← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وقوله تعالى: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ أي: لكم في هذه التجليات، إن عظمتموها وعرفتم الله فيها، منافع، ترعَوْن من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها، فتزدادوا معرفة وتكميلاً، إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى، وهو مقام التمكين، فحينئذ تواجهه أنوار المواجهة، فتكون الأنوار له، لا هو للأنوار، لأنه لله لا لشيء دونه، قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ «١» . ثم محل هذه الأنوار إلى بيت الحضرة، فحيئنذ يستغني بالله عن كل ما سواه. وقوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً أي: لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة، والوصول واحد ولذلك قال: (فإلهكم إله واحد) . وقال القشيري: الشرائعُ مختلفةٌ فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف. ثم قال: ذكّرهم الله بأنه هو الذي أمرهم ويُثيبهم، (فله أسلموا) : اسْتَسلموا لحكمِه، من غير استكراهٍ من داخل القلب ولا من اللفظ. هـ. وقوله تعالى: (وَالْبُدْنَ ... ) الآية. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى ذبح النفس بالمجاهدات، وزمها بالرياضات عن المخالفات، وفناء الوجود للمشاهدات، حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه، ويبقى لله مفردًا من جميع الخلائق. هـ. وفي قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ، إشارة إلى أن النفس لا تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية أبدًا. فإذا ماتت وسقطت جنوبها، وظفرتم بها فكلوا من أنوار أسرارها وعلومها لأن النفس، إذا ماتت، حييت الروح، وفاضت عليها العلوم اللدنية، فكلوا منها، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم. وقوله تعالى: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها.. الآية، قال الورتجبي: الإشارة فيه إلى جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى، لا يلحق الحق بحق المراد منه، ولكن يصل إليه قلب جريح من محبته، ذُبح بسيف شوقه، مطروح على باب عشقه. قال سهل في قوله: (وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى) : هو التبري والإخلاص. هـ. قال القشيري: لا عِبْرةً بإظهار الأفعال، سواء كانت بدنيةً أو ماليةً صِرْفًا، أو مما يتعلق بالوجهين، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص، فإذا انضَافَ إلى الجوارح إخلاص القصود، وتَجَرَّدَتْ عن ملاحظة أصحابِها الأغيار، صَلُحَتْ للقبول، وينال صاحبها القرب، بشهود الحق بنعت التفرد. ثم قال: (لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ) وأرشدكم إلى القيام بحقِّ العبودية على قضية الشرع، (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) ، الإحسان، كما في الخبر: «أن تعبد الله كأنك تراه» . وأمارةُ صحته: سقوطُ تعب القلب عن صاحِبهِ، فلا يستثقلُ شيئًا ولا يتبرم بشيءٍ. هـ. قلت: خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر لأنه طبع بشري، وإنما يضر ما سكن فى القلب.

стр. 1752

وقال في الإحياء: ليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم، بل ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلُها إيثارًا لوجه الله تعالى، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة، وإن عاق عن العمل عائق. فلن ينال الله لحومُها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، والتقوى هاهنا عمل القلب، من نية القربة، وإرادة الخير، وإخلاص القصد لله، وهو المقصود، وعمل الظاهر مؤكد له، ولذلك كانت نيةُ المؤمن أبلغُ مَن عمله فإنَّ الطاعات غذاء القلوب، والمقصود: لذة السعادة بلقاء الله تعالى، والتنعم بها، وذلك فرع محبته والأنس به، ولا يكون إلاّ بذكره، ولا يفرغ إلا بالزهد في الدنيا، وترك شواغلها، والانقطاع عنها. هـ. ومن كانت هذه صفته كان من المحسنين، الذين يدفع الله عنهم المكارة والعوائق، كما قال تعالى: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٨] إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) يقول الحق ﷻ : إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ يدفع غائلة المشركين عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا فلا يقدرون أن يعوقوهم عن شيء من عبادة الله، بل ينصرهم ويؤيدهم كما قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا» ، وصيغة المفاعلة: إمَّا للمبالغة، أو للدلالة على تكرير الدفع، فإنها قد تجرد عن وقوع الفعل المتكرر من الجانبين، فيبقى تكرره من جانب واحد، كما في المحارسة، أي: يبالغ في دفع ضرر المشركين وشوكتهم، التي من جملتها صدهم عن سبيل الله، مبالغةَ مَن يغالَبُ فيه، أو يدفعها عنهم مرة بعد أخرى، بحسب تجرد قصد الإضرار بالمسلمين، كما في قوله: كُلَّما أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ «٢» . وقرأ المكي والبصري: «يُدافِعُ» . ثم علّل ذلك الدفع بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أي: لأنَّ الله يبغض كل خوان في أمانة الله تعالى، وهي: أوامره ونواهيه، ومن أعظمها: الإيمان بالله ورسوله. أو في جميع الأمانات، كفورٌ لنعم الله. والمعنى: إن الله يدافع عنهم لأنه يبغض أعداءهم، وهم: الخونة الكفرة، الذين يخونون الله والرسول، ويخونون أماناتهم. وصيغة المبالغة فيها لبيان أنهم كذلك فيهما، لا لتقييد البعض بغاية الجناية فإن الخائن ممقوت مطلقًا. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الله يدفع عن أوليائه، والمتوجهين إليه، كل عائق وشاغل، وغائلة كل غائل، الذين حازوا ذروة الإيمان، وقصدوا تحقيق مقام الإحسان. فمن رام صدّهم عن ذلك فهو خائن كفور، (إن الله لا يحب كل خوّان كفور) .

стр. 1753

ثم أمر بجهاد من صدهم وعاقهم عن سبيل الله، فقال: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٩ الى ٤١] أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) قلت: (إلا أن يقولوا) ، قيل: منقطع. وقال الزمخشري: في محل الجر، بدل من حق. هـ. وهو على طريق قول الشاعر: لاَ عَيُبَ فِيِهمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائِبِ يقول الحق ﷻ : أُذِنَ أي: رُخص وشرع، أو أَذن اللهُ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ أي: يُقاتلهم الكفارُ المشركون، وحذف المأذون فيه لدلالة «يُقاتَلون» عليه، أي: في قتالهم، بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا أي: بسبب كونهم مظلومين، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، كان مشركو مكة يؤذونهم أذىً شديدًا، وكانوا يأتون رسول الله ﷺ من بين مضروبٍ ومشجوج، فيتظلمون إليه، فيقول لهم رسول الله ﷺ : «اصبروا فإني لم أومر بالقتال» . حتى هاجر، فنزلت هذه الآية «١» . وهي أول آية نزلت في الجهاد، بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية. وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. وعدٌ لهم بالنصر، وتأكيد لِما مرّ من العِدَة الكريمة بالدفع، وتصريح بأن المراد ليس مجرد تخليصهم من يد المشركين، بل بغلبتهم وإظهارهم عليهم. وتأكيده بكلمة التحقيق. واللام لمزيد تحقيق مضمونه، وزيادة توطين نفوس المؤمنين. ثم وصف الذين أَذن لهم، أو فسرهم، أو مدحهم بقوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ، يعني مكة: بِغَيْرِ حَقٍّ بغير ما يوجب إخراجهم إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ أي: بغير موجب سوى التوحيد، الذي ينبغي أن يكون موجبًا للإقرار لا للإخراج. ومثله: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ «٢» . وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ: لولا أن يدفع الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ بتسليط المؤمنين على الكافرين في كل عصر وزمان، وإقامة الحدود وكف الظالم، لَهُدِّمَتْ أي: لخربت باستيلاء الكفرة على الملل، صَوامِعُ:

стр. 1754

جمع صومَعة- بفتح الميم، وهي: متعبد النصارى والصابئين منهم، ويسمى أيضًا الدير. وسُمي بها موضع الأذان فى الإسلام: وَبِيَعٌ: جمع بيعة- بكسر الباء-: كنائس النصارى، وَصَلَواتٌ: كنائس اليهود، سميت بما يقع فيها،. وأصلها: صلَوتا بالعبرانية، ثم عُربت، وَمَساجِدُ للمسلمين، يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً أي: ذكراً كثيرًا، أو وقتًا كثيرًا، صفة مادحة للمساجد، خُصت بها دلالةً على فضلها وفضل أهلها. وقيل يرجع للأربع، وفيه نظر فإنَّ ذكر الله تعالى في الصوامع والبيع والكنائس قد انقطع بظهور الإسلام، فَقَصْدُ بيانِه، بعد نسخ شرائعها مما لا يقتضيه المقام، ولا ترتضيه الأفهام. وقدمت الثلاثة على المساجد لتقدمها وجودًا، أو لقربها من التهديم. وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ أي: وتالله، لينصرن الله من ينصر دينه ونبيه- ﵊ وأولياءه. ومن نصرِه: إشهاره وإظهاره، وتعليمه لمن لا يعلَمه، وإعزاز حامل لوائه من العلماء والأولياء. وقد أنجز الله وعده، حيث سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ: غالب على كل ما يريد، ومن جملته: نصرهم وإعلاؤهم. ثم وصف الذين أُخرجوا مِن دِيَارِهِم بقوله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قلت: الصواب ما قاله مكي: أنه بدل مِن: «مَن ينصره» ، في محل نصب. قيل: المراد بهم: الصحابة- رضى الله عنهم-، وقيل: الأمة كلها. وقيل: الخلفاء الأربعة لأنهم هم الذين مُكِّنوا في الأرض بالخلافة، وفعلوا ما وصفهم الله به. وفيه دليل صحة أمرِ الخلفاء الراشدين لأن الله- أعطاهم التمكين، ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة. وعن عثمان رضى الله عنه: (هذا، والله، ثناء قبل بلاء) ، يعني: أن الله تعالى أثنى عليهم قبل ظهور الشر من الهرج والفتن فيهم. وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ فإنَّ مرجعها إلى حكمه وتقديره فقط. وفيه تأكيد للوعد بإظهار أوليائه وإعلاء كلمته. الإشارة: إذا اتصل الإنسان بشيخ التربية فقد أذن له في جهاد نفسه، إن أراد الوصول إلى حضرة ربه لأنها ظالمة تحول بينه وبين سعادته الأبدية. وإن الله على نصرهم لقدير لأن هِمَّةَ الشيخ تحمله وتنصره بإذن الله. وأما إن لم يتصل بشيخ التربية، فإن مجاهدته لنفسه لا تُصيب مَقاتلها لدخولها تحت الرماية، فلا يُصيبها ضربه، وأما الشيخ فلأنه يريه مساوئها ويعينه على قتلها. وقوله تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ هم الذين أُمروا بقتل نفوسهم، فإنهم إذا خرقوا عوائد نفوسهم، وخرجوا عن عوائد الناس، رفضوهم وأنكروهم، وربما أخرجوهم من ديارهم، فقلَّ أن تجد وليًا بقي في وطنه الأول، وما نقموا منهم وأخرجوهم إلا لقصدهم مولاهم، وقولهم: ربُّنا الله دون شيء سواه، فحيث خرجوا عن

стр. 1755

عوائدهم وقصدوا مولاهم، أنكروهم وأخرجوهم من أوطانهم، ولولا دفع الناس بعضهم ببعض بأن شفع خيارهم في شرارهم، لهدمت دعائم الوجود لأنَّ من آذى وليّاً فقد آذن بالحرب. قال القشيري: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ) ، أي: يتجاوز عن الأصاغر لِقَدْرِ الأكابر استبقاء لمنازل العبادة، تلك سُنَّة أجراها. ثم قال: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) ، أي: لم يشتغلوا في ذلك بحظوظٍ، ولكن قاموا لأداء حقوقنا. هـ. ولمّا بشّر نبيّه- ﵊ مع المؤمنين، بالدفع والنصر على سائر الملل، سلّاه عن تكذيب قومه بقوله: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٤٥] وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) يقول الحق ﷻ : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا مُحمد، أي: أهل مكة، فلا تحزن فلست بأول من كُذب، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي: قبل قومك قَوْمُ نُوحٍ نوحاً، وَعادٌ هودًا، وَثَمُودُ صالحًا، وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ إبراهيم، وَقَوْمُ لُوطٍ لوطًا، وَأَصْحابُ مَدْيَنَ شعيبًا، وَكُذِّبَ مُوسى كذَّبه فرعونُ والقبط. ولم يقل: وقوم موسى لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه القبطُ. أو: كأنه لمَّا ذكر تكذيب كلُّ قوم رسولهم، قال: وكُذِّب موسى، مع وضوح آياته وظهور معجزاته، فما ظنك بغيره؟ فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ: أمهلتهم وأخرت عقوبتهم، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ: عَاقَبْتُهم على كفرهم، أي: أخذت كل فريق من فِرَقِ المكذبين، بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي: إنكاري وتغييري حيث أبدلتهم بالنعم نقمًا، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا، فكان ذلك في غاية ما يكون من الهول والفظاعة. فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أي: كثيرًا من القرى أهلكناها وخربناها بإهلاك أهلها، وَهِيَ ظالِمَةٌ أي: والحال أنها ظالمة بالكفر والمعاصي، فَهِيَ خاوِيَةٌ: ساقطة على عُرُوشِها، من خوى النجم: سقط. والمعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي: خربت سقوفُها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. ويجوز أن يكون «على عروشها» : خبرًا بعد خبر، أي: فهي خالية من السكان، وهي على عروشها، أي: قائمة مشرفة على السقوف الساقطة. وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ أي: وكم من بئر متروكة مهملة في البوادي والحواضر، لا يستسقى منها

