Полный текст (3 416 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
الله وهي الجذبة الرحمانية التي توازي عمل الثقلين. هـ. فحينئذ تصلح للدعاء إلى الله والتذكير به.
يقول الحق ﷻ : ﴿فَذَكِّرْ﴾ الناسَ حسبما سَيّرناك له بما يُوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية، كما كنت تفعل، أي: دُم على تذكيرك. وتقييد التذكير لِمَا أنَّ رسول الله ﷺ طالما كان يُذَكرِّهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصاً على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلاَّ نفوراً، فأمر ﵇ أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون مَن يُذَكِّره ممن يُرجَى منه التذكُّر، ولا يتعب نفسه في تذكير مَن لا ينفعه ولا يزيده إلاّ عتوًّا ونفوراً، ممن طَبع اللهُ على قلبه، فهو كقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [قَ: ٤٥] وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىا عَن ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] وقيل المعنى: ذَكّر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ، واستبعده ابن جُزي؛ لأنَّ المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحُذَّاق، قلت: الأَوْلى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلاّ لمَن تنفعه وتؤثر فيه، وأمّا مَن تحقّق عناده فلا يزيده إلاّ عناداً، والقرائن تكفي في ذلك.
﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى﴾ ؛ سيتعظ ويقبل التذكرة مَن يخشى الله تعالى ﴿ويَتجنَّبُها﴾ أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها ﴿الأشقى﴾ الذي سبق له الشقاء، أو: أشقى الكفرة لتوغُّله في عداوة الرسول ﷺ . قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. ﴿الذي يَصْلَى النارَ الكبرى﴾ أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله ﵇: " ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم "، ﴿ثُمَّ لاَ يموتُ فِيهَا﴾ حتى يستريح ﴿ولا يحيا﴾ حياة تنفعه، و " ثم " للتراخي في مراتب الشدة؛ لأنَّ التردُّد بين الموت والحياة أفظع من الصليِّ.
﴿
قد أفلحَ﴾ أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه ﴿مَن تَزَكَّى﴾ أي: تطهّر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، ﴿وذَكَرَ اسمَ ربه﴾ بقلبه ولسانه ﴿فصَلَّى﴾ ؛ أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح مَن زكَّى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ
стр. 3327
لِذِكْرِيا﴾ [طه: ١٤] فيكون تفعَّل من الزكاة، أو: أفلح مَن تزكّى: أخرج زكاة الفطر، وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصَلّى صلاةَ العيد، وقد روي هذا عن النبي ﷺ فتكون الآية مدنية، أو: إخباراً بما سيكون، إذ لم تُشْرَعْ زكاة الفطر، ولا صىلا العيد إلاَّ بالمدينة.
﴿بل تُؤْثِرون الحياةَ الدنيا﴾ على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مُقَدَّر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصِيلها، وتشتغلون بذلك عن التزوُّد للأخرة، ﴿والآخرةُ خير وأبقى﴾ أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالباً، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلاّ القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قَلَّ مَن ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ . وجملة: ﴿والآخرة ... ﴾ الخ: حال من فاعل ﴿تُؤثرون﴾ مؤكد للتوبيخ والعتاب، أي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. هـ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لفي الصُحف الأُولى﴾ الإشارة إلى قوله: ﴿قد أفلح مَن تزكى﴾ إلى قوله: ﴿وأبقى﴾ ، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبلُ من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. هـ. وقوله تعالى: ﴿صحف إِبراهيمَ وموسى﴾ بدل من " الصُحف الأُولى ".
وفي حديث أبي ذر: قلت: يا رسول الله: كم كتاباً أنزل اللهُ؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صُحف إبراهيم ﵇؟ قال: " كانت أمثالاً كلها، أيها الملك المسلّط المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لِتَرُدّ على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يُحاسب فيها نفسه، وساعة يُفكر في صنع الله إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألاَّ يكون ظاعناً إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، ومَن حسب
стр. 3328
كلامه من عمله قَلّ كلامه إلاّ فيما يعنيه " قلت: يا رسول الله؛ فما كانت صُحف موسى ﵇؟ قال: " كانت عِبَراً كلها؛ عجبت لمَن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمَن أيقن بالقدر ثم هو ينصب ـ أي يتعب، عجبت لمَن رأى الدنيا وتقلُّبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمَن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل " قلت: يا رسولَ الله؛ وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: " نعم، اقرأ يا أبا ذر: ﴿قد أفلح مَن تزكى..﴾ الآية إلى السورة " ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: " أوصيك بتقوى الله ، فإنه رأس أمرك " قلت: زدني، قال: " عليك بتلاوة القرآن وذكرِ الله ، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض " قلت: يا رسول الله؛ زدني، قال: " إياك وكثرة الضحك، فإنه يُميت القلب، ويذهب بنور الوجه "، قلت: يا رسول الله؛ زدني، قال: " عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي "، قلت: يا رسول الله؛ زدني، قال: " عليك بالصمت إلاَّ مِن خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك " هـ.
وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأتُ في العشر صحف التي أنزل اللهُ على موسى ﵇ سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: مَن أصبح حزيناً على الدنيا أصبح ساخطاً على الله، الثاني: مَن كانت الدنيا أكبر همه نزع اللهُ خوف الآخرة من قلبه، الثالث: مَن شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله ، الرابع: مَن تواضع لِمَلِك مِن ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: مَن لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يُبال اللهُ من أي أبواب جهنم يدخله ـ يعني من حلال أو حرام، السادس: مَن أتى خطيئَة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: مَن جعل حاجته إلى آدمي جعل اللهُ الفقر بين عينيه. هـ.
الإشارة: فَذكِّرْ أيها العارف الدالّ على الله إن نفعت الذكرى؛ إن رجوتَ أو توهمتَ نفع تذكيرك، فإن تحققتَ عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذَكِّر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِىا سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ... ﴾ [النحل: ١٢٥] الخ، والحكمة: هي أن تٌقر كلَّ واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تُقرهم فيها وتدلهم على بَذلها، وأهل العلم تُقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وتُرغبهم في الصبر ... وهكذا، فإن رأيتَ أحداً تشوّف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدُلّه عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحَبُّ الخَلْقِِِ إلى اللَّهِ أَنفَعُهُم لعياله، كما في الحديث. وفي
стр. 3329
حديث آخر: " إنَّ أودَّ الأوِدَّاءِ إليَّ مَن يحبني إلى عبادي، ويحبِّب عبادي إليّ، ويمشي في الأرض بالنصيحة " أو كما قال ﵇:
﴿سَيذَّكَّر مَن يخشى﴾ أي: ينتفع بتذكيري مَن يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنّبها الأشقى: أي: ويعرض عنها مَن سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: مَن يعرف شقاوته، والأشقى: مَن لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. هـ. ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح مَن تَزَكَّى، أي: فاز بالوصول مَن تطهَّر مِن هوى نفسه، بأن طَهَّر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تُؤثرون الحياة الدنيا عن التوجُّه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صُحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأنَّ التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. هـ. وقال الورتجبي: (إنَّ هذا) أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: ﴿إِنِّي بَرِياءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] والإقبال على الله، بقوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . هـ. أي: وبقوله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىا﴾ [طه: ٨٤] . وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
стр. 3330
سورة الغاشية
يقول الحق ﷻ : ﴿هل أتاك حديثُ الغاشيةِ﴾ أي: قد أتاك، والأحسن: أنه استفهام أُريد به التعجُّب مما في حيّزه، والتشويق إلى استماعه، وأنه من الأحاديث البديعة التي من حقها أن تتناولها الرواية، ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد. والغاشية: الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها، من قوله تعالى: ﴿يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] الخ.
ثم فصّل أحوالَ الناس فيها، فقال: ﴿وجوه يومئذٍ خاشعةٌ﴾ ، فهو استئناف بياني نشأ عن سؤال من جهته ﷺ ، كأنه قيل: ما أتاني حديثها فما هو؟ فقال: ﴿وجوه يومئذ﴾ أي: يوم إذ غشيت ﴿خاشعة﴾ ؛ ذليلة، لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان، و ﴿وجوه﴾ متبدأ، سوّغه التنويع، و (خاشعة) خبر، و ﴿عاملة ناصبة﴾ : خبران آخران، أي: تعمل أعمالاً شاقة في النار، تتعب فيها مِن جرّ السلاسل والأغلال، والخوض في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط من تلال النار ووهادها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء، والتذّت بها، فهي يومئذ ناصبة منها، ﴿تَصلى﴾ أي: تدخل ﴿ناراً حامية﴾ ؛ متناهية في الحر مُدداً طويلة، ﴿تُسْقَى من عينٍ آنيةٍ﴾ أي: من عين ماء متناهية في الحرّ، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه، والمراد أصحابها، بدليل قوله: ﴿ليس لهم طعامٌ إِلاّ من ضريع﴾ ، وهو نبت يقال لِرَطْبِه: الشَّبرِق على وزن زِبْرج، تأكله الإبل رطباً فإذا يبس عافته، وهو الضريع، وهم سمٌّ قاتل، وفي الحديث: " الضريع شيء
стр. 3331
في النار، أمرُّ من الصبر، وأنتن من الجيفه، وأشد حَرًّا من النار "، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلّون، ويتضرعون إلى الله تعالى طلباف للخلاص منه. وقال أبو الدرداء والحسن: يقبح اللهُ وجوهَ أهل النار يوم القيامة، تشبيهاً بأعمالهم الخسيسة في الدنيا، وإنَّ الله تعالى يُرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيُغاثون بالضريع، ثم يَستغيثون فيُغاثون بطعام ذي غُصّة، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من غين آنية شديدة الحر، لا هنيئة ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ جلودَ وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، قال تعالى: ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] هـ. والعذاب ألوان، والمعذّبون طبقات؛ فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم آكلة الضريع.. فلا تناقض.
ولمَّا نزلت هذه الآية؛ قال المشركون: إنَّ إبلنا لتسمن من الضريع، فنزلت: ﴿لا يُسمن ولا يُغني من جوع﴾ أي: ليس مِن شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام أهل الدنيا، وأنما هو شيء يضطرون إلى أكله دفعاً لضرورتهم، والعياذ بالله من سخطه.
الإشارة: الغاشية هي الدنيا، غشيت القلوب بظلمات محبتها، ومودتها بحظوظها وشهواتها، وجوه فيها يومئذ خاشعة، بذُلّ طلبها، عاملة بالليل والنهار في تحصيلها، ناصبة في تدبير شؤونها، لا راحة لطالبها أبداً حتى يأخذ الموت بعُنقه، تصلى نار القطيعة والبُعد تُسقى من عين حر التدبير والاختيار، ليس لطُلابها طعام لقلوبهم وأرواحهم إلاّ من ضريع شبهاتها أو حُرماتها، لا يُسمن القلب عن هزال طلبها، بل كلما زاد منها شيئاً، زاد جوعه إليها، ولا يغني الروح من جوع منها.
