← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ أي: إنهم يُخرجون من مقارهم في الجحيم- وهو الدركات التي أُسْكِنُوها- إلى شجرةَ الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملَّوا. ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل، ثم ترد إلى وطنها. ومعنى التراخي في ذلك ظاهر. ثم ذكر سبب عذابهم، فقال: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ، فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ، علّل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد. كأنهم يزعجون ويُحثّون حثّاً. وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى اتباعهم من غير توقف ولا نظر. وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ قبل قومك قريش أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ، يعني الأمم الماضية، بالتقليد وترك النظر. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ أنبياء، حذّروهم العواقب. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ الذين أنذروا، وحذّروا، فقد أُهلكوا جميعاً، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي: إلا الذين آمنوا، وأخلصوا دينهم لله، أو: أخلصهم الله لدينه، على القراءتين «١» . الإشارة: إذا قامت القيامة انحاز الجمال كله إلى أهل الإيمان والإحسان، وانحاز الجلال كله إلى أهل الكفر والعصيان، فيرى المؤمنُ من جماله تعالى وبره وإحسانه ما لا تفي به العبارة، ويرى الكافر من جلاله تعالى وقهره ما لا يكيف. وأما في دار الدنيا فالجمال والجلال يجريان على كل أحد، مؤمناً أو كافراً، كان من الخاصة أو العامة، غير أن الخاصة يزيدون إلى الله تعالى في الجلال والجمال لمعرفتهم في الحالتين. وأما العامة فلا يزيدون إلا بالجمال لإنكارهم في الجلال. والمراد بالجلال: كل ما يقهر النفس ويذلها. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أول المنذرين من أولى العزم، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٨٢] وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ نادانا أي: دعانا نُوحٌ، حين أيس من قومه بقوله: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ «٢» أو: دعانا لِنُنجيه من الغرق، فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ أي: فأجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه،

стр. 2417

وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، فو الله لَنِعْمَ المجيبون نحنُ، فحذف القسم لدلالة اللام عليه. وحذف المخصوص، والجمع دليل العظمة والكبرياء. وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ ومَن آمن به وأولاده المؤمنين مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وهو غمّ الغرق، أو: إذاية قومه، وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ، وقد فني غيرهم. قال قتادة: الناسُ كلهم من ذرية نوح، وكان لنوح ﵇ ثلاثة أولاد: سام- وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام- وهو أبو السودان، من المشرق إلى المغرب- ويافث- وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج «١» . وقد نظمه بعضهم، فقال: العرب والروم وفارس اعلمن ... أولاد سام فيهم الخير كَمَن من نسل حام نشا السودان ... شرقاً وغرباً، ذا له برهان يأجوج مأجوج مع الصقالبة ... ليافث، لا خير فيهم قاطبه. وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الأمم الآخِرِين، الذين يأتون بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، سَلامٌ عَلى نُوحٍ: مبتدأ وخبر، استئناف، فِي الْعالَمِينَ، يعني: أنهم يُسلمون عليه تسليماً، ويدعون له، أي: ثبتت هذه التحية فيهم، ولا يخلو أحد منهم منها، كأنَّ الله أثبت التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين، يسلّمون عليه عن آخرهم. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، فنُكرمهم ونُحييهم، وهو تعليل لما فعل بنوح من التكرمة السنية، بأنه مجازاة له على إحسانه، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ علّل كونه محسناً بأنه كان عبداً مؤمناً ليريك جلاله محلّ الإيمان. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ أي: الكافرين. ذكر في كتاب حياة الحيوان، عن القشيري: أن العقرب والحية أتيا نوحاً ﵇ فقالتا: احملنا معك، ونحن نعاهدك ألا نضر أحداً ذكرك، فحملهما. فمَن قرأ، حين يخاف مضرتهما، حين يمسي وحين يصبح: سلام على نوح في العالمين، ومحمد في المرسلين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين، ما ضرتاه. هـ. وقال نبينا- ﵊: «مَن قال حين يُمسي وحين يُصبح: أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خَلَقَ، لم يضره شيء» «٢» . الإشارة: إذا تحقق الإيمان والإحسان في عبد أُعطي ثلاث خصال: نفوذ الدعوة، والثناء الحسن بعده، والبركة في الذرية، كل ذلك مقتبس من قضية نوح ﵇.

стр. 2418

ثم ذكر خليله إبراهيم ﵇، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٣ الى ٨٧] وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) قلت: (أَئِفكاً) : مفعول له، و (آلهة) : مفعول «تُريدون» ، أي: أتريدون آلهة من دون الله إفكا وزورا. وإنما قدَّم المفعول به على الفعل للعناية له، وقدّم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم. ويجوز أن يكونَ «إفكاً» مفعولاً به، أي: أتريدون إفكاً. ثم فسّر الإفك بقوله: آلِهَةً دُونَ اللَّهِ على أنها إفك في نفسها، أو: حالاً، أي: أتريدون آلهة من دون الله آفكين. يقول الحق ﷻ : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ أي: نوح لَإِبْراهِيمَ، أي: ممن شايعه على أصول الدين، وإن اختلفا في الفروع، أو: شايعه على التصلُّب في دين الله، ومصابرة المكذِّبين. وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، وما كان بينهما إلا نبيَّان هود، وصالح. إِذْ جاءَ رَبَّهُ: متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة، أي: وممن شايعه على دينه إبراهيم، حين جاء ربه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ من الشرك، أو: من آفات القلوب، ومعنى المجيء بقلبه ربه: أنه أخلص لله قلبه، وعلم ذلك منه. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ، «إذ» : بدل من الأولى، أو: ظرف لجاء، أو: لسليم، أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ أتريدون آلهة تعبدونها من دون الله إفكا وزورا وباطلاً. فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره، فما تقولون، وكيف بكم في مقام الخجل الذي بين أيديكم، وإن كنتم اليوم غائبين عنه؟. أو: أيّ شيء ظنكم بمَن هو حقيق بالعبادة لكونه رب العالمين، حتى تركتم عبادته، وأشركتم معه غيره، أَو أمنتم عذابه؟. الإشارة: لا يكون العبد إبراهيميًّا حنيفيًّا حتى يقدس قلبه مما سوى الله، ويرفض كلَّ ما عبده الناسُ من دون الله، كحب الدنيا، والرئاسة، والجاه، فيجئ إلى الله بقلب سليم، أي: مقدس من شوائب الطبيعة، فهو سالم مما دون الله لاتصاله بالله. قال القشيري: «بقلب سليم» لا آفة فيه. ويقال: لديغٍ مِن محبة الأغيار، أو: من الحظوظ، أو: من الاختيار والمنازعة. والله تعالى أعلم.

стр. 2419

ثم ذكر كسره الأصنام، وما ترتب عليه، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٨٨ الى ٩٨] فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) يقول الحق ﷻ : فَنَظَرَ إبراهيم نَظْرَةً فِي النُّجُومِ، وذلك أن قومه كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بما يعلمون لئلا ينكروا عليه تخلّفه. وكانو يقولون: إذا طلع سهيل مقابل الزهرة سَقِمَ مَن نظر إليه، فاعتلّ عليهم لأنه نظر إليه ليتركوه. وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم، فيقربون إليها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، لتبارك عليه، فإذا قَدِمُوا أكلوه. فلما نظر إلى النجوم، قال: إِنِّي سَقِيمٌ إني مشارف للسقم- وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى- ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. قيل: إن علم النجوم كان حقًّا ثم نُسخ الاشتغال به. والكذب حرام إلا إذا عرّض. والذي قاله إبراهيم ﵇ مِعْراض من الكلام، أي: سأسقم، أو: مَنْ في عنقه الموت سقيم، أو: سقيم مما أرى من مخالفتكم وعبادتكم الأصنام. وعلى كل حال لم يلم إبراهيمُ بشيء من الكذب، وإنما عرّض. وأيضاً: إنما كان لمصلحة، وقد أُبيح لها، كالجهاد ونحوه. وفي الحديث: «ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلا وهو يناضل عن دينه لقوله: إِنِّي سَقِيمٌ، وقوله: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ «١» ، وقوله لسارة: هي أختي» «٢» . قال السدي: خرج معهم إلى بعض الطريق، فوقع في نفسه كيده آلهتهم، فقال: إني سقيم أَشتكي رجلي. فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أعرضوا عنه مولين الأدبار، فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فمال إليها سرّا، وكانت اثنتين وسبعين صنماً من خشب، وحديد، ورصاص، ونحاس، وفضة، وذهب، وكان كبيرهم من ذهب، فى عنقه

стр. 2420

ياقوتتان، فَقالَ لها، استهزاء: أَلا تَأْكُلُونَ من الطعام الذي وُضع عندكم، ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ؟. والجمع بالواو والنون لأنه خاطبها خطاب مَن يعقل. فَراغَ عَلَيْهِمْ فمال إليهم سرًّا، فضربهم ضَرْباً بِالْيَمِينِ أي: ضرباً شديداً بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدّهما، أو: بالقوة والمتانة، أو: بسبب الحلف الذي سبق منه بقوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ «١» . فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ إلى إبراهيم يَزِفُّونَ: يسرعون، من: الزفيف، وهو الإسراع. وكان قد رآه بعضهم يكسرها. فأخبرهم، فلما جاء مَن لم يره قال لمَن رآه: مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا «٢» فأجابوه على سبيل التعريض: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ «٣» ، ثم قالوا بأجمعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟، فأجابهم بقوله: قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ: ما تنجرونه بأيديكم من الأصنام؟ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ أي: وخلق ما تعملونه من الأصنام. أو: «ما» مصدرية، أي: وخلق أعمالكم. وهو دليلنا في خلق الأفعال لله تعالى، أي: الله خالقكم وخالق أعمالكم، فلِمَ تعبدون غيره؟!. قالُوا ابْنُوا لَهُ أي: لأجله بُنْياناً من الحجر، طوله ثلاثون ذراعاً، وعرضه عشرون ذراعاً، فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ في النار الشديدة: وقيل: كل نار بعضها فوق بعض فهو جحيم. فبنوه وملؤوه حطباً، وأضرموه ناراً، فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً بإلقائه في النار، فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ المقهورين عند إلقائه، حين خرج من النار سالماً، فعلاهم بالحُجة والنصرة. قيل: ذكر أسفل، هنا لمناسبة ذكر البناء، بخلاف سورة الأنبياء «٤» . الإشارة: كلُّ عبدٍ مأمور بكسر صنمه، وهو: ما تَرْكَنُ إليه نفسُه من حظٍّ، أو هوىً، أو علم، أو عمل، أو حال، أو مقام. وفي الإشارات عن الله تعالى: لا تركنن لشيء دوننا، فإنه وبال عليك، وقاتلٌ لك، فإن ركنتَ إلى العلم تتبعناه عليك، وإن أويتَ إلى العمل رددناه إليك، وإن وثقت بالحال وقفناك معه، وإن أنست بالوجد استدرجناك فيه، وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم، وإن اعتززت بالمعرفة نكرناها عليك، فأيّ حيلة لك، وأيّ قوة معك؟ فارضنَا لك ربًّا حتى نرضاك لنا عبداً. هـ. ولا بأس أن يتعلّل لنفسه، ويحتال عليه بحيل، كما تعلّل الخليل للقعود لكسر الأصنام، لعلها تُوافقه على ترك ما تهواه وتركن إليه، كما قال القائل «٥» : فاحتلْ على النفس قربّ حِيله ... أنفعُ في النُّصْرة من قبيله.

