← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ثم بيَّن ما أوحي إليها فقال: أَنِ اتَّخِذِي، أو بأن اتخذي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً تأوين إليها، كالكهوف ونحوها، وَمِنَ الشَّجَرِ بيوتًا، كالأجْبَاح «١» ونحوها، وَمِمَّا يَعْرِشُونَ أي: يهيئون، أو يبنون لك الناس من الأماكن، وإلا لم تأو إليها. وذكرها بحرف التبعيض لأنها لا تُبنى في كل جبل، وكل شجر، وكل ما يعرش من كرْم أو سقف، ولا في كل مكان منها. وإنما سمي ما تبنيه، لتتعسل فيه، بيتًا تشبيهًا ببناء الإنسان لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسْمة، التي لا يقوى عليها حُذَّاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة. ولعل ذكره: للتنبيه على ذلك. قاله البيضاوي. قلت: وليس للنحل فعل في الحقيقة، وإنما هو صنع العليم الحكيم في مظاهر النحل. ثم قال لها: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ التي تشتهيها، حلوها ومرها. قيل: إنها ترعى من جميع النوار إلا الدفلة «٢» . فَاسْلُكِي أي: ادخلي سُبُلَ رَبِّكِ طُرقه في طلب المرعى، أو: فاسلكي راجعة إلى بيوتك، سبلَ ربك، لا تتوعر عليك ولا تلتبس. وأضافها إليه لأنها خلقه وملْكه. ذُلُلًا: مطيعة منقادة لما يراد منك، أو اسلكي طرقَه مذللة مسخرة لكِ، فلا تعسر عليك وإن توعرت، ولا تضل عن العْود منها وإن بَعُدت. قال مجاهد: لم يتوعَّر على النحل قط طريق. يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ وهو العسل، عَدل عن خطاب النحل إلى خطاب الناس: لأنه محل الإنعام عليهم، والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم. وسماه شرابًا لأنه مما يشرب. وظاهر الآية أن العسل يخرج من بطون النحل، وهو ظاهر كلام سيدنا عليّ بن أبي طالب ﵁ في تحقيره للدنيا، قال: (أشرف لباس ابن آدم فيها نفثة دود، وأشرف شراب فيها رجيع نحلة- أو قيء نحلة-، وأشرف لذة فيها مَبَال في مبال) . وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل. قاله ابن عطية. قلت: والذي ألفيناه، ممن يتعاطاهم، أنه يخرج من دبرهم. وقوله: مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ أي: أبيض، وأحمر، وأسود، وأصفر، بحسب اختلاف سن النحل، ومراعيها. وقد يختلف طعمه ورائحته باختلاف مرعاه. ومنه قول عائشة للنبى- ﵊: (جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ) «٣» وهو نبت مُنتن الرائحة، شُبهت رائحته برائحة المغافير «٤» . ثم قال تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إما بنفسه، كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره، كما في سائر الأمراض، إذ قلما ما يكون معجون إلا والعسل جزء منه. قاله البيضاوي. قال السيوطي: قيل: لبعضها، كما دل

стр. 1367

عليه تنكير شفاء، أو لكلها بضميمةٍ إلى غيره- أقول: وبدونها، بنية- وقد أمر به ﷺ من استطلق بطنه، رواه الشيخان. هـ. قال ابن جُزي: لأنَّ أكثر الأدوية مستعملة من العسل كالمعاجن، والأشربة النافعة من الأمراض. وكان ابن عمر يتداوى به من كل شيء، فكأنه أخذه من العموم. وعلى ذلك يدل الحديث عن النبي ﷺ : «أن رجلاً جاء إليه فقال: أَخي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فقال: اسْقِهِ عَسَلاً، فَذَهَب ثُمَ رَجَع، فقال: قَدْ سَقَيْتُهُ فَما نَفعَ، قال: فاذْهَبْ فَاسْقِهِ عَسَلاً، فَقَدً صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، فَسَقَاهُ، فشفاه الله » «١» . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر، عَلِمَ، قطعًا، أنه لا بد له من قادر مدبر حكيم، يلهمها ذلك ويحملها عليه، وهو الحق تعالى. الإشارة: إنما كان العسل فيه شفاء للناس لأن النحل ترعى من جميع العشب، فتأخذ خواص منافعها. وكذلك العارف الكامل يأخذ النصيب من كل شيء، ويعرف الله في كل شيء، فإذا كان بهذه المنزلة، كان فيه شفاء للقلوب، كل من صحبه، بصدق ومحبة، شفاه الله، وكل من رآه، بتعظيم وصدق، أحياه الله. وقد قالوا في صفة العارف: هو الذي يأخذ النصيب من كل شيء، ولا يأخذ النصيبَ منه شيئًا، يصفو به كدر كل شيء، ولا يكدر صفوه شيء، قد شغله واحد عن كل شيء، ولم يشغله عن الواحد شيء.. إلى غير ذلك من نعوته. وقال الورتجبي: قال أبو بكر الوراق: النحلة لَمَّا تبعت الأمر، وسلكت سبيلها على ما أمرت به، جعل لعابها شفاء للناس، كذلك المؤمن، إذا اتبع الأمر، وحفظ السر، وأقبل على مولاه، جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق، ومن نظر إليه اعتبر، ومن سمع كلامه اتعظ، ومن جالسه سعد. هـ. ثم ذكر دلالة أخرى على قدرته، وهى الإحياء والإماتة، فقال: [سورة النحل (١٦) : آية ٧٠] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) يقول الحق ﷻ : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ: أظهركم إلى عالم الشهادة، ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ: يردكم إلى عالم الغيب عند انتهاء آجالكم، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي: أخسه، يعني: الهِرَم والخرف، الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل. وقيل: هو خمس وتسعون سنة، وقيل: خمس وسبعون سنة، والتحقيق: أن ذلك لا ينضبط بسن. لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية، في نقصان العقل والنسيان وسوء الفهم. وليس المراد نفي العلم بالكلية، بل عبارة عن قلة العلم لغلبة النسيان. وقيل: المعنى: لئلا يعلم زيادة على علمه شيئًا. قال عكرمة: (من قرأ القرآن لم يصر بهذه المنزلة) .

стр. 1368

قلت: جاء في بعض الأحاديث ما يقتضي تخصيص القارئ للقرآن بالمتبع له، وأنه الذي يُمتعه الله بعقله حتى يموت، وهو الذي يشهد له الحس، أي: الوجود في الخارج، بالصدق، لوجود الخرف في كثير ممن يحفظه. قاله في الحاشية. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ أي: عليم بمقادير الأشياء وأوقاتها، قدير على إيجاد الأشياء وإعدامها، عند انتهاء آجالها، فيميت الشاب النشط عند تمام أجله، ويبقى الهرم الفاني إلى انقضاء أجله. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن تفاوت أعمار الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم، ركب أبنيتهم، وعدل أمزجتهم، على قدر معلوم، ولو كان ذلك بمقتضى الطبائع لم يقع التفاوت إلى هذا المبلغ. هـ. الإشارة: الخلق والتوفي هو من جملة الظهور والبطون، عند أهل التوحيد الخاص، والرد إلى أرذل العمر لا يلحق العارفين بالله. وقد قيل، في استثناء قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «١» من الرد إلى أسفل سافلين: إن الصالح لا يدركه الخَرف وإن أدركه الهرم. وذلك دليل على سعادته، وعدم تشويه صورته في الآخرة، والله تعالى قادر على وقاية أوليائه مما يشين به أعداءه عاجلاً. وفي الحديث: «إذا قرأ الرجلُ القرآنَ، واحتْشَى من أحاديث رسول الله ﷺ أي: امتلأ- وكانتْ هناك غزيرةٌ- يعني: فقه نفس ومعرفة-، كان خليفةً من خلفاء الأنبياء» «٢» . ثم سفه رأى من أشرك بعد هذه الدلائل، فقال: [سورة النحل (١٦) : آية ٧١] وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) يقول الحق ﷻ : وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ، فمنكم غني ومنكم فقير، ومنكم ملوك مستغنون عن غيرهم، ومنكم مماليك محتاجون إلى غيرهم، فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا وهم الموالي، أي: السادات، بِرَادِّي رِزْقِهِمْ: بمعطي رزقهم عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ: على مماليكهم، أي: ليس الموالي بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها، شركة بينهم وبين مماليكهم، فَهُمْ أي: المماليك فِيهِ سَواءٌ مع

стр. 1369

ساداتهم. وهو احتجاج على وحدانيته تعالى، وإنكارٌ ورد على المشركين، فكأنه يقول: أنتم لا تسَوّون بين أنفسكم وبين مماليككم في الرزق، ولا تجعلونهم شركاء لكم، بل تأنفون من ذلك، فكيف تجعلون عبيدي شركاء لي في ألوهيتي؟! وهذا كقوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي مَا رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ «١» . ويحتمل أن يكون ذمًا وعتابًا لمن لا يحسن إلى مملوكه، حتى يرد ما رزقه الله عليه، كما في الحديث: «أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون» «٢» . أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، حيث يجعلون له شركاء، فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم، ويجحدوا أنه من عند الله، أو حيث أنكروا هذه الحجج، بعد ما أنعم الله عليهم بإيضاحها، أو حيث بخسوا مماليكهم مما يجب لهم من الإنفاق. على التفسير الثاني. الإشارة: والله فضَّل بعضكم على بعض في أرزاق العلوم، والأسرار والمواهب، فمنكم غني بالله، ومنكم فقير منه في قلبه، ومنكم عالم به ومنكم جاهل، ومنكم قوي اليقين ومنكم ضعيف، فما الذين فُضِّلوا بالعلوم اللدنية والأسرار الربانية برادِّي تلك العلوم على الجهلة وضعفاء اليقين، بأن يُطلعوهم على أسرار الربوبية قبل استحقاقها- فإن ذلك بخس بحقها- حتى يرونهم أهلاً لها بأن يبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم، ويملكون لهم رقابهم يتصرفون فيها تصرُّف المالك في مملوكه، فحينئذ يشاركونهم فيما منحهم اللهُ من أرزاق العلوم وأسرار الفهوم، وقد قيل: لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: سَأَكْتُم عِلْمِي عَنْ ذَوِي الجَهْلِ طَاقَتِي ... وَلاَ أَنْثُرُ الدُّر النَّفيس على الْبَهَمْ فإنْ قَدَّرَ اللَّهُ الكريمُ بلطفه ... ولا قيت أَهلاً للعُلُوم وللحِكَمْ بَذَلْتُ عُلُومِي واستَفَدْتُ عُلُومَهُم ... وإِلاّ فمخزونٌ لديَّ ومُكْتَتمْ فمَنْ مَنَحَ الجهّالَ عِلْمًا أَضَاعَهُ ... ومَنْ مَنَعَ المستوجِبين فَقَد ظلم ثم ذكّرهم بالنعم التي لا قدرة لأحد عليها، فقال: [سورة النحل (١٦) : آية ٧٢] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)

стр. 1370

قلت: الحفدة: جمع حافد، وهو الخديم المسرع في الخدمة، والحفْد في اللغة: الخدمة، ومنه في القنوت: «وإليك نسعى ونحفد» ، أي: نسرع في خدمتك. وسموا أولاد الأولاد حفدة لأنهم يُسرعون في خدمة جدهم، حين كبر ولزم الدار، وقيل: هم البنات لأنهن يخدمن الدار. يقول الحق ﷻ : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً حيث خلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطفة الرجال، والنساء خلقهن لكم، لتتأنسوا بهن، ولتتمتعوا بهن في الحلال، وليكون أولادكم مثلكم. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ من صلبكم وَحَفَدَةً أولاد أولادكم أو بناتكم فإن البنات يخدمن في البيوت أشد الخدمة، أو الأصهار من قِبل النساء، أو الخدَم، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من اللذائذ والمشتهيات كأنواع الثمار والحبوب والفواكه، والحيوان أكلاً وركوبًا وزينة، أو الحلالات، و «مِنْ» : للتبعيض فإن طيبات الدنيا أنموذج من نعيم الآخرة. أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وهو أن الأصنام تنفعهم لأن الأصنام باطلة لا حقيقة لوجودها، وإضافة النفع لها: كفرٌ بنعمة الله، ولذلك قال: وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ حيث أضافوها إلى أصنامهم، أو حيث حَرَّموا منها ما أحله الله لهم كالبحائر والسوائب. والله تعالى أعلم. الإشارة: والله جعل لكم من أنفسكم المطهرة أصنافًا من العلوم اللدنية. قال أبو سليمان الداراني: (إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، ثم عادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالم علمًا) . وجعل لكم من تلك العلوم بنين روحانيين، وهو التلامذة، يحملون تلك العلوم، وحفدة: من ينقل ذلك عنهم إلى يوم القيامة، ورزقكم من الطيبات، وهي حلاوة المعرفة عند العارفين، وحلاوة الطاعات عند المجتهدين. أفبالباطل- وهو ما سوى الله- يؤمنون، فيقفون مع الوسائط والأسباب، ويغيبون عن مسبب الأسباب، وبنعمة الله- التي هي شهود الحق بلا وسائط- هم يكفرون. ثم عاب على من وقف مع غير الله، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٣ الى ٧٤] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) قلت: رِزْقاً: مفعول بيملك، فيحتمل أن يكون مصدرًا، أو اسمًا لما يرزق، فإن كان مصدرًا، فشيئًا مفعول به لأن المصدر ينصب المفعول، وإن كان اسمًا، فشيئًا بدل منه. وجمع الضمير في يَسْتَطِيعُونَ، وأفرده في يَمْلِكُ لأن (ما) مفردة لفظًا، واقعة على الآلهة، فراعى أولاً اللفظ، وفي الثاني المعنى.

