← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ على ما ذُكِرَ من البغاء، فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ لهن رَحِيمٌ بهن، وفي مصحف ابن مسعود كذلك. وكان الحسن يقول: لهن والله. وقيل: للسيد إذا تاب. واحتياجهن إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم: إما باعتبار أنهن- وإن كن مُكْرَهَاتٍ- لا يخلون في تضاعيف الزنا من شائبة مطاوعة ما، بحكم الجِبِلَّةِ البشرية، وإما لغاية تهويل أمر الزنا، وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه، والتشديد في تحذير المكرِهِينَ ببيان أنهن حَيْثُ كُنَّ عُرْضَةً للعقوبة، لولا أن تداركهن المغفرة، الرحمة، مع قيام العذر في حقهن، فما بالك بحال من يكرههن في استحقاق العقاب؟ وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ موضّحات، أو: واضحات المعنى، والمراد: الآيات التي بُينت في هذه السورة، وأوضحت معاني الأحكام والحدود. وهو كلام مستأنف جيء به في تضاعيف ما ورد من الآيات السابقة واللاحقة لبيان جلالة شأنها، المقتضي للإقبال الكلي على العمل بمضمونها. وصُدر بِالْقَسَمِ الذي تُعرب عنه اللام لإبراز كمال العناية بشأنها. أي: والله، لقد أنزلنا إليكم، في هذه السورة الكريمة، آيات مبينات لكل ما لكم حاجة إلى بيانه من الحدود وسائر الأحكام، وإسناد البيان إليها: مجازي، أو: آيات واضحات تصدقها الكتب القدسية والعقول السليمة، على أن «مُبَيِّنات» مِنْ بيَّن، بمعنى تبيّن، كقولهم في المثل: «قد بيَّن الصبح لذي عينين» أي: تبين. ومن قرأها بالبناء للمفعول، فمعناه: قد بيَّن الله فيها الأحكام والحدود. وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أي: وأنزلنا مثلاً من أمثال مَنْ قَبْلَكُم، من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة، والكلمات الجارية على ألسنة الأنبياء والحكماء، فتنتظم قصة عائشة- ﵂ المحاكية لقصة يوسف ﵇ وقصة مَرْيَمَ، وسائر الأمثال الواردة في السورة الكريمة، انتظاماً واضحاً. وتخصيص الآيات البينات بالسوابق، وحمل المثل على قصة عائشة المحاكية لقصة يوسف ومريم، يأباه تعقيب الكلام بما سيأتى من التمثيلات. وَأنزلنا مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يتعظون بها، وينزجرون عما لا ينبغي من المحرمات والمكروهات وسائر ما يخُل بمحاسن الآداب، والمراد: ما وعظ به من الآيات والمثل، مثل قوله: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ «١» ، ولَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ.. «٢» إلخ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ «٣» . وتخصيص المتقين لأنهم المنتفعون بها، المغتنمون لآثارها، المقتبسون لأنوارها، ومدار العطف هو التَّغَايُرُ العنواني المُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التغايُرِ الذاتي. وقد خصَّت الآيات بما بيّن الأحكامَ والحدودَ، والموعظة بما وعظ به من

стр. 1857

قوله: (ولا تأخذكم..) إلى آخر ما تقدم. وقيل: المراد بالآيات المبينات والمثل والموعظة: جميع ما في القرآن المجيد من الأمثال والمواعظ. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من أمر بالمعصية ودلَّ عليها، أو رضي فعلها، فهو شريك الفاعل في الوزر، أو أعظم. وكل من أمر بالطاعة ودلّ عليها فهو شريك الفاعل في الثواب، أو أعظم. وفي الأثر: «الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِه» «١» . قال القشيري: حامِلُ العاصي على زَلَّته، والداعي له إلى عَثْرَته، والمُعِينُ له على مخالفته، تتضاعف عليه العقوبة، وله من الوِزْرِ أكثرُ من غيره، وعكسه لو كان الأمر في الطاعة والإعانة على العبادة. هـ. ومن هذا القبيل: تعليم العلم لمن تحقق أنه يطلب به رئاسةً أو جاهاً، أو تَوَصُّلاً إلى الدنيا المذمومة، أو عَلِمَ منه قصداً فاسداً، فإن تحقق ذلك وعَلِمَه، فهو مُعين له على المعصية، كمن يعطي سيفاً لمن يقطع به الطريق على المسلمين. والله تعالى أعلم. ثم إن أنوار الشريعة، وهى أحكام المعاملة الظاهرة، تهدى إلى أنوار الطريقة، وهى أحكام المعاملة الباطنة، وأنوار الطريقة تهدى إلى أنوار الحقيقة، وأنوار الحقيقة تصيّر الكون كلّه نورا، كما قال تعالى: [سورة النور (٢٤) : آية ٣٥] اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) يقول الحق ﷻ : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: منور أهلهما [بنور الإسلام والإيمان لأهل الإيمان] «٢» ، وبنور الإحسان لأهل الإحسان، فحقيقة النور: هو الذي تنكشف به الأشياء على ما هي عليه، حسية أو معنوية، والمراد هنا: المعنوية بدليل قوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، فإن انكشف به أحكام العبودية، باعتبار المعاملة الظاهرة، يُسمّى: نُورُ الإسلام، وإن انكشف به أوصاف الذات العلية وكمالاتها، من طريق البرهان، يُسمى: نُور الإيمان، وإن انكشف به حقيقة الذات وأسرارها، من طريق العيان، يُسمى: نور الإحسان. فالأول: يشبه نور النجوم، والثاني: نور القمر، والثالث: نور الشمس، ولذلك تقول الصوفية: نجوم الإسلام، وقمر الإيمان، وشمس العرفان.

стр. 1858

ثم ضرب المثل لذلك النور، حين يقذفه في قلب المؤمن، فقال: مَثَلُ نُورِهِ أي: صفة نوره العجيبة في قلب المؤمن- كما هي قراءة ابن مسعود- كَمِشْكاةٍ أي: كَصِفَةِ مِشْكَاةٍ، وهي الكُوَّةُ في الجدار غير النافذة لأن المصباح فيها يكون نوره مجموعاً، فيكون أزهر وأنور، فِيها مِصْباحٌ أي: سراج ضخم ثاقب، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ أي: في قنديل من زجاج صافٍ أزهر، الزُّجاجَةُ من شدة صفائها كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ بضم الدال وتشديد الراء، منسوب إلى الدر لفرط ضيائه وصفائه، وبالكسر والهمز: «أبو عمرو» على أنه يدْرأ الظلام بضوئه. وبالضم والهمز: أبو بكر وحمزة، شبهه بأحد الكواكب الدراري، كالمشتري والزهرة ونحوهما. تَوَقَدُ «١» بالتخفيف والتأنيث، أي: الزجاجة، أو يُوقَدُ بالتخفيف والغيب، أو: تَوَقَّدَ بالتشديد، أي: المصباح مِنْ شَجَرَةٍ أي: من زيت شجرة الزيتون، أي: رويت فتيلته من زيت شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ كثيرة المنافع، أو: لأنها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين، وهي الشام، وقيل: بارك فيها سبعون نبياً، منهم إبراهيم ﵇. زَيْتُونَةٍ: بدلٌ من شَجَرَةٍ، من نعتها لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ أي: ليست شرقية فقط، لا تُصيبها الشمس إلا في حالة الشروق، ولا غربية، لا تصيبها إلا في حال الغروب، بل هي شرقية غربية، تصيبها الشمس بالغداة والعشي، فهو أنضر لها، وأجود لزيتونها. وقيل: ليست من المشرق ولا من المغرب، بل في الوسط منه، وهو الشام، وأجودُ الزيتونِ زيتون الشام. يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ هو في الصفاء والإنارة بحيث يكاد يضيء بنفسه من غير مسَاسٍ نَارٍ أصلاً. نُورٌ عَلى نُورٍ أي: نور المصباح متضاعف على نور الزيت الصافي، فهذا مثال النور الذي يقذفه الله في قَلبِ المؤمن فالمشكاة هو الصدر، والمصباح نور الإيمان أو الإسلام أو الإحسان، على ما تقدم، والزجاجة هو القلب الصافي، ولذلك شبهه بالكوكب الدُرّيّ، والزيت هو العِلْمُ النافع الذي يقوي اليقين. ولذلك وصفه بالصفاء والإنارة. يكاد صاحبه تشرق عليه أنوار الحقائق، ولو لم يمسسه علمها. نُورٌ عَلى نُورٍ أي: نور الإيمان مُضَافٌ إلى نور الإسلام، أو نور الإحسان مضاف إلى نور الإيمان والإسلام،

стр. 1859

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ أي: لهذا النور الباهر مَنْ يَشاءُ من عباده إما بإلهام أو بواسطة تعليم. وفيه إيذان بأن مناط هذه الهداية إنما هي بمشيئته تعالى، وأن الأسباب لا تأثير لها. وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ تقريباً للفهم، لأنه إبراز للمعقول في هيئة المحسوس وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، معقولاً كان أو محسوساً، فيبين الأشياء بما يمكن أن تُعْلَم به. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الكون كله من عرشه إلى فرشه قطْعةٌ من نور الحق، وسر من أسرار ذاته، مُلْكٌ، وباطنه ملكوت فائض من بحر الجبروت، فالكائنات كلها: الله نُورُها وسرُّها، وهو القائم بها. ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء من العارفين بالله، وحسبُ مَن لم يَبلُغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه، وتحققوه ذوقاً وكشفاً. ثم ضرب الحقُّ تعالى مثلاً لنوره الفائض من بحر جبروته، فقال: مَثَلُ نُورِهِ الظاهر، الذي تجلى به في عالم الشهادة، كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ أي: كطاقة انفتحت من بحر اللّطَافَةِ الكَنْزِيَّةِ، خرج منها نور كثيف كالمصباح، فالكون كله مِصْبَاحُ نورٍ، انفجر من النور، ومن ذلك المصباح تفرعت الكائنات، فهي كلها نور فائض من بحر نوره اللطيف، ثم جعل الحق تعالى يصف ذلك المصباح في توقده وتوهجه بقوله: الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ... .. إلخ. فالآية كلها من تتمه التمثيل. وقوله تعالى: وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ قيل: الإشارة فيه إلى استغناء العبد في تلك الحالة عن الاستمداد إلا من رب العزة، فيستغني عن الوسائط. وقوله تعالى: نُورٌ عَلى نُورٍ أي: نور ملكوته على نور جبروته، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ أي: لشهود نوره، أو لمعرفة نوره، مَنْ يَشاءُ من خواص أحبابه، كأنبيائه وأوليائه، فمن لم يشهد هذا النور، ولم يعرفه، لا خصوصية له يتميز بها عن العوام، فهو من عامة أهل اليمين، ولو كثر علمه وعمله إذ لا عبرة بالعلم والعمل مع الحِجَاب. وفي الحِكَم: «الكائن في الكون، ولم تفتح له ميادين الغيوب، مسجون بمحيطاته، محصور في هيكل ذاته» ، والمحجوب برؤية الأكوان من جملة العوام عند أهل العيان، ينسحب عليه معنى المثال الآتي في ضد هذا بقوله: (أو كظلمات..) إلخ. وفي الحِكَم. «الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهورُ الحَقِّ فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده فيه، أو عنده، أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسُحب الآثار» «١» . فالكون عند أهل العيان كله نور، وعند أهل الحجاب كله ظلمة، وهو محيط بهم، فالظلمة محيطة بهم، وقد ألف الغزالي في هذه الآية كتابه:

стр. 1860

(مشكاة الأنوار) ، وكلامه فيه يدور على أن معنى اسمه تعالى «النور» : يرجع إلى ما ثبتت به الأشياء وظهرت من العدم، ولذلك قال قائلهم: فَالنُّورُ يُظْهِرُ مَا تَرَى مِنْ صُورَةٍ ... وبه ظهور الكَائِنَاتِ بِلاَ امْتِرَاءِ وفي لطائف المنن: الله نور السموات والأرض نور سموات الأرواح بمشاهدته، ونور أرض النفوس بمطالعته وخدمته، وجعل قلوب أوليائه مَجْلاَةً لذاته ولظهور صفاته، أظهرهم ليظهر فيهم خصوصاً، وهو الظاهر في كل شيء عموماً، ظهر فيهم بأنواره وأسراره، كما ظهر فيهم، وفيما عداهم بقدرته واقتداره. هـ. ثم ذكر محل ظهور ذلك المصباح، فقال: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٦ الى ٣٨] فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) قلت: (في بيوت) : يتعلق بمشكاة، أي: كائنة في بيوت، أو توقد، أو بيسبح، أي: يسبح له رجال في بيوت، وفيه تكرير لزيادة التأكيد، نحو: زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف، أي: سبّحوا في بيوت. و (أَذِنَ) : نَعْتٌ له. يقول الحق ﷻ : وذلك النور الذي في المشكاة يكون فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، وهي المساجد والزوايا المُعدَّة لذكر الله والصلاة وتلاوة القرآن. ورفعها: تعظيمها. أي: التي أمر الله بتعظيمها كتطهيرها من الخبث، وتنقيتها من القذى، وتعليق القناديل ونصب الشموع، ويزاد التعظيم في شهر رمضان. ومن تعظيمها: غلقها في غير أوقات الصلاة، وقيل المراد برفعها: بناؤها، كقوله تعالى:.. بَناها رَفَعَ سَمْكَها.. «١» ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ «٢» ، والأول أصح. وَأذن أيضاً أن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وهو عام في جميع الذِّكْر، مفرداً أو جماعة، ويدخل فيه تلاوة القرآن. يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أي: يصلي له فيها بالغداة: صلاة الفجر، والآصال: صلاة الظهر