يقول الحق ﷻ في بيان حال أهل الجنة، بعد بيان حال أهل النار، ولم يعطفهم عليهم، بل أتى بالجملة استئنافية؛ إيذاناً بكمال تباين مضمونيهما، فقال: ﴿وجوه يومئذٍ ناعمةٌ﴾ أي: ذات بهجة وحُسن، كقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) ﴾ [المطففين: ٢٤] ، ﴿لسعيها راضية﴾ أي: لأجل سعيها في الدنيا هي راضية في الآخرة بما
стр. 3332
أعطاها عليه من الثواب الجسيم، أو: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب، ﴿في جنةٍ عالية﴾ علو المكان أو المقدار، ﴿لا تسمع فيها لاغية﴾ أي: لغو، أو كلمة ذات لغو، أو نفسٌ لاغية، فإنَّ كلام أهل الجنة كله أذكار وحِكم، أو: لا تسمع يا مخاطَب، فيمن بناه للفاعل.
﴿فيها عين جاريةٌ﴾ أي: عيون كثيرة تجري مياهها، كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] أي: كل نفس، ﴿فيها سُررٌ مرفوعة﴾ رفيعة السمْك أو المقدار، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوّله رَبُّه من المُلك والنعيم، ﴿وأكواب موضوعة﴾ بين أيديهم ليتلذذوا بالرؤية إليها، أو موضوعة على حافات العيون مُعَدّة للشرب، ﴿ونمارقُ﴾ ؛ وسائد ومرافق ﴿مصفوفة﴾ بعضها إلى جنب بعض، بعضها مسندة، وبعضها مطروحة، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة، وأستند إلى أخرى، ﴿وزرابيّ﴾ أي: بُسُط فاخرة، جمع " زِرْبيَّة "، ﴿مبثوثةٌ﴾ ؛ مبسوطة، أو مُفرّقة في المجالس.
ولمّا أنزل الله هذه الآيات، وقرأها النبي ﷺ فسّرها بأنَّ ارتفاع السرير يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل تحت حساب، لكثرتها، وطول النمارق كذا، وعرض الزاربيِّ كذا، أنكر المشركون ذلك، وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النمارق هذا الطول، وتُبسط الزاربي هذا الانبساط، ولم نشهد ذلك في الدنيا؟ ! ذكَّرهم الله بقوله: ﴿أفلا ينظرون إِلى الإِبل كيف خُلقت﴾ طويلة عالية، ثم تبرك حتى تُركب؛ ويحمل عليها، ثم تقوم، وكذا السرير يطأطىء للمؤمن كما تطأطىء الإبل حتى يركب عليها، أو: أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي نُصب أعينهم، يستعملونها كل حين، كيف خُلقت خلقاً بديعاً معدولاً عن سَنَن سائر الحيوانات، في عظم جثتها وشدّة قوتها، وعجيب هيئاتها اللائقة بتأتي ما يصدر منها من الأفاعيل الشاقة، كالنوْء بالأوقار الثقيلة، وحمل الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي صبرها على الجوع والعطش، حتى إنَّ ضمأها ليبلغ العشْر فصاعداً، واكتفائها باليسير، ورعيها كل ما تيسّر من شوك وشجر، وانقيادها إلى كل صغير وكبير، حتى إن فأرة أخذت بزمام ناقة فجرته إلى غارها، فتبعتها الناقة إلى فم الغار. وفي الإبل خصائص أُخر تدل على كمال قدرته تعالى، كالاسترواح مع الحَدَّاء إذا عيت، إلى ما فيها من المنافع من اللحوم والألبان والأوبار والأشعار، وغير ذلك، والظاهر ما قاله الإمام، وتبعه الطيبي، من أنه احتجاج بشواهد قدرته تعالى على فاتحة السورة من مجيء الغاشية، وأنَّ المخبر بها قادر عليها، فيتوافق العقل والنقل. هـ. قاله المحشي.
﴿
وإِلى السماء كيف رُفعت﴾ رفعاً بعيداً بلا عُمُد ولا مُسَّاك، أو بحيث لا ينالها فَهم ولا إدراك، ﴿وإِلى الجبال﴾ التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها في رعي تلك الإبل وغيرها ﴿كيف نُصبت﴾ نصباً رصيناً، فهي راسخة لا تميل ولا تميد،
стр. 3333
﴿وإِلى الإرض كيف سُطحت﴾ سطحاً بتوطئة وتمهيد وتسوية حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق.
قال الجلال: وفي الآية دليل على أنَّ الأرض سطح لا كرة، كما قال أهل الهيئة، وإن لم ينقض ركناً من أركان الشرع. هـ. وفي ابن عرفة، في قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ ... ﴾ [الزمر: ٥] أنَّ الآية تدل على أنَّ السماء كروية، قال: لأنَّ من لوازم تكويرهما تكوير محلهما لاستحالة تعلقهما دون مكان. هـ. وفي الأبي: الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أنَّ السموات والأرض كرتان. هـ.
الإشارة: وجوه يومئذ ناعمة بلذة الشهود والعيان، لأجل سعيها بالمجاهدة، راضية، حيث وصَّلتها إلى صريح المشاهدة، في جنة عالية، جنان المعارف، لا تسمع فيها لاغية؛ لأنَّ أهلها مقدّسون من اللغو والرفث، كلامهم ذكر، وصمتهم فكر، فيها عين جارية من قلوبهم بالعلوم والحِكم، فيها سُرر المقامات مرفوعة، يرتفعون منها إلى المعرفة، وأكواب موضوعة؛ كِيسَان شراب الخمرة، وهي محافل الذكر والمذاكرة، ونمارق مصفوفة، وسائد الرّوح والريحان حيث سقطت عنهم الكلف، ورموا حِملهم على الحي القيوم، وزرابي مبثوثة؛ بُسط الأنس في محل القدس، أفلا يستعملون الكفرة والنظرة، حتى تقيم أرواحهم في الحضرة، فإنَّ الفكرة سِراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له، وهي سير القلب إلى حضرة الرب، فينظرون إلى الإبل كيف خُلقت، فإنه تجلي غريب، وإلى السماء كيف رُفعت به، وإلى الأرض كيف سُطحت من هيبته، وقال: القشيري: الإبل: النفوس الأمّارة، لقوله ﵇: " النّاسُ كإبلٍ مِائةٍ لا تكادُ تَجِدُ فيها رَاحِلةَ " هـ وإلى الأرواح كيف رُفعت؛ لأنها محل أفكار العارفين، وإلى جبال العقل كيف نُصبت لتمييز الحس من المعنى، والشريعة من الحقيقة، وإلى الأرض البشرية كيف سُطحت، حيث استولت عليها الروحانية، وتصرفت فيها.
يقول الحق ﷻ : ﴿فَذَكِّر﴾ الناس بالأدلة العقلية والنقلية، ﴿إنما أنت مُذكِّّر﴾ ليس عليك إلاَّ التبليغ ﴿لستَ عليهم بمصيطرٍ﴾ ؛ بمسلط، كقوله: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ [قَ: ٤٥] ، وفيه لغات: السين، وهي الأصل، والصاد، والإشمام. ﴿إِلاَّ مَن تولَّى وكَفَرَ فيعذبه اللهُ العذابَ الأكبر﴾ ، الاستثناء منقطع، أي: لست بمُسلط عليهم، تقهرهم على
стр. 3334
الإيمان، لكن مَن تولى وكفر، فإنَّ لله الولاية والقهر، فهو يعذبه العذاب الأكبر، وهو عذاب جهنم، وقيل: متصل من قوله: (فذكر) أي: فذَكِّر إلاَّ مَن انقطع طمعك من إيمانه وتولَّى، فاستحق العذاب الأكبر، وما بينها اعتراض.
﴿إِنَّ إِلينا إِيابهم﴾ ؛ رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف: التشديد في الوعيد، وأنَّ إيابهم ليس إلاَّ للجبّار المقتدر على الانتقام، ﴿ثم إِنَّ علينا حسابهم﴾ فنُحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم جزاء أمثالهم، و " على " لتأكيد الوعيد لا للوجوب، إذ لا يجب على الله شيء. وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم، باعتبار معنى " من "، وإفراده فيما قبله باعتبار لفظها، و " ثم " للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإنَّ الترتيب الزماني إنما هو بين إيابهم وحسابهم لا بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم. انظر أبا السعود.
الإشارة: ما قيل للرسول يُقال لخلفائه من أهل التذكير، ومَن تولَّى منهم يُعذَّب بعذاب الفرق والحجاب وسوء الحساب. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
стр. 3335
سورة الفجر
يقول الحق ﷻ : ﴿والفجر﴾ ، إمّا وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصُبح، لِمَا في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته؛ لكونها مشهودة، ﴿وليالٍ عشر﴾ ؛ عشر ذي الحجة، أو العشر الأُول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونُكِّرت للتفخيم، ﴿والشفع والوتر﴾ أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد؛ لأنَّ منها شفعاً ومنها وتراً، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء؛ إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعاً وهو الزوج، أو وتراً وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان.
ولمَّا أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: ﴿والليلِ إِذا يَسْرِ﴾ إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أُريد به ليلة القدر، وحُذفت الياء في الوصل؛ اكتفاءً بكسرتها، وسُئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنّما يُسرى فيه، فلمّا عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقةً. هـ. ويرد عليه: أنها حُذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة.
﴿هل في ذلك﴾ أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء ﴿قَسَمٌ﴾ أي: مٌقسم به، أو
стр. 3336
إقسام، والمعنى: مَن كان ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يُقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسَم بها، وكونها أموراً جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) ﴾ [الواقعة: ٧٦] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البُعد للإيذان ببُعد مرتبة المشار إليه، وبُعد منزلته في الشرف والفضل، ﴿لذي حِجْرٍ﴾ ؛ لذي عقل؟ سُمِّي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سُمِّي عقلاْ ونُهْيَةً لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل؛ والمعنى: هل يحقُّ عند ذوي العقول أن تُعَظَّم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكّد بمثله المقسَم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مُقنع لذي لُب وعقل؟ والمقسَم عليه محذوف، أي: لتهلكنّ يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدلّ عليه قوله تعالى:
﴿
ألم تَرَ كيف فعل ربُّك بعادٍ﴾ فإنه استشهاد بعلمه ﷺ بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه ﷺ في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علماً يقيناً كيف عذَّب ربُّك عاداً ونظائرهم، فيُعذّب هؤلاء أيضاً لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عادٌ بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح ﵇ قوم هود ﵇، سُمُّوا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: ﴿إِرَمَ﴾ عطف بيان لعاد؛ للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أنَّ إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلةً، كانت أو أرضاً. وقوله تعالى: ﴿ذاتِ العماد﴾ صفة لإِرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طِوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طِوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، رُوي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل اللهُ عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين.