стр. 1371

يقول الحق ﷻ : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: غيره ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ بالمطر وَالْأَرْضِ بالنبات، فلا يرزقونهم من ذلك شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ: لا يقدرون على شيءٍ من ذلك لعجزهم، وهم الأصنام، فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ لا تجعلوا له أشباهًا تشركونهم به، أو تقيسونهم عليه، فإنَّ ضرب المثل تشبيه حال بحال، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ألاَّ مِثلَ لَه، أو فساد ما يقولون عليه من القياس، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك، ولو علمتموه لما تجرأتم عليه، فهو تعليل للنهي، أي: إنه يعلم كنه الأشياء، وأنتم لا تعلمون، فدعوا رأيكم، وقفوا عند ما ما حد لكم. الإشارة: كل مَن ركن إلى شيء دون الحق تعالى، أو اعتمد عليه في إيصال المنافع أو دفع المضار، تصدق عليه الآية، وتجر ذيلها عليه، فلا تجعلوا لله أمثالاً تعتمدون عليهم وتركنون إليهم، فالله يعلم من هو أولى بالاعتماد عليه والركون إليه، وأنتم لا تعلمون ذلك، أو تعلمون ولا تعملون، ولقد قال من عَلِمَ ذلك وتحقق به: حَرَامٌ على من وحد الله ربه ... وأفرده أن يجتدي أحدا رفدا فيا صاحبي، قف بي على الحق وقفة ... أموت بها وجدا، وأحيا بها وجدا وقل لملوكِ الأرْضِ تَجْهدَ ... فَذَا الملك ملك لا يباع ولا يُهْدَى قال سهل ﵁: «ما من قلب ولا نفس إلا والله مطلع عليه في ساعات الليل والنهار، فايما نفس أو قلب رأى فيه حاجة إلى غَيْرِهِ، سلط عليه إبليس» . وقال الأستاذ أبو على الدقاق ﵁: من علامة المعرفة: ألا تسأل حوائجك، قلَّتْ أو كثُرت، إلا من الله سبحانه، مثل موسى ﵇ اشتاق إلى الرؤية، فقال: رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ، واحتاج مرة إلى رغيف، فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. هـ. وقال في التنوير: اعلم، رحمك الله، أن رفع الهمة عن المخلوقين، وعدم التعرض لهم، أزين لهم من الحليّ للعروس، وهم أحوج إليه من الماء لحياة النفوس ... إلخ كلامه ﵁. ثم ضرب مثلا لنفسه، ولمن يعبد معه، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٥ الى ٧٦] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)

стр. 1372

قلت: «عَبْداً» : بدل من «مَثَلًا» ، و «مَنْ» : نكرة موصوفة، أي: عبدًا مملوكًا، وحرا رزقناه منا رزقا حسنًا، وقيل: موصولة. و «سِرًّا وَجَهْراً» : على إسقاط الخافض، وجمع الضمير في «يَسْتَوُونَ» لأنه للجنسين، و «رَجُلَيْنِ» : بدل من: «مَثَلًا» . يقول الحق ﷻ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لضعف العبودية، وعظمة الربوبية، ثم بيَّنه فقال: عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهذا مثال للعبد، وَمَنْ رَزَقْناهُ أي: وحرًا رزقناه مِنَّا رِزْقاً حَسَناً، فَهُوَ يتصرف فيه كيف يشاء، يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً، وهذا: مثال للرب ﵎، مَثَّلَ ما يشرك به من الأصنام بالمملوك العاجز عن التصرف رأسًا، ومَثَّل لنفسه بالحر المالك الذي له مال كثير، فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف شاء. وقيل: هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق. وتقييد العبد بالمملوك للتمييز من الحر فإنه أيضًا عبدٌ لله. وبسلْب القدرة عن المكاتب والمأذون في التصرف، فإن الأصنام إنما تشبه العبد الْقِنّ «١» الذي لا شوب حرية فيه، بل هي أعجز منه بكثير، فكيف تضاهي الواحد القهار، الذي لا يعجزه مقدور؟ ولذلك قال: هَلْ يَسْتَوُونَ؟ أي: العبيد العجزة، والمتصرف بالإطلاق. الْحَمْدُ لِلَّهِ على بيان الحق ووضوحه لأنها نعمة جليلة يجب الشكر عليها، أو الحمد كله لله لا يستحقه غيره، فضلاً عن العبادة لأنه مولى النعم كلها. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي: لا علم لهم: فيضيفون النعم إلى غيره ويعبدونه لأجلها، أو لا يعلمون ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون به. ثم ضرب الله مثلاً آخر فقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، ثم بيًّنه بقوله: رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ وُلد أخرس، لا يَفهم ولا يُفهم، لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من الصنائع والتدابير لنقصان عقله، وَهُوَ كَلٌّ أي: ثقيل عيال عَلى مَوْلاهُ الذي يلي أمره، أَيْنَما يُوَجِّهْهُ: يُرسله في حاجة أو أمر لا يَأْتِ بِخَيْرٍ بنجح وكفاية مهم. وهذا مثال للأصنام. هَلْ يَسْتَوِي هُوَ أي: الأبكم المذكور، وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ومن هو مِنطيقٌ متكلم بحوائجه، ذو كفاية ورشد، ينفع الناس ويحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل، وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: وهو في نفسه على طريق مستقيم، لا يتوجه إلى مطلب إلا ويحصله بأقرب سعْي؟ وهذا مثال للحق تعالى، فضرب هذا المثل لإبطال المشاركة بينه وبين الأصنام، وقيل: للكافر والمؤمن. والأصوب: كون المَثَليْن معًا في الله مع الأصنام لتكون الآية من معنى ما قبلها وما بعدها في تبيين أمر الله، والرد على أمر الأصنام. والله تعالى أعلم.

стр. 1373

الإشارة: الحق تعالى موصوف بكمالات الربوبية، منعوت بعظمة الألوهية، وعبيده موسومون بنقائص العبودية، وقهرية الملكية. فمن أراد أن يمده الله في باطنه بكمالات الربوبية من قوة وعلم، وغنى وعز، ونصر وملك، فليتحقق في ظاهره بنقائص العبودية من ذل، وفقر، وضعف، وعجز، وجهل. فبقدر ما تجعل في ظاهرك من نقائص العبودية يمدك في باطنك بكمالات الربوبية «تحقق بوصفك يُمدك بوصفه» ، والتحقق بالوصف إنما يكون ظاهرًا بين خلقه، لا منفردًا وحده إذ ليس فيه كبير مجاهدة إذ كل الناس يقدرون عليه، وإنما التحقق بالوصف- الذي هو ضامن للمدد الإلهي- هو الذي يظهر بين الأقران. وبالله التوفيق. ثم بيّن كمال علمه وقدرته، بعد أن ذكر كمالات ذاته، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٧ الى ٧٨] وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) قلت: أمهات: جمع أم، زيدت فيه الهاء فرقًا بين من يعقل ومن لا يعقل، قاله ابن جزي. والذي لغيره حتى ابن عطية: إنما زيدت للمبالغة والتأكيد. وقرئ بضم الهمزة، وبكسرها اتباعًا للكسرة قبلها. يقول الحق ﷻ : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: يعلم ما غاب فيهما، كان محسوسًا أو غير محسوس قد اختص به علمه، لا يعلمه غيره. ثم برهن على كمال قدرته فقال: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ أي: قيام القيامة، في سرعته وسهولته، إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ كرد البصر من أعلى الحدقة إلى أسفلها، أَوْ هُوَ أَقْرَبُ: أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة، بل أقل لأن الحق تعالى يحيي الخلائق دفعة واحدة، في أقل من رمشة عين، و «أَوْ» للتخيير، أو بمعنى بل. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على أن يُحيي الخلائق دفعة، كما قدر أن يوجدهم بالتدريج. ثم دلَّ على قدرته فقال: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً جهالاً، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ أي: الأسماع وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي: القلوب، فتكتسبون، بما تُدركون من المحسوسات، العلوم البديهية، ثم تتمكنون من العلوم النظرية بالتفكر والاعتبار، ثم تُدركون معرفة الخالق لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أظهركم أولاً من العدم، ثم أمدكم ثانيًا بضروب النعم، طورًا بعد طور، حتى قدمتم عليه.

стр. 1374

وقدَّم في جميع القرآن نعمة السمع على البصر لأنه أنفع للقلب من البصر، وأشد تأثيرًا فيه، وأعم نفعًا منه في الدين إذ لو كانت الناس كلهم صمًا، ثم بُعِثت الرسل، فمن أين يدخل عليهم الإيمان والعلم؟ وكيف يدركون آداب العبودية وأحكام الشرائع؟ إذ الإشارة تتعذر في كثير من الأحكام. وإنما أفرده، وجمع الأبصار والأفئدة لأن متعلق السمع جنس واحد، وهي الأصوات، بخلاف متعلق البصر، فإنه يتعلق بالأجرام والألوان، والأنوار والظلمات، وسائر المحسوسات، وكذلك متعلق القلوب معاني ومحسوسات، فكانت دائرة متعلقهما أوسع مع متعلق السمع. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما غاب في سماوات الأرواح من علوم أسْرار الربوبية، وفي أرض النفوس من علوم أحكام العبودية، هو في خزائن الله، يفتح منهما ما شاء على من يشاء إذ أمره تعالى بين الكاف والنون. وما أمر الساعة، التي يفتح الله فيها الفتح على عبده، بأن يميته عن نفسه، ثم يُحييه بشهود طلعة ذاته، إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هو أقرب. لكن حكمته اقتضت الترتيب والتدريج، فيُخرجه إلى هذا العالم جاهلاً، ثم يفتح سمعه للتعلم والوعظ، وبصره للنظر والاعتبار، وقلبه للشهود والاستبصار، حتى يصير عالمًا عارفًا بربه، من الشاكرين الذين يعبدون الله، شكرًا وقيامًا برسم العبودية. وبالله التوفيق. ثم حضّ على التفكير، الذي هو سبب المعرفة وشبكة العلوم، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٩ الى ٨٣] أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) قلت: مُسَخَّراتٍ: حال من الطَّيْرِ، وسَكَناً: مصدر وُصف به، أي: شيئًا سكنًا، أو: فَعَلٌ بمعنى مفعول. وأَثاثاً: مفعول بمحذوف، أي: وجعل من أوبارها أثاثًا.

стр. 1375

يقول الحق ﷻ : أَلَمْ يَرَوْا، وفي قراءة: ألم تروا «١» بتوجيه الخطاب لعامة الناس، إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ: مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية، فِي جَوِّ السَّماءِ في الهواء المتباعد من الأرض. ما يُمْسِكُهُنَّ فيه إِلَّا اللَّهُ فإن ثِقلَ جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها، إِنَّ فِي تسخيره ذلِكَ لها لَآياتٍ لعبرًا ودلالة على قدرته تعالى إذ لا فاعل سواه فإنَّ إمساك الطيران في الهواء هو على خلاف طباعها، لولا أن القدرة تحملها، ففيه آيات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأنهم هم المنتفعون بها. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً: موضعًا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت المتخذة من الحجر والمدَر. و «مِنْ» للبيان، أي: جعل لكم سكنًا، أي: موضعًا تسكنونه، وهو بيوتكم، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً، هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبَر والصوف والشعر، فإنها، من حيث إنها نابتة على جلودها، كأنها من جلودها، تَسْتَخِفُّونَها أي: تجدونها خفيفة، يخف عليكم حملها وثقلها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ أي: سفركم، وفيه لغتان: الفتح والسكون «٢» ، وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ: حضوركم، أو نزولكم، وَجعل مِنْ أَصْوافِها أي: الغنم، وَأَوْبارِها أي: الإبل، وَأَشْعارِها أي: المعز، أَثاثاً: متاعًا لبيوتكم كالبسُط والأكسية، وَمَتاعاً تمتعون به إِلى حِينٍ إلى مدة من الزمان، فإنها، لصلابتها، تبقى مدة مديدة، أو: إلى مماتكم، أو: إلى أن تقضوا منها أوطاركم، أو: إلى أن تبلى. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ من الشجر والجبال والأبنية، وغيرها، ظِلالًا تتقون بها حر الشمس، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً جمع: كَن، ما تكنون، أي: تستترون به من الحر والبرد، كالكهوف والغيران والبيوت المجوفة فيها، وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ جمع: سربال ثيابًا من الصوف والكتان والقطن وغيرها، تَقِيكُمُ الْحَرَّ والبرد، وخص الحر بالذكر، اكتفاء بأحد الضدين، أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم. وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ: حربكم، كالطعن والضرب. وهي: الدروع، وتسمى: الجواشن، جمع جَوشن، وهو الدرع، كَذلِكَ كإتمام هذه النعم بخلق هذه الأشياء المتقدمة، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ في الدنيا بخلق ما تحتاجون إليه، لَعَلَّكُمْ يا أهل مكة تُسْلِمُونَ أي: تنظرون في نعمه، فتؤمنون به، أو تنقادون لحكمه. وفي قراءة: بفتح التاء، أي: تسلمون من العذاب بالإيمان، أو تنظرون فيها، فتوحدون، وتَسلمون من الشرك، أو من الجراح بلبس الدروع.