стр. 1756

لهلاك أهلها مع توفير مائها، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ: مرفوع البنيان، من شاد البنيان: إذا رفعه، أو مجصّص بالشيد، أي: الجص، أي: مبنيًا بالشيد والجندل. وقال الضحاك: كانت هذه البئر المعطلة بحضر موت، في بلدة يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف ممن آمن بصالح، ونجوا من العذاب، أتوا حضر موت، ومعهم صالح، فلما حضروا ذلك الموضع، مات صالح، فسمى حضر موت لأن صالحًا لما حضره مات، فبنوا حاضوراء، وقعدوا على هذه البئر، فأقاموا دهرًا طويلاً، وتناسلوا حتى كثروا، ثم عبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل الله إليهم نبيًا يقال له: «حنظلة بن صفوان» ، فقتلوه فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم وخربت قصورهم «١» . هـ. وحاصل المعنى: وكم قرية أهلكناها، وكم بئر عطلناها عن سقاتها، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنه، أي، أهلكنا البادية والحاضرة جميعًا، فخلت القصور عن أربابها، والآبار عن روادها. فالأظهر أن البئر والقصر على العموم. الإشارة: ما سلّى به الرسل- ﵈ تسلى به الأولياء- رضوان الله عليهم- فتكذيب أهل الخصوصية سُنة ماضية، غير أن مُكذبي الرسل يُعاجَلون بالعقوبة، ومكذبي الأولياء يعاقبون بالبعد والحجاب. وقال القشيري: (وبئر معطلة) ، الإشارة إلى العيون المفجرة من بواطنهم، (وقصر مشيد) الإشارة إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها، من الهيبة والأنس وسائر المواجيد. هـ. قلت: وكأنه فسر القرية بالقلب، وهلاكه: خلاؤه من نور التوحيد، فقلوب الغافلين خاوية على عروش عقولهم، المطموس نورها، وعيون بواطنهم معطلة من الفكرة، وأسرارهم خاربة من نور النظرة. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالاعتبار بمن سلف من القرون المهلكة والآبار المعطلة، فقال: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٦ الى ٤٨] أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)

стр. 1757

قلت: (أفلم) : الفاء عطف على مقدر أي أَغفلوا فلم يسيروا فيعتبروا، (فإنها) : ضمير القصة، أو مبهم يُفسره ما بعده. و (لن يخلف الله وعده) : حالية، أي: ينكرون مجيء العذاب الموعود، والحال: أنه تعالى لا يخلف وعده، أو اعتراضية مُبينة لما ذكر، و (إنَّ يومًا) : استئنافية، إن كانت الأولى حالية، ومعطوفة، إن كانت اعتراضية سيقت لبيان خطأهم. يقول الحق ﷻ : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فيروا مصارعَ من أهلكهم اللهُ بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم الدارسة وقصورهم الخالية، وديارهم الخربة، فيعتبروا. وهو حث لهم على السفر ليشاهدوا ذلك. فَتَكُونَ لَهُمْ بسبب ما شاهدوه من مظان الاعتبار ومواطن الاستبصار قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يجب أن يُعقل من التوحيد ونحوه، أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ما يجب أن يُسمع من الوحي أو من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورُهم من الناس فإنهم أعرف بحالهم. قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق إهلاك الأمم السالفة، وبقيت آثارهم خرابًا، عقبه بذم هؤلاء في عدم اتعاظهم بذلك. والسير في الأرض: إمَّا حسي، أو معنوي باعتبار سماع أخبارها من الغير، أو قراءتها في الكتب. فقوله: (فتكون لهم قلوب) : راجع للسير الحسي، وقوله: (أو آذان) للسير المعنوي. هـ. فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ الحسية، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ عن التفكر والاعتبار، أي: ليس الخلل في مشاعرهم، ولكن الخلل في عقولهم، باتباع الهوى والانهماك في الغفلة. وذكر الصدور للتأكيد، ونفي توهم التجوز لأن قلب الشيء: لبه، فربما يقال: إن القلب يراد به غير هذا العضو، ولكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه، وعينان في قلبه، وتسمى البصيرة، فإن انفتح ما في القلب، وعمي ما في الرأس فلا يضر، وإن انفتح ما في الرأس وانطمس ما في القلب لم ينفع، والتحق بالبهائم، بل هو أضل. ثم ذكر علامة عمى القلوب، وهو الاستهزاء بالوعد الحق، فقال: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ المتوعد به استهزاء وإنكارًا وتعجيزًا، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ أي: يستعجلون به، والحال أنه تعالى لا يخلف وعده أبدًا، وقد سبق الوعد به، فمن لا يخلف وعده فلا بد من مجيئه، ولو بعد حين. وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أي: كيف يستعجلونك بعذاب من يومْ واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم لأن أيام الشدة طُوال. وقيل: تطول حقيقة، ولذلك قال ﵊: «يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ الجَنَّةَ قِبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْم، وذَلِكَ خمسمائة سنة» «١» .

стр. 1758

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها أي: كثيرًا من أهل قرية كانوا ظالمين مثلكم، قد أمهلتهم حينًا وأمليت لهم، كما أمليت لكم، ثم أخذتهم بالعذاب والنكال بعد طول الإملاء والإمهال. والإملاء هو الإمهال مع إرادة المعاقبة. وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ أي: المرجع إليَّ، فلا يفوتني شيء من أمر المستعجلين وغيرهم، أو: إلى حكمي مَرجع الكل، لا إلى غيري، لا استقلالاً ولا شركة، فأفعل بهم ما يليق بأعمالهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: عمى القلوب هو انطماس البصيرة، وعلامة انطماسها أمور: إرسال الجوارح في معاصي الله، والانهماك في الغفلة عن الله، والوقيعة في أولياء الله، والاجتهاد في طلب الدنيا مع التقصير فيما طلبه منه الله. وفي الحِكَم: «اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك» . وعلامة فتحها أمور: المسارعة إلى طاعة الله، واستعمال المجهود في معرفة الله، بصحبة أولياء الله، والإعراض عن الدنيا وأهلها، والأنس بالله، والغيبة عن كل ما سواه. واعلم أن البصر والبصيرة متقابلان في أصل نشأتهما، فالبصر لا يُبصر إلا الأشياء الحسية الحادثة، والبصيرة لا تُبصر إلا المعاني القديمة الأزلية، فإذا انطمست البصيرة كان العبد مفروقًا عن الله، لا يرى إلا الأكوان الظلمانية الحادثة. وفي ذلك يقول المجذوب رضى الله عنه: مَنَ نَظَرَ الكَوْن بِالْكَوْنِ غَرَّهُ: في عمى البصيرة. ... ومن نظر الكون بالمكون: صادق، علاج السريرة وإذا انفتحت البصيرة بالكلية استولى نورها على نور البصر، فانعكس نور البصر إلى البصيرة، فلا يرى العبدُ إلا أسرار المعاني الأزلية، المفنية للأواني الحادثة، فيغيب عن رؤية الأكوان بشهود المكون. وعِلاَجُ انفتاحها يكون على يد طبيب ماهر عارف بالله، يقدحها له بمرود التوحيد، فلا يزال يعالجها بإثمد توحيد الأفعال، ثم توحيد الصفات، ثم توحيد الذات، حتى تنفتح. فتوحيد الأفعال والصفات يُشهد قُرب الحق من العبد، وتوحيد الذات يُشهد عدمه لوجود الحق، وهو الذي أشار إليه في الحكم بقوله: «شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق، لا عدمك ولا وجودك. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان» . فيرى حينئذ من أسرار الذات وأنوار الصفات ما لا يراه الناظرون، ويشاهد ما لا يشاهده الجاهلون. وفي ذلك يقول الحلاج: قلوبُ العَارفِينَ لَهَا عُيُونٌ ... تَرى مَا لا يُرى للنَّاظِرِينَا وأجنحةٌ تَطِيرُ بِغَيْرِ ريشٍ ... إلَى ملكُوتٍ ربِّ العَالَمِينَا وألسنةٌ بأسْرارٍ تُنَاجِي ... تغيبُ عن الكِرَامِ الكَاتِبِينا

стр. 1759

وقال الورتجبي: الجهال يرون الأشياء بأبصار الظواهر، وقلوبهم محجوبة عن رؤية حقائق الأشياء، التي هى تلمع منها أنوار الذات والصفات، وأعماهم الله بغشاوة الغفلة وغطاء الشهوة. هـ. ثم أمر نبيه بالجواب عن استعجالهم العذاب، فقال: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٩ الى ٥١] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: أنذركم إنذارًا مبينًا بما أوحي إليَّ من أخبار الأمم المهلَكة، من غير أن يكون لي دخل في الإتيان بما توعَدُونه من العذاب الذي تستعجلونه.. وإنما لم يقل: نذير وبشير، مع ذكر الفريقين بعده لأن الحديث مسوق إلى المشركين فقط. والمراد بالناس: الذين قيل فيهم: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) ، ووصفوا بالاستعجال، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظهم. فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي: حسن، وهي الجنة. والكريم من كل نعيم: ما يجمع فضائله ويحوز كمالاته. وَالَّذِينَ سَعَوْا، يقال: سَعَى في أمر فلان: إذا أفسده بسعيه، أي: أفسدوا فِي آياتِنا أي: القرآن بسعيهم في إبطاله، مُعاجِزِينَ أي: مسابقين. وقرأ المكي والبصري: «معجّزين» . بالشد، أي: مُثبطين الناس عن الإيمان. يقال: عاجزه: سابقه لأنَّ كل واحد منهما يطلب عجز الآخر، واللحوق به، فإذا غلبه، قيل: أعجزه وعجزه. والمعنى: سعوا في معناها بالفساد من الطعن فيها، حيث سمُّوها سحرًا وشعرًا وأساطير الأولين، مسابقين في زعمهم وتقديرهم، طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي: ملازموا النار الموقودة. وقيل: هو اسم دركة من دركاتها. الإشارة: الدعاة إلى الله تعالى إنما شأنهم التحذير والتبشير، ثم ينظرون ما يفعل الله في ملكه وخلقه، من هداية أو إضلال، وليس من شأنهم طلب ظهور المعجزات، أو الكرامات، ولا الحرص على هداية الخلق بالكد والاجتهاد، إنما شأنهم التذكير، ويردون الأمر إلى الملك القدير، فلا يتأسفون على من تخلف عنهم. وكان ﵊ يحرص على هداية قومه، فلما نهاه الحق تعالى عن ذلك، رجع وتأدب بكمال العبودية، وبه اقتدى خلفاؤه من بعده، فكان ﷺ في أول أمره يتمنى أن ينزل عليه ما يُقارب بينه وبين قومه، لعلهم يتدبرون فيما ينزل عليه فيُسلموا، فقرأ يومًا سُورَةَ النَّجْمِ، فَأُلقِي في مسامعهم ما يدل على مدح آلهتهم، فحزن

стр. 1760

- ﵊ حين نسبوا ذلك له، فسلّاه الله تعالى بقوله: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٢ الى ٥٤] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) قال ابن عباس وغيره من المفسرين الأولين- رضى الله عنهم-: لما رأى النبي ﷺ مباعدة قومه وتوليهم، وشق عليه ذلك تمنى أن يأتيه من الله تعالى ما يُقارب بينه وبين قومه، فجلس يومًا في جمع لهم، فنزلت سوة النجم، فقرأها عليهم، فلما بلغ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «١» ، ألقى الشيطان على لسانه «٢» : تلك الغرانيق العُلى وإنْ شفاعتهم لترجى هـ. قلت: بلى، ألقى ذلك في مسامعهم فقط، ولم ينطق بذلك- ﵊ فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، ثم سجد النبي ﷺ في آخر السورة، وسجد المسلمون والمشركون، إلا الوليد بن المغيرة، رفع حفنة من التراب وسجد عليه، فقالت قريش: ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أن الله يُحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل محمد لها نصيبًا فنحن معه، فلما أمسى أتاه جبريل. فقال يا محمد ما صنعتَ فقد تلوتَ على الناس ما لم آتك به؟ فحزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا، فنزلت الآية تسلية له ﵊. فقال ﷻ : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ، يُوحى إليه بشرع، ويُؤمر بالتبليغِ، وَلا نَبِيٍّ يُوحى إليه، ولم يُؤمر بالتبليغ، فالرسول مكلف بغيره، والنبي مقتصر على نفسه، أو الرسول: مَن بُعث بشرع جديد، والنبي: مَنْ قرر شريعة سابقة، ولذلك شبه ﷺ علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول، وقد سئل- عليه