رُوي: أنه كان لعاد ابنان شدّاد وشديد، فمَلَكا وقَهَرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشدّاد، فملك الدنيا، ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينةٌ عظيمةٌ، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولمَّا تمَّ بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلمّا كان منها على مسيرة يوم وليلةٍ، بعث اللهُ عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غمًّا عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه ممّا ثمَّ، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقصَّ عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه
стр. 3337
خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا واللهُ ذلك الرجل. انظر الثعلبي.
﴿التي لم يُخْلَق مثلُها في البلاد﴾ أي: مثل عادٍ في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطُولِ قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يُخلق مثل مدينة " شدّاد " في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أنَّ بعض الأولياء قال: دخلتُ مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: ﴿لم يخلق مثلها في البلاد﴾ أي: بلاد اليمن. هـ.
﴿
وثمودَ الذين جابوا الصَّخْرَ بالوادِ﴾ أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتاً، قيل: أوّل مَن نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينةٍ كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القُرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء.
﴿وفرعونَ ذي الأوتاد﴾ أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يُعذّب الناسَ بها، كما فعل بآسية. ﴿الذين طَغَوا في البلاد﴾ ؛ تجاوزوا الحدّ، والموصول إمّا مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: ﴿فأكثَرُوا فيها الفسادَ﴾ بالكفر القتل والظلم، ﴿فصبَّ عليهم ربُّك﴾ أي: أنزل إنزالاً شديداً على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد ﴿سوطَ عذابٍ﴾ أي: عذاباً شديداً لا يُدرك غايته، وهو عبارة عما حلَّ بكل واحدٍ منهم من فنون العذاب التي بُينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطاً؛ للإشارة إلى أنَّ ذلك بالنسبة إلى ما أعدّ لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عُذِّبوا عذاباً دائماً مؤلماً، والعياذ بالله من أسباب المحن.
الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر، وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتُسْتَأصلَن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد النفس الأمّارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يُخلق مثلُها في البلاد؛ في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطاناً، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يُشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. هـ. فأكثَروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصبَّ عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته.
стр. 3338
يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّ ربك لبالمرصاد﴾ ، قال ابن عباس: بحيث يرى ويسمع فلا يعزب عنه شيء، ولا يفوته أحد، فتجب مراقبته لا الغفلة عنه في الانهماك في حب العاجلة، كما أشار إليه بقوله: ﴿فأمّا الإنسان..﴾ الخ، فإنه بضد المراد مما تقتضيه حال المراقبة لمَن بالمرصاد. هـ. وأصل المرصاد: المكان الذي يترقّب فيه الرَّصَد، أي: الانتظار، مفعال، من: رصَده، كالميقات من وقته، وهذا تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة، وأنهم لا يفوتونه، قال الطيبي: لمّا بيّن تعالى ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون، حيث صَبَّ عليهم سوط العذاب، أتبعه قوله: ﴿إِنَّ ربك لبالمرصاد﴾ تخلُّصاً، أي: فعل بأولئك ما فعل، وهو يرصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد الرسل، مما جاء به من الأمر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور، والنهي عن سفسافها، ورذائلها، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب، ويُعذبهم في الآخرة عذاباً فوق كل عذاب، كما قال: ﴿لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] .
ثم فصل أحوال الناس بعد أن أعلم أنه مطلع عليهم، فقال: ﴿فأمّا الإِنسانُ﴾ ، فهو متصل بما قبله، كأنه قيل: إنه تعالى بصدد مراقبته أحوال عباده ومجازاتهم بأعمالهم خيراً أو شرًّا ﴿فأمّا الإنسان﴾ الغافل فلا يهمه ذلك، وإنما مطمح نظره ومرصد أفكاره الدنيا ولذائذها، ﴿إِذا ما ابتلاه ربُّه﴾ أي: عامله معاملة مَن يبتليه ويختبره ﴿فأكْرَمَه ونَعَّمه﴾ ، الفاء تفسيرية، فالإكرام والتنعُّم هو عين الابتلاء، ﴿فيقول ربي أكرمنِ﴾ أي: فضّلني بما أعطاني من الجاه والمال حسبما كنت أستحقه، ولا يخطر بباله أنه أعطاه ذلك ليبلوه أيشكر أم يكفر، وهو خبر المتبدأ الذي هو " الإنسان "، والفاء لما في " أمَّا " من معنى الشرط، والظرف المتوسط على نية التأخُّر، كأنه قيل: فأمّا الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام، وإنما قدّمه للإيذان من أول مرة بأنّ الإكرام والتنعُّم بطريق الابتلاء. ونقل الرضي أن " إذا " هنا جزائية، فقال: وقد تقع كلمة الشرط مع الشرط في جملة أجزاء الجزاء، ثم استشهد بالآية، وقال: والتقدير: فمهما يكن من شيء فإذا ابتلاه يقول. هـ. وقال المرادي: إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول، كتقييده بحال واقعة موقعه، ثم استشهد بما حاصله في الآية: فأمّا الإنسان حال كونه مبتلى فيقول ... الخ، فالشرط الثاني في معنى الحال، والحال لا تحتاج إلى جواب. هـ. مختصراً انظر الحاشية الفاسية.
стр. 3339
﴿وأما إِذا ما ابتلاه فَقَدَرَ عليه رزقَه﴾ أي: ضَيّق عليه رزقُه، وجعله بمقدار بلغته، حسبما تقتضيه ميشئته المبينة على الحِكَم البالغة، ﴿فيقول ربي أهاننِ﴾ ، ولا يخطر بباله أنَّ ذلك لِيبلوه أيصبر أم يجزع، مع أنه ليس من الإهانة في شيءٍ بل التقتير قد يُؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى خسرانهما، فالواجب لمَن علم أنَّ ربه بالمرصاد منه أن يسعى للعاقبة، ولا تَهمّه العاجلة، وهو قد عكسن فإذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر قال ربي أكرمني، وفضّلني بما أعطاني، فيرى الإكرام في كثرة الحظّ من الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر، فَقَدَر عليه رزقه ليصبر، قال: ربّي أهانني، فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا؛ لأنه لا يهمه إلاَّ العاجلة، وهو ما يلذّه وينعِّمه فيها، وإنما أنكر قوله: ﴿ربي أكرمن﴾ مع أنه أثبته بقوله: ﴿فأكرمه ونعَّمه﴾ ، لأنه قاله على قصد خلاف ما صحّحه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه إكراماً له لاستحقاقه، كقوله: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىا عِلْمٍ عِندِيا﴾ [القصص: ٧٨] وإنما أعطاه الله ابتلاءً من غير استحقاق منه، فردّ تعالى عليه زعمه بقوله: ﴿كلاَّ﴾ أي: ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلّته، بل الإكرام في التوفيق للطاعة، والإهانة في الخذلان فـ " كلا " ردع للإنسان عن مقالته، وتكذيب له في الحالتين، قال ابن عباس: المعنى: لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتله بالفقر لهوانه عليّ، بل ذلك بمحض القضاء والقدر.
وقوله تعالى: ﴿بل لا تُكرِمون اليتيمَ﴾ انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله، والالفتات إلى الخطاب؛ للإيذان بمشافهته بالعتاب، تشديداً للتقريع، وتأكيداً للتشنيع، والجمع باعتبار معنى الإنسان، إذ المراد به الجنس، أي: بل لكم أحوال أشد شرًّا مما ذكر، وأدل على تهالككم على المال، حيث يُكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم بالمبّرة به.
﴿ولا تَحاضُّون على طعام المسكين﴾ أي: يحض بعضُكم بعضاً على إطعام المساكين، ﴿وتأكلون التراثَ﴾ أي: الميراث، وأصله الوُراث، فقلبت الواو تاء، ﴿أكلاً لمّا﴾ أي: ذا لَمّ، وهو الجمع بين الحلال والحرام، فإنهم كانوا لا يُورِثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم، ويأكلون كل ما تركه المُورّث من حلال وحرام، عالمين بذلك، ﴿وتُحبون المالَ حباً جماً﴾ أي: كثيراً شديداً، مع الحرص ومنع الحقوق، ﴿كَلاًّ﴾ ردعٌ عن ذلك، وإنكارٌ عليهم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إنَّ ربك لبالمرصاد، المطلع على أسرار العباد، العالم بمَن أقبل عليه أو أدبر عنه، ثم يختبرهم بالجمال والجلال، فأمّا الإنسان إذا ما ابتلاه ربُّه فأكْرَمه ونَعَّمَه في الظاهر، فيقول ربي أكرمني، ويبطر ويتكبّر، وأمّا إذا ما ابتلاه فقَدَر عليه رزقه فيقول ربي أهانني، ويقنط ويتسخّط، كَلاَّ لِينزجرا عن اعتقادهما وفعلهما، وليعلما أنه اختبار من الحق، فمَن شكر النِعم، وأطعم الفير والمسكين، وأبرّ اليتيم والأيم، كان من الأبرار،
стр. 3340
وإن عكس القضية كان من الفُجّار، ومَن صبر على الفقر، ورضي بالقسمة، وفرح بالفاقة، فهو من الأولياء، ومَن عكس القضية كان من البُعداء، فَمن نظر الإنسان القصير ظنُ النقمة نعمة، والنعمة نقمة، فبسطُ الدنيا على العبد قبل معرفته بربه هوانٌ، وقبضها عنه أحسان، وفي الحكم: " ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك ". ثم زجر الحقُّ تعالى عن التمتُّع الشهواني البهيمي، وعن محبة المال الفاني، وهو من فعل أهل الانهماك في الغفلة.
يقول الحق ﷻ : ﴿كلا إِذا دُكَّتِ الأرْضُ﴾ أي: زُلزلت ﴿دَكاً دَكاً﴾ أي: دكاً بعد دكّ، أي: كرّر عليها الدكّ حتى صارت هباءً منبثاً، أو قاعاً صفصفاً، ﴿وجاء ربُّك﴾ أي: تجلّى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، ﴿والمَلكُ صفاً صفاً﴾ أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفاً بعد صف محدقين بالإنس والجن، ﴿وجيء يومئذٍ بجهنمَ﴾ ، قيل: بُرِّزت لأهلها، كقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) ﴾ [الشعراء: ٩١] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث: " يؤتى بجهنم يومئذٍ، لها سبعونَ ألفَ زمامٍ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يَجرُّونها، حتى تنصب عن يسار العرش، لها لغيط وزفير " رواه مسلم.