стр. 1376

فَإِنْ تَوَلَّوْا: أعرضوا، ولم يقبلوا منك، أو لم يُسلموا. فَإِنَّما عَلَيْكَ يا محمد الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي: الإبلاغ البين، فلا يضرك إعْراضهم حيث بلَّغْتَهُمْ. يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي: يُقرون بأنها من عنده، ثُمَّ يُنْكِرُونَها بإشراكهم وعبادتهم غيرَ المنعِم بها، وبقولهم: إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا، أو بإعراضهم عن حقوقها. وقيل: نعمة الله: نبوة نبينا محمد ﷺ ، عرفوها بالمعجزات، ثم أنكروها عنادًا. وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ الجاحدون عنادًا. وذكر الأكثر إمَّا لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتفريطه في النظر، أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو كان فيهم من داخله الإسلام، ومن أسلم بعد ذلك. وإما لأنه أقام الأكثر مقام الكل، كقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ «١» . قال بعضه البيضاوي. الإشارة: قال الورتجبي: بين الحق تعالى قدرته في إمساكه أطيار الأرواح في هواء الملكوت وسماء الجبروت، حتى ترفرفت بأجنحة العرفان والإيقان، على سرادق مجده وبساط كبريائه، مسخرات بأنوار جذبه، ما يمسكهن إلا الله، بكشف جماله لها، أمسكها به عن قهر سلطانه وسُبحات جلاله، حتى لا تفنى- أي: تتلاشى- في بهائه. هـ. والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا- وهي العبودية-، تسكنون فيها وتأوون إليها، بعد طيران الفكرة في جو أنوار الملكوت، وميادين أسرار الجبروت. أو الحضرة تسكن فيها قلوبكم، فتصير مُعَشَّشَ أرواحكم، إليها تأوون، وفيها تسكنون. وجعل لكم منازل تنزلون فيها عند السير إلى حضرة ربكم، وهي المقامات التي يقطعها المريد، ينزل فيها ويرتحل عنها. وجعل لكم من أردية الأكوان وألوانها واختلاف أصنافها، تمتعًا بشهود أنوار مكونها فيها، إلى انطوائها وظهور أضدادها بقيام الساعة، فتظهر القدرة وتبطن الحكمة، ويظهر المعنى ويبطن الحس. والله جعل لكم مما خلق من الأكوان ظلالاً، والظلال لا وجود لها من ذاتها، فكذلك الأكوان لا وجود لها مع الحق، وإنما هي ظلال. والظلال ليست بموجودة ولا مفقودة. وجعل لكم من جبال العقل أكنانًا، تستترون بنوره من جذب الاصطلام بمواجهة أنوار الحضرة. وجعل لكم سرابيل الشرائع تقيكم حَرَّ الحقيقة، وسرابيل الحقائق تقيكم بأس سهام الأقدار، فإنَّ من عرف الله حقيقة هان عليه ما يُواجَهُ به من المكاره. وفي هذا المعنى أنشد بعضهم: نِلْبِسٍ عمَامْ مِنِ الماءْ ... وِنْشِدِّهَا شَدِّ مَائِلْ وِنِلْبِسْ مِنِ الثَّلْجِ بُرْنُسْ ... إِذا حِمِتِ الْقَوائِلْ وِنِشْعِلْ مِنِ الرِّيحْ قَنْدِيلْ ... وِمْنِ الضَّبْابْ فَتَائِل «٢»

стр. 1377

والمراد بعمامة الماء: كناية عن الحقيقة لأنها كالماء لحياة النفوس. وميل شدها: كناية عن قوتها، وتكبيرها على الشريعة. والمراد ببرنس الثلج: برد التشريع، فإذا قويت الحقيقة، وخاف من الاحتراق، نزل إلى برد التشريع. والمراد بالريح: هبوب نسيم الواردات الإلهية، يشعل منها قنديل الفكرة- التي هي سِراج القلب-، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهذه حالة السائر، وأما الواصل فقد سكن النور في قلبه، فلا يحتاج إلى سراجٍ غيره تعالى. وفي ذلك يقول الشاعر: كُلُّ بَيْتٍ أنت سَاكنُهُ ... غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلى سُرُجِ وجهك المحمود حجتنا ... يوم يأْتِي الناس بالحجج والمراد بالضباب: وجود السِّوى، فإنه يحترق عند اشتعال الفكرة. والله تعالى أعلم. وباقي الآية ظاهر إشارته. ثم ذكر وعيد من أعرض عن هذه النعم، التي هى دلائل قدرته، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٤ الى ٨٩] وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) قلت: «تِبْياناً» : حال من الكتاب، وهو مصدر، قال في القاموس: والتبيان: مصدر شاذ. وفي ابن عطية: والتبيان: اسم، لا مصدر. والمصادر في مثله مفتوحة، كالترداد والتكرار. هـ. وقال فى الصحاح: لم يجئ على الكسر إلا هذا، والتِّلقاء. هـ. يقول الحق ﷻ : وَاذكر يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ من الأمم شَهِيداً أي: رسولاً يشهد لها أو عليها، بالإيمان أو بالكفر، وهو يوم القيامة، ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار إذ لا عذر لهم. «١»

стр. 1378

أو: في الرجوع إلى الدنيا. وعبَّر بثم لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع من الاعتذار، مع ما فيه من الإقناط الكلي. وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ: لا يطلب منهم العتبى، أي: الرجوع إلى ما يرضي الله. والمعنى: أنهم لا يُؤذَنُ لهم في الاعتذار عما فرطوا فيه مما يرضي الله، ولا يطلب منهم الرجوع إلى تحصيله. وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا: كفروا الْعَذابَ: جهنم فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يُمهلون عنه إذا رأوه. وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ: أوثانهم التي دعوها شركاء لله، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه، قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ أي: نعبدهم ونطيعهم من دونك. وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك. فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ قالوا لهم: إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ أي: أجابوا بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم كقوله: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ «١» ، وقوله: مَا كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ «٢» ، أو لأنهم، لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن لهم. وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي: الاستسلام، أي: استسلموا لحكمه (يَوْمَئِذٍ) ، بعد أن تكبروا عنه في الدنيا، ولا ينفع يومئذ، وَضَلَّ عَنْهُمْ أي: غاب وضاع وبطل ما كانُوا يَفْتَرُونَ من أن آلهتهم تنصرهم وتشفع لهم. الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بالمنع من الإسلام، والحمل على الكفر، زِدْناهُمْ عَذاباً بصدهم، فَوْقَ الْعَذابِ المستحق بكفرهم. قال ابن مسعود: «عقارب، أنيابها كالنخل الطوال، تلسعهم» . وعن عبيد بن عمير: عقارب كالبغال الدُّلْم- أي: السود جدًا، والأدلم: الشديد السواد. وذلك العذاب بِما كانُوا يُفْسِدُونَ أي: بكونهم مفسدين بصدهم عما فيه صلاح العالم. وَاذكر أيضًا: يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني: نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منها. وَجِئْنا بِكَ يا محمد شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ على أمتك، أو على هؤلاء الشهداء، وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ: القرآن تِبْياناً بيانًا بليغًا لِكُلِّ شَيْءٍ من أمور الدين على التفصيل، أو الإجمال بالإحالة على السنة أو القياس. وَهُدىً من الضلالة، وَرَحْمَةً بنور الهداية لجميع الخلق. وإنما حُرم المحروم لتفريطه، وَبُشْرى بالجنة، وغيرها، لِلْمُسْلِمِينَ الموحدين خاصة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد بعث الله في كل دهر وعصر شهيدًا يشهد على أهله، ويكون حجة عليهم يوم القيامة، وهم صنفان: صنف يشهد على من فرط في أحكام الشريعة، وهم: العلماء الأتقياء، وصنف يشهد على من فرط في

стр. 1379

أسرار الحقيقة، وهم: الأولياء الكبراء، أعني: العارفين بالله، فمن فرط في شيء منهما قامت عليه الحجة فإذا اعتذر لا ينفعه، وإذا طلب الرجوع لا يجده، وإذا أحاط به عذاب الحجاب لا ينفك عنه. وكل من أحب شيئًا من دون الله، تبرأ منه يوم القيامة، وكل من أنكر الخصوصية على أولياء زمانه، وصد الناس عنه تضاعف عذابه، وكثف حجابه يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما ذكر أن القرآن فيه تبيان كل شىء، ذكر آية تضمنت أصول الأحكام، فيها تبيان كل شىء إجمالا، فقال: [سورة النحل (١٦) : آية ٩٠] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) يقول الحق ﷻ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي: التوحيد، أو الإنصاف، أو فعل الفرائض، وَالْإِحْسانِ، وهو: فعل المندوبات. وذلك في حقوق الله تعالى، وفي حق عباده، أو العدل في الأحكام، كل واحد فيما ولي فيه «كلكم راع» . والإحسان إلى عباد الله بَرهم وفَاجرهم. قال ابن عطية: العدل: هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع، وسير مع الناس في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف، وإعطاء الحق. والإحسان هو: فعل كل مندوب إليه. وقال البيضاوي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ: بالتوسط في الأمور اعتقادًا، كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب، المتوسط بين محض الجبر والقدر، وعملاً، كالتعبد بأداء الواجبات، المتوسط بين البطالة والترهب، وخُلُقًا، كالجود المتوسط بين البخل والتبذير، والإحسان: إحسان الطاعات، وهو إما بحسب الكمية، كالتطوع بالنوافل، أو بحسب الكيفية، كما قال- ﵊: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تَراه، فإنْ لم تكنْ تراه فإنه يراك» . وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى: وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه، وهو تخصيص بعد تعميم للمبالغة. وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ: عن الإفراط في متابعة القوة الشهوية، كالزنى فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها، وَالْمُنْكَرِ: ما ينكر على متعاطيه في إيثاره القوة الغضبية، وَالْبَغْيِ: الاستعلاء والاستيلاء على الناس، والتجبر عليهم، فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية، ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام، صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: «هي أجمع آية في القرآن للخير والشر» . وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون، فلو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء، وهدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقب قوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ للتنبيه عليه. هـ. وفي القوت: هي قطب القرآن. هـ. وعن عثمان بن مظعون: أنه قال: لَمَّا نزلت هذه الآية قرأتُها على أبي طالب، فعجب، وقال: آلَ غالبٍ، اتبعوه تفلحوا، فو الله إن الله أرسله ليأمر بمكارم الأخلاق. هـ. قال ابن عطية:

