← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ولما أمر الحق ﷻ بأكل الحلال الطيب أخرج ضده، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٠ الى ٩٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) قلت: (رجس) : خبر، وأفرده لأنه على حذف مضاف، أي: تعاطي الخمر، أو خبر عن الخمر، وخبر المعطوفات محذوف، أي: كذلك. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا تناول الْخَمْرُ وهو كل ما غيب العقل، دون الحواس، مع النشوة والطرب، وَالْمَيْسِرُ وهو القمار وَالْأَنْصابُ وهو ما نصب ليُعبد من حجارة أو خشب، وَالْأَزْلامُ أي: الاستقسام بها، وقد تقدم تفسيرها «١» ، رِجْسٌ قذر خبيث تعافه العقول السليمة، مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي: من تسويله وتزيينه، فَاجْتَنِبُوهُ أي: ما ذكر من تعاطي الخمر، وما بعده، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي: تفوزون بالرضوان والنعيم المقيم. قال البيضاوي: اعلم أن الحق تعالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية، بأن صدّر الجملة بإنما، وقرنها بالأنصاب والأزلام وسماهما رجسًا، وجعلهما من عمل الشيطان، تنبيهًا على أن الاشتغال بهما شر محض، وأمر بالاجتناب عن عينهما، وجعله سببًا يرجى منه الفلاح، ثم قرر ذلك بأن بيّن ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم فقال: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وقد وقع ذلك في زمن الصحابة، وهي كانت سبب تحريمه، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ إنما خصّ الخمر والميسر بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيهًا على أنهما المقصودان بالبيان. وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة لقوله ﷺ : «شَارِبُ الخَمرِ كَعَابِد الوَثَنِ» «٢» . وخصّ الصلاة من الذكر بالإفراد للتعظيم والإشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر، ثم أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبًا على ما تقدم من أنواع

стр. 667

الصوارف فقال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ إيذانًا بإن الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية، وأن الأعذار قد انقطعت. هـ ولذلك لما سمعها الفاروق رضى الله عنه حين نزلت، قال: (قد انتهينا يا ربنا) . وبهذا الآية وقع تحريم الخمر، وقد كان حلالاً قبلها، بدليل سكوته ﷺ على شربها قبل نزول الآية، فإن قلت: حفظ العقول من الكليات الخمس التي اتفقت الشرائع على تحريمها؟ قلنا: لا حُكم قبل الشرع، بل الأمر موقوف إلى وروده، ولما طالت الفترة، وانقطعت الشرائع عند العرب، رجعت الأشياء إلى أصلها من الإباحة بمقتضى قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً «١» ، حتى جاءت الشريعة المحمدية فحرمتها كالشرائع قبلها، فكانت حينئٍذ حرامًا، ودخلت في الكليات الخمس التي هي: حفظ العقول والأبدان والأموال والأنساب والأديان. ثم أكد ذلك أيضًا بقوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما أمر ونهى، وَاحْذَرُوا غضبهما إن خالفتم، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أو أعرضتم عن طاعتهما فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ لا تضرّه مخالفتكم، إنما عليه البلاغ وقد بلغ. الإشارة: المقصود هو النهي عن كل ما يصد عن الله أو يشغل العبد عن شهود مولاه، وخص هذه الأربعة، لأنها أمهات الخطايا ومنبع الغفلة والبلايا، فالخمر فيه فساد العقل الذي هو محل الإيمان، والميسر فيه فساد المال وفساد القلب بالعداوة والشحناء، وفساد الفكر لاستعماله في الهوى، والأنصاب فيه فساد الدين الذي هو رأس المال، والأزلام فيه الفضول والاطلاع على علم الغيب، الذي هو سر الربوبية، وهو موجب للمقت والعطب، والعياذ بالله. ثم عفا عما سلف من الخمر والميسر قبل التحريم، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ٩٣] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) يقول الحق ﷻ : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ أي: إثم فِيما طَعِمُوا من الخمر والميسر قبل التحريم، إِذا مَا اتَّقَوْا أي: إذا اتقوا الشرك، وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا المحرمات وَآمَنُوا أي: حققوا مقام الإيمان، ثُمَّ اتَّقَوْا الشبهات والمكروهات وَأَحْسَنُوا أي: حصلوا مقام الإحسان، وهو إتقان العبادة، وتحقيق العبودية، ومشاهدة عظمة الربوبية، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي: يقربهم

стр. 668

ويصطفيهم لحضرته، رُوِي أنه لمّا نزل تحريم الخمر، قالت الصحابة- رضى الله عنهم-: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ فنزلت. ويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة، أي: الماضي والحال والاستقبال، أو باعتبارات الحالات الثلاثة. فيستعمل التقوى فيما بينه وبين نفسه بالتزكية والتحلية، وفيما بينه وبين الناس بالكف عن التعرض لهم، وفيما بينه وبين الله بامتثال أمره واجتناب نهيه والغيبة عن غيره، ولذلك بدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة، أو باعتبار المراتب الثلاثة المبدأ والوسط والنهاية، أو باعتبار ما يُتقى فإنه ينبغي أن يتقي المحرمات توقيًا من العقاب، ثم يتقي الشبهات تحفظًا من الحرام، ثم يتقي بعض المباحات تحفظًا للنفس عن خسة الشره، وتهذيبًا لها عن دنس الطبيعة، قال معناه البيضاوي. الإشارة: المقامات التي يقطعها المريد ثلاث: مقام الإسلام، ومقام الإيمان، ومقام الإحسان، فما دام المريد مشتغلاً بالعمل الظاهر من صلاة وصيام وذكر اللسان، سُمي مقام الإسلام، فإذا انتقل لعمل الباطن من تخلية وتحلية وتهذيب وتصفية، سُمي مقام الإيمان، فإذا انتقل لعمل باطن الباطن من فكرة ونظرة وشهود وعيان سمي مقام الإحسان، وهذا اصطلاح الصوفية سموا ما يتعلق بإصلاح الظواهر: إسلامًا، وما يتعلق بإصلاح القلوب والضمائر: إيمانًا، وما يتعلق بإصلاح الأرواح والسرائر: إحسانًا. وجعل الساحلي في البغية كل مقام مركبًا من ثلاثة مقامات، فالإسلام مركب من التوبة والتقوى والاستقامة، والإيمانَ مركب من الإخلاص والصدق والطمأنينة، والإحسان مركب من مراقبة ومشاهدة ومعرفة. وأطال الكلام في كل مقام، لكن من سقط على شيخ التربية لم يحتج إلى شيء من هذا التفصيل. وبالله التوفيق. ثم تكلم على حرمة الصيد فى الإحرام تبيينا لقوله: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٤ الى ٩٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)

