← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

[المجلد الثاني] سورة المائدة مدنية. وهى مائة وعشرون آية، وألفان وثمان مائة وأربع كلمات، وقرأها النبي ﷺ فى حجة الوداع، وقال: «يا أيها الناسُ، إِن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» «١» . وقال ابن عمر: (أنزلت سورة المائدة والنبي ﷺ على راحلته، فلم تستطع أن تحمله حتى نزل) . وهى مكملة لما تضمنته سورة النساء من عقود الأحكام الستة، ولذلك افتتحها بالتوصية على الوفاء بها، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) أي: بالعهود التي عَهِدْتُ إليكم أن تحفظوها، وهي حفظ الأموال، وحفظ الأنساب، وحفظ الأديان، وحفظ الأبدان، وحفظ اللسان، وحفظ الأيمان، ثم مرَّ معها على الترتيب، فما ذكره هناك مُستوفَى، لم يُعِدْ منه هنا إلا أصله، وما بقي هناك في أصل من الأصول الستّة كمّلهُ هنا، ولمّا ذكر فيما تقدم في أول السورة حُكْم الأموال باعتبار المِلك، ولم يتكلم على ما يحلّ منها وما يحرم، تكلم هنا على ذلك، فقال: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ... قلت: إضافة (بهيمة الأنعام) : للبيان، كثوب خزّ، إي: البهيمة من الإنعام، و (غير مُحِلِّي الصيد) : حال، قال الأخفش: من فاعل «أوفوا» ، وفيه معنى النّهي، وقال الكسائي: من ضمير (لكم) كما تقول: أُحِلّ لكم الطعام غير مُفسِدين فيه، فإن قُلتَ: الحال قيد لعامِلها، والحِلِّيَّة غير خاصّة بوقت حُرمَة الصيد؟ قلت: لمّا كانت الحاجة إليها في ذلك الوقت أكثر، خصّ الحِلِّيَّة به ليكون أدعى للشكر، ويؤخَذ عموم الحِلِّيَّة من سورة الحج «٢» . يقول الحق ﷻ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ أي: الأنعام كلها، وهي الإبل والبقر والغنم، إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ بعدُ في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... الآية «٣» ، حال كونكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ

стр. 597

في حال الإحرام، ومعنى الآية في الجملة: أُحِلَّت الأنعام كلها إِلاَّ مَا يُتلى عَلَيْكُمْ من الميتة وأخواتها، لكن الصيد في حال الإحرام حرام عليكم، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ من تحليل أو تحريم. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود التي عقدتموها على نفوسكم في حال سيركم إلى حضرة ربَكم، من مجاهدة ومُكابَدة، فمَن عقد عقدة مع ربّه فلا يحلّها، فإن النفس إذا استأنست بحلّ العقود لم ترتبط بحال، ولعبت بصاحبها كيف شاءت، وأوفوا بالعقود التي عقدتموها مع أشياخكمْ بالاستماع والاتّباع إلى مماتكم، وأوفوا بالعقود التي عقدها عليكم الحق تعالى، من القيام بوظائف العبودية، ودوام مشاهدة عظمة الربوبية، فإن أوفيتم بذلك، فقد أُحِلَّت لكم الأشياء كلها تتصرّفون فيها بهِمّتكم لأنكم إذا كنتم مع المُكَوِّنِ كانت الأكوان معكم. إِلاَّ مَا يُتلَى عَلَيْكُمْ مما ليس من مقدوركم مما أحاطت به أسوار الأقدار، «فإن سوابق الهِمَم لا تخرق أسوار الأقدار» ، غير مُتَعَرِّضين لشهود السّوى وأنتم في حرم حضرة المولى. والله تعالى أعلم. ولما نهى عن التعرض للصيد فى الحرم، نهى عن تغيير المناسك والتعرض للحجّاج لأنه من تعظيم حرمة الحرم، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) قلت: الشعائر: جمع شَعيرة، وهي اسم ما أشعر، أي: جعل علامة على مناسك الحج ومواقفة، و (لا يجرمنّكم) أي: يحملنّكم، أو يكسبنّكم، يُقال: جرم فلان فلانًا هذا الأمر، إذا أكسبه إيّاه وحمله عليه. والشنآن: هو البغض والحقد، يقال: بفتح النون وإسكانها، و (أن صدّوكم) مفعول من أجله، و (أن تعتدوا) مفعول ثانٍ ليجرمنكم. ومَن قرأ: (إن صدّوكم) ، بالكسر فشرط، أغنى عن جوابه: (لا بجرمنكم) . يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ أي: لا تستحلّوا شيئًا من ترك المناسك، وذلك أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والعروة، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى عرفات، وكان أهل اليمن يرجعون من عرفات، فأمرهم الله ألاّ يتركوا شيئًا من المناسك، أي: لا تحلّوا ترك شعائر الله وَلَا تحلّوا

стр. 598

الشَّهْرَ الْحَرامَ بالقتال أو السَّبْي، وهذا قبل النسخ، وَلَا تحلّوا الْهَدْيَ، أي: ما أُهْدِيَ إلى الكعبة، فلا تتعرّضوا له ولو من كافر، وَلَا تحلّوا الْقَلائِدَ أي: ذوات القلائد، وهي الهَدْي المقلّدة، وعطفها على الهَدْي للاختصاص فإنها أشرف الهَدْي، أي: لا تتعرضوا للهَدْي مطلقًا. والقلائد جمع قِلادة، وهي: ما قُلِّدَ به الهَدْي من نَعْل أو لِحاء الشجر، أو غيرهما، ليُعلَم به أنه هَدْي فلا يُتَعَرَّض له، وَلَا تحلّوا آمِّينَ أي: قاصِدين البيت الحرام، أي: قاصدين لزيارته، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً أي: يطلبون رزقًا بالتجارة التي قصدوها، ورضوانًا بزعمهم لأنهم كانوا كُفّارًا. وذلك، أن الآية نزلت في الحُطَم بن ضُبَيْعة، وذلك أنه أتى المدينة، فخلَّف خَيْلَه خَارجَ المدِينةَ، ودخل وحده إلى النبي ﷺ فقال: إلامَ تدعُو النَّاس إليه؟ فقال له: «إلى شَهادة أنْ لا إله إلا اللهُ وإقَام الصَّلاةِ وإيتَاءِ الزَّكاة» . فقال: حَسَنٌ، إلاّ أن لي أُمَرَاءَ لا أقطعُ أمْرًا دُونَهُمْ، ولَعَلَّي أُسْلِم، فخرج وغار على سَرْحِ المدينة فاسْتَاقَهُ، فلما كان في العام المقبل خرج حاجًا مع أهل اليمامة، ومعه تجارة عظيمة، وقد قلّد الهَدْيَ، فقال المسلمون للنبى ﷺ : هذا الحُطَمُ قد خرج حاجًا فخَلِّ بيننا وبينه؟ فقال النبي ﷺ : «إنه قلّد الهَدْيَ» ، فقالوا يا رسول الله: هذا شيء كنّا نفعله في الجاهلية- أي: تقيه-، فأبى عليهم النبي ﷺ ، فنزلت الآية «١» . وقال ابنُ عباس: كان المشركون يحجّون ويهدون، فأرادَ المسلمون أن يُغِيرُوا عليهم، فنهاهم الله تعالى بالآية. وَإِذا حَلَلْتُمْ من الحج والعمرة فَاصْطادُوا، أمْر إباحة لأنه وقع بعد الحَظْر، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ أي: لا يحملنّكم، أو لا يكسبنّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أي: شدّة بغضكم لهم لأجل أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عام الحديبية أَنْ تَعْتَدُوا بالانتقام منهم بأن تحلّوا هداياهم وتتعرّضوا لهم في الحرم. قال ابن جزيّ: نزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة، فأرادوا أن يستأصلوهم بالقتل لأنهم كانوا قد صدّوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية، فنهاهم الله عن قتلهم لأن الله عَلِمَ أنهم يؤمنون. هـ. ثم نسخ ذلك بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. «٢» ثم قال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى كالعفو، والإغضاء، ومتابعة الأمر، ومُجانَبة الهوى. وقال ابن جزيّ: وصية عامّة، والفرق بين البرّ والتقوى أن البرّ عامّ في الواجبات والمندوبات، فالبرّ أعمّ من التقوى هـ. وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ كالتشفّي والانتقام. قال ابن جُزَيّ: الإثم: كل ذنب بين الله وعبده، والعدوان: على الناس. هـ. وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فانتقامه أشد. الإشارة: قد أمر الحق- ﷻ بتعظيم عباده، وحِفظ حُرمتهم كيفما كانوا، «فالخلق كلّهم عِيال اللَّهِ، وَأَحَبُّ الخَلْقِِِ إلى اللهِ أنفعُهُمْ لِعِياله» ، فيجب على العبد كفّ أذاه عنهم وحمل الجفا منهم، وألاَّ ينتقم لنفسه ممَّن آذاه

стр. 599

منهم، ولا يحمله ما أصابه منهم على أن يعتدي عليهم ولو بالدعاء، بل إن وسَع الله صدره بالمعرفة قابلهم بالإحسان، ودعا لعدوّه بصلاح حاله حتى يأخذ الله بيده، وهذا مقام الصّديقيَة العظمى والولاية الكبرى، وهذا غاية البرّ والتقوى الذي أمر الله- تعالى- بالتعاون عليه، والاجتماع إليه، دون الاجتماع على الإثم والعدوان، وهو الانتصار للنفس والانتقام من الأعداء، فإن هذا من شأن العوامّ، الذين هم في طرف مقام الإسلام. والله تعالى أعلم. ثم بيّن ما وعد به في قوله: إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٣] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) يقول الحق ﷻ : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أي: ما ماتت حَتْفَ أنفها بلا ذكاه، وَالدَّمُ المسفوح، أي: المهروق، وكانت الجاهلية يصبّونه في الأمعاء، ويشوونها، ورُخِّصَ في الباقي في العروق بعد التذكية، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وكذا شحمه وسائر أجزائه المتصلة، بخلاف الشعر المجزوّ، وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي: رفع الصوت عليه عند ذبحه بغير الله، كقولهم: باسم اللاّت والعزّى، وكذا ما تُرِكَ عليه اسم الله عَمْدًا، عند مالك وَالْمُنْخَنِقَةُ بحبل وشبهه حتى ماتت، وَالْمَوْقُوذَةُ أي: المضروبة بعصا أو بحجر أو شبهه، من: وقذته وقذًا: ضربته، وَالْمُتَرَدِّيَةُ أي: الساقطة من جبل أو في بئر وشبهه فماتت، وَالنَّطِيحَةُ التي نطحتها أخرى فماتت، فإن لم تمت فإن كان في العصران الأعلى فكذلك، لا في الأسفل أو الكرش. وَما أَكَلَ السَّبُعُ أي: أكل بعضه وأنفذ مقتله، والسبّع: كل حيوان مفترس كالذئب والأسد والنّمر والثعلب والنّمس والعُقاب والنّسر إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي: إلا ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة من ذلك. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: قيل: إنه استثناء منقطع، وذلك إذا أُريد بالمنخنقة وأخواتها: مامات من ذلك بالخنق وما بعده، أي: حُرِّمَت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكَّيتم من غيرها فهو حلال، وهذا ضعيف، وقيل: إنه استثناء متصل، وذلك إن أُريد بالمنخنقة وأخواتها ما أصابته تلك الأسباب وأدركت حياته. والمعنى: إلا ما أدركتم حياته من هذه الأشياء، فهو حلال، واختلف أهل هذا القول هل يُشتَرَط أن يكون لم تنفذ مقاتله، أم لا؟ فالأئمة كلهم على عدم الاشتراط إلا مالكًا- ﵀، وأما مَن لم تُشرِف على الموت من هذه الأسباب، فذكاتها جائزة باتفاق. هـ. وَحرم عليكم أيضًا: ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت، يذبحون عليها ويعدُّون ذلك قُرْبَة، وليست بالأصنام لأن الأصنام مُصَوّرة، والنُّصُب غير مُصَوَّرة، وقيل: (على) بمعنى اللام، أي: وما ذُبِحَ للنُّصُب، والمراد: كلّ ما ذُبحَ لغير الله.

