← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ويقال لمن أنكر عليه أهلُ زمانه طريقَ التجريد وخرقَ العوائد: ولقد استُهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق، فأُوذوا، وضُربوا، وأُخرجوا من بلادهم، فحاق بالذين سَخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون، إما في الدنيا أو في الآخرة. فإذا نزل بأسه فلا حافظ منه إلا الرحمن، كما قال تعالى: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) يقول الحق ﷻ : قُلْ لهم يا محمد: مَنْ يَكْلَؤُكُمْ: يحفظكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ بأس الرَّحْمنِ الذي تستحقونه، إذا نزل بكم ليلاً أو نهارًا. قال الواسطي: من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن أن يظهر عليكم ما سبق فيكم؟ وقال ابن عطاء: مَن يكلؤكم من أمر الرحمن سوى الرحمن، وهل يقدر أحد على الكلاءة سواه؟. وتقديم الليل لأن الدواهي فيه أكثر وقوعًا وأشد وقعًا. وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كلاءتهم ليس إلا برحمته العامة. بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ أي: بل هم معرضون عن ذكره، ولا يُخطِرونه ببالهم، فضلاً أن يخافوا بأسه، حتى إذا رزقوا الكلاءة عرفوا مَن الكالئ، وصلحوا للسؤال عنه. والمعنى: أنه أمر رسوله- ﵊ بسؤالهم عن الكالئ، ثم أضرب عنه، وبيَّن أنهم لا يصلحون لذلك، لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. هكذا للزمخشري ومن تبعه. وقال ابن جزي: والمعنى: أنه تهديد وإقامة حجة عليهم لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا بأنه ليس لهم مانع ولا حافظ غيره تعالى- يعني لِمَا جربوه في أحوال محنتهم- ثم قال: وجاء قوله: (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) ، بمعنى أنهم، إذا سُئلوا ذلك السؤال، لم يجيبوا عنه، لأنهم تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله. هـ. أي: يعرضون عن أن يقولوا: كالئنا الله عتوًا وعنادًا. وهو معنى قوله: (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) ، كأنه قال: لو سُئلوا، لم يجدوا جوابًا، إلا أن يقولوا: هو الله، لكنهم يعرضون عن ذكره مكابرة. قلت: وما قاله ابن جزي أحسن مما قاله الزمخشري ومَن تبعه، وأقرب. ثم قال تعالى: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا، هذا انتقال من بيان جهلهم بحفظه تعالى، أو إعراضهم عن ذكره، إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم. والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تجاوز منعنا وحفظنا، فهم يعولون عليها واثقون بحفظها؟ وفي توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة بما ذكر من المنع، لا إلى نفس الصفة،

стр. 1682

بأن يقال: أم تمنعهم آلهتهم.. الخ، من الدلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود، فضلاً عن رتبة المنع، مالا يخفى. ثم قال تعالى: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ أي: يُجَارون. والصاحب: المُجِير الوافي، يعني: أن الأصنام لا تُجير نفسها، ولا نُجيرهم نحن، أو لا يصحبُهم نصر من جهتنا، فهم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم، ولا يُصحبون بالنصر والتأييد من جهتنا، فكيف يتوهم أن ينصروا غيرهم؟. بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، إضراب عما توهموه من منع آلهتهم وحفظها لهم، أي: ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعًا لهم بالحياة الدنيا وإمهالاً، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وظنوا أنهم دائمون على ذلك، وهو أمل كاذب. أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أي: ألا ينظرون فيرون أنَّا نأتي أرض الكفرة فننقصها من أطرافها بإدخالها في أيدي المسلمين، فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا. وهو تمثيل وتصوير لما يخربه الله من ديارهم على أيدي المسلمين، ويضيفها إلى دار الإسلام. وفي التعبير بنأتي: إشارة إلى أن الله تعالى يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم كانت تأتيهم لغزوهم غالبة عليهم، ناقصة من أطراف أرضهم. أَفَهُمُ الْغالِبُونَ على رسول الله ﷺ والمؤمنين، أي: أفكفار مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أطراف أرضهم؟ أي: ليس كذلك، بل يغلبهم الرسول- ﵊ وأصحابه الكرام، وقد تحقق ذلك وأنجز الله وعده، والله غالب على أمره. الإشارة: قل من يكلؤ قلوبكم وأسراركم من الرحمن، أن يذهب بما أودع فيها من المعارف وأنوار الإحسان؟ فلا أحد يحفظها إلا من رحمها بما أودع فيها، ولهذا كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، لا يعتمدون على عمل ولا حال، ولا على علم ولا مقال، وفي الحكم: «إلهي، حكمك النافذ، ومشيئتك القاهرة، لم يتركا لذي حال حالاً، ولا لذي مقال مقالاً» . وقال أيضًا: «إلهي كم من طاعة بنيتُها وحالة شيدتُها، هدم اعتمادي عليها عدلك، بل أقالني منها فضلك» . وكثير من الناس غافلون عن هذا المعنى، بل هم عن ذكر ربهم مُعرِضون. قال الورتجبي: قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ ... ) الآية، أخبر عن كمال إحاطته بكل مخلوق، وتنزيهه عن العَجَلة بمؤاخذتهم، كأنه يقول: أنا بذاتي تعاليت، أدفع بلطفي القديم عنكم قهري القديم، ولولا فضلي السابق وعنايتي القديمة بالرحمة عليكم، من يدفعه بالعلة الحدثانية؟ وهذا من كمال لطفي عليكم، وأنتم بعد معرضون عني يا أهل الجفا، وذلك قوله: (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) . هـ بلفظه مع تصحيف في النسخة.

стр. 1683

وقوله تعالى: (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ ... ) الآية، تمتيع العبد بطول الحياة، إن كان ذلك في طاعة الله، وازدياد في معرفته، فهو من النعم العظيمة. وفي الحديث: «خَيرُكُم مَنْ طَالَ عُمرُه وَحَسُنَ عَمَلُهُ» «١» . لكن عند الصوفية: أنه لا ينبغي للمريد أن ينظر إلى ما مضى من عمره في طريق القوم، فقد كان بعض الشيوخ يقول: لا يكن أحدكم عبد الدهور وعبد العدد. قال الشيخ أبو العباس المرسى رضى الله عنه: معنى كلامه: أنه لا ينبغي للفقير أن يعد كم له في طريق القوم، ليقول: أنا لي كذا وكذا من السنين في طريق القوم. هـ بالمعنى. ولعل علة النهي لئلا يرى للأيام تأثيرًا في الفتح، فقد قالوا: هي لمن صدق لا لمن سبق. وقوله تعالى: (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) قال القشيري: فيه إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين، وتطاول العمر، فإن آخر الأمر «٢» كما قيل: آخِرُ الأمر ما تَرَى: ... القبرُ واللَّحدُ والثرى وكما قيل: طَوَى العَصْرانِ «٣» ما نَشَرَاهُ مني ... فأبلى جِدَّتِي نَشْرٌ وطيُّ أراني كلَّ يومٍ في انتقاصٍ ... ولا يبقى مع النقصان شيُّ «٤» وكأنه فسر الأرض بأرض النفوس من باب الإشارة. والله تعالى أعلم. ولما بيَّن الحق تعالى غاية هول ما يستعجله المستعجلون، ونهاية سوء حالهم، عند إتيانه، ونعى عليهم جهلهم بذلك، وإعراضهم عند ذكر ربهم، الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار، أمَرَ نبيه- ﵊ بأن يخبرهم أن ما ينذرهم به، مما يستعجلونه، إنما هو بالوحي، لا من عنده، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٥ الى ٤٧] قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)

стр. 1684

قلت: مَن قرأ: «يَسمع» بفتح الياء، فالصُّم: فاعل، والدعاء: مفعول، ومن قرأ بضم التاء، رباعي فالصم: مفعول أول، والدعاء: مفعول ثان. ومن قرأ: «مثقال» بضم اللام، فكان تامة، وبالنصب: خبر كان، أي: وإن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين. يقول الحق ﷻ : قُلْ لهم يا محمد: إِنَّما أُنْذِرُكُمْ وأخوفكم من العذاب الذي تستعجلونه، أو بالساعة الموعودة، بِالْوَحْيِ القرآني الصادق، الناطق بإتيانه، وفظاعة شأنه، أي: إنما شأني أن أُنذركم بالإخبار به، لا بإتيانه فإنه مخالف للحكمة الإلهية إذ الإيمان برهاني لا عياني، فإذا أَنذرتَهم فلا يسمع إنذارك إلا مَن سبقت له العناية، دون مَن سبق له الشقاء، ولذلك قال تعالى: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ أي: الإنذار، أو لا تُسمع أنت الصمَّ الدعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ يُخوَّفون، واللام فى الصُّمُّ للعهد، وهو إشارة إلى هؤلاء المنذرين، والأصل: ولا يسمعون إنذارك إذا يُنذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى تصاممهم وسد أسماعهم إذا أنذروا، وتسجيلاً عليهم بذلك. وفي التعبير بالدعاء، دون الكلام في الإنذار، إشارة إلى تناهي صممهم في حال الإنذار، فإن الدعاء من شأنه أن يكون بأصوات عالية مكررة مقارنة لهيئة دالة عليه، فإذا لم يسمعوا، مع هذه الحالة، يكون صممهم في غايةٍ لا غاية وراءها. وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ أي: دفعة يسيرة مِنْ عَذابِ رَبِّكَ أي: كائنة منه، لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ، وهذا بيان لسرعة تأثيرهم من مجيء نفس العذاب، إثر بيان عدم تأثرهم من مجرد الإخبار به، لانهماكهم في الغفلة، أي: والله لئن أصابهم أدنى شيء من هذا العذاب الذي يُنذرون به، لذلوا، ودَعوا بالويل على أنفسهم، وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصامموا وأعرضوا. وقد بُولغ في الكلام، حيث عبَّر بالمس والنفح لأن النفح يدل على القلة، فأصل النفح: هبوب رائحة الشيء، يُقال: نفحه بعطية، إذا أعطاه شيئًا يسيرًا، مع أن بناءها للمرة مؤكد لقلتها. ثم بيَّن ما يقع عند إتيان ما أنذروه، فقال: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ أي: نقيم الموازين العادلة التي تُوزن بها الأعمال، وهو جمع ميزان، وهو ما يوزن به الشيء ليُعرف كمِّيته. وعن الحسن: «هو ميزان له كفتان ولسان» ، وإنما جمع الموازين لتعظيم شأنها، والوزن لصحائف الأعمال في قول، وقيل: وضع الميزان كناية عن تحقيق العدل، والجزاء على حسب الأعمال. وإفراد القسط لأنه مصدر وصف به للمبالغة، كأنها في نفسها قسط، أو على حذف مضاف، أي: ذوات القسط. وقوله: لِيَوْمِ الْقِيامَةِ أي: لأهل يوم القيامة، أي: لأجلهم، أو في يوم القيامة، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً من الظلم، ولا تنقص حقًا من حقوقها، بل يُؤتى كل ذي حق حقه، إن خيراً فخير، وإن شرا فشر.

стр. 1685

وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أي: وإن كان الشيء أو العمل مثقال حبةٍ من خَرْدَلٍ، أَتَيْنا بِها: أحضرناها وجازينا عليها، وأنث ضمير المثقال لإضافته إلى حبة، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ، إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا، أو عالمين حافظين، لأن من حسب شيئًا علمه وحفظه، قاله ابن عباس- رضى الله عنهما. الإشارة: كان ﷺ يُنذر الناس ويذكّرهم بالوحي التنزيلي، وبقي خلفاؤه يذكرون بالوحي الإلهامي، موافقُا للتنزيلي، ولا يسمع وعظهم ويحضر مجالسهم إلا مَن سبقت له سابقة العناية، وأما من انتكبت عنه العناية تنكب مجالسهم، وتصامم عن وعظهم وتذكيرهم، ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون، ولا يندمون إلا حين تنزل بهم الأهوال، ولا ينفع الندم وقد جف القلم، وذلك حين تُوضع موازين الأعمال، فتثقل أعمال المخلصين، وتخف أعمال المخلّصين، ولا تُوضع الموازين إلا لأهل النفوس الموجودة، وأما من غاب عن نفسه في شهود محبوبه، لفنائه في شهوده، وانطوائه في وجوده، فلا ينصب له ميزان إذ لا يشهد لنفسه حسًا ولا فعلاً ولا تركًا، وإنما الفعل كله للواحد القهار. ويكون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، جعلنا الله من خواصهم بمنِّه وكرمه. آمين. ثم شرع في تفصيل ما أجمل في قوله: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ، إلى قوله: وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ «١» ، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٨ الى ٥٠] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ، هذه الأوصاف كلها للتوراة، فهي فرقان بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به، ويتوصل به إلى سبيل النجاة، وذِكْرًا، أي: شرفًا، أو وعظًا وتذكيرًا. وتوكيده بالقسم لإظهار كمال الاعتناء به، أي: والله لقد آتيناهما وحيًا ساطعًا وكتابًا جامعًا بين كونه فارقاً بين الحق والباطل، وضياء يُستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وذكرًا ينتفع به الناس، أو شرفًا لمن عمل به، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المستضيئُون بأنواره، المغتنمون لمغانم آثاره، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكام، ودخلت الواو في الصفات، كقوله تعالى: وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا «٢» ، وتقول: مررت بزيد الكريم والعالم والصالح.