﴿يومئذ يتذكّرُ الإِنسانُ﴾ أي: يتّعظ، وهو بدل من (إذا دُكت) والعامل فيه: (يتذكّر) أي: إذا دُكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرّط فيه بمشاهدة جزائه، ﴿وأنَّى له الذِّكْرَى﴾ أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، ﴿يقول يا ليتني قدمتُ لحياتي﴾ هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدّمتُ الأعمالَ الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية.
﴿فيومئذٍ لا يُعَذِّبُ عذابَه أحدٌ﴾ أي: لا يتولّى عذاب الله أحد؛ لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، ﴿ولا يُوثِقُ وثاقه أحدٌ﴾ ، قال صاحب الكشف: لا يُعدِّب بالسلاسل والأغلال أحدٌ كعذاب الله، ولا يوثِق أحدٌ أحداً كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله ﷺ ، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أُبيّ بن خلف،
стр. 3341
أي: لا يُعذِّب أحدٌ مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه؛ لتناهيه في كفره وعناده.
ثم يقول الله تعالى للمؤمن: ﴿يا أيتها النفسُ﴾ يخاطبه تعالى إكراماً له بلا واسطة، أو على لسان ملك، ﴿المطمئنةِ﴾ بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بَلَج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة مَن قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: ﴿ارجعي إِلى ربك﴾ إلى وعده، أو: إلى إكرامه، ﴿راضيةً﴾ بما أُوتيت من النعيم ﴿مرضيةً﴾ عند الله ، ﴿فادخلي في عبادي﴾ أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، ﴿وادخلي جنتي﴾ معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصّي، كما قال: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] . وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: " في جسد عبادي " ولمّا مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم يُرَ على خلقته، فدخل في نعشه، فلما دُفن تُليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يُدْرَ مَن تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وقيل: في خُبيْب بن عدي، الذي صلبه أهلُ مكة، والمختار: أنها عامة في المؤمنين؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الإشارة: إذا دُكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكاً بعد دكٍّ، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلّى للعيان، والملَك صفا صفا، أي: وجاءت الملائكة صفوفاً، وجيء يومئذٍ بجهنم، أي: بنار البُعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكّر الإنسانُ ما فاته من المجاهدة وصُحبة أهل الجمع، وأنَّى له الذكرى مع إقامته في الفَرْق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمتُ لحياتي؛ رُوحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذٍ يتولى الحق تصرُّفه في عباده بقدرته، فيُعَذِّب أهل الحجاب بسلاسل العلائق
والشواغل، ويُقيدهم بقيود البين، ثم يُنادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك؛ إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أنَّ صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأنَّ مَن كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمَن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت مِن نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القِدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. هـ. والنفوس ثلاثة: أمّارة، ولوّامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللاّمة. والله تعالى أعلم، صلّى الله على سيدنا محمد وآله.
стр. 3342
سورة البلد
يقول الحق ﷻ : ﴿لا أُقسم بهذا البلد﴾ ؛ أَقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أنّ الإنسان خُلق مغموراً بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاقّ. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: ﴿وأنت حِلّ بهذا البلد﴾ ، أي: وأنت حالّ ساكن به، فهو حقيق بأن يُقسم به لحلولك به، أو: وأنت حِل، أي: تُستحل حرمتُكَ، ويُؤذيك الكفرةُ مع أنَّ مكة لا يَحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر، وعلى هذا قيل: " لا أٌقسم " نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت مِن قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر؛ لقوله ﷺ : " إنَّ هذا البلد حرام، حرّمه اللهُ يومَ خَلَقَ السموات والأرض، لم يَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أُحل لي ساعة من نهارٍ "، يعني: فتح مكة، وفيه أَمَرَ ﷺ بقتل ابن خَطَل، وهو متعلّق بأستار الكعبة.
فإن قلتَ: السورة مكية، وفتح مكة كان سنَة ثمان من الهجرة؟ قلتُ: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلاّ بعد الهجرة، كقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيا إِسْرَائِيلَ عَلَىا مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] وغير ذلك.
стр. 3343
﴿ووالدٍ وما وَلَد﴾ أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا ﷺ ، ويؤيده أنه حَرَمُ إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد ﷺ ، أو محمد ﷺ وولده، أو جنس كل والد ومولود. ﴿لقد خلقنا الإِنسانَ﴾ أي: جنسه ﴿في كبدٍ﴾ ؛ في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يُقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يُكابد مشاق التعلُّم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره، ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلاّ بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأمّا خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال؛ لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أَسقطوا حِمْلَهم قام الله بأمرهم، لقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ، يقال: كَبِدَ الرجل كَبَداً: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب.
﴿
أَيَحْسَبُ أن لَّن يَقْدِر عليه أَحدٌ﴾ أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحدٌ، فعلى هذا نزلت في مُعَيّن، قيل: هو أبو الأشدّين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترًّا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: مَن أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعاً، ولا تزال قدماه، وقيل: عَمْرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله عليّ بن أبي طالب ﵁. ﴿يقولُ أهلكتُ مالاً لُّبَداً﴾ أي: كثيراً، جمع لُبْدَة وهو ما تلبّد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياءً وفخراً. ﴿أيَحْسَبُ أن لمْ يَرَه أحدٌ﴾ ؟ حين كان ينفق ما ينفق رياءً وسُمعةً، وأنه تعالى لا يُحاسبه ولا يجازيه، يعني: أنَّ الله كان يراه وكان عليه رقيباً فيُجازيه عليه.
ثم ذكر نِعمه عليه، فقال: ﴿ألم نجعل له عينين﴾ يُبصر بهما المرئيات، ﴿ولساناً﴾ يُعَبِّرُ به عما في ضميره، ﴿وشفتين﴾ يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النُطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، ﴿وهديناه النجدين﴾ أي: طريقي الخير والشر المُفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ... ﴾ [الإنسان: ٣] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد، بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سُميت نجد، لارتفاعها عما انخفض من الحجاز.
الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولّد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسانَ في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلاّ مَن رجع إلى أصله، أعني: روحانيًّا قدسيًّا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائماً بطبعه، واقفاً بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحةٍ. هـ.
стр. 3344
والحاصل: أنَّ الإنسان كله في تعب إلاَّ مَن عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أَيَحْسَب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحدٌ، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حَمل حمله إن أسقطه توكلاً علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما مَن حَمل السمواتِ والأرض، أليس ذلك بقادرٍ على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيرُه لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لساناً يشكر به نِعَمَ مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين؛ الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا.
أَيَحْسَبُ أن لَّن يَقْدِر عليه أَحدٌ﴾ أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحدٌ، فعلى هذا نزلت في مُعَيّن، قيل: هو أبو الأشدّين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترًّا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: مَن أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعاً، ولا تزال قدماه، وقيل: عَمْرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله عليّ بن أبي طالب ﵁. ﴿يقولُ أهلكتُ مالاً لُّبَداً﴾ أي: كثيراً، جمع لُبْدَة وهو ما تلبّد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياءً وفخراً. ﴿أيَحْسَبُ أن لمْ يَرَه أحدٌ﴾ ؟ حين كان ينفق ما ينفق رياءً وسُمعةً، وأنه تعالى لا يُحاسبه ولا يجازيه، يعني: أنَّ الله كان يراه وكان عليه رقيباً فيُجازيه عليه.
ثم ذكر نِعمه عليه، فقال: ﴿ألم نجعل له عينين﴾ يُبصر بهما المرئيات، ﴿ولساناً﴾ يُعَبِّرُ به عما في ضميره، ﴿وشفتين﴾ يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النُطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، ﴿وهديناه النجدين﴾ أي: طريقي الخير والشر المُفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ... ﴾ [الإنسان: ٣] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد، بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سُميت نجد، لارتفاعها عما انخفض من الحجاز.
الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولّد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسانَ في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلاّ مَن رجع إلى أصله، أعني: روحانيًّا قدسيًّا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائماً بطبعه، واقفاً بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحةٍ. هـ.
стр. 3345
والحاصل: أنَّ الإنسان كله في تعب إلاَّ مَن عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أَيَحْسَب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحدٌ، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حَمل حمله إن أسقطه توكلاً علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما مَن حَمل السمواتِ والأرض، أليس ذلك بقادرٍ على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيرُه لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لساناً يشكر به نِعَمَ مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين؛ الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا.
يقول الحق ﷻ : ﴿فلا اقتحم العقبةَ﴾ ، الاقتحام: الدخول بشدة ومشقة، والعقبة: كل ما يشق على النفس من الأعمال الصالحات، و " لا " هنا إمّا تحضيضية، أي: هلاَّ اقتح العقبة، وإمّا نافية، أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنِعم، من البصر وما بعده، بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وما سيذكره، فإن قلت: " لا " النافية إذا دخلت على الماضي ولم تكن دعائية وجب تكرارها؟ فأجاب الزمخشري: بأنها مكررة في المعنى، أي: فلا اقتحم ولا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً..الخ.
ثم عظَّم تلك العقبة بقوله: ﴿وما أدراك ما العقبةُ﴾ أي: أي شيءٍ أعلمك ما هي العقبة التي أُمر الإنسان باقتحامها، أو نفي عنه اقتحامها؟ ثم فسّرها بقوله: ﴿فَكُ رقبةٍ﴾ أي: هي إعتاق رقبة، أو إعانة في أداء كتابتها. قال ابن جُزي: وفك الأسارى من الكفار أعظم أجراً من العتق؛ لأنه واجب ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزي في الكفارات. هـ.
﴿أو إِطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغَبةٍ﴾ أي: مجاعة ﴿يتيماً ذا مقربةٍ﴾ أي: قرابة، ﴿أو مِسكيناً ذَا متربةٍ﴾ ؛ ذا فقر، يقال: ترِب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ومَن قرأ " فكَ " و " أطعمَ " بصيغة الماضي فبدل من " اقتحم "، ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ اي: دام على إيمانه، أو: ثُم كان حين فعل ما تقدّم من المؤمنين فيحنئذ ينفعه ذلك، وإنما جاء بـ " ثم " لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره، إذ لا يقبل عمل صالح إلاّ به، ﴿وتَوَاصَوا بالصبرِ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات، أو: المحن التي يُبتلى بهما المؤمن، ﴿وتَوَاصَوا بالمرحمةِ﴾ ؛ بالتراحم
стр. 3346
فيما بينهم. ﴿أولئك أصحابُ الميمنةِ﴾ أي: الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين واليمْن، ﴿والذين كفروا بآياتنا﴾ ؛ بما نصبناه دليلاً على الحق من كتاب وحجة، أو بالقرآن ﴿هم أصحابُ المشئمةِ﴾ أي: الشمال أو الشؤم، ﴿عليهم نار موصدة﴾ ؛ مُطْبَقة، من أوصدت الباب وآصدته: إذا أغلقته.