стр. 600

وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ أي: تطلبوا ما قسم لكم في الأزل من المقادير بالأزلام، جمع زلم- بضم الزاي وفتحها- وهي الأقداح على قدر السهام. وكانت في الجاهلية ثلاثة، قد كُتب على أحدها: افعل، وعلى الآخر: لا تفعل، وعلى الثالث: مهمل، فإذا أراد الإنسان أن يعمل أمرًا جعلها في خريطة، وأدخل يده وأخرج أحدها، فإن خرج له الذي فيه «افعل» فعل ما أراد، وإن خرج الذي فيه «لا تفعل» ، تركه، وإن خرج المهمل أعاد الضرب، ويقاس عليه كل ما يدخل في علم الغيب، كالقريعة والحظ والنصبة والكهانة، وشبهها. ذلِكُمْ فِسْقٌ، الإشارة إلى المحرمات المذكورة، أو إلى الاستقسام بالأزلام، وإنما كان فسقًا لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد الله به، وفيه تجسس على سر الملك، وهو حرام، ولا يعارض ما ثبت جوازه من القرعة، في أمور مخصوصة كتمييز الأنصبة في القسمة، «وقد كان- ﵊ يقترع بين نسائه» ، وغير ذلك مما تفيد تطييب القلوب، دون الاطلاع على علم الغيوب. والله تعالى أعلم. الإشارة: حرمت عليكم يا معشر المريدين طلب الحظوظ والشهوات، وما تموت به قلوبكم من الانهماك في الغفلات، وتناول ما أعطِيكم لغير وجه الله، وقبضتموه من غير يد الله، بأن نظرتم حين قبضه إلى الواسطة، وغفلتم عن المعطي حقيقة، فمقتضى شريعة الخواص: إخراجه عن الملك، وحرمان النفس من الانتفاع به، كما وقع لبعض الأولياء، ولا تتناولوا من الطعام إلاّ ما ذكيتموه بأن شهدتم فيه المنعم دون الوقوف مع النعمة، ونزلتم إليه بالإذن، دون قصد الشهوة والمتعة، وهذا يحتاج إلى تيقظ كبير ومراقبة قوية. والله يتجاوز عن أمثالنا بحلمه وكرمه. آمين. ولمَا حرم الله تعالى هذه الاشياء حصل للمشركين الإياس من موافقة المسلمين لهم في دينهم، فلذلك ذكره الحق تعالى بإثر تحريمها، فقال: ... الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ... يقول الحق ﷻ : الْيَوْمَ الذي أنتم فيه، وهو يوم الجمعة، ويوم عرفة في حجة الوداع، يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أن يبطلوه، أو يظهروا عليه بحصول المباينة لهم في أمورهم كلها، ولظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين، قيل: إنه وقف معه ﷺ في هذه الحجة: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ويحتمل أن يريد باليوم الزمان الحاضر، وما يتصل به من الأزمنة الآتية، فَلا تَخْشَوْهُمْ أن يظهروا عليكم، وَاخْشَوْنِ وحدي فأمرهم بيدي. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أحوال الشرائع وقوانين الاجتهاد، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بالهداية والتوفيق، أو بإكمال الدين، وبالفتح والتمكين، بهدم منار الكفر، ومحو علل الملحدين، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً أي: اخترته لكم من بين الأديان، الذي لا نرتضي غيره ولا نقبل سواه.

стр. 601

الإشارة: إذا حصل المريد على أسرار التوحيد، وخاض بحار التفريد، وذاق حلاوة أسرار المعاني، وغاب عن شهود حس الأواني، وحصل له الرسوخ والتمكين في ذلك، أيِسَ منه الشيطان وسائر القواطع، فلا يخشى أحدًا إلا الله، ولا يركن إلى شيء سواه، وأمِنَ من الرجوع في الغالب، إلا لأمر غالب، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ. ولذلك قال بعضهم: (والله ما رجع مَن رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع) . والوصول هو التمكين فيما ذكرنا، فإذا حصل على كمال المعرفة، ووقف على عرفة المعارف، فقد كمل دينه واستقام أمره، وظهرت أنواره، وتحققت أسراره، وما بقي إلا الترقي في الأسرار أبدًا سرمدًا، والسير في المقامات كسير الشمس في المنازل، ينتقل فيها من مقام إلى مقام، بحسب ما يبرز من عنصر القدرة، فتارة يبرز معه ما يوجب الخوف، وتارة ما يوجب الرجاء، وتارة ما يوجب الرضا والتسليم، وتارة ما يوجب التوكل، وهكذا يتلون مع كل مقام ويقوم بحقة، ولا يقف مع مقام ولا مع حال، لأنه خليفة الله في أرضه، وقد قال تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ «١» ، وهذا هو التلوين بعد التمكين. والله تعالى أعلم. ثم استثنى من تلك المحرمات حالة المضطر، فقال: ... فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال البيضاوي: هو متصل بذكر المحرمات، وما بينهما اعتراض مما يوجب التجنب عنها، وهو أن تناولها فسوق، وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المرضي. هـ. يقول الحق ﷻ : فَمَنِ اضْطُرَّ إلى تناول شيء من هذه المحرمات فِي مَخْمَصَةٍ أي: مجاعة، حال كونه غَيْرَ مُتَجانِفٍ أي: مائل للإثم وقاصد له، بأن يأكلها تلذذًا أو متجاوزًا حد الرخصة، قيل: هو سد الرمق، وقال ابن أبي زيد: يأكل منها ويتزود، فإن استغنى عنها طرحها. هـ. فإن تناولها للضرورة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ له رَحِيمٌ به حيث أباحها له في تلك الحالة. الإشارة: قال بعض الحكماء: الدنيا كلها كالميتة، لا يحل منها للذاكر إلا قدر الضرورة أكلاً وشربًا، وملبسًا ومركبًا، حتى يتحقق له الوصول، فما بقي لأحد حينئٍذ ما يقول، وعلامة الوصول: هو الاكتفاء بالله دون الاحتياج لشيء سواه، إن افتقر اغتنى في فقره، وإن ذل عز في ذله، وإن فقد وجد في فقده، وهكذا في تقلبات الأحوال لا يتضعضع ولا يتزلزل، ولو سقطت السماء على الأرض. والله تعالى أعلم. ولما ذكر ما حرّم عليهم ذكر ما أحل لهم، فقال:

стр. 602

[سورة المائدة (٥) : الآيات ٤ الى ٥] يَسْئَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) قلت: لم يقل ماذا أحل لنا لأن «يسألونك» بلفظ الغيبة، وكلا الوجهين شائع في أمثاله. قاله البيضاوي. يقول الحق ﷻ : يَسْئَلُونَكَ يا محمد عن الذي أُحِلَّ لَهُمْ من المآكل، بعد الذي حرم عليهم من الخبائث، فقل لهم. أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وهو عند مالك: ما لم يدل دليل على تحريمه من كتاب ولا سنة، وعند الشافعي: ما يستلذه الطبع السليم ولم يفّر عنه، فحرم الخنافس وشبهها، وَأحل لكم صيد ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ أي: الكواسب، وهي الكلاب ونحوها، مما يصطاد به ويكسب الصيد على أهله، من سباع وذوات أربع، وطير، ونحوها، حال كونكم مُكَلِّبِينَ أي: معلمين لها الاصطياد، أي: مؤدبين لها، تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من الحيل وصدق التأديب، فإن العلم بها إلهام من الله، أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة من الله لابن آدم. وحد التعليم عند ابن القاسم: أن يفهم الجارح الإشلاء والزجر، وقيل: الإشلاء أي: التسلط- فقط، وقيل: الزجر فقط، وقيل: أن يجيب إذا دُعي. فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ولم يأكل منه، لقوله ﷺ : «وإن أكَلَ، فلاَ تَأكُل فَإنَّما أمسكَ عَلَى نَفسِه» «١» . وهو مذهب الشافعي، وقال مالك: يؤكل مطلقًا لما في بعض الأحاديث: «وإن أكلَ فكُل» «٢» ، وقال بعضهم: لا يشترط ذلك في سَباع الطير لأن تأديبها إلى هذا الحد متعذر. وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أي: على ما علمتم عند إرساله، ولو لم ير المرسل عليه، وكذا عند الرمي بالمحدد ونحوه، فإن سمي على شيء مُعين ووجد غيره لم يؤكل، أو التبس مع غيره، وإن سمي على ما وجد أكل الجميع، ولا بد من نية الذكاة عند الإرسال أو الرمي، واختلف في حكم التسمية، فقال الظاهرية: أنها واجبة مطلقًا، فإن تركت عمدًا أو سهوًا لم تؤكل عندهم، وقال الشافعي: مستحبة، حملاً للأمر على الندب، فإن تركت عمدًا أو سهوًا أكلت عنده.

стр. 603

وجعل بعضُهم الضمير في عَلَيْهِ، عائدًا على الأكل، فليس فيها على هذا أمر بالتسمية على الصيد، ومذهب مالك: أنه إن تركت التسمية عمدًا لم تؤكل، وإن تركت سهوًا أكلت، فهي عنده واجبة بالذكر ساقطة بالنسيان، وهذا الخلاف جار في الذكاة كلها. وَاتَّقُوا اللَّهَ في اجتناب محرماته، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ، فيؤاخذكم على ما جلّ ودق. الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ فيتناول الذبائح وغيرها، ويعم أهل الكتاب اليهود والنصارى، واستثنى عليٌّ- كرم الله وجهه- نصارى بني تغلب، وقال: (ليسوا على النصرانية، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر) . ولا يلحق بهم المجوس في ذلك، وإن ألحقوا بهم فى الجزية، لقوله ﷺ : «سنوا بهم سنة أهل الكِتاب، غير ألا تنكحوا نساءهم، ولا تأكلوا ذبائحهم» «١» وكذلك المرتد مطلقًا لا تؤكل ذكاته. قال ابن جزي: وأمَّا الطعام، فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: الذبائح، وقد اتفق العلماء على أنها مرادة في الآية، فأجازوا أكل ذبائح اليهود والنصارى، واختلفوا فيما هو محرم عليهم في دينهم، على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والكراهة، وهو مبني على: هل هو من طعامهم أم لا؟ فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه، جازت، وإن أريد ما يحل لهم، مُنع، والكراهة توسط بين القولين. الثاني: ما لا محاولة لهم فيه، كالقمح والفاكهة، فهو جائز لنا اتفاقًا. والثالث: ما فيه محاولة كالخبز وتعصير الزيت وعقد الجبن، وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فيه، فمنعه ابن عباس لأنه رأى أن طعامهم هو الذبائح خاصة، وأجازه الجمهور، لأنه رأوه داخلاً في طعامهم، وهذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملاً، أما إذا تحققنا استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير والميتة، فلا يجوز أصلاً، وقد صنف الطرطوشي في تحريم جبن النصارى، وقال: إنه يُنجس البائع والمشتري والآلة لأنهم يعقدونه على أنفحه الميتة. هـ. وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ، فلا بأس أن تُطعموهم من طعامكم، وتبيعوه لهم، وأما ما حرم عليهم، فلا يجوز بيعه منهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: يسألونك أيها العارف الرباني ماذا أحل للفقراء من الأعمال والأحوال، قل لهم: أحل لكم الطيبات، أي: الخالص من الأعمال، والصافي من الأحوال، والتلذذ بحلاوة المشاهدة والمكالمة، وما اصطادت لكم أنفسكم من العلوم اللدنية والأسرار القدسية، بقدر تزكيتها وتربيتها، فكلوا مما أمسكن عليكم، أي: تمتعوا بما أتت به لكم من

стр. 604

أبكار الحِكَم وعرائس الحقائق، فإن أتت بشىء من علوم الحس، فاذكروا اسم الله عليه ينقلب معاني، واتقوا الله أن تقفوا مع شيء سواه، (إن الله سريع الحساب) فيحاسبكم على الخواطر والطوارق إن لم تعرفوا فيها. اليوم أحل لكم الطيبات، أي: حين دخلتم بلاد المعاني ورسختم فيها، أحل لكم التمتع بالمشاهدات والمناجاة، وطعام العلوم الظاهرة حِلٌّ لكم تتوسعون بها، وطعامكم حل لهم، أي: وتذكيركم بما يقدرون عليه حِلٌّ لهم لأن العارف الكامل يُسير كل واحد على سيره، ويتلون معه بلونه، يُقره في بلده ويحوشه إلى ربه. نفعنا الله بذكره. آمين. ثم تكلم على ما بقي من حفظ الأنساب، وهو جواز نكاح الكتابية إذ لم يتكلم عليه في سورة النساء، فقال: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ يقول الحق ﷻ : وأحل لكم الْمُحْصَناتُ أي: الحرائر مِنَ الْمُؤْمِناتِ دون الإماء، إلا لخوف العنت، أو العفيفات دون البغايا، فإن نكاحها مكروه، وَأحل لكم الْمُحْصَناتُ أي: الحرائر مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فأحل الله نكاح اليهودية والنصرانية الحُرتين دون إمائهم، إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ أي: أعطيتموهن مهورهن. فلا يجوز نكاح الكتابية إلا بصداق شرعي. حال كونكم مُحْصِنِينَ، أي: متعففين عن الزنى بنكاحها، غَيْرَ مُسافِحِينَ أي: مجاهرين بالزنى، وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ أي: أصحاب تُسرون معهن بالزنى، والخدن: الصاحب، يقع على الذكر والأنثى. والمعنى: أحللنا لكم نكاح الكتابيات، توسعة عليكم لتتعففوا عن الزنى سرًّا وجهرًا. ولما نزل إباحة الكتابيات قال بعض الناس: كيف أتزوج من ليس على ديني؟ فأنزل الله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أي: بشرائع الإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ، ومن الكفر به إنكاره والامتناع منه. الإشارة: قد تقدم أن علوم الحقائق أبكار، لأنها عرائس مخدّرة، مهرها النفوس، وما سواها من العلوم ثيبات وإماء لرخص مهرها، فإذا اتصل العارف بعلوم الحقائق ورسخ فيها أحل له أن ينكح المحصنات من علوم الطريقة- وهى مبادئ التصوف، أي: التفنن فيها مع أهلها على وجه التركيز أو التعليم، والمحصنات من علوم الشريعة إذا أعطاها مهرها من الإخلاص وقصد التوسع بها وتعليمها لأهلها، وهذه العلوم كلها مشروعة، والمشتغل بها متوجه إلى الله تعالى، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ، فمن كفر بها فقد حبط عمله، وهو عند الله من الخاسرين.