стр. 1686

ثم وصف المتقين أو مدحهم بقوله: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، حال كونهم بِالْغَيْبِ أي: يخافون عذابه تعالى، وهو غائب عنهم غيرُ مشاهَدٍ لهم، ففيه تعريض بالكفرة، حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يُشاهدوا ما أنذروه. أو يخافون الله في الخلاء كما يخافونه بين الناس، أو يخافونه بمجرد الإيمان به غير مشاهدين له، وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ أي: خائفون معتنون بالتأهب لها. وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر، بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق للإيذان بكونها أعظم المخلوقات، وللتنصيص على الاتصاف بضد ما اتصف به الكفرة الغافلون عنها، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه لهم. وَهذا أي: القرآن الكريم، أشير إليه بهذا إيذانًا بغاية وضوح أمره، ذِكْرٌ يتذكر به من تذكر، وصفه ببعض أوصاف التوراة لموافقته له في الإنزال، ولما مرّ في صدر السورة من قوله: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ... «١» الخ، مُبارَكٌ كثير الخير، غزير النفع، يتبرك به على الدوام. قال القشيري: وصْفُه بالبركة هو إخبارٌ عن ثباته، من قولهم: بَرَكَ البعيرُ، وبَرَكَ الطائرُ على الماءِ، أي: داومَ. وهذا الكتاب دائم، لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه، وهو دال على كلامه القديم، فلا انتهاء له، كما لا ابتداء له ولا انتهاء لكلامه. هـ. أَنْزَلْناهُ على محمد ﷺ ، وهو صفة ثانية للكتاب أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ استفهام توبيخي، أي: جاحدون أنه مُنزَّل من عند الله، والمعنى: أبَعْدَ أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة، في الإنزال والإيحاء، أنتم منكرون لكونه منزلاً من عندنا فإن ذلك، بعد ملاحظة التوراة، مما لا مساغ له أصلاً. وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما وصف به التوراة وصف به كتابنا العزيز، قال تعالى تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ «٢» وقال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً «٣» ، وقال هنا: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ، فزاده البركة لعموم خيره ودوام نفعه، وخصوصًا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب: قال القشيري: والخشية بالغيب: إطراقُ السريرة في أول الحضور، باستشعار الوَجَلِ من جريان سوء الأدب، والحذَرُ من أنْ يبدوَ من الغيبِ بَغَتَات التقدير، مما يوجِبُ حجبة العبد. هـ. ثم ذكر بقية المشاهير من الرسل، وبدأ بإبراهيم لموافقة شريعتنا له، ولكونه أصل الجلّ منهم، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥١ الى ٥٦] وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)

стр. 1687

قلت: «إذ قال» : ظرف لآتينا، أو لرُشْدَه. يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من كُبراء الرسل، وهو الاهتداء الكامل، المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة النبوة والوحي الإلهي، مِنْ قَبْلُ أي: من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم ذكرهما، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل: من قبل إنزال القرآن، أو من قبل استنبائه، أو من قبل بلوغه، وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ أي: بأنه أهل لما آتيناه، أو عالمين برُشده، وما خصصناه به من الهداية الخاصة. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ أي: آتيناه ذلك حين قال لأبيه، أو اذكر وقت قوله لهم: ما هذِهِ التَّماثِيلُ أي: الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان، وفيه تجاهل بهم تحقيرًا لها، مع علمه بتعظيمهم لها توبيخًا لهم على إجلالها مع كونها خشبًا وأحجارًا لا تضر ولا تنفع، الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ أي: لأجل عبادتها مقيمون، فلما عجزوا عن الدليل قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ فقلدناهم، فأبطله ﵇، على طريقة التوكيد بالقسم، فقال: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ الذين سنُّوا لكم هذه السُّنَّة الباطلة، فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: ظاهر بيِّن، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء، أي: والله لقد كنتم مستقرين في ضلال عظيم ظاهر لعدم استناده إلى دليل، فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحَقِّية في الجملة، لا فيما اتضح بطلانه، سيما في أمر التوحيد. قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أي: بالجد، أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، فتقول ما تقول على الملاعبة والمزاح. والمعنى: أجادٌ أنتَ، أم لاعب فيما تقول؟ قالوا ذلك استعظامًا منهم لإنكاره، واستبعادًا لكون ما هم عليه ضلال، وتعجيبًا من تضليله إياهم. ثم أضرب عنهم مخبرًا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، بإقامة البرهان على بطلان ما ادعوه فقال: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ، لا التماثيل التي صورتم. وقيل: هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم من اعتقاد كونها أربابًا لهم، كما يُفصح عنه قولهم: نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ «١» ، كأنه قال: ليس الأمر كذلك، بل ربكم رب السموات والأرض الذي خلقهن وأنشأهن، فالضمير للسماوات والأرض، وصفَه تعالى بإيجادهن، إثر وصفه تعالى بربوبيته لهن تحقيقاً للحق، وتنبيهاً على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من

стр. 1688

الربوبية، أي: أنشأهن بما فيهن من المخلوقات، التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه، من غير مثالٍ يُحتَذِيه، ولا قانون ينتحيه. وقيل: الضمير للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم، وأظهر في إلزام الحجة عليهم لِمَا فيه من التصريح المُغني عن التأمل في كون ما يعبدونه من المخلوقات، والأول أقرب. ثم قال ﵇: وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ الذي ذكرتُ: من كون ربكم رَبَّ السماوات والأرض، دون ما عداه، كائناً ما كان، مِنَ الشَّاهِدِينَ أي: العالمين به على سبيل الحقيقة، المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء: مَنْ تحققه وبرهن عليه، كأنه قال: وأنا أعلم ذلك، وأتحققه، وأُبرهن عليه، والله تعالى أعلم. الإشارة: زخارف الدنيا وبهجتها، من تشييد بناء، وتزويق سقف وحيطان، وإنشاء غروس وبساتين، وجمع أموال، وتربية جاه، كلها تماثيل لا حقيقة لها، فانية لا دوام لها. فمن عكف عليها، وأولع بخدمتها وجمعها وتحصيلها، كان عابدًا لها، فينبغي لذي الرشد والعقل الوافر، الذي تحرر منها، أن يُنكر عليهم، ويقول لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فإن قالوا: وجدنا أباءنا يفعلون هذا، وعلماءنا مثلنا، فليقل لهم: لقد كنتم وآباؤكم وعلماؤكم في ضلال مبين، عما كان عليه الأنبياء والأولياء والسلف الصالح. فإن قالوا: أجادٌّ أنت أم لا؟ فليقل: بل ربكم الذي ينبغي أن يُفرد بالمحبة والخدمة، هو ربُّ السماوات والأرض، لا ما أنتم عليه من محبة الدنيا وبهجتها، وأنا على ذلكم من الشاهدين. ثم ذكر كسره للأصنام، وما ترتب عليه، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٧ الى ٦٧] وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قلت: (مَنْ فَعَلَ) : استفهام، وقيل: موصولة، و (إِنَّهُ) : خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و (يَذْكُرُهُمْ) : إما مفعول ثان لسمع لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و (يُقالُ) : صفة أخرى لفتى. و «إبراهيم» : نائب فاعل يُقال.

стр. 1689

يقول الحق ﷻ حاكيا عن خليله ﵇: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ أي: لأمكرنّ بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرًا، ولم يسمعه إلا رجلٌ فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمعٌ وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجتَ معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أَشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم- وقد بقي ضعفاء الناس-: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاماً كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ؟ استهزاءً بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَراغَ مال عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ «١» . فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً أي: قطعًا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخِفاف، والضم كحطيم وحُطام. رُوي أنها كانت سبعين صنمًا مصطفة. وثَمَّ صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يُبق إلا الكبير، علّق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ أي: للأصنام لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ أي: إلى إبراهيم ﵇ يَرْجِعُونَ فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر لأن من شأن الكبير أن يُرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صُنِع بآلهتهم، قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا، على طريق الإنكار والتوبيخ، إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي: لشديد الظلم لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لَمِنَ الظالمين حيث عَرَّض نفسه للهلكة، قالُوا أي: بعضٌ منهم، وهو من سمع مقالته: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ أي: يقال له هذا الاسم. قالُوا أي: السائلون: فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصبَ أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ عليه بما سُمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يَحضرون عقوبتنا له. فلما أحضروه قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟ واختصر إحضاره للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان قالَ إبراهيم ﵇: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، غار أن

стр. 1690

يُعبدوا معه، مشيرًا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على (بَلْ فَعَلَهُ) أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يُخبركم فسلوه ... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و «هذا» : بدل، أو وصف، ونسبَ الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي تبكيتًا لهم، وإلزامًا للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح عَلِموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابًا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أُميّ، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أُميّ لا يُحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أَذِنَ الله تعالى له في ذلك كما أَذِنَ ليوسف حين نادى على إخوته: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ «١» ، ولم يكونوا سارقين لِمَا في ذلك من المصلحة لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا، عَلِمُوا أن كبيرهم لم يفعل شيئًا، وأنه عاجز عن النطق، فضلاً عن الفعل، فلا يجوز أن يُعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. هـ. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يُعظَّم أكثر منها، ويُعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد إذ لو كان كذلك لكسره أولاً، فتحصل أنه ﵇ إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبًا. فإن قلت: قد ورد في الحديث إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات «٢» ؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولاً ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: فَسْئَلُوهُمْ عن حالهم، إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أنَّ ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودًا؟ فَقالُوا أي: قال بعضهم لبعض: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لأنَّ من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها لا من ظلمتموه بقولكم: (إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) . أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ، وردّوا إلى أسفل سافلين، أُجري الحقُّ على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعد ما استقاموا بالمراجعة، شَبَّه عودهم

стр. 1691

إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: لَقَدْ عَلِمْتَ يا إبراهيم ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ، فكيف تأمرنا بسؤالها؟. قالَ مبكتًا لهم وتوبيخًا: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً من النفع، وَلا يَضُرُّكُمْ إن لم تعبدوه، فإنَّ العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يُوجب اجتناب عبادته، أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أُفّ: اسم صوت تدل على التضجر، تَضجر ﵇ من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفَّف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصناكم هذا التأفف، أَفَلا تَعْقِلُونَ أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلهًا. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميًا حنيفيًا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقًا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوت السموات والأرض، ويكون من الموقنين. وأمُّ الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل: وُجودُكَ ذَنْبٌ لا يقاس به ذنب فإن غبتَ عنه، وكسرته، غابت عنك جميعُ العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضى الله عنه بقوله: بَدَا لَكَ سِرٌّ طَالَ عَنْكَ اكْتتَامُهُ ... وَلاَحَ صَبَاحُ كُنْتَ أنْتَ ظَلاَمُهُ فَأنْتَ حِجَابُ القَلْبِ عَنْ سِرِّ غَيبهِ ... وَلَوْلاَكَ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ خِتَامُهُ فَإنْ غِبْتَ عَنْهُ حَلَّ فِيهِ، وَطَنَّبَتْ ... عَلَى مَوْكبِ الكَشْفِ المصُونِ خِيَامُهُ وَجَاء حَدِيثٌ لا يُمَلُّ سَمَاعُهُ ... شَهِيٌّ إليْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ إذَا سَمِعَتْهُ النَّفْسُ طَابَ نَعِيمُهَا ... وَزَالَ عَنِ القَلْبِ المُعَنَّى غَرامُهُ فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإنَّ هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم.