стр. 2421

ثم ذكر هجرة إبراهيم، وما امتحن به، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٩٩ الى ١١١] وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) قلت: «معه» : يتعلق بمحذوف، أي: بلغ السعي يسعى معه، ولا يتعلق ببلغ لأنه يقتضي الاشتراك في البلوغ، ولا بالسعي لأن المصدر لا يتقدَّم عليه معموله، إلا أن يُقال: يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها. يقول الحق ﷻ : وَقالَ إبراهيمُ: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي إلى موضع أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام، أو: إلى مرضاة ربي، بامتثال أمره بالهجرة، أو: إلى المكان الذي أتجرّد فيه إلى عبادة ربي، سَيَهْدِينِ أي: سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني، أو: إلى مقصدي، وإنما بتَّ القول لسبق وعده لأن الله وعده بالهداية، أو: لفرط توكله، أو: للبناء على عادته معه. ولم يكن كذلك حال موسى ﵇ حيث عبَّر بما يقتضي الرجاء «١» . ثم قال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ بعض الصالحين، يُعينني على الدعوة والطاعة، ويُونسي في الغربة. يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب على الولد. فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، انطوت البشارة على ثلاث: على أنّ الولد ذكر، وأنه يبلغ أوانَ الحُلم لأن الصبيَّ لا يُوصف بالحلم، وأنه يكون حليماً، وأيّ حليم أعظم من حلمه، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ «٢» ، ثم استسلم. وقيل: ما نعت الله نبيًّا بالحلم إلا إبراهيم وابنَه لمَعَزَّةِ وجوده.

стр. 2422

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي: فلما وُجدَ وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، أي: الحدّ الذي يقدر على السعي مع ابنه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: سبع سنين. قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ أي: قيل له في المنام: اذبح ابنك، ورؤيا الأنبياء وحي، كاليقظة. قال الكواشي: لم يرَ أنه يذبحه في النوم، ولكنه أُمر في النوم بذبحه، بدليل قوله: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. وقيل: رأى أنه يُعالج ذبحه، ولم يرَ إراقة الدم. وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئاً فعلوه «١» . وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم، فلا مجال للكذب فيما يُوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدِّقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذان بأن مَن كان في منامه صادقاً كان يقظته أولى بالصدق. هـ. وإنما لم يقل: «رأيت» لأنه رأى مرة بعد أخرى، فقد قيل: رأى ليلة التروية كأنّ قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روَّى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أَمِنَ اللهِ هذا الحلم، أم لا، فسُمِّي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسُمِّي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهمَّ بنحره، فسُمِّي يوم النحر «٢» . واخْتُلِف مَن المخاطب المأمور بذبحه، فقال أهل الكتابين: هو إسحاق، وبه قال عمر، وعليّ، وابن مسعود، والعباس، وابنه عبد الله، وكعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقاسم بن أبي بَرّة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي. قال سعيد بن جبير: أُريَ إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر بمِنى، فلما صرف عنه الذبح، وأمره أن يذبح الكبش، وذبحه، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طُويت له الأودية والجبال. هـ. واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بُشِّر بولد إلا بإسحاق، وقال هنا: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ فتعيَّن أنه إسحاق إذ هو المبَشَّر به في غير هذه الآية، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائباً عنه، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قَدِمَ مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج. وبما رُوِي أن موسى ﵇ قال: يا رب الناس يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبمَ ذلك؟ فقال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً قط إلا اختارني، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو لي بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاءً زاد لي حسن ظن «٣» . وقال يوسف للملك: أترغب أن تأكل معي، وأنا- والله- يوسف بن

стр. 2423

يعقوب، نبي الله، ابن إسحاق، ذبيح الله، ابن إبراهيم، خليل الله «١» . وبما روى أن نبينا- ﵊ سُئل: أي النسب أشرف؟ فقال: «يوسف صدِّيق الله، ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله» «٢» . وفي الجامع الصغير: «الذبيح إسحاق» رواه الدار قطنى عن ابن مسعود، والبزار وابن مردويه عن العباس، وأبي هريرة «٣» . وقال آخرون: هو إسماعيل، وبه قال عُمر، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد من المسيب، والشعبي، ويوسف ابن مهران، ومجاهد، وابن عباس أيضاً، وغيرهم. واحتجُّوا بأن البشارة بإسحاق متأخرة عن قصة الذبح. وبقوله ﵇: «أنا ابن الذبيحين» «٤» فأحدهما: جده إسماعيل، والآخر: أبوه، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولداً إن سَهُل له حفر زمزم، أو بلغ بنوه عشراً، فلما سَهُل، أقرع بينهم، فخرج السهم على عبد الله، فَفَدَاه بمائة من الإبل، ولذلك سنت الدية مائة. وبأن ذلك كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلَّقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة. هـ. وقد يُجاب بأن البشارة أولاً كانت بولادته، والثانية بنبوته، أو: بسلامته. وبأن الثانية تفسير للأولى، كأنه قال بعد ما فرغ من ذكر المبشر به: وكانت تلك البشارة بإسحاق. قاله الفاسي في حاشيته. وعن الحديث بأن العم يُطلق عليه أباً، كقوله تعالى: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ «٥» وكان عمًّا له، وتقدّم عن ابن جبير أن إبراهيم سار بابنه على البراق إلى مكة وحيث كان الذبح بها بقي القربان فيها. والله تعالى أعلم بغيبه «٦» .

стр. 2424

ولَمَّا قال له: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ به سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ على الذبح. رُوي أن إبراهيم قال لابنه: انطلق بنا نُقرب قرباناً لله تعالى، فأخذ سكيناً وحبلاً، ثم انطلق معه، حتى إذا ذهب بين الجبال، قال له الغلام: يا أبتِ أين قربانك؟ فقال: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ ... الآية، فقال: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أؤذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنت تنظر لوجهى لئلا ترحمنى، واجعل وجهى إلى الأرض. وفى رواية واذبحني وأنا ساجد، واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن تردّ قميصي إلى أمي فافعل، عسى أن يسليها عني. قال إبراهيم: نِعْمَ العون أنت على أمر الله تعالى. فربطه إبراهيم ﵇ ثم جعل يُقبّله، وهو يبكي، والابن يبكي، حتى استنقعت الدموع تحت خده. فَلَمَّا أَسْلَما أي: انقادا لأمر الله وخضعا. وعن قتادة: أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه. وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ صرعه على جنبه، ووضع السكين على حلقه، فلم تعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي:

стр. 2425

يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. رُوي أنَّ ذلك المكان عند الصخرة التي بمِنى. وجواب «لما» محذوف، أي: فلما أسلما رُحما وسَعدا. وقال بعض الكوفيين: الجواب: (وتله) ، والواو: زائِدة. وقال الكسائي: الجواب: (وناديناه) . والواو زائدة. وقال الخليل وسيبويه: الجواب محذوف، أي: فلما أسلما سَلِما. وقدّر الراضي: فلما أسلما كان من لطف الله مالا يوصف. هـ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا أي: حققت ما أمرناك به في المنام، من تسليم الولد للذبح، وبالعزم والإتيان بالمقدمات، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تعليل لما خوّلهما من الفرج بعد الشدة. والحاصل: أن الجزاء هو الوقاية من الذبح، مع إمرار السكين، ولم تقطع، جزاء على إحسانهما، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة، لا تحصيل الذبح، رُوِي أنه لما أُمر السكين فلم تقطع، تعجّب، فنُودي: يا إبراهيمُ كان المقصود من هذا استسلامكما، لا ذبح ولدك. إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ الاختبار البيّن، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البيّنة الصعبة، فإنه لا محنة أصعب منها. وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ: ضخم الجثة سمين. قال ابن عباس: هو الكبشُ الذي قرّبه هابيل فقُبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فُدِي به ولد إبراهيم. وعنه: لو تمت تلك الذبيحة لصارت سُنَّة، وذَبَحَ الناسُ أولادهم. رُوي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه سبع حصيات، حتى أخذه، فبقيت سُنَّة في الرمي. قلت: والجمهور: أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده، ثلاث مرات، فرماه سبع حصات عند كل مرة، فبقيت سُنَّة في الرمي. ورُوي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقيت سُنَّة صبيحة العيد. قال البيضاوي: واحتج به من جوّز النسخ قبل الفعل، فإنه ﵇ كان مأموراً بالذبح، لقوله: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ولم يحصل. هـ. قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية: وَلَمَّا بذل إبراهيم وسعه، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست منه في شيء لأنه ﵇ باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود، ولم يكن منه تقصير، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتمّ الذبح المأمور به، لهذا قال تعالى: صَدَّقْتَ الرُّؤْيا. وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدي شرعاً، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما، ولمَن بعدهما إلى غابر الدهر. هـ. وقيل: إن هذه الآية نُسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل، بناءً على أن إبراهيم لم يمر الآلة. وعزاه المحلي في جمع الجوامع لمذهب أهل السنة. وعليه ينزل الفداء، ثم قال: والحق: إن الآية من المنسوخ قبل تمام الفعل وكماله، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته. ثم اعترض كلام ابن عطية، وقال: فيه تدافع، فانظره.