стр. 605

ثم تكلم على ما بقي من حفظ الأديان، وهو الوضوء إذ لم يتكلم عليه فى النساء، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) قلت: إِذا قُمْتُمْ: أردتم القيام، كقوله: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «١» ، حذف الإرادة للإيجاز، وللتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها، بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، وقوله: بِرُؤُسِكُمْ الباء للإلصاق، تقول: أمسكتُ بثوب زيد، أي: ألصقت يدي به، أي: ألصقوا المسح برؤوسكم، أو للتبعيض، وهذا سبب الخلاف في مسحه كله أو بعضه، فقال مالك: واجب كله، وقال الشافعي: أقل ما يقع عليه اسم الرأس، ولو قلّ. وقال أبو حنيفة: الربع. وَأَرْجُلَكُمْ، مَن نَصَبَ عطف على الوجه، ومن خفض فعلى الجوار، وفائدته: التنبيه على قلة صبَّ الماء، حتى يكون غسلاً يقرب من المسح. قاله البيضاوي. ورده في المُغني فقال: الجوار يكون في النعت قليلاً، وفي التوكيد نادرًا، ولا يكون في النسق لأن العاطف يمنع من التجاور، وقال الزمخشري: لمّا كانت الأرجل بين الأعضاء الثلاثة مغسولات، تغسل بصب الماء عليها، كان مظنة الإسراف المذموم شرعًا، فعطف على الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصار في صب الماء عليها، وجيء فيهما بالغاية إماطة لظن من يظن أنها ممسوحة لأن المسح لم يضرب له غاية في الشريعة. هـ. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا أردتم القيام إِلَى الصَّلاةِ، وأنتم محدثون فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ من منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن، ومن الأذن إلى الأذن، وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ أي: معها، وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ أي: جميعها أو بعضها على الخلاف، وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ العظمين الناتئين في مفصلي الساقين، فهذه أربعة فرائض، وبقيت النية لقوله: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ «٢» ، ولقوله

стр. 606

عليه الصلاة السّلام-: «إنما الأعمال بالنيات» . والدلك إذًا لا يسمى غسلاً إلا به، وإلا كان غمسًا، والفور لأن العبادة إذا لم تتصل كانت عبثًا. ولمّا عطفت بالواو، وهي لا ترتب، علمنا أن الترتيب سنة. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى لم تقدروا على الماء أَوْ عَلى سَفَرٍ ولم تجدوه، أو فى الحضر وجاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ بالجماع أو غيره فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ أي: جميعه وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ، وقيد الحضر بفقد الماء دون السفر لأن السفر مظنة إعوازه، فالآية نص في تيمم الحاضر الصحيح للصلوات كلها. قال البيضاوي: وإنما كرره، - يعني مع ما في النساء- ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة. هـ. ثم قال تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ حتى يكلفكم بالطهارة في المرض أو الفقد من غير انتقال للتيمم، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ أي: ينظفكم بالماء أو بدله، أو يطهركم من الذنوب، فإن الذنوب تذهب مع صب الماء في كل عضو، كما في الحديث، وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بشرعه، ما هو مَطهَرَةٌ لأبدانكم، ومكفرة لذنوبكم، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمه فيزيدكم من فضله. الإشارة: كما أمر الحق ﷻ بتطهير الظاهر لدخول حضرة الصلاة، التي هل محل المناجاة ومعدن المصافاة، أمر أيضًا بتطهير الباطن من لوث السهو والغفلات، فمن طهر ظاهره من الأوساخ والنجاسات، ولوّث باطنه بالوساوس والغفلات، كان بعيدًا من حضرة الصلاة إذ لا عبرة بحركة الأبدان، وإنما المطلوب حضور الجنان. قال القشيري: وكما أن للظاهر طهارةً فللسرائر طهارة، فطهارة الظاهر بماء السماء، أي: المطر، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل، ثم بماء الحياء والوجل، ويجب غسلُ الوجه عند القيام إلى الصلاة، ويجب- في بيان الإشارة- صيانة الوجه عن التبذل للأشكال عند طلب خسائس الأغراض، وكما يجب مسحُ الرأس، يجب صونه عن التواضع لكل أحد- أي: في طلب الحظوظ والأغراض- وكما يجب غسل الرجلين في الطهارة الظاهرة، يجب صونها- في الطهارة الباطنة- عن التنقل فيما لا يجوز هـ. وقال عند قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا: وكما يجب طهارة الأعلى، أي: الظاهر، فيقتضي غسل جميع البدن، فقد يقع للمريد فترة- توجب عليه الاستقصاء في الطهارة الباطنية- فذلك تجديد عقد وتأكيد عهد، وكما أنه إذا لم يجد المتطهر الماء ففرضه التيمم، فكذلك إذا لم يجد المريد مَن يفيض عليه صَوبَ همته، ويغسله ببركات إشارته، اشتغل بما يُنشر له من اقتفاء آثارهم، والاسترواح إلى ما يجد من سالف سيرتهم، ومأثور حكايتهم. هـ. قلت: محصل كلامه أن من سقط على شيخ التربية، كان كمن وجد الماء فاستعمل الطهارة الأصلية الحقيقية، ومن لم يسقط على شيخ التربية، كان كالمستعمل للطهارة الفرعية المجازية وهي التيمم، وإلى ذلك أشار الغزالي، لما سقط على الشيخ، ولامه ابن العربي الفقيه على التجريد، فقال: قّد تَيَمَّمت بالصَّعِيدِ زَمَانًا ... والآن قّد ظَفِرتَ بالمَاء مَن سَرَى مطبقَ الجُفُونِ وأضحى ... فَاتِحًا لا يردُّها للعَمَاء

стр. 607

ثم قال، لمَّا طَلَعَ قمرُ السَّعَادةِ في ملك الإرَادَة وأشرقت شمسُ الوُصوُلِ على أُفقِ الأُصُول: تَرَكتُ هَوَى لَيلَى وسُعدَى بمعزلٍ ... ومِلتُ إلى عَليَاءِ أول مَنزلِ فنادَتني الأوطانُ أهلاً ومرحَبًا ... إلا أيها السَّارِي رُوَيدَكَ فانزِلِ غَزَلْتُ لهم غَزلاً رقِيقًا فلم أجِد ... لِغزلِي نَسَّاجًا فَكسَّرتُ مِغزَلِي ثم ذكّرهم الحقّ ﷻ العهد الذي اخذه عليهم في الجهاد والطاعة، حين بايعوا نبيه- عليه الصلاة السّلام- فى العقبة وغيرها، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٧] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) يقول الحق ﷻ : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالهداية والعز والنصر، وَاذكروا مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ حين بايعتم نبيه في بيعة العقبة وبيعة الرضوان على الجهاد وإظهار الدين، وعلى السمع والطاعة فى المنشط والمكره، حين قُلْتُمْ له: سَمِعْنا وَأَطَعْنا فيما تأمرنا به في عسرنا ويسرنا، فى منشطنا ومكر هنا، وَاتَّقُوا اللَّهَ في نقض العهود، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: خفياتها، فيجازيكم عليها، فضلاً عن جليات أعمالكم، والمقصود: الترغيب في الجهاد الذي هو من كمال الدين. الإشارة: يقال للفقراء الذين مَنَّ اللهُ عليهم بصُحبة شيوخ التربية، وأخذوا عنهم العهد ألا يخالفوهم: اذكروا نعمةَ الله عليكم، حيث يسَّر لكم من يُسَيّركم إلى حضرة ربكم، ويعرفكم به، وغيركم يقول: إنه معدوم، أو خفي لا يعرفه أحد، وهذا الكنز الذي سقطتم عليه، قلَّ من وجده، واذكروا أيضًا ميثاقه الذي واثقه عليكم ألا تخالفوهم، ولو أدى الأمر إلى حتف أنفكم. كان شيخ شيوخنا- سيدي العربي بن عبد الله، يقول: الفقير الصادق، هو الذي إذا قال له شيخه: ادخل في عين الإبرة، يقوم مبادرًا يُحاول ذلك، ولا يتردد. وقال أيضًا: (صاحبي هو الذي نقتله بشعرة) ، وقد تقرر أن من قال لشيخه: لِمَ، لا يفلح، وهذا أمر مقرر في علم التربية كما في قضية الخضر مع سيدنا موسى- ﵇. واتقوا الله في اعتقاد مخالفتهم سرًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فإن الاعتراض سرًا أقبح لانه خيانة، فليبادر المريد بالتوبة منه ويغسله من قلبه. والله تعالى أعلم.

стр. 608

ولما كان الجهاد لا يقوم إلا بنصب الإمام، ذكر ما يتعلق به من العدل فى الأحكام، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٨ الى ١٠] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠) قلت: (وعد) : يتعدى إلى مفعولين، وحذف هنا الثاني، أي: وعدهم أجرًا عظيمًا، دل عليه الجملة بعده. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَامٌّ أريد به خاص، وهم أولوا الأمر منهم، الذين يلُون الحكم بين الناس، وما تقدم في سورة النساء «١» باقٍ على عمومه، أي: كُونُوا قَوَّامِينَ على من تحت حكمكم، راعين لهم فإنكم مسئولون عن رعيتكم، وكونوا مخلصين لِلَّهِ في قيامكم وولايتكم، شُهَداءَ على أنفسكم بالعدل، تشهدون عليها بالحق إن توجه عليها، ولا تمنعكم الرئاسة من الإنصاف في الحق، إن توجه عليكم، أو على أقاربكم وأصدقائكم، ولا على عدوكم وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ أي: ولا يحملنكم شَنَآنُ قَوْمٍ أي: شدّة بغضهم لكم، عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا فيهم، فتمنعوهم من حقهم، أو تزيدوا في نكالهم، تشفيًا وغيظًا. اعْدِلُوا هُوَ أي: العدل أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، قال البيضاوي: صرح لهم بالأمر بالعدل، وبيَّن أنه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور، وبيَّن أنه مقتضى الهوى. فإذا كان هذا العدل مع الكفار، فما بالك مع المؤمنين؟. هـ وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تراقبوا سواه، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فيجازي كلاًّ على عمله، من عدل أو جور. ثم ذكر ثواب من امتثل، فقال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، وأفضل الأعمال: العدل في الأحكام. قال عليه الصلاة السّلام: «المُقسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِن نُورٍ يومَ القيامة» «٢» ... الحديث، وهو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله. ثم ذكر وعيد ضدهم، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ كما هو عادته تعالى، يشفع بضد الفريق الذي يذكر أولاً، وفاءً لحق الدعوة، وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم. وهذه الآية في مقابلة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ «٣» وتكميل لها. والله تعالى أعلم.

стр. 609

الإشارة: أمر الحق ﷻ شيوخ التربية أن يعدلوا بين الفقراء في النظرة والإمداد، ولا يحملهم سوء آدب أحدهم، أو قلة محبته وصدقه، أن يبعده أو يمقته لأن قلوبهم صافية، لا تحمل الكدر، فهم يحسنون إلى مَن أساء إليهم من العوام، فضلاً عن أصحابهم فهم مأمورون بالتسوية بينهم في التذكير والإمداد. والله تعالى يقسم بينهم على قدر صدقهم ومحبتهم، كما قال ﷺ : «إنما أنا قاسمٌ والله مُعطي» أي: إنما أنا أُبين كيفية التوصل إلى الحق، والله- تعالى- يتولى إعطاء ذلك لمن يشاء من خلقه، فالأنبياء والأولياء مثلهم في بيان الطريق بالوعظ والتذكير، كمن يُبين قسمة التركة بالقلم، والحاكم هو الذي يوصل إلى كل واحد من الورثة ما كان يَنُوبُه في التركة، كذلك المذكِّر والمربي، يبين المقامات، والله يعطي ذلك بحكمته وفضله. والله تعالى أعلم. ثم أمر نبيه ﷺ بشكر نعمة حفظه ورعايته، وتنسحب على الأمراء من بعده، إذ لا يخلو أحد منهم من عدو أو حاسد، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ١١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بحفظه إياكم من عدوكم إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أي: حين هَمَّ الكفار أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، ولما كانت مصيبة قتل النبي ﷺ لو قُتل- تَعُمُّ المؤمنين كلهم، خاطبهم جميعاً، وهي إشارة إلى ما همت به بنو قريظة، من قتله ﷺ ، وذلك أنه ﷺ أتى بني قريظة، ومعه الخلفاءُ الأربعة يَستَعينهم في دية رجلين مسلمين، قتلهما عَمرو بنُ أمية الضمري، خطأ، يظنهما مشركَين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لنا أن نعينك فاجلس حتى تطعم، فأجلسوه، وهموا بقتله، فعمد عَمرُو بن جُحَاش إلى رَحى عظيمةٍ ليَطرحَها عليه، فأمسَكَ اللهُ يده، ونزل جِبرِيلُ فأخبَرُه، فخَرَج النَّبي ﷺ إلى المدينة ولحقه أصحابُه، وهذا كان سبب قتلهم فى غزوة بنى قريظة. وقيل: نزلت في قضية غَورث، وذلك أن النبي ﷺ كان ببطن نخلة حاصرًا لغطفان، فقال رجل منهم: هل لكم في أن أقتل محمدًا فأفتك به؟ قالوا: وددنا ذلك. فأتى النبي ﷺ متقلدًا سيفه، فَوجد النبي ﷺ نازلاً تحت شجرة قد تفرق أصحابه عنه، وقد علق سيفه في الشجرة، فسله الأعرابي وقال: من يمنعك مني؟ وفي رواية: وجد النبي ﷺ نائمًا فاستل السيف، فما استيقظ النبي إلا والسيف في يد الأعرابي، فقال: من يمنعك منى يا محمد؟ فقال: «الله» ، فأسقطه جبريل من يده، وأخذه النبي ﷺ فقال: «وأنت، من يمنعك مني؟» فقال: كن خير آخذ، فعفى عنه- عليه الصلاة السلام «١» -. زاد البيضاوي: أنه أسلم.