стр. 1861

والعصر والعِشَاءين. وإنما وَحَّد الغدو لأن صلاته صلاة واحدة، وفي الآصال صلوات، وهو جمع أصيل، وفاعل «يُسَبِّحُ» : رجال. ومن قرأ بفتح الباء «١» ، فأسنده إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: (له فيها بالغدو) . و «رجال» : مرفوع بمحذوف، دل عليه يُسَبِّحُ أي: يسبحه رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ: لا تشغلهم تِجارَةً في السفر، وَلا بَيْعٌ في الحضر، عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ باللسان والقلب، وقيل: التجارة: الشراء، أي: لا يشغلهم شراء ولا بيع عن ذكر الله، والجملة: صفة لرجال، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، مفيدة لكمال تَبَتُّلِهِمْ إلى الله تعالى، واستغراقهم فيما حكى عنهم من التسبيح من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم. وتخصيصُ التِّجَارَةِ بالذكر لكونها أقوى الصوارف عندهم وأشهرها، أي: لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة، ولا فرد من أفراد البياعات، وإن كان في غاية الربح. وإفراده بالذكر، مع اندراجه تحت التجارة لأنه ألهى لأن ربحه متيقن ناجز في الغالب، وما عداه متوقع في ثانى الحال. وَلا يشغلهم ذلك أيضاً عن إِقامِ الصَّلاةِ أي: إقامتها لمواقيتها من غير تأخير، وأصله: وإقامة، فأسقطت التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإعلال، وعوض عنها الإضافة، فأقيمت الإضافة مقام التاء، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ أي: وعن إيتاء الزكاة، وذكرها، وإن لم يكن مما تفعل في البيوت، لكونها قرينتها لا تفارق إقامة الصلاة في عامة المواضع، مع ما فيه من التنبيه على أن مَحَاسِنَ أعمالهم غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فيما يقع في المساجد. والمعنى: لا تجارة لهم حتى تلهيهم، أو يبيعون ويشترون ويذكرون الله مع ذلك، لا يشغلهم عن ذكر الله شيء، وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها مسرعين. يَخافُونَ يَوْماً أي: يوم القيامة تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ أي: تضطرب وتتغير من الهول والفزع، وتبلغ إلى الحناجر، وَتتقلب الْأَبْصارُ بالشخوص أو الزرقة. أو تتقلب القلوب إلى الإيمان بعد الكفران، والأبصار إلى العيان بعد النكران، كقوله: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ «٢» . يفعلون ذلك الاستغراق في التسبيح والذكر، مع الخوف لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا أي: أحسن جزاء أعمالهم، حسبما وعدهم بمقابلة حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي: يتفضل عليهم بأشياء وعدهم بها، لم تخطر على بال كالنظر إلى وجهه، وزيادة كشف ذاته، فهو كقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ «٣» . وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي: يثيب من يشاء ثواباً لا يدخل تحت حساب الخلق، و «مَنْ» : واقعة على من ذُكِرَتْ أوصافهم الجميلة، كأنه قيل: والله يرزقهم بغير حساب، ووضعه موضع

стр. 1862

ضميرهم للتنبيه على أن مناط الرزق المذكور مَحْضُ مشيئتِه تعالى، لا أعمالهم المحكية، ويحتمل أن يريد بالرزق ما يرزقهم في الدنيا مما يقوم بأمرهم، حين تَبتَّلُوا إلى العبادة، يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون، من غير حَصْرٍ ولا عد. والله تعالى أعلم. الإشارة: البيوت التي أَذِنَ الله أن تُرفع هي القلوب، التي هي معدن الأسرار ومحل مصابيح الأنوار، ورفعها: صونها من الأغيار، وتطهيرها من لوث الأكدار، وبُعدها من جيفة الدنيا، التي هي مجمع الخبائث والأشرار، ليُذكَرَ فيها اسم الله، كثيرا، على نعت الحضور والاستهتار، وإنما يمكن ذلك من أهل التجريد والانقطاع إلى الله، الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب عن حضرة الله، والأبصار عن شهود الله، وذلك بشؤم الغفلة في الدنيا عن الله، والقيام بحقوق الله، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، في جنة الزخارف، ويزيدهم من فضله التَّنَزُّهَ في جنة المعارف. والله يرزق من العلوم والمعارف من يشاء بغير حساب. ثم ذكر ضد أهل النور، وهم أهل الظلمة، فقال: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٩ الى ٤٠] وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماء حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) قلت: «كسراب» : خبر الثاني، وهو: ما يروى في الفلوات من لمعان الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض، فَيُظَنُّ أنه ماء يجري. و (بقيعة) : متعلق بمحذوف، صفة لسراب، أي: كائن بأرض قيعة، أي: منبسطة، و (سحاب ظلمات) : مَنْ جَرَّها: فبالإضافة «١» ، ومن رفعها: فخبر، أي: هي ظلمات. يقول الحق ﷻ ، في بيان أعمال الكفرة وظلمة قلوبهم، بعد بيان حَالِ المؤمنين وأنوار قلوبهم: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ التي هي من أبواب البر، كصلة الرحم، وفك العُنَاةِ، وسقاية الحاج، وعمارة البيت، وإغاثة الملهوف، وَقِرَى الأضياف، ونحوها، مما لَوْ قارنه الإيمان لا ستوجب الثواب، مثاله: كَسَرابٍ

стр. 1863

كفضاء (بقيعَةٍ) بأرض منبسطة، يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ يظنه العطشان ماء حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً أي: لم يجده كما ظنه ورجاه، بل خاب مطمعه ومسعاه، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي: وجد جزاء الله، أو حُكمه، عند عمله، أو عند جزائه، فَوَفَّاهُ حِسابَهُ أي: أعطاه جزاءه كله وافياً، وإنما وحّد، بعد تقديم الجمع، حملاً على كل واحد من الكفار. وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسب العباد في ساعة لأنه لا يحتاج إلى عد وعقد، ولا يشغله حساب عن حساب، أو قَرِيبٌ حسابُه لأنَّ كل آتٍ قريبٌ. شبه ما يعمله الكفرة من البر، الذي يعتقد أنه ينفعه يوم القيامة وينجيه من عذاب الله، ثم يخيب في العاقبة أَملُهُ، ويلقى خلاف ما قدّر، بسراب يراه الكافر بالساهرة، وقد غلبه عطش يوم القيامة، فيحسبه ماء، فيأتيه، فلا يجد ما رجاه، ويجد زبانية الله، فيأخذونه إلى جهنم، فيسقونه الحميم والغساق. قيل: هم الذين قال الله فيهم: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ «١» ، ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً «٢» . قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، كان ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، والتمس الدين، فلما جاء الإسلام كفر. هـ. ثم ضرب مثلاً لأعمالهم في الدنيا، فقال: أَوْ كَظُلُماتٍ، «أو» : للتنويع، فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ عميق كثير الماء، منسوب إلى اللج، وهو معظم ماء البحر، يَغْشاهُ أي: يغشى البحر، أو مَن فيه، أي: يعلوه ويغطيه بالكلية، مَوْجٌ هو ما ارتفع من الماء، مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ أي: من فوق الموج موج آخر، مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ من فوق الموج الأعلى سحاب، ظُلُماتٌ أي: هذه ظلمات ظلمة السحاب، وظلمة الأمواج، وظلمة البحر، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ظلمة الموج على ظلمة البحر، وظلمة الموج على ظلمة الموج الأسفل، وظلمة السحاب على الموج، وهذا أعظمُ للخوف وأقربُ للعطب، لأنه يغطي النجوم التي يهتدي بها ويشتد معه الريح والمطر، وذلك يؤكد التلف، إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ أي: الواقع فيه، أو مَن ابْتُلِيَ بها، لَمْ يَكَدْ يَراها مبالغة في «لم يرها» أي: لم يقرب أن يراها، فضلاً عن أن يراها. شبّه أعمالهم، في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة، وخلوها عن نور الحق، بظلماتٍ متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب. قال ابن جُزَيّ: لمَّا ذكر حال المؤمنين عَقَّبَ ذلك بمثالين لأعمال الكفار الأول: يقتضي حال أعمالهم في الآخرة، وأنها لا تنفعهم، بل يضمحل ثوابها كما يضمحل السراب. والثاني: يقتضي حال أعمالهم في الدنيا، وأنها في غاية الفساد والضلال، كالظلمة التي بعضها فوق بعض. ثم قال: وفي وصف هذه الظلمات مبالغة، كما أن فى

стр. 1864

وصف النور المذكور قبلها مبالغة. هـ. وقوله: لما ذكر حال المؤمنين، يعني بقوله: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ.. إلخ، الله بقوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، وقيل: كلا المثالين في الآخرة، يخيبون من نفعها، ويخوضون في بحر ظلمتها. وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً في قلبه، من نور توحيده ومعرفته، فَما لَهُ مِنْ نُورٍ أي: من لم يشأ الله أن يهديه لنوره: لم يهتد، وفي الحديث: «خلق الله الخلق في ظلمة، ثم رش عليها من نوره، فمَن أصابه ذلك النور اهتدى، ومَن أخطأه ضل» ، وينبغى للقارىء عند هذه الآية أن يقول: (اللهمَّ اجعلْ في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، واجعلني نوراً، وأعظم لي نوراً) «١» ، كما في الحديث في غير هذا المحل. الإشارة: كل مَن لم يتحقق بمقام الإخلاص كانت أعماله كسرابٍ بقيعة، يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده، فوفاه حسابه، أي: يناقشه فيما أراد بعمله، وأهل التوحيد الخاص: الوجود كله، عندهم، كالسراب، يحسبه الناظر إليه شيئاً، حتى إذا جاءه بفكرته لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده وحده، وفيه يقول الشاعر: مَن أبصرَ الخلقَ كالسرابِ ... فقَد تَرقَّى عن الحجابِ إِلى وُجودٍ تراهُ رَتْقاً ... بِلاَ ابتعادٍ ولا اقْتِرابِ ولم تُشَاهِدْ به سواهُ ... هناك يهدى إلى الصوابِ فَلا خِطابَ بِه إليهِ ... وَلا مُشِيرَ إلى الخِطَابِ ومثال من عكف على دنياه، واتخذ إلهه هواه، كذي ظلمات في بحر لجي، وهو بحر الهوى، يغشاه موج الجهل والمخالفات، من فوقه موج الحظوظ والشهوات، من فوقه سحاب أثر الكائنات، أو: يغشاه موج الغفلات، من فوقه موج العادات، من فوقه سحاب الكائنات، ظلمات بعضها فوق بعض من حب الدنيا، وحب الجاه، وحب الرئاسة، إذا أخرج يد فكرته لم يكد يراها.

стр. 1865

وقال بعضهم: الدنيا كلها بحر لُجَي، والناس مغروقون فيه، إلا مَنْ عَصَمَ الله، وساحله الموت، فمن لعبت به أمواج الهوى والحظوظ، فليأوي إلى سفينة الزهد والورع، وليتمسك برئيس عارف بأهوال البحر، وهم العارفون بالله، فإنه ينجو من أهوالها، ومن أخطأ هذا غرق في تيارها، ولعبت به أمواج حظوظها وشهواتها، فكان من الهالكين، نسأل الله الحفظ بمنِّه وكرمه. ثم ذكر علامات وجود ذلك النور المتقدم فى أهل السموات والأرض، فقال: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٤١ الى ٤٢] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) يقول الحق ﷻ : أَلَمْ تَرَ يا محمد، وخصَّه بالخطاب إيذاناً بأنه ﷺ قد أفاض عليه أعلى مَرَاتِبَ النور وأجلاها، وبيَّن له من أسرار الملكوت أجلهَا وأخفاها، أي: ألم تنظر بعين بصيرتك، فتعلم علم يقين، أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ أي: ينزهه على الدَّوَامِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من العقلاء وغيرهم، تنزيهاً معنوياً، فإن كلا من الموجودات يدل على وجود صانع واجب الوجود، متصف بصفات الكمال، مقدس عن كل ما لا يليق بعلو شأنه. أو: تنزيهاً حسياً بلسان المقال، وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُون تَسْبِيحَهُمْ. وتخصيص التنزيه بالذكر، مع دلالة ما فيهما على اتصافه تعالى بنعوت الكمال أيضأً لأن مساق الكلام تَقْبيحُ حَالِ الكفرة في إخلالهم بالتنزيه بجعلهم الجمادات شركاء له ودعوى اتخاذه الولد. وَيسبحه الطَّيْرُ حال كونها صَافَّاتٍ أي: يصففن أجنحتهن في الهواء، وتخصيصها بالذكر، مع اندراجها في جملة ما في الأرض لعدم استمرار قرارها فيها، ولاختصاصها بصنع بارع، وهو اصطفاف أجنحتها في الجو، وتمكينها من الحركة كيف تشاء، وإرشادها إلى كيفية استعمالها بالقبض والبسط، ففي ذلك دلالة واضحة على كمال قدرة الصانع المجيد، وغاية حكمة المبدئ المعيد. كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ أي: كل واحد من الأشياء المذكورة قد عَلِمَ الله تعالى صَلاتَهُ، أي: دعاءه وخضوعه وتسبيحه. أو: كلٌّ قد علم في نفسه ما يصدر عنه من صَلاَةٍ وتسبيح، فالضمير: ما إليه أو لكلٌ. ولا يبعد أن يلهم الله الطيرَ دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة، التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ لا يعزب عن علمه شيء.