стр. 1380

وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى: لفظ يقتضي صلة الرحم، ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة، وتركه مبهمًا أبلغ لأن كل من وصل في ذلك إلى غاية- وإن علت- يرى أنه مقصر، وهذا المعنى المأمور به في جانب ذي القربى داخل تحت العدل والإحسان، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتمامًا به وحضًا عليه. هـ. يَعِظُكُمْ بما ذكر من التمييز بين الأمر والنهي، والخير والشر، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ: تتعظون فتنهضون إلى ما أمرتكم به وندبتكم إليه، وتنكفوا عما نهيتكم عنه وحذرتكم منه. الإشارة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) بالتوسط في الأمور كلها، كالتوسط في السير والمجاهدة فإن الإسراف يوقع فى الملل، قال- ﵊: «لا يكن أحدكم كالمنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى» . وقال ﷺ أيضًا: «إنَّ اللهَ لا يملَ حتى تَملوا» . والله ما رأيت أحداً أسرف في الأحوال فوصل إلى ما قصد، إلا النادر، وخير الأمور أوسطها. ويأمر بالإحسان، وهو: مقام الشهود والعيان. (وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى) قرابة الدين، وهم: الإخوان في الله، ما يستحقونه من النصح والإرشاد، (وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ) : الركون لغير الله، (وَالْمُنْكَرِ) : التكبر على عباد الله، (وَالْبَغْيِ) : ظلم أحد من خلق الله، من الفيل إلى الذرة. وقال في الإحياء: بين التبذير والإقتار المذمومين وسط، وهو المحمود المأمور به، والواجب منه شيئان: واجب بالشرع، وواجب بالمروءة. والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة، فإن منع واحدًا منهما فهو بخيل، كالذي يمنع أداء الزكاة، ويمنع أهله وعياله النفقة، أو يؤديها لا بطيب نفسه، بل بتكلف ومشقة. وكالذي يتيمم الخبيث من ماله، ولا يعطي من أطيبه وأوسطه، فهذا كله بُخل. وأما واجب المروءة فهو: ترك المضايفة والاستقصاء في المحقرات، وذلك يختلف فيستقبح من الغني ما لا يستقبح من الفقير، ويستقبح من الرجل مع أقاربه ما لا يستقبح مع الأجانب، وكذلك الجار والمماليك والضيف. هـ. وقال الورتجبي: إنَّ الله تعالى دعا عباده إلى الاتّصاف بصفته، منها: العدل والإحسان والشفقة والرحمة، والقدس، والطهارة عما لا يليق به. فهو العادل والمحسن، والرحمن الرحيم، غير ظالم جائر، وهو مُنزه عن جميع العلل، فمن كُسِي أنوار هذه الصفات، بنعت الذوق والمباشرة، واستحلى تربيتها يخرج عادلاً محسنًا، رؤوفًا رحيمًا، طاهرًا مطهرًا، صادقًا مصدقًا، وليًا، حبيبًا محبوبًا، مريدًا مرادًا، مُراعَى محفوظًا، يعدل بنفسه فيدفعها عن الشك والشرك، ورؤية الغير وطلب العوض في العبودية، ويأخذ منها الإنصاف بينها وبين عباد الله، ويحسن إلى من أساء إليه، ويعبد الله بوصف الرؤية وشهود غيبه، ويراعي ذوي القرابة، في المعرفة والمحبة من المريدين والصادقين، ويرحم الجهال من المسلمين، وينهى نفسه عن مباشرة فواحش الأنانية، ومباشرة الهوى والشهوة،

стр. 1381

ويدفعها عن الظلم باستكباره عن العبودية، ويأمرها بإذعانها عند تراب أقدام أولياء الله لتكون مطمئنة في عبودية الحق، ذاكرة لسلطان ربوبيته، وقهر جبروته وملكوته وإحاطته بكل ذرة، وفناء الخليقة في حقيقته. هـ. ومن مكارم الأخلاق الداخلة تحت العدل: الوفاء بالعهد، كما قال تعالى: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٩١ الى ٩٦] وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) قلت: وَقَدْ جَعَلْتُمُ: حال، وأَنْكاثاً: حال من الغزل، وهو: جمع نِكْث- بالكسر- بمعنى منكوث، أي: منقوض. وأَنْ تَكُونَ: مفعول من أجله، وتَتَّخِذُونَ: جملة حالية من ضمير «تَكُونُوا» . يقول الحق ﷻ : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ كالبيعة للرسول- ﵊ وللأمراء، والأيمان، والنذور، وغيرها، إِذا عاهَدْتُمْ الله على شيء من ذلك، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان، بَعْدَ تَوْكِيدِها بعد توثيقها بذكر الله، أو صفته، أو أسمائه، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا شاهدًا ورقيبًا، بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول رقيب عليه، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ في نقض الأيمان والعهود. وهو تهديد لمن ينقض العهد، وهذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى فيُكَفِّرْ عن يمينه، وليفعل الذي هو خير، كما في الحديث. وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها: أفسدته مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أي: إبرام وإحكام أَنْكاثاً أي: طاقات، أي: صيرته طاقات كما كان قبل الغزل، بحيث حلت إحكامه وإبرامه، حتى صار كما كان، والمراد:

стр. 1382

تشبيه الناقض بمَن هذا شأنه، وقيل: هي «ريطة بنت سعد القرشية» فإنها كانت خرقاء- أي: حمقاء- تغزل طول يومها ثم تنقضه، فكانت العرب تضرب بها المثل لمن قال ولم يُوف، أو حلف ولم يَبر في يمينه. تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أي: لا تكونوا متشبهين بامرأة خرقاء، متخذين أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم. وأصل الدخل: ما يدخل الشيء، ولم يكن منه، يقال: فيه الدخل والدغل، وهو قصد الخديعة. تفعلون ذلك النقض لأجل أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ: بأن تكون جماعة أزيد عدداً وأوفر مالاً، من جماعة أخرى، فتنقضون عهد الأولى لأجل الثانية لكثرتها. نزلت في العرب، كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها، غدرت الأولى، وحالفت الثانية. وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفار قريش إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين، فحذر من بايع على الإسلام أن ينقضه لما يرى من قوة كفار قريش. إِنَّما يَبْلُوكُمُ: يختبركم اللَّهُ بِهِ بما أمر من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي. أو: بكون أمة هي أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تَغْتَرُّونَ بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم؟ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في الدنيا حين يجازيكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أهل دين واحد متفقين على الإسلام، وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ بعدله، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ بفضله، وَلَتُسْئَلُنَّ يوم القيامة سؤال تبكيت ومجازاة، عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا لتُجازوا عليه. وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ، كرره تأكيدًا مبالغة في قبح المنهي عنه من نقض العهود، فَتَزِلَّ قَدَمٌ عن محجة الإسلام بَعْدَ ثُبُوتِها: استقامتها عليه، والمراد: أقدامهم، وإنما وُحد ونُكِّر للدلالة على أن زلل قدم واحد عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ وَتَذُوقُوا السُّوءَ: العذاب في الدنيا بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: بصدكم عن الوفاء بعهد الله، أو بصدكم غيركم عنه فإن من نقض البيعة، وارتد، جعل ذلك سُنَّة لغيره، وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخرة. وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ أي: لا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله ﷺ بأخذكم ثَمَناً قَلِيلًا: عرضًا يسيرًا من الدنيا، بأن تنقضوا العهد لأجله. قيل: هو ما كانت قريش يعدونه لضعفاء المسلمين، ويشترطون لهم على الارتداد، إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ من النصر والعز، وأخذ الغنائم في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مما يعدونكم، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذلك فلا تنقضوا، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز.

стр. 1383

ما عِنْدَكُمْ من أعْرَاضِ الدنيا يَنْفَدُ ينقضي ويفنى، وَما عِنْدَ اللَّهِ من خزائن رحمته، وجزيل نعمته باقٍ لا يفنى، وهو تعليل للنهي عن نقض العهد طمعًا فى العرض الفاني، وَلَنَجْزِيَنَّ «١» الَّذِينَ صَبَرُوا على الوفاء بالعهود، أو على الفاقات وأذى الكفار، أو مشاق التكاليف، أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ بما يرجح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم. وبالله التوفيق. الإشارة: الوفاء بالعهود، والوقوف مع الحدود، من شأن الصالحين الأبرار، كالعباد والزهاد، والعلماء الأخيار. وأما أهل الفناء والبقاء من العارفين: فلا يقفون مع شيء، ولا يعقدون على شيء، هم مع ما يبرز من عند مولاهم في كل وقت وحين، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. يتلونون مع المقادير كيفما تلونت، وذلك من شدة قربهم وفنائهم في ذات مولاهم. قال تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ «٢» ، فهم يتلونون مع الشئون البارزة من السر المكنون فمن عقد معهم عقدًا، أو أخذ منهم عهدًا، فلا يعول على شيء من ذلك إذ ليست أنفسهم بيدهم، بل هي بيد مولاهم. وليس ذلك نقصًا في حقهم، بل هو كمال «٣» لأنه يدل على تغلغلهم في التوحيد حتى هدم عزائمهم، ونقض تدبيرهم واختيارهم. ولا يذوق هذا إلا من دخل معهم، وإلاَّ فحسبه التسليم، وطرح الميزان عنهم، إن أراد الانتفاع بهم. والله تعالى أعلم. وهذه الحالة التي أقامهم الحق تعالى فيها هى الحياة الطيبة، التي أشار إليها الحق تعالى بقوله: [سورة النحل (١٦) : آية ٩٧] مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) يقول الحق ﷻ : مَنْ عَمِلَ صالِحاً بأن صحبه الإخلاص، وتوفرت فيه شروط القبول، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب، وإنما المتوقع عليها تحقيق العقاب، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً في الدنيا، بالقناعة والكفاية مع التوفيق والهداية. قال البيضاوي: يعيش عيشًا طيبًا، فإنه، إن كان موسرًا، فظاهر، وإن كان معسرًا يطيبُ عيشه بالقناعة، والرضا بالقسمة، وتوقع الأجر العظيم، بخلاف الكافر، فإنه، إن كان معسرًا، فظاهر، وإن كان موسرًا لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يهنأ بعيشه، وقيل: في الآخرة، أي: في الجنة. هـ. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الطاعة، فيجازيهم على الحسن بجزاء الأحسن. وبالله التوفيق.

стр. 1384

الإشارة: الحياة الطيبة إنما تتحقق بكمالها عند أهل التجريد حيث انقطعت عنهم الشواغل في الظاهر، والعلائق في الباطن، فاطمأنت قلوبهم بالله، وسكنت أرواحهم في حضرة الله، وتحققت أسرارهم بشهود الله، فدام سرورهم، واتصل حبورهم بحلاوة معرفة محبوبهم، وهذه نتيجة شرب الخمرة الأزلية، كما قال ابن الفارض في مدحها: وإِنْ خَطَرَتْ يوما علَى خاطِر امْرِئ ... أقَامَتْ بِهِ الأفراحُ، وارتحلَ الهمّ هذا في الخطور، فما بالك بالسكون ودوام الحضور؟ وقال أيضًا في شأنها: فما سكَنتْ والهمَ، يوماً، بموضع ... كذلك لا يسكُنْ مع النغَم الغَمُّ وإنما تحقق لهم هذا الأمر العظيم لرسوخ قدمهم في مقام الإحسان، وسكونهم في جنة العرفان، فَهَبَّ عليهم نسيم الرضا والرضوان، وترقت أرواحهم إلى مقام الروح والريحان، فقلوبهم بحار زاخرة لا تكدرها الدلاء، وأرواحهم أنوار ساطعة لا يؤثر فيها ليل القبض والابتلاء، وأسرارهم بأنوار المواجهة مشرقة، فدام سرورها بكل ما يبرز من عنصر القضاء. والحاصل: أن أهل هذا المقام عندهم من الإكسير والقوة ما يقلبون به الأعيان، فيقلبون الشرِّيات خيريات، والمعاصي طاعات، والإساءة إحسانًا، والجلال جمالاً.. وهكذا، فأَنَّى تغير قلوبَ هؤلاء الأكدارُ؟ وأنى تنزل بساحتهم الأغيارُ، وهم في حضرة الكريم الغفار؟ نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا فى سلكهم، آمين. ومن جملة الحياة الطيبة: التنعم بحلاوة القرآن، ولا يتحقق ذلك إلا بالبعد والحفظ من خوض الشيطان، ولذلك أمر بالتعوذ منه عند قراءته، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٨ الى ١٠٠] فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) يقول الحق ﷻ : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ أردت قراءته، كقوله: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ «١» ، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ أي: فسل الله أن يعيذك من وسواسه لئلا يوسوسك في القراءة، فيحرمك حلاوة التلاوة فإنه عدو لا يحب لابن آدم الربح أبدًا، والجمهور على أنه مستحب عند التلاوة، وعن عطاء: أنه واجب. ومذهب مالك: أنه لا يتعوذ في الصلاة. وعند الشافعي وأبي حنيفة: يتعوذ في كل ركعة تمسكا بظاهر

стр. 1385

الآية لأن الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرره، وأخذ مالك بعمل أهل المدينة في ترك التعوذ في الصلاة. وهو تابع للقراءة في السر والجهر، وعن ابن مسعود: قرأتُ على النبي ﷺ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: «قل: أعُوذُ باللهِ من الشَّيْطَانِ الرجيم» «١» . ثم قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ أي: تسلط وولاية عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: لا تسلط له على أولياء الله المؤمنين به، والمتوكلين عليه، فإنهم لا يطيعون أوامره، ولا يصغون إلى وساوسه، إلا فيما يحتقر، على ندور وغفلة. إِنَّما سُلْطانُهُ أي: تَسَلُّطُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ: يحبونه ويطيعونه، وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ أي: بالله، أو: بسبب الشيطان، مُشْرِكُونَ حيث حملهم على الشرك فأطاعوه. الإشارة: الاستعاذة الحقيقية من الشيطان هي: الغيبة عنه في ذكر الله أو شهوده، فلا ينجح في دفع الشيطان إلا الفرار منه إلى الرحمن. قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ «٢» . فإن الشيطان كالكلب، كلما اشتغلت بدفعه قوي نبحه عليك، فإما أن يخرق الثياب، أو يقطع الإهاب، فإذا رفعت أمره إلى مولاه كفه عنك. وقد قال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل ﵁: عداوة العدو حقًا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو، فاتتك محبة الحبيب، ونال مراده منك. هـ. فالعاقل هو الذي يشتغل بذكر الله باللسان، ثم بالقلب، ثم بالروح، ثم بالسر، فحينئذ يذوب الشيطان ولا يبقى له أثر قط، أو يذعن له ويسلم شيطانه، فإنما حركه عليك ليوحشك إليه. وفي الحِكَم: «إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده» . فإذا تعلقْتَ بالقوي المتين، هرب عنك الشيطان اللعين. وسيأتي مزيد كلام إن شاء الله عند قوله تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ.. «٣» الآية. وبالله التوفيق. ومن أقبح وسوسة الشيطان: الطعن فى القرآن، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله: [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣] وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)