стр. 610

وقيل نزلت في صلاة الخوف حين همَّ المشركون أن يُغِيرُوا على المسلمين في الصلاة. فالله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تشهدوا معه سواه، وتوكلوا عليه يكفكم أمر عدوكم، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فإنه يكفيكم أمرهم جلبًا ودفعًا، مَن توكل على الله كفاه. الإشارة: ما جرى على النبي ﷺ من قصد القتل والإذاية يجري على خواص ورثته، وهم الأولياء- رضى الله عنهم- والعلماء الأتقياء، فقد هَمَّ قوم بقتلهم وسجنهم وضربهم، وإجلائهم من أوطانهم، فكف الله أيديهم عنهم، وكفاهم شرهم، لمّا صححوا التوكل عليه، وأخلصوا الوجهة إليه، ومنهم من لحقه شيء من ذلك، كما لحق بعض الأنبياء- ﵈ زيادة في شرفهم وكرامتهم، جمع الله لهم بين مقام الشهادة والصديقية، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. ثم ذكر وبال مَن نقض العهد ترهيبا وترغيبا، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٢ الى ١٣] وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) قلت: النقيب: هو كبير القوم والمقدَّم عليهم، ينقب عن أحوالهم ويفتش عليها. والخائنة: إما مصدر كالعاقبة واللاغية، أو اسم فاعل، والتاء للمبالغة، مثل: راوية ونسَّابة وعلاَّمة. يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ على أن يجاهدوا مع موسى- ﵇ وينصروه، ويلتزموا أحكام التوراة، وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً اخترناهم وقدمناهم، على كل سبط نقيبًا ينقب عن أحوال قومه، ويقوم بأمرهم، ويتكفل بهم فيما أمروا به. رُوِي إن بني إسرائيل لمَّا خرجوا عن فرعون، واستقروا بأوائل الشام، أمرهم الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس، وهي في الأرض المقدسة، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال: إني كتبتها لكم دارًا وقرارًا، فأخرجوا إليها، وجاهدوا مَن فيها من العدو، فإني ناصركم. وقال لموسى ﵇: خذ من قومك اثني عشر نقيبًا، من كل

стр. 611

سبط نقيبًا، يكون أمينًا وكفيلاً على قومه بالوفاء على ما أمروا به. فاختار موسى النقباء، فسار بهم حتى إذا دنوا من أرض كنعان، وهي أريحا، بعث هؤلاء النقباء يتجسسون الأخبار، ونهاهم أن يحدثوا قومهم بما يرون، فلما قربوا من الأرض المقدسة رأوا أجرامًا عظامًا وبأسًا شديدًا، فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم، إلا كالب بن يوقنا- من سبط يهوذا- ويوشع بن نون- من سبط إفرائيم بن يوسف- ثم قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ إلى آخر ما يأتي من قصتهم. وأما ما ذكره الثعلبي هنا، وغيره، من قصة عوج بن عناق، فقال القسطلاني: هي باطلة من وضع الزنادقة، فلا يجوز ذكرها في تفسير كتاب الله الصادق المصدوق. وَقالَ اللَّهُ لبني إسرائيل: إِنِّي مَعَكُمْ بالنصر والمعونة لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي التي أرسلتُ بعد موسى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ أي: نصرتموهم وقويتموهم، وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً بالإنفاق في سُبُل الخير، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي: أستر عنكم ذنوبكم فلا نفضحكم بها، وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ العهد المؤكد، المعلَق عليه هذا الوعد العظيم، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي: تلف عن وسط الطريق، تلفًا لا شبهة فيه ولا عذر معه، بخلاف من كفر قبل أخذ العهد فيمكن أن تكون له شبهة، ويتوهم له معذرة. ثم إن بني إسرائيل نقضوا المواثيق التي أُخذت عليهم، فكفروا وقتلوا الأنبياء، قال تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ أي: طردناهم وأبعدناهم، أو مسخناهم، وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً أي: يابسة صلبة لا ينفع فيها الوعظ والتذكير، أو رديَّة مغشوشة بمرض الذنوب والكفر. ثم بيَّن نتيجة قسوة قلوبهم فقال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ لفظًا أو تأويلاً. ولا قسوة أعظم من الجرأة على تغيير كتاب الله وتحريفه، وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أي: تركوا نصيبًا واجبًا مما ذُكروا به من التوراة. فلو عملوا بما ذكَّرهم الله في التوراة ما نقضوا العهود وحرّفوا كلام الله من بعد ما علموه، لكن رَين الذنوب والأنهماك في المعاصي، غطت قلوبهم فقست ويبست، وَلا تَزالُ يا محمد تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ أي: خيانة مِنْهُمْ أو على طائفة خائنة منهم، لأن الخيانة والغدر من عادتهم وعادة أسلافهم، فلا تزال ترى ذلك منهم إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لم يخونوا، وهم الذين أسلموا منهم، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ حتى يأتيك أمر الله فيهم، أو إن تابوا وآمنوا، أو إن عاهدوا والتزموا الجزية، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ إلى عباده كيفما كانوا. ومن الإحسان إليهم: جبرهم على الإيمان بالسيف وسوقهم إلى الجنة بسلاسل الامتحان. الإشارة: قد أخذ الله على هذه الأمة أن يلتزموا أحكام القرآن، ويحافظوا على مراسم الإسلام والإيمان، ويجاهدوا نفوسهم في تحصيل مقام الإحسان، وبَعث من يقوم ببيان شرائع الإسلام والإيمان، ومن يعرف الطريق إلى مقام الإحسان، وقال الله لهم: (إني معكم) بالنصر والتأييد، لئن أقمتم شرائع الإسلام، وحققتم قواعد الإيمان، وعظمتم من يعرفكم بطريق الإحسان، لأغطين مساوئكم، ولأمحقن دعاويكم، فأوصلكم بما مني إليكم من الكرم

стр. 612

والجود، ولأدخلنكم جنة المعارف تجري من تحتها أنهار العلوم وأنواع الحِكَم، فمن لم يقم بهذا، أو جحده فقد ضل عن طريق الرشاد، ومن نقض عهد الشيوخ المعرفين بمقام الإحسان، فقد طرد وأبعد غاية الإبعاد، وقسا قلبه بعد اللين. وقد ذكرنا في تفسير الفاتحة الكبير معنى النقباء والنجباء وسائر مراتب الأولياء، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما ذكر نقض اليهود ذكر نقض النصارى، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ١٤] وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يقول الحق ﷻ : وأخذنا أيضًا عهدًا وميثاقًا من النصارى، الذين سموا أنفسهم نصارى ادعاء لنصرة عيسى ﵇ ولم يقوموا بواجب ذلك عملاً واعتقادًا، أخذناه عليهم بالتزام أحكام الإنجيل، وأن يؤمنوا بالله وحده لا شريك له، ولا صاحبة ولا ولد، وأن يؤمنوا بمحمد- ﵊ إن أدركوه ويتبعوه، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أي: نسوا ما ذكرناهم به، وتركوا حظًا واجبًا مما كلفوا به، فَأَغْرَيْنا أي: سلطنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، فهم يقتتلون في البر والبحر، ويتحاربون إلى يوم القيامة، فكل فرقة تلعن أختها وتكفرها، أو بينهم وبين اليهود، فالعداوة بينهم دائمة، وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ بالجزاء والعقاب. الإشارة: يؤخذ من الآية أن من نقض العهد مع الله بمخالفة ما أمره به أو نهاه عنه، أو مع أولياء الله، بالانتقاد عليهم وعدم موالاتهم، ألقى الله في قلب عباده العداوة والبغضاء له، فيبغضه الله، ويبغضه عبادُ الله، ومن أوفى بما أخذه الله عليه من العهد بوفاء ما كلفه به، واجتناب ما نهاه عنه، وتودد إلى أوليائه، ألقى الله في قلب عباده المحبة والوداد، فيحبه الله، ويحبه عباد الله، ويتعطف عليه أولياء الله، كما في الحديث: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريلُ، إنَّ اللهَ يُحب فلاناً فأحِبَّه، فيُحِبَّهُ جبرِيلُ. ثم يُنَادِي في الملائكة: إن اللهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فأحِبُّوه. فيُحِبُّه أهلُ السَّمَاءِ، ثم يُلقَى له القَبولُ في الأرض» «١» ... الحديث.

стр. 613

ثم دعا أهل الكتابين إلى الإيمان برسوله ﷺ ، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٥ الى ١٦] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) قلت: الضمير في: (به) ، يعود إلى النور والكتاب، ووحَّدَه لأن المراد به شيء واحد، لأن النور هو الكتاب المبين، أو لأنهما جنس واحد. يقول الحق ﷻ : يا أَهْلَ الْكِتابِ اليهود والنصارى قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد ﷺ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ كصفة محمد ﷺ ، وآية الرجم التي في التوراة، وكبشارة عيسى بأحمد التي فى الإنجيل، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ مما تخفونه وتحرفونه، فلم يخبر به، ولم يفضحكم، حيث لم يؤمر به، أو عن كثير منكم، فلا يؤاخذه بجرمه وسوء أدبه معه. قَدْ جاءَكُمْ يا أهل الكتاب مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ، عطف تفسير، فالنور هو الكتاب المبين، أو النور: محمد- عليه الصلاة السّلام- والكتاب المبين: القرآن لأنه الكاشف لظلمات الشك والضلال، والواضح الإعجاز والبيان، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ أي: من اتبع رضى الله بالإيمان به، والعمل بما فيه، سُبُلَ السَّلامِ أي: طرق السلامة من العذاب، أو طرق الله الموصلة إليه، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ من ظلمات الكفر، إلى نور الإسلام بِإِذْنِهِ أي: بإرادته وتوفيقه، وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: طريق توصلهم إليه لاعوج فيها. الإشارة: قد أطْلَع الله علماء الباطن على مقامات علماء الظاهر وأحوالهم وجل مساوئهم، ولا سيما من كان عالمًا بالظاهر ثم انتقل إلى علم الباطن، كالغزالي وابن عباد وغيرهما. فقد تكلم الغزالي في صدر الإحياء مع علماء الظاهر، ففضح كثيرًا من مساوئهم. وكذلك ابن عباد في شرح الحكم، وعفوًا عن كثير- فهم على قدم رسول الله ﷺ وخواص ورثته، لأنهم حازوا الوراثة كلها، كما في المباحث: تَبِعَةُ العَالِم في الأقوال ... والعابد الزاهد في الأفعال وفيهما الصوفي في السباق ... لكنه قّد زَادَ بالأخلاَق

стр. 614

فالولي نور من نور الله، وسر من أسراره، يُخرج به مَن سبقت له العناية من ظلمات الحجاب إلى نور الشهود، ويهدي به من اصطفاه لحضرته تعالى طريق الوصول إليه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مساوئ أهل الكتاب وضلالتهم، تحريضا على قتالهم إن لم يسلموا أو يعطوا الجزية، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ١٧] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) يقول الحق ﷻ : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، والقائل بهذه المقالة هي الطائفة اليعقوبية من النصارى، كما تقدم. وقيل: لم يصرح بهذه المقالة أحدٌ منهم. ولكن لزمهم حيث قالوا بأن اللاهوت حل في ناسوت عيسى- مع أنهم يقولون الإله واحد، فلزمَهم أن يكون هو المسيح، ولزمهم الاتحاد والحلول فنسب إليهم لازم قولهم، توضيحًا لجهلهم، وتقبيحًا لمعتقدهم. ثم رد عليهم بقوله: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: من يمنع من قدرته وإرادته شَيْئاً، إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، وبيان الرد عليهم: أن المسيح مقدورٌ ومقهور، قابل للفناء كسائر الممكنات، ومن كان كذلك فهو معزول عن الألوهية. ثم أزال شبهتهم بحجة أخرى فقال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يتصرف فيهما كيف شاء، يَخْلُقُ ما يَشاءُ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فقدرته عامة فيخلق من غير أصل كالسموات والأرض، ومن أصل كخلق ما بينهما، وينشىء من أصل ليس هو جنسه كآدم وكثير من الحيوانات، ومن أصل يجانسه، إما من ذكر وحده كحواء، أو من أنثى وحدها: كعيسى، أو منهما كسائر الناس. قاله البيضاوي. الإشارة: قد رُمي كثير من الأولياء المحققين بالاتحاد والحلول كابن العربي الحاتمي، وابن الفارض، وابن سبعين، والششتري والحلاج، وغيرهم- رضى الله عنهم- وهم بُرءاء منه. وسبب ذلك أنهم لما خاضوا بحار التوحيد، وكُوشفوا بأسرار التفريد، أو أسرار المعاني قائمة بالأواني، سارية في كل شيء، ماحية لكل شيء، كما قال في الحِكَم: «الأكوان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته» فأرادوا أن يعبروا عن تلك المعاني فضاقت عبارتهم عنها لأنها خارجة عن مدارك العقول، لا تدرك بالسطور ولا بالنقول. وإنما هي أذواق ووجدان فمن عبَّر عنها

стр. 615

بعبارة اللسان كفَّر وزندق، وهذه المعاني هي الخمرة الأزلية التي كانت خفية لطيفة، ثم ظهرت محاسنها، وأبدت أنوارها وأسرارها، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات، فمن عرفها وكوشف بها. اتحد عنده الوجود، وأفضى إلى مقام الشهود. وهي منزهة عن الحلول والاتحاد، إذ لا ثاني لها حتى تحل فيه أو تتحد معه، وقد أشرت إلى هذا المعنى في تائيتي الخمرية، حيث قلت: تنزهت عن حكم الحلول في وصفها ... فليس لها سِوَى في شَكلِه حَلَّتِ تجلت عروسا في مرائي جمالها ... وأرخت ستور الكبرياء لعِزَّتِي فَمَا ظَاهِرٌ في الكون غير بهائها ... وما احتَجَبَت إلا لَحجِب سَرِيرتِي فمن كوشف بأسرار هذه الخمرة، لم ير مع الحق سواه. كما قال بعضُ العارفين: (لو كُلفتُ أن أرى غيره لم أستطع فإنه لا غير معه حتى أشهده) . ولو أظهرها الله تعالى للكفار لوجدوا أنفسهم عابدة لله دون شيء سواه، وفي هذا المعنى يقول ابن الفارض على لسان الحقيقة: فما قَصَدُوا غيرَه وإن كان قَصدهُم ... سِوَاي وإن لم يُظهِروا عَقدَ نِيّه والنصارى- دمرهم الله في مقام الفرق والضلال- حملهم الجهل والتقليد الرديّ على مقالالتهم التي قالوا في عيسى ﵇. ثم ذكر مقالة أخرى لليهود والنصارى، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ١٨] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يقول الحق ﷻ : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ أي: أولاد بنيه فاليهود يقولون: نحن أولاد عزير، والنصارى يقولون: نحن أشياع عيسى. أو: فينا أبناء الله ونحن أحباؤه، أو: نحن مقربون عند الله كقرب الولد من والده. وهذه دعوى ردَّها عليهم بقوله: قُلْ لهم: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ، وهل رأيتم والدًا يُعذب ابنه، وقد عذبكم في الدنيا بالمسخ والقتل والذل، وقد اعترفتم أنه يعذبكم بالنار أيامًا معدودة، بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ أي: ممن خلقه الله، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ بفضله وهو من آمن منهم بالله ورسله، وَيُعَذِّبُ مَنْ