стр. 1866

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا لغيره لأنه الخالق لهما، ولما فيهما من الذوات، وهو المتصرف فيهما إيجاداً وَإعْداماً، (وإلى الله المصير) أي: إليه، خَاصَّةً، رجوع الكل بالفناء والبعث لا إلى غيره، وإظهار اسم الجلالة في وضع الإضمار، لتربية المهابة، والإشعار بِعِلِّيّةِ الحُكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما استقر في السموات السبع والأرضين السبع كله من قَبْضَةِ النُّور الأوَّلِيَّةِ، بين حس ومعنى، حسه خاضع لأحكام الربوبية، ومعناه قاهر بسطوات الألوهية، حسه حِكْمةٌ، ومعناه قدرة، حسه مُلْكٌ، ومعناه ملكوت، وهذا معنى قوله: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، فافهم. ثم ذكر جزئيات من تلك النور، فقال: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٣ الى ٤٤] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) يقول الحق ﷻ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي أي: يسوق، برفق وسهولة، سَحاباً: جمع سحابة، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ أي: يضم بعضه إلى بعض، ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً متراكماً بعضه فوق بعض، فَتَرَى الْوَدْقَ: المطر، يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ من فُتُوقِهِ ووسطه، جمع خَلل، كجبال وجبل، وقيل: مفرد، كحجاب وحجاز. قال القشيري: ترتفع بقدرته بُخَارَاتُ البحر، فيتصعد، بتسييره وتقديره، إلى الهواء، وهو السحاب، ثم يديره إلى سَمْتِ يريد أن ينزل به المطر، ثم ينزل ما في السحاب من ماء البحر، قطرة قطرة، ويكون الماء، حين حصوله في بخارات البحر، غير عذب، فيقلبه عذباً، ويَسُحُّهُ السحابُ سَكْباً، فيوصل إلى كلِّ موضع قَدْراً يكون له مُراداً معلوماً، لا بالجهدِ مِنَ المخلوقين يُمْسَكُ عن المواضع الذي عليه ينزله، ولا بالحيلة يُسْتَنْزلُ على المكانِ الذي لا يُمْطِره. هـ. قلت: وهذا أحد الأقوال فى حقيقة المطر، والمشهور عند أهل السنة: أن الله تعالى يُنْشِىءُ السحاب بقدرته، ويخلق فيه الماء بحكمته، وينزله حيث شاء.

стр. 1867

ثم قال تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، «مِنْ» الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: بدل من الأولى، والثالثة: لبيان الجنس، أي: يُنَزِّل البَرَد، وهو الثلج المكور، من السماء، أي: الغمام العلوي، فكل ما علاك سماء، من جبال فيها كائنة من البَرَد، ولا غرابة في إن الله يخلق في السماء جِبَالَ بَرَدٍ كما خلق في الأرض جبال حجر. قال ابن جزي: قيل: إن الجبال هنا حقيقة، وإن الله جعل في السماء جبالاً من بَرَد، وقيل: إنه مجاز، كقولك: عند فلان جبال من مال أو عِلم، أي: هن في الكثرة مثل الجبال. هـ. وأصله لابن عطيه. وقال الشيخ أبو زيد الثعالبي: حَمْلُ اللفظ على حقيقته أولى، إن لم يمنع من ذلك مانع. هـ. يعني: ولا مانع هنا، فيحمل على ظاهره، وإن الله خلق جبال بَرد في السماء. وقال الهروي عن ابن عرفة- يعنى اللغوي-: سمعت أحمد بن يحيى يقول: فيه قولان: أحدهما: وينزل من السماء بردا من جبال فى السماء من برد، والآخر: وينزل من السماء أمثال الجبال من البَرَد. ويقال: إنما سمي برَدَاً لأنه يَبْرُدُ وجه الأرض أي: يُقشره. هـ. قال البيضاوي: إن الأبخرة إذا تصاعدت ولم يتخللها حرارة، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء، وقوي البرد هناك، اجتمع وصار سحاباً، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطراً، وإن اشتد، فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها، نزل ثلجاً، وإلاّ نزل بَرَداً، وقد يبرد الهواء برداً مفرطاً فينقبض، وينعقد سحاباً، وينزل منه المطر أو الثلج. وكل ذلك لا بد وأن يُسْنَدَ إلى إرادة الواجب الحكيم لقيام الدليل على أنها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالِّها وأوقاتها، وإليه أشار بقوله: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ والضمير للبرَد. هـ. أي: فيصيب بذلك البَرَد من يشاء أن يصيبه به، فيناله ما ناله من ضرره في بدنه وماله من زرع أو غيره. وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ أن يصرفه عنه، فينجو من غائلته. يَكادُ سَنا بَرْقِهِ أي: ضوء برق السحاب، الموصوف بما مر من الإزجاء والتآلف. وإضافة البرق إليه، قبل الإخبار بوجوده، فيه إيذان بظهور أمره واستغنائه عن التصريح به. وقيل: الضمير للسماء، وهو أقرب، أي: يكاد ضوء برق السماء، ويحتمل أن يعود على «الله» تعالى لتقدم ذكره، أي: يكاد ضوء برقه تعالى يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ، أي: يخطفها من فرط الإضاءة، وسرعة ورودها، ولو عند إغماضها. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي: يصرفهما بالتعاقب، فيأتي هذا بعد هذا، أو ينقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد وغيرهما. إِنَّ فِي ذلِكَ، الإشارة إلى ما فصل آنفاً، أي: إن في إزجاء السحاب، وإنزال الودق، وتقليب الليل والنهار،

стр. 1868

لَعِبْرَةً لَدَلاَلَةً واضحة على وجود الصانع القديم، القائم بالأشياء، والمدبر لها بقدرته وحكمته، لِأُولِي الْأَبْصارِ لذوي العقول الصافية. وهذا من تعدد الدلائل على ظهور نوره تعالى في الكائنات، حيث ذكر تسبيح مَنْ فى السموات والأرض وما يطير بينهما وخضوعهم له، وتسخير السحاب وإنزال الأمطار، وتقليب الليل والنهار، إلى غير ذلك من لوامح الأنوار. والله تعالى أعلم وأحكم. الإشارة: ألم تر أن الله يُزجي سحابَ الواردات الإلهية، تحمل العلوم اللدنية، ثم يُؤلف بينه حتى يكون قوياً، يُقتطع به صاحبه عن حسه، ويغيبه عن أمسه ورسمه، فترى أمطار العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، والفتوحات العرفانية، تخرج من خلاله، أي: من قلب العارف، وهي نتائج الواردات وثمراتها. وفي الحكم: «لا تزكين واردا لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار» . وينزل من سماء الأرواح من جبالِ عقولٍ، فيها علم الرسوم الظاهرة، فيصيب به من يشاء، ممن أريد لحمل الشرائع والقيام بها، ويصرفه عمن يشاء، ممن أريد أن يكون من عامة الناس، أو من خاصتهم. إن هبت عليه رياح الحقائق، فأمطرت على قلبه العلوم الغيبية فأغنته عن العلوم الرسمية، يكاد سنا برقه الساطع لقلوب أوليائه، وهو سطوع أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، فإنها تكون أولاً كالبرق، تلمع وتخفي، ثم يتصل ورودها وشروقها، فتكون متصلة البروق دائمة الشروق، نهار بلا ليل، واتصال بلا انفصال، ووصال بلا انقطاع. وفي ذلك يقول القائل: طلعت شمسُ مَنْ أُحِبُّ بلَيلٍ ... واستنَارَت، فمَا تَلاها غُرُوبُ إنَّ شَمْسَ النهار تَغرُبُ بالَّليلِ ... وشَمسُ القُلوبِ ليْس لَهَا مَغِيبُ يقلب الله ليل القبض على نهر البسط، ونهار البسط على ليل القبض، حتى يتصل النهار بالخروج عنهما، ليكون لله، لا لشيء دونه. وبالله التوفيق. ولمّا ذكر التجليات العلوية ذكر التجليات السفلية، فقال: [سورة النور (٢٤) : آية ٤٥] وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) يقول الحق ﷻ : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ أي: خلق كل حيوان يدب على وجه الأرض مِنْ ماءٍ من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، وهو جزء مادته عند الأطباء، أو: من ماء مخصوص، وهو النطفة،

стр. 1869

ثم خالف بين المخلوقات من تلك النطفة، فمنها أناسي، ومنها بهائم، ومنها هوام وسباع، وهو كقوله: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ «١» وهذا دليل على أن لها خالقاً مدبراً، وإلاَّ لم تختلف لاتفاق الأصل، وإنما عَرَّفَ الماء في قوله: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ «٢» ونكّره هنا لأن المقصود ثمَّة أن أجناس الحيوان مخلوقة من جنس الماء، وأنه هو الأصل، وإن تخللت بينه وبينها وسائط، وأما هنا فالمراد نوع منه. قالوا: أنَّ أول ما خلق الله الماء، فخلق منه النار والريح والطين، فخلق من النار الجن، ومن الريح الملائكة، ومن الطين آدم ودواب الأرض. قال النسفي. وعلى الثاني: تكون الآية أغلبية لأن مِن الحيواناتِ من يتولد من غير نطفة، كالدود والبَعُوضِ وغيرهما. ثم فصّل أحوالهم بقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ كالحية والحوت، وتسمية حركتها مشياً، مع كونها زحفاً، استعارة، كما يقال في الشيء المستمر: قد مشى هذا الأمر على هذا النمط، او على طريق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين. وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ كالإنسان والطير، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ كالبهائم والوحش. وعدم التعرض لما يمشي على أكثر من أربع كالعناكب ونحوها من الحشرات لعدم الاعتداد بها، لقلتها. وتذكير الضمير في (منهم) لتغليب العقلاء، وكذلك التعبير بكلمة (مَن) . وقدَّم ما هو أغرق في القدرة، وهو الماشي بغير آلة، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع. يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ مما ذكر ومما لم يذكر، بَسيطاً أو مركباً، على ما يشاء من الصور والأعضاء والهيئات والطبائع والقوى والأفاعيل، مع اتحاد العنصر إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيفعل ما يشاء كما يشاء. وإظهار الاسم الجليل في الموضعين في موضع الإضمار لتفخيم شأن الخلق المذكور، والإيذان بأنه من أحكام الألوهية. والله تعالى أعلم. الإشارة: أظهر الحق تعالى الأشياء من الماء، وأظهر الماء من نور القبضة، وأظهر القبضة من بحر سر الذات. أو تقول: أظهر الماء من نور الملكوت، وأبرز نور الملكوت من بحر الجبروت، وبحر الجبروت هو بحر أسرار

стр. 1870

الذات الأزلية، فالكل منه وإليه، ولا شيء معه، فتنوعت أنوار التجليات، وتعددت أسماؤها بتعدد فروعها، والمتجلي واحد، كما قال صاحب العينية: تَجلَّى حَبِيبي فِي مَرَائِي جَمَالِهِ ... فَفِي كُلِّ مَرْئِيّ لِلْحَبِيبِ طَلاَئِعُ فَلَمَّا تَبَدَّى حُسْنُه مُتَنَوِّعاً ... تَسَمَّى بِأَسْمَاءٍ فَهُنَ مَطَالِعُ. ولا يفهم هذا إلا من هداه الله لمعرفته، كما قال: [سورة النور (٢٤) : آية ٤٦] لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) يقول الحق ﷻ : لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ لكل ما يليق بيانه من الأحكام الديني، ة والأسرار التكوينية. أو: موضحات، أوضحنا بها ما يحتاجون إليه من علم الشرائع والأحكام، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ توْفِيقَه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: دين قيِّم يُوصل إلى رضوان الله ومعرفته. الإشارة: لقد أنزلنا من بحر الجبروت أنواراً ساطعة لعالم الملكوت، والله يهدي من يشاء إلى طريق شهود هذه الأنوار. فالطريق المستقيم هي التي تُوصل إلى حضرة العيان، على نعت الكشف والوجدان، وهي ثلاثة مدارج: المدرج الأول: إتقان الشريعة الظاهرة، وهي تهذيب الظواهر وتأديبها بالسُنَّة والمتابعة. والمدرج الثاني: إتقان الطريقة، وهي تهذيب البواطن وتصفيتها من الرذائل، فإذا تطهر الباطن، وكمل تهذيبه، أشرف على المدرج الثالث، وهو كشف الحقائق العرفانية والأسرار الربانية، فيفنى مَن لم يكن، ويبقى مَن لم يزل، فيقع العيان عل فقد الأعيان، وتشرق شمس العرفان فتغطي وجودَ الأكوان. وبالله التوفيق. «١» ولما ذكر إنزال الآيات ذكر افتراق الناس إلى ثلاث فرق، فرقة آمنت ظاهرا وكفرت باطنا، وهم المنافقون، وفرقة آمنت ظاهرا وباطنا، وهم المخلصون، وفرقة كفرت ظاهرا وباطنا وهم الكافرون، وبدأ بالأولى، فقال: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٧ الى ٥٠] وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)

