قلوب الصديقين من المكلَّمين والمحدَّثين، وهو سبب حياة قلوب المؤمنين، يحييهم بعلمه من موت الجهالة. هـ. وقال القشيري في قوله: عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ: على الأنبياء بالوحي والرسالة، وعلى أسرار أرباب التوحيد، وهم المُحَدَّثُون بالتعريف والعلم. فالتعريف للأولياء من حيث الإلهام والخواطر، أي: الواردات. وإنزال الملائكة على قلوبهم غير ممنوعٍ، ولكنهم لا يُؤْمَرُون أن يتكلموا بذلك، ولا يَحْمِلون الرسالة إلى الخلق. هـ. قلت: وكأنه ينظر إلى قوله- ﵊: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» ، فهم يشاركون الأنبياء في الوحي الإلهامي، ولا يبلغون ذلك إلا لمن صدقهم وتبعهم في طريقهم. والله تعالى أعلم. ثم عرّف بنفسه، بما أظهر من تجلياته العلوية والسفلية، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣ الى ٩] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)

стр. 1332

قلت: (وَالْأَنْعامَ) : منصوب بمحذوف، يفسره: (خَلَقَها) ، أو معطوف على «الإنسان» ، و (خَلَقَها لَكُمْ) : بيان لما خُلقتُ لأجله، وما بعده تفصيل له. و (مِنْها تَأْكُلُونَ) : إنما قدَّم المعمول للمحافظة على رؤوس الآي، أو: لأن الأكل منها هو المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من غيرها من سائر الحيوانات المأكولات فعلى سبيل التداوي والتفكه. قاله البيضاوي. قلت: ولعله، عند مالك، للاختصاص، أي: منها تأكلون لا من غيرها إذ لا يؤكل عنده غيرها من البهائم الإنسية. وقوله: (لَكُمْ) : يحتمل أن يتعلق بما قبلها أو بما بعدها، ويختلف الوقف باختلاف ذلك. (إِلَّا بِشِقِّ) : فيه لغتان: الكسر والفتح، بمعنى التعب والكلفة، وقيل: المفتوح مصدر شَقَّ الأمرُ عليه، أي: صَعُبَ، والمكسور بمعنى: النصف، كأنه ذهب نصف قُوَّتِهِ بالتعب. (وَالْخَيْلَ) : عطف على «الْأَنْعامَ» . و (زِينَةً) : مفعول من أجله، عطف على موضع «لِتَرْكَبُوها» : أي: للركوب والزينة، أو مفعول مطلق، أي: لتتزينوا بها زينة. يقول الحق ﷻ : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ: أوجدهما بِالْحَقِّ أي: ملتبسًا بالحق لتدل على وحدانية الحق، وكمال قدرته وباهر حكمته، حيث أوجدهما على مقدار مخصوص، وشكل بديع، وأوضاع مختلفة، وهيئات متعددة. أو: خلقهما بقضائه وتدبيره الحق، لا بمشاركةِ وتدبيرِ أحد معه، ولا بمعاونة شريك ولا ظهير، ولذلك نزه نفسه بقوله: تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، كما نزه نفسه، ابتداءً، لَمَّا نفَى الاستعجال لأنه من تدبير الخلق أيضًا والصدور عن رأيهم، وفي معناه: تنزيل الوحي على ما يشاء، لا على ما يشاء غيره لانفراده أيضًا في ملكه. وفي إبرازه ذلك، على ما يخالف آراء الخلق، أدل دليل على وحدانيته في ملكه، وإنما وضع كل شيء ودبره دلالة على وحدانيته وهدايته لخلقه إليه. ثم شفع بخلق الإنسان فقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ أي: جنسه مِنْ نُطْفَةٍ: من ماء مهين يخرج من مكان مهين، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ: مجادل، كثير الجدل والخصام، مبين لحجته، أو: خصيم: مكافح لخالقه، قائل: (مَن يحيي العظامَ وهي رميم) . رُوي أنَّ أُبيّ بن خَلَف أتى النبي ﷺ بِعَظْمٍ رَمِيم، فقال: يا محمد، أترَى الله يُحيِي هذا بعد ما قد رمَّ؟ فقال: «نعم» . فنزلت. فعلى الأول: تكون الآية عامة لكل إنسان، وعلى الثاني: خاصة بالكافر. والأول أظهر. ولمَّا ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد، فقال: وَالْأَنْعامَ وهي: الإبل والبقر والغنم، خَلَقَها: أوجدها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ ما يُدْفأُ به فيقي البرد، يعني: ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، وَلكم