стр. 616

يَشاءُ بعدله وهو من مات منهم على كفره، فأنتم كسائر البشر يعاملكم معاملتهم، لا مزية لكم عليهم، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما كلها سواء في كونها ملكًا وعبيدًا الله- سبحانه- وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقى. الإشارة: قوله تعالى: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ أي: فلو كنتم أحباءه لما عذبكم لأن الحبيب لا يعذب حبيبه، حكى عن الشبلي رضى الله عنه أنه كان إذا لبس ثوبًا جديدًا مزقه، فأراد ابن مجاهد أن يعجزه بمحضر الوزير، فقال له: أين تجد في العلم فساد ما ينتفع به؟ فقال له الشبلي: أين في العلم: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ «١» ؟ فسكت، فقال له الشبلي: أنت مقرىء عند الناس، فأين في القرآن: إن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فسكت ابن مجاهد، ثم قال: قل يا أبا بكر، فقرأ له الشبلي قوله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ، فقال ابن مجاهد: كأني والله ما سمعتها قط. هـ. وفي الحديث: «إذا أحَبَّ اللهُ عبدًا لاَ يضُرُّه ذَنبٌ» ، ذكره في القوت. وفي المثل الشائع: (مَن سبقت له العناية لا تضره الجناية) . وفي الصحيح: «لعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أهلِ بَدرِ فَقَالَ: افعلوا ما شئتم فقد غَفَرتُ لَكم» «٢» ، وسببه معلوم، وفي القوت عن زيد بن أسلم: (إن الله- ليُحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول له: اصنع ما شئت فقد غفرتُ لك) . وفي القصد للشيخ أبي الحسن الشاذلي- ﵁ قال: يبلغ الولي مبلغا يقال له: أصحبناك السلامة، وأسقطنا عنك الملامة، فاصنع ما شئت. هـ. وليس معناه إباحة الذنوب، ولكنه لمّا أحبه عصمه أو حفظه، وإذا قضى عليه بشيء ألهمه التوبة، وهي ماحية للذنوب، وصاحبها محبوب، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ. والله تعالى أعلم. ثم دعاهم إلى اتباع رسوله- ﵊، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ١٩] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) قلت: جملة (يُبين) : حال، أي: جاءكم رسولنا مبينًا لكم، و (على فترة) : متعلق بجاء، أي: جاءكم على حين فترة وانقطاع من الوحي، و (أن تقولوا) : مفعول من أجله، أي: كراهية أن تقولوا. يقول الحق ﷻ : يا أَهْلَ الْكِتابِ اليهود والنصارى قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد ﷺ يُبَيِّنُ لَكُمْ ما اختلفتم فيه، أو ما كتمتم من أوامر الدين، أو مطلق البيان. جاءكم عَلى حين فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ

стр. 617

وانقطاع من الوحي، أرسلناه كراهية أَنْ تَقُولُوا يوم القيامة: ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ، فتعتذروا بذلك، فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ فلا عذر لكم، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الإرسال من غير فترة، كما في أنبياء بني إسرائيل فقد كان بين موسى وعيسى ألف نبي، وبينهما ألف وسبعمائة سنة، وعلى الإرسال على الفترة كما بين عيسى ومحمد ﷺ . كان بينهما ستمائة سنة، أو خمسمائة سنة وتسع وستون سنة. قاله البيضاوي. والذي في الصحيح: أن الفترة ستمائة سنة «١» ، وفي الصحيح أيضًا عنه- عليه الصلاة السلام-: «أنا أولى النَّاس بعِيسَى في الأُوَلى والآخرة وليس بَينَنَا نبي» «٢» . وهو يرد ما حكاه الزمخشري وغيره: أَن بينهما أربعة أنبياء: ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب، وهو خالد بن سِنان العبسي لأن النكرة في سياق النفي تعم. قاله المحشي. الإشارة: ظهور أهل التربية بعد زمان الفترة، وخمود أنوار الطريقة وأسرار الحقيقة، حجة على العباد، ونعمة كبيرة على أهلِ العشق والوداد، من انتكب عنهم لقي الله بقلب سقيم، وقامت بهم الحجة عليهم عند الملك الكريم، ومن اتبعهم وحطَ رأسه لهم فاز بالخير الجسيم، والنعيم المقيم حيث لقي الله بقلب سليم، وقد ظهروا في زماننا هذا بعد اندراس أنوار الطريقة، وخمود أسرار الحقيقة، فجدد الله بهم الطريقة، وأحيا بهم أسرار الحقيقة، منهم شيخنا أبو المواهب صاحب العلوم اللدنية والأسرار الربانية، البحر الفياض، سيدي محمد بن أحمد البوزيدي الحسني، وشيخه القطب الواضح، والجبل الراسخ، شيخ المشايخ، مولاي العربي الدرقاوي الحسني، أطال الله بركاتهما للأنام، فقد تخرج على أيديهما الجم الغفير من الأولياء. وليس الخبر كالعيان. وبالله التوفيق. ثم ذكّرهم بالنعم على لسان نبيه موسى- ﵇ فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٢٠] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يقول الحق ﷻ : وَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: يا بني إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ يسُوسُونكم، كلما مات نبي خلفه نبي، فقد شرفكم بهم دون غيركم، إذ لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي: جعل منكم ملوكًا، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء، فكان كل نبي معه ملك ينفذ أحكامه، فكانت دار النبوة ودار المملكة معلومة، يخلف بعضهم بعضًا في النبوة والمُلك، استمر ذلك لهم، حتى قتلوا يحيى، وهموا بقتل عيسى، فنزع الله منهم الملك، وأنزل عليهم الذل والهوان. وقيل: لمّا كانوا مملوكين في أيدي القبط، فأنقذهم الله وجعلهم مالكين لأنفسهم، سماهم ملوكا.

стр. 618

وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونحوها، أو المراد عالمي زمانهم، وعن أبي سعيد الخدري قال النبي ﷺ : «كَانَ بنو إسرَائيل إذا كَانَ لأحَدِهم خَادِمٌ وامرَأة يُكتَب مَلِكًا» «١» . وقال ابن عباس: (من كان له بيت وخادم وامراة فهو مَلِك) ، وعن أبي الدرداء قال: قال النبي ﷺ : «مَن أصبَحَ مُعَافّى في بَدَنِه، آمنًا في سِربِه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، يكفيكَ منها، يا ابنَ آدم، ما سَدَّ جوعَتَكَ، وَوَارَ عَورَتك، فإن كان بيتٌ يُوارِيك فذاك، وإن كانت دابة فبخ بخ، فلق الخبز، وماء الجر «٢» وما فَوق الإزار حِسَابٌ عليك» «٣» . وقال الضحاك: (كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جارٍ، فهو ملك) . وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وأول من سخر لهم الخدم من بني آدم. هـ. الإشارة: كل من رزقه الله من يأخذ بيده ومن يستعين به على ذكر ربه، فليذكر نعمة الله عليه، فقد أسبغ الله عليه نعمه ظاهرة وباطنة. وكل من ملك نفسه وهواه، وأغناه الله عما سواه، فهو ملك من الملوك. وكل من خرجت فكرته عن دائرة الأكوان، واتصل بفضاء الشهود والعيان، فقد آتاه الله ما لم يؤت أحدا من العالمين. وقد كُنتُ ذات يوم جالسًا في الجامع الأعظم من مدينة تطوان، فانتبهت فإذا مصحف إلى جنبي، فقال لي الهاتف: انظر تجد مقامك، فأعرضت عنه، فأعاد عليَّ الهاتف ثلاث مرات، فرفعته، ونظرت، فإذا في أول الورقة: وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ، فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه. ثم أمرهم بجهاد عدوهم، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٢١ الى ٢٦] يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)

стр. 619

قلت: (فتنقلبوا) : منصوب بأن في جواب النهي، أو عطف على المجزوم، و (ما داموا) : بدل من (أبدًا) بدل بعض، و (أخي) يحتمل النصب عطف على (نفسي) ، أو رفع عطف على (أن) مع اسمها، أو مبتدأ حُذف خبره، أو جر عطف على ياء المضاف، على مذهب الكوفيين. يقول الحق ﷻ حاكياً عن موسى- ﵇: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أرض بيت المقدس، قدسها الله، حيث جعلها قرار أنبيائه ومسكن المؤمنين. وفي مدحها أحاديث كثيرة. وقيل: الطور وما حوله، أو دمشق وفلسطين، أو الشام، الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي: التي كتب اللهُ في اللوح المحفوظ، أنها لكم مسكنًا إن جاهدتم وأطعتم نبيكم، وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ أي: لا ترجعوا مدبرين هاربين خوفًا من الجبابرة، أو: لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان، وعدم الوثوق بالله، فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ الدنيا والآخرة. رُوِي أنهم لما سمعوا حالهم من النقباء بكوا، وقالوا: ليتنا متنا بمصر، تعالوا نجعل علينا رأسًا ينصرف بنا إلى مصر، ثم قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ أقوياء متغالبين، لا طاقة لنا بمقاومتهم، وهم قوم من العمالقة، من بقية قوم عاد، وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها بأمر سماوي، أو يُسلط عليهم مَن يُخرجهم من غيرنا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ فيها. قالَ رَجُلانِ كالب بن يوقنّا، ويوشع بن نون- ابن آخت موسى وخادمه- مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله، أو رجلان من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى، وعليه قراءة يُخافان بضم الياء، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإسلام والتثبت، قالا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ أي: باب المدينة، أي: باغِتوهم بالقتال، فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ أي: ظاهرون عليهم، فإنهم أجسام لا قلوب فيها. يحتمل أن يكون علمهما بذلك من قِبل موسى، أو من قوله تعالى: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، أو من عادته سبحانه في نصر رسله وأوليائه، وما عَهِدا من صنيعه تعالى مع موسى من قهر أعدائه. ثم قال: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ به، ومصدقين لوعده. قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها، وهذا من تعنتهم وعصيانهم، وأشنعُ منه قولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، قالوه استهزاء بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما، وانظر فضيلة الأمة

стр. 620

المحمدية، وكمال أدبها مع نبيها- ﵊ فإن النبي ﷺ قال يوم الحديبية لأصحابه حين صُد عن البيت: إني ذاهب بالهدي فناحِرُه عند البيت، فقال المقداد بنُ الأسود: أما والله ما تقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولكن نقاتل عن يمينك وشمالك، ومن بين يديك ومن خلفك، ولو خُضت البحر لخضناه معك، ولو تسنَمت جبلاً لعلوناه معك، ولو ذهبت بنا إلى بَرك الغماد لتبعناك، فلما سمعها أصحاب النبي ﷺ تابعوه على ذلك، فَسُرَ ﷺ بذلك وأشرق وجهه «١» . هـ. ولما سمع موسى ﵇ مقالة قومه له غضب، ودعا ربه فقال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي أي: لا أثق إلا بنفسي وأخي، ولا قدرة لي على غيرهما، والرجلان المذكوران، وإن كانا موافقين له، لكنه لم يوثق عليهما، لما كبد من تلوّن قومه، ثم دعا عليهم فقال: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي: احكم بيننا وبينهم بما يستحق كل واحد منا ومنهم، أو بالتبعيد بيننا وبينهم، وتخليصنا من صحبتهم. رُوِي أنه لما دعا عليهم ظهر فوقهم الغمام، وأوحى الله إليه: يا موسى إلى متى يعصي هذا الشعب؟ لأُهلكنهم جميعًا، فشفع فيهم موسى ﵇ فقال الله تعالى له: قد غفرت لهم بشفاعتك، ولكن بعد ما سَميتَهم فاسقين، ودعوت عليهم، بي حلفت لأحرمنَّ عليهم دخول الأرض المقدسة، وذلك قوله تعالى: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ يحتمل أن يكون «أربعين» متعلقًا بمحرمة، فيكون التحريم عليهم مؤقتًا غير مؤبد فيوافق ظاهر قوله: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. ويؤيد هذا ما رُوِي أن موسى- ﵇ لما خرج من التيه، سار بمن بقي معه من بني إسرائيل، ويوشع على مقدمته، ففتح بيت المقدس، فبقي فيها ما شاء الله، ثم قبض. ويحتمل أن يكون «أربعين» متعلقًا ب (يتيهون) ، فيكون التحريم مؤبدًا، وعلى هذا لم يبق أحد ممن دخل التيه إلا يوشع وكالب، ولم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال له: (اذهب أنت وربك ... ) ، بل كلهم هلكوا في التيه، وإنما دخلها أشياعهم. رُوِي أن موسى ﵇ لما حضره الموت في التيه أخبرهم بأن يوشع بعده نبي، وأن الله أمره بقتال الجبابرة، فسار بهم يوشع، وقاتل الجبابرة، وكان القتال يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية، وكادت الشمس أن تغرب ليلة السبت، فخشي أن يعجزوه، فقال: اللهم اردد الشمس عليَّ، وقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا في طاعته، فوقفت مثل يوم حتى قتلهم، ثم قتل ملوك الأرمانيين، وقتل مِن ملوك الشام أحدًا وثلاثين ملكًا، فصارت الشام كلها لبني إسرائيل، وفرّق عماله فى نواحيها، وبقيت بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة يتيهون في الأرض في ستة فراسخ، بين فلسطين وأيلة، متحيرين، يسيرون من الصباح إلى المساء جادين في السير، فإذا هم بحيث ارتحلوا عنه، ثم