стр. 2426

وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ أي: الثناء الحسن في الأمم الآخرين، سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ، سبق بيانه في نوح «١» كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، لم يقل: إنا كذلك، هنا، كما في غيره لأنه قد سبق في القصة، فاكتفى هنا عن ذكره. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، فيه تنويه بشأن الإيمان لأنه أساس لكل ما يُبنى عليه من معرفةٍ وإحسان. الإشارة: قال إني ذاهب إلى ربي بالتوجه والعزم، سيهدين إلى صريح معرفته، ومكافحة رؤيته، ودوام شهوده. فالذهاب إليه يُفضي إلى الذهاب فيه، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه، بشهود محبوبه، وهذه الحالة متبوعة للامتحان إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه، فكلما علا المقام عَظُمَ الامتحان. فامتحن الخليل بأربع محن: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، ورمي آخر عند البيت في يد الرحمن، «٢» وذهاب زوجه للجبّار، فوقع اللطف في الجميع، واصطفى خليلاً للرحمن. وأيضاً: الحق غيور، لا يُحب أن يرى في قلب خليله أو وليّه شيئاً سواه، فأمر بذبح ولده لإخراجه من قلبه، كما فرّق بين يوسف ووالده، وامتحن حبيبه ﷺ في عائشة صدِّيقته، وهذه عادة الله مع أصفيائه. قال القشيري: يُقال في القصة: أنه رآه راكباً على فرس أشهب، فاستحسنه، ونظر إليه بقلبه، فأُمر بذبحه، فلما أخرجه من قلبه، واستسلم لذبحه، ظَهَرَ الفداء. وقيل له: كان المقصودُ من هذا فراغَ قلبك منه، لا ذبحه. ويقال في القصة: أنه أمَرَ أباه أن يَشُدّ يديه ورِجْلَيه لئلا يضطربَ إذا مَسَّهُ ألمُ الذبح، فيُعاتَب، ثم لمَّا هَمَّ بذبحِه قال: افتح القيدَ عني، فإني لا أتحرك، فإني أخشى أن أُعاتب، فيقول: أمشدودَ اليد جئتني؟ وأنشدوا: ولو بيدِ الحبيبِ سُقِيتُ سُمًّا ... لكان السُّمُّ من يدهِ يطيب قيل: إن الولد كان أشدَّ بلاء، لأنه وَجَدَ الذبح من يد أبيه، ولم يتعوَّد منه إلا التربية بالجميل، فكان البلاء منها «٣» أشد إذ لم يتوقعه منها. وقيل: بل إبراهيم أشد بلاء لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده، ويعيش بعده، ولم يأتِ الولد بالدعوى، بل قال: إن شاء الله، فتأدّب بلفظ الاستثناء. ثم قال: ويقال: إنَّ الله ستر عليهما ما عَلِمَ أنه أريد منهما في حال البلاء، وإنما كشف لهما بعد مُضِيِّ وقت المحنة، لئلا يَبْطُلُ معنى الابتلاء، وهو توجُّع القلب

стр. 2427

بالقهرية، وكذلك لما ألقي في النار أخفي عنه المراد منه، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء. وهكذا يكون الحال في حال البلاء، [ينسد عيون التهدي إلى الحال] «١» . وكذلك كان حال نبينا ﷺ في الإفك، وأيوب ﵇، وإنما تبيّن الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها، وإلاَّ لم تكن حينئذ محنة، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء. هـ. ملخصا. ثم قال تعالى: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٢ الى ١١٣] وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) قلت: «نبياً» : حال مقدرة من «إسحاق» ، ولا بد من تقدير مضاف محذوف، أي: وبشرناه بوجود إسحاق نبيًّا، أي: بأن يُوجد مقدراً نبوته، فالعامل في الحال: الوجود، لا فعل البشارة، قاله الكواشي وغيره. يقول الحق ﷻ : وَبَشَّرْناهُ أي: إبراهيم بِإِسْحاقَ بعد امتحانه، نَبِيًّا أي: يكون نبيّاً. قال قتادة: بشّره بنبوة إسحاق بعد ما امتحنه بذبحه. قالوا: ولا يجوز أن يُبشَّر بنبوته وذبحه معاً لأن الامتحان لا يصح مع كونه عالماً بأن سيكون نبيًّا. هـ. قلت: لا يبعد أن يُبَشَّر بهما معاً قبل المحنة لأن العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد لاتساع علمه، فإن الوعد قد يكون متوقفاً على شروط، قد لا يُلم العبد بها، وراجع ما تقدم عند قوله: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا «٢» بالتخفيف، وعند قوله: وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً «٣» . ثم قال قتادة: وهذه حجة لمَن يقول: إن الذبيح كان إسحاق. ومَن قال: كان إسماعيل الذبيح، قال: بشَّر إبراهيم بولد يكون نبيًّا بعد القصة لطاعته. هـ. وذكر ابن عطية عن مالك أنه نزع بهذه الآية لكون الذبيح إسماعيل، انظر بقية كلامه. وتقدّم الجواب عنه، فإنّ الأولى بولادته، وهذه بنبوته. انظر الحاشية. وقوله: مِنَ الصَّالِحِينَ: حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء لأن كل نبيّ لا بد أن يكون من الصالحين. قال ابن عرفة: الصلاح مقول بالتشكيك، فصلاح النبي أعظم من صلاح الولي. هـ. وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي: أفضنا عليهم بركات الدين والدنيا. وقيل: باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحاق بأن أخرجنا

стр. 2428

من صلبه ألف نبيّ، أولهم يعقوب، وآخرهم عيسى ﵇. وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما أي: إبراهيم وإسحاق، وليس لإسماعيل هنا ذكر، استغناء بذكر ترجمته في مريم «١» ، مُحْسِنٌ مؤمن وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالكفر مُبِينٌ ظاهر كفره. أو: محسن إلى الناس، وظالم لنفسه بتعدِّيه عن حدود الشرع. وفيه تنبيهٌ على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العِرق والعنصر، فقد يلد البرُّ الفاجرَ، والفاجرُ البرَّ. وهذا مما يهدم الطبائع والعناصر، وتنبيه على أن الظلم في أعقابهما لم يعدْ عليهما بعيب، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله، ويُعاقب بما كسبتْ يداه، لا على ما وجد من أصله وفرعه. قاله النسفي. قلت: قاعدة «العرق نزاع» أغلبية، لا كلية. وقيل: هو حديث، فيكون أغلبيًّا، فالشجرة الطيبة لا تنبت في الغالب إلا الطيب، إلا لعارض، والشجرة الخبيثة لا تجد فروعها إلا مثلها، إلا لسبب. والله تعالى أعلم. الإشارة: البشارة الكبيرة، والبركة العظيمة، إنما تقع في الغالب بعد الامتحان الكبير، فبقدر الامتحان يكون الامتكان، ويقدر الجلال يعظم الجمال، فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً. فبقدر الفقر يعقب الغنى، وبقدر الذل يعقب العز، إن كان في جانب الله. وقس على هذا.. ويسري ذلك في العقب، كما هو مشاهد في عقب الصالحين والعلماء والأولياء. وبالله التوفيق. ثم ذكر موسى وهارون، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٤ الى ١٢٢] وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ مَنَنَّا أنعمنا عَلى مُوسى وَهارُونَ بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية، وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما بني إسرائيل، مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ من الغرق والدهش الذي

стр. 2429

أصابهم، حين طلعت خيل فرعون عليهم، أو: من سلطان فرعون وقومه وعنتهم. وَنَصَرْناهُمْ أي: موسى وهارون وقومهما، فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ على فرعون وقومه. وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ البليغ في بيانه، وهو التوراة، وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صراط أهل الإسلام، وهو الطريق الذي يُوصل إلى الحق، وَتَرَكْنا عَلَيْهِما الثناء الحسن فِي الْآخِرِينَ الآيتين بعدهما، سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ الكاملين في الإيمان. الإشارة: منّ عليهما أولاً بالخصوصية، ثم امتحنهما عليها بالكرب العظيم، كما هي عادته في أهل الخصوصية، ثم مَنَّ عليهم بالفرج والنصر والعز، ثم هداهما إلى طريق السير إليه، في الظاهر والباطن، بإنزال الكتاب، وبيان طريق الرشد والصواب، فالطريق المستقيم هي طريق الوصول إلى الحضرة، وشهود عين التوحيد الخاص، ثم ينشر الصيت والذكر الحسن في الحياة والممات. والله تعالى أعلم. ثم ذكر إلياس، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٢٣ الى ١٣٢] وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) يقول الحق ﷻ : وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وهو إلياس بن ياسين بن العيزار، من سبط هارون ﵇. قال ابن إسحاق: لَمَّا قبض الله حزقيل النبي، عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا عهد الله، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إلياس «١» ، وبنو إسرائيل حينئذ متفرقون في أرض الشام، وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لمَّا فتح الشام بعد موسى ﵇ وملكها، بوّأها بني إسرائيل، وقسمها بينهم، وأحلّ سبطاً منهم ببعلبك ونواحيها. ومنهم السبط الذي نشأ منهم إلياس. انظر الثعلبي. وقيل: إلياس هو إدريس. وقرأ ابن مسعود- رضى الله عنه-: «وإن إدريس» موضع إلياس. والمشهور ما تقدم.

стр. 2430

إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ألا تخافون الله، أَتَدْعُونَ بَعْلًا، هو عَلَم لصنم، كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعاً، وكان له أربعة أوجه، فافتتنوا به وعظّموه، حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياءه. وكان الشيطان يُوسوس إليهم شريعة من الضلالة، وكان موضعهم يُسمى «بك» فركب معه وصار «بعلبكّ» ، وهو من بلاد الشام، قلت: ويسمونه اليوم عكا، وفيه قبر صالح ﵇، وقيل: إن إلياس والخضر حيان، يلتقيان كل سنة بالموسم «١» ، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه. قيل: إن إلياس وُكِّلَ بالفيافي، والخضر وُكِّلَ بالبحار. وقيل: إن الله قطع عنه لذة المطعم والمشرب، وأليس الريش، وطار مع الملائكة، فصار إنسيًّا ملكيًّا، أرضيًّا سماويًا. فهو مازال حيًّا. فالله أعلم. ثم قال: وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ أي: تعبدون صنماً جامداً، وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن الخالقين. اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ «٢» . من نصب الثلاثة فبدل، ومن رفعها فمبتدأ وخبر. فَكَذَّبُوهُ فسلّط الله عليهم، بعد رفعه، أو موته، عدوًّا، فقتل ملكهم وكثيراً منهم، فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ في النار، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو: لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر. إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ من قومه، فإنهم ناجون من حضور العذاب، وَتَرَكْنا عَلَيْهِ الثناء الحسن فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ «٣» ، وهو إلياس وأهله لأن «ياسين» اسم أبيه. وقرأ أكثر القراء: إلياسين، بكسر الهمزة ووصل اللام، أي: إلياس وقومه المؤمنين، كقولهم: الخُبَيْبون والمهَلَّبون، يعنون عبد الله بن الزبير وقومه. والمهلَّب وأتباعه. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وقيل: آل ياسين هو نبينا محمد ﷺ وأهله، والسياق يأباه. الإشارة: يُؤخذ من قوله تعالى: أَلا تَتَّقُونَ، أَتَدْعُونَ بَعْلًا.. الخ، أن مدار التقوى هو توحيد الله، والانحياش إليه، والبُعد عن كل ما سواه، والرجوع إلى الله في كل شيء، والاعتماد عليه في كل حال. ويؤخذ من قوله: سلام على آل ياسين في قراءة المد، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه، وهو كذلك فإن عَظُمَ صلاحه تعدّت منفعته إلى جيرانه وقبيلته، فإذا كبر جاهه شفع فى الوجود بأسره.