стр. 1386

قلت: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ: معترض بين الشرط، وهو: إِذا وجوابه، وهو: قالُوا لتوبيخ الكفار، والتنبيه على فساد سندهم. وهُدىً وَبُشْرى: عطف على: «لِيُثَبِّتَ» . يقول الحق ﷻ : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ بأن نسخنا الأولى لفظًا أو حكمًا، وجعلنا الثانية مكانها، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ من المصالح، فلعل ما يكون في وقت، يصير مفسدة بعده، فينسخه، وما لا يكون مصلحة حينئذ، يكون مصلحة الآن، فيثبته مكانه. فإذا نسخ، لهذا المصلحة، قالُوا أي: الكفرة: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ: كذاب مُتَقوِّل على الله، تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، قال تعالى: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ حكمة النسخ ولا حقيقة القرآن، ولا يميزون الخطأ من الصواب. قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ يعني: جبريل. والقدس: الطهر والتنزيه لأنه روح مُنزه عن لوث البشرية. نزله مِنْ رَبِّكَ ملتبسًا بِالْحَقِّ: بالحكمة الباهرة، أو مع الحق في أمره ونهيه وإخباره، أو أنزله حقًا، لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا على الإيمان لأنه كلام الله، ولأنهم إذا سمعوا الناسخ والمنسوخ، وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح، رسخت عقائدهم، واطمأنت قلوبهم. وَأنزله هُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ المنقادين لأحكامه، أي: نزله تثبيتًا وهداية وبشارة للمسلمين. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ يعنون: غلامًا نصرانيًا اسمه: جبَر، وقيل: يعيش. قيل: كانا غلامين، اسم أحدهما: جبَر، والآخر يَسارٌ، وكانا يصنعان السيوف، ويقرآن التوراة والإنجيل، فكان النبي ﷺ يجلس إليهما، ويدعوهما إلى الإسلام، فقالت قريش: هذان هما اللذان يعلمان محمدًا ما يقول. قال تعالى في الرد عليهم: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ أي: لغة الرجل الذي يُمِيلُون قولَهم عن الاستقامة إليه، وينسبون إليه تعليم القرآن، أعجمي، وَهذا القرآن لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذو بيان وفصاحة. قال البيضاوي: والجملتان مستأنفتان لإبطال طعنهم، وتقريره يحتمل وجهين أحدهما: أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم، والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون، - أي: القرآن- ما تلقفه منه؟ وثانيهما: هب أنه تلقف منه المعنى باستماع كلامه، لكن لم يتلقف منه اللفظ لأن ذلك أعجمي وهذا عربي، والقرآن، كما هو معجز باعتبار المعنى، معجز باعتبار اللفظ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة، فكيف يعلم جميع ذلك من غلام سُوقي، سمع منه، بعض أوقات، كليمات عجمية، لعله لم يعرف معناها؟! فطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم. هـ. الإشارة: كما وقع النسخ في وحي أحكام، يقع في وحي إلهام فقد يتجلى في قلب الولي شيء من الأخبار الغيبية، أو يأمر بشيء يليق، في الوقت، بالتربية، ثم يُخبر أو يأمر بخلافه لوقوع النسخ أو المحو، فيظن من لا معرفة له بطريق الولاية أنه كذب، فيطعن أو يشك، فيكون ذلك قدحًا في بصيرته، وإخمادًا لنور سريرته، إن كان داخلاً تحت تربيته. والله تعالى أعلم.

стр. 1387

ثم ذكر وبال مَن طعن فى كلام الله، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٩] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) قلت: «مَنْ كَفَرَ» : شرطية مبتدأ، وكذلك مَنْ شَرَحَ. وفَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ: جواب عن الأولى والثانية لأنهما بمعنى واحد، ويكون جوابًا للثانية، وجواب الأولى: محذوف يدل عليه جواب الثانية. وقيل: مَنْ كَفَرَ: بدل من الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، أو من المبتدأ في قوله: أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ، أو من الخبر. وإِلَّا مَنْ أُكْرِهَ: استئناف من قوله: مَنْ كَفَرَ. يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ لا يُصدِّقون بِآياتِ اللَّهِ، ويقولون: هي من عند غيره، لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى سبيل النجاة، أو إلى اتباع الحق، أو إلى الجنة. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة. وهذا في قوم عَلِمَ أَنهم لا يؤمنون، كقوله: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ «١» . وقال ابن عطية: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله. ولكنه قدَّم وأخر تهممًا بتقبيح أفعالهم. هـ. قال البيضاوي: هددهم على كفرهم، بعد ما أماط شبهتهم، ورد طعنهم فيه، ثم قلب الأمر عليهم، فقال: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لأنهم لا يخافون عذابًا يردعهم عنه، وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله، والطعن فيها، بهذه الخرافات أعظم الكذب. وأولئك الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة. أو الكاذبون في قولهم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ، إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ. هـ. والكلام كله مع كفار قريش.

стр. 1388

ثم ذكر حكم مَن ارتد عن الإيمان طوعًا أو كرهًا، فقال: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ فعليهم غضب من الله، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على التلفظ بالكفر، أو على الافتراء على الله، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ لم تتغير عقيدته، وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي: فتحه ووسعه، فاعتقده، وطابت به نفسه، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ إذ لا أعظم من جرمه. رُوِيَ أن قريشًا أكرهوا عمّارًا وأبويه- وهما ياسر وسمية- على الارتداد، فربطوا سمية بين بعيرين، وطعنوها بحربة في قلبها، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال، فماتت- رحمة الله عليها- وقتلوا ياسرًا زوجها، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مُكرهًا، فقيل: يا رسول الله إن عمارًا كفر، فقال: «كَلا، إن عَمَّارًا مُلئ إيمَانًا من قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإِيمَانُ بلَحْمِهِ ودَمِهِ» . فَأَتَى عمَّار رسول الله ﷺ وَهُوَ يَبْكي، فَجَعَلَ رَسُول الله ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْه، ويقول: «مَا لك، إِنْ عَادُوا لَك فَعُدْ لَهُمْ بِما قُلْتَ» «١» . وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه. وإن كان الأفضل أن يجتنب عنه، إعزازًا للدين، كما فعل أبواه. لما رُوي أنَّ مسيلمة أخذ رجلين، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله. وقال: ما تقول فيَّ؟ فقال: أنت أيضًا، فخلى سبيله، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: ما تقول فيَّ؟ فقال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله ﷺ . فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الآخر فقد صدع بالحق، فهنيئًا له «٢» . هـ. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: وهذا الحكم فيمن أكره على النُطق بالكفر، وأما الإكراه على فعل وهو كفر، كالسجود للصنم، فاختلف هل يجوز الإجابة إليه أو لا؟ فأجازه الجمهور، ومنعه قوم. وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين، ولا طلاق، ولا عتاق، ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز له الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحدٍ أو أخذ ماله. هـ. وذكر ابن عطية أنواعًا من الأمور المكره بها، فذكر عن مالك: أن القيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي، وإنفاذه فيما يتوعد به. ثم ذكر خلافًا في الحنث في حق من حلف للدرء عن ماله، لظالم، بخلاف الدرء عن النفس والبدن، فإنه لا يحنث، قولاً واحدًا، إلا إذا تبرع باليمين، ففي لزومه خلاف. وانظر المختصر فى الطلاق.

стр. 1389

ثم علل نزول العذاب بهم، فقال: ذلِكَ الوعيد بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ أي: بسبب أنهم آثروها عليها، وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ، الذين سبق لهم الشقاء، فلا يهديهم إلى ما يوجب ثبات الإيمان في قلوبهم، ولا يعصمهم من الزيغ. أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ فغابت عن إدراك الحق والتدبر فيه، وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الكاملون في الغفلة، حتى أغفلتهم الحالة الزائفة عن التأمل في العواقب. لا جَرَمَ: لا شك أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ حيث ضيعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد. قاله البيضاوي. الإشارة: مَن سبق له البِعاد لا ينفعه الكد والاجتهاد، ومن سبقت له العناية لا تضره الجناية. ففي التحقيق: ماثمّ إلا سابقة التوفيق. فمن كان في عداد المريدين السالكين، ثم أكره على الرجوع إلى طريق الغافلين، مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ، أي: بالتصديق بطريق الخصوص، وهو مصمم على الرجوع إليها فلا بأس عليه أن ينطق بلسانه، ما يُرى أنه رجع إليهم. فإذا وجد فسحة فرَّ بدينه. وكذلك إذا أخذه ضعف أو فشل وقت القهرية، ثم أنهضته العناية، ففرّ إلى الله، التحق بأولياء الله، وأما من شرح صدره بالرجوع عن طريق القوم، وطال مقامه مع العوام، فلا يفلح أبدًا في طريق الخصوص، والتحق بأقبح العوام، إلا إن بقي في قلبه شيء من محبة الشيوخ والفقراء، فلعله يحشر معهم، ودرجته مع العوام. قال القشيري: إذا عَلِمَ اللهُ صِدْقَ عبده بقلبه، وإِخلاصَه في عَقْدِه، ثم لحقته ضرورة في حاله، خَفَّفَ عنه حُكْمَه، ورفع عنه عناءهَ، فإذا تلفظ بكلمة الكفر مُكْرَهًا، وهو بالتوحيد محقق، عُذر فيما بينه وبين ربه. وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، وتجردوا لسلوك طريق الله، ثم اعْتَرَضَت لهم أسبابٌ، فاتفقت لهم أعذارٌ، فنفذ ما يوجبه الحال، وكان لهم ببعض الأسباب اشتغالٌ، أو إلى شيء من العلوم رجوعٌ، لم يقدح ذلك في حجة إرادتهم، ولا يُعَدُّ ذلك منهم شكًا وفَسْخًا لعهودهم، ولا تنتفي عنهم سِمَةُ الفيئة إلى الله. هـ. قلت: هذا إن بقوا في صحبة الشيوخ، ملازمين لهم، أو واصلين إليهم، وأما إن تركوا الصحبة، أو الوصول، فلا شك في رجوعهم إلى العمومية. ثم قال في قوله: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً: من رجع باختياره، ووضع قدَمًا في غير طريق الله، بحُكْمِ هواه، فقد نَقَضَ عَهْدَ إرادته لله، وفَسَخَ عقد قصده إلى الله، وهو مُسْتَوْجِبٌ الحَجْبَةَ، إلى أن تتداركه الرحمة. هـ. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، ما نصه: وفي مكاتبة لشيخنا العارف أبي المحاسن يوسف بن محمد: فإن اختلفت الأشكال، وتراكمت الفتن والأهوال، وتصدعت الأحوال، ربما ظهر على العارف وصف لم يكن معهودًا، وأمر لم يكن بالذات مقصودًا، فيكون معه قصور في جانب الحق، لا في جانب الحقيقة، فلا يضر، إن رجع في ذلك لمولاه فرارًا، وإلى ربه اضطرارًا. فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ. هـ.