стр. 1692

ثم ذكر قصة تحريقه وإنجائه، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٦٨ الى ٧٠] قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) يقول الحق ﷻ : قالُوا حَرِّقُوهُ أي: قال بعضهم لبعض، لَمَّا عجزوا عن المحاججة، وضاقت عليهم الحيل، وعييت بهم العلل، وهذا دَيْدنُ المبطل المحجوج، إذا قُرعَت شبهه بالحجة القاطعة وافتضح، لم يبق له حينئذ إلا المناصبة والمعاداة، فناصبوا إبراهيم ﵇، وقالوا حرِّقوه بالنار لأنه أشد العقوبات، وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ بالانتقام لها إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ للنصر، أي: إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرًا مؤزرًا، فاختاروا له أهول المعاقبات، وهو الإحراق، وإلاَّ فقد فرطتم في نصرتها، والذي أشار بالإحراق نمرود، أو رجل من أكراد فارس، اسمه «هيزن» ، وقيل: «هدير» ، خسفت به الأرض، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة «١» . رُوِيَ أنهم، لما أجمعوا على حرقه ﵇، بنوا له حظيرة بكُوثَى- قرية من قرى الأنباط بالعراق- فجمعوا صلاب الحطب من أصناف الخشب، مدة أربعين يومًا، وقيل: شهرًا، حتى إن المرأة تنذر: لَئِنْ أصابت حاجتها لتَحِطَبنَّ في نار إبراهيم. ثم أوقدوا نارًا عظيمة، لا يكاد يحومُ حولها أحد، حتى إن كانت الطير لتمرُ بها، وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها، ولم يقدر أحد أن يقربها، فلم يعلموا كيف يُلقونه ﵇ فيها، فأتى إبليس وعلمهم علمَ المنجنيق، فعملوه. وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد، فخسف الله تعالى به في الأرض مثل الآخر، ثم عمدوا إلى إبراهيم ﵇، فوضعوه فيه مغلولاً مقيدًا مجردًا، فصاحت السماءُ والأرضُ ومن فيها من الملائكة: يا ربنا، إبراهيم، ليس في الأرض أحد يعبدك غيرُه، يُحرق فيك، فَأذَنْ لنا في نصرته، فقال لهم: إن استغاث بواحد منكم فأغيثوه، فرموا به فيها من مكان شاسع، فقال له جبريل ﵇، وهو في الهواء: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي «٢» ، فرفع همته عن الخلق، واكتفى بالواحد الحق، فجعل الله الخطيرةَ روضة. وهذا معنى قوله: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ أي: كوني ذات برد وسلام، أي: ابردي بردًا غير ضار.

стр. 1693

قال ابن عباس: لو لم يقل «وسلامًا» لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت، ظنت أن الخطاب توجه لها، فما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولم تبق دابة إلا أتت تطفئ عنه النار، إلا الوزغ «١» . فلذلك أمر نبينا ﷺ . بقتلها «٢» ، وسماها فويسقا «٣» . قال السدي: فأخذت الملائكة بضَبْعَي إبراهيم وأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه «٤» . ورُوي أنه ﵇ مكث فيها سبعة أيام، وقيل: أربعين، وقيل: خمسين، والأول أقرب. قال إبراهيم ﵇: ما كنتُ أيامًا قط أنعم مني من الأيام التي كنتُ فيها. قال ابن بسار: وبعث الله تعالى ملك الظل فقعد إلى جنبه يُؤنسه، قالوا: وبعث الله بقميص من حرير الجنة. قلت: وقد تقدم ذكره في سورة يوسف «٥» . وأتاه جبريل فقال: إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. فنظر نمرود من صرحه، فأشرف عليه، فرآه جالسًا في روضة مونقة، ومعه جليسٌ على أحسن ما يكون من الهيئة، والنار محيطة به، فنادى: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: فاخرج، فقام يمشي فخرج منها، فاستقبله نمرود وعظَّمه. وقال: من الرجل الذي رأيتُه معك؟ قال ذلك ملك الظل، أرسله ربي ليؤنسني، فقال: إني مُقرب إلى إلهك قربَانًا لِمَا رأيته من قدرته وعزته فيما صنع بك. فقال ﵇: لا يقبل الله منك ما دُمتَ على دينك هذا، حتى تفارقه إلى ديني، قال: لا استطيع ترك ملكي، ولكن سأذبح له أربعة آلاف بقرة، فذبحها، وكف عن إبراهيم «٦» ﵇. قال شعيب الجبائي: أُلقِي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق «٧» وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة، ولمّا علمت ما أراد من ذبحه بقيت يومين وماتت في الثالث «٨» .. هـ. وهذا كما ترى من أكبر المعجزات، فإنَّ انقلاب النار هواء طيبًا، وإن لم يكن بدعًا من قدرة الله، لكنه من أكبر الخوارق، واختلف في كيفية برودتها فقيل: إن الله تعالى أزال ما فيها من الحر والإحراق، وقيل: دفع الله عن جسم إبراهيم حرها وإحراقها مع تَرْكِ ذلك فيها، واللهُ على كل شيءٍ قدير.

стр. 1694

قال تعالى: وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً مكرًا عظيمًا في الإضرار، فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ أي: أخسر من كل خاسر، حيث جاء سعيهم في إطفاء نور الحق برهانًا قاطعًا على أنه ﵇ على الحق، وهم على الباطل، وموجبًا لارتفاع درجته واستحقاقهم للهلاك، فأرسل الله على نمرود وقومه البعوض، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت بعوضة في دماغ نمرود فأهلكته بعد المحنة الشديدة، وبالله التوفيق. الإشارة: أجرى الله تعالى عادته في المتوجه الصادق، إذا أراد الوصول إلى حضرته، أن يبْتَليه قبل أن يُمكنه، ويمتحنه قبل أن يُصافيه لأنَّ محبته تعالى مقرونة بالبلاء، والداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور. فإذا رُمِيَ الولي في منجنيق الابتلاء، وألقي في نار الجلال، وتعرضت له الأكوان: ألك حاجة؟ فيقول- إن كان مؤيَدًا-: أمَّا إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، فإذا قيل له: سله، فيقول: علمه بحالي يغني عن سؤالي. فلا جرم أن الله تعالى يقول لنار الجلال: كوني بردًا وسلامًا على وليي، فينقلب حرها بردًا وسلامًا، فلا يرى أيامًا أحلى من تلك الأيام التي ابتُلي فيها. وهذا أمر مجرب مَذُوق، وأما إن التفت إلى التعلق بغير الله تعالى، فإنَّ البلاء يُشدد عليه، أو يخرج من دائرة الولاية، والعياذ بالله. فالولي هو الذي يقلب الأعيان بهمته، وبالنور الذي في قلبه، حسية كانت أو معنوية، فيقلب الخوف أمنًا، والحزن سرورًا، والقبض بسطًا، والفاقة غنًى، وهكذا.. فحينئذ تنفعل له الأشياء وتطيعه، وتخرق له العوائد، حتى لو ألقي في النار الحسية لبردت. قال الورتجبي: كان الخليل منُورًا بنور الله، وكان فعل النار من فعل الله، فغلب نور الصفة على نور الفعل، ولو بقيت النار حتى وصل إليها الخليل لصارت مضمحلة، فعلم الحق ذلك، فقال لها: (كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) حتى تبقى لظهور معجزته وبيان كرامته. هـ. ومصداق ما ذكره: قول النار يوم للقيامة للمؤمن: جُز فقد أطفأ نورك لهبي «١» ، كما ورد. والله أعلم. ثم ذكر هجرة إبراهيم إلى الشام، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧١ الى ٧٢] وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) قلت: «إلى الأرض» : يتعلق بحال محذوفة، ينساق إليها الكلام، أي: ذاهبًا بهما إلى الأرض. يقول الحق ﷻ : وَنَجَّيْناهُ أي: إبراهيم وَلُوطاً ابن أخيه هاران، ذاهبًا بهما من العراق إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ، وهي أرض الشام. وبركاته العامة: أنَّ أكثر الأنبياء بُعثوا فيها، فانتشرت في العالمين شرائعهم، التي هي مبادئ الخيرات الدينية والدنيوية، وهي أرض المحشر، فيها يجمع الناس،

стр. 1695

وفيها ينزل عيسى ﵇، وقال أُبي بن كعب: ما من ماء عذب إلاَّ وأصله من تحت صخرة بيت المقدس، وهي أرض خِصب، يعيش فيها الفقير والغني. قال ابن إسحاق: خرج إبراهيم من كُوثى من أرض العراق، وخرج معه لوط وسارة، فنزل حَرّان، ثم خرج منها إلى مصر، ثم خرج منها إلى الشام، فنزل السَّبُعَ من أرض فلسطين بزوجه سارة، بنت عمه هاران الأكبر، ونزل لوط ﵇ بالمؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة، وكلاهما من الشام. وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً أي: وهبنا له إسحاق ولدًا من صلبه، وزاد يعقوب، ولد ولده، نافلة لأنه سأل ولدًا بقوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ «١» فأُعطيه، وأُعطى يعقوب نافلة، زائدًا على ما سأل لأنه أعطى من غير سؤال، فكأنه تبرعًا. قال ابن جزي: واختار بعضهم- على هذا- الوقف على «إسحاق» لبيان المعنى، وهذا ضعيف لأنه معطوفٌ على كل قول. هـ. وقيل: (نافِلَةً) يرجع لهما معًا، أي: أعطيناه ولدًا وولد ولد، عطيةً، فيكون حالاً منهما معًا، قيل: هو مصدر، كالعاقبة من غير لفظ الفعل، الذي هو (وَهَبْنا) وقيل: اسم، وَكُلًّا أي: كل واحد من هؤلاء الأربعة، جَعَلْنا صالِحِينَ بأن وفقناهم لصلاح الظاهر والباطن، حتى استحقوا الخصوصية. والله تعالى أعلم. الإشارة: الهجرة سُنَّة من سُنن الأنبياء والأولياء، فكل من لم يجد في بلده من يعينُه على دينه، يجب عليه الانتقال إلى بلدٍ يجد فيها ذلك. وكذلك المريد إذا لم يجد قلبه في محل لكثرة عوائده وشواغله، بحيث يشوش عليه قلبه، فلينتقل إلى بلد تقل فيها العلائق والشواغل، إن وجد فيها من يحرك معهم فنَّه، كان بادية أو حاضرة. والغالب أن الحاضرة تكثر فيها العوائد والحظوظ والشهوات، فلا يدخلها المريد حتى يتقوى ويملك نفسه، يأخذ النصيب من كل شيء، ولا ينقص من نصيبه شيء، وقد تقدّم هذا مراراً. وبالله التوفيق. ثم مدحهم بالإمامة والاهتداء، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٧٣] وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) يقول الحق ﷻ : وَجَعَلْناهُمْ أي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أَئِمَّةً يُقتدى بهم في أمور الدين إجابة لدعوته بقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي «٢» أي: فاجعل أئمة، يَهْدُونَ الخلق إلى الحق، بِأَمْرِنا

стр. 1696

لهم بذلك، وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين، أو يهدون الخلق بإرادتنا ومشيئتنا. وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وهي جميع الأعمال الصالحة، أي: أمرناهم أن يفعلوا جميع الخيرات، ليتم كمالهم بانضمام العمل الصالح إلى العلم، وأصله: أن يفعلوا الخيرات، ثم فعلَ الخيرات، وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ، وهو من عطف الخاص على العام دلالة على فضله وشرفه، وأصله: وإقامة الصلاة، فحذفت التاء المعوضة من إحدى الألفين لقيام المضاف إليه مقامها. وَكانُوا لَنا عابِدِينَ: قانتين مُطيعين، لا يخطر ببالهم غير عبادتنا ومشاهدتنا. وأنتم يا معشر العرب والعجم من ذريتهم، فاتبعوهم في ذلك. وبالله التوفيق. الإشارة: إنما يعظم جاه العبد عند الله بثلاثة أمور: انحياشه بقلبه إلى الله، ومسارعته إلى ما فيه رضا الله، وإرشاد العباد إلى الله، بدعائهم إلى الله بالحال والمقال، فبقدر ما يقع من هداية الخلق على يديه يعلو مقامه عند الله، إن حصلت المعرفة بالله، وبهذا تعرف شرف مرتبة مشيخة الصوفية، الدالين على الله، الداعين إلى حضرة الله، إن تكلموا وقع كلامهم في قلوب الخلق، فيرجعون إلى الله من ساعتهم، مجالسهم كلها وعظ وتذكير، حالهم يُنهض إلى الله، ومقالهم يدل على الله، ففي ساعة واحدة يتوب على يديهم من الخلق ما لا يتوب على يد العالم في سنين وذلك لإنهاض الحال والمقال، فلا جَرَمَ أنهم أعز الخلق إلى الله، وأعظمهم قدرًا عند الله. قال السهروردي في العوارف: ورد في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفسُ محمدٍ بيده لئن شئتُم لأُقسِمَنَّ لكم، إنَّ أحبَّ عباد الله إلى الله الذين يُحَبَّبُون اللهُ إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى اللهِ، ويمشُون في الأرض بالنصيحة» . وهذا الذي ذكر رسول الله ﷺ هو رتبة المشيخة والدعوة فإن الشيخ يُحبب الله إلى عباده حقيقة، ويحبب عباد الله إلى الله. فأما كونه يُحبب عباد الله إلى الله لأن الشيخ يسلك بالمريد طريق الاقتداء برسول الله ﷺ في أفعاله وأخلاقه. ومن صح اقتداؤه واتباعه أحبه الله، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «١» ، ووجه كونه يُحبب الله إلى عباده لأنه يسلك بالمريد طريق التزكية، وإذا تزكت النفس انجلت مرآة القلب، ودخل فيها نور العظمة الإلهية، ولاح فيها جمال التوحيد، وذلك ميراث التزكية، قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها «٢» ، وفلاحها: الظفر بمعرفة الله، فإذا عرفه، قطعًا، أحبه وفنى فيه. فرتبة المشيخة من أعلى الرتب لأنها خلافة النبوة في الدعوة إلى الله.