стр. 1761

الصلاة والسلام- عن الأنبِيَاءِ، فقال: «مِائَةُ أَلْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قِيل: فَكمِ الرُّسُلُ مِنْهُمْ؟ قال: ثَلاثُمِائةٍ وثلاثَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا» «١» . إِلَّا إِذا تَمَنَّى هيأ في نفسه ما يهواه كهداية قومه ومقاربتهم له، أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ في تشهيه ما يُوجب حصول ما تمناه، أو مقاربته، كما ألقى في مسامع قريش ما يُوجب مقاربتهم له- ﵊ ثم ينسخ الله ذلك. أو (إذا تمنى) : قرأ، كما قال الشاعر: تَمَنَّى كِتَابَ اللهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ ... تَمَنَّى دَاوُدَ الزَّبُورَ علَى رِسْلِ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ: في قراءته، حين قرأ سورة النجم بعد قوله: (وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ، تلك الغرانيق العُلى، كما تقدم. قال القشيري: كانت لنبينا ﷺ سكتات، في خلال قراءته عند قراءة القرآن، عند انقضاء كل آية، فتلفظ الشيطان ببعض الألفاظ، فمن لم يكن له تحصيل توهم أنه من ألفاظ الرسول. هـ. وقال ابن البنا: التمني هو التلاوة التي يُتمنى فيها، فيتلو النبي وهو يريد أن يفهم عنه معناها، فيلقي الشيطان في فهوم السامعين غير المعنى المراد، وما قال الزمخشري: قرأ تلك الغرانيق العلى، على جهة السهو والغلط، فباطل، لقول الله العظيم: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٢» ، فهو معصوم من السهو والغلط في تبليغ الوحي هـ. قلت: فتحصل أنه- ﵊ لم ينطق بتلك الكلمات قط، لا سهوًا ولا عمدًا، وإنما أُلقيت في مسامع الكفار ليحصل ما تمناه- ﵊ من المقاربة. ويدل على هذا أن من حضر من المسلمين لم يسمعوا من ذلك شيئًا، فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين وأهل السير من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق وتأويل قريب، فلا تَحْسُن المبادرة بالإنكار والرد عليهم، وهم عدول، لا سيما حبر هذه الأمة، وإنما يحتاج اللبيب إلى التطبيق بين المنقول والمعقول، فإن لم يمكن، قدَّم المنقول، إن ثبتت صحته، وحكم على العقل بالعجز. هذا مذهب المحققين من الصوفية- رضى الله عنهم- ونسبة الإلقاء إلى الشيطان أدب وتشريع إذ لا فاعل في الحقيقة سواه تعالى. فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ أي: يَذهب به ويُبطله، أو يُرشد إلى ما يزيحه، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ أي: يُثبتها ويحفظها عن لحوق الزيادة من الشيطان، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي: عليم بما يوحى إلى نبيه، حكيم في وحيه، لا يدع الباطل يأتيه مِن بين يديه ولا من خلفه.

стр. 1762

ثم ذكر حكمة ذلك الإلقاء، فقال: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً أي: محنة وابتلاء لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: شك وشرك، وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ البعيدة من الخير، الخاربة من النور، واليابسة الصلبة، لا رحمة فيها ولا شفقة وهم المشركون المكذبون، فيزدادون به شكًا وظلمة. وَإِنَّ الظَّالِمِينَ وهم الكفرة المتقدمة، ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم، لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي: عداوة شديدة ومخالفة تامة بعيدة عن الحق. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالله أَنَّهُ أي: القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي: النازل من عنده فَيُؤْمِنُوا بِهِ أي: بالقرآن فَتُخْبِتَ: تطمئن، أو تخشع لَهُ قُلُوبُهُمْ بالانقياد إليه والإذعان لما فيه، وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بالنظر الموصل إلى الحق الصريح، فيتأولوا ما تشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبوا، لما أشكل منه، المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة، حتى لا يلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا وقع التعبير من جانب الحق فكل واحد من المستمعين يسمع ما يليق بمقامه ويقويه فيه. فأهل الباطل يسمعون ما يليق بباطلهم ويمدهم فيه، وأهل الحق يسمعون ما يليق بحقهم ويرقيهم، فأهل الإيمان يسمعون ما يقوي إيمانهم ويزيدهم يقينًا، وأهل الوصول يسمعون ما يليق بمقامهم ويرقيهم فيه، وهكذا. وتأمل قضية الثلاثة الذين سمعوا قائلاً يقول: يا سعترا بري. فسمع أحدهم: اسْعَ تَر بري، وسمع الآخر: الساعة ترى بري ... وسمع الثالث: ما أوسع بري، فالأول: طالب للوصول، فقال له: اسع تر بري، والثاني: سائر مستشرف على الوصول، فقال له: الساعة ترى بري، والثالث: واصل قد اتسع عليه ميدان النعم، فقال له: ما أوسع بري. وكل من قَدِمَ على الأولياء فإنما يسمع بحسب ما عنده فمن قَدِمَ عليهم بالميزان لا يسمع إلا ما يُبعده، ومن قَدِمَ بالتصديق والتعظيم لا يسمع ولا يرى إلا ما يُقربه من الكمالات والأنوار. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضد الذين أوتوا العلم الذين تحققوا بحقية القرآن، فقال: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٥ الى ٥٩] وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)

стр. 1763

يقول الحق ﷻ : وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ: شك مِنْهُ من القرآن، أو الصراط المستقيم، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً: فجأة، أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ، وهو عذاب يوم القيامة، كأنه قيل: حتى تأتيهم الساعة أو عذابها، فزاد «اليوم العقيم» لمزيد التهويل. واليوم العقيم: الذي لا يوم بعده، كأنَّ كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا يوم بعده يكون عقيمًا. وقيل: اليوم العقيم: يوم بدر، فهو عقيم عن أن يكون للكافرين فيه فَرح أو راحة، كالريح العقيم لا تأتي بخير، أو لأنه لا مثل له في عِظم أمره لقتال الملائكة فيه، ولكن لا يساعده ما بعده، من قوله: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ أي: السلطان القاهر، والتصرف التام، يومئذ لله وحده، ولا منازع له فيه، ولا تصرف لأحد معه، لا حقيقة ولا مجازاً، ولا صورة ولا معنىً، كما في الدنيا، فإنَّ للبعض فيه تصرفًا مجازيًا صُوريًا. يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أي: بين فريق أهل المرية وأهل الإيمان. ثم بيّن حكمه فيهم، فقال: فَالَّذِينَ آمَنُوا بالقرآن الكريم ولم يُماروا فيه، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ امتثالاً لما أمر به في تضاعيفه فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالقرآن وشكوا فيه، أو بالبعث والجزاء، وَكَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على كمال قدرتنا أو القرآن، فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ، يُهينهم ويُخزيهم. ثم خص قومًا من الفريق الأول بفضيلة، فقال: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ: خرجوا من أوطانهم مجاهدين، ثُمَّ قُتِلُوا في الجهاد، أَوْ ماتُوا حتف أنفهم، لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً، وهو ما لا ينقطع من نعيم الجنان. ومراتب الحسن متفاوتة، فيجوز تفاوت حال المرزوقين، حسب تفاوت أرزاق الجنة. رُوي أن بعض أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا نَبِي الله هؤُلاَءِ الذين قُتِلُوا في سَبِيل اللهِ قَدْ عَلِمْنَا مَا أعْطَاهُمُ الله مِن الخَيْرِ، ونَحْنُ نُجَاهِدُ مَعَكَ كَما جَاهَدُوا، فَمَا لَنَا مَعَكَ؟ فنزلت: (وَالَّذِينَ هاجَرُوا ... ) الآيتين. وقيل: نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة، فتبعهم المشركون فقتلوهم. ثم قال تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، فإنه يرزق بغير حساب، مع أنَّ ما يرزقه لا يقدر عليه غيره، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ، وهو الجنة لأنَّ فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، قيل: لَمَّا ذكر الرزق ذكر المسكن، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ، عليم بأحوال من قضى نحبه مجاهدًا، وآمال من مات وهو ينتظره معاهدًا، حليم بإمهال من قاتلهم معاندًا. الإشارة: من لم يصحب العارفين أهل الرسوخ واليقين، لا يمكن أن تنقطع عنه خواطر الشكوك والأوهام، حتى يلقى الله بقلب سقيم، فيُفضي إلى الهوان المقيم. والذين هاجروا في طلب محبوبهم لتكميل يقينهم، ثم قتلوا قبل الوصول، أو ماتوا بعد الوصول، ليرزقنهم الله جميعًا رزقًا حسنًا، وهو لذة الشهود والعيان، في مقعد صدق مع

стр. 1764

المقربين، (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) . والمدخل الذي يرضونه: هو القرب الدائم، والشهود المتصل. جعلنا الله من خواصهم بمنِّه وكرمه. ولمّا ذكر ثواب من هاجر وقتل في سبيل الله، أو مات، أخبر أنه لا يدع نصرتهم فى الدنيا على من بغى عليهم، فقال: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٠ الى ٦٢] ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) قلت: (ذلك) : خبر، أي: الأمر ذلك. و (مَن عاقب) : شرط سدّ مسد جوابه، أي: من عاقب بمثل ما عوقب به ينصره الله. يقول الحق ﷻ : ذلِكَ أي: الأمر ذلك، كما أخبرتك في بيان الفريقين، ثم استأنف فقال: وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ أي: لم يزد في القصاص على ما فُعل به، وسمى الابتداء عقابًا للمشاكلة ولملابسته له، من حيث إنه سبب له وهو مسبب عنه. ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ أي: من جازى بمثل ما فُعل به من الظلم، ثم ظُلم، بعد ذلك، وبُغي عليه بعد ذلك، فحق على الله أن ينصره إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ يمحو آثار الذنوب، غَفُورٌ يستر أنواع العيوب. ومناسبة الوصفين لما قبلهما: أن المعاقب مأمور بالعفو من عند الله، بقوله: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ «١» ، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «٢» ، فحين لم يفعل ذلك، وانتصر لنفسه، فكأنه مُذنب، فمعنى العفو في حقه أنه لا يلزمه على ترك الفضل شيء، وأنه ضامن لنصره في الكرة الثانية، إذا ترك العفو وانتقم من الباغي عليه، وعَرَّضَ، مع ذلك، بما كان أولى به من العفو بذكر هاتين الصفتين.

стр. 1765

ثم ذكر دلائل قدرته على النصر وغيره بقوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي: ذلك النصر للمظلوم بسبب أنه قادر على ما يشاء. ومن آيات قدرته أنه (يُولجُ الليلَ في النهار ويُولج النهارَ في الليل) أي: يُدخل أحدهما في الآخر، فيدخل الليلَ في النهارِ إذا طال النهار، ويُدخل النهارَ في الليل إذا طال الليلُ، فيزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر. أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما، بإدخال أحدهما على الآخر، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر، والبغي والإنصاف. وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقولون، لا يشغله سمع عن سمع، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفُنون اللغات، بَصِيرٌ بما يفعلون، فلا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي، وإن توالت الظلمات. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الواجب لذاته، الثابت في نفسه، الواحد في صفاته وأفعاله، فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان كونه مُبديًا لكل ما يوجد من الموجودات، عالمًا بكل المعلومات. وإذا ثبت أنه الحق فدينُه حق، وعبادته حق، وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ «١» مِنْ دُونِهِ إلها هُوَ الْباطِلُ أي: المعدوم في حد ذاته. أو الباطل ألوهيته، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أي: المتعالي عن مدارك العقول، وعن سمات الحدوث، أو المرتفع على كل شيء بقهريته، أو المتعالي عن الأنداد والأشباه، الكبير شأنًا وعظمةً وكبرياء إذ كل شيء يصغر دون كبريائه، فلا شيء أعلى منه شأنًا وأكبر سلطانًا لأن له الوجود المطلق. والله تعالى أعلم. الإشارة: ومن عاقب نفسه وجاهدها وأدَّبها في أيام اليقظة، بمثل ما عاقبته وجنت عليه وطغت في أيام الغفلة، ثم صرعته بعد ذلك وغلبته لينصرنه الله عليها، حتى يغلبها ويملكها، فكلما هاجت عليه هجم عليها، حتى يملكها ذلك بأن الله يُولج ليلَ المعصية في نهار الطاعة، ويولج نهار الطاعة في ليلِ المعصية، أي: يدخل أحدهما على الآخر، فلا يزال العبد يعصي ويطيع حتى يمنَّ عليه بالتوبة النصوح. أو يولج ليل المعصية في نفس الطاعة، فتنقلب الطاعة معصية، إذا صحبها علو واستكبار. ويولج نهار الطاعة في عين المعصية، فتنقلب طاعة إذا صحبها ذل وافتقار. ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما دونه باطل.