الإشارة: هلاَّ اقتحم مريد الوصول العقبةَ، وهي سلوك الطريق، بخرق عوائد النفس وترك هواها، وجَرِّها إلى مكروهها، وعن الحسن ﵁: عقبة ـ والله ـ شديدة، يُجاهد الإنسانُ نفسَه وهواه، وعدوه الشيطان. هـ. ثم فسَّرها بفك الرقبة، أي: رقبة نفسه يفكها من أن يملكه السِّوى، أو: يفكها من الذنوب والعيوب، أو فكها من رِقّ الطمع في الخلق، فإنه بذر شجرة الذل، أو: فكها من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكوِّن، أو: فك رقبة الغافل الجاهل من رِقّ نفسه بتذكيره ووعظه أو تربيته، أو إطعام روح جائعة من اليقين، إمّا يتيماً لا أب له روحاني، أي لا شيخ له، فتذكِّره بما يتقوّى به إيقانه، أو فقيراً من أسرار التوحيد ترابيًّا أرضيًّا، فترقّيه إلى سماء الأسرار، ثم كان ممن آمن بطريق الخصوص، وتواصَى بالصبر على مشاق السير، والتراحم والتوادد والتواصل، كما هو شأن أهل النسبة، فهؤلاء هم أهل اليُمْن والبركة، وضدهم ممن جحدوا أهل الخصوصية هم أهل الشؤم. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
стр. 3347
سورة الشمس
يقول الحق ﷻ : ﴿والشمسِ وضُحاها﴾ أي: وَضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، ﴿والقمرِ إِذا تلاها﴾ ؛ تبعها في الضياء والنور، وذلك في النصف الأول من الشهر، يخلف القمرُ الشمسَ في النور، ﴿والنهارِ إِذا جلاَّها﴾ أي: جلّى الشمسَ وأظهرها للرائين، وذلك عند افتتاح النهار وانبساطه؛ لأنَّ الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء، وقيل: الضمير للظلمة، أو الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَىا ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] ، ﴿والليلِ إِذا يغشاها﴾ أي: يستر الشمس ويُظْلِمُ الأفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض، وعند الخليل: الثانية للعطف؛ لأنَّ إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنك لو جعلت مرضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف، وكذا الواو، ومَن قال: إنها للقسَمَ احتجّ بأنها لو كانت للعطف لكان عطفاً على عاملين، لأنَّ قوله: ﴿وَالْلَّيْلِ﴾ [الليل: ١]ـ مثلاً ـ مجرور بواو القسم، ﴿إِذا يغشى﴾ منصوب بالفعل المقدّر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىا﴾ [الليل: ٢] للعطف لكان النهار معطوفاً على الليل جرًّا، و ﴿إذا تجلى﴾ معطوفاً على " يغشى " نصباً، وكان كقولك: إنَّ في الدار زيداً، والحُجرة عَمْراً، وأجيب بأنّ واو القسم تنزّلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرًّا ونصباً، وصارت كعاملٍ واحد له معمولان، وكلُّ عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحدٍ بالاتفاق، نحو: ضرب زيدٌ
стр. 3348
عمراً وأبو بكر خالداً، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل.
﴿والسماءِ وما بناها﴾ أي: ومَن بناها، وإيثار " ما " على " مَنْ " لإرادة الوصفيّة تفخيماً، كأنه قيل: والقادر العظيم الذي بناها، وجعلُها مصدرية مخلّ بالنظم الكريم، وكذا في قوله: ﴿والأرضِ وما طحاها﴾ أي: بسطها من كل جانب، كـ " دحاها ".
﴿
ونفسٍ وما سوَّاها﴾ أي: والحكيم الباهر الحكمة الذي سوّاها وأتقن صورتها، مستعدة لكمالاتها، والتنكير للتفخيم، على أنَّ المراد نفس آدم ﵇ أو للتكثير، وهو الأنسب للجواب، أي: ومَن سوّى كلَّ نفس، ﴿فألْهَمَها فجورَها وتقواها﴾ أي: ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة، أو عَرَّفها طرق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى " أو " كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣] أي: ألهم مَن أراد شقاوتها فجورها فسعت إليه، وألهم مَن أراد سعادتها تقواها، فسعت إليه. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاها﴾ أي: فاز بكل مطلوب، ونجا مِن كل مكروه مَن طَهَّرَها وأصلحها وجعلها زكيةً بالإيمان والطاعة، ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دسَّاها﴾ ؛ أغواها، قال عكرمة: " أفلحت نفس زكّاها اللهُ، وخابت نفس أغواها الله " ويجوز أن تكون التدسية والتطهير فعل العبد. والتدسية: النفس والإخفاء، أي: خسر مَن نقصها وأخفاها بالفجور، وأصل دسّى: دسّس، كتقضى وتقضض، فأبدل من الحرف الثالث ياء، قال في الكافية:
وثَالِثَ الأمثال أبدلنه ياء
نحو تظنا خالد تظنينا
وجواب القسم محذوف، والتقدير: ليهلكنّ الله مَن كفر من قريش ويُدمدم عليهم كما دمدم على ثمود، وقيل: " قد أفلح " وليس بشيء، وقيل: " كذبت ثمود " على إضمار " قد " والأول أحسن، والله تعالى أعلم.
الإشارة: والشمس شمس العرفان، وابتداء ضُحاها في أول الفناء، والقمر قمر الإيمان، إذا تلاها بالرجوع للأثر بالتنزُّل لعالم الحكمة كمالاً وتكميلاً، والنهار نهار التمكين إذا جلاّها، أي: ظلمة حس الكائنات، وقلعها مِن أصلها بشهود المكوِّن، والليل؛ ليل القطيعة، إذا يغشاها بقهرية الحق اختباراً، هل يضطرب ويفزع فيُردّ عليه، أو يتسلّى فيُسلب، أو نهار البسط إذا جلاّها، أي: ظلمة القبض، وليل القبض إذا يغشاها، أي: شمس نهار البسط، أقسم تعالى بتعاقبهما والسماء سماء الأرواح، وما بناها؛ رفعها، والأرض أرض الأشباح، وما طحاها، أي: بسطها للعبودية، ونفسٍ وما سوّاها؛ ألقى صورتها وهيّأها للقُرب والبُعد، فألهمها فجورها وتقواها بما أعطاها من نور العقل، قال الورتجبي: سوّاها بتسوية الصِفة، ورقمها بنور الآزلية، ثم بيَّن أنه تعالى عرّفها طرق لطيفات الذات، وقهرية الصفات بنفسه بلا واسطة بقوله: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ عرّفها أولاَ طريق القهر حتى عرفت المهلكات، ثم عرَّفها طريق اللطف حتى عرفت
стр. 3349
معالجتها من المنجيات، والمقصود منها: عرفانها عند الحق بطريق القهر واللطف، حتى تكمل معرفةُ صانعها. هـ.
قال القشيري: فألهمها فجورها وتقواها: بأن خَذَلَها ووَفَّقَها، ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها لحُكْم التقدير. ثم قال: ويُقال: أفلح مَن طهَّرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأَعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب مَن خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسَّها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله: أنَّ دسّاها بمنزلة مَن دسّ شيئاً في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سدّ وغلّق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. هـ.
يقول الحق ﷻ : ﴿كذبتْ ثمودُ﴾ صالحاً ﴿بطغواها﴾ أي: بسبب طغيانها، إذ الحامل لهم على التكذيب هو طغيانهم، وفيه وعظ لأمثالهم، وتهديد للحاضرين الطاغين؛ لأنَّ الطغيان أجرم الجرائم الموجبة للهلاك والخيبةِ في الدنيا والآخرة. ﴿إِذ انبعث أشقاها﴾ ، منصوب بـ " كذبتْ "، أي: حين قام أشقى ثمود، وهو: قُدّار بن سالف، أو: هو ومَن تصدّى معه للعقر من الأشقياء، فإنَّ أفعل التفضيل إذا أضيف يصلح للواحد والمتعدد، والمذكر والمؤنث. وفضل شقاوتهم على مَن عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به.
﴿فقال لهم﴾ أي: لثمود ﴿رسولُ الله﴾ صالح ﵇، عبَّر عنه بعنوان الرسالة إيذاناً بوجوب طاعته، وبياناً لغاية عتوهم، وهو السر في إضافة الناقة إليه تعالى في تقوله: ﴿ناقةَ الله﴾ أي: احذروا عقرها، أو احفظوها، ﴿و﴾ الزموا ﴿سُقياها﴾ فلا تُدَوروها في نوبتها، وهما منصوبان على التحذير. ﴿فكذّبوه﴾ فيما حذّرهم به من نزول العذاب بقوله: ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُواءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] ، ﴿فعقروها﴾ ، أسند الفعل إليهم، وإن كان العاقر واحداً، لقوله: ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىا فَعَقَرَ (٢٩) ﴾ [القمر: ٢٩] لرضاهم به. قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم. وذكرانهم وإناثهم ". ﴿فَدَمْدَمَ عليهم ربُّهم﴾ ؛ فأطبق عليهم العذاب حتى استأصلهم. قال الهروي: إذا كررت الإطباق قلت: دمدمت عليه، أي: أدمت عليه الدمدمة، وقيل: فدمدم عليهم: عَضِبَ عليهم، ﴿بذنبهم﴾ ؛ بسبب ذنبهم، وصّرح به مع دلالة الفاء عليه للإيذان بأنه عاقبة كل ذنب ليعتبر
стр. 3350
به كل مذنب. ﴿فسوَّاها﴾ أي: الدمدمةّ بينهم، لم يفلت منهم أحد من صغيرهم وكبيرهم، أو فسوّى ثمود بالأرض بتسوية بنائها وهدمه، ﴿وَلآ يَخَافُ عُقْبَآهَا (١٥) ﴾ [الشمس: ١٥] أي: عاقبتها وتَبِعَتها، كما يخاف سائر المعاقِبين أي: فعل ذلك غير خائف أن يلحقه تبعة مِن أحد، كما يخاف مَن يعاقب مِن الملوك وغيرهم، لأنه تصرف في ملكه، ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . ومَن قرأ بالواو فهو للحال، أو الاستئناف.