стр. 1390

ثم رغب فى التوبة، فقال: [سورة النحل (١٦) : آية ١١٠] ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) قلت: إِنَّ الثانية: تأكيد، والخبر للأول. يقول الحق ﷻ : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا من دار الكفر إلى المدينة مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا أي: عُذبوا على الإسلام كعمار بن ياسر، وأشباهه من المعذبين على الإسلام. هذا على قراءة الضم. وقرأ ابن عامر: «فُتِنُوا» بفتح التاء، أي: فتنوا المسلمين وعذبوهم، فتكون فيمن عذب المسلمين، ثم أسلم وهاجر وجاهد، كعامر ابن الحضرمي، أكره مولاه جبرًا حتى ارتد، ثم أسلما وهاجرا ثم جاهدا، وصبرا على الجهاد وما أصابهم من المشاق، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد الهجرة والجهاد والصبر، لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي: لغفور لما مضى قبلُ، رحيم يجازيهم على ما صنعوا بعدُ. الإشارة: من نزلت به قهرية، أو حصلت له فترة، حتى رجع عن طريق القوم، ثم تاب وهاجر من موطن حظوظه وهواه، وجاهد نفسه في ترك شواغل دنياه، واستعمل السير إلى من كان يدله على الله إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر له ما مضى من فترته، ويلحقه بأصحابه وأبناء جنسه. وبالله التوفيق. ثم ذكر يوم الجزاء لمن صبر وهاجر، أو الخسران لمن جحد وكفر، فقال: [سورة النحل (١٦) : آية ١١١] يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١) قلت: يَوْمَ: منصوب باذكر، أو بغفور رحيم. يقول الحق ﷻ : واذكر يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها عن ذاتها، وتسعى في خلاصها، لا يهمها شأن غيرها يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ «١» ، وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما عَمِلَتْ على التمام، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: لا يُنقصون من أجورهم مثقال ذرة. الإشارة: النفس التي تجادل عن نفسها، وتوفى مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ أو شر، إنما هي النفس الأمارة أو اللوامة. وأما النفس المطمئنة بالله، الفانية في شهود ذات الله، لا ترى وجودًا مع الله فلا يتوجه عليها عتاب، ولا يترتب عليها حساب إذ لم يبق لها فعل تُحاسب عليه. وعلى تقدير وجوده فقد حاسبت قبل أن تحاسَب، بل هي في عداد

стр. 1391

السبعين ألفًا، الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهم المتوكلون. أو تقول: هي في عداد من يلقى الله بالله، فليس لها شيء سوى الله، فحجته، ايوم تجادل النفوس، هو الله. كما قال الشاعر: وجهك المحمود حجتنا ... يوم يأتي الناسُ بالحُجج وبالله التوفيق. ثم ضرب مثلا لمن كفر النعم، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٢ الى ١١٣] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) قلت: قَرْيَةً: بدل من: مَثَلًا. يقول الحق ﷻ : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، ثم فسره بقوله: قَرْيَةً: مكة، وقيل: غيرها. كانَتْ آمِنَةً من الغارات، لا تُهَاجُ، مُطْمَئِنَّةً لا تحتاج إلى الانتقال عند الضيق أو الخوف، يَأْتِيها رِزْقُها: أقواتها رَغَداً: واسعًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ من نواحيها، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ بطرت بها، أو بنبي الله، سيدنا محمد ﷺ ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ، استعار الذوق لإدراك أثر الضرر، واللباس لِمَا غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا حتى صارت كالحقيقة، وأما اللباس فقد يستعيرونه لما يشتمل على الشيء ويستره يقول الشاعر: غَمْرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكًا ... غَلِقَتْ لِضحكَتِهِ رِقَابُ المَالِ فقد استعار الرداء للمعروف، فإنه يصون عِرْضَ صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه، والمعنى: أنهم لما كفروا النعم أنزل الله بهم النقم، فأحاط بهم الخوف والجوع إحاطة الثوب بمن يستتر به، فإن كانت مكة، فالخوف من سرايا النبي ﷺ وغاراته عليهم، وإن كان غيرها، فمن كل عدو، وذلك بسبب ما كانوا يصنعون من الكفر والتكذيب. وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ، يعنى: محمدا ﷺ ، والضمير لأهل مكة. عاد إلى ذكرهم بعد ذكر مثَلِهم. فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ: الجوع والقحط، ووقعة بدر، وَهُمْ ظالِمُونَ ملتبسون بالظلم، غير تائبين منه. والله تعالى أعلم.

стр. 1392

الإشارة: ضرب الله مثلاً قلبًا كان آمنًا مطمئنًا بالله، تأتيه أرزاق العلوم والمواهب من كل مكان، فكفر نعمة الشيخ، وخرج من يده قبل كماله، فأذاقه الله لباس الفقر بعد الغنى بالله، والخوف من الخلق، وفوات الرزق، بعد اليقين بسبب ما صنع من سوء الأدب وإنكار الواسطة، ولو خرج إلى من هو أعلى منه لأن من بان فضله عليك وجبت خدمته عليك، ومن رزق من باب لزمه. وهذا أمر مُجرب عند أهل الذوق بالعيان، وليس الخبر كالعيان، هذا إن كان أهلاً للتربية، مأذونًا له فيها، جامعًا بين الحقيقة والشريعة، وإلا انتقل عنه إلى من هو أهل لها. وبالله التوفيق. ثم أمر بالشكر، الذي هو قيد النعم، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٤ الى ١١٨] فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) قلت: الْكَذِبَ: مفعول بتقولوا، وهذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ: بدل منه، أي: لا تقولوا الكذب، وهو قولكم: هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ، ولِما في قوله: لِما تَصِفُ موصولة، ويجوز أن ينتصب الكذب ب تَصِفُ، ويكون «ما» مصدرية. ويكون قوله: هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ معمولاً لتقولوا، أي: لا تقولوا: هذا كذا وهذا كذا لأجل وصف ألسنتكم الكذب. يقول الحق ﷻ : فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً، أمرهم بأكل ما أحل لهم، وشُكر ما أنعم عليهم، بعد ما زجرهم عن الكفر، وهددهم عليه، بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم صدًا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. قاله البيضاوي. وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ لتدوم لكم إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فلا تنسبوا نعمه إلى غيره، كشفاعة الأصنام وغيرها. إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، تقدم تفسيرها في البقرة

стр. 1393

والمائدة «١» . قال البيضاوي: أمرهم بتناول ما أحل لهم، وعدد عليهم محرماته، ليعلم أن ما عداها حل لهم. ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم بقوله: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لما لم يحله الله ولم يحرمه، كما قالوا: مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ... «٢» الآية. هـ. تقولون ذلك لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بنسبة ذلك إليه. إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ أبدًا لأنهم تعجلوا فلاح الدنيا بتحصيل أهوائهم، فحُرموا فلاح الآخرة، ولذلك قال: مَتاعٌ قَلِيلٌ أي: لهم تمتع في الدنيا قليل، يفنى ويزول. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة. وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ في سورة الأنعام بقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ.. «٣» الآية، وَما ظَلَمْناهُمْ بالتحريم، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. ذكر الحق تعالى ما حرم على المسلمين، وما حرم على اليهود ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق- ﷻ ، لمن بقي على العهد من شكر النعم بالإقرار بفضل الواسطة: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من قوت اليقين وفواكه العلوم، وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إن كنتم تخصونه بالعبادة وإفراد الوجهة. إنما حرَّم عليكم ما يشغلكم عنه، كجيفة الدنيا والتهارج عليها، ونجاسة الغفلة، وما يورث القساوة والبلادة، وقلة الغيرة على الحق، وما قبض من غير يد الله، أو ما قُصد به غيرُ وجه الله، إلا وقت الضرورة فإنها تبيح المحذور. والله تعالى أعلم. ثم حضّ على التوبة لمن وقع فى شىء من هذا، فقال: [سورة النحل (١٦) : آية ١١٩] ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) يقول الحق ﷻ : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ كالشرك، والافتراء على الله، وغير ذلك، بِجَهالَةٍ أي: ملتبسين في حال العمل بجهالة، كالجهل بالله وبعقابه، وعدم التدبر في عواقبه لغلبة الشهوة عليه، ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا عملهم، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي: التوبة، أو الجهالة، لَغَفُورٌ لذلك السوء، رَحِيمٌ بهم يثيبهم على الإنابة.

стр. 1394

الإشارة: كل مَن أساء الأدب، ثم تاب وأناب، التحق بالأحباب. قال بعضهم: «كل سوء أدب يُثمر أدبًا فهو أدب» . والتوبة تتبع المقامات فتوبة العوام: من الهفوات، وتوبة الخواص: من الغفلات، وتوبة خواص الخواص: من الفترات عن شهود الحضرات. وبالله التوفيق. ولما رغَّب فى الشكر ذكر أنه من ملة خليله إبراهيم ﵇، ودين حبيبه- عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- تحريضا عليه، فقال تعالى: [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٣] إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) يقول الحق ﷻ : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أي: إمامًا قدوة قال تعالى: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً «١» ، قال ابن مسعود: «الأُمة: معلّم الناس الخيرَ» ، أو أمة وحده، اجتمع فيه ما افترق في غيره، فكان وحده أمة من الأمم لكماله واستجماعه لخصال الكمال التي لا تكاد تجتمع إلا في أشخاص كثيرة، كقول الشاعر: ولَيْسَ عَلَى الله بمُسْتَنْكَرٍ ... أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِد «٢» وهو رئيس الموحدين، وقدوة المحققين، جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الدامغة. ولذلك عقَّب ذكره بتزييف مذاهب المشركين. أو: لأنه كان وحده مؤمنًا وسائر الناس كفارًا. قاله البيضاوي. وكان قانِتاً لِلَّهِ مطيعًا قائمًا بأوامره، حَنِيفاً مائلاً عن الباطل، وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وأنتم يا معشر قريش تزعمون أنكم على دينه، وأنتم مشركون. وكان شاكِراً لِأَنْعُمِهِ، لا يخل بشكر قليل منها ولا كثير. ولذلك ذكرها بلفظ جمع القلة، اجْتَباهُ: اختاره للنبوة والرسالة والخلة. وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ التي توصل إلى حضرة النعيم، ودعا إليها، وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً بأن حببناه إلى كافة الخلق، ورزقناه الثناء الحسن في الملل كلها، حتى إنّ أرباب

стр. 1395

الملك والجبابرة يتولونه ويثنون عليه. ورزقناه أولادًا طيبة، وعمرًا طويلاً في الطاعة والمعرفة، ومالاً حلالاً. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ لحضرتنا، المقربين عندنا، اللذين لهم الدرجات العلا كما سأله ذلك بقوله: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ «١» . ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ دينه ومنهاجه في التوحيد، والدعوة إليه بالرفق، والمجادلة بالتي هي أحسن، كل واحد بحسب فهمه. وكان حَنِيفاً مائلاً عما سوى الله، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بل كان قدوة الموحدين. كرره ردًا على اليهود والنصارى والمشركين في زعمهم أنهم على دينه مع إشراكهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تمسك بطاعة الله ظاهرًا، أو مال عما سوى الله باطنًا، وشكر الله دائمًا، ودعا الناس إلى هذا الأمر العظيم: كان وليًا إبراهيميًا، محمديًا، خليلاً حبيبًا، مقربًا، قد اجتباه الحق تعالى إلى حضرته، وهداه إلى صراط مستقيم، وعاش في الدنيا سعيدًا، ومات شهيدًا، وألحق بالصالحين. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. ولما ادّعت اليهود أنها على ملة إبراهيم دون غيرها، رد الله عليهم بأن السبت ليس من ملته، فقال: [سورة النحل (١٦) : آية ١٢٤] إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) يقول الحق ﷻ : إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ أي: فُرض تعظيمه وإفراده للعبادة، عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ على نبيهم، وهم: اليهود أمرهم موسى ﵇ أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة، فأبوا وقالوا: نريد يوم السبت لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السموات والأرض، فألزمهم الله السبت، وشدَّد عليهم فيه. وقيل: لما أمرهم بيوم الجمعة، قَبِلَ بعضهم، وأبى أكثرهم، فاختلفوا فيه. وقيل: اختلافهم: هو أن منهم من حرَّم الصيد فيه، ومنهم من أحله، فعاقبهم الله بالمسخ. والتقدير على هذا: إنما جعل وبال السبت- وهو المسخ، (عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا) فأحلوا فيه الصيد تارة، وحرموه أخرى، أو أحله بعضهم، وحرمه بعضهم، وذكرهم هنا تهديدًا للمشركين، كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله، وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فيجازي كل فريق بما يستحقه، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي. الإشارة: الاختلاف على الأكابر كالشيوخ والعلماء، والتقدم بين أيديهم بالرأي والكلام، من أقبح المساويء، وسو الأدب يوجب لصاحبه العطب كالقطع عن الله، والبعد من ساحة حضرته. قال بعضهم: إذا جالست الكبراء فدع ما تعلم لما لا تعلم لتفوز بالسر المكنون. والله تعالى أعلم.

стр. 1396

ثم أمر نبيه بالدعوة إلى الله، فقال: [سورة النحل (١٦) : آية ١٢٥] ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) يقول الحق ﷻ : ادْعُ يا محمد الناسَ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ إلى طريقه الموصل إليه، وهو: الإسلام والإيمان، والإحسان لمن قدر عليه، بِالْحِكْمَةِ بسياسة النبوة، أو بالمقالة المحكمة، وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ مواعظ القرآن ورقائقه، أو الخطابات المقنعة والعبر النافعة، وَجادِلْهُمْ أي: جادل معاندتهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالطرق التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين، وإيثار الوجه الأيسر، والمقدمات التي هي أشهر فإن ذلك أنفع في تليين لهبهم، وتبيين شغبهم، فالأولى: لدعوة خواص الأمة الطالبين للحق. والثانية: لدعوة عوامهم، والثالثة: لدعوة معاندهم. قال ابن جزي: الحكمة هي: الكلام الذي يظهر جوابه، والموعظة: هي: الترغيب والترهيب. والجدال هو: الرد على الخصم. وهذه الأشياء الثلاثة يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان والخطابة والجدل، وهذه الآية تقتضي مهادنة نُسخت بالسيف. وقيل: إن الدعاء بهذه الطريقة، من التلطف والرفق، غير منسوخ، وإنما السيف لمن لا تنفعه هذه الموعظة من الكفار، وأما العصاة فهي في حقهم مُحكمة إلى يوم القيامة باتفاق. هـ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي: إنما عليك البلاغ والدعوة. وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فليس من شأنك، بل الله أعلم بالضالين والمهتدين، وهو المجازي للجميع. الإشارة: الدعاء بالحكمة هو الدعاء بالهمة والحال، يكون من أهل الحق والتحقيق لأهل الصدق والتصديق. والدعاء بالموعظة الحسنة هو الدعاء بالمقال من طريق الترغيب والتشويق، يكون لأهل التردد في سلوك الطريق. والدعاء بالمجادلة الحسنة هو الدعاء بالوعظ والتذكير. وذِكْرُ بيانِ الطريق، وفضيلة علم التحقيق، يكون لأهل الإنكار إن وصلوا إلى أهل التحقيق. والحاصل: أن الدعاء بالحكمة: لأهل المحبة والتصديق. والدعاء بالموعظة: لأهل التردد في الطريق. والدعاء بالمجادلة: لأهل الإنكار حتى يعرفوا الحق من الباطل. وإن شئت قلت: الدعاء بالحكمة هو للعارفين الكبار، والدعاء بالموعظة الحسنة هو لأهل الوعظ والتذكار من الصالحين الأبرار، والدعاء بالمجادلة الحسنة هو للعلماء الأخيار. وقد تجتمع في واحد إن جمع بين الظاهر والباطن. والله تعالى أعلم.