стр. 669

قلت: (فجزاء) : مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فعليه جزاء، أو خبر عن مبتدأ محذوف، أي: فواجبه جزاء، و (مثل) : صفته، و (من النعم) : صفة ثانية لجزاء، أي: فعلية جزاء مماثل حاصل من النعم، ومن قرأ (مثل) بالجر، فعلى الإضافة، من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: فعليه أن يجزي مثل ما قتل، أو يكون (مثل) مقحمة كما في قولهم: مثلى لا يقول كذا. وقرىء بالنصب، أي: فليجزأ جزاء مماثلاً. وجملة (يحكم) صفة لجزاء أيضًا، أو حال من ضمير الخبر. و (هَديًا) : حال من ضمير (به) ، أو من جزاء لتخصيصه بالإضافة أو الصفة فيمن نون، و (بالغ) : صفة للحال، أو بدل من مثل باعتبار محله، أو لفظه فيمن نصبه، أو (كفارة) عطف على (جزاء) إن رفعته، وإن نصبت جزاء فهو خبر، أي: وعليه كفارة، و (طعام مساكين) : عطف بيان، أو بدل منه، أو خبر عن محذوف، أي: هي طعام، ومن جرا طعامًا فبالإضافة للبيان، كقوله: خاتم فضة، أو (عدل) عطف على (طعام) فيمن رفعه، أو خبر فيمن جره، أي: عليه كفارة طعام، أو عليه عدل ذلك، و (ليذوق) : متعلق بمحذوف، أي: فيجب عليه الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق سوء عاقبة فعله، و (متاعًا لكم) : مفعول من أجله، و (حُرُمًا) : حال، أي: ما دمتم محرمين، أو خبر دام على النقص، ويقال: دام يدوم دُمت، كقال يقول قلت، ودام يَدام دِمت، كخاف يخاف خفت. وبه قٌرىء في الشاذ. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ أي: والله ليختبرنكم اللَّهُ بِشَيْءٍ قليل مِنَ الصَّيْدِ يسلطه عليكم وَيُذَلِّلُهُ لكم حتى تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ بالأخذ وَرِماحُكُمْ بالطعن لِيَعْلَمَ اللَّهُ علم ظهور وشهادة تقوم به الحجة، مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فيكف عن أخذه حذرًا من عقاب ربه، نزل عام الحديبية، ابتلاهم الله بالصيد، كانت الوحوش تغشاهم في رحالهم، بحيث يتمكنون من صيده، أخذًا بأيديهم وطعنًا برماحهم، وهم مُحرمون، وكان الصيد هو معاش العرب ومستعملاً عندهم، فاختبروا بتركه مع التمكن منه، كما اخُتبر بنو إسرائيل بالحوت في السبت. وإنما قلَّلَهُ بقوله: بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ إشعارًا بأنه ليس من الفتن العظام كبذل الأنفس والأموال، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها، فمن لم يصبر عنده فكيف يصبر بما هو أشد منه؟ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ الابتلاء بأن قتل بعد التحريم، فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة، لأن من لا يملك نفسه فى مثل هذه فكيف يملكها فيما تكون النفس فيه أميل وعليه أحرص؟!. ثم صرح بالحرمة، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي: محرمون جمع حَرَم، والمراد من دخل في الإحرام أو في الحرم، وذكر القتل ليفيد العموم، فيصدق بالذبح وغيره، وما صاده المحرم

стр. 670

أو صيد له ميتة لا يؤكل، والمراد بالصيد المنهي عن قتله: ما صيد وما لم يُصَد مما شأنه أن يصاد، وورد هذا النهي عن قتله قبل أن يصاد، وبعده، وأما النهي عن الاصطياد فيؤخذ من قوله: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً، وخصص الحديث: الغراب والحدأة، والفأرة والعقرب والكلب العقور «١» ، فلا بأس بقتلهم، في الحل والحرم، وأدخل مالك في الكلب العقور كل ما يؤذي الناس من السباع وغيرها، وقاس الشافعي على هذه الخمسة كل ما لا يؤكل لحمه. ثم ذكر جزاء قتله فقال: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أي: فعليه جزاء مثل ما يماثله من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم، ففي النعامة بدنةَ، وفي الفيل ذات سنامين، وفي حمار الوحش وبقره بَقَرة، وفي الغزالة شاة، فالمثلية عند مالك والشافعي في الخلِقة والمقدار، فإن لم يكن له مثلٌ أطعم أو صام، يُقوّم بالطعام فيتصدق به، أو يصوم لكل مدِّ يومًا، ومَذهب أبي حنيفة أن المثلية: القيمة، يُقوم الصيد المقتول، ويُخير القاتل بين أن يتصدق بالقيمة أو يشتري بها من النعم ما يهديه. وذكر العمد ليس بتقييد عند جمهور الفقهاء، خلافًا للظاهرية بل المتعمد، والناسي في وجوب الجزاء سواء، وإنما ذكره ليرتب عليه قوله: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، ولأن الآية نزلت فيمن تعمد، إذ رُوِي أنهم عرض لهم حمار وحشي، فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله، فنزلت الآية. ولا بد من حكم الحكَمين على القاتل لقوله: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ، فكما أن التقويم يحتاج إلى نظر واجتهاد، فكذلك تحتاج المماثلة في الخلقة والهيأة إليهما، فإن أخرج الجزاء قبل الحكم عليه فعليه إعادته، إلا حمام مكة فإنه لا يحتاج إلى حكمين، ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم، لعموم الآية. وقال الشافعي: يكتفي في ذلك بما حكمت به الصحابة، حال كون المحكوم به هَدْياً بشرط أن يكون مما يصح به الهدي، وهو الجذع من الضأن، والثني مما سواه، وقال الشافعي: يخرج المثل في اللحم، ولا يشترط السن، بالِغَ الْكَعْبَةِ لم يرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم، وظاهره يقتضي أن يصنع به ما يصنع بالهدي من سوق من الحل إلى الحرم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن اشتراه في الحرم أجزأه. أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ مد لكل مسكين، أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً يوم لكل مد، عدد الحق- تعالى- ما يجب في قتل الصيد، فذكر أولاً الجزاء من النعم، ثم الطعام، ثم الصيام، ومذهب مالك والجمهور: أنها على

стр. 671

التخيير، وهو الذي يقتضيه العطف بأو، ومذهب ابن عباس أنها مرتبة. وقد نظم ابن غازي الكفارات التي فيها التخيير أو الترتيب فقال: خَيَّر بِصَومٍ ثَمَّ صَيدٍ وَأذَى ... وقُل لِكُلَّ خَصلَةٍ: يا حَبَّذا وَرَتِّب الظِّهارَ والتَّمَتُّعا ... وَالقَتلَ ثَمّ في اليَمِينِ اجتَمَعَا وكيفية التخيير هنا: أن يخير الحكمان القاتلَ فإن أراد الجزاء عينوا له ما يهدي، وإن أراد الإطعام قوموا الصيد بالطعام في ذلك المحل، فيطعم مُدًا لكل مسكين، وإن أراد الصيام صام يومًا لكل مُدّ، وكمل لكسره، فإذا قوم بعشرة مثلاً ونصف مُدّ، صام أحد عشر يومًا. ثم ذكر حكمة الجزاء، فقال: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ أي: فعليه الجزاء أو الإطعام أو الصيام ليذوق عقوبة سوء فعله، وسوء هتكه لحرمة الإحرام، عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ في الجاهلية أو قبل التحريم، وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ في الآخرة، وليس فيه ما يمنع الكفارة على العائد كما حكى عن ابن عباس وشريح. وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ممن أصر على عصيانه. ثم استثنى صيد البحر فقال: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وهو ما لا يعيش إلا في الماء، وهو حلال كله لقوله ﷺ في البحر: «هُو الطَّهُورُ ماَؤهُ، الحِلُّ مَيتَتُه» «١» . وقال أبو حنيفة: لا يحل منه إلا السمك، وَطَعامُهُ أي: ما قذفه، أو طفا على وجهه لأنه ليس بصيد إنما هو طعام. وقال ابن عباس: طعامه: ما مُلِّح وبقي مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ، الخطاب بلكم للحاضرين في البحر، والسيارة: المسافرون في البر، أي: هو متاع تأتِدمون به في البر والبحر، وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ يحتمل أن يريد به المصدر، أي الاصطياد، أو الشيء المصيد، أو كلاهما، وتقدم أن ما صاده محرم أو صيد له: ميتة، وحد الحرمة: ما دُمْتُمْ حُرُماً فإذا حللتم فاصطادوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ في ترك ما حرم عليكم، الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيُجازيكم على ما فعلتم. الإشارة: إذا عقد المريد مع الله عقدة السير والمجاهدة، قد يختبره الله- تعالى- في سيره بتيسير الشهوات، وتسليط العلائق والعوائق ليعلم الكاذب من الصادق، فإن كف عنها وأعرض، هيأه لدخول الحضرة، وإن انهمك فيها، واقتنص فى شبكتها، بقي مرهونًا في يدها، أسيرًا في قبضة قهرها، فإذا نهض حتى دخل حرم الحضرة قاصدًا لعرفة المعارف، حَرُم عليه صيد البر، وهو كل ما يخرج من بحر الحقيقة إلى شهود بَر السِّوى، فرقًا بلا جمع، كائنًا ما كان، رسومًا أو علوما أو أحوالا أو أقوالاً، وحلّ له صيد البحر وطعامه، من أسرارِ أو أنوارِ أو حقائق،