стр. 1871

يقول الحق ﷻ في شأن من لم يشأ هدايته إلى صراط مستقيم: وَيَقُولُونَ أي: المنافقون آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ بألسنتهم، وَأَطَعْنا الله والرسول في الأمر والنهي، ثُمَّ يَتَوَلَّى عن قبول حُكْمِهِ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي: من بعد ما صدر عنهم من ادعاء الإيمان بالله وبالرسول والطاعة لهما. قال الحسن: نزلت في المنافقين، الذين كانوا يُظهرون الإيمان ويًسرون الكفر. وقيل: نزلت في «بِشْر» المنافق، خاصم يهودياً، فدعاه إلى كعب بن الأشْرَف، ودعاه اليهودي إلى النبي ﷺ ، فقال بشر: لا، إن محمداً يحيفُ علينا «١» - قبح الله سعيه. وقيل: في المغيرة بن وائل، خاصم عليّا ﵁ في أرض وماء، فأبى أن يتحاكم إلى رسول الله ﷺ . وأيا ما كان فصيغة الجمع تدل على أن للقائل طائفة يساعدونه ويشايعونه فى تلك المقالة. ثم حكم عليهم بالكفر، فقال: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ أي: المخلصين، والإشارة إلى القائلين: آمنا بالله وبالرسول، لا إلى الفريق المتولي منهم فقط، لئلا يلزم نفي الإيمان عنهم فقط، دون مَنْ قبلهم، بخلاف العكس، فإن نفى الإيمان عن القائلين يقتضي نفيه عنهم، على أبلغ وجه وآكده، وما فيه من معنى البعد للإشعار ببُعد منزلتهم في الكفر والفساد. وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: إلى رسول الله ﷺ لأن حُكمَه حكمُ الله، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أي: ليحكم الرسول بينهم لأنه المباشر للحُكم حقيقة، وإن كان ذلك حكم الله في الحقيقة لأنه خليفته. وذكر الله تعالى لتفخيم شأنه عليه، والإيذان بجلالة قدره عنده. فإذا دُعُوا إلى التحاكم بينهم إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ أي: فاجأ فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إليه ﷺ لكون الحق عليهم، وقد علموا أنه ﷺ يحكم بالحق على من كان. وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ على غيرهم يَأْتُوا إِلَيْهِ إلى الرسول مُذْعِنِينَ مسرعين في الطاعة، طلباً لحقهم، لا رضاً بحُكم رسولهم. قال الزجاج: والإذعان: الإسراع مع الطاعة. والمعنى: أنهم لمعرفتهم أنك لا تحكم إلا بالحق المُر والعدل المحض، يمتنعون من المحاكمة إليك، إذا ركبهم الحق، لئلا تنزعه منهم بقضائك عليهم لخصُومهم، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك، ولم يرضوا إلا بحكومتك، لتأخذ لهم ما وجب لهم على خصمهم.

стр. 1872

أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ كفر ونفاق، أَمِ ارْتابُوا في نبوته ﷺ ، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ أن يجور اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ فيحكم بينهم بغير الحق. قسَّم الحق تعالى الأمر في صدود المنافقين عن حكومته- ﵊ إذا كان الحق عليهم إلى ثلاث: بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين الحيف في قضائه، ثم أبطل الكل بقوله: بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، أما الأولان فلأنه لو كان شيء منهما لأعرضوا عنه، عند كون الحق لهم لتحقق نفاقهم وارتيابهم، وأما الثالث فلمعرفتهم بأحواله ﷺ في الأمان والثبات على الحق، فهم لا يشكون أنه لا يحيف بل لأنهم هم الظالمون، يريدون أن يظلِمُوا من له الحق عليهم، ويتم لهم جحودهم، فيأبَوْن المحاكمة إليه- ﵊ لأنه ﷺ يقضي عليهم بالحق الصريح، المؤيد بالوحي الصحيح. الإشارة: ترى فريقاً من الناس يدّعون الإيمان والطاعة والمحبة، ونفوسهم غالبة عليهم، فإذا دُعُوا إلى من يحكم بينهم وبينها، بأن يأمرهم بمجاهدتها أو قتلها إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق، بأن وجدوا من يدلهم على البقاء مع عوائدها وشهواتها، يأتوا إليه مذعنين. أفي قلوبهم شك ووَهْم، أم ارتابوا في وجود الطبيب، أم يخافون أن يحيف الله عليهم؟ بأن يدلهم على من يتعبهم ولا يبرئهم، حيث حسّنوا الظن به والتجئوا إليه، فلا يدلهم إلا على من يوصلهم إليه، بل أولئك هم الظالمون لنفوسهم، حيث حرموها الوصول، وتركوها في أودية الشكوك والخواطر تجول. قال الورتجبي: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: دُعوا إلى مشاهدة الله بنعت المحبة والمعرفة، وعبودية بنعت الإخلاص، ودُعُوا إلى رسوله بالمتابعة والموافقة في الشريعة والطريقة. هـ. ثم ذكر الفريق الثاني، وهم المخلصون، فقال: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٥١ الى ٥٢] إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) قلت: (قول) : خَبَرُ «كَانَ» مُقَدَّمٌ، و (أن يقولوا) : اسمها مؤخر، وقرأ الحسن: بالرفع على الاسمية، والأول: أرجح صنَاعةً، والثاني: أظهر دلالة، وأكثر إفادة. انظر أبا السعود.

стр. 1873

يقول الحق ﷻ : إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ الصادر عنهم إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ الرسول ﷺ بَيْنَهُمْ وبين خصومهم، سواء كانوا منهم أو من غيرهم، أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا قوله، وَأَطَعْنا أمره، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بكل مطلب، الناجون من كل مهرب. والإشارة إلى المؤمنين باعتبار صدور القول المذكور عنهم، وما فيه من البُعد، للإشعار بعلو رتبتهم، وبُعد منزلتهم في الفضل، أي: أولئك المنعوتون بتلك النعوت الجميلة هم الفائزون بكل مطلوب. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، هذا استئناف جيء به لتقرير ما قبله من حسن حال المؤمنين، وترغيب مَن عَدَاهم في الانتظام في سلكهم، أي: وَمَن يُطع الله وَرَسُولَهُ، كائناً من كان، فيما أمَرَا به من الأحكام الشرعية اللازمة والمتعدية، وقيل: من يطع الله في فرائضه، ورسولَهُ في سننه. وَيَخْشَ اللَّهَ على ما مضى من ذنوبه، وَيَتَّقْهِ فيما يستقبل من عمره، فَأُولئِكَ الموصوفون بما ذك ر من الطاعة والخشية، والاتقاء، هُمُ الْفائِزُونَ بالنعيم المقيم، لاَ مَنْ عَدَاهُم. وعن بعض الملوك: أنه سأل عن آية كافية، فتُليت عليه هذه الآية. وهي جامعة لأسباب الفوز. قال القرطبي: ذكر أسلم: أن عمر بينما هو قائم فى مسجده ﷺ فإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت، قال: ألهذا سبب؟ قال: نعم إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل، وكثيراً من كتب الأنبياء، فسمعت أسيراً يقرأ آية من القرآن، جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت أنه من عند الله، فأسلمت. قال: ما هذه الآية؟ قال قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ في الفرائض، وَرَسُولَهُ في السنن، وَيَخْشَ اللَّهَ فيما مضى من عمره، وَيَتَّقْهِ فيما بقي، فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ والفائز: من نجا من النار واُدْخِل الجنة، فقال عمر: قال النبي ﷺ : «أُعطيتُ جوامع الكلم «١» » . هـ «٢» . والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما كان قول المؤمنين الكاملين، الطالبين الوصول إلى حضرة رب العالمين، إذا دُعوا إلى حضرة الله ورسوله ليحكم بينهم وبين نفوسهم التي حجبتهم حتى يغيبوا عنها، أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ويدخلوا تحت تربية المشايخ، فإذا أمروهم أو نهوهم، قالوا: سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون الفائزون بالوصول إلى الله تعالى. ومن يطع الله في أمره ونهيه، ورسوله في سنَّته، وما رغَّب فيه، ويخش الله أن يعاتبه، أو يؤدبه، ويتقه، أي: يجعل

стр. 1874

وقاية بينه وبيْن ما يحجبه أو يبعده عنه، فأولئك هم الفائزون الظافرون بمعرفة الله على نعت الشهود والعيان. وبالله التوفيق. ثم رجع إلى تتمة القسم الأول، حاكيا بعض جنايتهم، فقال: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٥٣ الى ٥٤] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤) قلت: (جهد) : مصدر مؤكد لفعله، الذي هو فى حيز النصب على الحال، من فاعل «أقسموا» ، ومعنى جَهْدِ اليمين: بلوغ غايتها بطريق الإستعارة، من قولهم: جهد نفسه: إذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها. وأصل أقسم جهد اليمين: أقسم بجهدِ اليمين جَهداً، فحذف الفعل وقدم المصدر، فوضع موضعه مضافاً إلى المفعول، كقوله: فَضَرْبَ الرِّقابِ «١» وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قال: أقسموا جاهدين أيمانهم. و (طاعة) : مبتدأ حُذف خبره، أي: طاعة معروفة أولى من تسويفكم، أو: خبر عن محذوف، أي: الذي يطلب منكم طاعة معروفة. يقول الحق ﷻ : وَأَقْسَمُوا أي: المنافقون بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي: بلغوا فيها غاية وسعهم، بأن حلفوا بالله. وعن ابن عباس ﵁: (من حلف بالله فقد جهد يمينه) ، لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَ أي: قالوا: لئن أمرنا محمد بالخروج للغزو، أو من ديارنا وأموالنا، لخرجنا. وحيث كانت مقالتهم هذه كاذبة ويمينهم فاجرة أمر ﵊ بردها حيث قيل: قُلْ لا تُقْسِمُوا أي: قل رداً عليهم، وزجراً عن التفوه بها: لا تحلفوا وأنتم كاذبون، طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، تعليل للنهي، أي: لا تُقسموا على ما تدعون من الطاعة لأن طاعتكم طاعة نفاقية، معروفة بالنفاق، واقعة باللسان فقط من غير مواطأة للقلب. وإنما عبّر عنها بمعروفة للإيذان بأن كونها نفاقية مشهور معروف لكل أحد. وحملها على الطاعة الحقيقة، على حذف المبتدأ أو الخبر، مما لا يُساعده المقام. انظر أبا السعود. قال القشيري: طاعة في الوقت أولى من تسويفٍ في الوعد، ولا تعِدُوا بما هو معلوم أنكم لا تفوا به. هـ. وقال النسفي: طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الفاجرة. أو: الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يُشك فيها ولا يُرتاب، كطاعة الخُلص من المؤمنين، لا أيمان تقسمونها بأفواهكم، وقلوبُكُم على خلافها. هـ.