стр. 2431

ثم ذكر لوطا ﵇، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٨] وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) يقول الحق ﷻ : وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ نَجَّيْناهُ أي: واذكر إذ نجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ في الباقين لأنها شاركتهم في عصيانهم، فحقّ عليهم العذاب مثل ما حقّ عليهم، ثُمَّ دَمَّرْنَا : أهلكنا الْآخَرِينَ، وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ داخلين في الصباح، وَبِاللَّيْلِ أي: ومساء، أو: نهاراً وليلاً. ولعل مدينتهم الخالية كانت قريب منزل ينزل به المسافر، فيغدوا منه ذهاباً، ويروح إليه إياباً، فكانت قريش تنزل به وتروح عنه في متاجرهم إلى الشام، فتشاهد آثارهم والدارسة، وديارهم الخالية. أَفَلا تَعْقِلُونَ أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام، كما ختم قصص مَن قبلهما لأن الله تعالى قد سَلَّمَ على جميع المرسلين في آخر السورة، أو: تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع، من أُولي العزم. الإشارة: ينبغي لمَن له عقل إذا مرَّ بآثار مَن سلف قبله أن يعتبر، وينظر كيف كان حالهم، وإلى ما صار إليه مآلهم، وأنه عن قريب لا حق بهم، فيتأهّب للسفر، ويتزوّد للمسير. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة يونس، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٩ الى ١٤٨] وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)

стр. 2432

يقول الحق ﷻ : وَإِنَّ يُونُسَ بن متى، اسم أبيه، لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إلى أهل نَيْنَوى، فكذَّبوه، فوعدهم بالعذاب، فلما رأى أمارات العذاب هرب عنهم، وهي معنى قوله: إِذْ أَبَقَ هرب. والإباق: الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه- بغير إذن ربه- إباقاً، مجازاً. رُوي أنه لمَّا فرَّ عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يُحب ذلك لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذابَ انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ : المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر: أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجرِ، فاقترعوا، فخرجت القرعةُ على يونس، فقال: أنا الآبق، وزجّ بنفسه في البحر، فذلك قوله: فَساهَمَ : فقارعهم مرة- أو ثلاثاً- بالسهام، فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المغلوبين بالقرعة. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ فابتلعه وَهُوَ مُلِيمٌ داخلٌ في الملامة، أو: آتٍ بما يُلام عليه، ولم يُلَم فإذا ليم كان مألوماً. فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ من الذاكرين كثيراً بالتسبيح، أو: من القائلين: لآَّ إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «١» أو: من المصلين قبل ذلك قال ابن عباس ﵁: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدّم عملاً صالحاً فنجَّاه، وإنَّ العمل الصالح يرفع صاحبه، إذا عَثَرَ وجد متكئاً. هـ «٢» . أي: فلولا طاعته قبل ذلك لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قيل: للبث حيًّا إلى يوم البعث. وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبراً له إلى يوم القيامة. وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام، أو: سبعة أو: أربعين يوماً. وعن الشعبي: التقمه ضحوة، ولَفَظَه عشية. قيل: أوحى الله تعالى إل الحوت: إني جعلت بطنك ليونس سجناً- وفي رواية: مسجداً- ولم أجعله لك طعاماً «٣» . هـ. فَنَبَذْناهُ أي: أخرجناه بِالْعَراءِ بالمكان الخالي، لا شجر فيه ولا نبات. أو: بالفضاء، وَهُوَ سَقِيمٌ عليل مطبوخ، مما ناله من بطن الحوت. قيل: إنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يُولد. وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً أي: أنبتناها فوقه، مظلة له، كما يطنَّب البيتُ على الإنسان، مِنْ يَقْطِينٍ، الجمهور على أنه القرع،

стр. 2433

وفائدته: أن الذباب لا تجتمع عنده، وأنه أسرع الأشجار نباتاً، وامتداداً، وارتفاعاً، وأن ورقه باطنها رطبة. وقيل لرسول الله ﷺ : إنك لتُحب القرع، فقال: «أجل، هي شجرة أخي يونس» «١» ، قلت: ولعلها النوع الذي يُسمى اليوم «السلاوي» لأنه هو الذي ورقه لينة، وفيه منافع. رُوي أن ظبية كانت تختلف إليه، فيشرب من لبنها بكرة وعشية، حتى نبت لحمه، وأرسل الله تعالى على اليقطين دابة تقرض ورقها، فتساقطت حتى أذته الشمس، فشكاها إلى الله تعالى. وفي رواية: فحزن عليها، فقيل له: أنت الذي لم تخلُق، ولم تسقِ، ولم تُنبت، تحزن عليها وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون تُريد مني أن أستأصِلَهم في ساعة واحدة، وقد تابوا، وتُبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس، أنا أرحم الراحمين «٢» . هـ. وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ، المراد به القوم الذين بُعث إليهم قبل الالتقام، فتكون «قد» مضمرة، أَوْ يَزِيدُونَ في مرأى الناظر، أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقال الزجّاج: «أو» بمعنى «بل» . وقيل: بمعنى الواو. قال ابن عباس: زادوا على مائة ألف عشرين ألفاً. وقال الحسن: بضعاً وثلاثين ألفاً. وقال ابن جبير: سبعين ألفاً. وقيل: وأرسلناه بعد الالتقام إلى مائة ألف. وقيل: قوماً آخرين. فَآمَنُوا به، وبما أُرسل به، فَمَتَّعْناهُمْ بالحياة إِلى حِينٍ منتهى أجلهم، ولم يُعاجَلوا، حيث تابوا وآمنوا. الإشارة: في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلّت قدمُه، وانحطّ عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعُف عن التوجه، بل يلزم قرعَ الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البُعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذّاب، وفي ذلك يقول ابن وفا ﵁: ونحن على العهد نرعى الذمام ... وعهد المحبين لا ينقضي صددت فكنت مليح الصدود ... وأعرضتَ أُفديك من معرض وفي حالة السخط لا في الرضا ... بيان المحب من المبغض.

стр. 2434

وفيها أيضاً: الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري: وفي القصة: أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته: قُلْ لفلانٍ الفَخَّار: يَكْسِرَ من الجرات ما عمله في هذه السنة كلّها، فقال يونس: يا ربِّ، إنه تعنَّى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمره أن يكسرها كلّها؟ فقال له: يا يونس، يَرِقُّ قلبُك لخزاف يُتْلِفُ عَمَلَ سنةٍ، وأردتَ أن أُهْلِكَ مائةَ ألفٍ من عبادي؟ لم تخلقهم، ولو خَلَقْتَهم لرحمتهم. هـ. ثم وبَّخ قريشاً على قولهم: الملائكة بنات الله- بعد ذكر هلاك مَن كفر من الأمم قبلهم، تهديدا، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٤٩ الى ١٦٠] فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) يقول الحق ﷻ : فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، أَمَرَ رسولَه أولاً في أول السورة باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث، بقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً «١» ، ثم أمره هنا باستفتائهم [عن] «٢» وجه القسمة الضّيزى التي قسموها، بأن جعلوا لله الإناث، ولهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم لهن، واستنكافهم من ذكرهن، وليس من باب العطف النحوي، خلافاً للزمخشري. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ حاضرون حتى تحققوا أنهم إناث. وتخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم، وتجهيل لهم، لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدةً، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر، بل بمجرد ظن وتخمين، وإلقاء الشيطان إليهم. أو: معناه: أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم، كأنهم شاهدوا خلقهم.

стр. 2435

أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم. أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ، الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا الحكم الفاسد، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل، أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتعرفوا أنه منزّه عن ذلك أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله؟ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ الذي أنزل عليكم، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم. وَجَعَلُوا بَيْنَهُ بين الله وَبَيْنَ الْجِنَّةِ الملائكة- لاستتارهم، نَسَباً وهو زعمهم أنهم بنات الله. أو: قالوا: إن الله صاهر الجن، تزوج سَرَوَاتِهم فولدت له الملائكة «١» ، تعالى الله عن قولهم عُلواً كبيراً. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي: ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار. أو: لقد علمت الملائكة أنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد، فكيف تكون بنات الله؟. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، نزّه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، استثناء منقطع من «المحضرين» ، أي: لكن المخلصون ناجون من النار. و «سبحان الله» : اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناءُ من واو «يصفون» ، أي: عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك. الإشارة: الحق تعالى في عالم القدرة منزَّه عن الولد والصاحبة، وتصور الأثنينية، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات، فتوحّد الله، وتنزهه عن الاثنينية، وعين تنظر لعالم الحكمة، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح، والمظهر واحد، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات، فحطَّ رأسك لهم، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار. وإلا فسلم تسلم. ثم بيّن أنَّ الأمور كلها بيد الله، هداية وإضلالا، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٦١ الى ١٦٣] فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)