стр. 672

متاعًا لروحه وسره، وللسيارة من أبناء جنسه، يطعمهم من تلك الأسرار، بالهمة أو الحال أو التذكار، واتقوا الله في الاشتغال بما سواه، الذي إليه تُحشرون، فيدخلكم جنة المعارف قبل جنة الزخارف. والله تعالى أعلم. ولما عظّم شأن الحرم عظّم شأن الكعبة، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٧ الى ٩٩] جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قلت: (البيت الحرام) : عطف بيان على جهة المدح، و (قيامًا) : مفعول ثان. يقول الحق ﷻ : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ التي هي الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ أي: سبب انتعاشهم، يقوم بها أمر معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويربَحُ فيه التجار، ويتوجه إليه الحجاج والعُمار، أو يقوم به أمر دينهم بالحج إليه، وأمر دنياهم بِأمنِ داخله، وتُجبى ثمرات كل شيء إليه. قال القشيري: حكَم الله- سبحانه- بأن يكون بيته اليومَ ملجأ يلوذ به كل مُؤمّل، ويستقيم ببركة زيارته كلُّ حائدٍ عن نهج الاستقامة، ويظفر بالانتقال هناك كل ذي أرَبٍ. هـ. وَالشَّهْرَ الْحَرامَ جعله الله أيضًا قيامًا للناس والمراد به ذو الحجة، فهو قيام لمناسك الحج، وجَمعِ الوجود إليه بالأموال من كل جانب، أو الجنس، وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، لأنهم كانوا يكفون عن القتال، ويأمن الناس فيها في كل مكان، وَالْهَدْيَ لأنه أمان لمن يسوقه لأنه لم يأت لحرب، وَالْقَلائِدَ، كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد شيئًا من السمُر «١» ، وإذا رجع تقلد شيئًا من شجر الحرم ليعلم أنه كان في عبادة، فلا يتعرض له أحد بشر، فالقلائد هنا: ما تقلده المحرم من الشجر، وقيل: قلائد الهدى. ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي: جعل ذلك الأمور، قيامًا للناس لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل الأمور، فشرع ذلك دفعًا للمضار وجلبًا للمنافع، وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه محل مصالح عباده ومضارهم، وهو تعميم بعد تخصيص، ومبالغة بعد إطلاق.

стр. 673

ثم قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه، وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن أطاعه وأقبل عليه، وهو وعيد ووعد لمن انتهك محارمه ولمن حافظ عليها، أو لمن أصرّ ورجع، ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وقد بلّغ، فلم يبق عذر لأحد، وهو تشديد في إيجاب القيام بما أمر، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ من تصديق وتكذيب وفعل وعزيمة. الإشارة: كما جعل الله الكعبة قيامًا للناس، يقوم به أمر دينهم ودنياهم، جعل القلوب، التي هي كعبة الأنوار والأسرار، قيامًا للسائرين، يقوم بها أمر توحيدهم ويقينهم، أو أمر سيرهم ووصولهم. وفي الحديث: «إنَّ في الجسدِ مُضغةً إذا صلَحَت صلُحَ الجسدُ كلُّهُ وإذا فَسددَت فَسدَ الجَسدُ كلُّه ألاَ وَهي القَلبِ» . وكما جعل الشهر الحرام والهدى والقلائد حرمة لأهلها، جعل النسبة والتزيي بها حفظًا لصاحبها، من تزيا بزي قوم فهو منهم، يجب احترامه وتعظيمه لأجل النسبة، فإن كان كاذبًا فعليه كذبه، وإِن يك صادقاً يُصبكم بعض الذي يعدكم، وقد أخذ اللصوص بعض الفقراء، وانتهكوا حرمته، وأخذوا ثيابه، فاشتكى لشيخه فقال له: هل كانت عليك مرقعتك؟ قال: لا، فقال له: أنت فرَّطت والمفرط أولى بالخسارة. هـ. والله تعالى أعلم. ولمّا كان مدار الأمر كله على صلاح القلوب وفسادها ذكره بإثره، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٠] قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يقول الحق ﷻ : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ عند الله، في القلوب والأحوال والأعمال والأموال والأشخاص، فالطيب من ذلك كله مقبول محبوب، والرديء مردود ممقوت، فالطيب مقبول وإن قلّ، والرديء مردود ولو جلّ، وهو معنى قوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، فالعبرة بالجودة والرداءة، دون القلة والكثرة، وقد جرت عادته- تعالى- بكثرة الخبيث من كل شيء، وقلة الطيب من كل شيء، قال تعالى: وَقَلِيلٌ ما هُمْ «١» ، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ «٢» ، وفي الحديث الصحيح: «النّاسُ كإبلٍ مِائةٍ لا تكادُ تَجِدُ فيها رَاحِلةَ» «٣» ، وقال الشاعر: إنّي لأفتَحُ عَينِيَ حِينَ أفتَحُها ... عَلَى كُثِيرٍ ولكن لا أرى أحَدا فأهل الصفا قليل في كل زمان، ولذلك خاطبهم بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي: القلوب الصافية في تجنب الخبيث وإن كثر، وأخذ الطيب وإن قلّ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بصلاح الدارين.

стр. 674

الإشارة: لا عبرة بالأحوال الظلمانية وإن كثرت، وإنما العبرة بالأحوال الصافية ولو قلّت، صاحب الأحوال الصافية موصول، وصاحب الأحوال الظلمانية مقطوع، ما لم يتب عنها، قال بعض الحكماء: (كما لا يصح دفن الزرع في أرض ردية، لا يجوز الخمول بحال غير مرضية) . والمراد بالأحوال الصافية: هي التي توافق مراسم الشريعة بحيث لا يكون عليها من الشارع اعتراض، بأن تكون مباحة في أصل الشريعة، ولو أخلت بالمروءة عند العوام، إذ المروءة إنما هي التقوى عند الخواص، والمراد بالأحوال، كل ما يثقل على النفس وتموت به سريعًا، كالمشي بالحفا وتعرية الرأس، والأكل في السوق، والسؤال، وغير ذلك من خرق عوائدها، التي هي شرط في حصول خصوصيتها، وفي الحِكَم: «كيف تخرق لك العوائد؟ وأنت لم تخرق من نفسك العوائد» . وبالله التوفيق ومن جملة الأحوال الرديئة: كثرة الخوض فيما لا يعنى، التي أشار إليه بقوله: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠١ الى ١٠٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢) قلت: الجملة الشرطية صفة لأشياء، وأشياء اسم جمع لشيء، أصله عند سيبويه: شيئَاءَ، مثل فَعلاء، قلبت إلى لفعاء، أي: قلبت لامه إلى فائه، لثقل اجتماع الهمزتين، وقال أبو حاتم: أشياء وزنها أفعال، وهو جمع شيء، وترك العرف فيه سماع، وقال الكسائي: لم ينصرف أشياء، لشبه آخره بآخر حمراء، انظر ابن عطية. وجملة (عفا الله عنها) : صفة أخرى لأشياء، أي: عن أشياء عفا الله عنها، ولم يكلف بها. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ليس لكم فيها نفع، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ أي: إن تظهر لكم وتجابوا عنها تسؤكم بالأخبار بما لا يعجيكم وبما يشق عليكم، قيل: سبب نزول الآية: كثرة سؤال الناس له ﷺ من الأعراب والمنافقين والجُهال، فكان الرجل يقول للنبي- عليه الصلاة السلام-؟ أين ناقتي؟ وآخر يقول: ماذا ألقى في سفري؟ ونحو هذا من التعنيت، حتى صعد المنبر ﷺ مغضبًا، فقال: «لا تَسألُوني اليوم عن شيء إلا أخبرتُكُم به» . فقام رجل فقال: أين أنا؟ فقال: في النار، وقام عبَدُ الله بن حُذَافة- وكان يُطعَنُ في نسبِهِ فقال: مَن أبي؟ فقال: «أبوكِ حُذافة» ، وقال آخر: من أبي؟ قال: «أبوك سَالم مولى شيبة» ، فقام عمر بن الخطاب، فجثا على ركبتيه، فقال: رَضِينا بالله رَبًا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمُحمَّدٍ نَبِيًا نعوذ بالله من الفتن. فنزلت هذه الآية «١» .