стр. 1875

إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الأعمال الظاهرة والباطنة، التي من جملتها ما تظهرونه من الأكاذيب المؤكدة بالأيمان الفاجرة، وما تضمرونه في قلوبكم من الكفر والنفاق، والعزيمة على مخادعة المؤمنين، وغيرها من فنون الفساد. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، أُمِر- ﵊ بتبليغ ما خاطبهم الله به، وصرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب، وهو أبلغ في تبكيتهم، فَإِنْ تَوَلَّوْا- بحذف إحدى التاءين بدليل قوله: وَعَلَيْكُمْ أي: فإن تُعرضوا عن الطاعة إثر ما أمرتكم بها فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ من التبليغ وقد بلَّغَ، وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ من التلقي بالقبول والإذعان. والمعنى: فإن تعرضوا عن الإيمان فما ضررتم إلا أنفسكم، فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى من أداء الرسالة، فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه. وأما أنتم فعليكم ما كلفتم، أي: ما أمرتم به من الطاعة والإذعان، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرَّضتم نفوسكم لسخط الله وعقوبته. قال القشيري: قل يا محمد: أطيعوا الله، فإن أجابوا، سعدوا في الدارين، وإنما أحسنوا لأنفسهم. وإن تولوا فما أضروا إلا بأنفسهم، ويكون اللوم في المستقبل عليهم، وسوف يلقون سوء عواقبهم. هـ. وَإِنْ تُطِيعُوهُ فيما أمركم به من الهدى تَهْتَدُوا إلى الحق، الذي هو المقصد الأصلي الموصل إلى كل خير، والمنجي من كل شر، وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح، أو: البيِّن الوضوح لكونه مقروناً بالآيات والمعجزات المتواترة. والجملة مقررة لِما قبلها من أن غائلة التولي وفائدة الإطاعة مقصورتان عليهم. واللام: إما للجنس المنتظم فيه- ﵊ انتظاماً أولياً، أو للعهد، أي: ما على جنس الرسول كائناً من كان، أو ما عليه- ﵊ إلا التبليغ الواضح. وبالله التوفيق. الإشارة: ترى بعض الناس يُقسمون بالله جَهدَ أَيْمَانهم: لئن ظهر شيخ التربية وأمرهم بالخروج عن أموالهم وأنفسهم ليخرجن، فلما ظهر تولوا وأعرضوا، فيقال لهم: فإن تولوا فإنما عليه ما حمل من الدلالة على الله، والتعريف به، وعليكم ما حُملتم من الدخول تحت تربيته، وإن تُطيعوه تهتدوا إلى معرفة الله بالعيان، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.

стр. 1876

ثم وعد أهل الإخلاص بالنصر والتمكين، فقال: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٥٥ الى ٥٦] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) قلت: (ليستخلفنهم) : جواب لقسم مضمر، أو تنزيل وعْده تعالى منزلة القسم، و (كما) : الكاف: محلها النصب على المصدر التشبيهي، أي: استخلافاً كائناً كاستخلافه مَنْ قَبْلَهُمْ. و (ما) : مصدرية. و (يعبدوننى) : حال من الموصول الأول، مقيدة للوعد بالثبات على التوحيد، أو استئنافٌ ببيان مقتضى الاستخلاف، و (لا يشركون) : حال من واو (يعبدونني) . يقول الحق ﷻ : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ أي: كل من اتصف بالإيمان بعد الكفر من أي طائفة كان، وفي أي وقت وجد، لا من آمن من المنافقين فقط، ولا من آمن بعد نزول الآية الكريمة، بحسب ظهور الوعد الكريم. و (من) : للبيان. وقيل: للتبعيض، ويراد المهاجرون فقط «١» . وَعَمِلُوا مع الإيمان الأعمال الصَّالِحاتِ، وتوسيط المجرور بين المَعْطُوفَيْنِ لإظهار أصالة الإيمان وعراقته في استتباع الآثار والأحكام، والإيذان بكونه أول ما يطلب منهم، وأهم ما يجب عليهم. وأما تأخيره في قوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً «٢» فإن الضمير للذين آمنوا معه ﷺ فلا ريب أنهم جامعون بين الإيمان والأعمال الصالحة، مثابون عليها، فلا بد من ورود بيانهم بعد نعوتهم الجليلة بكمالها. ثم ذكر الموعود به، فقال: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أي: ليجعلنهم خلفاء متصرفين فيما تصرف الملوك في مماليكهم، والمراد بالأرض: أرض الكفار كلها، لقوله ﵊: «ليدخلن هذا الدين ما دخل الليل والنهار» «٣» ،

стр. 1877

كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كبني إسرائيل، استخلفهم الله في مصر والشام، بعد إهلاك فرعون والجبابرة، ومَنْ قَبْلَهم مِن الأمم المؤمنة التي استخلفهم الله في أرض من أهلكه الله بكفره. كما قال تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ «١» . وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ: عطف على لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ، داخل معه في سلك الجواب، وتأخيره عنه مع كونه أصل الرغائب الموعودة وأعظمها لأن النفوس إلى الحظوظ العاجلة أميل، فَتصْدير المواعد بها فى الاستمالة أدخل، والمعنى: ليجعل دينهم ثابتاً متمكناً مقرراً لا يتبدل ولا يتغير، ولا تنسخ أحكامه إلى يوم القيامة. ثم وصفه بقوله: الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وهو دين الإسلام، وصفه بالارتضاء تأليفاً ومزيدَ ترغيب فيه وفضْلَ تثبيت عليه. وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ بالتشديد والتخفيف من الإبدال، مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ من الأعداء أَمْناً. نزلتْ حيث كان أصحاب رسول ﷺ قبل الهجرة عشر سنين، أو أكثر، خائفين، ولَمَّا هاجروا كانوا بالمدينة يُصْبِحُون في السلاح ويُمْسُون فيه، حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع السلاح، فلما نزلت، قال ﵊: «لا تصبرون إلا يسيراً حتى يَجْلِسَ الرجل منكم في الملأِ العظيم، مُحْتبياً، ليس معه حديدة» «٢» ، فأنجز الله وعده، فأمِنُوا، وأظهرهم على جزيرة العرب، وفتح لهم بلاد المشرق والمغرب، ومزقوا ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا بحذافيرها. وفيه من الإخبار بالغيب ما لا يخفى. وقيل: الخوف والأمن في الآخرة. ثم مدحهم بالإخلاص فقال: يَعْبُدُونَنِي وحدي، لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً أي: حال كونهم موحدين غير مشركين بي شيئاً من الأشياء، شركاً جلياً ولا خفياً لرسوخ محبتهم، فلا يُحبون معه غيره، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ أي: بعد الوعد الكريم، كفرانَ النعمة، أو الرجوع عن الإيمان، كما فعل أهلُ الردة، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الكاملون في الفسق، حيث كفروا تلك النعمة بعد ظهور عزها وأنوارها، قيل: أول من كفر هذه النعمة قتلة عثمان ﵁ فاقتتلوا بعد ما كانوا إخواناً. والآية أوضح دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين لأن المستخلَفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات على ما ينبغي هم الخلفاء- ﵃.

стр. 1878

ولمّا كان كفر من كفر بعد الوعد إنما كان بمنع الزكاة، قرَنَه مع الصلاة في الأمر به فقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فمن فرّق بينهما فقد كفر، وكان من الفاسقين. وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما دعاكم إليه وأمركم به، ومن جملة ما أمر به: طاعة أمرائه وخلفائه لقوله: «عليكم بسنتي، وسنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ» «١» ، فمن امتنع من دفع الزكاة لخليفته- كما فعل أهل الردة- فقد كفر، ومن أداها إليه كما أمره الله فقد استوجب الرحمة، لقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي: لكي تُرحموا، فإنها من مُسْتَجلبَاتِ الرحمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: سُنَّة الله تعالى في خواصه: أن يُسلط عليهم في بدايتهم الخَلْقَ، فينُزل بهم الذلَ والفقرَ والخوفَ من الرجوع عن الطريق، ثم يُعزهم، ويُمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويبدلهم من بعد خوفهم أمناً، كما قال الشاذلى ﵁: اللهم إنَّ القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا ... إلخ كلامه. قال القشيري: وفي الآية إشارة إلى أئمة الدين، الذين هم أركان السُنَّة «٢» ودعائم الإسلام، الناصحون لعباد الله، الهادون من يسترشد في الله. ثم قال: فأما حُفاظ الدين فهم الأئمة والعلماء الناصحون لدين الله، وهم أصناف: قومٌ هم حفّاظ أخبار الرسول ﷺ ، وحُفّاظُ القرآن، وهم بمنزلة الخزنة، وقوم هم علماء الأصول، الرادُّون على أهلِ العناد، وأصحاب الابتداع، بواضح الأدلة، وهم بطارِقَةُ الإسلام وشجعانه، وقوم هم الفقهاء المرجوعُ إليهم في علوم الشريعة وفي العبادات وكيفية المعاملات، وهم من الدين بمنزلة الوكلاء والمتصرفين في المُلْك، وآخرون هم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق، وهم في الدِّين كخواص الملك وأعيان مجلس السلطان وأرباب الأسرار، الذين لا يبرحون في عالي مجلس السلطان، فالدين معمورٌ بهؤلاء على اختلافهم إلى يوم القيامة. هـ «٣» . وتقدم مثله في قوله: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ... الخ «٤» . والله تعالى أعلم. ثم ذكر الفريق الثالث، وهم الكفرة ظاهرا وباطنا، فقال: [سورة النور (٢٤) : آية ٥٧] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)

стр. 1879

يقول الحق ﷻ : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ أي: فائتين الله عن إدراكهم وإهلاكهم، في قُطْرٍ من أقطار الأرض، بل لا بد من أخذهم، عاجلاً أو آجلاً، والخطاب للرسول ﷺ أو لكل سامع. والَّذِينَ: مفعول أول، و (معجزين) : مفعول ثان. وقرأ حمزة والشامي بالغيب، و (الذين) : فاعل، والأول: محذوف، أي: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين فِي الْأَرْضِ. ومَأْواهُمُ النَّارُ: معطوف على محذوف، أي: بل هم مُدْرَكُونَ، وَمَأْواهُمُ النَّارُ أي: مسكنهم ومرجعهم، وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي: والله لبئس المرجع هي. وفي إيراد النار، بعنوان كونها مأوى ومصيراً لهم، إثر نفي قوتهم بالهرب في الأرض كل مهرب، من الجزالة ما لا غاية وراءه. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا تحسبن أهل الانتقاد على أولياء الله أنهم فائتون، بل لا بد من غيرة الله عليهم، عاجلاً أو آجلاً، في الظاهر أو الباطن، ومأواهم نار القطيعة ولبئس المصير. وقال القشيري على هذه الآية: الباطل قد تكون له صَوْلَةٌ لكنه يختل، وما لذلك بقاء، ولعل لبثه من عارض الشتاء في القيظ، أي: الحر. هـ «١» . والله تعالى أعلم. ثم تمم الكلام على الاستئذان المتقدم، ووسط بينهما مواعظ تحث على الامتثال، فقال: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٥٨ الى ٥٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، ويدخل فيه النساء، لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من العبيد والإماء، وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ أي: والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار،

стр. 1880

ثَلاثَ مَرَّاتٍ في اليوم والليلة، وهي مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرح ما ينام فيه من الثياب، ولبس ثياب اليقظة، وربما يجدهم في هذا الوقت نائمين متجردين، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وهي نصف النهار في القيظ لأنها وقت وضع الثياب للقيلولة، وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة، والالتحاف بثياب النوم. هي ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ، ومن نصبه فَبَدلٌ من ثَلاثَ مَرَّاتٍ أي: أوقاتُ ثلاثِ عوراتٍ، وسمى كل واحد من هذه الأوقات عورة لأن الإنسان يختل تستره فيها «١» ، والعورة: الخلل، ومنه سمى الأعور لاختلال عينه. رُوي أن غلاماً لأسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كَرِهَتْهُ، فنزلت «٢» . وقيل: أرسل رسول الله ﷺ مُدْلِجَ بنَ عَمرو الأنْصاريّ، وكان غلاماً، وقت الظهيرة، ليدعو عمر ﵁، فدخل عليه وهو نائم قد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر ﵁: لوددت أن الله تعالى نهى عن الدخول في هذه الساعات إلا بإذن، فانطلق إلى النبي ﷺ ، فوجده وقد نزلت عليه هذه الآية «٣» . والأمر، قيل: للوجوب، وقيل: للندب. ثم عذرهم في ترك الاستئذان في غير هذه الأوقات، فقال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ أي: لا إثم عليكم ولا على المذكورين من المماليك والغلمان في الدخول بغير استئذان بعد كل واحدة من تلك العورات الثلاث، أي: في الأزمنة التي بين هذه العورات الثلاث. ثم بيّن العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات بقوله: طَوَّافُونَ أي: هم طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ لحاجة البيت والخدمة، بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ أي: بعضكم طائف على بعض، أو يطوف على بعض، والجملة: إما بدل مما قبلها، أو بيان، يعني: أنكم محتاجون إلى المخالطة والمداخلة، يطوفون عليكم للخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام، فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأفضى إلى الحرج، وهو مدفوع بالنص، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي: كما بيّن الاستئذان، يبين لكم غيره من الآيات التي تحتاجون إلى بيانها، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمصالح عبادة، حَكِيمٌ فيما دَبَّرَ وحكم به. وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ أي: الأحرار دون المماليك الْحُلُمَ أي: الاحتلام، وهو البلوغ، وأرادوا الدخول عليكم فَلْيَسْتَأْذِنُوا في جميع الأوقات. قال القرطبي: لم يقل: فليستأذنوكم، وقال في الأولى:

стр. 1881

لِيَسْتَأْذِنْكُمُ لأن الأطفال غير مخاطبين ولا متعبَدين. هـ. قلت: فالمخاطبون في الأولى هم الأولياء بتعليمهم الاستئذان وإيصائهم به، وهنا صاروا بالغين، فأمرهم بالاستئذان كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: الذين بلغوا الحُلُم مِن قبلهم، وهم الرجال المذكورون في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ... «١» الآية. والمعنى: أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن، إلا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم بلغوا الحُلُمَ وَجَبَ أن يُفطَمُوا عن تلك العادة، ويُحملوا على أن يَسْتَأْذِنوا في جميع الأوقات، كالرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن. والناس عن هذه غافلون. عن ابن عباس ﵁: ثلاث آيات جحدهن الناس: الإذن كله، وقوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «٢» ، وقوله: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ.. «٣» . وعن سعيد بن جبير: (يقولون: إنها منسوخة، والله ما هي بمنسوخة) «٤» . وعن ابن عباس أيضاً قال: إنما أُمروا بها حين لم يكن للبيوت الستر، فلما وجدوا ذلك استغنوا عن الاستئذان. وعن أبي محمد مكي: هذا الأمر إنما كان من الله للمؤمنين إذ كانت البيوت بغير أبواب. قلت: أما باعتبار الأجانب فالأبواب تكفي، وأما باعتبار المماليك والأطفال الذين يلجون الدار من غير حَجْرٍ فلا تكفي الأبواب في حقهم، فلا بد من الاستئذان كما في الآية. كَذلِكَ أي: مثل ذلك البيان العجيب يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ. قال ابْنُ عرفة: قال قبل هذه وبعدها: الآيات، وفي هذه: آياته لوجهين، الأول: هذه خاصة بالأطفال، وما قبلَها عامة في العبيد والأطفال، فأطلقت الآية، ولم تقيد بالإضافة، وهذه خاصة، فعبّر عنها بلفظ خاص. الثاني: أن الخطاب بما هنا للبالغين، فأسند فيه الحكم إلى الله تعالى، تخويفاً لهم وتشديداً عليهم. هـ. والمتبادر أنه تفنن. قاله المحشي الفاسي. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فيما أمر ودبر. الإشارة: إنما أمر الله بالاستئذان لئلا يُكشف السر إلى غير أهله غَيْرَةً منه تعالى على كشف أسرار عباده، وإذا كان غار على كشف سر عبده، فَغَيْرَتُهُ على كشف أسرار ذاته أولى وأحرى، فيجب كتم أسرار الذات عن غير أهله، وكل من خصه الله بسر وجب كتمه إلا على من هو أهل له، وهو من أَعْطَى نفسه وماله، وباعهما لله تعالى. وكل من أُطْلِعَ على سر من سرار الله أو قضاء من قضائه، ثم استشرف أن يُعْلِم الناس بذلك فهو كذاب. وفي الحِكَم: «استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصِيَّتِكَ دليل على عدم صدقك في عبوديتك» . وبالله التوفيق.

стр. 1882

ثم رخّص للعجائز فى عدم التستر من الرجال، فقال: [سورة النور (٢٤) : آية ٦٠] وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) قلت: «القواعد» جمع قاعد، بغير تاء لأنهما من الصفات المختصة بالنساء، كالطالق والحائض، فلا تحتاج إلى تمييز، وهو مبتدأ، و (اللاتي..) إلخ: صفة له، (فليس) : خبر، وأدخلت الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط من العموم الذي في الألف واللام. و (يرْجُون) : مبني لاتصاله بنون النسوة. يقول الحق ﷻ : وَالْقَواعِدُ أي: العجائز مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي قعدن عن الحيض والولادة لِكِبَرِهِنَّ. قال ابن قتيبة: سمين بذلك لأنهن بعد الكِبَرِ يُكثرن القعود. ويقرب منه من فسره بالقعود عن التصرف للكبر، والظاهر أن قوله: لا يَرْجُونَ نِكاحاً: نعت مُخَصِّصٌ، إن فُسِّرَ القعود فيها بالقعود عن الحيض والولد لأنه قد يكون فيها مع ذلك رَغْبَةٌ للرجال. وقد يُجْعَلُ كاشفاً إذا فسر القعود باستقذار الرجال لهن من عزوف النفس عنهن، فقوله: لا يَرْجُونَ نِكاحاً أي: لا يطمعن في رغبة الرجال فيهن، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ في أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ أي: الثياب الظاهرة، كَالجِلْبَابِ الذي فوق الخمار ونحوه. قال ابن عطية: قرأ ابن مسعود وأُبَيّ: «أن يَضَعْنَ مِنْ ثيابهن» . والعرب تقول: امرأة واضع، للتي كبرت فوضعت خِمَارها، قال في الحاشية: والآية صادقة بما إذا دخل أجنبي بعد الاستئذان، وبخروجهن أيضاً، ومن التبرج: لبس ما يَصف لكونه رقيقاً، أو: شفافاً. هـ. ثم قيَّد الرخصة بقوله: غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ أي: مظهرات زينة، يريد الزينة الخفية، كالشعر والنحر والساق ونحوه، أي: لا يقصدن بوضعهن التبرجَ وإظهارَ مَحَاسنها، ولكن التخفيف. وحقيقة التبرج: تَكَلُّفُ إِظْهَارِ ما يجب إخفاؤه، من قولهم: سفينة بارجة: لاَ غِطَاءَ عليها، إلا أنه خص بكشف المرأة زينتها أو محل حسنها للرجال. وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ أي: يطلبن العفة عن وضع الثياب، فيتسترن خَيْرٌ لَهُنَّ من الانكشاف، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي: سميع ما يجرى بينهن وبين الرجال من المقاولة، عليم، فيعلم مقاصدهن وسرائرهن في قصد التخفيف أو التبرج، وفيه من الترهيب ما لا يخفى. الإشارة: إذا كمل تهذيب الإنسان وإخلاصه، وكمل استغناؤه بربه، فلا بأس أن يظهر من أحواله وعلومه ما يقتدى به ويهتدى، ليعم الانتفاع به. فإن خيف منه تهمة فالاستعفاف والاكتفاء بعلم الله خير له. والله سميع عليم.

стр. 1883

ثم أسقط الحرج عن الأعمى فى الاستئذان، واستطرد معه غيره، ممن اشترك معه فى مطلق العذر، وإن اختلف المرخّص فيه، فقال: [سورة النور (٢٤) : آية ٦١] لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) يقول الحق ﷻ : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ في الدخول من غير استئذان لأنه لا يتوقع منه نظر لما يكره. وكذلك لا حرج عليه فيما لا قدرة له عليه من الجهاد وغيره، ثم استطرد من شاركه في مطلق العذر فقال: وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ فيما لا يقدر عليه من الجهاد وغيره، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ في ذلك. وقال سعيد بن المُسَيِّب: كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزو وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، ويأذنونهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون من ذلك، ويقولون: نخشى أن تكون نفوسهم غير طيبة بذلك، فنزلت الآية، رُخْصَةً لهم «١» . وقيل: كانوا يتحرجون من الأكل معهم لأن الأعمى لا يبصر الطيب من الطعام، والأعرج لا يستطيع المزاحمة عليه، والمريض لا يستطيع استيفاءه «٢» . هـ. وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي: لا حرج عليكم أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي: البيت الذي فيه أهل بيتكم أزواجكم وعيالكم، فإذا كان للزوجة أو للولد هناك شيء منسوب إليهما فلا بأس للرجل بأكله لأن الزوجين صارا كنفس واحدة، فصار بيت المرأة بيت الزوج. وقيل: المراد ببيوتكم: بيوت أولادكم، فجعل بيوت أولادهم بيوتهم لأن ولد الرجل من كسبه، وماله كماله، لقوله ﵊: «أنت ومالك لأبيك» «٣» ، ولذلك لم يذكر الأولاد في الآية لاندراجهم في بيوتكم.

стр. 1884

ولا حرج عليكم أيضاً أن تأكلوا من بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ الذكور أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ النساء، أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ لأن الإذن من هؤلاء ثابت دلالة. واختلف العلماء في إباحة الأكل من هذه البيوت المذكورة، فقيل: إنه منسوخ وإنه لا يجوز الأكل من بيت أحد إلا بإذنه، والناسخ: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ «١» ، وقوله- ﵊: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا عن طِيبِ نَفْسٍ» «٢» . وقيل: محكمة، ومعناها: إذا أذنوا في ذلك، وقيل: ولو بغير إذن، والتحقيق: هو التفصيل: فمن عُلم منه طيب نفسه وفرحُه بذلك بقرينةٍ: حَلَّ أَكْلُ مَالِهِ، ومَنْ لاَ فلا. أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ قال ابن عباس: هو وكيل الرجل وقيّمه في ضَيْعَتِهِ وماشيته، له أن يأكل من ثمرة ضيعته، ويشرب مِنْ لبن ماشيته. والمراد بملك المفاتح: كَوْنُها في يده وتحت حَوْزِهِ. وقيّده ابن العربي بما إذا لم تكن له أجرة، وإن كانت له أجرة على فعله حَرُمَ، يعني: إلا إذا علم طيب نَفْسٍ صاحبه فيدخل في الصديق. وقيل: أريد به بيت عَبْدهِ لأن العبد وما في يده لمولاه. أَوْ صَدِيقِكُمْ أي: أو بيوت أصدقائكم، والصديق يكون واحداً وجمعاً، وهو من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك، يؤلمه ما يؤلمك ويؤلمك ما يؤلمه، ويسرك ما يسره كذلك. وكان الرجل من السلف يدخل دار صديقه وهو غائب، فيسأل جاريته كيسَهُ فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها أعتقها سروراً بذلك، فأما الآن فقد غلب الشحّ فلا يأكل إلا بإذن. قاله النسفي «٣» . لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً: مجتمعين أَوْ أَشْتاتاً: متفرقين، جمع شَتّ، نزلت في بني ليث بن عمرو، كانوا يتحرّجُون أن يأكل الرجل وحده، فربما قعد منتظراً نهاره إلى الليل، فإذا لم يجد من يؤاكله من الضيفان أكَل أكْل ضرورة. وقيل: في قوم من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا. وقيل: في قوم تحرجوا من الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل، وزيادة بعضهم على بعض، فخيّرهم. وقيل: كان الغنى منهم إذا دخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته، ودعاه إلى طعام، فيقول: إني أتحرج أن آكل معك، وأنا غني وأنت فقير، فأباح لهم ذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 1885

الإشارة: ليس على من عَمِيَتْ بصيرتُه، فلم ير إلا الكون حَرج في أن يقف مع رُخَصِ الشريعة، ويتناول كل ما تشتهيه نفسه، مما أباحته الشريعة، من غير تورع ولا توقف ولا تبصر. وكذلك المريضَ القلب بالخواطر والأوهام، ومن عَرجت فكرته عن شهود الملكوت، فلا بأس لهؤلاء الضعفاء أن يقفوا مع العوائد والأسباب، ويتناولوا كل ما أباحته ظواهر الشريعة، وأما الأقوياء فلا يأخذون إلا ما تحققوا حِلِّيَّتَهُ، وفهموا عن الله في أخذه وتركه، لفتح بصيرتهم وشدة تبصُّرهم. وقال الورتجبي في قوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ: عماه الحقيقي ألا يطيق أن ينظر بطونَ الأزل والغيبَ وغيبَ الغيب. وهذا من قوله- ﵊ في وصف جمال الحق سبحانه: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَو كشَفَهُ لأحرقت سُبحات وجهه ما أنتَهَى إلَيه بَصَرُهُ مِنْ خلْقِهِ» . فجعله معذوراً ألا يدرك فى الحقيقة وحقيقة الحق إذ يستحيل الحَدَثُ أن يحيط بالقدم إن كان واجباً معرفة الكل من حيث الحقوق لا من حيث التوحيد. هـ. ومراده ببطون الأزل: تجلياته تعالى، البارزة من وسط بحر جبروته الغيبي، وهي المراد بالغيب وغيب الغيب، فالأكوان كلها برزت من بحر الذات الأزلية والكنز الغيبي، لكنها، لما تجلت، كستها رداء الكبرياء، فمن فتحت بصيرته رأى الحق تعالى فيها، أو قبلها، أو معها، ومن عميت بصيرته لم ير إلا حس الأكوان الظُّلْمَانِيَّةِ. والله تعالى أعلم. ومذهب الصوفية في تناول متاع بعضهم بعضاً هو ما قال القائل: «نَحْنُ: لاَ مَالٌ مَقْسُومٌ، وَلاَ سِرٌّ مَكْتُومٌ، فَتَرِكَتُهُمْ لاَ تُقْسَمُ أبداً» . دخل الجنيد بَيْتَ بَعْضِ إخوانه، فوجد زوجته، فقال: هل عندك شيء نطعم به الفقراء؟ فأشارت إلى وعاء فيه تمر، لا يملك غيره، فأفرغه على رأسه، فأكلوا، وأخذوا ما بقي، فلما جاء زوجها ذكرت له ذلك، فقال: الآن علمت أنه يُحبني. ثم أمر بالسلام بعد الاستئذان، فقال: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يقول الحق ﷻ : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً من البيوت المذكورة أو غيرها بعد الإذن، فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي: فابدأوا بالسلام على أهلها، الذين هم منكم، الذين هم بمنزلة أنفسكم لما بينكم وبينهم من القرابة