стр. 1766

ثم ذكر دليلاً آخر على قدرته، فقال: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٣ الى ٦٥] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مآء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) قلت: (فتصبح) : عطف على «أنزل» ، والعطف بالفاء أغنى عن الضمير، وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار بتجدد أثر الإنزال، وهو الاخضرار واستمراره، أو لاستحضار صورة الاخضرار، وإنما لم ينصب جوابًا للاستفهام لأنه لو نصب لبطل الغرض لأن معناه في الرفع إثبات الاخضرار، فينقلب في النصب إلى نفيه، كما تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إن نصبته نفيت شكره، وشكوت من تفريطه، وإن رفعته أثبت شكره. يقول الحق ﷻ : أَلَمْ تَرَ يا محمد، أو يا مَن يسمع، أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماء مطرا فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً بالنبات، بعد ما كانت مسودة يابسةً، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ بعباده، أو في ذاته لا يدرك، خَبِيرٌ بمصالح خلقه ومنافعهم، أو اللطيف المختص بدقائق التدبير، الخبير بكل جليل وحقير، قليل وكثير. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مُلكًا ومِلْكًا، قد أحاط بهم قدرةً وعلمًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ عن كل شيء، المفتقر إليه كل شيء، الْحَمِيدُ: المحمود بنعمته، قبل ثناء من في السموات والأرض عليه، أو المستحق للحمد، أعطى أو لم يعط. ثم ذكر موجب الحمد من عباده، فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ من الأنعام لتأكلوا منها، ومن البهائم لتركبوها في البر، وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ: بقدرته وإذنه، أي: وسخر لكم المراكب حال كونها جارية في البحر بإذنه، وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ أي: يحفظها من السقوط، بأن خلقها على هيئة متداعية إلى الاستمساك، إِلَّا بِإِذْنِهِ: إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة، وفيه رد لا ستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية، فتكون قابلة للميل الهابط قبُولَ غيرها. إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث هيأ لهم هذه الأسباب لقيام معاشهم، وفتح لهم أبواب المنافع، ودفع عنهم أنواع المضار، فأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية، فله الحمد وله الشكر.

стр. 1767

الإشارة: ألم تر أن الله أنزل من سماء المعاني ماء علم الغيوب، وهو علم أسرار الذات وأنوار الصفات، أعني: التوحيد الخاص، فإذا نزل على أرض النفوس، اهتزت وربت، واخضرت بالعلوم والمعارف، إن الله لطيف خبير، لطيف لسريان معانيه اللطيفة في كل شيء، خبير ببواطن كل شيء، فمن كوشف بلطيف معانيه وإحاطة علمه في كل شيء، وبكل شيء، حيي قلبه بمعرفة الله، واخضرت أرض نفسه بأنواع العلوم والمعارف، ألم تر أن الله سخر لَكُم مَّا في الأَرْضِ، يكون عند أمركم ونهيكم، وفلك الفكرة تجري في بحر التوحيد بأمره، ويُمسك سماء الأرواح أن تقع على أرض الحظوظ إلا بإذنه، بعد الرسوخ في معرفته، والتمكين من الفهم عنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم حيث فتح لهم باب العلوم، وهيأ لهم أسباب الفهوم، وهي الرياضة والتأديب. ثم ذكر دليلاً آخر على قدرته، فقال: [سورة الحج (٢٢) : آية ٦٦] وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦) يقول الحق ﷻ : وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ بعد أن كنتم جمادًا، عناصر ونطفًا في الأصلاب والأرحام، حسبما فُصل في صدر السورة، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند مجيء آجالكم، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ عند البعث، لإيصال جزائكم، إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ: لَجَحُود لِمَا أفاض عليه من ضُروب النعم، ودفع عنه من صنوف النقم، أو لا يعرف نعمة الإيجاد المُظهرة للوجود، ولا نعمة الإمداد الممدة بعد الوجود، ولا نعمة الإفناء المقربة إلى الموعود، ولا نعمة الإحياء الموصلة إلى المقصود، وهو التنعم في جوار الملك الودود، فله الحمد دائمًا وله الشكر. الإشارة: وهو الذي أحياكم باليقظة بعد الغفلة، وبالعلم بعد الجهل، ثم يميتكم عن حظوظ نفوسكم وهواها، ثم يُحييكم بالمعرفة به، حياةٌ لا موت بعدها، فمن لم يعرف هذا فهو كنود. ولا يمكن الوقوف على هذه النعم والقيام بشكرها، إلا بالتمسك بالشرع والوحي الإلهى، الذي أنزل الله على كل أمة، كما أبان ذلك بقوله: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٧ الى ٧١] لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)

стр. 1768

يقول الحق ﷻ : لِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم الخالية والباقية جَعَلْنا أي: وضعنا، وعَيَّنا مَنْسَكاً: شريعة خاصة يتمسكون بها، أي: عيّنا كل شريعة لأمة معينة من الأمم، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى، لا استقلالاً ولا اشتراكاً، فكل جيل لهم شرع مخصوص، هُمْ ناسِكُوهُ: عاملون به، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى- ﵉ منسكهم التوراة، هم عاملون به لا غيرهم. والتي كانت من مبعث عيسى ﵇ إلى مبعث النبي ﷺ منسكهم الإنجيل، هم ناسكوه وعاملون به. وأما الأمة الموجودة عند مبعث النبي- ﵊ ومَن بعدهم إلى يوم القيامة فهم أمة واحدة، منسكهم القرآن، ليس إلا. والفاء في قوله: فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن تعيين كل أمة بشرع مخصوص، يجب اتباعه، يوجب اتباع هؤلا الموجودين لرسول الله ﷺ وعدم منازعتهم له في أمر الدين، أي: فلا يجادلنك في أمر الدين، بل يجب عليهم الاستسلام والانقياد لكل أمر ونهي. أو: فلا تلتفت إلى قولهم، ولا تمكنهم من أن ينازعوك في الأمر، أي: أمر الدين أو أمر الذبائح. قيل: نزلت حين قال المشركون للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؟ يعني: الميتة، فأمر الله بالغيبة عنهم، وعدم الالتفات إلى قولهم. وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي: دُم على الدعاء إلى الله، والتمسك بدينه القويم إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ: طريق قويم موصل إلى الحق. وَإِنْ جادَلُوكَ بعد ظهور الحق مِراء وتعنتًا، كما يفعله السفهاء، بعد اجتهادك ألاَّ يكون بينك وبينهم تَنازع وجدال، فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ أي: فلا تجادلهم، وادفعهم بهذا القول، والمعنى: إن الله عالم بأعمالكم وما تستحقون عليها من الجزاء، فهو يُجازيكم به. وهذا وعيد وإنذار، ولكن برفق ولين، يُجيب به العاقلُ كلَّ متعنت سفيه. قال تعالى: اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمر الدين، وهو خطابٍ من الله تعالى للمؤمنين والكافرين، تسلية لرسول الله ﷺ مما كان يلقى منهم. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ، الاستفهام للتقرير، أي: قد علمت أن الله يعلم كل ما يحدث في السماء والأرض، ولا يخفى عليه شيءٍ من الأشياء، ومِن جملتها: ما تقوله الكفرة وما يعملونه، إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ في اللوح المحفوظ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي: علمه بجميع ذلك عليه يسير، فلا يخفى عليه

стр. 1769

معلوم، ولا يعسُر عليه مقدور. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: متجاوزين إياه، مع ظهور دلائل عظمته وقدرته وتوحيده، ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً: حجة وبرهانًا، وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ أي: وما ليس لهم بجواز عبادته علم من ضرورة أو استدلال، أي: لم يتمسكوا في عبادتهم لها ببرهان سماوي من جهة الوحي، ولا حملهم عليها دليل عقلي، بل لمجرد التقليد الرديء، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ أي: وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم العظيم من أحد ينصرهم، أو يصوب مذهبَهم، أو يدفع العذاب عنهم، حين يعتريهم بسبب ظلمهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما اختلفت الشرائع باختلاف الملل، اختلفت التربية باختلاف الأشخاص والأعصار، وقد تقدم عند قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً «١» . وجملتها ترجع إلى الهمة والحال، وبهما كانت التربية في الصدر الأول، فكانت الملاقاة والصحبة تكفي، ويحصل التهذيب والتصفية وكمال المعرفة. وذلك في زمان الصحابة والتابعين إلى القرن الثالث لقربهم من النور النبوي. فلما بَعُد الأمر، وأظلمت القلوب، أحدثوا تربية الاصطلاح، وهو التزيي بزي مخصوص، كالمرقعة وحمل السبحة في العنق، والركوة، وغير ذلك من مسائل التجريد، وترتيب أمور تموت بها النفوس وتعالج بها القلوب، واستعمال أوراد مخصوصة، فكانت التربية حينئذ بالهمة والحال والاصطلاح. وقد تحصل التربية لمن له الهمة والحال بغير اصطلاح، إذا رآه ينجع فيه ذلك، فبقي الأمر كذلك إلى القرن التاسع، فتصدى للتربية بالاصطلاح قوم مُدَّعُون، لا همة لهم ولا حال، فقال الحضرمي حسمًا لهذه الدعوى: قد انقطعت التربية بالاصطلاح، وما بقي إلا الهمة والحال، فعليكم بالكتاب والسنة، أي: بظاهر الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان، يعني طريق الأحوال والاصطلاح. ومراده بذلك: قطع التربية بالاصطلاح من غير همة ولا حال. وأما من له الهمة والحال فلا يقصد الحضرمي قطع تربيته بالاصطلاح. والحاصل: أن الحضرمي ما حكم إلا على وقته لِمَا رأى من الفساد الذي دخل في التربية. وقد وُجد بعده رجال مُربون بالاصطلاح مع الهمة والحال. والمراد بالهمة: العلم بالله على نعت الشهود والعيان، وبالحال: إنهاض القلوب عند رؤيته لذكر الله لقوله- ﵊ «خَيْرُكُمْ مَنْ إِذا رُؤوا ذُكر اللهُ» . ولا بد من إذن خاص من الشيخ، أو من يقوم مقامه، وإلا فلا تنجح تربيته، ولا ينهض حاله. والله تعالى أعلم. فإِن تأهلتَ للتربية بإذن خاص، فلا ينازعنك في الأمر، أي: لا تلفت إلى من ينازعك ويحتج عليك بانقطاع التربية تعنتًا وعنادًا. وادع إلى ربك، إنك لعلى هدى مستقيم. قال القشيري: قوله: (وَإِنْ جادَلُوكَ ... ) إلخ، أي:

стр. 1770

كلهم إلينا، عند ما راموا أمر الجدال، ولا تتكل على ما تختاره من الاحتيال، واحذر جنوحَ قلبك إلى الاستغاثة بالأمثال والأشكال فإنهم قوالبُ خاويةٌ. وأشباحٌ من رؤية المعاني خالية. هـ. ويوم القيامة يظهر المحق من المبطل، ويقال في شأن من يعبد هواه: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ) الآية. ثم ذكر وصفا آخر لأهل الإنكار، فقال: [سورة الحج (٢٢) : آية ٧٢] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) قلت: (وَإِذا تُتْلى) : عطف على «يعبدون» ، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي. يقول الحق ﷻ : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ أي: على المشركين آياتُنا القرآنية، حال كونها بَيِّناتٍ: واضحات الدلالة على العقائد الحقية، والأحكام الصادقة، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ أي: الإنكار بالعبوس والكراهة، فالمُنكَر: مصدر بمعنى الإنكار. يَكادُونَ يَسْطُونَ: يبطشون، والسطو: الوثب والبطش، أي. يثبون على الذين يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا من فرط الغيظ والغضب، والتالون هم: النبي ﷺ وأصحابه. قُلْ لهم: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم، أو مما أصابكم من الكراهة والضجر، بسبب ما يتلى عليكم، هو النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مثلكم، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النار، التي ترجعون إليها مخلدين. الإشارة: من شأن أهل العتو والتكبر أنهم إذا وعظهم الفقراء عنفوا واستنكفوا، ويكادون يسطون عليهم من شدة الغضب، فما قيل لكبراء الكفار يجرُ ذيله على من تشبّه بهم من المؤمنين. ولمّا كان دعواهم الشريك لله تعالى جارية فى الغرابة والشهرة مجرى الأمثال السائرة، ضرب لها الحق تعالى مثلا، فقال:

стр. 1771

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٣ الى ٧٤] يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ أي: يُبين لكم حالٌ مستغربة، أو قصة بديعة رائقة حقيقة بأن تسمى مَثَلاً، وتنشر في الأمصار والأعصار، فَاسْتَمِعُوا لَهُ لضرب هذا المثل استماع تدبر وتفكر، وهو: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ، وعن يعقوب: بياء الغيبة، أي: إن الذين تدعونهم آلهة وتعبدونهم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً أي: لن يقدروا على خلقه أبدًا، مع صغره وحقارته. و «لن» : لتأبيد النفي، فتدل على استحالته، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ أي: الذباب. ومحله: نصب على الحال، كأنه قال: لا يقدرون على خلقه مجتمعين له، متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين؟! وهذا أبلغ ما أنزل في تجهيل قريش، حيث وَصَفوا بالألوهية- التي من شأنها الاقتدار على جميع المقدورات، والإحاطة بكل المعلومات- صُورًا وتماثيل، يستحيل منها أن تقدر على أضعف ما خلقه الله تعالى وأذله، ولو اجتمعوا له. وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً من الطيب وغيره، لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ أي: هذا الخلق الأرذل الأضعف، لو اختطف منهم شيئًا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه، لم يقدروا، وعن ابن عباس رضى الله عنه: أنهم كانوا يطلُونها بالعسل والطيب، ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذبابُ من الكُوِي «١» فيأكله، فتعجز الأصنام عن أخذه. ضَعُفَ الطَّالِبُ: الصنمُ بطلب ما سُلب منه، وَالْمَطْلُوبُ: الذباب بما سَلَب. وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف، ولو حققت لوجدت الطالب أضعفَ وأضعفَ فإنَّ الذباب حيوان والصنم جماد. ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ: ما عَرفُوه حق معرفته، حيث جعلوا هذا الصنم الضعيف شريكًا له، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ أي: قادر غالب، فكيف يتجه أن يكون العاجز المغلوب شبيهًا له! أو: لقوي ينصر أولياءه، عزيز ينتقم من أعدائه. بَعْدَ أن ذكر تعالى أنهم لم يقدروا له قدرًا حيث عبدوا معه من هو منسلخ من صفاته، وسموه باسمه مع عجزه. ختم بصفتين منافيتين لصفات آلهتهم وهي القوة والغلبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تعلق في حوائجه بغير الله أو ركن بالمحبة إلى شيء سواه، فقد أشرك مع الله أضعف شيء وأقله. فماذا يجدي تعلقُ العاجزُ بالعاجز، والضعيف بالضعيف، ضَعف الطالبُ والمطلوب. فما قَدَر الله حقَ قدره من تعلق في أموره بغيره. قال الورتجبي: بيَّن سبحانه- بعد ذكر عجز الخلق والخليقة- جلال قدره الذي لا يعرفه غيره، بقوله: (ما قدروا الله حق قدره) ، قال: وهذه شكاية عن إشارة الخلق إليه بما هو غير موصوف به، فذكر