стр. 675

وقيل: سبب نزولها: أن رسول الله ﷺ خطب فقال: «أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فأعادوا، فقال: لا، لو قُلتُ: نَعَم، لو جبت، وَلَو وَجَبت لَم تُطيقوه، ولَوَ تَركتُموه لهلكتم، فأترُكُوني مَا تَركتُكُم» «١» ، قال أبو ثعلبة الخشني رضى الله عنه: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وعفا- من غير نسيان- عن أشياء، فلا تبحثوا عنها. ثم قال تعالى: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ أي زمنه تُبْدَ لَكُمْ أي: تظهر لكم، وفيه معنى الوعيد على السؤال، كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم أبدى لكم ما يسؤكم. والمراد بحين ينزل القرآن: زمان الوحي. فلا تسألوا عن أشياء قد عَفَا اللَّهُ عَنْها ولم يكلف بها أو عفا الله عما سلف من سؤالكم، فلا تعودوا إلى مثلها، وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ لا يعاجلكم بعقوبة ما فرط منكم ويعفو عن كثير. قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ حيث لم يأتمروا بما سألوا، وجحدوا، وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء فإذا أُمروا بها تركوها، فهلكوا. فالكفر هنا عبارة عن ترك ما أُمروا به. وقال الطبري: كقوم صالح في سؤالهم الناقة، وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدة. زاد الشلبي: وكقريش في سؤالهم أن يجعل الله الصفا ذهبًا. هـ. وكسؤالهم انشقاق القمر، وغير ذلك من تعنيتاتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: مذهب الصوفية مبني على السكوت والتسليم والصدق والتصديق، مجلسهم مجلس حلم وعلم وسكينة ووقار، إن تكلم كبيرهم أنصتوا، كأن على رءوسهم الطير، كما كان الصحابة- رضى الله عنهم-، ولذلك قالوا: من قال لشيخه: (لِمَ) لَمْ يفلح أبدًا. وقال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه: إذا جلست مع الكبراء فدع ما تعلم وما لا تعلم لتفوز بالسر المكنون. هـ. وفي الحديث عنه ﷺ : «إنَّ اللهَ يَنهَاكُم عَن قِيلَ وقَالَ، وكَثرة السُّؤالِ، وإضَاعَة المَالِ» «٢» . وقال الورتجبي: في الآية تحذير المريدين عن كثرة سؤالهم في البداية عن حالات المشايخ. هـ. قلت: وعلة النهي: لعله يطلع، بكثرة البحث عن حالهم، على أمور توجب له نفرة أو غضًّا من مرتبتهم قبل تربية يقينة، فالصواب: السكوت عن أحوالهم، واعتقاد الكمال فيهم، وكذلك يجب عليه ترك السؤال عن أحوال الناس، والغيبة عما هم فيه شغلا بما هو متوجه إليه، وإلا ضاع وقته، وتشتت قلبه، ولله در القائل: ولَستُ بِسائِلٍ مَا دُمتُ حَيًّا ... أسَارَ الجَيشُ أم رَكِبَ الأمِيرُ؟ والله تعالى أعلم.

стр. 676

ومن جملة ما وقع السؤال عنه: البحيرة وما معها، فأجابهم الحق- تعالى- بقوله: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٤] ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) قلت: البحيرة: فعلية بمعنى مفعولة، من بَحَرَ، إذا شق، وذلك أن الناقة كانت إذا ولدت عندهم في الجاهلية عشرة أبطن، شقوا أذنها، وتركوها ترعى، ولا ينتفع بها، وأما السائبة فكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي، فناقتي سائبة، فإذا قدم أو برىء سيّبها لآلهتهم، فلا تُحلَب، ولا تُركب، ولا تُمنَع من شجر، وقد يُسَيّبُون غير الناقة، فإذا سيّبوا العبد فلا يكون عليه ولاء لأحد، وإن قال ذلك، اليوم، فحمله على العتق، وولاؤه للمسلمين، وفعل ذلك- اليوم- في الحيوان حرام، كما يفعله جهلة النساء في الديك الأبيض يحرر حتى يموت، فإذا فعل ذلك ذبح وأكل. وأما الوصيلة: فكانوا إذا ولدت الناقة ذكرًا وأنثى متصلين، قالوا: وصلت الناقة أخاها، فلم يذبحوها، وأما الحام: فكانوا إذا نتج من الجمل عشرة أبطن، قالوا: قد حُمي ظهرُه، فلا يُركب ولا يُحمل عليه. يقول الحق ﷻ في إبطال هذه الأشياء: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ أي: ما شرع الله شيئًا من ذلك، ولا أمر به، وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بتحريم ذلك، ونسبته إليه، وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، أي: جُلهم لا عقل لهم، بل هم مقلدون غيرهم في تحريم ذلك، وتقليد الآباء والرؤساء في تحريم ما أحل الله- تعالى- شرك لأنهم نَزَّلَوا غير الله منزلته في التحريم والتحليل، وهو كفر، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ من الحلال والحرام، قالُوا حَسْبُنا أي: يكفينا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهذا بيان لقصور عقولهم وانهماكهم في التقليد، قال تعالى: أيتبعونهم وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ سبيلاً. قال البيضاوي: الواو للحال، والهمزة دخلت عليها لإنكار الفعل على هذه الحال، أي: أحسَبُهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين؟ والمعنى: أن الاقتداء إنما يصح لمن عُلِمَ أنه عالم مهتد، وذلك لا يعرف إلا بالحجة، فلا يكفي التقليد. هـ. الإشارة: قد نفى الله تعالى الخصوصية عن أربعة أنفس من أنفس المدعين، منها: نفس دخلت بحر الحقيقة بالعلم، وتبحرت في علمها دون الحال والذوق، وأهملت مراسم الشريعة حتى سقطت هيبتها من قلبها، فانسل منها الإيمان والإسلام انسلال الشعرة من العجين. ومنها نفس سائبة أهملت المجاهدة وانسابت في الغفلة، وأخذت

стр. 677

الولاية بالوراثة من أسلافها، دعوى، أو ظهرت عليها خوارق، استدارجا، مع إصرارها على كبائر العيوب، ومنها: نفس وصلت إلى الأولياء وصحبتهم، وخرجت عنهم قبل كمال التربية، وتصدرت للشيخوخة قبل إبانها، ومنها: نفس حمت ظهرها من التجريد، ووفرت جاهها مع العبيد، وادعت كمال التوحيد وأسرار التفريد، لمجرد مطالعة الأوراق، من غير صحبة أهل الأذواق، وهؤلاء بعداء من حيث يظنون القرب، مردودون من حيث يظنون القبول، والعياذ بالله من الدعوى وغلبة الهوى، فإذا قيل لهؤلاء: تعالوا إلى من يعرفكم بربكم، ويخرجكم من سجن نفوسكم، قالوا: نتبعُ ما وجدنا عليه أسلافنا، فيقال لهم: أتتبعونهم ولو كانوا جاهلين بالله؟ ثم نهى الله تعالى أهل التحقيق عن التعرض لمثل هؤلاء بعد نصحهم، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) قلت: (عليكم) : اسم فعل، وفاعله مستتر فيه وجوبًا، و (أنفسكم) : مفعول به على حذف مضاف أي: الزموا شأن أنفسكم. قاله الأزهري. يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ: احفظوها والزموا صلاحها، لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ أنتم، أي: لا يضركم ضلال غيركم إذا كنتم مهتدين ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته، قال ﷺ : «مَن رَأى مِنكُم مُنكَرًا، واستطَاعَ أن يُغيِّره بَيدِه، فَليغَيِّر، فإنَّ لم يَستَطِع فَبِلسانِه، فإن لم يَستَطعِ فَبقَلبِه» . والآية نزلت حيث كان المؤمنون يحرصون على الكفرة، ويتمنون إيمانهم، وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك، فلاموه، فنزلت. وعن أبي ثعلبة الخشني قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ؟ فقال: «أئتِمَرُوا بالمَعرُوِفِ، وانهوا عن المُنكَرِ، فإذَا رَأيتَ دُنيا مُؤثَرةٍ، وشُحًا مُطاعًا، وإعجَابَ كُلِّ ذِي رأي بِرأيِه، فَعَليكَ بخويصة نَفسِك، وَذَر عوامَهم فإنّ وَراءكُم أيامًا، العامِلُ فيها كأجرِ خَمسِينَ مِنكُم» «١» . وعن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية على أنه لا يلزم معها أمر ولا نهي، فصعد المنبر، فقال: (يا أيها الناس: لا تغتروا بقول الله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فيقول أحدكم: عليّ نفسي، والله لتأمُرن بالمعروف، ولتنهَوُنَّ عن المنكر أو ليستعملن عليكم شرارَكم فليسُومُنكم سوء العذاب) . وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: (ليس هذا بزمان هذه الآية، قولوا الحق ما قُبِلَ منكم، فإذا رُدّ عليكم فعليكم أنفسكم) .