стр. 1697

ثم قال: فعلى المشايخ وقار الله، وبهم يتأدب المريد ظاهرًا وباطنًا، قال الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «١» ، فالمشايخ، لَمَّا اهتَدْوا، أُهِّلُوا للاقتداء بهم، وجُعِلوا أئمة للمتقين، قال رسول الله ﷺ ، حاكيًا عن الله : «إذا كان الغالبَ على عبدي الاشتغالُ بي، جعلتُ همته ولذته في ذكري، فإذا جعلتُ همته ولذَّته في ذكري، أحبني وأحببته، ورفعتُ الحجابُ فيما بيني وبينه، لا يسهو إذا سَهَا الناسُ، أولئك كَلاَمُهُم كلام الأنبياءِ، أولئك الأبطالُ حقًا، أولئك الذين إذا أردتُ بأهلِ الأرضِ عقوبةً أو عذابًا، ذكرتُهم فصرفتُه بهم عنهم» «٢» . انتهى كلامه رضى الله عنه. ومن كلام ذي النون المصري- لمّا تكلم على الأبدال- قال: فهممهم إليه ثائرة، وأعينهم إليه بالغيب ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من رؤيته، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته، ثم قال لهم: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فانصروه، أو آمن مني فحذروه، أو راغب في مواصلتي فمنوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيس من فضلي فرجوه، أو راج لإحساني فبشروه، أو حسن الظن بي فباسطوه، أو مُعظَّم لقدري فعظموه، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه، أو مسترشد فأرشدوه. هـ. وهذه صفة مشايخ التربية على ما شهدناهم، وما شهدنا إلا بما علمنا. وبالله التوفيق. ثم ذكر نبيه لوطا ونوحا- ﵉ فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٤ الى ٧٧] وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) قلت: «ولوطًا» : إما مفعول بمحذوف يُفسره قوله: «آتيناه» أي: وآتينا لوطًا، أو: باذكر. و «نوحًا» : مفعول باذكر. يقول الحق ﷻ : وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً أي: حكمة، أو نبوة أو فصْلاً بين الخصوم بالحق، وَعِلْماً بِنَا وبما ينبغي علمه للأنبياء- ﵈ من علم السياسة، وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ اللواطة، وقذف المارة بالحصى، وغيرها، وصفت بصفة أهلها، وأسندت إليها على حذف

стр. 1698

مضاف، أي: من أهل القرية، بدليل قوله: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ: خارجين عن طاعة الله ورسوله. وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا أي: في أهل رحمتنا، أو جنتنا، إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، فنجيناه جزاء على صلاحه، كما أهلكنا قريته عقابا على فسادهم. وَاذكر نُوحاً، وقدّم هؤلاء عليه لتعلقهم بإبراهيم، أي: خبره، إِذْ نادى أي: دعا الله تعالى على قومه بالهلاك، أي: اذكر نبأه الواقع وقت دعائه، مِنْ قَبْلُ هؤلاء المذكورين، فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه الذي من جملته قوله: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ «١» ، فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ المؤمنين به، من ولده وقومه، مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وهو الطوفان وتكذيب أهل الطغيان. وأصل الكرب: الغم الشديد، وَنَصَرْناهُ نصرًا مستتبعًا للانتقام، مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي: منعناه من إذايتهم، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ، تعليل لما قبله، فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم لأن الإصرار على تكذيب الحق، والانهماك في الشر والفساد، مما يُوجب الإهلاك العام. والله تعالى أعلم. الإشارة: نبي الله لوط ﵇ لمَّا هاجر من أرض الظلمة إلى الأرض المقدسة، أعطاه الله العلم والحكمة. فكل من هاجر من وطن الغفلة إلى محل الذكر واليقظة، وهجر ما نهى الله عنه عوَّضه الله علمًا بلا تعلم، وأجرى على لسانه ينابيع الحكمة. قال أبو سليمان الداراني رضى الله عنه: إذا اعتقدت النفس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالمٌ علمًا. ومصداقه الحديث: «من عمل بما يعلم، ورثه الله عَلْمَ ما لم يعلم» . ولمَّا أجهد نفسه في تغيير المنكر نجّاه الله من أذاهم وما لحق بهم، وكذلك نبيه نوح ﵇ لما دعا قومه إلى الله، وأجهد نفسه في نصحهم، نجاه الله من شرهم، وجعل النسل من ذريته، فكان آدم الأصغر. وهذه عادة الله تعالى في خواصه، يُكثر فروعهم، ويجعل البركة في تركتهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر داود وسليمان- ﵉ فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٨ الى ٨٢] وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)

стр. 1699

قلت: (وَداوُدَ) : عطف على (نُوحاً) ، أو معمول لاذكر، و (إِذْ يَحْكُمانِ) : ظرف للمضاف المقدر، أي: اذكر خبرهما، و (إِذْ نَفَشَتْ) : ظرف للحكم. (فَفَهَّمْناها) : عطف على (يَحْكُمانِ) فإنه في حكم الماضي. يقول الحق ﷻ : وَاذكر خبر داوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ أي: وقت حكمهما فِي الْحَرْثِ أي: في الزرع، أو في الكرم المتدلي عناقيده، والحرث يطلق عليهما، إِذْ نَفَشَتْ: دخلت فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ فأفسدته ليلاً، فالنفش: الرعي بالليل، والهمَلُ بالنهار، وهما الرعي بلا راع. وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ أي: لهما وللمتحاكمين إليهما، أو على أنَّ أقل الجمع اثنان، شاهِدِينَ، كان ذلك بعلمنا ومرأى منا، لم يغب عنا شيء منه، فَفَهَّمْناها أي: الحكومة، أو الفتوى، سُلَيْمانَ، وفيه دليل على أنَّ الصواب كان مع سليمان. وقصتهما على ما قال ابن عباس وغيره: أن رجلين دخلا على داود ﵇، أحدهما: صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إنَّ هذا نفشت غنمه ليلاً، فوقعت في حرثي، فلم تُبق منه شيئًا، فقال له داود: اذهب فإن الغنم لك، ولعله استوت قيمتاهما- أي: قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث- فخرج الرجلان على سليمان، وهو بالباب، وكان ابن إحدى عشرة سنة، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه، فقال: يا نبيَّ اللهِ لو حكمت بغير هذا لكان أرفق بالفريقين، قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحبُ الغنم الأرضَ ليُصلحها، حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنمَ ينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا كمل الزرع، رُدت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال داود: وُفقت يا بُني، وقضى بينهما بذلك. والذي يظهر: أن حكمهما- ﵇ كان باجتهاد، ففيه دليل على أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل فيه وحي، فإنَّ قول سليمان ﵇: «هَذَا أرفق» ، وقوله: «أرى أن تدفع..» الخ، صريح في أنه ليس بطريق الوحي، وإلا لبت القول بذلك، ولعله وجه حكم داود ﵇ قياس ذلك على جناية العبد، فإنَّ العبد فيما جنى. وإذا قلنا: كان بوحي، يكون حكم سليمان ناسخًا لحكم داود ﵇.

стр. 1700

وأما حُكْم إفساد المواشي للزرع في شرعنا: فقال مالك والشافعي: يضمن أربابُ المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك «١» ، على تفصيل في مذهب مالك فيما أفسدت بالنهار. وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار لقوله ﵊: - «العَجْماءُ جُرْحُها جُبَار» «٢» ، ما لم يكن معها سائق أو قائد، فيضمن عنده. قال تعالى: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً أي: كل واحد منهما آتيناه حكمًا، أي: نبوة، وعلمًا: معرفة بمواجب الحكم، لا سليمان وحده. وفيه دليل على أنَّ خطأ المجتهد لا يقدح في علمه ولا يرفع عنه صفة الاجتهاد. ثم بيَّن ما اختص به كل واحد منهما من المعجزات، فقال: وَسَخَّرْنا أي: ذللنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ، حال كونها يُسَبِّحْنَ أي: مسبحات ينزهْنَ الله تعالى بلسان المقال، كما سبّح الحصا في كف نبينا ﵊. وَسخرنا له الطَّيْرَ كانت تسبح معه. وقدَّم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد. قال الكواشي: كان داود إذا سبّح سبّح معه الجبالُ والطير، وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر، وكان إذا فتَر من التسبيح، يُسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. ورُوي أنه كان إذا سار سارت الجبال معه مسبحة، قال قتادة: «يُسبحن» ، أي: يصلين معه إذا صلى، وهذا غير ممتنع في قدرة الله تعالى. وفي الأثر: «كان داود يمرُّ، وصِفَاح الروحاءُ تجاوبه، والطير تساعده» . وَكُنَّا فاعِلِينَ بالأنبياء أمثال هذا وأكثر، فليس ذلك ببدع منا ولا صعب على قدرتنا. وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ أي: صنعة الدروع. واللبوس لغة في اللباس، والمراد: الدرع، لَكُمْ أي: نافع لكم، لِتُحْصِنَكُمْ «٣» أي: اللبوس، أو داود. وقرئ بالتأنيث، أي: الصنعة، أو اللبوس بتأويل الدرع. وقرئ بنون العظمة، أي: الله تعالى، وهو بدل اشتمال من «لكم» . وقوله: مِنْ بَأْسِكُمْ أي: من حرب عدوكم، أو من وقع السلاح فيكم، فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ الله على ذلك؟ وهو استفهام بمعنى الأمر للمبالغة والتقريع. ثم ذكر ما اختص به سليمان ﵇ فقال: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ أي: وسخرنا له الريح. وإيراد اللام هنا، دون الأولى للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت، فإن تسخير ما سخر لسليمان ﵇ كان بطريق الانقياد الكلي والامتثال لأمره ونهيه، بخلاف تسخير الجبال، لم يكن بهذه المثابة، بل بطريق التبعية والاقتداء. حال كون الريح

стр. 1701

عاصِفَةً شديدة الهبوب، من حيث إنها كانت تقطع مسافة بعيدة في مدة يسيرة، وكانت رُخاء في نفسها، طيبة، وقيل: كانت رُخاء تارة، وعاصفة أخرى، على حسب ما أراد منها. أو رُخاء في ذهابه وعاصفة في رجوعه لأن عادة المسافرين: الإسراع في الرجوع، أو عاصفة إذا رفعت البساط ورخاء إذا جرت به. تَجْرِي بِأَمْرِهِ بمشيئة سليمان، إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها بكثرة الأنهار والأشجار والثمار، وهي الشام. وكان منزله بها، وتحمله إلى نواحيها. قال وهب: كان سليمان إذا خرج من منزله عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان غزّاءً لا يقصر عن الغزو، فإذا أراد غزوًا أمر فضرب له بخشب، ثم يُنصب له على الخشب، ثم حَمَلَ عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف فدخلت تحت الخشب فاحتملته، فإذا استقلت، أمر الرخاء فمرت به شهرًا في روحته وشهرًا في غدوته، إلى حيث أراد. هـ. وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ أي: أحاط علمنا بكل شيء، فنُجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا. وَمِنَ الشَّياطِينِ، قيل: لمَّا ذكر تسخير الريح- وهي شفافة لا تعقل- ذكر ما هو شفاف يعقل، وهم الشياطين، مع سرعة الحركة في الكل، أي: وسخرنا له من الشياطين مَنْ يَغُوصُونَ في البحار، ويستخرجون لَهُ من نفائسه، كالدر والياقوت، وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ أي: غير ما ذكر من بناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات، وقيل: الحمام، والنورة، والطاحون، والقوارير، والصابون، مما استخرجوه له، وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ أن يزيغوا عن أمره، أو يُبدلوا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه، على ما هو مقتضى جبلتهم. وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يُفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يُفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. وقيل: وكَّل بهم جمعًا من الملائكة، وجمعًا من مؤمني الجن. رُوي أن المُسَخَّر له ﵇: كفارهم، لا مؤمنهم لقوله تعالى: (وَمِنَ الشَّياطِينِ) . والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ) ، قال الورتجبي: بيَّن، سبحانه، أن الفضل متعلق بفضله، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخة والاكتساب والتعلم، إنما الفهم تعريف الله أحكام ربوبيته بنور هدايته، وإبراز لطائف علومه الغيبية، فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم من العلوم، فهو سبحانه منَّ على سليمان بعلمه، ولم يمنّ عليه بشيء خارج عن نفسه من الملك، والحدثان أفضل من العلم فإنَّ العلم صفة من صفاته تعالى، فلمَّا جعله متصفًا بصفاته منَّ عليه بجلال كبريائه. هـ. وقال في قوله: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً: حُكمًا معرفة بالربوبية، وعلمًا بالعبودية. هـ.