стр. 621

يسيرون بالليل كذلك فيصبحون حيث ارتحلوا، وكان الغمام يظلهم من الشمس وعمود من نور يطلع بالليل فيضيء لهم، وكان طعامهم المن والسلوى، وماؤهم من الحجر الذي يحمله موسى، واختلف في الكسوة، فقيل: أبقى الله كسوتهم معجزة لموسى، وقيل: كساهم مثل الظفر. والأكثر أن موسى وهارون كانا معهم زيادة في درجاتهما، وكان عقوبة لقومهما وأنهما ماتا فيه، مات هارون أولاً ودفنه أخوه في كهف، وقيل: رُفع على سرير في قبة، ثم مات موسى- ﵇ ودفن بقرب من الأرض المقدسة، رمية بحجر، كما في الحديث، ثم دخل يوشع الأرض المقدسة بعد ثلاثة أشهر. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى لموسى ﵇: فَلا تَأْسَ أي: لا تحزن، عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ، خاطبه الحق تعالى بذلك لمَّا ندم على الدعاء عليهم، فقال له: أنهم أحق بذلك لفسقهم وعصيانهم. الإشارة: يقول الحق ﷻ للمتوجهين إليه من المريدين: ادخلوا الحضرة المقدسة التي كتب الله لكم، إن دمتم على جهاد أنفسكم، وصدقتم في طلب ربكم، وبقيتم في تربية شيوخكم، ولا ترتدوا على أدباركم بالرجوع عن صحبة شيوخكم من الملل مع طول الأمل، فتنقلبوا خاسرين، فإن حضرتي محفوفة بالمكاره، والطريقة الموصلة إليها مرصودة للقواطع والعوائق، فإن كان ممن لم يكتب له فيها نصيب، قال: لن ندخلها أبدا مادام القواطع فيها، ورجع على عقبيه، يتيه في مهامه شكوكه وأوهامه، وإن كان ممن سبقتَ له العناية وحقت به الرعاية قال: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فيبادر إلى قتل نفسه، من غير تأن ولا خوف ولا فزع، فحضرة التحقيق لا ينالها إلا الشجعان، ولا يسكنها إلا الأكابر من أهل العرفان، وإلى ذلك أشار صاحب العينية بقوله: وإيَّاك جَزعًا لا يَهُولُكَ أمرُهَا ... فَمَا نَالَهَا إلاَّ الشُّجاعُ المُقّارعُ وقال الورتجبي في قوله تعالى: لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي: من بلغ عين التمكين ملك نفسه وملك نفوس المريدين لأنه عرفها بمعرفة الله، وقمعها من الله بسلطان سائس قاهر، من نظر إليه يفزع من الله، لا يطيق عصيانه ظاهرًا وباطنًا، فأخبر ﵇ عن محلّ تمكينه وقدرته على نفسه ونفس أخيه، وأعلمنا أن بينهما اتحادًا، بحيث إنه إذا حكم على نفسه صار «١» نفس أخيه مطمئنة طائعة لله بالانفعال. قال ﷺ : «المؤمنون كنفس واحدة» «٢» . هـ. ثم تكلم الحق ﷻ على بقية حفظ الأبدان، فبيّن أوَّلُ من سَنَّ القَتل ووبال من تبعه، فقال:

стр. 622

[سورة المائدة (٥) : الآيات ٢٧ الى ٣٠] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) قلت: الضمير في (عليهم) : لبني إسرائيل لتقدم شأنهم، ولاختصاصهم بعلم قصة ابني آدم، ولإقامة الحجة عليهم بهمهم ببسط اليد إلى النبي ﷺ . يقول الحق ﷻ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي: على بني إسرائيل إذ الكلام كان معهم، أو على جميع الأمة، أو على جميع الناس، إذ هو أول الكلام على بقية حفظ الأبدان- نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ وهو قابيل وهابيل بِالْحَقِّ أي: تلاوة ملتبسة بالحق، أو نبأ ملتبسًا بالحق موافقًا لما في كتب الأوائل. إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وهو هابيل، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وهو قابيل، وسبب تقريبهما القربان أن آدم- ﵇ كان يُولد له من حواء توأمان في كل بطن: غلام وجارية، إلا شيتًا، فإنه ولد منفردًا، وكان جميع ما ولدته حواء أربعين، بين ذكر وأنثى، في عشرين بطنًا، أولهم قابيل، وتوأمته أقليما، وآخرهم عبد المغيث، ثم بارك الله في نسل آدم. قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده، وولد ولده، أربعين ألفًا، ورأى فيهم الزنا وشُرب الخمر والفساد، وكان غشيان آدم لحواء بعد مهبطهما إلى الأرض، وقال ابن إسحاق عن بعض العلماء بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى حواء في الجنة، قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت في الجنة بقابيل وتوأمته، ولم تجد عليهما وحمًا ولا غيره، وحملت في الأرض بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق والدم. وكان آدم إذا كبر ولده يزوج غلام هذا البطن بجارية بطن آخر، فكان الرجل يتزوج أيّ أخواته شاء إلا تَوأمَته، لأنه لم يكن نساء يومئٍذ، فأمر الله تعالى آدم أن يزوج قابيل لَودَاء توأمة هابيل، وينكح هابيل أقليما أخت قابيل، وكانت أحسن الناس، فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال: أختي أحسن، وهي من ولادة الجنة، وأنا أحق بها، فقال له أبوه: لا تحل لك، فأبى، فقال لهما آدم: قربا قربانا، فأيكما قُبل قربانه فهو أحق بها. وكان قابيل صاحب زرع، فقرَّب حِملاً من زرع رديء، وأضمر في نفسه: لا أُبالي قُبل أو لا، لا يتزوج أختي أبدًا، وكان هابيل صاحب غنم، فقرّب أحسن كبش عنده، وأضمر في نفسه الرضا لله تعالى، وكانت العادة حينئٍذ

стр. 623

أن تنزل نارٌ من السماء فتأكل القربان المقبول، وإن لم يقبل لم تنزل، فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فحسذه، وقال له: لَأَقْتُلَنَّكَ، حسدًا على تقبل قربانه دونه، فقال له أخوه: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ الكفر، أي: إنما أُوتيت من قبل نفسك بترك التقوى، لا من قِبلي، فِلمَ تقتلني؟ قال البيضاوي: وفيه إشارة إلى أنَّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره، ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظًا، لا في إزالة حظه، فإن ذلك مما يضره ولا ينفعه، وأن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متقي. هـ. وفيه نظر: فإن تقوى المعاصي ليست شرطًا في قبول الأعمال بإجماع أهل السنة، إلا أن يُحمل على تقوى الرياء والعجب. انظر الحاشية. ثم قال له أخوه هابيل: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ أي: لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك به، أو لم أدفعك عني، وهل تركه للدفع تورع، وهو الظاهر، أو كان واجبًا عندهم، وهو قول مجاهد؟ وأما في شرعنا: فيجوز الدفع، بل يجب، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: قيل: كان هابيل أقوى منه، فتحرج عن قتله، واستسلم له خوفًا من الله، لأن الدفع لم يُبح بعدُ، أو تحريًا لِمَا هو الأفضل. قال ﷺ : «كُن عبدَ الله المقتُول، ولا تكُن عبدَ الله القاتل» «١» . وإنما قال: (ما أنا بباسط) في جواب (لئن بسطت) للتبري من هذا الفعل الشنيع، والتحرز من أن يوصف به، ولذلك أكد النفي بالباء. هـ. ثم قال له هابيل: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ أي: إني أريد بالاستسلام وعدم الدفع أن تنقلب إلى الله ملتبسًا بإثمي، أي: حاملاً لإثمي لو بسطت إليك يدي، وإثمك ببسطك يديك إلىّ، ونحوه قوله ﷺ : «المُستَبَّان ما قَالاَ فَعَلى البادئ منهما مَا لَم يَعتَدِ المَظلُومُ» «٢» . أو بإثم قتلى وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك، أو بسائر ذنوبي فتحملها عني بسبب قتلك لي فإن الظالم يجعل عليه يوم القيامة ذنوب المظلوم ثم يطرح في النار، ولذلك قال: وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ، يحتمل أن يكون من كلام هابيل، أو استئناف من كلام الله تعالى، أي: جزاؤهم يوم القيامة أن يحملوا أوزار المظلومين، ثم يطرحون في النار، كما في حديث المفلس. ولم يرد هابيل بقوله: إِنِّي أُرِيدُ، أنه يُحب معصية أخيه وشقاوته، بل قصد بذلك الكلام أنه إن كان القتل لا محالة واقعًا فأريد أن يكون لك لا لي، والمقصود بالذات: ألا يكون له، لا أن يكون لأخيه. ويجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته. وإرادة عقاب العاصي جائزة. قاله البيضاوي. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ أي: سهلت له ووسِعته ولم تضق منه، أو طاوعته عليه وزينته له، فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ دينًا ودنيا، فبقي مدة عمره مطرودًا محزونًا. قال السدي: لما قصد قابيلُ قتل هابيل،

стр. 624

راغ هابيل في رؤوس الجبال، ثم أتاه يومًا من الأيام، فوجده نائمًا فشدخ رأسه بصخرة فمات، وقال ابن جريج: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل؟ فتمثل له إبليس، وأخذ طيرًا فوضع رأسه على حجر، ثم شدخه بحجر آخر، وقابيل ينظر، فعلمه القتل، فوضع رأس أخيه على حجر وشدخه بحجر آخر. وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة، وقبره قيل: عند عقبة حراء، وقال ابن عباس: عند ثور، وقال جعفر الصادق: بالبصرة، في موضع المسجد الأعظم. الإشارة: قد تضمنت هذه الآية من طريق الإشارة ثلاث خصال، يجب التحقق بها على كل مؤمن متوجه إلى الله تعالى: أولها: التطهير من رذيلة الحسد، الذي هو أول معصية ظهرت في السماء والأرض، وقد تقدّم الكلام عليه في النساء «١» ، الثانية: التطهير من الشرك الجلي والخفي، والتغلغل في التبري من الذنوب التي تُوجب عدم قبول الإعمال، ويتحصل ذلك بتحقيق الإخلاص، والثالثة: عدم الانتصار للنفس والدفع عنها إلا فيما وجب شرعًا، فقد قالوا: (الصوفي دمه هدر، وماله مباح) فلا ينتصر لنفسه ولو بالدعاء، فإما أن يسكت، أو يدعو لظالمه بالرحمة والهداية، حتى يأخذ الله بيده اقتداء برسوله ﷺ ، حيث قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» . ولمّا قتل قابيل أخاه، لم يدر ما يفعل به لأنه أول من مات من بني آدم، فعلّمه الله كيفية دفنه، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٣١] فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) قلت: (ليريه) أي: يعلمه، وضمير الفاعل يعود على «الله» أو الغراب، و (كيف) : حال من الضمير في (يُواري) والجملة مفعول ثان ليرى، أي: ليعلمه الله، أو الغراب، كيفية مواراة أخيه، و (يا ويلتا) : كلمة جزع وتحسر، والألف فيها بدل من ياء المتكلم، كيا حسرتا ويا أسفا، و «أصبح» هنا بمعنى صار. يقول الحق ﷻ : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ أي: يحفر فيها، لِيُرِيَهُ أي: الله، أو الغراب، كَيْفَ يُوارِي أي: يستر سَوْأَةَ أَخِيهِ أي: جسده لأنه مما يستقبح أن يرى، وخصت بالذكر لأنها أحق بالستر من سائر الجسد، فعلَّم اللهُ قابيل كيف يصنع بأخيه لأنه لم يدرِ ما يصنع به، إذ هو أول ميت مات من بني آدم، فتحير في أمره، فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدُهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه، ثم ألقاه في الحفرة وغطاه بالتراب. قال قابيل لما رأى ذلك: يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فأهتَدِي إلى ما اهتدى إليه، فحفر لأخيه ودفنه فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على قتله لِما كابد فيه من التحير في أمره، وحَملِه على رقبته سنة أو أكثر، وتلمذة الغراب له، واسوداد لونه، وتبرّي أبويه منه، إذ رُوِي أنه لما قتله اسود وجهه،

стр. 625

فسأله آدم عن أخيه، فقال: ما كنتُ عليه وكيلاً. فقال: بل قتلته فلذلك اسود جسدك، وتبرأ منه، ومكث بعد ذلك مائة سنة لم يضحك، وعدم الظفر بما فعله من أجله. قاله البيضاوي، فانظره مع ما سيأتي عن الثعلبي. واختلف في كفره فقال ابن عطية: الظاهر أنه لم يكن قابيل كافرًا، وإنما كان مؤمنا عاصيا، ولو كان كافرا ما تحرج أخوه من قتله، إذ لا يتحرج من قتل كافر لأن المؤمن يأبى أن يقتل موحدًا، ويرضى بأن يُظلَمَ ليجازي في الآخرة. ونحو هذا فعل عثمان ﵁ لما قصد أهل مصر قتله مع عبد الرحمن بن أبي بكر، لشُبهةٍ، وكانوا أربعة آلاف، فأراد أهل المدينة أن يدفعوا عنه، فأبى واستسلم لأمر الله. قال عياض: منعه من الدفع إعلام رسول الله ﷺ بأن ذلك سَبَقَ به القدر. حيث بشره بالجنة على بلوى تصيبه، كما في البخاري «١» ، ونقل عن بعض أهل التاريخ: أن شيتًا سار إلى أخيه قابيل، فقاتله بوصية أبيه له بذلك، متقلدًا بسيف أبيه. وهو أول من تقلد بالسيف، فأخذ أخاه أسيرًا وسلسله، ولم يزل كذلك حتى قبض كافرًا. هـ. قلت: ولعل تحرّج أخيه من قتله لأنه حين قصد قتله لم يُظهِر كفره، وظهر بعد ذلك، فلذلك قاتله أخوه شيت بعد ذلك وأسره، وذكر الثعلبي: أن قابيل لما طرده أبوه، أخذ بيد أخته أقليمًا، فهرب بها إلى أرض اليمن، فأتاه إبليس فقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل، لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، وهو أول من عبد النار. هـ. فهذا صريح في كفره. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا كان الحق ﷻ يدل العصاة من عباده إذا تحيروا على ما يزيل حيرتهم، فكيف لا يدل الطائعين إذا تحيروا على ما يزيل شبهتهم، إذا فزعوا إليه والتجئوا إلى حماه؟! فكل من وقع في حيرة دينية أو دنيوية وفزع إلى الله تعالى، مضطرًا إليه، فلا شك أن الله تعالى يجعل له فرجًا ومخرجًا من أمره، إما بواسطة أو بلا واسطة. كن صادقا تجد مرشدا، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وبال مَن قتل نفسا بغير حق، كما فعل قابيل، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٣٢] مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) قلت: (من أجل ذلك) : يتعلق بكتبنا، فيوقف على ما قبله، وقيل: بالنادمين، فيوقف على (ذلك) ، وهو ضعيف، قاله ابن جزي، وأصل (أجْل) : مصدر أجُل يأجل، كأخذ يأخذ، أجلاً، أي: جنا جناية، استعمل في تعليل الجنايات، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تعليل.