стр. 678

قال ابن عطية: وجملة ما عليه أهلُ العلم في هذا: أن الأمر بالمعروف متعين متى رجى القبول، أو رجى رد المظالم، ولو بعُنف، ما لم يخف الآمِرُ ضررًا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين، إما بشق عصًا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم، حُكمٌ واجب أن يوقف عنده. هـ. ثم هدَّد مَن لم ينته، فقال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وفيه تنبيه على أن أحدًا لا يؤاخذ بذنب غيره، وتسليةٌ عن أمور الدنيا مكروهها ومحبوبها، بذكر الحشر وما بعده، وعن بعض الصالحين أنه قال: ما من يوم إلاَّ يجييئنى الشيطان فيقول: ما تأكل؟ وما تلبس؟ وأين تسكن؟ فأقول له: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبور. هـ. الإشارة: في الآية إغراء وتحضيض على الاعتناء بإصلاح النفوس وتطهيرها من الرذائل، وتحليتها بالفضائل، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عليكم بإصلاح أنفسكم أولاً، فإذا صلحت فأصلحوا غيركم، فعلى العبد أن يشتغل بشأن نفسه ولا يلتفت إلى غيره، حتى إذا كمل تطهيرُها، وفرغ من تأديبها، فإن أمره الحق- ﷻ بإصلاح غيره على لسان شيخ كامل، أو هاتف حقيقي، فليتقدم لذلك، فإنه حينئٍذ محمول محفوظ مأذون، وإلا فعليه بخاصة نفسه، كما تقدّم. والله- تعالى- أعلم. ولما جرى ذكر المرجع وما بعده، ولا يكون إلا بالموت، ناسب أن يذكر الوصية، التي من شأنها أن تكون عندها، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٦ الى ١٠٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) قلت: (شهادة) : مبتدأ، وخبره: (اثنان) ، أي: مقيم شهادة بينكم اثنان، أو حذف الخبر، أي: فيما أمرتكم شهادة بينكم، و (اثنان) على هذا: فاعل شهادة، و (إذا) : ظرف لشهادة، و (حين الوصية) : بدل منه، ويجوز أن يكون (إذا) : شرطية حذف جوابها، أي: إذا حضر الموت فينبغي أن يشهد حين الوصية اثنان، و (ذوا عدل) : صفة

стр. 679

لاثنان، أو (آخران) : عطف على (اثنان) ، (إن أنتم) : شرط حذف جوابه، دل عليه ما تقدم، أي: إن سافرتم، فأصابتكم مصيبة الموت في السفر، فشهادة بينكم اثنان. و (تحبسونهما) : قال أبو علي الفارسي: هو صفة لآخران، واعترض بين الصفة والموصوف قوله: (إن أنتم) إلى قوله: (الموت) ، ليفيدا العد، لأن (آخران) من غير الملة، إنما يجوز لضرورة الضرب في الأرض وحلول الموت في السفر. وقال الزمخشري: هو استئناف كلام، (إن ارتبتم) : شرطية، وجوابها محذوف، دلّ عليه (يقسمان) ، و (لا نشتري) هو المقسم عليه، وجملة الشرط معترضة بين القسم والمقسَم عليه، والتقدير: إن ارتبتم في صدقهما فأقسما بالله لا نشتري به، أي: بالقسم، ثمنًا قليلاً من الدنيا، و (الأوليان) : خبر، فيمن قرأ بالبناء للمفعول، أو فاعل، فيمن قرأ بالبناء للفاعل، ومن قرأ (الأولين) - تثنية أول- فبدل من الذين، أو صفة له. قال مكّي: (هذه الآية أشكل آية في القرآن إعرابًا ومعنى) . وسبب نزولها: أن تميمًا الدَّاريَّ وعَدي بن بداء- وكانا أخوين-، خرجا إلى الشام للتجارة- وهما حينئٍذ نَصرانيّان- ومعهما بُدَيلٌ مولَى عمرو بن العاصَ، وكان مُسلمًا، فلمّا قَدِما الشام مَرِضَ بُديلٌ، فدون ما مَعَه في صَحيفةٍ، وطرحها في متَاعه، وشدّ عليها، ولم يُخبرهُما بها، وأوصى إليهمَا بان يَدفعا مَتَاعَه إلى أهلِه، ومات، ففتّشاه، وأخذا منه إنَاءً من فِضّة، قيمته: ثلاثُمائة مثقالٍ، مَنقُوشًا بالذَهبِ، فجنّباه ودفَعَا المتَاعَ إلى أهلِهِ، فأصَابُوا الصَّحِيفَةَ، فطَالبُوهُمَا بِالإناء، فجَحَدا، فترافعوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إلى قوله: لَمِنَ الْآثِمِينَ فحلّفَهما رسول الله ﷺ ، بعد صلاة العصر، عند المنبر، وخلا سبيلهما، ثم عثر بعد مدة على الإناء بمكة، فقيل لمن وجد عنده: من أين لك هذا؟ قال: اشتريته من تميم الداري وعديّ بن بداء، فرفع بنو سهم الأمر إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت: فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، فقام عمرو بن العاصَ والمطلب بن أبي وَداعة السهميان، فحلفا واستحقا الإناء «١» . ومعنى الآية: يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، مما نأمركم به: أن تقع شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، وأراد الوصية فيحضر عدلان منكم، فإن كنتم في سفر وتعذر العدلان منكم، فليشهد آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ممن ليس على دينكم، ثم إن وقع ارتياب في شهادتهما، تَحْبِسُونَهُما بعد صلاة العصر فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ ما كتمنا، ولا خُنَّا، ولا نشتري بالقسم أو بالله عرضًا قليلاً من الدنيا، ولو كان المحلوف له قريبًا منا، وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً، إن كتمنا، لَمِنَ الْآثِمِينَ.