стр. 1397

ولما أمره بالدعوة العامة أمره بالصبر العام لأن الدعوة لا تنفك عن الأذى، فيحتاج صاحبها إلى صبر كبير، فقال: [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٦ الى ١٢٨] وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) يقول الحق ﷻ : وَإِنْ عاقَبْتُمْ من آذَاكُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ أي: إن صنع بكم صنيع سوء فافعلوا مثله، ولا تزيدوا عليه. والعقوبة، في الحقيقة، إنما هي في الثانية. وسميت الأولى عقوبة لمشاكلة اللفظ. وقال الجمهور: أن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب، لما بَقَر المشركون بطنه يوم أحد، قال النبي ﷺ : «لئن أظْفَرَنِي اللهُ بِهمْ لأُمَثِّلَنَّ بسِبْعِينَ منهم» . فنزلت الآية «١» ، فكفّر النبي ﷺ عن يمينه، وترك ما أراد من المُثْلَةِ. ولا خلاف أن المثلة حرام، وقد وردت أحاديث بذلك. ومقتضى هذا: أن الآية مدنية. ويحتمل أن تكون الآية عامة، ويكون ذكرهم حمزة على وجه المثال. وتكون، على هذا، مكية كسائر السورة. واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال، ثم ائتمن عليه، هل يجوز خيانته، في القدر الذي ظلمه فيه؟ فأجاز ذلك قوم لظاهر الآية، ومنعه مالك لقوله ﷺ : «أَدِّ الأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» «٢» . قاله ابن جزي. وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ، ولم تعاقبوا من أساء إليكم، لَهُوَ أي: الصبر خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ فإن العقوبة مباحة، والصبر أفضل من الانتقام، ويحتمل أن يريد بالصابرين هنا العموم، أو يريد المخاطبين، كأنه قال: فهو خير لكم. ثم صرح بالأمر لرسوله به لأنه أولى الناس به لزيادة علمه بالله، فقال: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ إلا بتوفيقه وتثبيته. روى أنه ﷺ قال لأصحابه: «أما أنا فأصبر كما أمرت، فماذا تصنعون؟» قالوا: نصبر كما ندبنا. وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ على الكافرين حيث لم يؤمنوا حِرْصًا عليهم. أو على المؤمنين لأجل ما فعل بهم. وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي: لا يضيق صدرك بمكرهم، ولا تهتم بشأنهم، فأنا ناصرك عليهم. والضيق- بفتح الضاد مُخَفَّفًا- من ضَيِّقٍ كَمَيْتِ ومَيِّتٍ. وقرئ بالكسر، وهو مصدر. ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين، معا، لضاق.

стр. 1398

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الكفر والمعاصي، وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ في أعمالهم، فهو معهم بالولاية والنصر والرعاية والحفظ. أو مع الذين اتقوا الله بتعظيم أمره. والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه. أو مع الذين اتقوا ما يقطعهم عن الله، والذين هم محسنون بشهود الله كما قال النبي ﷺ : «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» . فهو معهم بالمحبة والوداد «فإذا أحببته كنت له» . والله تعالى أعلم. الإشارة: من شأن الصوفية: الأخذ بالعزائم، والتمسك بالأحسن فى كل شىء، ممتثلين لقوله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ «١» . ولذلك قالوا: الصوفي: دمه هدر، وماله مباح لأنه لا ينتصر لنفسه، بل يدفع بالتي هي أحسن السيئة. فالصبر دأبهم، والرضى والتسليم خُلقهم. وحقيقة الصبر هي: حبس القلب على حكم الرب، من غير جزع ولا شكوى. ومواطنه أربعة: الطاعة، والمعصية، والنعمة، والبلية. فالصبر على الطاعة: بالمبادرة إليها، وعن المعصية: بتركها، وعلى النعمة: بشكرها، وأداء حق الله فيها، وعلى البلية: بالرضى وعدم الشكوى بها. وأقسام الصبر ستة: صبر في الله، وصبر لله، وصبر مع الله، وصبر بالله، وصبر على الله، وصبر عن الله. أما الصبر في الله: فَهُوَ الصبر في طلب الوصول إلى الله، بارتكاب مشاق المجاهدات والرياضات. وهو صبر الطالبين والسائرين. وأما الصبر لله: فهو الصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات ونزول البليات، يكون ذلك ابتغاء مرضاة الله، لا لطلب أجر ولا نيل حظ. وهو صبر المخلصين. وأما الصبر مع الله: فهو الصبر على حضور القلب مع الله، على سبيل الدوام مراقبة أو مشاهدة. فالأول: صبر المحبين، والثاني: صبر المحبوبين. وأما الصبر بالله: فهو الصبر على ما ينزل به من المقادير، لكنه بالله لا بنفسه، وهو صبر أهل الفناء من العارفين المجذوبين السالكين. وأما الصبر على الله: فهو الصبر على كتمان أسرار الربوبية عن غير أهلها، أو الصبر على دوام شهود الله. وأما الصبر عن الله: فهو الصبر على الوقوف بالباب عند جفاء الأحباب، فإذا كان العبد في مقام القرب واجدًا لحلاوة الأنس، مشاهدًا لأسرار المعاني، ثم فقد ذلك من قلبه، وأحس بالبعد والطرد- والعياذ بالله- فليصبر، وليلزم الباب حتى يَمن الكريم الوهاب، ولا يتزلزل، ولا يتضعضع، ولا يبرح عن مكانه، مبتهلاً، داعيًا إلى الله، راجيًا كرم مولاه، فإذا استعمل هذا فقد استعمل الصبر قيامًا بأدب العبودية. وهو أشد الصبر وأصعبه، لا يطيقه إلا العارفون المتمكنون، الذين كملت عبوديتهم، فكانوا عبيدًا لله في جميع الحالات، قَرَّبهم أو أبعدهم. رُوِيَ أن رجلاً دخل على الشبلي ﵁، فقال: أي صبر أشد على الصابر؟ فقال له الشبلي: الصبر في الله، قال:

стр. 1399

لا، قال: الصبر لله، قال: لا، قال: الصبر مع الله، قال: لا، فقال له: وأي شيء هو؟ فقال: الصبر عن الله. فصاح الشبلي صيحة عظيمة، كادت تتلف فيها روحه. هـ. لأن الحبيب لا يصبر عن حبيبه. لكن إذا جفا الحبيب لا يمكن إلا الصبر والوقوف بالباب، كما قال الشاعر: إن شكوت الهوى، فما أنت منا ... احمل الصَّدَ والجفا، يا مُعَنَّا وقال رجل لأبي محمد الحريري ﵁: كنت على بساط الأنس، وفتح على طريق البسط، فزللتُ زَلَّة، فحُجِبْتُ عن مقامي، فكيف السبيل إليه؟ دلني على الوصول إلى ما كنت عليه. فبكى أبو محمد وقال: يا أخي، الكل في قهر هذه الخطة، لكني أنشدك أبياتًا لبعضهم، فأنشأ يقول: قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكي الأحبة حسرة وتشوقا كم قد وقفتُ بربعها مستخبرا ... عن أهله، أو سائلاً، أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها ... فارقْتَ من تهوى فعز الملتقى ومن هذا المعنى قضية الرجل الذي بقي في الحرم أربعين سنة يقول: لبيك. فيقول له الهاتف: لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك. فقيل له في ذلك، فقال: هذه بابه، وهل ثَمَّ باب أخرى أقصده منها؟ فقبله الحق تعالى، ولبى دعوته. وكذلك قضية الرجل الذي قيل له، من قِبَلِ الوحي: إنك من أهل النار فزاد في العبادة والاجتهاد. فهذا كله يصدق عليه الصبر عن الله. لكن لا يفهم كماله إلا من كملت معرفته، وتحقق بمقام الفناء، فحينئذ قد يسهل عليه أمره لكمال عبوديته، كما قال القائل: وَكُنْتُ قَدِيمًا أَطْلُبُ الوَصْلَ مِنْهُمُ ... فلَمَّا أَتَانِي العِلْمُ وارْتَفَع الجَهْلُ تيقنت أَنَّ العَبْدَ لا طَلَبٌ لَهُ ... فَإِنْ قَرُبُوا: فَضْلٌ، وإِنْ بَعُدُوا: عَدْلُ وإنْ أَظْهَرُوا لَمْ يُظْهِرُوا غَيْرَ وَصْفِهِمْ ... وإِنْ سَتَرُوا فالستْرُ مِنْ أَجْلِهِمْ يَحْلُو وأما من لم تكمل معرفته، فقد ينكره ويذمه، كالعباد والزهاد والعشاق، فإنهم لا يطيقونه، فإما أن يختل عقلهم، أو يرجعون إلى الانهماك في البطالة. والله تعالى أعلم. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1400

سورة الإسراء مكية، إلا قوله: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ... الآيات الثمان. وهى: مائة وعشر آيات. وكأنّ وجه المناسبة لما قبله قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا «١» ، إشارة إلى أنَّ مَن اتقى الله، وحصّل مقام الإحسان، أسرى بروحه إلى عالم الملكوت وأسرار الجبروت. وافتتح السورة بالتنزيه، لئلا يتوهم الجهال أنه- ﵊ عرج به للقاء الحق تعالى فى جهة مخصوصة، فنزه الحقّ تعالى نفسه، فى افتتاح سورة الإسراء دفعا لهذا الإيهام، فقال: [سورة الإسراء (١٧) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) قلت: «سُبْحانَ» : مصدر غير متصرف، منصوب بفعل واجب الحذف، أي: أسبحُ سبحان. وهو بمعنى التسبيح، أي: التنزيه، وقد يستعمل عَلَمًا له، فيقطع عن الإضافة ويمنع الصرف، كقول الشاعر: قَدْ أَقُولُ لَمَّا جَاءَني فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ «٢» و «لَيْلًا» : منصوب على الظرفية لأسرى. وفائدة ذكره، مع أن السرى هو السير بالليل، ليفيد التقليل، ولذلك نكّره، كأنه قال: أسرى بعبده مسيرة أربعين ليلة في بعض الليل، وذلك ابلغ في المعجزة. ويقال: أسرى وسرى، رباعيًا وثلاثيًا. يقول الحق ﷻ : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ وهو: نبينا محمد ﷺ ، أي: تنزيهاً له عن الأماكن والحدود والجهات، إذ هو أقرب من كل شيء إلى كل شيء. وإنما وقع الإسراء برسوله- ﵊ ليقتبس أهلُ العالم العلوي، كما اقتبس منه أهل العالم السفلي، فأسرى به لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بعينه لِمَا رُوي أنه- ﵊ قال: «بَينَما أَنَا في المسْجِدِ الحَرَامِ في الحِجْر، عِنْدَ البَيْتِ، بَيْنَ النَّائِم واليقْظَانِ، إذْ أَتَانِي جِبْرِيلُ بالبراق» «٣» .