стр. 1772

غيرته إذا أقبلوا إلى غير من هو موصوف بالقوة الأزلية والعزة السرمدية. ألا ترى كيف قال: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ) ، ثم بيَّن أنه تعالى اصطفى من الملائكة رسلا، يخبرون عنه ما يتعلق بعجز الخلق عن إدراكه من وصف ذاته وصفاته، بقوله: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٥ الى ٧٦] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يقول الحق ﷻ : اللَّهُ يَصْطَفِي: يختار مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا يرسلهم إلى صفوة خلقه، كجبريل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم، وَمِنَ النَّاسِ، كإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد ﷺ ، يُعرِّفون بجلال الله ومعرفة قدره، حتى يقدروه حق قدره باعتبارهم لا باعتباره فإنَّ الله تعالى لا يمكن لأحد أن يقدرُه حق قدره. قال سيد العارفين: «لا أُحصي ثناء عليك، أنتَ كَمَا أثنَيتَ عَلى نفسك» . وقيل: نزلت ردًا لما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر، وبيانًا أن رُسل الله على ضربين: ملك وبشر. وقيل: نزلت في قولهم: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا «١» . إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي: سميع لقولهم، بصير بمن يختاره للرسالة. أو سميع لأقوال الرسل، بصير بأحوال الأمم في الردِّ والقبول. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: ما مضى، وَما خَلْفَهُمْ: ما يأتى، أو ما عملوا وما سيعملونه، أو أمر الدنيا وأمر الآخرة، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي: إليه مرجع الأمور كلها، ليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدبيره واختياره مَن شاء من رُسلِه. والله تعالى أعلم. الإشارة: شرب الخمرة، وهي المحبة الحقيقية والمعرفة الكاملة، لا تكون إلاَّ على أيدي الوسائط، والنادر لا حكم له، فالأنبياء وسائطهم الملائكة، والأولياء وسائطهم خلفاء الأنبياء، وهم أهل العلم بالله الذوقي العِيَاني. وقال الورتجبي- إثر ما تقدم عنه-: فالملائكة وسائط الأنبياء، والأنبياء وسائط العموم، والأولياء للأولياء خاصة. هـ. وتوسيط الأنبياء للعموم في مطلق المحبة، وتعليم ما يقرب إليها، وأما المحبة الحقيقية فهي خاصة بالأولياء للأولياء، كما قال. وبالله التوفيق. ثم ذكر سببها، وما يقرب إليها، فقال:

стр. 1773

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٧ الى ٧٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) قلت: (ملة أبيكم) : منصوب بمحذوف، أي: اتبعوا ملة إبراهيم. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا في صلاتكم، وكانوا أول ما أسلموا يصلون بلا ركوع وسجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود، وفيه دليل على أنَّ الأعمال ليست من الإيمان، وأن هذه السجدة للصلاة لا للتلاوة، قاله النسفي. وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ أي: واقصدوا بعبادتكم وجه الله، وأخلصوا فيها، أو هو عطف عام على خاص فإن العبادة أعم. وَافْعَلُوا الْخَيْرَ كله. قيل: لما كان للذكر مزية على غيره دعا المؤمنين أولاً للصلاة التي هي ذكر خالص لقوله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي «١» ، ثم إلى العبادة بغير الصلاة، كالصوم والحج، ثم عم بالحث على سائر الخيرات. وقال ابن عرفة: وافعلوا الخير: راجع للعبادة المتعدية، وما قبله يختص بالقاصرة. قال المحشي: وفيه نظر لشمول العبادة لِمَا هو متعدي النفع، كتعليم العلم، والصدقة، ونحو ذلك، بل أمر أولاً بالصلاة، وهي نوع من العبادة، وثانيًا بالعبادة، وهي نوع من فعل الخير، وثالثًا بفعل الخير، وهو أعم من العبادة. فبدأ بخاص ثم عام ثم بأعم. هـ. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: كي تفوزوا، أي: افعلوا هذا كله، وأنتم راجون للفلاح غير مستيقنين، فلا تتكلوا على أعمالكم. وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ أي: في ذات الله ومن أجله حَقَّ جِهادِهِ، أمرٌ بالغزو وبمجاهدة النفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر، ومنه: كلمة حق عند أمير جائر. قال- عليه الصلاة السلام-: «أعمال البر كلها، إلى جنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كنفثة إلى جنب البحر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى جنب الجهاد في سبيل الله كنفثة في بحر، والجهاد في سبيل الله إلى جنب مجاهدة النفس عن هواها في اجتناب النهي، كنفثة في جنب بحر لجيّ» . وهذا على معنى الخبر الذي جاء: «جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» «٢» . يعني: مجاهدة النفس. قاله في القوت.

стр. 1774

قال القشيري: حق الجهاد ما يوافق الأمر في القَدْرِ والوقتِ والنوعِ، فإذا حَصَل في شيءٍ منه مخالفة فليس حَقَّ جهاده. هـ. قلت: موافقة القَدْر، في جهاد النفس، أن يكون بغير إفراط ولا تفريط، فالإفراط يُمل، والتفريط يُخل، وموافقة الوقت أن يكون قبل حصول المشاهدة إذ لا تجتمع مجاهدة ومشاهدة في وقت واحد. والنوع أن يجاهدها بما يُباح في الشرع، لا بمحرم ولا مكروه. وقال في الحاشية: هو الوفاء بالمشروع مع رفع الحرج، بدليل ما بعده، فهو موافق لقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ «١» ، ومما هو ظاهر في الآية: الذب عن دينه وتغيير المناكر. هـ. هُوَ اجْتَباكُمْ: اختاركم لدينه بإظهاره والذب عنه، وهو تأكيد للأمر بالجهاد، أي: وجب عليكم أن تجاهدوا لأنَّ الله اختاركم لإظهار دينه، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ: ضيقٍ، بل وسع عليكم فى جميع ما كلفكم به، من الطهارة، والصلاة والصوم والحج، بالتيمم والإيماء، وبالقصر في السفر، والإفطار لعذر، وعدم الاستطاعة في الحج. فاتبعوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ فإن ما جاءكم به رسولكم موافق لملته في الجملة، لقوله ﷺ : «جئتكم بالحنيفية السمحة» «٢» ، وسماه أبًا، وإن لم يكن أبًا للأمة كلها لأنه أبو رسول الله ﷺ فكان أبًا لأمته لأن أمة الرسول في حكم أولاده. قال ﷺ : «إنَمَّا أَنَا لكُمْ مِثْلُ الوَالِدِ» «٣» . هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ أي: الله، بدليل قراءة أُبي: «الله سماكم» أو إبراهيم لقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ «٤» مِنْ قَبْلُ أي: سماكم من قبل ظهورهم في الكتب السالفة، وَفِي هذا أي: القرآن، فقد فضلكم على سائر الأمم، وسماكم بهذا الاسم الأكرم، لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ أنه قد بلغكم رسالة ربكم، وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم. وإذا خصكم بهذه الكرامة والأثرة فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ بواجباتها، وَآتُوا الزَّكاةَ لشرائطها، وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ أي ثقوا به وتوكلوا عليه، لا بالصلاة والزكاة. أو: ثقوا به في جميع أموركم، ولا تطلبوا الإعانة والنصر إلا منه. هُوَ مَوْلاكُمْ: مالككم وناصركم ومتولي أموركم، فَنِعْمَ الْمَوْلى حيث لم يمنعكم رزقكم بعصيانكم، وَنِعْمَ النَّصِيرُ أي: الناصر حيث أعانكم على طاعتكم ومجاهدة نفوسكم وأعدائكم.

стр. 1775

الإشارة: يا أيها الذين آمنوا تقربوا إليَّ بأنواع الطاعات وبالمسارعة إلى الخيرات، لعلكم تفوزون بمعرفة أسرار الذات وأنوار الصفات، وجاهدوا نفوسكم بأنواع المجاهدات، كي أجتبِيكم وأنزهكم في أسرار ذاتي، فإني قد اجتبيتكم قبل كونكم في أزل أزلي. وكأنه يشير إلى قوله: «لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به ... » الحديث. والمأمورُ به من التقرب والمجاهدة قدر الاستطاعة، من غير تشديد ولا تعقيد، لقوله: (وما جعل عليكم في الدين من حَرج) لأن مبني الشرع الكريم على السهولة، فالذي يتوصل إلى رضوانه أو صريح معرفته، لا يشترط أن يستغرق كنه إمكان العبد فيه. «لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبداً، ولكن إذا أراد أن يُوصلك إليه غطى وصفك بوصفه، ونَعْتَكَ بنعته، فوصلك بما منه إليك، لا بما منك إليه» . كما في الحِكَم. وقال الورتجبي: (وَما جَعَلَ..) الآية، أي: إذا شاهدتم مشاهد جمالي سهل عليكم فناؤكم في جلالي، وسهل عليكم بذل مهجكم إليه. ألا ترى كيف قال: (ملة أبيكم إبراهيم) ، ومن ملته: الاستسلام والانقياد، وبذل الوجوه بنعت السخاء والكرم، يا أسباط خليلي، رأى أبوكم استعداد هذه المراتب الشريفة فيكم، قبل وجودكم بنور النبوة، فسماكم المسلمين، أي: منقادين بين يديَّ، عارفين بوحدانيتي. وفيما ذكرنا من أوصافكم، حبيبي شاهد عليكم، يعرف هذه الفضائل منكم، وهو بلغكم نشر فضائلي عليكم. ثم قال: اطلبوا الاعتصام مني، استعينوا لأقويكم في طاعتي. ثم قال: (فنعم المولى) حيث لا مولى غيره، (ونعم النصير) حيث لا يُخذل من نصره فإن الله عزيز ممتنع من نقائص النقص. قال جعفر في قوله: (حق جهاده) : ألاَّ تختارَ عليه شيئًا، كما لم يختر عليك لقوله: (هو اجتباكم) . هـ. وقوله تعالى: (وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ... ) الآية: أي: اجتباكم واختاركم وسماكم مسلمين، لتكونوا مرضيين عدولاً، تشهدون على الأمم، كما يشهد محمد ﷺ عليكم ويزكيكم، فهو كقوله تعالى: جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ ... «١» الخ. وإذ قد خصكم بهذه الكرامة والأثرة فاعبدوه وثقوا به، ولا تطلبوا الولاية والنصرة إلا منه، فهو خير ولي وناصر، ومن كان الله تعالى مولاه وناصره فقد أفلح وفاز، ولذلك افتتح السورة التي تليها به. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.