стр. 1702

وقوله تعالى: (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ....) الخ. (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ... ) الآية، لمّا كانا- ﵉ مع المُكَوِّنِ كانت الأكوان معهما، «أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك» ، وذكر في القوت: أن سليمان ﵇ لبس ذات يوم قميصًا رفيعًا جديدًا، ثم ركب البساط، وحملته الريح، فبينما هو يسير إذ نظر إلى عطفه نظرةً، فأنزلته الريح، فقال: لم أنزلتني ولم آمرك؟! فقالت: نطيعك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عصيته. فاستغفر وحملته. هـ بالمعنى. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أيوب ﵇، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٣ الى ٨٤] وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) يقول الحق ﷻ : وَاذكر خبر أَيُّوبَ ﵇ إِذْ نادى رَبَّهُ: دعاه: أَنِّي أي: بأني مَسَّنِيَ الضُّرُّ وهو بالضم: ما يصيب النفس من مرض وهزال، وبالفتح: الضرر في كل شيء، وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، تلطف في السؤال حيث ذكر نفسَه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب من كمال أدبه، فكأنه قال: أنت أهل أن تَرحم، وأيوب أهل أن يُرحَم، فارحمه، واكشف عنه ضره الذي مسه. عن أنس: أنه أخبر عن ضعفه حين لم يقدر على النهوض إلى الصلاة، ولم يشتك، وكيف يشكو، والله تعالى يقول: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ «١» . وقيل: إنما اشتكى إليه تلذذًا بالنجوى، لا تضررًا بالشكوى، والشكاية إليه غاية في القُرب، كما أن الشكاية منه غاية في البُعد، وسيأتي في الإشارة تكميله، إن شاء الله. رُوي أن أيوب ﵇، كان من الروم، وهو أيوب بن أمُوص ابن تارَح بن رعويل بن عيص بن إسحاق. وكانت أمه من ولد لوط ﵇ اصطفاه الله للنبوة والرسالة، وبسط عليه الدنيا فكان له ثلاثة آلاف بعير، وسبعة آلاف شاة، وخمسمائة فدان، يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد، وكان له سبعة بنين، وسبع بنات. قاله النسفي. زاد الثعلبي: وكانت له المشيئةُ من أرض الشام كلها، وكان له فيها من صنوف المال ما لم يكن لأحد من الخيل والبقر والغنم والحُمُر وغيره، وكان برًا تقيًا رحيمًا بالمساكين، يكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف، ويبلغ

стр. 1703

ابن السبيل، شاكرًا لأنعم الله، لا يصيب منه إبليس ما يصيب من أهل الغنى من الغفلة والغِرَّة، وكان معه ثلاثةً قد آمنوا به: رجل من اليمن واثنان من بلده، كُهُولا. قال وهب: فسمع إبليس تَجَاوُبَ الملائكة بالصلاة عليه في السماء فحسده، فقال: إلهي، عبدك أيوب أنعمتَ عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولم تجرّبه بشدّة ولا بلاء، فلو جربته بالبلاء ليكفرنّ بك وبنعمتك، فقال له تعالى: انطلق، فقد سلطتك على ماله، فجمع عفاريته وأخبرهم، فقال عفريت من الجن: أُعطيتُ من القوة ما إذا تحوّلت إعصارًا من نار أحرقتُ كل شيء آتي عليه، فقال له إبليس: دونك الإبل ورعاتها، فجاءها حتى وثبت في مراعيها، فأثار من تحت الأرض إعصارًا من نار فأحرقها وأحرق رعاءها. فلما فرغ منها تمثل إبليس براعيها، وجلس على قَعُودٍ منها، فأتاه، وقال: يا أيوب، إن ربك الذي عبدته قد أحرق إبلك ورُعَاءَها، فقال أيوب: هو ماله، أعارنيه، يفعل فيه ما يشاء، فرجع إبليس خاسئًا، حين حمد أيوبُ ربه، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا صِحتُ لم يسمع صوتي ذو رُوح إلا خرجت روحه، قال له إبليس: ائت الغنم ورعاءَها، فأتى، فصاح، فصارت أمواتًا ورعاتها، ثم خرج إبليس متمثلاً بقهرَمَان «١» الرعاة، فقال له كمقالته في الإبل، فأجابه أيوب بمثل ما أجابه فيها، فرجع خاسئًا، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا تحولتُ ريحًا عاصفًا نسفتُ كل شيء أتيت عليه، قال إبليس: فأتِ الفدادين والحرث، فجاءها، فَهبَّتْ ريح عاصفة فنسفت كل شيء، حتى كأنه لم يكن ثَمَّ شيء، فخرج إبليس متمثلاً بقهْرَمَان الحرث، فقال له مثل قوله الأول، وردَّ عليه مثل رده، حتى أتى على جميع ماله، وأيوب يحمد الله تعالى. فقال إبليس: إلهي إن أيوب يقول: إنك ما متعْتَهُ إلا بنفسه وولده، فهل تسلطني على ولده، فإنها الفتنة؟ قال الله تعالى: قَدْ سلطتك على ولده، فجاء إبليس فقلب عليهم القصر منكسين، وانطلق إلى أيوب متمثلاً بالمُعلم الذي يُعلمهم الحكمة، وهو جريح، فقال: يا أيوب لو رأيت بنيك كيف عُذبوا؟ ونُكِّسوا على رؤوسهم، وسال دماغهم من أنوفهم، فلم يزل من قوله حتى رقَّ أيوبُ وبكى، وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، فصعد إبليس مسرورًا، ثم ذهب أيوب، فلما أبصر ذلك استغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة، بتوبته فبادروا إلى الله تعالى، وهو أعلم، فوقف إبليس خاسئًا، فقال: إلهي إنما هوّن أيوب خطر المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده؟ فإني لك زعيم إن سَلَّطَّني على جسده ليكفرنّ بك، قال الله تعالى: قَدْ سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه وقلبه وعقله، فجاءه إبليس فوجده ساجدًا، فجاء من قِبل الأرض، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فَوهِلَ، وخرج من قرنه إلى قدمه تآليل مثل آليَاتِ الغنم، ووقعت به حكة لا يملكها، فحك بأظفاره، ثم بالمسُوح الخشنة، ثم بالحجارة، حتى نغل لحمه، وتغير، ونش، وتدود، فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشًا، ورفضه الخلق كلهم، إلا «رحمةً» امرأته بنت إفرائيم بن يوسف ﵇، فقامت عليه بما يصلحه.

стр. 1704

روى أنس أن النبي ﷺ قال: «إنَّ أيُّوبَ نبي الله لَبث به بَلاؤُه ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَة، فَرَفَضه الْقَرِيبُ والبَعِيدُ «١» » . الحديث، وقال كعب: سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وما قاله- ﵊ إن ثبت، هو الصحيح. وقال الحسن: مكث أيوب مطرودًا على كناسة، في مزبلة بني إسرائيل سبع سنين وشهرًا، يختلف فيه الدود. ويمكن الجمع بين الأقوال بأن الشدة كانت سبعًا والباقي مقدمات لها. رُوِيَ أن امرأته قالت له يومًا: لو دعوتَ الله ؟ فقال لها: كم كانت مدة الرخاء؟ قالت: ثمانين سنة. فقال: إني أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. هـ. ورُوي أن الدود أكل جميع جسده حتى بقي عظامًا نخرة، وهو مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله وحمده وشكره، فصرخ إبليس صرخة، وقال: أعياني هذا العبد الذي سألتُ ربي أن يسلطنى عليه، فقالت له العفاريت: أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة، ما أتيته إلا من قبل امرأته، فتمثل لها بصورة رجل طيب، وفي رواية الحسن: في هيئة ليست كهيئة بني آدم، في أحسن صورة، فقال لها: أين بعلك يا أمة الله؟ فقالت: هو ذاك، يحك قروحه، ويتردد الدود في جسده، فقال لها: أنا إله الأرض الذي صنعتُ بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني، فلو سجد لي سجدة واحدة لرددت لكما ما كان لكما. وقال وهب: قال لها: لو أكل طعامًا ولم يسمّ عليه لعُوفيَ من البلاء، فأخبرت أيوب، فقال: أتاك عدوُ الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم، إن عافاه الله، ليضربنها مائة ضربة. ثم حلف لا يأكل لها طعامًا، فبقي مهملاً لا يأتي إليه أحد، وقال عند ذلك: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) من طمع إبليس في سجودي له، (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فقيل له: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) فركض، فنبعت عين ماء، فاغتسل منها، فلم يبق من دائه شيء، وسقطت الدود من جسده، وعاد شبابه وجماله. ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منها، فلم يبقَ في جوفه داء إلا خرج، وكانت امرأته «رحمة» حين حلف، تركته مدة، ثم ندمت وعادت، فوجدته في أحسن هيئة، فلم تعرفه، فقالت له: أين الرجل المبتلى الذي كان هنا؟ قال: أنا هو، شفاني الله، ثم عرفته بضحكه، فتعانقا، ثم أمره اللهُ تعالى أن يأخذ جماعة من القضبان فيضربها ضربة واحدة ليبرّ في يمينه. هـ. «٢» .

стр. 1705

قلت: تسليط الشيطان على بشرية الأنبياء الظاهرة: جائز وواقع. وأما الأمراض المنفرة، فإن كانت بعد التبليغ وتقرير الشرائع، فجائز عند بعضهم، وهو الصواب، جمعًا بين ما ثبت في الأخبار عن السلف وبين الدلائل العقلية في تنزيه الأنبياء- ﵈، لأن العلة هي تنفير الخلق عنهم، وبَعْد التبليغ فلا يضر، وقد ورد أن شُعيبًا ﵇ عَمى في آخر عمره، وكذلك يعقوب، وكان بعد تبليغ الرسالة، فلم يضر. ثم قال تعالى في حق أيوب ﵇: فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ إنعامًا عليه، فلمّا قام من مرضه جعل يلتفت فلا يرى شيئًا مما كان له من الأهل، والمال، ثم أحيا الله أولاده بأعيانهم، ورزقه مثلهم، ورد عليه ماله، بأن أخلف له مثله، وذلك قوله تعالى: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ وقيل: كان ذلك بأن ولد له ضعف ما كان له. وقال عكرمة: آتيناه أهله في الآخرة، ومثلهم معهم في الدنيا، والأول هو ظاهر الآية، ردهم الله تعالى بأعيانهم إظهارًا لكمال قدرته تعالى. ثم قال رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا: مفعول من أجله، أي: آتينا ما ذكر لرحمتنا أيوب، وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ أي: وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، ويُثابوا كما أُثيب، أو لرحمتنا العابدين، الذين من جملتهم أيوب، وذكرنا إياهم بالإحسان، وعدم نسياننا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما ينزل بالمؤمن من الأوجاع والأسقام والشدائد والنوائب، في النفس، أو في الأهل، كله رحمة، عظيمة، ومنّة جسمية، ويقاس عليه: مفارقة الأحباب والأوطان ومشاق الأسفار والمتاعب البدنية، ويُسمى عند الصوفية: التعرفات الجلالية لأن الله تعالى يتعرف إليهم بها ليعرفوه عيانًا، ولذلك تجدهم يفرحون بها، وينبسطون عند ورودها لما يتنسمون فيها، ويجدون بعدها، من مزيد الاقتراب وكشف الحجاب، وطي مسافة البُعد بينهم وبين رب الأرباب، فهم يؤثرونها على الأعمال الظاهرة لِمَا يتحققون بها من وجود الأعمال الباطنية كالصبر والزهد والرضا والتسليم، وما ينشأ عنها، عند ترقيق البشرية، من تشحيذ الفكرة والنظرة، وغير ذلك من أعمال القلوب. وفي الحِكَم: «إذا فتح لك وجهة من التعرف، فلا تُبالي معها إن قلَّ عملك فإنه ما فتحها لك إلاَّ وهو يريد أن يتعرف إليك منها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟» . قال الشيخ ابن عباد رضى الله عنه: معرفة الله تعالى هي غاية المطالب، ونهاية الأماني والمآرب، فإذا واجه اللهُ عبده ببعض أسبابها، وفتح له باب التعرّف له منها، فذلك من النعم الجزيلة عليه، فينبغي ألا يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر، وما يترتب عليها من جزيل الأجر، وليعلم أنه سلك به مسلك الخاصة المقرّبين،

стр. 1706

المؤدي إلى حقائق التوحيد واليقين، من غير اكتساب من العبد ولا تَعَمُّلٍ، والأعمالُ التي من شأنها أن يتلبس بها هي باكتسابه وتعمله، وقد لا يسلم من دخول الآفات عليها، والمطالبة بوجود الإخلاص فيها، وقد لا يحصل له ما أمّله من الثواب عند مناقشة الحساب، وأين أحدهما من الآخر؟. ومثاله: ما يُصاب به الإنسان من البلايا والشدائد التي تُنَغِّصُ عليه لذات الدنيا، وتمنعه من كثير من أعمال البر، فإنَّ مرادَ العبد أن يستمر بقاؤه في الدنيا، طيَّبَ العيش ناعمَ البال، ويكون حاله في طلب سعادة الاخرة حال المترفين فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة، التي لا كثير مُؤْنَةٍ عليه فيها ولا مشقة، ولا تقطع عنه لذة، ولا يفوته شهوة، ومراد الله منه أن يُطهره من أخلاقه اللئيمة، ويحول بينه وبين صفاته الذميمة، ويُخرجه من أَسْرِ وجوده إلى متسع شهوده، ولا سبيل إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية الكمال والتمام، إلا بما يُضادُ مراده، ويشوّش عليه معتادَه، وتكون حاله حينئذ المعاملة بالباطن، ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة، فإذا فَهِمَ هذا عَلِمَ أن اختيار الله له، ومرادَه منه، خيرٌ من اختياره لنفسه ومراده لها. وقد رُوِيَ أنَّ الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: «إني إذا أنزلت بعبدي بلائي، فدعاني، فماطلتُه بالإجابة، فشكاني، قلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك» ؟ وفي حديث أبي هريرة رضى الله عنه إن رسول الله ﷺ قال: «قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عُوّاده، أنشطته من عقالي، وبدَّلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ويستأنف العمل» «١» . ثم نقل عن أبي العباس ابن العريف رضى الله عنه قال: كان رجل بالمغرب يُدعى أبا الخيَّار، وقد عمّ جسده الجذامُ، ورائحة المسك تُوجد منه على مسافة بعيدة، لقيه بعضُ الناس، فقال له: يا سيدي كأن الله تعالى لم يجد للبلاء مَحلاً من أعدائه حتى أنزله بكم، وأنتم خاصة أوليائه!! فقال لي: اسكت، لا تقل ذلك لأنا لمّا أشرفنا على خزائن العطاء، لم نجد عند الله أشرف ولا أقرب من البلاء، فسألناه إِيّاه «٢» ، وكيف بك لو رأيت سيّد الزهّاد، وقطبَ العباد، وإمام الأولياء والأوتاد، في غار بأرض طرطوس وجبالها، ولحمُه يتناثر، وجلده يسيل قيحًا وصديدًا، وقد أحاط به الذباب والنمل، فإذا كان الليل لم يقنع بذكر الله وشكره على ما أعطاه من الرحمة، حتى يشدّ نفسه بالحديد، ويستقبل القبلة عامَّةَ ليله حتى يطلع الفجر. هـ.