стр. 680

فإذا حلفا خلّي سبيلهما، فَإِنْ عُثِرَ بعد ذلك عَلى كذبهما وأَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً بسبب كذبهما، فَآخَرانِ من رهط الميت يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ المال المسروق، اللذان هم الْأَوْلَيانِ أي: الأحقان بالشهادة، فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ فيقولان: والله لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما، وأصدق، وأولى بأن تقبل، وَمَا اعْتَدَيْنا: وما تجاوزنا فيها الحق، إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ، فإن حلفا غرم الشاهدان ما ظهر عليهما، وتحليف الشهود منسوخ، وهذا الحكم خاص بهذه القضية. قال البيضاوي: الحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين، فإنه لا يحلف الشاهد، ولا تُعارِضُ يمينه يمينَ الوارث، وثابت إن كانا وصيين. هـ. وكذا شهادة غير أهل الملة منسوخة أيضًا، واعتبار صلاة العصر للتغليظ، وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة. قاله السيوطي. قال تعالى: ذلِكَ أي: تحليف الشهود، أَدْنى أي: أقرب أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها كما تحملوها من غير تحريف ولا خيانة فيها، أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ أي: أو أقرب لأن يخافوا أن ترد اليمين على المدعين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة، وإنما جمع الضمير، لأنه حكم يعم الشهود كلهم، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ما تُوصون به، فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم قومًا فاسقين، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي: لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة. الإشارة: أمر الحق- ﷻ في الآية المتقدمة، بالاعتناء بشأن الأنفس، بتزكيتها وتحليتها وأمر في هذه الآية بالاعتناء بشأن الأموال بحفظها، والأمر بالإيصاء عليها ودفعها لمستحقها إذ كلاهما يقربان إلى رضوان الله، ويوصلان إلى حضرته، وقد كان في الصحابة من قربه ماله، وفيهم من قربه فقره، وكذلك الأولياء، منهم من نال الولاية من جهة المال أنفقه على شيخه فوصله من حينه، ومنهم من نال من جهة فقره أنفق نفسه في خدمة شيخه، وقد رُوِيَ أن سيدي يوسف الفاسي أنفق على شيخه قناطير من المال، قيل: أربعين، وقيل: أقل. والله تعالى أعلم. ولما أمرهم بالتقوى، ذكر اليوم الذي تجنى فيه ثمراتها، فقال: [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٩] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لاَ عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩) قلت: (يوم) : بدل من (الله) ، بدل اشتمال، أي: اتقوا يوم الجمع، أو ظرف لاذكُر، و (ماذا) : منصوب على المصدر، أي: أيّ إجابة أُجبتم. يقول الحق ﷻ : واذكر يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ والأمم يوم القيامة فَيَقُولُ للرسل: ماذا أُجِبْتُمْ؟ أي: ما الذي أجابكم به قومكم، هل هو كفر أو إيمان، طاعة أو عصيان؟ والمراد بهذا السؤال توبيخ مَن

стр. 681

كفر من الأمم، وإقامة الحجة عليهم، فيقولون له في الجواب: لا عِلْمَ لَنا مع علمك، تأدبوا فوكلوا العلم إليه، أو علمنا ساقط في جنب علمك إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ لأن من علم الخفيات لا تخفي عليه الظواهر والبواطن، وقرىء بنصب علام، على إن الكلام قد تم بقوله: إِنَّكَ أَنْتَ أي: إنك الموصوف بصفاتك المعروفة، وعلام نصب على الاختصاص أو النداء. قاله البيضاوي. الإشارة: من حجة الله على عباده، أن بعث في كل أمة نذيرا يدعو إلى الله، أما عارفًا يعرف بالله، أو عالمًا يعلم أحكام الله، ثم يجمعهم يوم القيامة فيسألهم: ماذا أجيبوا، وهل قوبلوا بالتصديق والإقرار، أو قوبلوا بالتكذيب والإنكار؟ فتقوم الحجة على العوام بالعلماء، وعلى الخواص بالعارفين الكُبراء، أهل التربية النبوية، فلا ينجو من العتاب إلا من ارتفع عنه الحجاب، بصحبة العارفين وتعظيمهم وخدمتهم، إذ لا يتخلص من العيوب إلا من صحبهم وأحبهم وملّك نفسه إليهم. والله تعالى أعلم. ثم خص عيسى ﵇ بتذكير النعم يوم الجمع توطئة لتوبيخ من عبده من دون الله، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٠ الى ١١١] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) قلت: (إذ) : بدل من (يوم يجمع) ، أو باذكر، وجملة (تكلم) : حال من مفعول (أيدتك) . يقول الحق ﷻ : واذكر إِذْ يقول الله- جل وعز- يوم القيامة: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ بالنبوة والرسالة، وعلى أمك بالاصطفائية والصديقية، وذلك حين أَيَّدْتُكَ أي: قويتك بِرُوحِ الْقُدُسِ، وهو جبريل ﵇ كان لا يفارقك في سفر ولا حضر، أو بالكلام الذي تحيا به الأنفس والأرواح، الحياة الأبدية. كنت تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ أي: كائنًا في المهد وَكَهْلًا أي: تكلم في الطفولة والكهولة بكلام يكون سببًا في حياة القلوب، وبه استدل أنه ينزل، لأنه رفع قبل أن يكتهل، وَاذكر إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ أي: الكتابة،

стр. 682

وَالْحِكْمَةَ: النبوة وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي، وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي، وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وتقدم تفسيرها في آل عمران. «١» وكرر بِإِذْنِي مع كل معجزة إبطالا لدعوى الربوبية فيه، إذ قد عزله عن قدرته ومشيئته مع كل معجزة. قال ابن جزي: الضمير المؤنث- يعنى في «فيها» - يعود على الكاف، لأنها صفة الهيئة، وكذلك المذكور في آل عمران. فَأَنْفُخُ فِيهِ يعود على الكاف لأنها بمعنى مثل، وإن شئت قلت: هو في الموضعين يعود على الموصوف المحذوف الذي وصف به كهيئة، فتقديره في التأنيث: صورة، وفي التذكير: شخصًا، أو خلقًا وشبه ذلك. هـ. وَاذكر أيضًا إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ حين هموا بقتلك، إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحرًا، أو: قالوا في شأنك حين جئتهم: ما هذا إلا ساحر مبين، وَاذكر أيضًا إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي: ألهمتهم، أو أمرتهم بأن آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي عيسى، فامتثلوا، وقالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ أي: منقادون ومخلصون. الإشارة: قال الورتجبي: من تمام نعمة الله- تعالى- عليه صيرورة جسمه بنعت روحه في المهد على شبابه بالقوة الإلهية، بأن نطق بوصف تنزيه الله وقدسه وجلاله، وربويته وفناء العبودية فيه، وبقيت تلك القدرة فيه إلى كهولته، حتى عرّف عباد الله تنزيه الله وقدس صفات الله وحسن جلال الله، وهذا معنى قوله تعالى: تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا، وزاد في وصفه بقوله: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ، تجلى بقدرته بيده حتى يخط بغير تعلم. هـ. فانظره، مع ما ورد في التاريخ أنه كان يذهب مع الصبيان للمكتب. ثم ذكر معجزة المائدة، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٢ الى ١١٥] إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لآ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)

стр. 683

قلت: (يا عيسى ابن مريم) : ابن هنا بدل، ولذلك كتب بالألف، و (أن ينزل) : مفعول (يستطيع) ، ومن قرأ بالخطاب، فمفعول بالمصدر المقدر، أي: سؤال ربك إنزال مائدة، و (لأولنا وآخرنا) : بدل كل، من ضمير (لنا) ، لإفادته الإحاطة والشمول كالتوكيد، و (ذلك) : شرط إبدال الظاهر من ضمير الحاضر، وأعيدت اللام مع البدل للفصل، وضمير (لا أعذبه) :، نائب عن المصدر، أي: لا أعذب ذلك التعذيب أحدًا. يقول الحق ﷻ : واذكر إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ أي: هل يطيعك ربك في هذا الأمر، أم لا؟ فالاستفهام عن الإسعاف في القدرة، فهو كقول بعض الصحابة لعبد الله بن زيد: هل تستطيع أن ترينا كيف كان يتوضأ رسول الله ﷺ ؟ مع جزمهم بأن عبد الله كان قادرًا على تعليمهم الوضوء. فالحواريون جازمون بأن الله- تعالى- قادر على إنزال المائدة، لكنهم شكوا في إسعافه على ذلك. قال ابن عباس: كان الحواريون أعلم بالله من أن يشكوا أن الله تعالى يقدر على ذلك، وإنما معناه، هل يستطيع لك أي: هل يطيعك، ومثله عن عائشة، وقد أثنى الله- تعالى- على الحواريين، في مواضع من كتابه، فدل أنهم مؤمنون كاملون في الإيمان. قال لهم عيسى ﵇: اتَّقُوا اللَّهَ من أمثال هذا السؤال واقتراح الآيات، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بكمال قدرته وصحة نبوتي، فإنّ كمال الإيمان يوجب الحياء من طلب المعجزة، قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها أكلاً نتشرف به بين الناس، وليس مرادهم شهوة البطن، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال، أي: نعاين الآية ضرورة ومُشاهدة، فلا تعرض لنا الشكوك التي في الاستدلال، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا علمًا ضروريًا لا يختلجه وهم ولا شك، وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ أي: نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس، أو من الشاهدين للعين، دون السامعين للخبر، وليس الخبر كالعيان، والحاصل: أنهم أرادوا الترقي إلى عين اليقين، دون الأكتفاء بعلم اليقين. قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مسعفًا لهم لما رأى لهم غرضًا صحيحًا في ذلك، رُوِي أنه لبس جبّة شعر، ورداء شعر، وقام يصلي ويدعو ويبكي، وقال: اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي: لمتقدمنا ومتأخرنا، يعود علينا وقت نزولها كل عام بالفرح والسرور، فنتخذه عيدًا نحن ومن يأتى بعدنا، وَيكون نزولها آيَةً مِنْكَ على كمال قدرتك وصحة نبوتي، وَارْزُقْنا المائدة والشكر عليها، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي: خير من يرزق لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض، ونسبة الرزق إلى غيره مجاز. قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ كما طلبتم، فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لآ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ أي: من عالمي زمانهم، أو مطلقًا.