стр. 626

يقول الحق ﷻ : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ القتل الذي صدر من قابيل لأخيه هابيل، وما نشأ عنه من التجرؤ على الدماء والمفاسد، حيث سَنَّه أولاً ولم يكن يعرفه أحد، فاقتدى به من بعده، كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ في التوراة الذي حكمه متصل بشريعتكم، أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أي: في غير قصاص، وبغير فساد في الأرض، كقطع الطريق والكفر، فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً من حيث إنه هتك حرمة الدماء، وسن القتل، وجرأ الناس عليه. وفي البخاري عن ابن مسعود قال: قال ﷺ : «لا تُقتَلُ نَفسٌ مسلمةٌ بغير حق إلاَّ كَانَ على ابنِ آدَمَ الأولِ كِفلٌ من دَمِها لأنَّهُ أوَّلُ من سَنَّ القَتل» «١» . أو من حيث إن قتل الواحد والجميع سواء في استجلاب غضب الله والعذاب العظيم، أو يكون الناس خصماءه يوم القيامة لأن هتك حرمة البعض كالكل. وَمَنْ أَحْياها أي: تسبب في حياتها بعفو أو منع من القتل، أو استبقاء من بعض أسباب الهلكة كإنقاذ الغريق والحريق وشبه ذلك، فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً أُعطِي من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعًا، وفي البخاري: «من أحياها- أي مَن حَرَّمَ قتلَها إلا بحق حيى الناس منه جميعًا» . قال ابن جزي: والقصد بالآية تعظيم قتل النفس والتشديد فيه، ليزدجر الناس عنه وكذلك الثواب في إحيائها كثواب إحياء الجميع لتعظيم الأمر والترغيب فيه. هـ. فما كتبه الله على بني إسرائيل هو أيضًا شرع لنا. قال أبو سعيد: (والذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ ما جعل دم بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا) . وإنما خصّهم بالذكر لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل النفس في كتاب، وغلظ عليهم بسبب طغيانهم، ولتلوح مذمتهم. انظر ابن عطية. وعنه ﷺ : «مَن سَقَى مؤمنًا شربَة ماء والماءُ موجودٌ، فكأنما أعتقَ سبعين رقبة، ومَن سقَى في غيرِ مَوطِنِه فكأنما أحيا الناس جميعا» . الإشارة: كل من صدَّ نفسًا عن إحياء قلبها وعوّقها عن من يعرفها بربها فكأنما قتلها، ومن قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا لأن المؤمنين كلهم كالجسد الواحد، كما في الحديث، ومن أحياها بأن أنقذها من الغفلة إلى اليقظة، ومن الجهل إلى المعرفة، فكأنما أحيا الناس جميعًا لأن الأرواح جنس واحد، فإحياء البعض كإحياء الكل. وبهذا يظهر شرف مقدار العارفين، الدالين على الله، الدعاة إلى معرفة الله، الذين أحيا الله بهم البلاد والعباد، وفي بعض الأثر إن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسُ محمدٍ بيده لئن شئتُم لأُقسِمَنَّ لكم: إنَّ أحبَّ عبادِ اللهِ إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى اللهِ، ويمشُون في الأرضِ بالنصيحة» .

стр. 627

وهذه حالة شيوخ التربية: يحببون الله إلى عباده لأنهم يطهرون القلوب من دنس الغفلة حتى ينكشف لها جمال الحق فتحبه وتعشقه، ويذكرون لهم إحسانه تعالى وآلاءه فيحبونه، فإذا أحبوه أطاعوه فيحبهم الله ويقربهم، والله تعالى أعلم. وقال الورتجبي: فيه إشارة لطيفة من الحق سبحانه أن النية إذا وقعت من قبل النفس الأمارة في شيء، وباشرته، فكأنها باشرت جميع عصيان الله تعالى لأنها لو قدرت على جميعها لفعلت، لأنها أمارة بالسوء، ومن السوء خلقت، فالجزاء يتعلق بالنية. وكذلك إذا وقعت النية من قبل القلب الروحاني في خير، وباشره، فكأنه باشر جميع الخيرات لأنه لو قدر لفعل. قال ﷺ : «نيةُ المؤمن أبلغُ مَن عَمله» . وفيه إشارة أخرى أن الله سبحانه خلق النفوس من قبضة واحدة مجتمعة، بعضها من بعض وصرّفها مختلفة، وتعلقت بعضها من بعض من جهة الاستعداد والخلقة. فمن قتل واحدًا منها أثرَّ قتلها في جميع النفوس عالمة بذلك أو جاهلة، ومن أحيا نفس مؤمن بذكر الله وتوحيده، ووصف جلاله وجماله، حتى تحب خالقها، وتحيا بمعرفته، وجمال مشاهدته، فأثِرِ حياتها وتزكيتها في جميع النفوس، فكأنما أحيا جميع النفوس. وفيه تهديد لأئمة الضلالة، وعز وشرف وثناء حسن لأئمة الهدى. انتهى كلامه. وقوله في النفس الأمارة: (من السوء خلقت) ، فيه نظر فإن النفس هي الروح عند المحققين، فما دامت الطينية غالبة عليها، وهي مائلة إلى الحظوظ والهوى، سميت نفسًا، فإن كانت منهمكة سميت أمارة، وإن خف عثارها، وغلب عليها الخوف، سميت لوامة، فإذا انكشف عنها الحجاب، وعرَفت ربها، واستراحت من تعب المجاهدة، سميت روحًا، وإن تطهرت من غبش الحس بالكلية سميت سرًا، وأصلها من حيث هي نور رباني وسر لاهوتي. ولذلك قال تعالى فيها: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، «١» فالسوء عارض لها، لا ذاتي، فما خلقت إلا من نور القدس. والله تعالى أعلم. ثم عاتب بني إسرائيل على سفك الدماء والإفساد في الأرض، بعد ما حرم ذلك عليهم في التوراة، فقال: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ أي: بني إسرائيل، رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ أي: بالمعجزات الواضحات، ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ بسفك الدماء وكثرة المعاصي. قال البيضاوي: أي: بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل إتيان تلك الجناية، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيدًا للأمر وتجديدًا للعهد، كي يتحاموا عنها، كثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل ولا يبالون، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها، والإسراف: التباعد عن حد الاعتدال فى الأمر. هـ.

стр. 628

الإشارة: قد قيض الله لهذه الأمة المحمدية من يقوم بأمر دينها، ظاهرا وباطنًا، وهم ورثته في الظاهر والباطن، وفي الخبر: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» ، فلكل زمان رجال يقومون بالشريعة الظاهرة وهم العلماء، ورجال يقومون بالحقيقة الباطنة، وهم الأولياء، فمن قصر في الجهتين قامت عليه الحجة، ولله الحجة البالغة، فمن أسرف أو طغى أدبته الشريعة وأبعدته الحقيقة. وبالله التوفيق. ثم ذكر وبال المسرفين من بنى إسرائيل وغيرهم، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) قلت: سبب نزول الآية عند ابن عباس: قوم من اليهود كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل. وهو مناسب لما قبله، وقال جماعة: نزلت في نفر من عُكل وعُرينَة، أظهروا الإسلام بالمدينة، ثم خرجوا وقتلوا راعي النبي ﷺ وأخذوا إبله، فبعث في إثرهم، فأُخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم «١» ، فماتوا، ثم حُكمُها جارِ في كل محارب، والمحاربة عند مالك: هي حمل السلاح على الناس في بلد أو في خارج عنه، وقال أبو حنيفة: لا يكون المحارب إلا خارج البلد، و (فسادًا) : منصوب على العلة، أو المصدر، أو على حذف الجار. يقول الحق ﷻ : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ حيث حاربوا عباده. فهو تغليظ ومبالغة، وَيحاربون رَسُولَهُ كما فعل العُرَينيون أو غيرهم، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً بالفساد كإخافة الناس، ونَهب أموالهم. قال ابن جزي: هو بيان للحرابة، وهي درجات فأدناها: إخافة الطريق، ثم أخذ الأموال، ثم قتل النفس. فجزاؤهم أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا، فالصلب مضاف للقتل، فقيل: يقتل ثم يصلب، إرهابًا لغيره، وهو قول أشهب، وقيل: يصلب حيًا ويُقتل في الخشبة، وهو قول ابن القاسم، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ،

стр. 629

فيقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وقطع اليد من الرسغ، والرجل من المفصل كالسرقة، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ أي: ينفوا من بلد إلى بلد، ويسجنوا فيه حتى تظهر توبتهم. وقال أبو حنيفة: يسجن في البلد بعينه. ومذهب مالك: أن الإمام مخير في المحارب بين ما تقدم، إلا أنه قال: إن كان قتل فلا بد من قتله، وإن لم يقتل فالأحسن أن يؤخذ فيه بأيسر العقاب. أولئك المحاربون لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا: ذل وفضيحة، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم ذنوبهم. ظاهره أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفارة للمحاربين بخلاف سائر الحدود. ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب، وفي الآخرة لمن لم يعاقب، إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ بأن جاءوا تائبين فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فيسقط عنهم حكم الحرابة، واخُتلف: هل يطالب بما عليه من حقوق الناس كالدماء أم لا؟ فقال الشافعي: يسقط عنه بالتوبة حد الحرابة، ولا يسقط حقوق بني آدم، وقال مالك: يسقط عنه جميع ذلك، إلا أن يُوجد معه مال رجل بعينه، فَيُرَدَّ إلى صاحبه، أو يطلبه ولي دم بدم تقوم البينة فيه، فيقاد به، وأما الدماء والأموال التي لم يطالب بها، فلا يتبعه الإمام بشيء منها. وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة، يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد، وإن أسقطت العذاب، والآية في قُطَّاع المسلمين لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها. هـ. قاله البيضاوي. والله تعالى أعلم. الإشارة: فرق كبير بين من يرجع إلى الله بملاطفة الإحسان، وبين من يقاد إليه بسلاسل الامتحان، هؤلاء المحاربون لم يرجعوا إلى الله حتى أُخذوا وقُتلوا وصُلبوا أو قطعت أيديهم وأرجلهم. وإن رجعوا إليه اختيارًا قبلهم، وتاب عليهم ورحمهم وتعطف عليهم، وكذلك العباد: من رجع إلى الله قبل هجوم منيته قَبِله وتاب عليه، وإن جد في الطاعة قرَّبه وأدناه، وإن تقدمت له جنايات، وقد خرج من اللصوص كثير من الخصوص، كالفضيل، وابن أدهم، وغيرهما، ممن لا يحصى، سبقت لهم العناية فلم تضرهم الجناية. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثم حَضَّ على التقوى التي هي مجمع الخير والفوز من كل شر، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٣٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) يقول الحق ﷻ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، ولا تسلكوا سبيل بنى إسرائيل الذين جاءتهم الرسل، فعصوا وأفسدوا وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ أي: اطلبوا ما تتوسلون به إلى رضوانه، والقرب من جناب قدسه