стр. 1707

وقد تكلم الصوفية في قول أيوب ﵇: مَسَّنِيَ الضُّرُّ هل شكى ضرر جسمه، أو ضرر قلبه من جهة دينه؟ قال بعضهم: قيل: إنه أراد النهوضِ إلى الصلاة فلم يستطع، فقال: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) ، وقيل: إنه أكل الدود جميع جسده، حتى بقي عظامًا، فلما قصد الدودُ قلبَه ولسانَه غار على قلبه لأنه موضع المعرفة والتوحيد، والنبوة والولاية، وأسرار الله تعالى، وخاف انقطاع الذكر، فقال: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) ، وقيل: خاف تبدد همه وتفرق قلبه، وليس في العقوبة شيء أشد من تبدد الهم، فتارة يقول: لعلي ببلائي مُعاقب، وتارة يقول: بضري مُستدرج، فلما خاف تشتيت خاطِره عليه، قال: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) . هـ. قلت: هذا المقام لا يليق بالأنبياء، وإنما يجوز على غيرهم إذ الأولياء يترقون عن هذا المقام فكيف بالأنبياء! وقال بعضهم: قال: مسني الضر من شماتة الأعداء، واقتصر عليه ابنُ جُزي، وفيه شيء إذ كثير من الأولياء سقط الناس من عينهم، فلا يُبالون بخيرهم ولا شرهم، ولا مدحهم ولا ذمهم، فكيف بالأنبياء- ﵈؟! وقال القشيري: كان ذلك منه إظهارًا للعجز، لا اعتراضًا، فلا يُنافي الصبر، مع ما فيه من التنفيس عن الضعفاء من الأمة، ليكون أسوة. ويقال: إن جبريل أمره بذلك، وقال له: إن الله يغضبُ إن لم يُسأل، وسيان عنده البلاء والعافية، فسَله العافية. ويقال: إن أيوب كان مُكَاشَفًا بالحقيقة، مأخوذًا عنه، وكان لا يُحِسُّ بالبلاء، فَسَتَر عليه، فردَّه إليه، فقال: مَسني الضُّرُّ، وقيل: أَدْخَل على أيوب تلك الحالة، فاستخرج منه تلك المقالة ليظهر عليه سمة العبودية «١» . هـ. وقال الورتجبي: سُئل الجنيد عن قوله: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) ، فقال عرّفه فاقة السؤال، ليمنّ عليه بكرم النوال، وفي الحديث المروي عن النبي ﷺ : أنه جاء إليه رجل فسأله عن قول أيوب «مسنى الضر» ، فبكى- ﵊ وقال: والذي بعثني بالحق نبيًا ما شكى فقرًا نزل من ربه، ولكن كان في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، فلما كان في بعض الساعات وثب ليُصلي، فلم يستطع النهوض، فقال: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) إلخ. ثم قال ﵊: أكل الدود عامة جسد حتى بقي عظامًا نخرة «٢» ، فكادت الشمس تطلع من قُبله وتخرج من دُبره، وما بقي إلا قلبه ولسانه، وكان قلبه لا يخلو من ذكر الله، ولسانه لا يخلو من ثنائه على ربه، فلما أحب الله له الفرج، بعث إليه الدودتين إحداهما إلى لسانه والأخرى إلى قلبه، فقال: يا رب ما بقي إلا هاتان الجارحتان، أذكرك بهما، فأقبلت هاتان الدودتان إليهما ليشغلاني عنك ويطلعان على سري، مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. هـ. وفي قوله تعالى: (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) : تسلية لمن أصيب بشيء من هذه التعرفات الجلالية، وقد تقدم في أول الإشارة الكلام على هذا. والله تعالى أعلم.

стр. 1708

ثم ذكر ما بقي من مشاهير الأنبياء، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٥ الى ٨٦] وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) يقول الحق ﷻ : وَاذكر إِسْماعِيلَ بن إبراهيم، وكان أكبر من إسحاق، وَإِدْرِيسَ واسمه: أخنوخ بن شيث بن آدم. قاله النسفي وَذَا الْكِفْلِ وهو إلياس، أو زكريا، أو يوشع بن نون، قلت: كونه زكريا بعيد لأنه سيذكره بخصُوصه بعدُ. وسُمي ذا الكفل لأنه ذو حظ من الله، والكفل: الحظ. أو تكفل بضعف عمل أنبياء زمانه، أو بصيام النهار وقيام الليل. وقال أبو موسى الأشعري: إنَّ ذا الكفل لم يكن نبيًا، ولكنه كان عبدًا صالحًا، تكفل بعمل رجل صالح عند موته، وكان يُصلي لله تعالى، في كل يوم، مائة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء. هـ. وقال عمر بن عبد الله بن الحارث: إن نبيًا من الأنبياء قال: من تكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب؟ فقال شاب: أنا، فمات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب يقضي بين الناس، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليُغضبه وهو صائم، فضرب الباب ضربًا شديدًا، فقال: مَن هذا؟ فقال: رجل له حاجة، فأرسل له رجلاً، فلم يرض، ثم أرسل معه آخر، فلم يرض، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق معه إلى السوق، ثم خلاه وذهبَ، فسُمي ذا الكفل. هـ. كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ أي: كل واحد من هؤلاء موصوف بالصبر التام على مشاق التكليف وشدائد النوب، وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا في النبوة، أو في الآخرة، إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ أي: الكاملين في الصلاح الذي لا تحوم حوله شائبة الفساد، وهم الأنبياء، فإن صلاحهم معصوم من كدر الفساد. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد مدح الله هؤلاء السادات بخصلتين، من تحقق بهما: التحق بهم، وانخرط في سلكهم: الصبر على مشاق الطاعة، وعلى ترك المعصية، وفي حال البلية. والصلاح، وهو: إصلاح الظاهر بالشريعة، وإصلاح الباطن بنور الحقيقة. فمن تحقق بهاتين الخصلتين كان من المقربين مع النبيين والصدِّيقين. وبالله التوفيق. ثم ذكر يونس ﵇، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٧ الى ٨٨] وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)

стр. 1709

يقول الحق ﷻ : وَاذكر ذَا النُّونِ أي: صاحب الحوت، وهو يونس ﵇، إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً أي: مراغمًا لقومه، فارًا عنهم، وغضب من طول دعوته إياهم، وشدة شكيمتهم، وتمادي إصرارهم، فخرج مهاجرًا عنهم، قبل أن يُؤمر، وقيل: وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم لأجل توبتهم، ولم يشعر بها، فظن أنه كذبهم، فغضب من ذلك، فهو من باب المغالبة للمبالغة أو لأنه غضب لما رأى منهم من الإصرار، وغضبوا لمفارقته إياهم، وكان من حقه ﵇ أن يصبر وينتظر الإذن الخاص من الله تعالى، فلما استعجل ابتلي ببطن الحوت، وقال ابن عباس: قال جبريلُ ليونس ﵇: انطلق إلى أهل نِينَوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم، قال: ألتمس دابة، قال: الأمر أعجل من ذلك، فانطلق إلى السفينة فركبها، فاحتبست السفينة فساهموا فسهم، فجاءه الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس لك رزقًا، إنما جعلناه لك حِرزًا، فالتقمه، ومرّ به على الأبُلة، ثم على دجلة، ثم مَرَّ به حتى ألقاه بنينَوَى. هـ. وقال وَهْبُ بن منبه رضى الله عنه: إنَّ يونس كان عبدًا صالحًا ضَيِّق الخلق، «٢» فلما حمل أثقال النبوة تفسخ منها تفسُّخَ الرّبَع «١» تحت الحمل الثقيل، فقذفها وخرج هاربًا عنها، ولذلك أخرجه الله من أولي العزم، قال لنبيه ﷺ : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ «٣» وقال: وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ «٤» أي: لا تلق أمري كما ألقاه. هـ. وأما قول الحسن: مغاضبًا لربه، فلا يليق بمقام الأنبياء- ﵈ إلا أن يُحمل على أن خروجه بلا إذن كأنه مغاضب. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي: لن نضيق عليه، أو لن نقدر عليه بالعقوبة، فهو من القدر، ويؤيده قراءة من شدَّد، وعن ابن عباس رضى الله عنه قال: دخلت يومًا على معاوية، فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلا أرى لنفسي خلاصًا إلا بك، قال: وما هي؟ فقرأ الآية ... فقال: أو يظن نبي الله ألا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر لا من القدرة. هـ. وقيل: إنه على حذف الاستفهام. أي: أيظن أن لن نقدر عليه، وقيل: هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لَّن يَقْدِر عليه، أي: تعامل معاملة من ظن أن لن نقدر عليه حيث استعجل الفرار. قلت: لإعلاء مقامه كثرت مطالبته بالأدب، فحين خرج من غير إذن خاص عُدَّ خروجه كأنه ظن ألا تنفذ فيه القدرة، وتمسك ﵇ بالإذن العام، وهو الهجرة من دار الكفر، وهو لا يكفي في حق أمثاله، فعوقب بالسجن فى بطن الحوت.

стр. 1710

فَنادى فِي الظُّلُماتِ أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة كقوله: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ ... «١» ، أو في ظلمة بطن الحوت والبحر والليل: أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أي: بأنه لآَّ إِلَهَ إِلآَّ أَنتَ، أو تفسيرية، أي: قال لا إله إلا أنت، سُبْحانَكَ أي: أنزهك تنزيهًا لائقًا بك من أن يعجزك شيء، أو: تنزيهًا لك عما ظننتُ فيك، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لنفسي بخروجي عن قومي قبل أن تأذن لي، أو من الظالمين لأنفسهم بتعريضها للهلكة، وعن الحسن: ما نجاه، والله، إلا إقراره على نفسه بالظلم. فَاسْتَجَبْنا لَهُ أي: أجبنا دعاءه الذي دعا في ضمن الاعتراف بالذنب على ألطف وجه وأحسنه. عن رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مَكْرُوبٍ يَدْعُو بِهَذا الدُّعَاءِ إلاّ اسْتُجِيبَ لَهُ» «٢» . وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ: الذلة والوحشة والوحدة، وذلك بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات، وقيل: بعد ثلاثة أيام، وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ أي: مثل ذلك الإنجاء الكامل نُنجي المؤمنين من غمومهم، إذا دعوا الله، مخلصين فى دعائهم. وعنه ﷺ أنه قال: «اسم الله الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى: دعوة يونس بن متى، قيل: يا رسول الله، أليونس خاصة؟ قال: بل هي عامة لكل مؤمن، ألم تسمع قول الله تعالى: وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ» . وهنا قراءات في نُنْجِي، مذكورة في كتب القراءات، تركتها لطول الكلام فيها. الإشارة: من تحققت له سابقة العناية لا تُبعده الجناية، ولا تُخرجه عن دائرة الولاية، بل يؤدب في الدنيا بالابتلاء في بدنه أو ماله، على قدر الجناية وعلو المقام، ثم يُرد إلى مقامه. وهاهنا حكايات للصوفية- رضى الله عنهم- من هذا النوع، مِنْهَا: حكاية خير النساج رضى الله عنه، قيل له: أكان النسج صنعتك؟ قال: لا، ولكن كنتُ عاهدت الله واعتقدت ألا آكل الرطب، فغلبتني نفسي واشتريت رطلاً منه، فجلستُ لآكله، فإذا رجل وقف عليّ، وخنقني، وقال: يا عبد السوء، أتهرب من مولاك- وكان له عبد اسمه: «خير» أَبَقَ مِنْه، أَلقى الله شبهه عليَّ- فحملني إلى حانوته، وقال: اعمل عملك، أمرني بعمل الكرباس- وهو القطن- فدليت رجلي لأنسجه، فكأني كنت أعمله سنين، فبقيت معه أشهرًا، فقمتُ ليلة إلى صلاة الغداة، وقلت: إلهي لا أعود، فأصبحت، فإذا الشبه قد زال عني، وعُدتُ إلى صورتي التي كُنتُ عليها، فأُطلقت، فثبت عليّ هذا الاسم، فكان سببُه اتباع شهوتي. ومنها قضية أبي الخير العسقلاني رضى الله عنه قال: اشتهيتُ السمك سنين، ثم ظهر له من وجه حلال، فلما مد يده ليأكل، أخذت شوكة من عظامه إصبعَه، فذهبت في ذلك، فقال: إلهي هذا لمن مد يده لشهوة من حلال، فكيف