стр. 684

قال ابن عمر: (أشدُّ الناس عذاباً يومَ القيامة: من كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون، والمنافقون.) رُوِي أنها نزلت سُفرة حمراء بين غمامتين، وهم ينظرون إليها، حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها مثلة وعقوبة، ثم قام وتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل، وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية، تسيل دسمًا وعند ذنبها خل، وحولها من أنواع البقول ما خلا الكراث، وخمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. قال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ قال: ليس منهما، ولكنه اخترعه الله بقدرته، كلوا ما سألتم، واشكروا الله يمدُدكم ويزدكم من فضله، فقالوا: يا روح الله، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة: احيَى بإذن الله، فاضطربت، ثم قال لها: عودي، فعادت كما كانت، فعادت مشوية، ثم طارت المائدة، ثم عصوا بعدها فمسخوا. وقيل: كانت تأتيهم أربعين يومًا، غِبًّا «١» ، يجتمع عليها الفقراء والأغنياء والصغار والكبار، يأكلون، فإذا فرغوا، طارت وهم ينظرون في ظلها، ولم يأكل منها فقير إلا غني مدة عمره، ولا مريض إلا برىء ولم يمرض أبدًا، ثم أوحى الله إلى عيسى: أن اجعل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياء والأصحاء، فاضطرب الناس، فمسخ منهم ثلاثة وثمانون. وقيل: لما وعد الله إنزالها بهذه الشريطة، استغفروا وقالوا: لا نريد، فلم تنزل. قلت: المشهور أنها نزلت، ويحكى أن أرجلها باقية بجزيرة الأندلس. والله تعالى أعلم. الإشارة: في سؤال الحواريين لسيدنا عيسى ﵇ قلة آدب من وجهين: أحدهما: خطابه بقوله: (يا عيسى ابن مريم) وقد كانت هذه الأمة المحمدية تخاطب رسول الله ﷺ يا رسول الله، يا نبي الله، لكمال أدبها، وبذلك شرفت وعظم قدرها، فالأدب عند الصوفية ركن عظيم، بل هو روح التصوف وقطب دائرته، قال بعضهم: (اجعل عَمَلك مِلحًا، وأدبك دقيقًا) ، والكلام فيه عندهم طويل شهير. والوجه الثاني: ما في قولهم: (هل يستطيع ربك) من بشاعة التعبير، وسوء اللفظ، حتى اتهموا بالكفر من أجله. وقد تقدم تأويله، وأما سؤالهم المائدة، فقال بعض الصوفية: هي عبارة عن المعارف والأسرار الربانية التي هي قوت الأرواح السماوية، فقوت الأشباح الأرضية ما يخرج من الأرض من الأقوات الحسية، وقوت الأرواح السماوية ما ينزلُ من السماء من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، ينزل على قلوب العارفين، ثم يبرز منها إلى قلوب عائلة المستمعين، ولما طلبوها قبل إبانها وقبل الاستعداد لها، قال لهم: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فلما ألحوا فى

стр. 685

السؤال، بيَّن الحق لهم أن إنزالها سهل على قدرته، لكن فيه خطر وسوء عاقبة، لأن الحقائق قد تضر بالمريد إذا لم يكمل أدبه واستعداده، فلما بينوا مرادهم من كمال الطمأنية واليقين دعا الله- تعالى- فوعدهم بالإنزال مع دوام الإيمان وكمال الإيقان، فمن كفر بها، ولم يعرف قدرها، عذب بعذاب لم يعذبه أحد من العالمين، وهو الطرد والبعد من ساحة حضرة رب العالمين. والله تعالى أعلم. ثم وبخ من عبد عيسى من الكفرة، فقال: [سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٦ الى ١٢٠] وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) قلت: (من دون الله) : صفة لإلاهين، أو صلة (اتخذوني) ، و (أن أعبدوا) : تفسيرية للمأمور به، أو بدل من ضمير به، وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقًا لئلا يلزم منه بقاء الموصول بلا راجع، أو عطف بيان له، أو خبر عن مضمر، أي: هو، أو مفعول به، أي: أعني، ولا يجوز إبداله من (ما) لأن المصدر لا يكون مفعولاً للقول لأنه مفرد، والقول لا يعمل إلا في الجمل أو ما في معناه. (يوم ينفع) من نصب جعله ظرفًا لقال، أو ظرف، مستقر خبرِ (هذا) والمعنى: هذا الذي مَرّ من كلام عيسى، واقع يوم ينفع، الخ، وأجاز ابن مالك أن يكون مبنيًّا، قال في ألفيته: وقَبل فَعل مُعَرب أو مُبتَدا ... أعرِب، ومَن بَنَا فَلَن يُفَنَّدَا «١» ومَن رفع، فخبر، وهو ظرف متصرف.

стр. 686

يقول الحق ﷻ : واذكر إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى بعد رفعه إلى السماء، أو يقوله له يوم القيامة، وهو الصحيح، بدليل قوله: قالَ اللَّهُ هذا الخ، فإن اليوم الذي يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ هو يوم القيامة، فيقول له حينئذٍ: أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ يريد به توبيخ الكفار الذين عبدوه وتبكيتهم، وفيه تنبيه على أن من عبد مع الله غيره فكأنه لم يعبد الله قط، إذ لا عبرة بعبادة من أشرك معه غيره. قالَ عيسى ﵇ مبرءًا نفسه من ذلك وقد أرعد من الهيبة: سُبْحانَكَ أي: تنزيهًا لك من أن يكون لك شريك، ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ أي: ما ينبغي لي أنْ أقولَ ما لا يجوز لي أن أقوله، إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، وكَلَ العلم إلى الله لتظهر براءته لأن الله علم أنه لم يقل ذلك، تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي: تعلم ما أخفيته في نفسي، كما تعلم ما أعلنته، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك، سلك في اللفظ مسلك المشاكلة، فعبّر بالنفس عن الذات. إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ لا يخفى عليك شيء من الأقوال والأفعال. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ وهو عبادة الله وحده، فقلت لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً أي: رقيبًا عليهم، أمنعهم أن يقولوا ذلك أو يعتقدوه. ما دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي بالرفع إلى السماء، أي: توفيت أجلي من الأرض. والتوفي أخذ الشيء وافيًا، فلما رفعتني إلى السماء كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ أي: المراقب لأحوالهم وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ: مطّلع عليه مراقب له. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وأنت مالك لهم، ولا اعتراض على المالك في ملكه، وفيه تنبيه على أنهم استحقوا العذاب، أي: لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فلا عجز ولا استقباح، فإنك القادر والقوي على الثواب والعقاب بلا سبب، ولا تُعاقب إلا عن حكمة وصواب، فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد، فلا امتناع فيه لذاته ليمتنع الترديد والتعليق بإن. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: فيه سؤالان: الأول: كيف قال: إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ وهم كفار، والكفار لا يغفر لهم؟ فالجواب: أن المعنى تسليم الأمر إلى الله، وإنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه لأن الخلق عباده، والمالك يفعل ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار، وإنما يقتضي جوازها في حكمة الله وعزته، وفَرقٌ بين الجواز والوقوع، وأما على قول من قال: إن هذا الخطاب وقع لعيسى ﵇ حين رفعه الله إلى السماء فلا إشكال، لأن المعنى: إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذٍ أحياء، وكل حيى مُعرض للتوبة. السؤال الثاني: ما مناسبة قوله: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لقوله: إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، والأليق إن قال: فإنك أنت الغفور الرحيم؟ فالجواب: أنه لما قصد التسليم له والتعظيم، كان قوله: (فإنك أنت العزيز الحكيم) أليق، فإن الحكمة