الإشارة: قال القشيري: كذبت ثمودُ النفس بسبب طغيانها على القلب بالشهوات الحيوانية، واللذات الجسمانية، إذ انبعث أشقاها، هو الهوى المتبع، الساعي في قتل ناقة الروح، فقال لهم رسول الله؛ القلب الصالح: ناقةَ الله، أي: اتركوا ناقةَ الله ترعى في المراتع الروحانية، من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات، فكذّبوه؛ فكذبت ثمود النفس وجنودُها رسولَ القلب، فعقروها، أي: الروح بالظلمة النفسانية والشهوة الحيوانية، فَدَمْدَم عليهم ربُّهم؛ على ثمود النفس وقومها عذاب البُعد والطرد، بذنبهم، فسوّاها، أي: فسوّى الدمدمة، وهي الإطباق على النفس وجنودها، فلا يخاف عقباها لغناه عن العالمين. هـ. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 3351
سورة الليل
يقول الحق ﷻ : ﴿والليلِ إِذا يغشى﴾ أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) ﴾ [الشمس: ٤] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. ﴿والنهارِ إِذا تَجَلَّى﴾ أي: ظهر وأسفر ووضح، ﴿وماخَلَقَ الذكَرَ والأُنثى﴾ أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد مِن ماءٍ واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و " ما " بمعنى " من " أو مصدرية. وقُرىء " والذكر والأنثى " وقرىء " الذي خلق الذكر والأنثى ". جواب القسم: ﴿إِنَّ سعيَكم﴾ أي: عملكم ﴿لشتَّى﴾ ؛ لمختلف، جمع شتيت، أي: إنّ مساعيكم لأشتات مختلفة.
ثم فصّله فقال: ﴿فأّمَّا مَن أعطى﴾ حقوق ماله ﴿واتقى﴾ محارمَ الله التي نهى عنها، ﴿وصدَّق بالحسنى﴾ ؛ بالخصلة الحُسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد، أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أنَّ ما وعده اللهُ به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك، ﴿فسَنُيَسِّره لليُسرى﴾ ؛ فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليُسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحَتْم تيسيره كان في علم الله أزلاً. هـ. يقال: يسَّرَ الفرس، إذا أسرجها وألجمها.
﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ بماله، فلم يبذله في سبيل الخير، ﴿واستغنَى﴾ أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغنٍ عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة،
стр. 3352
﴿وكَذَّب بالحُسنى﴾ أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها، ﴿فسَنُيَسِّره للعُسرى﴾ أي: للخصلة المؤدّية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام ـ أي الفخر ـ: كل ما أدّت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات، وكل ما أدّت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العُسرى، وهو وصف كل المعاصي. هـ. ﴿وما يُغني عنه مالُه﴾ الذي بَخِلَ به، أي: لا ينفعه شيئاً ﴿إِذا تَرَدَّى﴾ ؛ هَلَكَ، تفعّل، من الردى، أو تردَّى في حفرة القبر، أو في قعر جهنّم، والعياذ بالله.
الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوبَ المحجوبة، ونهار التجلِّي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولُطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إنَّ سعي الناس لشتى، فأمّا مَن أعطى مالَه ونفسَه، واتقى كلَّ ما يشغله عن المولى، فَسنُيَسِّره لسلوك الطريق اليُسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهّل له طريقَ الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نُسَهِّلُ عليه الطاعات، ونُكَرِّه إليه المخالفات، ونهيىء له القُربَ، ونُحَبِّبُ له الإيمان، ونُزَيِّن في قلبه الإحسان. هـ. وأمَّا مَن بَخِلَ بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان، وقنع بمقام الإيمان، فسَنُيسره للعُسرى، وهي طريق البُعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يُغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البُعد والردى.
يقول الحق ﷻ : ﴿إِنَّ علينا لَلْهُدى﴾ ؛ إنَّ علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المَبْنيِّ على الحِكَم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نُبيّن لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بَيَّنَّا حال مَن سلك كلا الطريقين، ترغيباً وترهيباً، فتبيّن أنَّ الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البُغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتماً. قاله أبو السعود.
﴿وإِنَّ لنا للآخرة والأُولى﴾ أي: التصرُّف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنُعطي الدنيا لمَن نشاء، والآخرة لمَن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمَن طلبهما مِن غيرنا فقد أخطأ، أو: إنَّ لنا كُلَّ ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهُدانا.
стр. 3353
﴿فَأّنْذَرتكم﴾ ؛ خوَّفتكم ﴿ناراً تلضى﴾ ؛ تتلهب، ﴿لا يَصْلاها إِلاّ الأشقى﴾ ؛ لا يدخلها للخلود فيها إلاّ مَن سبق له الشقاء، ﴿الذي كذَّب وتَوَلَّى﴾ أي: الكافر الذي كذّب الرسولَ ﷺ ، وتَوَلى عن الإيمان، ﴿وسَيُجنبها﴾ ؛ وسيبعِّدها ﴿الأتقى﴾ ؛ المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلاً عن دخولها، وأمّا مَن دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البُعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا يُنافي الحصر المذكور. ﴿الذي يُؤتى مالَه﴾ للفقراء ﴿يتزكَّى﴾ أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، لا يُريد به رياءً ولا سمعةً، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعّل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير " يؤتى ". ﴿وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجزى﴾ أي: ليس لأحدٍ عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، ﴿إِلاَّ ابتغاءَ وجه ربه﴾ : استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه ﴿الأعلى﴾ أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه.
والآية نزلت في أبي بكر الصدّيق ﵁ حين اشترى بلالاً في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس ﵁: عذَّب المشركون بلالاً، وبلالٌ يقول: أَحَدٌ أَحَدٌ، فمرّ به النبيُّ ﷺ فقال: " ينجيك أحد أحد " ثم أخبر النبيُّ ﷺ أبا بكر، وقال له: " إنَّ بلالاً يُعذَّب في الله " فعرف مراده، فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبدٍ كان عنده اسمه " نسطاس " وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركاً، فقال له الصدِّيق: أسْلِم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالاً، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليدٍ كانت له عنده، فنزلت. رُوي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يُعَذَّب على الإسلام، قال عروة: أَعتق أبو بكر سبعة، كلهم يُعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزِنِّيرة، وبيرة، وأم عُبيس، وأمة بني المؤمِّل. قال: وأسْلَم وله أربعون ألفاً، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع مَن يمنع ظهرك، فقال: مَنْعَ ظهري أريد، فنزلت فيه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (١٧) ﴾ [الليل: ١٧] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسمّاه الرسولُ ﷺ عبد الله.
وقوله تعالى: ﴿ولسوف يرضى﴾ جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نُجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه، وهو كقوله لنبيه ﷺ : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىا (٥) ﴾ [الضحى: ٥] .
الإشارة: إنّ علينا لبيان الطريق لِمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتاباً ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولاً يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان،
стр. 3354
يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإنَّ لنا للآخرةَ لِمن طلبها، والأوُلى لِمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتِنا لمَن طلبها، فأنذرتكم ناراً تلظى، وهي نار البُعد لا يصلاها إلا الأشقى، الذي سبق له البُعد منا. ﴿الذي كذَّب وتولَّى﴾ ، قال القشيري: أي كذَّب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعْرَض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيُجنبها الأتقى، أي: يُجنب طريق البُعد ونار الحجاب مَن اتقى السِّوى، الذي يؤتى ماله تقرُّباً إلى الله ليتزكّى من العيوب والأنانية، ﴿وما لأحدٍ عنده من نعمة تُجزى﴾ أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف ﴿إلاّ ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ أي: إلاّ طلب معرفة ذاته العلية، ﴿ولَسَوف يَرضى﴾ بدوام شهود الذات الأقدس. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 3355
سورة الضحى
يقول الحق ﷻ : ﴿والضُحى﴾ ، المراد به: وقت الضحى، وهو حدود النهار حتى ترتفع الشمس، وإنما خُصّ بالإقسام به لأنه الساعة التي كلّم الله فيها موسى ﵇، والتي وقع فيها السحرة ساجدين، أو: النهار كلّه؛ لمقابلته بالليل في قوله: ﴿والليلِ إِذا سجى﴾ ؛ سَكَن، المراد: سكون الناس والأصوات فيه، أو ركد ظلامه، من: سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وقيل: المراد بالضحى: ساعة مناجاة موسى، وبالليل: ليلة المعراج.
وجواب القسم: ﴿ما ودّعَكَ ربُّك﴾ أي: ما تركك منذ اختارك، ﴿وما قَلَى﴾ أي: وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع: مبالغةٌ في الودْع، وهو الترك؛ لأنَّ مَن ودّعك مفارقاً فقد بالغ في تركك. رُوي أنَّ الوحي تأخّر عن رسول الله ﷺ أياماً، فقال المشركون: إنَّ محمداً ودَعَهُ ربُّه وقلاه، فنزلت ردًّا عليهم، وتبشيراً له ﷺ بالكرامة الحاصلة. وحذف الضمير من " قَلَى " إمّا للفواصل، أو للاستغناء عنه بذكره قبل، أو: للقصد إلى نفس صدور الفعل عنه تعالى، مع قطع النظر عما يقع عليه الفعل بالكلية، وحيث تضمّن ما سبق من نفي التوديع، والقَلى أنه تعالى يُواصله بالوحي والكرامة في الدنيا بَشَّر ﷺ بأنّ ما سيؤتاه في الآخرة أجلّ وأعظم بذلك، فقيل: ﴿وللآخرةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولى﴾ ، لأنَّ ما فيها من النِعم
стр. 3356
صافية من الشوائب على الإطلاق، وهذه فانية مشوبة بالمضار، وما أوتي ﷺ من شرف النبوة، وإن كان مما لا يُعادله شرف، ولا يُدانيه فضل، لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض الشاقة على النفس.
ووجه اتصال الآية بما قبلها: أنه لمَّا كان في ضمن نفي التوديع والقَلي أنَّ الله يُواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبر أن ما له في الآخرة أعظم وأشرف، وذلك لتقدُّمه على الأنبياء في الشفاعة الكبرى، وشهادة أمته على الأمم، ورفع درجات المؤمنين، وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تُحيط بها العبارة.
وقوله تعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعطيك ربُّك فَتَرْضى﴾ وَعْد كريمٌ شاملٌ لِما أعطاه الله تعالى في الدنيا، من كما اليقين، وعلوم الأولين والآخرين، وظهور أمره، وإعلاء دينه بالفتوح الواقعة في عصره ﷺ ، وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية، وفشو الدعوة، وإعلاء منار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولِما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلاَّ الله ، وقد أنبأ ابنُ عباسٍ عن شيء منها، حيث قال: " أعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك ". وفي الحديث: لَمَّا نزلت هذه الآية قال ﷺ : " أنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار " قال بعضهم: هذه أرجى آيةٍ في القرآن. ودخل ﷺ على فاطمة، وعليها ثياب من صوف وشعر، وهي تطحن وتُرضع ولدها، فدمعت عيناه، وقال: " يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة " ثم تلا: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ . واللام للقسم، وإنما لم تدخل نون التوكيد لفصل السين بين القسم والفعل.