стр. 1711

بمن مد يده لشهوة من حرام. ومنها: قضية إبراهيم الخواص رضى الله عنه قال: كنت جائعًا في الطريق، فوافيت الرِّي- اسم بلدة- فخطر ببالي أن لي بها معارف، فإذا دخلتها أضافوني وأطعموني، فلمَّا دخلت البلد رأيت فيها مُنكرًا احتجت أن آمر فيه بالمعروف، فأخذوني وضربوني، فقلتُ في نفسي: من أين أصابني هذا، على جوعي؟ فنُوديت في سري: إنك سكنت إلى معارفك بقلبك، ولم تسكن إلى خالقك. وأمثال هذا كثير بأهل الخصوصية، يُؤدبون على أقل شيء من سوء الأدب لشدة قربهم، ثم يُردون إلى مقامهم. ومن هذا النوع قصة سيدنا يونس ﵇ حيث خرج من غير إذن خاص، فأدَّبه، ثم رده إلى النبوة والرسالة، وقد كنتُ سمعت من بعض الأشياخ أن أيوب ﵇ إنما أصيب في ماله، لأنه كان بجوار ماله كافر، فكان يداريه لأجل ماله، فأصيب فيه وفي بدنه تأديبًا وتكميلاً له. والله تعالى أعلم. ثم ذكر زكريا ﵇ فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٩ الى ٩٠] وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) يقول الحق ﷻ : وَاذكر خبر زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ في طلب الولد، وقال: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وحيدًا بلا ولد يرثني، ثم ردّ أمره إليه مستسلمًا، فقال: وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ، فحسبي أنت، وإِنْ لم ترزقني وارثًا فلا أبالي فإنك خير وارث، فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه، وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ولدًا وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ أي: أصلحناها للولادة بعد عُقمها، أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلْقها. وكانت قبل سيئة الخلق، إِنَّهُمْ أي: ما تقدّم من الأنبياء، كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي: إنما استحقوا الإجابة إلى مطالبهم، وأسعفناهم فيما أمَّلوا لمبادرتهم أبواب الخير، ومسارعتهم إلى تحصيلها، مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير كله، وهو السر في إتيان: «في» ، دون «إلى» ، المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات، متوجهين إليها، كما في قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ «١» . وَكانوا يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً طمعًا وخوفًا، وهما مصدران في موضع الحال، أو المفعول له، أي: راغبين في الثواب أو الإجابة، وراهبين من العقاب أو الخيبة، أو للرغبة والرهبة، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ:

стр. 1712

متواضعين خائفين، أي: إنما نالوا هذه المراتب العلية، واستحقوا هذه الخصوصية لاتصافهم بهذه الأوصاف الحميدة. والله تعالى أعلم. الإشارة: الغالب في وراثة الخصوصية الحقيقية أن تكون لغير ورثة النسب، وأما الخصوصية المجازية، التي هي مقام الصلاح أو العلم، فقد تكون لورثة النسب، وتكون لغيرهم. والخصوصية الحقيقية هي مقام الفناء والبقاء، والتأهل للتربية النبوية، ولا بأس بطلب وارث هذه الخصوصية، لئلا ينقطع النفع بها. وقد قيل، في قول الشيخ ابن مشيش رضى الله عنه: اسمع نداءى بما سمعت به نداء عبدك زكريا، إنه أشار إلى طلب الوارث الروحاني. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، فيه إشارة إلى بيان سبب حصول الخصوصية لأن بابها هو المسارعة إلى عمل الخيرات وأنواع الطاعات، وأوكدها ثلاثة: دوام ذكر الله، وحسن الظن بالله، وبعباد الله. وفي الحديث: «خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حُسْن الظنِّ بالله، وحُسْن الظن بعباد الله» . وقوله: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً، هذه حالة الطالبين المسترشدين المتعطشين إلى الله، يدعونه رغبًا في الوصول، ورهبًا من الانقطاع والرجوع، وقد تكون للواصلين رغبًا في زيادة الترقي، ورهبًا من الوقوف أو الإبعاد. وقال بعضهم: الرغب والرهب حاصلتان لكل مؤمن، إذ لو لم تكن رغبة لكان قنوطًا، وهو كفر، ولو لم تكن رهبة لكان أمنًا، والأمن كفر. والله تعالى أعلم. ثم ذكر مريم وابنها- ﵉ فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩١] وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) يقول الحق ﷻ : وَاذكر الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها على الإطلاق من الحلال والحرام، والتعبير عنها بالموصول لتفخيم شأنها، وتنزيهها عما زعموه في حقها. فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا أي: أجرينا روح عيسى فيه وهو في بطنها، أو نفخنا في درع جيبها من ناحية روحنا، وهو جبريل ﵇، فأحدثنا بذلك النفخ عيسى ﵇، وإضافة الروح إليه تعالى لتشريف عيسى ﵇، وَجَعَلْناها وَابْنَها أي: قضيتهما، أو حالهما، آيَةً لِلْعالَمِينَ، فإن من تأمل حالهما تحقق بكمال قدرته تعالى. وإنما لم يقل آيتين، كما قال: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ «١» لأن مجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل. وقيل: التقدير: وجعلناها آية وابنها كذلك، فآيةٌ مفعول المعطوف عليه، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه. والله تعالى أعلم.

стр. 1713

الإشارة: مَنْ حَصَّلَ التقوى في صغره، كان آية في كِبَرِهِ. تقول العامة: الثور الحراث في الربك يبان، وتقول الصوفية: البداية مجلاة النهاية. وقالت الحكماء: الصغر يخدم على الكبر. وبالله التوفيق. ثم ذكر اتفاقهم فى التوحيد، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٢ الى ٩٤] إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) قلت: «أمة» : حال من «أمتكم» أي: متحدة أو متفقة، والعامل فيه ومعنى الإشارة، والإشارة إلى طريق الأنبياء المذكورين قبلُ. يقول الحق ﷻ : إِنَّ هذِهِ الطريق والسيرة التي سلكها الأنبياء المذكورون، واتفقوا عليها، وهو التوحيد، هي أُمَّتُكُمْ أي: ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها، ولا تخرجوا عنها، حال كونها أُمَّةً واحِدَةً، غير مختلفة فيما بين الأنبياء- ﵈ وإن اختلفت شرائعهم. وفي الحديث: «الأنْبِيَاءُ أبناء عَلاَّتٍ، أُمهَاتُهمْ شتَّى، وأبوهم واحد» والعلات: الضرائر، أي: شرائعهم مختلفة، وأبوهم واحد، وهو التوحيد. قال القشيري: وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ أي: ربيتكم اختيارًا، فاعبدوني شكرًا وافتخارًا. هـ. والخطاب للناس كافة. وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ، أصل الكلام: وتقطعتم في أمر دينكم وتفرقتم. إلاَّ أن الكلام صرف إلى الغيبة، على طريقة الالتفات ليَنْعي عليهم ما أفسدوه في الدين. والمعنى: فجعلوا أمر دينهم فيما بَيْنَهُمْ قِطَعًا، وصاروا أحزابًا متفرقة، كأنه يُنْهِي إلى أهل التوحيد قبائح أفعالهم، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، الذي أجمعت عليه كافة الأديان؟ ثم توعدهم بقوله: كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ أي: كل واحد، من الفرق المتقطعة، راجع إلينا بالبعث، فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم. ثم فصَّل الجزاء فقال: فَمَنْ يَعْمَلْ شيئًا مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بالله ورسله وبما يجب الإيمان به. قال القشيري: (وهو مؤمن، أي: في المآل بأن يختم له به) ، وكأنه يشير إلى الخاتمة لأن من لم يختم له بالإيمان لا ثواب لأعماله، والعياذ بالله، فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ أي: لا حرمان لثواب عمله، بل سعيُه مشكور مقبول، فالكفران مَثلٌ في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثلٌ في إعطائه، وعبّر عن ذلك بالكفران، الذي هو ستر النعمة

стр. 1714

وجحدها لبيان كمال تنزهه تعالى عنه. وعبّر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به، وَإِنَّا لَهُ أي: لسعيه كاتِبُونَ مُثبتون في صحائف أعمالهم، نأمر الحفظة بذلك، لا نغادر من ذلك شيئاً. والله تعالى أعلم. الإشارة: الصوفية- رضى الله عنهم-، في حال سيرهم إلى الحضرة وسلوكهم في طريق التربية، مختلفون بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص. وفي حال نهايتهم- وهو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان، وإشراق شمس العرفان، الذي هو مقام الإحسان، ويُعبِّرون عنه بالفناء والبقاء، وهو التوحيد الخاص- متفقون، وفي ذلك يقول القائل: عباراتنا شَتَّى، وحُسْنُكَ واحِدٌ ... وكُلٍّ إلى ذاك الجَمَالِ يُشير لأن ما كان ذوقًا ووجدًا لا يختلف، بل يجده كل من له ذوق سليم. نعم تتفاوت أذواقهم على حسب مشاربهم، ومشاربُهم على حسب إعطائهم نفوسَهم وبيعها لله، وتتفاوت أيضًا بحسب التخلية والتفرغ، وبحسب الجد والاجتهاد، وكلهم على بصيرة من الله وبينة من ربهم. نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم، آمين. ثم تمم قوله: كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٥ الى ٩٧] وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) قلت: «حرام» : مبتدأ، وفيه لغتان: حرام وحِرْم، كحلال وحِلّ. و «أنهم..» الخ: خبر، أو فاعل سد مسده، على مذهب الكوفيين والأخفش. والجملة: تقرير لقوله: (كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) ، و «لا» نافية، أي: ممتنع على قرية أهلكناها عدمُ رجوعهم إلينا بالبعث، بل كل إلينا راجعون. وقيل: «لا» زائدة، والتقدير: ممتنع رجوع قرية أردنا إهلاكها عن غيهم، «فإنهم» : على هذا: فاعل بحرام. قاله القصار. و «حتى» : ابتدائية، غاية لما يدل عليه ما قبلها، أي: يستمرون على ما هم عليه من الهلاك، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا، ويقولون: يا ويلنا. وقال أبو البقاء: «حتى» : متعلقة في المعنى بحرام، أي: يستقر الامتناع، أي: هذا الوقت. و «فإذا هي» : جواب «إذا» . وفي الأزهري: وقد يجمع بين الفاء وإذا الفجائية تأكيدًا، خلافًا لمن منع ذلك. قال تعالى: (فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ) ، فإنه لو قيل: إذا هي، أو فهي شاخصة لصح. هـ. وقيل: «يا ويلنا» : على حذف القول، أي: إذا فتحت قالوا: يا ويلهم. و «اقترب» : عطف على «فُتحت» .