стр. 2436

يقول الحق ﷻ : فَإِنَّكُمْ أيها المشركون وَما تَعْبُدُونَ أي: ومعبوديكم، ما أَنْتُمْ وهم جميعاً عَلَيْهِ على الله بِفاتِنِينَ بمضلّين، إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي: إلا مَن سبق في علمه أنه من أهل النار. والمعنى: إنكم لستم تضلُّون أحداً إلا أصحاب النار، الذين سبق في علمه أنهم يستوجبون بأعمالهم النار، يقال: فتن فلانٌ على فلانٍ امرأته: أفسدها عليه. وقال الحسن: فإنكم أيها القائلون لهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام، ما أنتم على عبادة الأصنام بمضلّين أحداً، إلا مَن أوجبتُ عليه الضلال في السابقة. هـ. وفيها دليل للقدر، بل هي صريحة فيه. و «ما» في «أنتم» : نافية، و «مَن» : في موضع النصب بفاتنين، على الاستثناء المفرغ، أي: لا تفتنون إلا الذي هو صالي الجحيم. وحذفت الياء في الرسم اكتفاء بالكسرة، وقرأ الحسن: «صالُ الجحيم» بضم اللام- ووجهه: أنه جمْع، فحذفت النون للإضافة. والواو لالتقاء الساكنين، و «مَن» مفرد في اللفظ، جمع في المعنى، فحمل «هو» على اللفظ، و «الصالون» على المعنى. الإشارة: ويقال لمَن يُرغّب الناس في الدنيا، ويدلهم على جمعها، والاعتناء بها، بمقاله، أو بحاله، ويزهّد في طريق التجريد والانقطاع إلى الله: ما أنتم بفاتنين أحداً عن طريق الله، إلا مَن سبق أنه يصلى نار القطيعة والبعد، وأما مَن سبقت له سابقة الوصال، فلا يصده عن الله فاتن ولا ضال. ولا شك أن مَن يدلّ الناس على الدنيا فقد غشّهم. قال القطب ابن مشيش ﵁: مَن دَلَّك على الدنيا فقد غشك، ومَن دلَّك على العمل فقد أتبعك، ومَن دَلَّكَ على الله فقد نصحك. هـ. فالدلالة على الدنيا من شأن المغرورين، ورين الفاتنين، والدلالة على العمل من شأن الصالحين، الواقفين مع ظاهر الشريعة وعملها، والدلالة على الله من شأن العارفين أهل التربية، يدلون على الله، بسقي الكؤوس، ونسيان النفوس، ودخول حضرة القدوس، من باب الكرم والجود. وبالله التوفيق. ثم رجع إلى الكلام على الملائكة، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٦٤ الى ١٦٦] وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) يقول الحق ﷻ : حاكياً عن الملائكة: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في العبادة، أو: في السموات، نعبد الله فيه، أو: في القُرب والمشاهدة لا نتعداه، ولا نترقى عنه إلى غيره، ففيه تنبيه واعتراف بافتقارهم لمخصصهم، القاضي بحدوثهم. وفي اعترافهم بذلك ردٌّ على زعم الكفار أنهم بنات الله، أو شركاء له، وتنزيه له تعالى عن ذلك لتنافي العبودية والطاعة التي اعترفوا بها، والبنوة المدّعاة من الكفار، تعالى الله عن قولهم. وهذا

стр. 2437

يجري أيضاً في القول الذي يقول: إنهم قسم ثالث، مجردات، ليسوا بجوهر ولا عرض، كالأرواح، فإنها على تقدير كونها كذلك، جائزة لقبولها التفاوت في العلوم والمعارف وغير ذلك. وذلك قاضٍ بالافتقار، والتخصيص لِمَا هي عليه، المستلزم للحدوث. قاله في الحاشية. قلت: القول بأن الملائكة مجردات عن المادة، هو قول الفلاسفة، ونحى إليه الغزالي. وهو مناقض للقرآن والحديث لأن كونهم صفوفاً قائمين، أو ساجدين، أو سائرين، يقتضي تشكيلَهم وتحييزَهم، فيستلزم المادة إلا أنها نورانية لطيفة، وكذلك الأرواح، على ما في الأحاديث، فإنها متحيزة على أشكال لطيفة. والله أعلم. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ نصفّ أقدامنا في الصلاة، أو: نصفّ حول العرش داعين للمؤمنين، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ المنزّهون الله تعالى عما نسبته إليه الكفرة، من الولد، وغير ذلك من الأباطيل المذكورة. أو: المشتغلون بالتسبيح على الدوام، أو: المصلُّون. ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله: سُبْحانَ اللَّهِ.... الخ، من كلام الملائكة، حتى يتصل بذكرهم «١» ، كأنه قيل: ولقد عَلِمَ الملائكةُ أن المشركين محضرون للعذاب على افترائهم على الله فيما نسبوا إليه، وقالوا: سبحان الله، ونزّهوه عن ذلك، واستثنوا عباد الله المخلصين، وبرّؤوهم من ذلك، وقالوا للكفرة: وإذا صحّ ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه، وتضلُّوه، إلاّ مَن كان من أهل النار، وكيف نكون مناسِبين لرب العزة! وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه، لكلّ منا مقامٌ من الطاعة معلومٌ، لا يستطيع أن يزلَّ عنه، ونحن نصفّ أقدامنا لعبادته، مسبِّحين بحمده، كما يجب على العباد. ولعل قولهم: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ إشارة إلى تفاوتهم في درجات القُرب ومقامات اليقين. وقولهم: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ إشارة إلى تفاوتهم في الطاعات والعبادات، وهم طبقات منهم هائمون مستغرقون في الشهود، ومنهم مستغرقون في مقام الهيبة والمراقبة، ومنهم مستغرقون في الخدمة والعبادة. والله تعالى أعلم. الإشارة: مادة الآدمي أكمل من مادة الملائكة، فإذا اتصل العبد بشيخ كامل، واعتنى بتصفية روحه وسره، طَوى نوره الوجودَ بأسره، ولا يزال يترقى في معاريج أسرار التوحيد والتفريد، وتتوارد عليه الكشوفات، والعلوم، والأسرار، في هذه الدار الفانية، وفي تلك الدار الباقية، أبداً سرمداً، بخلاف الملائكة، فإنَّ لكل واحد مقاماً معلوما لايتعداه، كما أخبر تعالى. وسرُّ ذلك: أن الآدمي فيه بشرية وروحانية، فكلما جاهد نفسه، وغاب عن حس بشريته ترقى في معارج التوحيد، والمجاهدة لا تنقطع عنه فى هذا الدار لأنها دار أكدار، فلا ينقطع عنه الترقي في المشاهدة، وأما في تلك

стр. 2438

الدار فالترقي فيها من باب الكرم والإثابة على ما هنا. وأيضاً: البشرية للآدمي بمنزلة الطلاء للمِرآة، فالمرآة بلا طلاء لا ترى فيها صور الأشياء، كذلك الملائكة لا بشرية لهم، فلا تنكشف لهم الحقائق كما تنكشف للآدمي، ولو كشف لهم ما انكشف له لذابوا. والله أعلم. قال في القوت: لَعمري إن سائر الملائكة لا ينتقلون في المقامات كترقي المؤمنين، إنما لكلٍّ مقام معلوم، لا ينتقل إلى غيره، إلا أنهم يُمدّون من ذلك بمدد لا نهاية له إلى يوم القيامة، بأكثر ما يزداد جملة البشر هـ. قلت: ومعنى كلامه: أن الملائكة يُمدون في مقامهم بقوة لا يستطيعها البشر، فمَن كان في مقام الهيبة دام فيها، وقَوِي عليها، ومَن كان في مقام الخدمة، دام عليها، وقوي عليها، قوةً لا يطيقها البشر، ولا يترقى عنها، بخلاف الآدمي، فليست فيه هذه القوة، لكنه يترقى من مقام إلى مقام، ويترقى في المعارف على الدوام. ثم بسط صاحب القوت في ذلك الكلام في فضائل الصلاة، وأنها جامعة لما فُرق على الملائكة من الأعمال والأذكار. قال: وبذلك فضل المؤمنون الملائكة، وكذلك فضل الموقن أيضاً في مقامات اليقين من أعمال القلوب، على الأملاك بالتنقيل بأن جُمعت فيه، ورُفع فيها مقامات، والملائكة لا يُنقلون، بل كل ملك موقوف في مقام معلوم، لا ينقل منه إلى غيره، وإنما له المزيد من المقام الواحد على قدر قواه، وجمع ذلك كله في قلب المؤمن، ونقل فيه مقامات. وكان له من كل مقام مشاهدات. هـ. قال المحشي الفاسي: وفيه نظر، مع تلقيهم ضروب الوحي الجامع للمقامات، فكيف لا يُمكّنهم تحققاً بها على اختلافها؟، ولو كان كما قال لكان كل مَلَكٍ إنما يتلقى من الوحي ما يناسبه، ويختص بمقامه، وليس الأمر كذلك ضرورة. هـ. قلت: وفي نظره نظر إذ لا يلزم من تلقيهم للوحي على أنواعه أن يترقوا به إذ ليس الترقي هو مجرد العلم، بل الترقي إنما هو أذواق ووجدان، وكشوفات بعد حصول العلم. وقد يتحقق العلم بالمقام، ولا ينتقل عنه إلى غيره، بل قد يعلمه ولا يذوقه، كما هو محقق عند أهل الفن، ثم قال: والحق ما نبّه عليه البيضاوي. وكلام القوت ينظر لقول الحكماء، ومثله كلام الإحياء. هـ. ونص البيضاوي في قوله تعالى: قالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ «١» الآية: إنَّ علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، والحكماء مَنعوا ذلك في الطبقات العليا منهم، وحملوا عليه قوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. هـ. قلت: ترقي الآدمي هو انتقاله من مقام إلى مقام، حتى يُكاشف بأسرار الذات وأنوار الصفات، ثم لا يزال يترقى

стр. 2439

في الأذواق والكشوفات، يتجدّد له في كل يوم وساعة، حلاوة وكشف لم تكن عنده قبلُ، بخلاف الملائكة، فإنما يترقى كل واحد في كشف أسرار مقامه، ويجد حلاوة في ذلك المقام لم تكن له قبلُ، ولا ينتقل عنه، فمَن كان من أهل الخدمة زاده الله حلاوتها. ومَن كان من أهل المراقبة فكذلك. ومَن كان من أهل المشاهدة غلب عليه السكر و؟؟؟ ان، ولا يزيد على ذلك. وهم الطبقة العليا، فلا منافاة بين كلام القوت وكلام البيضاوي لأن الترقي إنما هو في الأذواق والكشوفات، لا في العلوم الغيبية، ولا في الكمالات النفسية. فتأمله. وقال القشيري: الملائكة لا يتخطون مقامهم، ولا يتعدَّوْن حدَّهم، والأولياء مقامهم مستورٌ بينهم وبين الله، لا يطلع عليه أحد، والأنبياء- ﵈ لهم مقام مشهورٌ، مُؤَيَّدٌ بالمعجزات الظاهرة لأنهم للخَلْقِ قدوة، فأمْرُهُم على الشهرة، وأَمْرُ الأولياء على السَّتْرِ. هـ. وقال الورتجبي: أهل البدايات في مقام الطاعات، والأوْسَاط في المقامات، مثل التوكل والرضا، والتسليم، والمُحبُّون في مقامات الحالات والمواجيد، وأهل المعرفة في مقام معارف، ينقلون في المشاهدة من مقام إلى مقام، ولا يبقى المقام للموحدين، فإنهم مستغرقون في بحار الذات والصفات، فليس لهم مقام معلوم لأن هناك لم يكن لهم وقوف، حيث أفناهم قهرُ الجلال، والجمال، والعظمة، والكبرياء، عن كل ما وجدوا من الحق، فيبقوا في الفناء إلى الأبد. هـ. قلت: ما ذكر من الطبقات الثلاث هم العباد، والزهّاد، وأرباب الأحوال، وحالهم كحال الملائكة، يُمَدُّون في مقامهم، ولا ينتقلون منه، فلكل واحدة قوة في مقامه، لا يطيقها العارف، لكنه فاتهم بالترقي عنهم إلى مشاهدة الذات، والترقي فيها أبداً. ثم قال الورتجبي في قوله تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ: لمَّا كانوا من أهل المقامات المعلومات افتخروا بمقاماتهم في العبودية، من الصلاة والتسبيح، ولو كانوا من أهل الحقائق في المعرفة لفنوا عن ملاحظة طاعتهم، من استيلاء أنوار مشاهدة الحق عليهم، والاستغراق في بحارٍ من الألوهية. قال بعضهم: لذلك قطعت بهم مقاماتُهم عن ملاحظة المِنَّة، حتى قالوا بالتفخيم: إِنَّا لَنَحْنُ، فلما أظهروا سرائرهم عارضوا إظهار أفعال الربوبية بالمعارضة، حتى قالوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها. هـ. وكلامنا كله مع عامة الملائكة، وأما المقربون فالأدب الإمساك عنهم- صلوات الله وسلامه عليهم. ثم رجع إلى الكلام مع قريش، فقال: [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٦٧ الى ١٨٢] وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)