стр. 1776

سورة المؤمنون مكية. وهى مائة وثمانى عشرة آية، قيل: مناسبة افتتاح السورة بالفلاح أنه قال فيما قبلها: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «١» على سبيل الرجاء، وحققه هنا بشرطه فى الجملة، ثم لمّا ذكر وراثة المتصف بتلك الأوصاف للفردوس، وذلك يتضمن المعاد، ذكر النشأة الأولى دلالة على صحته، أي: المعاد، ثم لمّا ذكر ابتداء خلق الإنسان وانتهاء أمره ذكّره بنعمه، فقال: لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ، وَأَنْزَلْنا، فَأَنْشَأْنا.. الآيات، ولمّا كانت هذه النعم على الإنسان تقتضى منه الشكر بالطاعة والتوحيد للكريم المنّان، ثم إن أصنافا من الكفرة قابلوها بالكفران، فلذلك ذكر قصصهم بعد ذكرها، بقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً ... إلخ. فهذا ما تضمنته السورة من الترتيب، قال تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) يقول الحق ﷻ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ أي: فازوا بكل مطلوب، ونالوا كل مرغوب، فالفلاح: الفوز بالمرام والنجاة من المكاره والآلام، وقيل: البقاء في الخير على الأبد، وقد تقتضي ثبوت أمر متوقع، فهي هنا لإفادة ثبوت ما كان متوقع الثبوت من قبل، وكان المؤمنون يتوقعون مثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبوت الفلاح لهم، فخُوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. والإيمان في اللغة: التصديق بالقلب، والمؤمن: المصدِّق لِما جاء به الشرع، مع الإذعان بالقلب، وإلا.. فكم من كافر صدّق بالحق ولم يذعن، تكبُّراً وعناداً، فكل من نطق بالشهادتين،

стр. 1777

مواطئاً لسانُه قلبَه فهو مؤمن شرعا، قال عليه الصلاة السلام: «لَمَّا خَلَقَ الله الجَنَّةَ، قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمنُون- ثلاثاً- أنا حرامٌ على كلِّ بخيل مُرائي» «١» لأنه بالرياء أبطل العبادات الدينية، وليسر له أعمال صافية. ثم وصف أهل الإيمان بست صفات، فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ: خاضعون بالقلب ساكنون بالجوارح، وقيل: الخشوع في الصلاة: جمع الهمة، والإعراض عما سواها، وعلامته: ألا يجاوز بصرُه مصلاه، وألاّ يلتفت ولا يعبث. وعن أبي الدرداء: (هو إخلاص المقال، وإعظام المقام، واليقين التام، وجمع الاهتمام) . وأضيفت الصلاة إلى المصلين لانتفاع المصلِّي بها وحده، وهي عُدَّته وذخيرته، وأما المُصلَّى له فَغَني عنها. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، اللغو: كل كلام ساقط، حقه أن يُلغَى، كالكذب والشتم ونحوهما. والحق إن اللغو: كل ما لا يعني من الأقوال والأفعال، وصفهم بالحزم والاشتغال بما يعنيهم وما يقربهم إلى مولاهم في عامة أوقاتهم، كما ينبىء عنه التعبير بالاسم الدال على الثبوت والاستمرار، بعد وصفه لهم بالخشوع ليجمع لهم بين الفعل والترك، الشاقّين على النفس، الّذين هما قاعدتا التكليف. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ: مؤدون، والمراد بالزكاة: المصدر، الذي هو الإخراج، لا المخرج. ويجوز أن يراد به العين، وهو الشيء المُخْرج، على حذف مضاف، أي: لأداء الزكاة فاعلون. وصفهم بذلك، بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة للدلالة على أنهم بلغوا الغاية القصوى من القيام بالطاعة البدنية والمالية، والتجنب عن النقائص، وتوسيط الإعراض عن اللغو بينهما لكمال ملابسته بالخشوع في الصلاة لأن من لزم الصمت والاشتغال بما يعني عَظُم خشوعُه وأُنسه بالله. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ: ممسكون لها، ويشمل فرجَ الرجل والمرأة، إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ، الظاهر أن «على» بمعنى «عن» أي: إلا عن أزواجهم، فلا يجب حفظها عنهن، ويمكن أن تبقى على بابها، تقول العرب: احفظ عليّ عنان فرسي، أي: أمسكه، ويجوز أن يكون ما بعد الإستثناء حالاً، أي: إلا والين على أزواجهم، من قولك: كان زياد على البصرة، أي: والياً عليها، والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال، إلا في حالة تزوجهم أو تسريهم. أو يتعلق «على» بمحذوف يدل عليه: (غير ملومين) ، كأنه قيل: يُلامون إلا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشرة إلا على ما أبيح لهم، فإنهم غير ملومين عليه، أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي: سراريهم، وعبَّر عنهن بما لأن المملوك يجري مجرى غير العقلاء، لأنه يباع كما تباع البهائم. وقال في الكشاف: وإنما قال «ما» ، ولم يقل «مَن» لأن الإناث يجرين مجرى غير العقلاء «٢» . هـ. يعني: لكونهن ناقصات عقل، كما في الحديث. وفيه احتراس من الذكور بالملك، فلا يباح إتيانهم والتمتع بهم للمالك ولا للمالكة، بإجماع.

стр. 1778

وقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ أي: لا لوم عليهم في عدم حفظ فروجهم عن نسائهم وإمائهم. فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ طلب قضاء شهوته في غير هذين، فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ: الكاملون في العدوان، وفيه دليل على تحريم المتعة والاستمتاع بالكف لإرادة الشهوة لأن نكاح المتعة فاسد، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، ويدل على فساده عدم التوارث فيه بالإجماع، وكان في أول الإسلام ثم نُسخ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ أي: لما يؤتمنون عليه، ويُعَاهَدون عليه من جهة الحق أو الخلق، راعُونَ: حافظون عليها قائمون بها، والراعي: القائم على الشيء بحفظ وإصلاح، كراعي الغنم. وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ المفروضة عليهم يُحافِظُونَ: يداومون عليها في أوقاتها. وأعاد الصلاة لأنها أهم، ولأن الخشوع فيها زائد على المحافظة عليها، وَوُحِّدَت أولاً ليُفاد أَن الخشوع في جنس الصلاة أيَّةَ صلاة كانت، وجُمعت ثانياً ليُفاد المحافظة على أنواعها من الفرائض والواجبات والسنن والنوافل. قاله النسفي. أُولئِكَ الجامعون لهذه الأوصاف هُمُ الْوارِثُونَ الأحقاء بأن يُسَمَّوُا وارثين، دون غيرهم ممن ورث رغائِب الأموال والذخائر وكرائمها، وقيل: إنهم يرثون من الكفار منازلهم في الجنة، حيث فوَّتُوها على أنفسهم، لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، ففي الحديث: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا ولَهُ مَنْزِلاَنِ: مَنْزِلٌ في الجنة ومَنْزِلٌ في النَّارِ، فَإِن مَاتَ ودَخَلَ الجَنَّة، وَرٍثَ أَهْلُ النَّارِ مَنْزِله، وإِنْ مَات ودَخَلَ النَّارَ، وَرثَ أَهْلُ الجَنَّةَ مَنْزِلَهُ» «١» . ثم ترجم الوارثين بقوله: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ، هو في لغة الروم والحبشة: البستان الواسع، الجامع لأصناف الثمر، والمراد: أعلى الجنان، استحقوا ذلك بأعمالهم المتقدمة حسبما يقتضيه الوعد الكريم، هُمْ فِيها خالِدُونَ، أنث الفردوس بتأويل الجنة، أو لأنه طبقة من طبقاتها، وهي العليا. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: الفلاح: الفوزُ بالمطلوب، والظَّفَرُ بالمقصود. والإيمان: انتسامُ الحقِّ في السريرة، ومخامرة التصديق بخُلاصة القلب، واستكمال التحقيق من تامور الفؤاد «٢» . والخشوع في الصلاة: إطراق السِّرِّ على بساط النَّجوى، باستكمال نَعْتِ الهيبة، والذوبانِ تحت سلطان الكشف، والانمحاءِ عند غلبات التَّجلِّي. هـ. قلت: كأنه فسر الفلاح والإيمان والخشوع بغايتهن، فأول الفلاح: الدخول في حوز الإسلام بحصول الإيمان، وغايته: إشراق شمس العرفان، وأول الإيمان: تصديق القلب بوجود الرب، من طرق الاستدلال والبرهان، وغايته:

стр. 1779

إشراق أسرار الذات على السريرة، فيصير الدليل محل العيان، فتَبتَهج السريرة بمخامرة الذوق والوجدان، وأول الخشوع: تدبر القلب فيما يقول، وحضوره عند ما يفعل، وغايته: غيبته عن فعله في شهود معبوده، فينمحي وجود العبد عند تجلي أنوار الرب، فتكون صلاته شكراً لا قهراً، كما قال سيد العارفين ﷺ : «أفلا أكون عبداً شكوراً» . ولا تتحقق هذه المقامات إلا بالإعراض عن اللغو، وهو كل ما يشغل عن الله، وتزكية النفوس ببذلها في مرضاة الله، وإمساك الجوارح عن محارم الله، وحفظ الأنفاس والساعات، التي هي أمانات عند العبد من الله. قال في القوت: قال بعض العارفين: إن لله- إلى عبده سرّيْن يُسِرهما إليه، يُوجده ذلك بإلهام يُلهَمهُ، أحدهما: إذا وُلِد وخرج من بطن أمه، يقول له: عبدي، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً، واستودعتك عُمرك، ائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة، وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك، وسرّ عند خروج روحه، يقول له: عبدي، ماذا صنعت في أمانتي عندك؟ هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية، فالقاك بالوفاء والجزاء؟ أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب؟ فهذا داخل في قوله : (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) ، وفى قوله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ «١» ، فعُمْر العبد أمانة عنده، إن حفظه فقد أدى الأمانة، وإن ضيَّعه فقد خان، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ «٢» . هـ. ثم ذكر ابتداء خلق الإنسان وأطواره وانتهاء أمره، فقال: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٢ الى ١٦] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) قلت: «خلق» : إن كان بمعنى اخترع وأحدث تعدى إلى واحد، وإن كان بمعنى صَيَّر تعدى إلى مفعولين، ومنه: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) ، وما بعده. يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ جنس الإنسان، أو آدم، مِنْ سُلالَةٍ «من» : للابتداء، والسلالة: الخُلاصة لأنها تسل من بين الكدر، وهو ما سُلَّ من الشيء واستخرج منه، فإن (فُعالة) اسم لما

стр. 1780

يحصل من الفعل، فتارة يكون مقصوداً منه، كالخُلاصة، وتارة غير مقصود، كالقُلامة والكناسة، والسلالة من قبيل الأول فإنها مقصودة بالسَّل، وقيل: إنما سمي التراب الذي خلق منه آدم سلالة، لأنه سُلّ من كل تربة. وقوله: (مِنْ طِينٍ) ، بيان، متعلقة بمحذوف، صفة للسلالة، أي: خلقناه من سلالة كائنة من طين. ثُمَّ جَعَلْناهُ أي: الجنس، باعتبار أفراده المتغايرة لآدم ﵇، وجعلنا نسله، على حذف مضاف، إن أُريد بالإنسان آدم، فيكون كقوله تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ «١» أي: جعلنا نسله نُطْفَةً: ماءً قليلاً فِي قَرارٍ مَكِينٍ أي: في مستقر- وهو الرحم- (مَكِينٍ) : حصين، أو متمكن فيه، وَصف الرحم بصفة ما استقر فيه، مثل طريق سائر، أي: مسير فيه. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً أي: دماً جامداً، بأن جعلنا النطفة البيضاء علقة حمراء، (فخلقنا العلقة مُضغة) أي: قطعة لحم لا استبانةَ ولا تمايز فيها، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ أي: غالبها ومعظمها، أو كلها عِظاماً، بأن صلبناها، وجعلناها عَموداً على هيئةٍ وأوضاع مخصوصة، تقتضيها الحكمة، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ المعهودة لَحْماً بأن أنبتنا عليها اللحم، فصار لها كاللباس، أو كسونا كل عظم من تلك العظام ما يليق به من اللحم، على مقدار لائق به، وهيئة مناسبة. وقرىء بالإفراد فيهما، اكتفاء بالجنس، وبتوحيد الأول فقط، وبتوحيد الثاني فحسب. ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ أي: خلقاً مبايناً للخلق الأول، حيث جعله حيواناً، وكان جماداً، وناطقاً وسميعاً وبصيراً، وكان بضد هذه الصفات، ولذلك قال الفقهاء: من غصب بيضة فأفرخت عنده ضمِّنَ البيضة، ولم يَرُدّ الفرخ لأنه خلق آخر سوى البيضة. فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ أي: فتعالى أمره في قدرته الباهرة، وعلمه الشامل. والالتفات إلى الإسم الجليل لتربية المهابة، وإدخال الروعة، والإشعار بأنَّ ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية، وللإيذان بأنَّ من حق كل من سمع ما فصَّل من آثار قدرته تعالى أو لا حظه، أن يسارع إلى التكلم به، إجلالاً وإعظاماً لشؤونه تعالى، وقوله: (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) : بدل من اسم الجلالة، أو نعت، على أنَّ الإضافة محضة ليطابقه في التعريف، أو خبر، أي: هو أحسن الخالقين خلقاً، أي: أحسن المقدرين تقديراً، فحذف التمييز لدلالة الخالقين عليه. قيل: إنَّ عبد الله بن أبي سَرْح كان يَكْتُبُ الوحى للنبى ﷺ ، فلمّا انتهى- ﵊ إلى قوله: خَلْقاً آخَرَ، سَاَرَعَ عبدُ الله إلى النُطقِ بِذَلِكَ، فَنَطَقَ بذلِكَ، قبل إِمْلاَئِهِ، فَقَالَ له رسول الله ﷺ : «اكتب، هكذا