стр. 1886

الدينية أو النَّسَبِيَّةِ. أو بيوتاً فارغة، أو مسجداً، بأن تقولوا: السلام عليكم، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إن كانت خاوية. تَحِيَّةً، مَنْ نَصَبَ فعلى المصدر لِسلِّمُوا لأنها في معنى تسليماً، مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي: بأمره مشروعه من لدنه، أو لأنها طلب للسلامة، وهي بيد الله، مُبارَكَةً: مستتبعة لزيادة الخير والثواب ودوامهما، طَيِّبَةً: تطيب بها نفس المستمع. وعن أنس ﵁ أنه- ﵊ قال: «من لقيت أحداً من أمتي فسلم عليه، يَطُلْ عُمْرُكَ. وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكْثُرُ خَيْرُ بَيْتِك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين» «١» . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ، تكرير لتأكيد الأحكام المختتمة وتفخيمها، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: لكي تعقلوا ما في تضاعيفها من الشرائع والأحكام، وتعملوا بموجبها، فتفوزوا بسعادة الدارين. والله تعالى أعلم. الإشارة: السلام على النفس: هو طلب الأمان لها ومنها، فإذا سَلِمَت النفس من موجبات الغضب من الله، سَلِمَ صاحبها منها، قال القشيري: السلامُ: الأمانُ، فسبيل المؤمن إذا دخل بيتاً أن يُسلِّمَ مِنَ الله على نَفْسه، يعني: بأن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأن يطلب السلامة والأمان من الله تعالى، لِتسْلَمَ نَفْسُه من الإقدام على ما لا يرضي الله، إذ لا يحل لمُسلم أن يفْتُرَ لحظة عن الاستجارة بالله، بأن لا يرفع عنه ظل عصمته بإدامة حِفظهِ من الاتصاف بمكروه الشرع. هـ. ولمّا تكلم على الاستئذان فى الدخول، تكلم على الاستئذان فى الخروج، إذا كان مع كبير القوم، فقال: [سورة النور (٢٤) : آية ٦٢] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) يقول الحق ﷻ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، إنما ذكر الإيمان بالله ورسوله في حيز الصلة للموصول الواقع خبراً للمبتدأ، مع تضمنه له تقريراً لِمَا قبله، وتمهيداً لما بعده، وإيذاناً بأن ما بعده حقيق بأن يُجْعَلَ قريناً للإيمان بهما ومنتظماً في سلكه.

стр. 1887

وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ: عَطْفٌ على (آمنوا) ، دَاخِلٌ في حيز الصلة، أي: إنما الكاملون في الإيمان: الذين آمنوا بالله ورسولِه عن صميم قلوبهم، وأطاعوه في جميع الأحكام والأحوال المطردة الوقوع، والأحوال الواقعة بحسب الاتفاق، كما إذا كانوا معه- ﵊ على أمر مُهم يجب الاجتماع في شأنه كالجمعة، والأعياد، والجهاد، وتدريب الحروب، وغيرها من الأمور الداعية إلى الاجتماع، لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، ويأذن لهم، ولو كان الأمر يقوم بدونهم، ليتميز المخلص من المنافق، فإن دَيْدنه التسلل للفرار، ولتعظيم الجرم لما في الذهاب بغير إذنه ﷺ من الخيانة. وَلَمَّا أراد الحقُّ تعالى أَنْ يُرِيَهُمْ عِظَمَ الجنايةِ في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه، إذا كانوا معه على أمر جامع، جعل ترك ذهابهم والصبر معه، حتى يأذن لهم: ثالث الإيمان، وجعل الإيمان برسوله كالسبب له، والبساط لذكره، وذلك مع تصدير الجملة ب «إنما، ثم عقبة بما يزيده توكيداً وتشديدا حيث أعاده على أسلوب آخر، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فقضَى بأن المستأذنين هم المؤمنون خاصة. وفي «أولئك» : من تفخيم المستأذنين، ما لا يخفى، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ في الانصراف لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ أي: أمرهم المهم وخطْبهم الملم. فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ لما علمت في ذلك من مصلحة وحكمة. وهذا بيان لما هو وظيفته ﷺ في هذا الباب، إثر بيان ما هو وظيفة المؤمنين، وأن الإذن منه- ﵊ ليس بأمر محتوم، بل هو مفوّض إلى رأيه ﵊، وفيه مِنْ رَفْع شأنه ﷺ ما لا يخفى. والفاء: لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: بعد ما تحقق أن الكاملين في الإيمان هم المستأذِنُون. فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ، فإن الاستئذان، وإن كان لعذر، فقد لا يخلو من شائبة تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة، ففيه دليل على أن الصبر وترك الاستئذان أفضل. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مبالغ في غفران فَرَطَاتِ العباد، وفى إفاضة آثار الرحمة عليهم. وما ذكره الحق تعالى في شأن الصحابة مع الرسول- ﵊ في شأن الاستئذان ينبغي أن يكون كذلك مع أئمتهم ومقدّميهم في العلم والدين، لا يتفرقون عنهم إلا بإذن. والآية نزلت في الخندق، كان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غير استئذان، فنزلت «١» . وبقي حكمها عاماً إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم.

стр. 1888

الإشارة: من آداب الفقراء مع شيخهم ألا يتحركوا لأمر إلا بإذنه، أما أهل البدايات فيستأذنون في الجليل والحقير، كقضية الفقير الذي وجد بَعْضَ البَاقِلاَّءِ- أي: الفول- في الطريق، فأتى بها إلى الشيخ، فقال: يا سيدي ما نفعل به؟ فقال: اتركه، حتى تفطر عليه، فقال بعض الحاضرين: يستأذنك في الباقلاء؟ فقال: لو خالفني في أمر لم يفلح أبداً. وأما أهل النهايات الذين عرفوا الطريق، واستشرفوا على عين التحقيق، وحصلوا على مقام الفهم عن الله، فلا يستأذنون إلا في الأمر المهم كالتزوج، والحج، ونحوهما. وَصَبْرُهُ حتى يأمره الشيخ بذلك أولى، فالمريد، بقدر ما يترك تدبيره مع الشيخ، ويتحقق بالتفويض معه قبل الوصول، كذلك يتركه ويتحقق تفويضه مع الله بعد الوصول. فالأدب مع الشيخ هو الأدب مع الله، لكن لمّا كان من شأن العبد الجهل بالله وسوء الأدب معه أمره بالتحكيم لغيره من جنسه، فإذا حكم جنسه على نفسه قبل المعرفة حكم الله على نفسه بعد المعرفة. والتحكيم في غاية الصعوبة على النفس، لا يرضاها إلا مَن سبقت له الهداية، وجذبته جواذب العناية، أعني الدخول تحت الشيخ وتحكيمَه على نفسه، حتى لا يتحرك إلا بإذنه، فهذا سبب الوصول إلى مقام الشهود والعيان، فإذا فعل المريد شيئاً من غير استئذان فليتب وليطلب من الشيخ الاستغفار له. وينبغي للشيخ أن يقبل العذر ويسامح ويستغفر له، لقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فالخليفة لرسول الله قائم مقامه، ونائب عنه في رتبة التربية. والله تعالى أعلم. ثم نهاهم عن التساهل فى ترك الاستئذان، فقال: [سورة النور (٢٤) : الآيات ٦٣ الى ٦٤] لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤) يقول الحق ﷻ : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً أي: إذا احتاج الرسول ﷺ إلى اجتماعكم لأمر جامع، فدعَاكم، فلا تتفرقوا عنه إلا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم

стр. 1889

بعضاً، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الراعي لأن أمره- ﵊ وشأنه ليس كشأنكم. أو: لا تجعلوا دعاء الرسول على أحد، كدعاء بعضكم بعضاً، فإنَّ غضبه عليه ليس كغضبكم لأن غضبه غضب الله، ودعاؤه مستجاب. وهذا يناسب ما قبله من جهة التحذير عن ترك الاستئذان، فإنَّ من رجع بغير استئذان معرض لغضبه- ﵊ ودعائه عليه. أو: لا تجعلوا نداءه ﷺ كنداء بعضكم بعضاً كندائه باسمه، ورفع الصوت عليه، وندائه من وراء الحُجرات، ولكن بلَقَبه المعظم يا رسول الله، يا نبي الله، مع غاية التوقير والتفخيم والتواضع وخفض الصوت. قال القشيري: أي: عَظِّموه في الخطاب، واحفظوا حرمته وخدمته بالأدب، وعانقوا طاعته على مراعاة الهيبة والتوقير. هـ. فالإضافة، على الأوليْن: للفاعل، وعلى الثالث للمفعول، لكنه بعيد من المناسبة لما قبله ولما بعده في قوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ أي: يخرجون قليلاً على خِفْيَةٍ منكم، لِواذاً أي: ملاوذين، بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج، أو يلوذ بمن يخرج بالإذن إراءة أنه من أتباعه. أو مصدر، أي: يلوذون لواذاً. واللواذ: الملاوذة، وهي التعلق بالغير، وهو أن يلوذ هذا بهذا في أمر، أي: يتسللون عن الجماعة خفية، على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض. ثم هددهم على المخالفة بقوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أي: الذين يصدون عن أمره، يقال: خالفه إلى الأمر: إذا ذهب إليه دونه، ومنه: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ «١» ، وخالفه عن الأمر: إذا صد عنه. والضمير: إما لله سبحانه، أو للرسول- ﵊، وهو أنسب لأنه المقصود بالذكر. والمعنى: فليحذر الذين يخالفون عن طاعته ودينه وسنَّته، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ محنة في الدنيا كقتل أو زلازل وأهوال، أو تسليط سلطان جائر، أو عدو، أو قسوة قلب، أو كثرة دنيا استدراجاً وفتنة. قال القشيري: سعادة الدارين في متابعة السُّنَّة، وشقاوتهما في مخالفتها، ومما يصيب من خالفها: سقوط حشمة الدين عن القلب. هـ. أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة. والآية تدل على أن الأمر للإيجاب، وكلمة «أو» : لمنع الخلو، دون منع الجمع. وإعادة الفعل صريحاً للاعتناء بالتهديد والتحذير.

стр. 1890

أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الموجودات، خلقاً وملكاً وتصرفاً، وإيجاداً وإعداماً، بَدْءاً وإعادةً، و «ألاَ» : تنبيه على أن لا يخالفوا من له ما في السمواتِ والأرض. قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أيها المُكَلَّفُون، من الأحوال والأوضاع، التي من جملتها الموافقةُ والمخالفةُ، والإخلاصُ والنفاقُ. وأدخل «قد» ليؤكد علمه بما هم عليه، ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد. والمعنى: أن جميع ما استقر في السموات تحت ملكه وسلطانه وإحاطة علمه، فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين، وإن اجتهدوا في سترها؟! وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ أي: ويعلم يوم يُردون إلى جزائه، وهو يوم القيامة. والخطاب والغيبة في قوله: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ يجوز أن يكون للمنافقين، على طريق الالتفات، ويجوز أن يكون ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ عاماً، ويُرْجَعُونَ للمنافقين. فَيُنَبِّئُهُمْ حينئذٍ بِما عَمِلُوا من الأعمال السيئة، التي من جملتها: مخالفة الأمر، ليرتب على ذلك الإنباء ما يليق به من التوبيخ والجزاء. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. رُوِي عن ابن عباس ﵁: أنه قرأ سورة النور على المنبر في الموسم، وفسرها على وجه لو سمعته الروم لأسلمت. هـ. وأمّا ما ورد في فضل السور فموضوع، وقد غلط من ذكره من المفسرين. وبالله التوفيق. الإشارة: شيوخ التربية خلفاء الرسول ﷺ في القيام بالتربية النبوية، فيجب امتثال كل ما أمروا به، واجتناب كل ما نهوا عنه، فُهِمَ معناه أو لم يُفهم. فإذا كانوا مجموعين على أمر جامع لم يذهب أحد حتى يستأذن شيخه، ولا يكفي إِذْنُ بَعْضِ الفقراء، إلا إنْ وَجّهَهُ الشيخ لذلك، فلا يكون دعاء الشيخ كدعاء بعضكم بعضاً في التساهل في مخالفة أمره، أو امتثال أمره. قد يعلم الله الذين يتسللون، فيفرون عنه لِواذاً، فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة كتسليط الدنيا عليه فتفتنه وتنسخ حلاوة الشهود من قلبه، أو يصيبهم عذاب أليم، وهو السلب بعد العطاء، والعياذ بالله من الزلل ومواقع الضلال. نسأل الله تعالى أن يثبت قدمنا على المنهاج الحق، وأن يميتنا على المحبة والتعظيم، ورسوخ القدم في معرفة الرحمن الرحيم. آمين. وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد، النبي الكريم، وعلى آله وصحبه، وسلّم.