стр. 1333

فيها أيضًا مَنافِعُ أُخر كنسلها وظهورها. وإنما عبَّر بالمنافع ليتناول عِوضها. وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي: تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان. وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ أي: زينة وبهجة حِينَ تُرِيحُونَ تردونها من مراعيها إلى مِرَاحِها بالعشي، وَحِينَ تَسْرَحُونَ تخرجونها إلى المرعى بالغداة فإن الأفنية والمشارعَ والطرق تتزين بها في الذهاب والرواح، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها. وقدَّم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ: أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها إِلى بَلَدٍ بعيد، لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ عليها، فضلاً عن أن تحملوها على ظهوركم، إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إلا بكلفة ومشقة فديحة، أو: إلا بذهاب شِقها، أي: نصف قوتها من التعب. إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل، والركوب عليها، وأنعم عليكم بالأكل من لحومها وألبانها. وَخلق لكم الْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها، وَتتزينوا بها زِينَةً، أو للركوب والزينة. قال البيضاوي: وتغيير النظم- أي: حيث لم يقل: وللزينة- لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب من فعل المخلوق- أي: باعتبار الحكمة-، ولأن المقصود خلقها للركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعَرَضِ. وقرئ بغير واو، فيحتمل أن يكون علة لركوبها، أو مصدرًا في موضع الحال من الضمير، أي: متزينين، أو متزينًا بها. واستُدِلَّ به على حرمة لحومها، ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يُقصد منه، غالبًا، ألا يقصد منه غيره أصلاً، ويدل عليه أن الآية مكية. وعامة المفسرين والمحدثين أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. هـ. وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ مما لا يُحيط البشرُ بعلمها من عجائب المخلوقات، وضروب المصنوعات، مما يؤكل ومما لا يؤكل، وما خلق في الجنة والنار، مما لا يخطر على قلب بشر. وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أي: وعلى الله بيان السبيل القصد، أي: الطريق الموصل إلى المقصود. أو: على الله تقويم طريق الهدى بنصب الأدلة وبعث الرسل، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: السبيل القصد، أي: القاصد المستقيم الموصل إلى المطلوب كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه. والمراد من السبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد، وقال: وَمِنْها جائِرٌ عن القصد، أو عن الله، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم. والسبيل بمعنى الطريق، يُذكر ويؤنث، وأُنِّثَ هنا. وتغيير الأسلوب- أي: حيث لم يقل: قصد السبيل والجائر- لأنه ليس بحق على الله أن يبين طريق الضلالة، ولأن المقصود، بالأصالة، بيان سبيله، وتقسيمُ السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل، هداية مستلزمة للاهتداء. قاله البيضاوي.

стр. 1334

الإشارة: هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نُصبت للآدمي، وخلقت من أجله، السماوات تُظله، والأرض تُقله، والحيوانات تخدمه وتنفعه، يتصرف فيها خليفة عن الله في ملكه. فالواجب عليه شكر هذه النعم، وألا يقف معها، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى، في بعض كلامه بلسان الحال أو المقال: «يا ابنَ آدم، خَلَقْتُ الأَشياءَ مِن أجلك، وخلقتك من أجلي، فَلا تَشْتَغِل بما خُلِق لأجلك عَمَّا خُلِقْت لأجْله» . والواجب عليه أيضًا من طريق الخصوص: ألا يقف مع حس أجرامها، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومُظهرها لئلا يبقى مسجونًا بمحيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني، المحيط بالأواني، والمفني لها، بصحبة شيخ كامل، يُخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المُكوِّن. وبالله التوفيق. وقوله: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ: اعلم أن الحق- ﷻ بيَّن طريق الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء، ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح، وهو النعيم الأكبر قال تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ «١» . فالرضوان على قسمين: قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدْل الحجاب، وهم أهل الشرائع، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب، وهم أهل الحقائق، وهم المقربون، نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. ثم ذكر بقية التجليات، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠ الى ١٦] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مآء لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)

стр. 1335

قلت: (لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ) : يحتمل أن يتعلق بأنزل، أو يكون في موضع خبر (شَرابٌ) ، أو صفة لماء و (مَواخِرَ) : جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة الماء مخرًا: شقّته، وقيل: المخر: صوت جَرْىِ الفلك في البحر من هبوب الريح. وقيل: معناه: تجيىء وتذهب بريح واحدة. و (لِتَبْتَغُوا) : عطف على «لِتَأْكُلُوا» ، و (أَنْ تَمِيدَ) : مفعول من أجله، أي: كراهة أن تميد بكم. و (أَنْهاراً وَسُبُلًا) : مفعول بمحذوف، أي: وخلق أو وجعل أنهارًا، وقيل: معطوف على «رَواسِيَ» لأن ألقى، فيه معنى الجعل، و (عَلاماتٍ) : عطف على (أَنْهاراً وَسُبُلًا) ، أو نصب على المصدر، أي: ألقى ذلك لعلكم تعتبرون، وعلامات دالة على وحدانيته. يقول الحق ﷻ : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي: السحاب، أو جانب السماء، ماء: مطراً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ تشربونه بلا واسطة، أو بواسطة العيون والأنهار والآبار لأنه يُحبس فيها، ثم يشرب منها، لقوله: فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ «١» ، وقوله: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ «٢» ، وَمِنْهُ شَجَرٌ أي: ومنه يكون شجر، يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، فِيهِ تُسِيمُونَ: ترعون مواشيكم، من أسام الماشية: رعاها، وأصلها: السومة، التي هي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ، وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم، وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي: ومن بعض كل الثمرات إِذْ لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار. قال البيضاوي: ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاءً حيوانيًّا هو أشرف الأغذية- يعني اللحم-، ومن هذا: تقديم الزرع، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. هـ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، فيستدلون على وجود الصانع وباهر قدرته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض يابسة، ويصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها، ويخرج منه ساق الشجر، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها، ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطبائع، مع اتحاد المواد، عَلِمَ أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار، مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد، ولعل وصل الآية به لذلك. قاله البيضاوي باختصار.
следующие страницы →