стр. 630

من الطاعات، وترك المخالفات، وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بالوصول إلى الله والفوز بكرامته. الإشارة: لا وسيلة أقرب من صحبة العارفين، والجلوس بين أيديهم وخدمتهم، والتزام طاعتهم، فمن رام وسيلة توصله إلى الحضرة غير هذه فهو جاهل بعلم الطريق. قال أبو عمرو الزجّاجى ﵁: لو أن رجلاً كشف له عن الغيب، ولا يكون له استاذ لا يجيءُ منه شيء. وقال إبراهيم بن شيبان ﵁: لو أن رجلاً جمع العلوم كلها، وصحب طوائف الناس، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدب ناصح، ومن لا يأخذ أدبه من آمر له وناهٍ يريه عيوبَ أعماله ورُعونات نفسه، لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات. هـ. وقال الشيخ أبو العباس المرسي ﵁: كل من لا يكون له في هذا الطريق شيخ لا يفرح به. هـ. ولو كان وافر العقل منقاد النفس، واقتصر على ما يلقى إليه شيخ التعليم فقط، فلا يكمل كمال من تقيد بالشيخ المربي لأن النفس أبدًا كثيفة الحجاب عظيمة الإشراك، فلابد من بقاء شيء من الرعونات فيها، ولا يزول عنها ذلك، بالكلية، إلا بالانقياد للغير والدخول تحت الحكم والقهر، وكذلك لو كان سبقت إليه من الله عناية وأخذه الحق إليه، وجذبه إلى حضرته، لا يؤهل للمشيخة، ولو بلغ ما بلغ، والحاصل: أن الوسيلة العظمى، والفتح الكبير، إنما هو في التحكيم للشيخ لأن الخضوع لمن هو من جنسك تأنفه النفس، ولا تخضع له إلا النفس المطمئنة، التي سبقت لها من الله العناية. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضد أهل التقوى، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧) قلت: (لو أن لهم) : الجار متعلق بالاستقرار، لأنه خبر «إن» مقدمًا، والضمير في (به) : يعود على ما ومثله، ووحده باعتبار ما ذكر كقوله: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ «١» . يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا حين يشاهدون العذاب يتمنون الفداء، فلو أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من الأموال والعقار وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ

стр. 631

ولا ينفعهم وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ لا خلاص لهم منه، وهذا كما ترى في الكفار، وأما عصاة المؤمنين فيخرجون منها بشفاعة نبيهم- ﵊ ولا حجة للمعتزلة في الآية، خلافًا لجهالة الزمخشري. الإشارة: كل من مات تحت قهر الحجاب، ونكّبته المشيئة عن دخول الحضرة مع الأحباب، حصل له الندم يوم القيامة، فلو رام أن يفتدى منه بملء الأرض ذهبا ما تقبل منه، بل يبقى مقيمًا في غم الحجاب، معزولاً عن رؤية الأحباب، يتسلى عنهم بالحور والولدان، وتفوته نظرة الشهود والعيان في كل حين وأوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم ذكر حكم السارق الذي تقدم ذكره فى قضية طعمة بن أبيرق لما تقدم أن هذه السورة مكملة لما قبلها، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) قلت: (السارق) : مبتدأ والخبر محذوف عند سيبويه، وهو الجار والمجرور، أي: مما يُتلى عليكم حكم السارق والسارقة، وقال المبرد: الخبر هو جملة: (فاقطعوا) ، ودخلت الفاء لمعنى الشرط لأن الموصول- وهو «أل» - فيه معنى الشرط، ومثله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا «١» ، قلت: وهو أظهر، فإن قلت: ما الحكمة في تقديم المُذكر في هذه الآية، وفي أية الزنا قدم المؤنث، فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي؟ فالجواب: أن السرقة في الرجال أكثر، والزنى في النساء أكثر، فقدّم الأكثر وقوعًا. وقدّم العذاب هنا على المغفرة لأنه قابل بذلك تقدم السرقة على التوبة، أو لأنَّ المراد به القطع، وهو مقدم فى الدنيا، و (جزاء) و (نكالاً) : علة أو مصدر. يقول الحق ﷻ : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أي: أيمانهما من الرسغ، بشروط، منها: ألاَّ يكون مضطرًا بالجوع، على قول مالك، فيقدم السرقة على الميتة، إن عُلِم تصديقه. ومنها: ألاَّ يكون السارق أبًا أو عبدًا سرق مال ولده أو سيده. ومنها: أن يكون سرق من حرز، وأن يكون نِصَابًا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساويهما عند مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وقال عثمان البَتى: يُقطع في درهم فما فوق. وفي السرقة أحكام مبسوطة في كتب الفقه.

стр. 632

وعلة القطع: الزجر، ولذلك قال: جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. فإن قلت: ما الحكمة في قطعها في ربع دينار، مع أن دِيتَهَا أن قطعت، خمسمائة دينار؟ قلت: ذل الخيانة أسقطت حرمتها بعد عز الصيانة. فافهم حكمة الباري. فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ أي: بعد سرقته، كقوله في سورة يوسف: كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ «١» أي: السارقين، وَأَصْلَحَ بأن ردّ ما سرق، وتخلص من التبعات ما استطاع، وعزم ألا يعود، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فيتقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة، وأما القطع: فهل يسقط، وهو مذهب الشافعي لظاهر الآية، أو لا يسقط، وهو مذهب مالك، لأن الحدود لا تسقط عنده بالتوبة إلا عن المحارب؟ .. قاله ابن جزي، تبعًا لابن عطية، وفيه نظر، فإن مشهور مذهب الشافعي موافق لمالك، ولعله تصحف عنده الشافعي بالشعبي، كما نقل الثعلبي عنه. والله أعلم. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يتصرف فيهما كيف شاء، فالخطاب للرسول- عليه الصلاة السّلام- أو لكل أحد، يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ قال السدي: يُعذب من مات على كفره، ويغفر لمن تاب من كفره. وقال الكلبي: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ على الصغيرة إذا أقام عليها وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ على الكبيرة إذا نزع منها، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يعجزه شيء. الإشارة: كما أمر الحق- ﷻ بقطع سارق الأموال، أمر بقطع سارق القلوب، وهو الشيطان، وجنوده الخواطر الردية فإن القلب بيت كنز السر- أي: سر الربوبية- لأن القلب بيت الرب، والبصيرة حارسة له، فإذا طرقه الشيطان بجنوده، فإن وجد البصيرة متيقظة دفعته وأحرقته بأنوار ذكرها، وأن وجدها نائمة فإن كان نومها خفيفًا اختلس منها وفطنت له، وإن كان نومها ثقيلاً بتراكم الغفلات، خرب البيت ولم تفطن له، فيسكن فيه بجنوده الخواطر وهي نائمة. فالواجب على الإنسان حفظ قلبه، قبل أن يسكنه الشيطان، فيصعب دفعه، وحفظه بدوام ذكر الله القلبي، فإن لم يستطع فبدوام اللسان، فإن لم يستطع فبالنية الصالحة. وربنا المستعان. ثم تكلم على ما يتعلق باللسان، وهو الأمر الخامس مما تضمنته السورة، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٤١] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) قلت: الباء في: (بأفواههم) - متعلقة بقالوا.

стр. 633

يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ صنع المنافقين، الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي: يقعون فيه سريعًا، فيظهرونه إن وجدوا فرصة، ثم بينهم بقوله: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا، قالوه بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، فلا يهولنّك شأنهم ولا تحتفل بكيدهم، فإن الله سيكفيك أمرهم. الإشارة: من شأن العارفين بالله تذكير عباد الله، ثم ينظرون إلى ما يفعل الله، فلا يحزنون على من لم تنفعه الموعظة، ولا يفرحون بسبب نجاح موعظتهم، إلا من حيث موافقة رضا ربهم، فهم في ذلك على قدم نبيهم، آخذين بوصية ربهم. والله تعالى أعلم. ثم رجع إلى عتاب اليهود، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٤٢ الى ٤٣] سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) قلت: (ومن الذين هادوا) : يُحتمل أن يكون عطفًا على (الذين قالوا) أي: لا يحزنك شأن المنافقين واليهود، و (سماعون) : خبر، أي: هم سماعون، ويحتمل أن يكون استئنافاً، فيكون (سماعون) : مبتدأ على حذف الموصوف، و (من) : خبر، أي: ومن الذين هادوا قوم سماعون، واللام في: (للكذب) : إما مزيدة للتأكيد، أو لتضمين السماع معنى القبول، وجملة (لم يأتوك) : صفة لقوم، وجملة (يحرّفون) : صفة أخرى له. يقول الحق ﷻ : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا صنف سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي: كثيروا السماع للكذب والقبول له، وهم يهود بني قريظة، سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ وهم يهود خيبر، لَمْ يَأْتُوكَ أي: لم يحضروا مجلسك، تكبرًا وبغضًا، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أي: يميلونه عن مواضعه الذي وضعه الله فيها، إما

стр. 634

لفظًا أو تأويلاً: يَقُولُونَ: أي: الذين لم يأتوا النبي ﷺ ، وهم يهود خيبر: إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ أي: إن أوتيتم هذا المحرّف وأفتاكم محمد بما يوافقه فخذوه، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ بأن أفتاكم بغيره فَاحْذَرُوا أن تقبلوا منه. وسبب نزولها: أن شريفًا مِن يهود خَيْبَرَ زنى بِشريفة منهم، وكانا مُحصنَين، وكرهوا رجمهما، فأرسلوا مع رَهطِ منهم إلى بَني قريظة ليسألوا رسول الله ﷺ ، وقالوا لهم: إن أمَرَكُم بالجَلّد والتَّحمِيم «١» فَاقبلُوا، وإن أمَرَكُم بالرَّجم فاحذروا أن تقبلوه منه، فأتوا رسولَ الله ﷺ بالزَّانِيين، ومعَهما ابن صوريا، فاستفتوه ﷺ ، فقال لابن صوريا: أنشُدكَ اللهَ الذي لاَ إله إِلاَّ هُو، الذِي فَلَق البَحرَ لمُوسى، ورفع فوقكم الطور، وأنجاكُم وأغْرَقَ آلَ فِرعَونَ، والذِي أنزل علَيكُم كِتَابه، وأحلَّ حَلاله وحرَّم حرامه، هل تجد فيه الرَّجمَ على من أحصن؟ فقال: نعم، فوثبوا عليه، فقال: خِفتُ إن كَذبتَه أن ينزل علينا العذاب، فأمر رسول الله ﷺ بالزَّانِيين فرُجِمَا عندَ باب المسجد، وفي رواية: دعاهم إلى التوراة فأتوا بها، فوضع ابن صوريا يده على آية الرجم، وقرأ ما حولها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فإذا آية الرجم تلوح، فرجما. وفي القصة اضطراب كثير. ولعل القضية تعددت. قال تعالى: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ أي: ضلالته أو فضيحته، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: تقدر على دفعها عنه، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الكفر والشرك، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أي: هوان وذل بضرب الجزية والخوف من المؤمنين، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو الخلود في النيران. هم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ، كرر للتأكيد، وليرتب عليه قوله: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ أي: الحرام، كالرشا وغيرها، وسُمي سحتًا لأنه يسحت البركة ويستأصل المال، كما قال ﷺ : «من جمع المال من نهاوش أذهبه الله في نهابر» «٢» . ثم خيَّر نبيه- ﵊ في الحكم بينهم، فقال: فَإِنْ جاؤُكَ متحاكمين إليك فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، وقيل: نسخ بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ «٣» . والجمهور: أن ما كان من باب التظالم والتعدي فإن الحاكم يتعرض بهم ويبحث عنه، وأما النوازل التي لا ظلم فيها، وإنما هي دعاوي، فإن رضوا بحكمنا فالإمام مُخير، وإن لم يرضوا فلا نتعرض لهم، انظر ابن عطية، وقال البيضاوي: ولو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم، وهو قول الشافعي، والأصح: وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميًا، لأنا التزمنا الذب عنهم، ومذهب أبي حنيفة: يجب مطلقًا. هـ. وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً لأن الله عصمك من الناس، وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي: العدل الذي أمر الله به إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، فيحفظهم ويعظم شأنهم. وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وهم لا يؤمنون بك، وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ أي: والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، أو ثم يتولون عن حكمك

стр. 635

الموافق لكتابهم من بعد التحكيم، وفيه تنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع، وإنما قصدوا به ما يكون عونًا لهم على هواهم، وإن لم يكن حكم الله في زعمهم، وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ بكتابهم ولا بكتابك لإعراضهم عنه أولاً، وعنك ثانيًا، بل أولئك هم الفاسقون التابعون لأهوائهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تعرض للشيخوخة وادعى مقام التربية، وهو يأمر أصحابه باتباع رخص الشريعة، والبقاء مع العوائد، ويقول لهم: (إن أوتيتم هذا فخذوه) ويزعم أنه سنة، وإن لم تؤتوه، ولقيتم من يأمركم بقتل النفوس، وحط الرؤوس ودفع الفلوس، وخرق العوائد فاحذروه. فمن كان حاله هذا، فالآية تجر ذيلها عليه، لأنه تعرض لفتنة نفسه بحب الجاه وغرور أولاد الناس، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الهوى، ولا بصيرتهم من شهود السِّوى لأن تطهير القلوب مشروط بقتل النفوس، وقتل النفوس إنما يكون باتباع ما يثقل عليها من خرق عوائدها، كالذل والفقر وغير ذلك من الأعمال الشاقة عليها، ومن لم يطهر قلبه من الهوى يعش في الدنيا في ذل الحجاب مسجونا بمحيط انه، محصورًا في هيكل ذاته، وله في الآخرة أشد العتاب، حيث تعرض لمقام الرجال وهو عنه بمعزل، ويقال لمن تبعه في اتباع الرخص: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قال الشيخ أبو العباس المرسى رضى الله عنه: من كان من فقراء الزمان يسمع الغناء، ويأكل أموال الظلمة، ففيه نزعة يهودية، قال تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. هـ فإن جاءوك أيها العارف، يستخبرونك، ويخاصمونك في الأمر بخرق العوائد، ويزعمون أنهم موافقون للسنة، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، وهو الأخذ بكل ما يقتل النفوس، ويجهز عليها، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وكيف يحكمونك أو يخاصمونك، وعندهم القرآن فيه حكم الله بذلك، قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا «١» ، ولا يكون جهاد النفس إلا بمخالفتها، وقتلها بترك حظوظها وهواها. والله تعالى أعلم. ثم قرر صحة كتابه التوراة، ووبال من أعرض عنه من اليهود، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٤٤] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)
следующие страницы →