стр. 2440

يقول الحق ﷻ : وَإِنْ كانُوا أي: مشركو قريش لَيَقُولُونَ قبل مبعثه ﷺ : لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ أي: كتاباً من كتب الأولين، الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي: لأخلصنا لله، وما كذّبنا كما كذَّبوا، ولَمَا خالفنا كما خالفوا، فلما جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو مهيمن على الكتب، فكفروا به، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة تكذيبهم، وما يحلّ بهم من الانتقام. و «إن» مخففة، واللام فارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولون، مؤكّدين للقول، جادّين فيه، ثم نقضوا بأشنع نقض، فكم بين أول الأمر وآخره!. ثم بشَّر رسولَه بالنصر والعز، فقال: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ أي: وعدناهم بالنصر والغلبة. والكلمةُ هي قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ دون غيرهم، إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ، وإنما سمّاها كلمةٌ، وهي كلمات لأنها لَمَّا انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوّهم على عدوهم في مقام الاحتجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. وعن الحسن: ما غُلب نبيّ في حرب قط. وعن ابن عباس ﵁: إن لم ينتصروا في الدنيا نُصروا في العُقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسَه، والغالب منه: الظفَرُ والنصر، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فنادر، والعبرة بالغالب. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ إلى مدة يسيرة. وهى المدة التي أملهوا فيها، أو: إلى بدر، أو: إلى فتح مكة، وَأَبْصِرْهُمْ أي: أبصر ما ينالهم، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب، فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما قضينا لك من النصر والتأييد، والثواب الجزيل في الآخرة. و «سوف» للوعيد، لا للتبعيد. ولَمّا نزل: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ قالوا: متى هو؟ فنزل: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ قبل وقته؟ فَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ صباحهم. واللام للجنس لأن «ساء» و «ليس» يقتضيان ذلك. قيل: هو

стр. 2441

نزول رسول الله ﷺ يوم الفتح بمكة. وقيل: نزول العذاب بهم يوم القيامة. شبهه بجيش هَجَمَ فأناخ بفنائهم بغتةً. والصباح: مستعار من: صباح الجيش المبيت، استعير لوقت نزول العذاب. ولَمّا كثرت الغارة في الصباح سموا الغارة صباحاً، وإن وقعت في غيره. وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ، وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ، كُرر ليكون تسلية بعد تسلية، وتأكيداً لوقوع الوعد إلى تأكيد، وفيه فائدة، وهو إطلاق الفعلين معاً عن التقييد بالمفعول، بعد التقييد له، إيذان بأنه يُبْصِر من صنوف المسرة ويُبصرون من أنواع المساءة ما لا يفي به نطاقُ العبارة. وقيل: أريد بأحدهما: عذاب الدنيا، وبالآخرة: عذاب الآخرة. سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ، أضيف الربّ إلى العزة لاختصاصه بها، أو: يريد: أن ما من عزّة لأحد إلا وهو ربها ومالكها، لقوله: وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ «١» أي: تنزيهاً له عما يصفون من الولد والصاحبة والشريك. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، عمم الرسل بالسلام بعد ما خصص البعض في السورة لأن في تخصيص كلٍّ بالذكر تطويلاً. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على هلاك الأعداء، ونصرة الأنبياء. قيل: في ختم السورة بالتسبيح بعد ما تضمنته السورة من تخليط المشركين وأكاذبيهم، ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه الأرفع، تعليم للمؤمنين ما يختمون به مجالسهم لأنهم لا يخلو إذا جلسوا مجلساً من فلتة أو هفوة، وكلمات فيها رضى الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلسه أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات، ويحمد لِمَا وفق من الطيبات، ومن ثمَّ قال ﷺ : «كلمات لا يتكلمُ بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كُفِّرَ بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خيرٍ، ومجلس ذكرٍ، إلا ختم الله بهن، كما يُخْتَمُ بخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» «٢» . والمراد هو ختم المجلس أو الكلام بالتنزيه. وعن عليّ- كرّم الله وجهه: مَن أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ «٣» .. إلخ.

стр. 2442

وعنه ﷺ أنه قال: «إذا سلمتم عليَّ فسلِّموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم» «١» . الإشارة: ترى بعض الناس يقول: لو ظهر شيخ التربية لكُنَّا من المخلصين، بصحبته وخدمته، فلما ظهر كل الظهور جحد وكفر، وأَنِفَ واستكبر، وقنع بما عنده من العلم، فإذا رأى ما ينزل بأهل النسبة من أصحابه، من الامتحان في أول البادية، قال: ليس هذه طريق الولاية، فيقال له: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين، ولِمن كان على قدمهم، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون، فتولّ عن مثل هذا حتى حين، وهو وقت هجوم الموت عليه، وأبصر ما يحلّ به من غم الحجاب، وسوء الحساب، فسوف يُبصرون ما يناله أهل النسبة من الاصطفاء والتقريب، فإذا طلب الكرامة بالانتصار ممن ظلمهم، فيقال له: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ... الآية. والغالب عليهم الرحمة. فإذا أُوذوا قابلوا بالإحسان، إذ لم يروا الفعل إلا من الرحمن، فينزهونه بقولهم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٢» .

стр. 2443

[المجلد الخامس] سورة ص مكية، أو: سورة داود. وآيها: ست أو ثمان وثمانون آية. ومناسبتها لما قبلها: قوله تعالى: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ «١» مع قوله: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، فأخبر عنهم أولا أنهم لو نزل عليهم الذكر لأخلصوا فى الإيمان، فلما نزل كفروا به، وتعززوا عنه، قال تعالى: [سورة ص (٣٨) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) يقول الحق ﷻ : ص أي: أيها الصادق المصدوق. وقال القشيري: معناه: مفتاحُ اسمه الصادق، والصبور، والصمد. أقسم بهذه الأسماء، وبالقرآنِ ذِي الذِّكْرِ أي: ذي الشرف التام، الباقي، المخلَّد لمَن تمسّك به، أو: ذي الوعظ البليغ لمَن اتعظ به، أو: الذكر للأمم والقصص والغيوب. أو: يراد به الجميع. وجواب القسم: محذوف، أي: إنه لكلام معجز، أو: إنه لَمن عند الله، أو: إن محمداً لصادق، أو: ما الأمر كما يزعمون، أو: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقيل: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ أو: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ، وهو بعيد. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا من قريش فِي عِزَّةٍ تكبُّر عن الإذعان لذلك، والاعتراف بالحق، وَشِقاقٍ خلاف لله ولرسوله. والإضراب عن كلام محذوف يدل عليه جواب القسم، أي: إن كفرهم ليس عليه برهان، بل هو بسبب العزة، والعداوة، والشقاق، وقصد المخالفة. والتنكير في «عزة وشقاق» للدلالة على شدتهما وتفاقمهما. وقرىء «في غِرَّةٍ» «٢» أي: في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق. ثم هدّدهم بقوله: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ من قبل قومك مِنْ قَرْنٍ من أُمّة أو جيل، فَنادَوْا أي: فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ أي: وليس الوقت وقت خلاص ونجاة وفرار،

стр. 2444

والمعنى: أنهم استغاثوا حين لم ينفعهم ذلك. وَلاتَ هي «لا» المشبّهة ب «ليس» ، زيدت عليها تاء التأنيث، كما زيدت على «ربّ» و «ثمّ» للتوكيد، وتغيّر بذلك حكمها، حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحد معموليها، إما الاسم أو الخبر، وامتنع بروزهما بنفي الأحيان، وهذا مذهبُ الخليل وسيبويه، وعند الأخفش أنها النافية للجنس، زيدت عليها الهاء، وخصّت بنفي الأحيان. وقال أبو محمد مكي: الوقف عليها عند سيبويه، والفراء، وأبي إسحاق، وابن كيسان، بالتاء، وعليه جماعة القراء، وبه أتى خط المصحف. وعند المبرد والكسائي بالهاء، بمنزلة «رب» . هـ. الإشارة: افتتح الحق ﷻ هذه السورة، التي ذكر فيها أكابر أصفيائه، بحرف الصاد، إشارة إلى مادة الصبر، والصدق، والصمدانية، والصفاء إذ بهذه المقامات ارتفع مَن ارتفع، وبالإخلال بها سقط مَن سقط. فبالصبر على المجاهدات تتحقق الإمامة والقدوة، وبالصدق في الطلب يقع الظفر بكل مطلب، وبالصمدانية تقع الحرية من رقّ الأشياء، وبالصفاء تحصل المشاهدة والمكالمة، فكأن الحق تعالى أقسم بهذه الأشياء وبكتابه العزيز إن المتكبرين على أهل الخصوصية ما أنكروا إلا جُحوداً وعناداً، وتعزُّزاً واستكباراً، لا لخلل فيهم، ثم أوعدهم بالهلاك، كما أهلك مَن قبلهم، فاستغاثوا حين لم ينفعهم الغياث. ثم ذكر تعجبهم من كون المنذر منهم، فقال: [سورة ص (٣٨) : الآيات ٤ الى ٧] وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) يقول الحق ﷻ : وَعَجِبُوا أي: كفار قريش من أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسول من البشر. قال القشيري: وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلهاً لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. هـ. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ أي: ساحر فيما يُظهر من المعجزات، كذَّاب فيما يدَّعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر، وغضباً عليهم، وإشعاراً بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء.