الإشارة: قال القشيري: يُشير إلى القسم بضحوة نهار قلب الرسول، عند انتشار شمس روحه على بشريته، وبِلَيل بشريته عند أحكام الطبيعة وسلوك آثار البشريه لغلبة سلطان الحقيقة، ما ودَّعك ربك بقطع فيض النبوة والرسالة عن ظاهرك، وما قَلَى بقطع فيض الولاية عن قلبك، ﴿وللآخرةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ يعني: أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أحوال بدايتك، لأنه ﷺ لا يزال يطير بجناحي الشريعة والطريقة في جو سماء الحقيقة، ويترقّى في مقامات القٌرب والكرامة. هـ. ويمكن الخطاب بالسورة الكريمة لخليفته من العارفين، الدعاة إلى الله. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : ﴿أَلمْ يَجِدْكَ يتيماً﴾ من أبويك ﴿فآوى﴾ أي: ضمَّك إلى جدك، ثم إلى عمك أبي طالب. رُوي أنَّ أباه مات وهو جنين، قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكلفه أولاً جدُّه عبد المطلب، فلما مات جده كَفَلَه عَمُّه أبو طالب، فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه، وقال القشيري: ويُقال: بل آواه إلى ظل كَنَفِه، وربَّاه بلطف رعايته. هـ.
والحكمة في يُتمه ﷺ : ألاّ يكون عليه منّة لأحدٍ سوى كفالة الحق تعالى. وقيل: هو من قول العرب: دُرة يتيمة إذا لم يكن لها مِثل، أي: ألم يجدك وحيداً في شرفك وفضلك، لا نظير لك فآواك إلى حضرته.
﴿وَوَجَدَك ضالا﴾ ؛ غافلاً عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول، ﴿فَهَدَى﴾ ؛ فهداك إليها، كقوله: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] . وقال القشيري: أي: ضالاًّ عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعَرَّفناك تفصيلَها. هـ. أو: ضالاً عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة، ولم يقل أحد من المفسرين: ضالاًّ عن الإيمان. قاله عياض: وقيل: ضلّ في صباه في بعض شِعاب مكة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضلّ مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرّع إلى الله، فسمعوا هاتفاً يُنادي من السماء: يا معشر الناس، لا تضجُّوا، فإنَّ لمحمدٍ ربَّا لا يخذله ولا يُضيّعه. وأنَّ محمداً بوادي تهامة عند شجرة السمر، فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي ﷺ قائم تحت شجرة، يلعب بالإغصان والأوراق. وقيل: أضلته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته، وجاءت به لترده على عبد المطلب، وقيل: ضلّ في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، يُروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليل ظلماء، فعدل به عن الطريق، فجاء جبريلُ ﵇، فنفخ إبليسَ نفخة وقع منها إلى أرض الهند، وردّه إلى القافلة. وقوله تعالى: ﴿فَهَدَى﴾ أي: فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يُوحى إليك من الكتاب المبين، وعلَّمك ما لم تكن تعلم. ﴿ووجدك عائلاً﴾ ؛ فقيراً من حس الدنيا، ﴿فأَغْنَى﴾ ؛ فأغناك به عما سواه، وزوّجك خديجة، فقامت بمؤونة العيش، أو بما أفاء عليك من الغنائم، قال ﷺ :
" جعل رزقي تحت ظل رمحي ". ﴿فأمَّا اليتيمَ فلا تقهرْ﴾ ، قال المفسرون: أي: لا تغلبه على ماله وحقه، لأجل ضعفه، وأذكر يتمك، ولا تقهره بالمنع من مصالحه، ووجوه القهر كثيرة، والنهي يعم جميعها، أي: دُم على ما أنت عليه من عدم قهر اليتيم. وقد ورد في الوصية باليتيم
стр. 3357
أحاديث، منها: قوله ﷺ : " أنا وكافلُ اليتيم في الجنة كهاتين إذا اتقى الله " وأشار بالسبابة والوُسطى، وقال ﷺ : " إنَّ اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي؛ مَن أبكى هذا اليتيم الذي غيبتُ أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي فإني أُشهدكم أنَّ لمن أسكته وأرضاه أنْ أُرضيه يوم القيامة "، فكان عمر إذا رأى يتيماً مسح رأسه وأعطاه شيئاً. وقال أنس: " مَن ضمّ يتيماً، فكان في نفقته، وكفاه مؤنته، كان لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّار يوم القيامة، ومَن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ".
﴿وأمَّا السائِلَ فلا تنهرْ﴾ أي: لا تزجره ولا تعبس في وجهه، ولا تغلظ له القول، بل ردّه ردًّا جميلاً، قال إبراهيم بن أدهم: نِعم القوم السُؤَّال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال ﷺ : " لا يمنعنّ أحدُكم السائلَ وإن في يديْه قُلْبَين، من ذهب " أي: سوارين. وقال أيضاً: " أَعْطِ السائِلَ ولو على فرسه " وقال ﷺ : " إذا رددت السائل ثلاثاُ فلم يرجع عليك أن تَزْبُرَه " وقال الحسن: المراد بالسائل هنا: السائل عن العلم.
﴿وأمَّا بنعمةِ ربك فحدِّث﴾ بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها، يرد ما أفاضه الله تعالى عليه من فنون النِعَم، التي من جملتها المعدودة والموعودة، والنبوة التي آتاه الله تأتي على جميع النِعم، ويَدخل في النِعم تعلُّم العلم والقرآن، وفي الحديث عنه ﷺ : " التحدُّث بالنِعَم شكر " ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا، ولقد صلَّيتُ البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وجه الشكر، أو ليُقتدى به، فأمّا على وجه الفخر والرياء فلا يجوز. هـ.
стр. 3358
انظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقال في قوله: ﴿ألم يجدك يتيماً﴾ بقوله: ﴿فأمّا اليتيم فلا تَقْهَر﴾ وقابل قولَه: ﴿ووجدك ضالاً﴾ بقوله: ﴿وأمّا السائل فلا تَنْهَر﴾ على مَن قال: إنه طالب العلم، وقابل بقوله: ﴿وأمّا بنعمة ربك فَحَدِّث﴾ على القول الآخر، وقابل قوله: ﴿ووجدك عائلاً فأَغْنَى﴾ بقوله: ﴿وأما السائل فلا تَنْهر﴾ على القول الأظهر، وقابله بقوله: ﴿وأمَّا بنعمة ربك فحدِّث﴾ على القول الآخر هـ. من ابن جزي.
ولمَّا قرأ ﷺ سورة الضحى كبّر في آخرها، فسُنَّ التكبير آخرها، وورد الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها في رواية البزي.
الإشارة: ألم يجدك يتيماً فرداً من العلائق، مجرداً مما سوى الله، فآواك إليه، وهي طريقة كل متوجه، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيماً من الهوى، بل بقلبٍ مُفرد، فيه توحيد مجرد. قال القشيري: ويُقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردْتَ بمقامِك، فلم يُشاركك فيه أحد. هـ. ﴿ووجدك ضالاًّ﴾ قيل: متردداً في معاني غوامض المحبة، فهداك بلطفه لها، أو: وجدك مُتحيراً عن إدراك حقيقتنا، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا، وفي هذا ملاءمة لمعنى الافتتاح. قال القشيري: ويُقال: ضالاًّ عن محبتي لكن فعرَّفْتُك أني أُحبك، ويقال: جاهلاً شرفَك فعرَّفْتُك قَدْرَكَ. هـ. ووجدك عائلاً فقيراً مما سواه، فأغناك به عن كل شيء، إلاّ طلب الزيادة في العلوم والعرفان، فلا قناعة من ذلك، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] . وفي القوت: إنما أغناه بوصفه، لا بالأسباب، وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. هـ. وكما أنَّ الله تعالى غَنِيّ بذاته، لا بالأعراض والأسباب، فالرسول ﷺ غَنِيّ بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت: وكذلك الأولياء ﵃ سَرَى فيهم اسمه تعالى " الغَنيِّ " فصاروا أغنياء بلا سبب، وما وصّى به الحقٌّ تعالى نبيه ﷺ يُوصَّى به خلفاؤه من قوله: ﴿فأمّا اليتيم فلا تقهر ... ﴾ الخ. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 3359
سورة الشرح
يقول الحق جلاّ جلاله: ﴿أَلَمْ نشرحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي: ألم نوسعه ونفسحه حتى حوى عالَم الغيب والشهادة، وجمع بين ملَكتي الاستفادة والإفادة، فما صدتك الملابسة بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملِكات الروحانية، وما عاقك التعلُّق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شهود الحق، وقيل: المراد شرح جبريل صدرَه في حال صباه، حين شقّه وأخرج منه علقة سوداء، أو ليلة المعراج فملأه إيماناً وحكمة. والتعبير عن الشرح بالاستفهام الإنكاري للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن يُجِيب عنه بغير " بلى ".
وزيادة " لك " وتوسُّطه بين الفعل ومفعوله للإيذان بأنَّ الشرح من منافعة ﷺ ومصالحة، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه ﷺ وتشويقاً إلى ما يعقبه، ليتمكن عنده وقتَ وروده فضل تمكُّن. وقال في الوجيز: هو استفهام معناه التقرير، أي: ألم نفتح ونُوسِّع لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أنه
стр. 3360
إيثار بما طلبه موسى ﵇ بقوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] ، وأنه بادَاه به من غير طلب، وهو قَدْر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها، لكونه في ذلك بربه، ويناسبه ما بعده من وضع الوزر، وهو لغة: الحمل الثقيل، كما في الوجيز، وشرح الصدر: بسطه بنور إلهي. هـ.
﴿ووضعنا عنك وِزْرَكَ﴾ ، عطف على مدلول الجملة السابقة، كأنه قيل: قد شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، أي: حططنا عنك عبأك الثقيل، ﴿الذي أَنْقَضَ ظهرك﴾ أي: أثقله حتى سمع له نقيض، وهو صوت الانتقاض، أي: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، أو: يُراد ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه: أن يغفر له. قال ابن عرفة: التفسير السالم فيه: أن يتجوّز في الوضع بمعنى الإبعاد، أو يتجوّز في الوزر، فإن أريد بالوزر حقيقته فيكون المعنى: أبعدنا عنك ما يتوهم أن يلحقك من الوزر اللاحق لنوعك، وإن أريد بالوزر المجازي، وهو ما يلحقه قِبَل النبوة من الهم والحزن بسبب جهلك ما أنت الآن عليه من الأحكام الشرعية، فيكون الوضع حقيقة، والوزر مجازاً. هـ. قلت: والظاهر: أنَّ كل مقام له ذنوب، وهو رؤية التقصير في القيام بحقوق ذلك المقام، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكلما علا المقام طُولب صاحبه بشدة الأدب، فكأنه ﷺ خاف ألاّ يكون قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه، فاهتمّ من أجله، وجعل منه حملاً على ظهره، فأسقطه الحق تعالى عنه، وبشَّره بأنه مغفور له على الإطلاق؛ ليتخلّى من ذلك الاهتمام.