стр. 1781

أُنْزِلَتْ» ، فَشَكَّ عبدُ الله، فَقَالَ: إنْ كانَ مُحمدٌ يُوحَى إليْهِ، فَأَنَا يُوحَى إليَّ، فارتدَّ ولَحِق بمكَّةَ كافِراً، ثم أَسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ. وقيل: الحكاية غير صحيحة لأن ارتداده كان بالمدينة، والسورة مكية «١» . ثم قال تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ أي: بعد ما ذكر من الأمور العجيبة، حسبما ينبىء عنه ما في اسم الإشارة من البُعد، المشعر بعُلُوِّ مرتبة المشار إليه وبُعد منزلته في الفضل، لَمَيِّتُونَ: لصائرون إلى الموت لا محالة، كما يؤذن به صيغة الصفة، وقرىء «لمائتون» ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: عند النفخة، تُبْعَثُونَ في قبوركم للحساب والمجازاة، فإن قلت: لِمَ أكدَّ الأول بإنّ واللام، وعبَّر بالاسم دون الثاني، الذي هو البعث، والمتبادر للفهم العكس لأن الموت لم ينكره أحد، والبعث أنكره الكفار والحكماء؟ فالجواب كما قال ابن عرفة: إنه من حمَل اللفظ على غير ظاهره، مثل: جَاءَ شَقِيقٌ عَارضاً رُمْحَه ... إِنَّ بني عَمِّك فِيهِمْ رِمَاحُ فَهُم، لعصيانهم ومخالفتهم، لم يعملوا للموت، فحالهم كحال المنكر لها، ولمّا كانت دلائل البعث ظاهرة صار كالأمر الثابت الذي لا يُرتاب فيه. هـ. الإشارة: اعلم أن الروح لها أطوار كأطوار البشرية، من الضعف والقوة شيئاً فشيئاً، باعتبار قوة اليقين والترقي إلى العلم بالله ومشاهدته، فتكون أولاً صغيرة العلم، ضعيفة اليقين، تم تتربى بقوت القلوب وغذاء الأرواح فقوتُ القلوب: العمل الظاهر، وقوت الأرواح: العمل الباطن، فلا تزال تتقوت بالعمل الظاهر شيئاً فشيئاً حتى تقوى على كمالِ غايته، ثم تنتقل إلى قوت العمل الباطن كالذكر القلبي، والتفكر والاعتبار، وجولان القلب في ميادين الأغيار، ثم دوام حضور القلب مع الحق على سبيل الاستهتار، ثم يفتح لها ميادين الغيوب، ويوسع عليها فضاء الشهود، فيكون قُوتها حينئذٍ رؤية المحبوب، وهو غاية المطلوب، فتبلغ مبلغ الرجال، وتحوز مراتب الكمال، ومَن لم يبلغ هذا بقي في مرتبة الأطفال، ولا يمكن حصول هذا إلا بصحبة طبيب ماهر، يعالجها ويربيها، وينقلها من طَور إلى طور، وإلاَّ بقيت الروح مريضة لا تتقوت إلا بالمحسوسات، وهي لا تُشبع ولا تُغني من جوع. وبالله التوفيق. ولمّا ذكر ابتداء الإنسان وانتهاءه، ذكّره بنعمه، أو تقول: لمَّا ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد، فقال: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٧ الى ٢٢] وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)

стр. 1782

قلت: «سيناء» ، مَنْ فتحها: جعل همزتها للتأنيث، فلم يصرفه للتأنيث والوصف، كحمراء، أو لألف التأنيث، لقيامه مقام علتين، ومن كسرها: لم يصرفه للتعريف والعجمة، وهذا البناء ليس من أبنية التأنيث، وإنما ألفُهُ ألف الإلحاق، كعلِباء وجِرباء. ونبت وأنبت: لغتان بمعنى واحد، وكذلك سقى وأسقى. يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ، وهي السموات السبع، جمع طريقة لأنها طرق الملائكة وتقلباتها، وطرق الكواكب، فيها مسيرها، وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ، أراد بالخلق السموات، كأنه قال: خلقناها وما غفلنا عن حفظها وإمساكها، أو الناس، أي: خلقناها فوقكم لنفتح عليكم منها الأرزاق والبركات، وما كنا غافلين عنكم وعما يصلحكم، أو: خلقناها فوقكم، وما حالت بيننا وبينكم، بل نحن أقرب إليكم من كل شيء، فلا نغفل عن شيء من أمركم، قلَّ أو جلَّ. وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماء هو المطر، وقيل: الأنهار النازلة من الجنة، وهي خمسة: سَيْحُون نهر الهند، وَجَيْحونُ نهر بلخ، ودِجْلَةُ والفُراتُ نهرا العراق، والنيل نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة. هـ. وقوله تعالى: بِقَدَرٍ أي: بتقدير، يَسْلَمون معه من المضرة، ويصلون إلى المنفعة، أو بمقدار ما علمنا بهم من الحاجة، أو: بقدر سابق لا يزيد عليه ولا ينقص، فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ أي: جعلناه ثابتاً قاراً فيها، كقوله: فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ «١» ، فماء الأرض كله من السماء، وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ أي: إزالته بالإفساد والتغوير، بحيث يتعذر استنباطه، لَقادِرُونَ كما كنا قادرين على إنزاله، وفي تنكير «ذهاب» : إيماء إلى كثرة طرقه، ومبالغة في الإيعاد به، ولذلك كان أبلغ من قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ «٢» . ثم ذكر نتائجه، فقال: فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ أي: بذلك الماء جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ، لَكُمْ فِيها أي: في الجنات، فَواكِهُ كَثِيرَةٌ تتفكهون بها سوى النخيل والأعناب، وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي: من الجنات تأكلون

стр. 1783

تغذياً وتفكهاً، أو تُرزقون وتحصِّلون معايشكم، من قولهم: فلان يأكل من حرفته، وهذه الجنة وجوه أرزاقكم منها ترزقون وتتمعشون، ويجوز أن يكون الضميران للنخيل والأعناب، أي: لكم في ثمرتها أنواع من الفواكه، الرطب والعنب، والتمر والزبيب، والعصير والدِّبْسُ، «١» وغير ذلك، وطعاما تأكلونه، وَأنبتنا به شَجَرَةً هي الزيتون تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ، وهو جبل موسى ﵇ بين مصر وأيلة، وقيل: بفلسطين، ويقال: فيه طور سينين، فإمَّا أن يكون الطور اسم الجبل، وسيناء اسم البقعة أضيف إليها، أو المركب منهما عَلَمٌ له، كامرىء القيس، وتخصيصها بالخروج منه، مع خروجها من سائر البقع، إما لتعظيمها، أو لأنه المنشأ الأصلي لها لأن أصل الزيتون من الشام، وأول ما نبت في الطور، ومنه نُقل إلى سائر البلاد، تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أي: متلبسة بالدهن، أي: ما يدهن به، وهو الزيت، وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ أي: إدام لهم، قال مقاتل: جعل الله في هذه إداماً ودُهناً، فالإدام: الزيتون، والدهن: الزيت. وقيل: هي اول شجرة تنبت بعد الطوفان، وخص هذه الأنواع الثلاثة لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأنفعها. وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ، جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، لَعِبْرَةً تعتبرون بها، وتستدلون بأحوالها على عِظم قدرة الله تعالى، وسابغ نعمته، وتشكرونه عليه، نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها من الألبان سائغة للشاربين، أو مما استقر في بطونها من العلَف فإنَّ اللبن يتكون منه، وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ، سوى الألبان، وهي منافع الأصواف والأوبار والأشعار. وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي: من لحومها، عَلَيْها أي: على الأنعام في البر، عَلَى الْفُلْكِ فى البحرحْمَلُونَ في أسفاركم ومتاجركم، والمراد بالأنعام في الحمل الإبل لأنها هي المحمول عليها في البر، فهي سفائن العرب، كما قال ذو الرمة: سفينة بَرِّ تَحْتَ خَدِّي زِمَامُهَا يريد ناقته. والله تعالى أعلم. الإشارة: ولقد خلقنا فوق قلوبكم سبعة حجب، فمن خَرقَها أفضى إلى فضاء شهود ذاتنا وأنوار صفاتنا، وهي حجاب المعاصي والذنوب، وحجاب النقائص والعيوب، وحجاب الغفلات، وحجاب العوائد والشهوات، وحجاب الوقوف مع حلاوة المعاملات، وحجاب الوقوف مع الكرامات والمقامات، وحجاب حس الكائنات، فمن خرق هذه الحجب بالتوبة والتزكية واليقظة والعفة والرياضة، والأنس بالله والغيبة عما سواه، ارتفعت عنه الحجب، ووصل

стр. 1784

إلى المحبوب. قال الورتجبي: أوضح سبع طرائق لنا إلى أنوار صفاته السبعة. هـ. وقال القشيري: الحق- سبحانه- لا يستتر من رؤيته مُدْرَكٌ، ولا تخفى عليه من مخلوقاته خافية، وإنما الحُجُبُ على أبصارِ الخَلْق وبصائرهم، والعادةُ جاريةٌ أنه لا يخلق لنا الإدراك لِمَا وراء الحُجُب، ولذلك أدخِلَت الغفلةُ القلوبَ، واستولى عليها الذهول، سدَّت بصائرها، وغيبت فهومها، ففوقها حجب ظاهِرة وباطنة، ففي الظاهر: السموات حجبٌ تحول بيننا وبين المنازل العالية، وعلى القلوب أغشية وأغطية، كالشهوة والأمنية، والإرادات الشاغلة والغفلة المتراكمة. ثم ذكر أن طرائق المريدين الفَتْرَة، وطرائق الزاهدين ترك عُروق الرغبة. قال: وأما العارفون فربما تظلهم في بعض أحيانهم وقفةٌ في تضاعيف سيرهم إلى ساحات الحقائق، فيصيرون موقوفين ريثما يتفضّلُ الحقُّ- سبحانه- عليهم بكفاية ذلك، فيجدون نفاذاً، ويدفع عنهم ما عاقهم من الطرائق، وفي جميع ذلك فالحق- سبحانه- غير تاركٍ للعبد ولا غافلٍ عن الخلق. هـ. وقوله: وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ أي: وما كنا غافلين عن إرسال من يخرجهم من تلك الحجب القهرية، بل بعثنا الرسل، وفي أثرهم العارفين الربانيين، يُخرجون من تعلق بهم من تلك الطرائق، ويوصلونهم إلى بحر الحقائق. وأنزلنا من سماء الغيوب ماء العلم اللدني، فأسكناه في أرض النفوس والقلوب، بقدر ما سبق لكل قلب منيب، وإنا على ذهاب به من القلوب والصدور لقادرون. ولذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، فأنشأنا بذلك العلم في قلوب العارفين جناتِ المعارف من نخيل الأذواق والوجدان، وأعناب خمرة العيان، لكم فيها فواكه كثيرة، أي: تمتع كثير بلذة الشهود، ومنها تتقوت أرواحكم وأسراركم، وشجرة المعرفة تخرج من القلوب الصافية، التي هي محل المناجاة، كطور موسى، أي: تنبت فيها ويخرج أغصانها إلى ظاهر الجوارح، تنبت في القلب بدهن الذوق والوجد، وصبغ للآكلين، أي: المريدين الآكلين من تلك الشجرة، فتصبغ قلوبهم بالمعرفة واليقين. وقوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً، قال القشيري: الإشارة فيه: أنّ الكدوراتِ الناجمةَ المتراكمةَ لا عِبْرَةَ بها ولا مبالاة، فإنَّ اللَّبنَ الخالص السائغَ يخرجُ من أخلاف الإبل والأنعام، من بين ما ينطوي حواياها عليها من الوحشة، ولكنه صافٍ لم يؤثر فيها بُحكم الجِوار، والصفا يوجد أكثره فى عين الكدورة إذ الحقيقة لا يتعلق بها حق ولا باطل. ومَنْ أَشرف على سِرِّ التوحيد تحقَّقَ بأنَّ ظهور جميع الحدثان من التقدير، فتسْقُط عنه كلفة التمييز فالأسرارُ عند ذلك تصفو، والوقت لصاحبه لا يجفو، (وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ) لازمةٌ لكم، ومتعدية منكم إلى كلِّ متصلٍ بكم. انتهى على لحن فيه، فتأمله. ولما دكّرهم بالنعم، ذكر من قابلها بالكفران فهلك، فقال: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٣ الى ٣٠] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)

стр. 1785

قلت: ذكر في الحاشية وجوهاً من المناسبة، فقال: لمّا استطرد ذكر الفلك ناسب ذكر نوح إثره، لقوله: (اصْنَعِ الْفُلْكَ) ، وأيضاً: هو أبو البشر الثاني، فَذُكِرَ كما ذكر أولاً آدم، في ذكر خلق الإنسان، وأيضاً في ذكر نجاة المؤمنين وفلاحهم، فناسب صدر السورة، وهلاك الكافر وهو ضد المؤمن، كما صرح بذلك في قوله في آخرها: (إنه لا يفلح الكافرون) ، وفي النجاة في الفلك مناسبة للنعم المقررة قبل ذكره. هـ. (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) : «إنْ» : مخففة، واسمها: ضمير الشأن، واللام فارقة. يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا: وتالله لقد أرسلنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ، وقد مرّ في الأعراف نسبه وكيفية بعثته «١» ، فَقالَ لقومه حين أُرسل إليهم، متعطفاً عليهم، ومستميلاً لهم إلى الحق: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده إذ العبادة مع الإشراك لا عبرة بها، فلذلك لم يقيدها هنا، وقيدها في هود، بقوله: أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ «٢» ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أي: مالكم فى الوجود إله يستحق أن يُعبد غيره، فالرفع على المحل، والجر على اللفظ. أَفَلا تَتَّقُونَ أفلا تخافون عقوبة الله، الذي هو ربكم وخالقكم، إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء، أو: أفلا تخافون عذابه الذي يستوجبه ما أنتم عليه، كما يُفصح عنه قوله تعالى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ «٣» .