стр. 1401

أو: من الحرم لِمَا رُوي أنه كان نائمًا في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء، فأُسْرِيَ به، وسماه مسجدًا لأن الحرم كله مسجد. قاله البيضاوي. قلت: والظاهر أنه وقع مرتين: مرة بجسده من البيت، ومرة بروحه من بيت أم هانئ. والله تعالى أعلم بما كان. قال في المستخْرج من تفسير الغزنوني وغيره: قيل: كان رؤيا صادقة، وقيل: أسرى بروحه، وهو خلاف القرآن، وإن أسند إلى عائشة- رضى الله عنها-، والجمهور على ما رواه عامة الصحابة، دخل كلام بعضهم في بعض، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل ﵇، وإذا دابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها مد بصرها، فمرّ بي بين السماء والأرض إلى بيت المقدس، فَنُشِرَ لي رَهْطٌ من الأنبياء، فصليت بهم. وإذا أنا بالمعراج، وهو أحسن ما رأيت، فعرج بي، فرأيت في سماء الدنيا رجلاً أعظم الناس وجهًا وهيكلاً، فقيل: هذا أبوك آدم، وفي السماء الثانية شابيْن، فقيل: هما يحيى وعيسى، وفي الثالثة رجلاً أفضل الناس حُسنًا، فقيل: أخوك يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم- صلوات الله على جميعهم. فانتهيتُ إلى سِدرة المنتهى، فَغَشِيَتْهَا ملائكةٌ، كأنهم جراد من ذهب، فرأيتُ جبريل ﵇ يتضاءل كأنه صَعْوة- أي: عصفور- فتخلف، وقال: وما منا إلا له مقام معلوم، فجاوزت سبعين حجابًا، ثم احتملني الرفرف إلى العرش، فنُوديتُ: حَيِّ ربك. فقلت: لا أُحصي ثناء عليك، أنتَ كَمَا أثنَيتَ عَلى نفسك» «١» . فلما أخبر بما رأى كذَّبه أهل مكة، ولو كان في النوم ما أنكره المشركون. وقيل: كانا معراجين، بمكة والمدينة، في النوم واليقظة. هـ. قلت: وقوع المعراج بالمدينة غريب. قال المهدوي: مرْتَبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات العَلِية خاصة بنبينا، لم يكن لغيره من الأنبياء. وعدَّه السيوطي من الخصائص. قال ابن جزي: وحجة الجمهور: أنه لو كان منامًا، لم تُنكره قريش، ولم يكن في ذلك ما يُكَذَّبُ، ألا ترى أن أُم هانئ قالت له- ﵊: (لا تُخبر بذلك أحدًا) . وحجة من قال إنه كان منامًا: قوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ «٢» ، وإنما يقال: الرؤيا، في المنام، ويقال، فيما يرى بالعين: رؤية، وقوله، في آخر حديث الإسراء: «فاستيقظتُ وأنا في المسجد الحرام» ، ثم قال: وقد يجمع بينهما بأنه وقع مرتين «٣» . هـ. وقوله تعالى: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى هو: بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ببركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء، ومحفوف بالأنهار والأشجار والثمار. أسرينا

стр. 1402

به لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا الدالة على عجائب قدرتنا، ونكشفَ له عن أسرار ذاتنا، فأَطْلعه الله على عجائب الملكوت، وأراه سَنَا الجبروت. رَوَى عكرمةُ عن ابن عباس: أنه قال: قد رأى محمدٌ ربه، قلت: أليس الله يقول: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ «١» ، قال: ويحك، ذلك إذا تجلّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين. هـ. قلت: معنى كلامه: أنه إذا تجلى بنوره الأصلي، من غير واسطة، لا يمكن إدراكه، وأما إذا تجلى بواسطة المظهر فإنه يُمكن إدراكه، والحاصل: أنّ الحق تعالى إنما يتجلى على قدر الرائي، لا على قدره إذ لا يطيقه أحد. وسيأتي، في الإشارة، بقية الكلام عليه، إن شاء الله. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أي: السميع لأقوال حبيبه في حال مناجاته، البصيرُ بأحواله، فيكرمه ويُقربه على حسب ذلك. الإشارة: قال بعض الصوفية: إنما قال تعالى: بِعَبْدِهِ، ولم يقل: بنبيه: ولا برسوله ليدل على أن كل من كملت عبوديته كان له نصيب من الإسراء. غير أن الإسراء بالجسد مخصوص به- ﵊، وأما الإسراء بالروح فيقع للأولياء على قدر تصفية الروح، وغيبتها عن هذا العالم الحسي، فتعرج أفكارهم وأرواحهم إلى ما وراء العرش، وتخوض في بحار الجبروت، وأنوار الملكوت، كلٌّ على قدر تخليته وتحليته. وإنما خص الإسراء بالليل لكونه محل فراغ المناجاة والمواصلات، ولذلك رتب بعثه مقامًا محمودًا على التهجد بالليل في هذه السورة. قاله المحشي. وقوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى، قال الورتجبي: أي: تنزه عن إشارة الجهات والأماكن في الفوقية، وما يتوهم الخلق من أنه إذ أوْصل عبده إلى وراء الوراء، أنه كان في مكان، أي: لا تتوهموا برفع عبده إلى ملكوت السموات، أنه رفع إلى مكان، أو هو في مكان، فإن الأكوان والمكان أقل من خردلة في وادي قدرته، أي: في بحر عظمته ألا ترى إلى قوله ﵊: «الكونُ في يمين الرحمن أقل من خردلة» . والعندية والفوقية منه، ونزّه نفسه عن أوهام المشبّهات، حيث توهموا أنه أسرى به إلى المكان، أي: سبحان من تنزه عن هذه التهمة. هـ. وقال القشيري: أرسله الحق تعالى ليتعلم أهلُ الأرض منه العبادة، ثم رَقَّاه إلى السماء ليتعلّمَ منه الملائكةُ- ﵈ آدابَ العبادة، قال تعالى: مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٢» ، وما التَفَتَ يمينًا ولا شمالاً، ما طمع في مقام، ولا في إكرام، تحرر عن كلِّ طلبٍ وأرَبٍ، تلك الليلة. هـ.

стр. 1403

قلت: ولذلك أكرمه الله تعالى بالرؤية، التي مُنِعَ منها نبيه موسى ﵇، حيث وقع منه الطلب «ربما دلهم الأدب على ترك الطلب» ، وقال الورتجبي: أسرى به عن رؤية فعله وآياته، إلى رؤية صفاته، ومن رؤية صفاته إلى رؤية ذاته، وأشهده مَشاهد جماله، فرأى الحق بالحق، وصار هنالك موصوفًا بوصف الحق، فكان صورتُه روحَه، وروحُه عقلَه، وعقلُه قلبَه، وقلبُه سره، فرأى الحق بجميع وجوده لأن وجوده فانٍ بجميعه، فصار عينًا من عيون الحق، فرأى الحق بجميع العيون، وسمع خطابه بجميع الأسماع، وعرف الحق بجميع القلوب. هـ. وقال، في قوله تعالى: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى: سبب بداية المعراج بالذهاب إلى المسجد الأقصى، لأن هناك الآية الكبرى من بركة أنوار تجليه لأرواح الأنبياء وأشباحهم، وهناك بقربه طور سيناء، وطور زيتا، والمصيصة، ومقام إبراهيم وموسى وعيسى، وفي تلك الجبال مواضع كشوف الحق، ولذلك قال: (بارَكْنا حَوْلَهُ) ، انظر تمامه. ولمّا كان لسيدنا موسى ﵇ مزيد كلام ومراجعة مع نبينا- ﵊ فى قضية الإسراء، ذكره بإثره، فقال: [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢ الى ٣] وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) قلت: (ذُرِّيَّةَ) : منادى، أي: يا ذرية من حملنا مع نوح، والمراد: بني إسرائيل. وفي ندائهم بذلك: تلطف وتذكير بالنعم، وقيل: مفعول أول بتتخذوا، أي: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلاً، فتكون كقوله: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً «١» . يقول الحق ﷻ : وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة وَجَعَلْناهُ أي: التوراة هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وقلنا: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا تُفوضون إليه أموركم، وتُطيعونه فيما يأمركم. بل فوضوا أموركم إلى الله، واقصدوا بطاعتكم وجه الله، يا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ، فاذكروا نعمة الإنجاء من الغرق، وحملَ أسلافكم في سفينة نوح، إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً يحمد الله ويشكره في جميع حالاته. وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره، وَحَثٌّ للذرية على الاقتداء به. والله تعالى أعلم. الإشارة: المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو، إفراد الوجهة إلى الحق، ورفعُ الهمة عن الخلق، حتى لا يبقى الركون إلا إليه، ولا الاعتماد إلا عليه، وهو مقتضى التوحيد. قال تعالى: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا «٢» . وبالله التوفيق.

стр. 1404

ثم ذكر ما أحدث بنو إسرائيل، وما جرى عليهم في القضاء السابق، فقال: - [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤ الى ٨] وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) يقول الحق ﷻ : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي: أخبرناهم وأوحينا إليهم فِي الْكِتابِ التوراة، وقلنا: والله لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ الخ. أو: قضينا عليهم فِي الْكِتابِ اللوح المحفوظ، لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ أي: إفسادتين، أُولاهُمَا: مخالفة أحكام التوراة وقتل أشعياء، وقيل: أرمياء. وثانيتهما: قتل زكريا ويحيى، وقَصْدُ قتل عيسى ﵇، وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ولتستكبرن عن طاعة الله، أو لتظلمن الناس وتستعلون عليهم علوًا كبيرًا. فَإِذا جاءَ وَعْدُ عقاب أُولاهُما أي: أول مرتي الإفساد بأن أفسدوا في الأرض المرة الأولى بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا بختنصر وجنوده أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ذوي قوة وبطش في الحرب شديد، فَجاسُوا فترددوا لطلبكم خِلالَ الدِّيارِ وسطه، للقتل أو الغارة، فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخربوا المسجد. وفي التذكرة للقرطبي: أنه سلط عليهم في المرة الأولى بخُتنصر، فسباهم، ونقل ذخائر بيت المقدس على سبعين ألف عَجَلَة، وبقوا في يده مائة سنة. ثم رحمهم الله تعالى وأنقذهم من يده، على يد ملك من ملوك فارس، ثم عصوا، فسلط عليهم ملك الروم قيصر. هـ. قال تعالى: وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا أي: وكان وعد عقابهم وعدًا مقضيًا لا بدّ أن يُفعل. ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ أي: الدولة والغلبة عَلَيْهِمْ أي: على الذين بُعثوا عليكم، فرجع المُلك إلى بني إسرائيل، واستنقذوا أسراهم، فقيل: على يد «بهْمَن بن إسفنديار» ملك فارس، فاستنقذهم، ورد أسراهم إلى الشام، وملَّكَ دَانْيال عليهم، فاستولوا على مَن كان فيها من أتباع بختنصر، وقيل: على يد داود ﵇ حين قتل جالوت. قال تعالى: وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً أي: عددًا مما كنتم. والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نَفر، وهم: المجتمعون للذهاب إلى الغزو.

стр. 1405

ثم قال تعالى لهم: إِنْ أَحْسَنْتُمْ بفعل الطاعة والعمل الصالح، أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ لأن ثوابه لها، وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فإنَّ وبالها عليها. وذكر باللام للازدواج. فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي: وعد عقوبة المرة الأخيرة، بأن أفسدوا في المرة الآخرة، بعثنا عليكم عبادًا لنا آخرين، أُولي بأس شديد لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ، يجعلوها تظهر فيها آثار السوء والشر، كالكآبة والحزن، كقوله: سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ بيت المقدس كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا وليُهلكوا ما عَلَوْا عليه تَتْبِيراً إهلاكًا، أو مدة علوهم. قال البيضاوي: وذلك بأن الله سلَّط عليهم الفرس مرة أخرى، فغزاهم ملكُ بابِل، اسمه «حَرْدُون» ، وقيل: «حَرْدوس» ، قيل: دخل صاحب الجيش مَذبح قرابينهم، فوجد دمًا يغلي، فسأل عنه، فقالوا: دم قربان لم يُقبل منا. فقال: ما صدقتموني، فقتل عليه ألوفًا منهم، فلم يهدأَ الدم. ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدًا، فقالوا: دم يحيى، فقال: لِمثل هذا ينتقم منكم ربكم، ثم قال: يا يحيى، قد علم ربي وربك ما أصاب قومك، فاهدأ بإذن الله، قبل ألاَّ أُبقي منهم أحدًا، فهدأ. هـ. وقال السهيلي في كتاب «التعريف والإعلام» : المبعوث في المرة الأولى هم أهل بابل، وكان إذ ذاك عليهم «بختنصر» ، حين كذّبوا أرمياء وجرحوه وحبَسوه. وأما في المرة الأخيرة: فقد اختلف فيمن كان المبعوث عليهم، وأن ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا. فقيل: بختنصر، وهذا لا يصح لأن قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بزمان طويل. هـ. وقول الجلال السيوطي: وقد أفسدوا في الأُولى بقتل زكريا، فبعث عليهم جالوت وجنوده، ولا يصح لأنه يقتضي أن داود تأخر عن زكريا، وهو باطل. ثم قال تعالى لبني إسرائيل: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد المرة الأخرى ويجبر كسركم، وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب نبينا محمد ﷺ ، وقصد قتله، فعاد إليهم بتسليطه عليهم، فقتل من بني قريظة سبعمائة في يوم واحد، وسبى ذراريهم، وباعهم في الأسواق، وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين. هذا في الدنيا، وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ منهم ومن غيرهم حَصِيراً محبسًا، لا يقدرون على الخروج منها، أبدَ الآباد. وقيل: بساطًا كبسط الحصير، كقوله: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ «٢» . والله تعالى أعلم. الإشارة: قد قضى الحقُّ ﷻ ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نَفَسٍ تُبديه إلاَّ وله قَدَر فيك يُمضيه. فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به. فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها،
следующие страницы →