стр. 1891

سورة الفرقان مكية. وهى سبع وسبعون آية. ومناسبتها لما قبلها: ما فى خاتمتها من تعظيم الرسول- ﵊ وما افتتحت به من تعظيمه أيضا لكونه نذيرا للعالمين. وناسب قوله فى هذه: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قوله فيما قبلها: أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «١» . [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) يقول الحق ﷻ : تَبارَكَ أي: تكاثر خيره وتزايد، أو: دام واتصل. وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله، والمستعمل منها الماضي فقط، والتفاعل فيها للمبالغة. ومعناها راجع إلى ما يفيض سبحانه على مخلوقاته من فنون الخيرات، التي من جملتها: تنزيل القرآن، المنطوي على جميع الخيرات الدينية والدنيوية، أي: تعاظم الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ أي: القرآن، مصدر فرق بين اثنين، إذا فصل بينهما. سمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل، والحلال والحرام، أو: لأنه لم ينزل جملة، ولكن مفروقاً مفصولاً بين أجزائه شيئاً فشيئاً، ألا ترى إلى قوله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ «٢» ؟ أنزله عَلى عَبْدِهِ محمد ﷺ ، وإيراده- ﵊ بذلك العنوان لتشريفه، والإيذان بكونه في أقصى مراتب العبودية، والتنبيه على أن الرسول لا يكون إلا عبداً للمُرسل رداً على النصارى. أنزله لِيَكُونَ العبد المنزل عليه، أو الفرقان لِلْعالَمِينَ من الثقلين، زاد بعضهم: والملائكة، أرسل إليهم ليتأدبوا بأدبه، حيث لم يقف مع مقام ولا حال، ويقتبسوا من أنواره، وهو حكمة الإسراء، وقيل: حتى إلى الحيوانات والجمادات، أُمرت بطاعته فيما يأمرها به، وبتعظيمه- ﵊. وهذا كله داخل في العالمين لأن ما سوى الله كله عالم كما تقدم في الفاتحة. وعموم الرسالة من خصائصه- ﵊. نَذِيراً أي: مخوِّفاً، وعدم التعرض للتبشير لأن الكلام مسوق لأحوال الكفرة، ولا بشارة لهم.

стр. 1892

الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: له، خاصةً، دون غيره، لا استقلالاً ولا اشتراكاً. فالقهرية لازمة لهما، المستلزمة للقدرة التامة والتصرف الكلي، إيجاداً وإعداماً، وإحياءً وإماتةً، وأمراً ونهياً، وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح- ﵉، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ كما زعمت الثنوية القائلون بتعدد الآلهة، والرد في نحورهم. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي: أحدث كل شيء وحده، لا كما تقول المجوس والثنوية من النور والظلمة. أي: أظهر كل شيء فَقَدَّرَهُ أي: فهيأه لِمَا أراد به من الخصائص والأفعال اللائقة به، تَقْدِيراً بديعاً، لا يُقادر قدره، ولا يُبلغ كنهه كتهيئة الإنسان للفهم والإدراك، والنظر والتدبير في أمور المعاش والمعاد، واستنباط الصنائع المتنوعة، والدلائل المختلفة، على وجود الصانع. أو: فقدَّره للبقاء إلى أبد معلوم. وأيّاً ما كان، فالجملة تعليل لما قبلها، فإن خلقه تعالى لجميع الأشياء على ذلك الشكل البديع والنظام الرائق، وكل ما سواه تحت قهره وسلطانه، كيف يتوهم أنه ولد لله سبحانه، أو شريكٌ له في ملكه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. الإشارة: عبّر بالعبودية في التنزيل والإسراء إشارة إلى أنَّ كل مَن تحقق بالعبودية الكاملة له حظ من تنزيل الفرقان على قلبه، حتى يفرق بين الحق والباطل، وحظ من الإسراء بروحه إلى عالم الملكوت والجبروت، حتى يعاين عجائب أسرار ربه. وما منع الناس من تنزل العلوم اللدنية على قلوبهم، ومن العروج بروحهم، إلا عدم التحقق بالعبودية الكاملة لربهم، حتى يكونوا مع مراده، لا مع مرادهم، لا يريدون إلا ما أراد، ولا يشتهون إلا ما يقضي، قد تحرروا من رقِّ الأشياء، واتحدت عبوديتهم للواحد الأعلى. فإذا كانوا كذلك صاروا خلفاء الأنبياء، يُعرج بأرواحهم، ويُوحى إلى قلوبهم مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحق والباطل، ليكونوا نُذراً لعالمي زمانه قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ «١» . وبالله التوفيق. ثم ردَّ على أهل الشرك، فقال: [سورة الفرقان (٢٥) : آية ٣] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣)

стр. 1893

يقول الحق ﷻ : وَاتَّخَذُوا أي: الكفار المدرجون تحت العالمين المنذَرين، اتخذوا لأنفسهم مِنْ دُونِهِ تعالى آلِهَةً أصناماً، يعبدونها ويستعينون بها، وهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً أي: لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء، وَهُمْ يُخْلَقُونَ كسائر المخلوقات. والمعنى: أنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية والخلق، والملك والتقدير، عباداً عجزة، لا يقدرون على خلق شيء، وهم مخلوقون ومصورون. وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً أي: لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضر عنها، ولا جلب نفع لها. وهذا بيان لغاية عجزهم وضعفهم فإن بعض المخلوقين ربما يملك دفع ضر وجلب نفع في الجملة، وهؤلاء لا يقدرون على شيءٍ البتة، فكيف يملكون نفع مَنْ عبدَهم، أو ضرر من لم يعبدهم؟! وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً أي: إماتة وَلا حَياةً أي: إحياء وَلا نُشُوراً بعثاً بعد الموت، أي: لا يقدرون على إماتة حي، ولا نفخ الروح في ميت، ولا بعث للحساب والعقاب. والإله يجب أن يكون قادراً على جميع ذلك. وفيه إيذان بغاية جهلهم، وسخافة عقولهم، كأنهم غير عارفين بانتفاء ما نُفي عن آلهتهم مما ذكر، مفتقرون إلى التصريح لهم بها. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل مَن ركن إلى غير الله، أو مال بمحبته إلى شيء سواه، فقد اتخذ من دونه إلهاً يعبده من دون الله. وكل من رفع حاجته إلى غير مولاه، فقد خاب مطلبه ومسعاه لأنه تعلق بعاجز ضعيف، لا يقدر على نفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ وفي الحِكَمِ: «لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف ترفع إلى غيره ما كان هو له واضعا؟! من لا يستطيع أن يرفع حاجته عن نفسه، فكيف يكون لها عن غيره رافعاً؟» . قال بعض الحكماء: من اعتمد على غير الله فهو في غرور لأن الغرور ما لا يدوم، ولا يدوم شيء سواه، وهو الدائم القديم، لم يزل ولا يزال، وعطاؤه وفضله دائمان، فلا تعتمد إلا على من يدوم عليك منه الفضل والعطاء، في كل نفس وحين وأوان وزمان. هـ. وقال وَهْبُ بن منبه: أوحى الله تعالى إلى داود: يا داود أما وعزتي وجلالي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دون خلقي، أعلم ذلك من نيته، فتكيده السموات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له منهن فرجاً ومخرجاً. أما وعزتي وجلالي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعلم ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السموات من يده، وأسخت الأرض من تحته، ولا أبالي في أي وادٍ هلك. هـ. وبالله التوفيق. ولمَّا ذكر شأن الفرقان، ذكر من طعن فيه وفيمن نزل عليه، فقال: [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٤ الى ٩] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩)

стр. 1894

يقول الحق ﷻ : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: تمردوا في الكفر والطغيان. قيل: هم النضر ابن الحارث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد، ومن ضاهاهم. وقيل: النضر فقط، والجمع لمشايعة الباقين له في ذلك. قالوا: إِنْ هَذا ما هذا القرآن إِلَّا إِفْكٌ كذب مصروف عن وجهه افْتَراهُ اختلقه واخترعه محمد من عند نفسه، وَأَعانَهُ عَلَيْهِ أي: على اختلاقه قَوْمٌ آخَرُونَ، يعنون: اليهود، بأن يلقوا إليه أخبار الأمم الدارسة، وهو يعبر عنها بعبارته. وقيل: هم عدَّاس، ويسار «١» ، وأبو فكيهة الرومي، كان لهم علم بالتوراة والإنجيل. ويحتمل: وأعانه على إظهاره وإشاعته قوم آخرون، ممن أسلم معه ﷺ . قال تعالى: فَقَدْ جاؤُ، وأتوا ظُلْماً أو: بظلم، فقد تستعمل (جاء) بمعنى فعل، فتتعدى تعديته، أو بحرف الجر، والتنوين للتفخيم، أي: جاءوا ظلماً هائلاً عظيماً حيث جعلوا الحق البيِّن، الذي لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه، إفكاً مفترى من قول البشر، وجعلوا العربي الفصيح يتلقى من العجمي الرومي، وهو من جهة نظمه الفائق وطرازه الرائق لو اجتمعت الإنس والجن على مباراته لعجزوا عن مثل آية من آياته. ومن جهة اشتماله على الحكم العجيبة، المستتْبعة للسعادات الدينية والدنيوية، والأمور الغيبية، بحيث لا يناله عقول البشر، ولا تفي بفهمه الفهوم، ولو استعملوا غاية القوى والقدر. وَأتوا أيضاً زُوراً أي: كذباً كثيراً، لا يُبْلَغُ غايتُه حيث نسبوا إليه ﷺ ما هو بريء منه. وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: هو أحاديث المتقدمين، وما سطروه من خرافاتهم كرُستم وغيره. جمع أسطار، أو: أسطورة، اكْتَتَبَها كتبها لنفسه، أو: استكتبتها فكُتبت له، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ أي: تُلقى عليه من كتابه بُكْرَةً: أول النهار وَأَصِيلًا آخره، فيحفظ ما يتلى عليه ثم يتلوه علينا. انظر هذه الجرأة العظيمة، قاتلهم الله، أنَّى يؤفكون؟

стр. 1895

قُلْ يا محمد: أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: يعلم كل سر خفي في السماوات والأرض، يعني: أن القرآن: لما اشتمل على علم الغيوب، التي يستحيل عادة أن يعلمها محمد ﷺ من غير تعلم إلهي، دلَّ على أنه من عند علام الغيوب، أي: ليس ذلك مما يُفْتَرَى ويختلق، بإعانة قوم، وكتابة آخرين من الاحاديث والأساطير المتقدمة، بل هو أمر سماوي، أنزله الذي لا يعزب عن علمه شيء، أودع فيه فنون الحِكَم والأحكام، على وجه بديع، لا تحوم حوله الأفهام، حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته، وأخبركم بأمور مغيبات، وأسرار مكنونات، لا يهتدي إليها ولا يوقف عليها إلا بتوقيف العليم الخبير، ثم جعلتموه إفكاً مفترى، واستوجبتم بذلك أن يصبَّ عليكم العذاب صباً، لولا حِلمه ورحمته، إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً فأمهلكم، ولم يعاجلكم بالعقوبة. وهو تعليل لما هو المشاهد من تأخير العقوبة عنهم، أي: كان أزلاً وأبداً مستمراً على المغفرة والرحمة، فلذلك لم يعاجلكم بالعقوبة على ما تقولون في حقه وفي حق رسوله، مع كمال اقتداره. ثم ذكر طعنهم فيمن نُزل عليه، فقال: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ وقعت اللام في المصحف مفصولة عن الهاء، وخط المصحف سُنّة لا يغير. وتسميتهم إياه بالرسول سخرية منهم، كأنهم قالوا: أي شيء لهذا الزاعم أنه رسول يأكل الطعام كما تأكلون، ويمشي في الأسواق لابتغاء الأرزاق كما تمشون، أي: إن صح ما يدعيه فما له لم يخالف حالنا؟! لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ على صورته فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، وهذا منهم تنزل عن اقتراح كونه ﷺ ملكاً مستغنياً عن المادة الحسية، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يُصدقه، ويكون ردءاً له في الإنذار، ويُعبر عنه، ويفسر ما يقوله للعامة. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ من السماء، يستغني به عن طلب المعاش معنا، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ بستان يَأْكُلُ مِنْها كالأغنياء المياسير. والحاصل: أنهم أول مرة ادعوا أن الرسول لا يكون إلا كالملائكة، مستغنياً عن الطعام والشراب، وتعجبوا من كون الرسول بشراً، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون إنساناً معه ملك يُصدقه ويعينه على الإنذار، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون معه كنز، يستظهر به على نوائبه، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون رجلاً له يستان يأكل منه، كالمياسير، أو نأكل نحن منه، على قراءة حمزة والكسائي. قال تعالى: وَقالَ الظَّالِمُونَ وهم الكفرة القائلون ما تقدم، غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلاً عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه. وهم كفار قريش، أي: قالوا للمؤمنين: إِنْ تَتَّبِعُونَ ما تتبعون إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً قد سُحر فغلب على عقله، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي: انظر كيف قالوا في حقك تلك الأقاويل العجيبة، الخارجة عن العقول، الجارية لغرابتها، مجرى الأمثال، واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال الشاذة، البعيدة عن الوقوع؟! فَضَلُّوا عن طريق الجادة فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا فلا يجدون طريقاً إليه، أو: فلا يجدون سبيلاً إلى القدح في نبوتك، بأن يجدوا قولاً يستقرون عليه، أو: فضلّوا عن الحق ضلالاً مبيناً، فلا
следующие страницы →