стр. 1786

فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي: أشرافهم لعوامهم: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ في الجنس والوصف، يأكل ويشرب مثلكم، من غير فرق بينكم وبينه، يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ أي: يطلب الفضل عليكم، ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم، والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية والخضوع للحَجَر، ولم يرضوا بنبوة البشر. ثم قالوا: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً أي: لو شاء الله إرسال الرسل لأرسل رسلاً من الملائكة. وإنما قال: لأنزل ولم يقل: لأرسل لأنَّ إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، فمفعول المشيئة مطلق الإنزال، أي: لو شاء ربنا إنزال شيء من الوحي لأنزل ملائكة يرسلهم إلينا، ما سَمِعْنا بِهذا أي: بمثل هذا الكلام، الذي هو الأمر بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، أو: ما سمعنا بأنَّ البشر يكون رسولاً، أو بمثل نوح ﵇ في دعوى النبوة، فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ أي: الماضين قبل بعثة نوح ﵇. وإنما قالوا ذلك إما من فرط عنادهم، أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة، وقيل: معناه: ما سمعنا به أنه نبي، إِنْ هُوَ أي: ما هو إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ أي: جنون، أو جن يخبلونه، ولذلك يقول ما يقول. فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ أي: انتظروا واصبروا إلى زمان حتى ينجلي أمره، فإن أفاق من جنونه، وإلا قتلتموه. قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ، لما أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم، فالجملة استئناف نشأ عن سؤال، كأنه قيل: فماذا قال ﵇، بعد ما سمع هذه الأباطيل؟ فقيل: قال، لما رآهم قد أصروا على الكفر والتكذيب، وتمادوا في الغواية والضلال، حتى أيس من إيمانهم بالكلية، وقد أوحى إليه أَنَّهُ لِن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمن: رَبِّ انْصُرْنِي بإهلاكهم بالمرة، فهو حكاية إجمالية لقوله: لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «١» . بِما كَذَّبُونِ بسبب تكذيبهم إياي، أو بدل تكذيبهم، كقولك: هذا بذلك، أي: بدل ذاك، والمعنى: أبدلني من غم تكذيبهم سلَوة النصر عليهم. فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أجبنا دعاءه وأوحينا إليه عند ذلك أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا أي: ملتبساً بحفظنا وكلاءتنا، كأنَّ معك حُفاظنا يكلؤونك بأعينهم، لئلا يتعرض لك أحد، يفسد عملك، ومنه قولهم: عليه من الله عيون كالئة، وَوَحْيِنا أي: أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها. رُوي: أنه أوحى إليه أن يصنعها مثل جُؤْجؤ الطائر. وفي القاموس جُؤجؤ- كَهُدْهُد-: الصدرُ. فَإِذا جاءَ أَمْرُنا أي: عذابنا بأمرنا، وَفارَ التَّنُّورُ أي: فار الماء من تنور الخبز، فخرج سبب الغرق من موضع الحرق ليكون أبلغ في الإنذار والإعتبار. رُوي أنه قيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأهلك السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته، فركب، وكان

стр. 1787

التنور تنورَ آدم، فصار إلى نوح، وكان من حجارة. واختلف في مكانه، فقيل: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل، وقيل: بالشام، وقيل: بالهند. فإذا فار فَاسْلُكْ فِيها: فَأَدْخِلْ في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ من كل أمة اثنين مزدوجين، ذكر وأنثى. قال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيص، فأما البق والدود والذباب، فلم يحمل منه شيئاً، وإنما يخرج من الطير. هـ. وَاحمل في السفينة أَهْلَكَ نساءك وأولادك، أو من آمن معك، إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ أي: القول من الله بهلاكه، وهو ابنه وإحدى زوجتيه، وإنما جيء بعلى لكون السابق ضاراً، كما جيء باللام في قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ... «١» ، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ «٢» لكونه نافعاً، ونحوه: لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ «٣» ، وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ أي: لا تسألني نجاة الذين كفروا، إنهم مقضى عليهم بالإغراق لا محالة لظلمهم بالإشراك والإصرار، ومَنْ هذا شأنه لا يُشفع له، وكأنه ﵇ ندم على الدعاء عليهم، حين تحقق هلاكهم، فهَمَّ بمراجعة الحق فيهم شفقة ورحمة، فَنُهي عن ذلك. ثم قال له: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فإذا تمكنتم عليها راكبين فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، أُمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم على طريق: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٤» . ولم يقل: فقولوا، وإن كان أهله ومن معه قد استووا معه لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولَهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة. وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي في السفينة، أو منها مُنْزَلًا مُبارَكاً أي: إنزالاً مباركاً، أو موضع إنزال يستتبع خيراً كثيراً، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ خير من ينزل في كل خير، أُمر ﵇ بأن يشفع دعاءه بما يطابقه من ثنائه عليه تعالى، توسلاً به إلى إجابة دعائه، فالبركة في السفينة: النجاة فيها، وبعد الخروج منها: كثرة النسل وتتابع الخيرات، إِنَّ فِي ذلِكَ فيما فعل بنوح وقومه لَآياتٍ: لعبراً ومواعظ، وَإِنْ كُنَّا أي: وإن الشأن والقصة كنا لَمُبْتَلِينَ: مُصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد، أو: مختبرين بهذه الآيات عبادنا، لننظر من يعتبر ويذكر، كقوله: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ «٥» . والله تعالى أعلم.

стр. 1788

الإشارة: تقدمت إشارة هذه القصة مراراً بتكررها، وفيها تسلية لمن أوذي من الأولياء بقول قبيح أو فعل ذميم. وقال القشيري في قوله: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً: الإنزال المبارك: أن تكون بالله ولله على شهود الله، من غير غفلة عن الله، ولا مخالفة لأمر الله. هـ. ثم ذكر قصة هود أو صالح، فقال: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣١ الى ٤١] ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) يقول الحق ﷻ : ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد قوم نوح قَرْناً أي: قوماً آخَرِينَ هم عادٌ قوم هود، حسبما رُوِي عن ابن عباس، ويشهد له قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ «١» ، ومجيء قصة هود على إثر قصة نوح في الأعراف وهود والشعراء، ونقل ابن عطية عن الطبري: أن المراد بهم ثمود قوم صالح، قال: والترتيب يقتضي قوم عاد، إلاَّ أنهم لم يُهلكوا بالصيحة، بل بالريح. قال في الحاشية: والظاهر أنهم صالح. كما قاله الطبري. وحمل الواحدي الصيحة على صيحة العذاب، فيتجه لذلك أنهم عاد قوم هود، وقد تقرر أن ثمود بعد عاد. ثم قال: وفي السيرة: عادٌ بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح، وثمود بن عابر بن أرَم بن سام بن نوح. هـ.

стр. 1789

فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ، الإرسال يُعَدّى بإلى، ولم يعدّ بهاهنا وفي قوله: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ «١» ، وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ «٢» لأن الأمة والقرية جعلت موضعاً للإرسال، إيذاناً بأن المرسل إليهم لم يأتيهم من غير مكانهم، بل إنما نشأ بين أظهرهم، كما ينبىء عنه قوله: رَسُولًا مِنْهُمْ أي: من جملتهم نسباً، وهو: هود أو صالح، فإنهما- ﵉ كانا منهم. قائلاً لهم: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ عذابه، الذي يقتضيه ما أنتم عليه من الشرك والمعاصي. وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ، ذكر مقال قوم هود، في جوابه، في الأعراف وهود بغير «واو» لأنه على تقدير سؤال سائل، قال: فما قال قومه؟ فقيل: قالوا: كيت وكيت، وهنا مع الواو لأنه عطفٌ لما قالوه على ما قاله الرسول ومعناه: حكاية قولهم الباطل إثر حكاية قول الرسول الحق، وليس بجواب للنبي متصل بكلامه، وجيء بالفاء في قصة نوح ﵇ لأنه جواب لقوله، واقعٌ عَقِبَه، أي: وقال الأشراف من قومه الَّذِينَ كَفَرُوا، وُصفوا بالكفر ذَماً لهم، وتنبيهاً على غُلوِّهم فيه، وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ أي: بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك، أو بمعادهم إلى الحياة الثانية، وَأَتْرَفْناهُمْ: نَعَّمناهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بكثرة الأموال والأولاد، أي: قالوا لأتباعهم، مُضلين لهم: ما هذا النبي إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ في الصفة والأحوال، والاحتياج إلى القِوام، ولم يقولوا: مثلنا تهويناً لأمره ﵇. ثم فسر المثلية بقوله: يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ أي: منه، فحذف لدلالة ما قبله عليه، وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ فيما يأمركم به وينهاكم عنه، إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ بالانقياد لمثلكم، ومن حمقهم أنهم أبو اتِّباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم. أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ- بالكسر والضم- من مات يُمات ويموت، وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً نخرة، أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، فأنكم الثانية، توكيد للأولى للفصل بينهما، والتقدير: أيعدكم أنكم مخرجون بالبعث إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ، تكرير لتأكيد البُعد، وهو اسم فعل مبني على الفتح، واقع موقع بَعُد، فاعلها مضمر، أي: بعد التصديق أو الوقوع لِما تُوعَدُونَ من العذاب، أو فاعلها: «ما توعدون» ، واللام زائدة، أي: بَعُد ما تعدون من البعث، وقيل: ما توعدون من البعث. وقيل: مبتدأ، وهما اسم للبعد، و (لِما تُوعَدُونَ) : خبر، أي: بُعْدٌ بُعْدٌ لما توعدون، إِنْ: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا، والضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما بعده من بيانه، وأصله: إن الحياةُ إلا حياتنا، وأتى بالضمير حذراً من التكرير، أي: لا حياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها، ودنت منا، نَمُوتُ وَنَحْيا أي: يموت بعضنا ويولد بعضٌ، إلى انقراض العصر، وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد

стр. 1790

الموت، إِنْ ما هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فيما يدَّعيه من الإرسال، وفيما يَعدنا من البعث، وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ: بمصدِّقين بما يقول. قالَ هود، أو صالح- ﵉ بعد ما سلك في دعوتهم كل مسلك، متضرعاً إلى الله- : رَبِّ انْصُرْنِي عليهم، وانتقم منهم بِما كَذَّبُونِ أي: بسبب تكذيبهم إياي وإصرارهم عليه، قالَ تعالى إجابة لدعائه: عَمَّا قَلِيلٍ أي: عن زمان قليل، زيدت «ما» ، بين الجار والمجرور لتأكيد معنى القلة، أو نكرة موصوفة، أي: عن شيء قليل لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ عما فعلوا من التكذيب، وذلك عند معاينتهم العذاب. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، لعلهم، حين اصابتهم الريح العقيم، أُصيبوا في تضاعيفها بصيحة هائلة من صوته. أو يراد بها: صرير الريح وصوته. وقد رُوي أن شَدَّاداً حين أتم بناء إرم، سار إليها بأهله، فلما دنا منها بعث الله عليهم صيحة من السماء، فهلكوا، وقيل: الصيحة: العذاب المصطلِم، قال الشاعر: صَاحَ الزَّمانُ بآلِ فُدَكٍ صيحة ... خرّوا لشدّثها، على الأذقان وإذا قلنا: هم قوم صالح، فالصيحة صيحة جبريل ﵇، صاح عليهم فدمرهم. وقوله: بِالْحَقِّ أي: بالعدل من الله، يقال: فلان يقضي بالحق، أي: بالعدل، أو: أخذتهم بالحق، أي: بالأمر الثابت الذي لا دفاع له، فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً أي: كغثاء السيل، وهو ما يحمله من الورق والحشيش، شبههم في دمارهم بالغثاء، وهو ما يرميه السيل، من حيث أنهم مَرْمِي بهم في كل جانب وسَهْب. فَبُعْداً: فهلاكاً، يقال بَعُدَ بُعْداً، أي: هلك هلاكاً، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا تظهر أفعالها، أي: فسحقاً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وهو إخبار، أو دعاء، واللام لبيان من دُعي عليه بالبُعد، كقوله: هَيْتَ لَكَ «١» . والله تعالى أعلم. الإشارة: من عادة الحق- سبحانه-، إذا أكب الناس على دنياهم، واتخذوا إلههم هواهم، بعث من يذكرهم بالله، فيقول لهم: اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره، أي: أفردوه بالمحبة، واقصدوه بالوجهة، فما عبدَ الله من عبد هواه، فيقول المترفون، وهم المنهمكون في الغفلة، المحجوبون بالنعمة عن المنعم، الذين اتسعت دائرة حسهم: ما هذا الذي يعظكم، ويريد أن يخرجكم عن عوائدكم، ألا بشر مثلكم، يأكل مما تأكلون، ويشرب مما تشربون، ومادروا أنَّ وصف البشرية لا ينافي وجود الخصوصية، فإذا تمادوا في غفلتهم، وأيس من هدايتهم، ربما دعا عليهم، فأصبحوا نادمين، حين لا ينفعهم الندم، وذلك عند نزول هواجم الحِمَامِ. وبالله التوفيق. [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
следующие страницы →