стр. 2445

ثم قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابراً عن كابر، فإنَّ مدار كل ما يأتون ويذرون، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيَعُدون ما يخالف ما اعتادوه عجباً من العجاب، بل محالاً، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له لأنهم لا يدّعون أن لآلهتهم علماً وقدرة ومدخلاً في حدوق شيءٍ من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقداً على البيضاوي. قال القشيري: لم تباشر خلاصةُ التوحيد قلوبَهم، وبُعدوا عن ذلك تجويزاً، فضلاً عن أن يكون إثباتاً وحكماً، فلا عَرَفُوا أولاً معنى الإلهية فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقديرُ قادِرَيْن على ذلك غيرُ صحيح لِمَا يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كامِلَي الوصفِ لم يكونا إِلَهيْن، وكلُّ مَن جرّ ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. هـ. رُوي أنه لما أسلم عمر ﵁ فرح به المؤمنون، وشقّ على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفساً من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء- أي: الذين دخلوا في الإسلام- وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تَمِلْ كل الميل على قومك، فقال- ﵊ «ماذا يسألونني» ؟ فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال- ﵊: «أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم» ، قالوا: نعم، وعشراً «١» . قال: «قولوا: لا إله إلا الله» فقاموا، وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ «٢» . قيل: العجب: ما له مِثل، والعجاب: لا مثل له. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعد ما بكّتهم رسول الله ﷺ بالجواب، وشاهدوا تصلبه- ﵊ في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسُّط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين أَنِ امْشُوا و «أنْ» تفسيرية لأن المنطلقين عن

стр. 2446

مجلس التقاول لا بُدَّ لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمناً معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرُّقهم في طُرق مكة، وإشاعتهم للكفر. هـ. أي: امشوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ أي: اثبتوا على عبادتها، متحمِّلين لِما تسمعون في حقها من القدح. قال القشيري: إذا [تواصى] «١» الكفارُ فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمأمنون أَوْلى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. هـ. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي: هذا الذي شاهدناه من محمد ﷺ من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يُراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته- ﵊ لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يُقال من طرف اللسان، وأمر تُرجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تُمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحمَّلوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إنَّ هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إنَّ هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يُراد بنا، فلا انفكاكَ لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يُراد، أي: يُطلَبُ ليؤخذ منكم وتُغلَبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدَّعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفُّع على العرب والعجم، لشيء يُتمنى، ويريده كلُّ أحد. فتأمّل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل. ما سَمِعْنا بِهذا الذي يقوله من أمر التوحيد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملّة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالاً من «هذا» ، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهّان كائناً في الملة المترقبة. ولقد كذّبوا في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. إِنْ هذا أي: ما هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه. [سورة ص (٣٨) : الآيات ٨ الى ١١] أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ أي: القرآن: مِنْ بَيْنِنا ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يُختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسداً من عند أنفسهم، كقولهم: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «٢» . وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله.

стр. 2447

قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ «١» ، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثرُ اللهِ في العالم، ومشكاةُ تجلِّيه، حتى قالوا مثل ما قالوا: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد ﷺ بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفسَ النفوس، وروحَ الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورةً من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقتُ الأفلاك. هـ. الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل مَن يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفَّهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذَّاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدلّ عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأُنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أنَّ الله يختص برحمته مَن يشاء، ويبعث في كل زمان مَن يُجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم. ثم رَدّ عليهم بقوله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ ... يقول الحق ﷻ : بَلْ هُمْ أي: كفار قريش فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ أي: بل لَمَّا يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكُّوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يُصدِّقون به إلا أن يمسّهم العذاب، فحينئذ يُصدّقون، ولات حين تصديق.

стр. 2448

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يُصيبوا بها من شاءوا، ويصرفوها عمن شاءوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفَّعوا بها عن محمد ﷺ ، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيزُ القاهر على خلقه، الوهّاب الكثير المواهب، المصيب بها مَن يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضّل بها على من يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل مَن يشاء. وفي إضافة اسم الرّب المنبئ عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميرة- ﵊ من تشريفه واللطف به ما لا يخفى. أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكّموا في التدابير الإلهية، التي اختصّ بها رب العزّة والكبرياء؟ ثم تهكّم بهم غاية التهكُّم فقال: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ، وهو جواب عن شرط مقدر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرُّف في قسمة الرحمة، فليصعَدوا في المعارج والطُرق التي يتوصّل بها إلى السماء، حتى يُدبروا أمر العالم وملكوت الله، فيُنزلون الوحي إلى مَن يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب. ثم وعد نبيه- ﵊ بالنصر عليهم بقوله: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل مَهْزُومٌ مكسور عما قريب، فلا تُبالِ بما يقولون، ولا تكترث بما يَهْذُون. و «جُند» : خبر، أو: مبتدأ، و «مهزوم» : خبره و «مَّا» : صلة مقوّية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و «من الأحزاب» : متعلق بجند، أو: بمهزوم، و «هنالك» : إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمَن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك. الإشارة: يُقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم ابن أدهم ﵁: (خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئاً، قيل: ومافاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة) . بل لَمَّا يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبُعد، والانحطاط عن درجات المقرَّبين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفعُ مالٌ ولا بنون، إلا مَن أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ... الآية.

стр. 2449

ثم هدد كفار قريش بقوله: [سورة ص (٣٨) : الآيات ١٢ الى ١٥] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) يقول الحق ﷻ : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي: قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ نوحاً، وَعادٌ هوداً وَفِرْعَوْنُ موسى، ذُو الْأَوْتادِ، قيل: كانت له أربعة أوتاد وحبال يلعب بها أو عليها بين يديه، وقيل: كان يوتّد مَن يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه، ويتركه حتى يموت. وقيل: كان يرسل عليه عقارب وحيّات. وقيل: معناه: ذو المُلك الثابت، من: ثبات البيت المُطَنَّب «١» بأوتاده، فاستعير لرسوخ السلطنة، واستقامة الأمر، كقول الشاعر: ولقد غَنَوا فيها بأَنْعَمِ عيشةٍ ... في ظلِّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ «٢» وَثَمُودُ وهم قوم صالح، وَقَوْمُ لُوطٍ كذَّبوا لوطاً، وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أصحاب [الغيضة] «٣» كذَّبوا شُعيباً ﵇، أُولئِكَ الْأَحْزابُ: بدلٌ من الطوائف المذكورة. وفيه فضل تأكيد وتمهيد لما يعقبه، وأراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هؤلاء الطوائف، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب، ولذلك قال: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ أي: ما كل أحد من آحاد أولئك الأحزاب، أو: ما كل حزب منهم إلا كذّب الرسل لأن تكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم لاتفاق الكل على الحق، أو: ما كل حزب إلا كذَّب رسوله، على نهج مقابل الجمع بالجمع. وأيًّا ما كان فالاستثناء مفرغ من أعم [العلل] في خبر المبتدأ، أي: ما كل أحد منهم محكوم عليه بحكم إلا أنه كذب الرسل، فَحَقَّ عِقابِ أي: فوجب لذلك أن أُعاقبهم حق العقاب، التي كانت توجبه جناياتهم من أصناف العقوبات.

стр. 2450

وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ أي: وما ينتظر أهل مكة. وفي الإشارة إليهم بهؤلاء تحقير لشأنهم، وتهوين لأمرهم، أي: وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب، إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي النفخة الثانية لما فيها من الشدة والهول، فإنها داهية، يعم هولها جميع الأمم، برَّها وفاجرها. والمعنى: أنه ليس بينهم وبين حلول ما أعد الله لهم من العقاب إلا نفخة البعث، أُخرت عقوبتهم إلى الآخرة لأن حلولها بهم في الدنيا يوجب الاستئصال، وقد قال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ «١» ، فأخرت ليوم القيامة. وأما ما قيل من أنها النفخة الأولى فمما لا وجه له لأنه لا يشاهد هولَها، ولا يصعَق بها إلا مَن كان حيًّا عند وقوعها. قاله أبو السعود. ما لَها مِنْ فَواقٍ أي: مِن توقُّف مقدار فواق، هو ما بين حلبتي الحالب، أي: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان. وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من أفاق المريض: إذا رجع إلى الصحّة، وفواق الناقة: ساعة يرجع الدرّ إلى ضرعها. يريد: أنها نفخة واحدة، لا تثنى، ولا تردد. والفواق بمعنى التأخر، فيه لغتان: الفتح والضم، وأما ما بين حلبتي الناقة، فبالضم فقط. الإشارة: ما جرى على مكذبي الرسل يجري في مكذِّبي الأولياء، إلاَّ أن عذابهم البُعد والطرد، وحرمان معرفة العيان. وبالله التوفيق. ثم ذكر استعجالهم العذاب، فقال: [سورة ص (٣٨) : الآيات ١٦ الى ٢٠] وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) يقول الحق ﷻ : وَقالُوا أي: كفار مكة لَمَّا سمعوا بتأخير عقابهم إلى الآخرة: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا أي: حظّنا من العذاب الذي وعدتنا به، قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ولا تؤخره إلى الصيحة المذكورة. وفي القاموس: القِط- بالكسر: النصيب، والصَّك، وكتاب المحاسبة. هـ. أو: عَجِّل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها، أو:

стр. 2451

حظنا من الجنة لأنه ﷺ ذكر وعد الله المؤمنين بالجنة، فقالوا على سبيل الهزء: عَجِّل لنا نصيبنا منها «١» . وتصدير دعائهم بالنداء للإمعان في الاستهزاء، كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة. اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ من أمثال هذه المقالات الباطلة. ثم سلاّه بما يقص عليه من خبر الأنبياء- ﵈ الذين كانت بدايتهم أيام المحن، ثم جاءتهم أيام المنن، وبدأ بنبيه داود ﵇، فقال: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ، فإنه كان في أول أمره ضعيفاً، يرعى الغنم، ثم صار نبيّاً مَلِكاً، ذا الأيادي العظام. وقوله: ذَا الْأَيْدِ أي: ذا القوة في الدين، والملكَ، والنبوة. يقال: فلان ذو يد وأيد وأياد، بمعنى القوة، وأياد كل شيء: ما يتقوّى به. إِنَّهُ أَوَّابٌ: رجاع إلى الله في كل شيء، أو: إلى مرضاة الله تعالى. وهو تعليل لكونه ذا الأيد، ودليل على القوة فى الدين فإنه كان ﵇ يصوم يوما ويفطر يوماً، وهو أشدُّ الصوم، ويقومُ نصفَ الليل «٢» ، مع مكابدة سياسة النبوة والمُلك والشهود، فقد أعطى القوة في الجهتين. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ أي: ذللناها له، تسير معه حيث يريد. ولم يقل «له» لأن تسخير الجبال له ﵇ لم يكن بطريق التفويض الكلي، كتسخير الرياح وغيرها لابنه، بل بطريق التبعية، والاقتداء به في عبادة الله تعالى. وقيل: مَعَهُ متعلق ب يُسَبِّحْنَ، أي: سخرناها تُسبِّح معه، إما بلسان المقال، يخلق الله لها صوتاً، أو: بلسان الحال، أي: يقدس الله تعالى ويُنزهه عما لا يليق به. والجملة: حال، أي: مسبِّحات، واختيار الفعل ليدل على حدوث التسبيح من الجبال، وتجدُّده شيئاً بعد شيء، وحالاً بعد حال، بِالْعَشِيِّ في طرفي النهار، والعشيّ: وقت العصر إلى الليل وَالْإِشْراقِ، وهو حين تُشرق الشمس، أي: تضيء، وهو وقت الضحى، وأما شروقها- الثلاثي: فطلوعها، تقول: شرقت الشمس ولمّا تَشرق، أي: طلعت ولم تضيء. وعن ابن عباس ﵁: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية «٣» . وعنه- ﵊ أنه صلّى عند أم هانىء صلاة الضحى، وقال: «هذه صلاة الإشراق» «٤» .