стр. 1715

يقول الحق ﷻ : وَحَرامٌ أي: ممتنع عَلى أهل قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها قدرنا هلاكها، أو حكمنا بإهلاكها لعتوهم، أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ بالبعث والحشر، بل لا بد من بعثهم وحشرهم وجزائهم على أعمالهم. وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع للكل لقوله: كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ لأنهم المنكِرون للبعث والرجوع دون غيرهم. وقيل: المعنى: وممتنع على قرية، أردنا إهلاكها، رجوعهم إلى التوبة، أو ممتنع على قرية، أهلكناها بالفعل، رجوعهم إلى الدنيا. وفيه رد على مذهب القائلين بالرجعة من الروافض وأهل التناسخ، على أن «لا» صلة. وقرىء بالكسر «١» ، على أنه تعليل لما قبله، فحرام، على هذا، خبر عن مبتدأ محذوف، أي: ذلك العمل الصالح حرام على قرية أردنا إهلاكها لأنهم لا يَرْجِعُونَ عن غيّهم. وقال الزجاج: المعنى: وحرام على قرية، أردنا إهلاكها، أن يُتَقَبَّلَ منهم عمل لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون، ويجوز حمل المفتوحة على هذا بحذف اللام، ويستمرون على ما هم عليه من الهلاك، أو: فليستمر امتناعهم من الرجوع. حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ونُفخ في الصور، وقامت القيامة، فيرجعون، ولا ينفعهم الرجوع. ويأجوج ومأجوج قبيلتان، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج. والمراد بفتحها: فتح سدها، على حذف مضاف أي: حتى إذا فُتح سد يأجوج ومأجوج، وَهُمْ أي: يأجوج ومأجوج، وقيل: الناس بعد البعث، مِنْ كُلِّ حَدَبٍ أي: نشز ومرتفع من الأرض، يَنْسِلُونَ: يسرعون، وأصل النسل: مقاربة الخطو مع الإسراع. ويدل على عَود الضمير ليأجوج ومأجوج: قوله- ﵊: «ويفتح ردم يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله تعالى: مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ... » الحديث «٢» ، ويؤيد إعادتَه على الناس قراءة مجاهد: «من كل جدث» بالجيم، وهو القبر. ثم قال تعالى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ أي: ما بعد النفخة الثانية من البعث والحساب، فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أي: فإذا القصة أو الشأن، وهو أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا شاخصة، أي: مرتفعة الأجفان، لا تكاد تطرق من شدة الهول، حال كونهم يقولون: يا وَيْلَنا يا هلكتنا، هذا أوانك، فاحضري، قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ تامة مِنْ هذا الذي دهَمنا من البعث، والرجوع إليه تعالى، للجزاء، ولم نعلم، حيث نُبِّهْنَا عليه بالآيات والنُذر، أنه حق، بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ بتلك الآيات والنذر، مُكذبين بها، أو ظالمين أنفسنا بتعريضها للعذاب

стр. 1716

المخلد. وهو إضراب عما قبله، من وصف أنفسهم بالغفلة، أي: لم نكن غافلين عنه، حيث نُبِّهْنَا عليه بالآيات والنذر، بل كنا ظالمين بتكذيبهم، والله تعالى أعلم. تذييل: رَوى حذيفة أن النبي ﷺ قال: «أول الآية: الدَّجال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قرن عدن، تسوق الناس إلى المحشر- أي الشام- تقيل معهم إذا قالوا، والدُّخان، والدَّابة، ثم يأجوج ومأجوج» «١» . قلت: وبعد موت يأجوج ومأجوج، تبقى مدة عيسى ﵇، في أَمَنَةٍ ورَغَدِ عَيْشٍ. قيل: سبع سنين، وقيل: أربعون. ثم يُقبض عيسى، ويُدفن فى روضته ﷺ ، ثم تهب ريح تقبض المؤمنين، فلا يبقى من يقول الله الله، قيل: مائة سنة، وقيل: أقل، ثم تخرب الكعبة، ثم يُنفخ في الصور للصعق، واقترب الوعد الحق. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحضرة محرمة على قلبٍ خراب، أهلكه الله بالوساوس والخواطر، وفتحت عليه من الشواغل والشواغب والخواطر يأجوج ومأجوج، فأفسدته وخربته وجعلته مزبلة للشياطين. فحرام عليه رجوعه إلى الحضرة حتى يتطهر من هذه الوساوس والخواطر، ومن الشواغل والعلائق. قال بعض الصوفية: (حضرة القدوس محرمة على أهل النفوس) . فإذا اقترب وعد الحق، وهو أجل موته، قال: يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا عن هذا غافلين، لم نتأهب للقاء رب العالمين، حتى لقيتُه بقلب سقيم. والعياذ بالله. ثم ذكر مآل الكفرة إذا وقع الوعد الحق، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٨ الى ١٠٠] إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) يقول الحق ﷻ : إِنَّكُمْ، يا كفار قريش ومن دان دينكم، وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام والشياطين لأنهم، لطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم، في حكم عبادتهم، ويدخل فيه الشمس والقمر والنجوم، وكل ما عُبد من دون الله ممن لا يعقل، للحديث الوارد في دخولهم النار، تبكيتًا لمن عبدهم لأنهم لا

стр. 1717

يتضررون بالنار. وأما من يعقل فلا يدخل حيث عبَّر بما. وقيل: يدخل، ثم استثناه بقوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ... ، فكل من عبد شيئًا من دون الله فهو معه، حَصَبُ جَهَنَّمَ أي: حطبها، وقرئ بالطاء، أي: وقودها أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ أي: فيها داخلون. لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً كما زعمتم ما وَرَدُوها ما دخلوا النار، وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ أي: وكل من العابد والمعبود في النار خالدون. لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ أي: للكفار في النار أنينٌ وبكاء وعويل، وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ شيئًا لأن في سماع بعضهم بعضًا نوع أُنس. قال ابن مسعود رضى الله عنه: يُجعلون في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيت أُخَر لها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئًا. رُوِيَ أن النبي ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرام، وصَنَادِيدُ قُريشٍ في الحَطِيمِ، وَحَوْلَ الكَعْبَةِ ثلاثمائة وَسِتونَ صَنَمًا، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ، فكلَّمهُ النبي ﷺ حَتَّى أفْحَمَهُ، ثُمَّ تلا عليه وعليهم: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ... الآيات الثلاث. ثم أقْبَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِبَعْرَى فرآهم يتساهمون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخفى الوَلِيدُ ما قاله النبي ﷺ ، ثم أخبره بعضهم بما قاله، ﵊، فقال ابن الزبعرى للنبي ﷺ : أأنت قلت: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك، ورب الكعبة، أَلَيْست اليَهُودُ تعبد عُزَيرًا، والنصارى تعبد المَسِيحَ، وبَنُو مُلَيْحٍ يعبدون الملائكة؟ فقال النبي ﷺ : «بَلْ هُمْ يَعْبُدُونَ الشياطِينَ الّتي أَمَرَتْهُم بِهذا، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى..» «١» . قلت: كل من عَبَدَ شيئًا من دون الله فإنما عَبَدَ في الحقيقة الشيطان لأنه أمر به وزينه له، ويدل على ذلك أنهم يتبرؤون يوم القيامة، حين تتحقق الحقائق، من عبادتهم، كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ، قالُوا سُبْحانَكَ مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ «٢» مع قوله تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ «٣» . والله تعالى أعلم.

стр. 1718

الإشارة: من أحب شيئًا حُشر معه، من أحب أولياء الله حُشر معهم، ومن أحب الصالحين حُشر معهم، ومن أحب الفجار حُشر معهم، ومن أحب الدنيا بُعث معها، ثم بعث إلى النار، وهكذا.. المرء مع مَن أحب. ثم استثنى بذكر حال أهل السعادة، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣] إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أي: الخصلة الحسنى، أو المشيئة الحسنى، وهي السعادة، أو التوفيق للطاعة، أو البُشرى بالثواب، أُولئِكَ عَنْها: عن جهنم مُبْعَدُونَ لأنهم في الجنة، وشتان ما بينهما. قال القشيري: لم يقل متباعدون ليَعْلَم العابدون أن المدارَ على التقدير وسبق الحكم من الله، لا على تَبَاعد العبد وتَقَرُّبه. هـ. وكأنه يشير لقوله: «هؤلاء إلى الجنَّةِ ولا أُبالي» «١» ، أي: بأعمالهم. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها أي: صوتها الذي يحس، وحركة تلهبها، وهذه مبالغة في الإبعاد، أي: لا يقربوها حتى لا يسمعوا صوتها أو صوت من فيها. قال الكواشي: لا يسمعون صوت النار وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم من الجنة. هـ. وقال ابن عطية: وذلك بعد دخولهم الجنة لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خر على ركبتيه. هـ. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: محمل الحديث، إن صح في حق الأنبياء والأكابر، على شهود الجلال والإجلال لله تعالى، ولذلك يقولون: «نفسي نفسي» ، لا من خوف النار. هـ. قلت: أما كون الناس يُصعقون يوم القيامة، فيكون المصطفى أول من يفيق، فثابت في الصحيح، أما سبب الصعقة فقد ورد في غير البخاري: «أنه يُؤتى بجهنم، ولها سبعونَ ألفَ زمامٍ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ثم تزفر زفرة، فلا يبقى نبي ولا ملك إلا خر» «٢» ... الحديث، ويؤيده

стр. 1719

قوله تعالى: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ «١» والأنبياء- ﵈ بَشَر عبيد، قد تعمهم القهرية، ولا تقدح في منصبهم، وليس صعقهم خوفًا، لكن غلبة ودهشًا، كما صعق موسى- ﵇ عند الرؤية، ونبينا- ﵊ حين تجلى له جبريل على صورته. والله أعلم. وقال جعفر الصادق: وكيف يسمعون حسيسها، والنار تخمد بمطالعتهم، وتتلاشى برؤيتهم؟ ثم ذكر حديث قول النار للمؤمن: جُز.. الخ. ويدل على أن هذه الحالة إنما هي بعد دخولهم الجنة، قوله تعالى: وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ من النعيم خالِدُونَ: دائمون، والشهوة: طلب النفس للذة. وهو بيان لفوزهم بالمطالب، إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب، أي: دائمون في غاية التنعم، لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ، وهو القيام من القبور عند صيحة البعث، بدليل قوله: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ. قال ابن عباس: «تتلقاهم الملائكة بالرحمة، عند خروجهم من القبور» ، قائلين: هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ بالكرامة والثواب، والنعيم المقيم فيه، أي: بعد دخولكم الجنة. وقال الحسن: الفزع الأكبر: الانصراف إلى النار. وعن الضحاك: حين يُطبق على أهل النار. وقيل: حين نفخة الصعق، وقيل: حين يُذبح الموت. قلت: من سبقت له الحسنى ينجو من جميعها. وقيل: تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة، مُهنئين لهم قائلين: (هذا يومكم الذي كنتم تُوعدون) في الدنيا، ويُبشرون بما فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات. وهذا، كما ترى، صريح في أن المراد بالذين سبقت لهم الحسنى: كافةُ المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحة، لا من ذكر من المسيح، وعُزير، والملائكة، كما قيل. قاله أبو السعود، قلت: وقد يجاب بأنها نزلت في شأنهم وتعم غيرهم لأن سبب النزول لا يخصص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الجنيد رضى الله عنه: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أي: سبقت لهم منا العناية في البداية، فظهرت لهم الولاية في النهاية. هـ. (أُولئِكَ عَنْها) أي: عن نار القطيعة، وهي أغيار الدنيا، مُبعدون، لا يسمعون حسيسها، ولا ما يقع فيها من الهرج والفتن، لغيبتهم عنها بالكلية في الشغل بالله تعالى، فهم فيما اشتهت أنفسهم من لذة الشهود، والقُرب من الملك الودود، خالدون دائمون، لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ في الدنيا والآخرة، وتتلقاهم الملائكة بالبُشرى بالوصول، هذا يومكم الذي كنتم توعدون، وهو يوم ملاقاة الحبيب والعكوف في حضرة القريب، عند مليك مقتدر. منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنّه وكرمه.

стр. 1720

ثم ذكر أوصاف ذلك اليوم، فقال: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٤] يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) قلت: «يوم» : ظرف لاذكر، أو لقوله: «لا يحزنهم الفزع» ، أو لتتلقاهم. والسجل: الصحيفة، والكتاب: مصدر، و «كما بدأنا» : منصوب بمضمر، يُفسره ما بعده، و «ما» : موصولة. يقول الحق ﷻ : واذكر يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ وذلك يوم الحشر والناس في الموقف، فتجمع وتُكوّر وتُطوى كَطَيِّ السِّجِلِّ الصحيفة لكتاب أي: لأجل الكتابة فيها لأن الكاتب يطوي الصحيفة على اثنين ليكتب فيها. فاللام للتعليل، أو بمعنى «على» ، أي: كطي الصحيفة على الكتابة التي فيها، لتُصان، وقرأ أبو جعفر: «تُطوى» بالبناء للمفعول. وذلك بمحو رسومها وتكوير نجومها وشمسها وقمرها. وأصل الطي: الدرج، الذي هو ضد النشر. وقرأ الأخوان وحفص: (لِلْكُتُبِ) بالجمع، أي: للمكتوبات، أي: كطي الصحيفة لأجل المعاني الكثيرة التي تكتب فيها، أو كطيها عليها لتُصان. فالكتاب أصله مصدر، كالبناء، ثم يوقع على المكتوب. وقيل: السجل: ملك يطوي كتب ابن آدم، إذا رفعت إليه، فالكتاب، على هذا، اسم للصحيفة المكتوب فيها، والطي مضاف إلى الفاعل، وعلى الأول: إلى المفعول. كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ أي: نعيد ما خلقنا حين نبعثهم، كما بدأناهم أول مرة، فالتنوين في «خَلقٍ» مثله في قولك: أول رجلٍ جاءني، تريد أول الرجال. والتقدير: كما بدأنا أول الخلائق، نعيدهم حفاةً عراة غرلا. قال ﷺ : «إنَّكُمْ تَحْشَرُونَ يَوْمَ القيَامَة حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً. وأول مَنْ يُكْسَى إبْرَاهِيمُ خليلُ الله» » ، أي: لأنه جرد في ذات الله، فقالت عائشة- رضى الله عنها-: واسوءتاه! فلا يحتشم الناس بعضهم من بعض؟ فقال: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يُغنيه» «٢» . ثم قرأ- ﵊: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ.
следующие страницы →