وزاده شرفاً بقوله: ﴿ورفعنا لك ذِكرك﴾ أي: نوّهنا باسمك وجعلناه شهيراً في المشارق والمغارب، ومِن رَفْعِ ذكره ﷺ أن قرن اسمَه مع اسمِه في الشهادة والأذان والإقامة والخُطب والتشهُّد، وفي مواضع من القرآن: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣] ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] ، وتسميته رسول الله، ونبي الله، وقد ذكره في كتب الأولين. قال ابن عطية: رَفْعُ الذكر نعمة على الرسول، وكذا هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول الذكر والاسم حسن للمنفردين للعبادة. هـ. قلت: والأحسن ما قاله الشيخ المرسي ﵁: مَن أحبَّ الظهور فهو عبد الظهور، ومَن أحبّ الخفاء فهو عبد الخفاء، ومَن أحبّ الله فلا عليه أخفاه أو أظهره. هـ. والخمول للمريد أسلم، والظهور للواصل أشرف وأكمل.
ثم بشّر رسولَه وسلاَّه عما كان يلقى من أذى الكفار بقوله: ﴿فإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً﴾ أي: إنّ مع الشدة التي أنت فيها من مقاساة بلاء المشركين يُسراً بإظهاره إياك عليهم حتى تغلبهم. وقيل: كان المشركون يُعيّرون رسول الله والمسلمين بالفقر، حتى سبق إلى وهمه أنهم رَغِبُوا عن الإسلام لافتقار أهله، فذكّره ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال:
стр. 3361
﴿فإِنَّ مع العسكر يُسراً﴾ كأنه قال: خوّلناك ما خوّلناك فلا تيأس من فضل الله، ﴿إِنَّ مع العسر﴾ الذي أنتم فيه ﴿يُسراً﴾ ، وجيء بلفظ " مع " لغاية مقارنة اليسر للعسر؛ زيادةً في التسلية وتقوية لقلبه ﷺ ، وكذلك تكريره، وإنما قال ﷺ عند نزولها: " لن يغلب عسر يسرين " لأنَّ العسر أعيد مُعرّفاً فكان واحداً، لأنّ المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، واليُسر أعيد نكرة، والنكرة إذا أُعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى، فصار المعنى: إنَّ مع العُسر يسريْن، وبعضهم يكتبه بياءين، ولا وجه له.
﴿فإِذا فرغتَ﴾ من التبليغ أو الغزو ﴿فانصبْ﴾ ؛ فاجتهد في العبادة، وأَتعب نفسك شكراً لما أولاك من النِعم السابقة، ووعدك من الآلاء اللاحقة، أو: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الحق، وقيل: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، أو: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب في الشفاعة، أي: في سبب استحقاق الشفاعة، ﴿وإِلى ربك فارغبْ﴾ في السؤال، ولا تسأل غيره، فإنه القادر على إسعافك لا غيره. وقُرىء: " فرغِّب " أي: الناس إلى ما عنده.
الإشارة: ما قيل للرسول ﷺ من تعديد النعم عليه واستقراره بها، يُقال لخليفته العارف الداعي إلى الله، حرفاً بحرف، فيقال له: ألم نُوسع صدرك لمعرفتي، ووضعنا عنك أوزارك حين توجهتَ إلينا، أو: وضعنا عنك أثقال السير، فحملناك إلينا، فكنت محمولاً لا حاملاً، ورفعنا لك ذكرك حين هيأناك للدعوة، بعد أن أخملنا ذكرك حين كنت في السير لئلا يشغلك الناسُ عنا، فإنَّ مع عسر المجاهدة يُسر المشاهدة، فإذا فرغت من الدعوة والتذكير، فأَتْعِب نفسك في العكوف في الحضرة، أو: فإذا فرغت مِن كمالك فانصب في تكميل غيرك، وارغب في هداية الخلق. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 3362
سورة التين
يقول الحق ﷻ : ﴿والتينِ والزيتونِ﴾ ، أقسم بهما تعالى لِما فيهما من المنافع الجمّة. رُوي أنه ﷺ أُهْدِي له طبقٌ من تينٍ فأكل منه، وقال لأصحابه: " كُلوا، فلو قلتُ إنَّ فاكهةً نزلت من الجنة لقُلتُ هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عَجَمِ، فكلوها فإنها تقْطَعُ البواسير، وتنفَعُ من النقْرسِ ". وهو أيضاً فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويُطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سُرد الكبد والطحال. وعن عليّ بن موسى الرضا: التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. هـ.
وأمّا الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدُهن كثير المنافع لكفى به فضلاً. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومرّ معاذُ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيباً واستاك به. وقال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: " نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة " وقال: " هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي " وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل: هما جبلان بالشام ينبتانهما.
﴿وطُورِ سينينَ﴾ ، أضيف الطور وهو الجبل إلى " سينين " وهو البقعة، وهو الجبل
стр. 3363
الذي ناجى موسى ﵇ ربَّه عليه، ويُقال له: سينين وسيناء. ﴿وهذا البلد الأمين﴾ وهو مكة، شرّفها الله، وأمانتها أنها تحفظ مَن دخلها كما يحفظ الأمين ما يُؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين.
وجواب القسم: ﴿لقد خلقنا الإِنسانَ﴾ أي: جنس الإنسان ﴿في أحسن تقويمٍ﴾ أي: كائناً في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورةً ومعنى، حيث جعله اللهُ مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفاً بصفات البارىء تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله ﷺ : " إنَّ الله خلق آدم على صورته "، وفي رواية: " على صورة الرحمن " على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول.
﴿
ثم رددناه أسفلَ سافلين﴾ أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خَلَقَه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يَس: ٦٨] أي: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفلَ مَن سفُلَ في حُسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه، فقوَّس ظهره بعد اعتداله، وابْيَضَّ شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكَلّ سمعه وبصره. ﴿إِلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ، استثناء متصل على التفسير الأول، ومنقطع على الثاني، ﴿فلهم أجرٌ غيرُ ممنونٍ﴾ أي: رددناه أسفل السافلين إلاَّ مَن آمن، أو: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب غير منقطع، لطاعتهم وصبرهم على الشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاقّ والقيام بالعبادة، خصوصاً وقت الكبر. وعن أنس قال رسول الله ﷺ : " إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفّف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين كُتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غُفرت ذنوبه، وشفع في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ". ودخلت الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله: ﴿فما يُكَذِّبُك بعدُ بالدين﴾ للإنسان، على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع، والبرهان الساطع بالجزاء، والمعنى: إنَّ خلق الإنسان من نطفةٍ، وتسويته بشراً سويًّا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي،
стр. 3364
ثمّ تنكيسه إلى أن يبلغَ أرذلَ العمر، لا ترى دليلاً أوضح منه على قدرة الخالق، وأنَّ مَن قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟ ! أو: بالرسول ﷺ : أي: فمَن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع؟
﴿أليس اللهُ بأحكم الحاكمين﴾ وعيد للكفار، وأنّه يحكم عليهم بما هو أهله، وهو من الحُكم والقضاء، أي: أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين مكذِّبِيك. وقيل: مِن الحِكمة، بمعنى الإتقان، أي: أليس مَن خلق الإنسان وصوّره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان ﵊ إذا قرأها قال: " بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين ". الإشارة: حاصل ما ذكره القشيري: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها؛ الأولى شجرة القلب التينية المثمِرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية، والثانية: شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشاره بقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِياءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] الخ. والثالثة: شجرة السر، الذي هو طور التجلِّي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة: البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياماً بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسَم عليه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أحسن تقويم﴾ قال القشيري: أي: في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أُم الروحانيات، وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. هـ. قلت: وإليه أشار الششتري بقوله:
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني
وقول الشاعر:
يا تَائهاً في مهمهٍ عَنْ سِرِّه
انْظُرْ تجِدْ فِيكَ الوجودَ بأَسْره
أنْتَ الكمَالُ طَرِيقَةً وحَقِيقَةً
يا جَامِعاً سِرَّ الإلّهِ بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكياً عن شيخة أبي العباس المرسي: قرأتُ ليلة ﴿والتين والزيتون﴾ إلى أن انتهيت إلى قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين﴾ ففكرتُ في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أحسن تقويم روحاً وعقلاً، ثم رددنا أسفل سافلين نفساً وهوى. هـ. فقوله تعالى: ﴿إلاّ الذين آمنوا..﴾ الخ؛ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
стр. 3365
سورة العلق
يقول الحق ﷻ لنبيه ﷺ ، في أول الوحي: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ أي: اقرأ هذا القرآن مفتتحاً باسم ربك، أو مستعيناً به، فالجار في محل الحال. ويحتمل أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو باسم ربك، كأنه قيل له: اقرأ هذا اللفظ. والتعرُّض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئاً فشيئاً مع الإضافة إلى ضميره ﷺ للإشعار بتبليغه ﵇ إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية والروحانية بإنزال الوحي المشتمل على نهاية العلوم والحكم. وقوله تعالى: ﴿الذي خلقَ﴾ صفة للرب، ولم يذكر له مفعولاً؛ لأنَّ المعنى: الذي حصل منه الخلق، واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كلَّ شيء، فتناول كلَّ مخلوق؛ لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من البعض.
وقوله تعالى: ﴿خَلَق الإِنسانَ﴾ بتخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله لشرفه، ولأنَّ التنزيل إنما هو إليه، ويجوز أن يُراد: الذي خلق الإنسان، إلاَّ أنه ذكر مبهماً، ثم فسّر تفخيماً لخلقه، ودلالةً على عجيب فطرته. قيل: لمَّا ذكر فيما قبل أنه خلق الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك، ذكره هنا منبهاً على شيءٍ من أطواره، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة، فإنه تفسير لقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِيا أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٤، ٥] ، ثم ذكر أصل نشأته بقوله: ﴿مِن علقٍ﴾ ولم يقل من علقة؛ لأنَّ الإنسان في معنى الجمع. وفيه
следующие страницы →