стр. 2452

وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً أي: وسخّرنا الطير مجموعة من كل ناحية. عن ابن عباس ﵁: كان إذا سبّح، جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير، فسبَّحت، فذلك حشرها. كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ أي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود. ووضع الأوّاب موضع المسبّح لأن الأوّاب: الكثير الرجوع إلى الله تعالى، من عادته أن يكثر ذكر الله، ويدير تسبيحه وتقديسه على لسانه. وقيل: الضمير لله، أي: كل من داود والجبال والطير أوّاب، أي: مسبّح لله تعالى ومرجّع للتسبيح، وقيل: لداود، أي: يرجع لأمره. وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أي: قوّيناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود. قيل: كان بيت المقدس حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل. قال القشيري: ويقال: وشددنا ملكه بالعدل في القضية، وحسن السيرة في الرعية، أو: بدعاء المستضعفين، أو: بقوم مناصحين، كانوا يَدُلونه على ما فيه صلاح ملكه، أو: بقبوله الحق من كل أحد، أو: برجوعه إلينا في عموم الأوقات. هـ. وقال ابن عباس: أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم إلى داود، فقال المستعدي: إن هذا غصبني بقرتي، فجحد الآخر، ولم تكن له بينة، فقال داود: قُوما حتى أنظر في أمركما، فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه: أن اقْتُل الرجل الذي استعدِيَ عليه، فتثبت داود حتى أوحى الله إليه ثلاثاً أن يقتله، أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل: أن الله قد أوحى إليَّ أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟ فقال: نعم، والله لأنفذنَّ أمرَ الله فيك، فلما عرف الرجلُ أنه قاتله، فقال: لا تعجل عليَّ حتى أخبرك أن الله تعالى لم يأخذني بهذا الذنب، الذي هو السرقة، ولكني كنتُ قتلتُ أبا هذا غِيلة، وأخذتُ البقرة، فقتله داود، فقال الناس: إذا أذنب أحد ذنباً أظهره الله عليه فقتله، فهابوه، وعظمت هيبته في القلوب هـ. «١» . وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ النبوة، وكمال العلم، وإتقان العمل، والإصابة في الأمور، أو: الزبور وعلم الشرائع. وكل كلام وافق الحق فهو حكمة. وَفَصْلَ الْخِطابِ علم القضاء وقطع الخصام، فكان لا يتتعتع في القضاء بين الناس، أو: الفصل بين الحق والباطل. والفصل: هو [التمييز] «٢» بين الشيئين، وقيل: الكلام البيِّن، بحيث يفهمه المخاطب بلا التباس، فصْل بمعنى مفصول، أو: الكلام البيِّن الذي يبين المراد بسرعة، فيكون بمعنى فاصل، والمراد: ما أعطاه الله من فصاحة الكلام، الذي كان يفصل به بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، فى قضاياه

стр. 2453

وحكوماته، وتدابير الملك، والمشورات. وعن علىّ ﵁: «هو الْبَيِّنَةُ على المُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وعن الشعبي: «هو: أما بعد» «١» فهو أول مَن تكلم بها، فإنَّ مَن تكلم في الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له الكلام، فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد. الإشارة: فاصبر أيها الفقير على ما يقولون فيك، وتسلّ بمَن قبلك من أهل الخصوصية الكبرى والصغرى، ففيهم أُسوة حسنة لمن كان يرجو الوصول إلى الله تعالى. وقوله تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ ... الخ. قال القشيري: كل من تحقق بحالة ساعده كل شيء. هـ. قلت: وفي الحِكَم: «أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك» وبالله التوفيق. ثم ذكر امتحان داود ﵇، فقال: [سورة ص (٣٨) : الآيات ٢١ الى ٢٥] وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يقول الحق ﷻ : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ استفهام، معناه التعجُّب والتشويق إلى استماع ما في حيزه لأنه من الأنباء البديعة، والأخبار العجيبة. والخصم- في الأصل: مصدر، ولذلك يطلق على الواحد والجمع، كالضيف والزوْر. وأريد هنا اثنان، وإنما جمع الضمير بناء على أنَّ أقل الجمع اثنان. إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ أي: تصعّدوا سوره ونزلوا إليه. والسور: الحائط المرتفع، ونظيره: تسنمه: إذا علا سنمه. والمحراب:

стр. 2454

الغرفة، أو: المسجد، سمي محراباً لتحارب الشيطان فيه والخواطر الردية. و «إذ» : متعلق بمحذوف، أي: نبأ تحاكم الخصمين، أو: بالخصم لما فيه من معنى الخصومة، إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ: بدل مما قبله، أو: ظرف لتَسوروا، فَفَزِعَ مِنْهُمْ: تروَّع منهم. رُويَ أنَّ الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، قيل: جبريل وميكائيل، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في عبادته، فمنعهما الحرس، فتسوّروا عليه المحراب، فلم يشعر إلا وهما بين يديه، جالسان، ففزع منهم لأنهم دخلوا عليه في غير يوم القضاء، ولأنهم نزلوا من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون مَن يدخل عليه. قال الحسن: جزأ داود ﵇ الدهر أربعة أجزاء يوماً لنسائه، ويوماً للعبادة، ويوماً للقضاء، ويوماً للمذاكرة مع بني إسرائيل. فدخلوا عليه يوم عبادته. فلما فزع قالُوا لا تَخَفْ، نحن خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أي: ظلم وتطاول عليه، فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ لا تَجُرْ، من: الشطط، وهو مجاوزةُ الحدّ وتخطي الحق، وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ وأرشدنا إلى وسط الطريق ومحجته، والمراد: عين الحق وصريحه. رُوي: أن أهل زمان داود ﵇ كان يسألُ بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك. وكان في أول الإسلام شيء من ذلك بين المهاجرين والأنصار، فاتفق أنَّ عَيْنَ داودَ ﵇ وقعت عل امرأة أورِيا، وكانت جميلة، فأحبّها، فسأله النزولَ له عنها، فاستحيا أن يردّه، ففعل، فتزوجها، وهي أم سليمان فعُوتب في ذلك، وقيل له: إنك مع عظيم منزلتك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلاً ليس له إلا امرأة واحدة، كان الواجب عليك مغالبةُ هواك، وقهر نفسك، والصبر على ما امتحِنْتَ به. وقيل: خطبها أوريا، وخطبها داود، فآثره أهلها، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه «١» . هـ. ولعلم لم يكن محرماً في شرعهم، وإنما كان خلاف الأَولى. وقال شيخ شيوخنا في حاشيته: لا يصح هذا في حق الأنبياء، وما يُحكى أنه بعث أوريا إلى الغزو مرة بعد مرة، وأحبّ أن يُقتل ليتزوجها، فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أبناء الناس، فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء. وقال علي- كرم الله وجهه-: مَن حدّثكم بحديث داود ﵇ على ما يرويه القصَّاص جلدتْه مائةً وستين «٢» ، وهو

стр. 2455

حدّ الفرية على الأنبياء- يعني الحدّ مرتين- ورُويَ: أن رجلاً حدّث بها عند عمرُ بنُ عبد العزيز، وعنده رجلٌ من أهل الحق، فكذَّب المحدِّث، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله، فما ينبغي أن يُلتمَس خلافُها، ولا أن يُقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرتَ، وقد سترها الله على نبيه، فما ينبغي إظهارَها عليه، فقال عمر: لَسَماعي لهذا الكلام أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس «١» . والذي يدلُّ عليه المثل الذي ضربه الله لقصته ﵇ ليس إلا أنه طلب من زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب، فتزوجها، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض، دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ، من قِبَل أنّ المتأمل إذا أدّاه إلى الشعور بالمعرِّض به كان أوقع في نفسه، وأَشَدّ تمكُّناً من قلبه، وأعظم أثراً فيه، مع مراعاة حسن الأدب، بترك المجاهرة بالعتاب. قاله النّسفى. ثم ذكر التعريض بقوله: إِنَّ هذا أَخِي في الدين، أو: في الصداقة، أو: الشركة. والتعبير به لبيان كمال قُبح ما فعل به صاحبه، لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً النعجة: الأنثى من الضأن، وقد يُكنى بها عن المرأة، والكناية والتعريض أبلغ من التصريح «٢» . وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ لا أملك غيرها، فَقالَ أَكْفِلْنِيها أي: ملِّكنيها، واجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، وَعَزَّنِي غلبني فِي الْخِطابِ في الخصومة، أي: كان أقدر مني على الاحتجاج والمجادلة، أو: غلبني في الخِطبة، حيث خطبتُ وخطبَ، فأخذها، وهذا منهما تعريض وتمثيل، كأنهما قالا: نحن كخصمين هذه حالهما، فمثّلت قصة أورِيا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة، وخليطه له تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المائة، فطمع في نعجة خليطه، وحاجّه في أخذها، محاججة حريص على بلوغ مراده. وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه، ليحكم بما حكم به من قوله: قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ، حتى يكون محجوجا بحكمه. وهو جوابُ عن قسم محذوف، قصد به ﵇ المبالغة في إنكار فعل صاحبه به، وتهجين طمعه في نعجة مَن ليس له غيرها، مع أنَّ له قطيعاً منها. ولعله ﵇ قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما ادّعاه عليه، أو: بناه على تقدير صدق المدعي، أي: إن كنت صدقت فقد ظلمك، والسؤال: مصدر مضاف إلى المفعول، وتعديته إلى مفعول آخر لتضمينه معنى الضم.
следующие страницы →