стр. 687

تقتضي التسليم، والعزة تقتضي التعظيم، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد، ولا يغلبه غيره، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فاقتضى الكلام تفويضُ الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدمها لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته، وأيهما فعل فهو جميل لحكمته. وقال أبو جعفر بن الزبير: إنما لم يقل الغفور الرحيم لئلا يكون شفيعًا لهم بطلب المغفرة، فاقتصر على التسليم والتفويض، دون الطلب، إذ لا نصيب في المغفرة للكفار. انظر بقية كلامه. قال التفتازاني: ذكر المغفرة، يوُهم أن الفاصلة: (الغفور الرحيم) ، لكن يُعرف بعد التأمل أن الواجب هو العزيز الحكيم لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه، وهو العزيز، أي: الغالب، ثم وجب أن يوصف بالحكمة على سبيل الاحتراس لئلا يتوهم أنه خارج عن الحكمة. هـ. قال الله تعالى: هذا أي: يوم القيامة يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ أي: هنا ينتفع الصادقون في الدنيا بصدقهم، ويفتضح الكاذبون على الله بكذبهم. والمراد بالصادقين أهل التوحيد، الذين نزهوا الله تعالى عما لا يليق بجلاله وجماله، فصدقوا فيما وصفوا به ربهم. ثم ذكر ما وعدهم به، فقال: لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ حيث رضوا بأحكامه القهرية والتكليفية، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهذا تنبيه على تكذيب النصارى، وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل: ومن فيهن، تغليبًا لغير العقلاء، وإنما غلبَ غير أولى العقل للإعلام بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية، وإهانة لهم وتنبيهًا على أنهم جنس واحد، فمن يعقل منهم لقصور عقله ونظره كمن لا يعقل، فيبعد استحقاقهم للألوهية التي تنبىء عن تمام الحكمة وإحاطة العلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من صَدّر نفسه للشيخوخة من غير إذن، وأشار إلى تعظيمه بلسان الحال أو المقال يَلحَقُهُ العتاب يوم القيامة فيقال له: أأنت قلت للناس عظموني من دون الله؟ فإن كان مقصوده بالأمر بالتعظيم الوصول إلى تعظيم الحق تعالى، والأدب معه في الحضرة دون الوقوف مع الواسطة، وبذل جهده في توصيل المريدين إلى هذا المقام، يقول: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إلى تمام ما قال السيد عيسى ﵇، فيقال له: (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) . وإن كان مقصوده بالتصدّر للتعظيم والآمر به، حظ نفسه، وفَرَح بتربية جاهه والإقبال عليه، افتضح وأُهين بما افتضح به الكاذبون المدعون. نسأل الله تعالى الحفظ والرعاية بمنِّه وكرمه، وسيدنا محمد رسوله ونبيه- ﷺ ، وعلى آله وصحبه وسلّم-.

стр. 688

سورة الأنعام مكية غير ست آيات أو ثلاث، وقال الكلبي: الأنعام كلها مكية إلّا آيتين نزلتا بالمدينة فى فنحاص اليهودي، وهى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى «١» مع ما يرتبط بهذه الآية. وهى مائة وخمس وستون آية، قاله البيضاوي. قال ابن عباس: (نزلت سورة الأنعام وحولها سبعون ألف ملك، لهم زجل «٢» يجأرون بالتسبيح) . وقال كعب: (فاتحة الأنعام هى فاتحة التوراة الْحَمْدُ لِلَّهِ ... إلى ... يَعْدِلُونَ، وخاتمة التوراة خاتمة هود وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ «٣» ) . وقيل: خاتمتها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ... «٤» إلى ... تَكْبِيراً. وقال سيدنا علي- كرّم الله وجهه-: (من قرأ سورة الأنعام فقد انتهى فى رضا ربه) . قاله ابن عطية. ومناسبتها لما قبلها: الاستدلال على قدرته تعالى التي ختم بها ما قبلها، ومضمنها: التعريف بالذات المقدسة، دلالة وعيانا، والاستدلال على وحدانيتها وما يجب لها من صفات الكمال، والرد على طوائف المشركين، وذم أحوالهم وأفعالهم، ومدح أهل التوحيد من العارفين أو المؤمنين، قال الشيخ زرّوق رضى الله عنه فى شرح الرسالة: ما ذكره الشيخ ابن أبى زيد، فى عقائد رسالته، هو ما تضمنته سورة الأنعام. هـ. بالمعنى. قال ﷻ : [سورة الأنعام (٦) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) قلت: (ثم الذين كفروا) : عطف على جملة الحمد على معنى: أن الله حقيق بالحمد على ما خلقه، نعمةً على العباد، ثم الذين كفروا بربهم الذي ربَّاهم بهذه النعم، يَعدِلون به سواه من الأصنام، يقال: عدَلت فلانًا بفلان جعلته نظيره. أو عطف على «خلَق، وجعل» : على معنى أنه خلق وقدّر ما لا يقدر عليه غيره، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء. ومعنى (ثم) : استبعاد عدولهم بعد هذا البيان. والباء في «بربهم» متعلقة بكفروا، على الأول، وبيعدلون على الثاني. قاله البيضاوي. يقول الحق ﷻ : الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: جميع المحامد إنما يستحقها الله، إذ ما بكم من نعمة فمن الله. الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ التي تُظِلُّكم، مشتملة على الأنوار التي تضيء عليكم، ومحلاً لنزول الرحمات والأمطار

стр. 689

عليكم، وَخلق الْأَرْضَ التي تُقلُّكم، وفيها نبات معاشكم في العادة، وفيها قراركم في حياتكم وبعد مماتكم، مشتملة على بحار وأنهار، وفواكه وثمار، وبهجة أزهار ونِوار، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ التي تستركم، راحة لأبدانكم وقلوبكم، كظلمات الليل الذي هو محل السكون. وَجعل النُّورَ الذي فيه معاشكم وقوام أبدانكم وأنعامكم. ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا كله، يَعْدِلُونَ عنه إلى غيره، أو يعدلون به سواه، فيُسوَونه في العبادة معه. قال البيضاوي: وجمع السموات دون الأرض وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة الآثار والحركات، وقدَّمها لشرفها وعلو مكانها. ثم قال أيضًا: وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها، أو لأن المراد بالظلمة: الضلال، وبالنور: الهُدى. والهدى واحد والضلال متعدد. وتقديمها لتقدم الإعدام على المَلَكَهِ. ومن زعم أن الظلمة عرَضٌ يُضاد النور احتج بهذه الآية، ولم يعلم أن عدم الملكَة كالعمي ليس صِرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل. هـ. الإشارة: أثنى الحق- ﷻ على نفسه بإنشاء هذه العوالم، التي هي محل ظهور عظمته وجلاله وجماله وبهائه. فأنشأ سموات الأرواح، التي هي مظهر لشروق أنوار ذاته وصفاته، ومحل لظهور عظمة ربوبيته، وأنشأ أرض النفوس، التي هي مظهر لتصرف أقداره، ومحل لظهور آداب عبوديته، وتجلى بين الضدين بين الظلمات والنور، ليقع الخفاء في الظهور، كما قال بعض الشعراء: ... لقد تكامَلَت الأضدادُ في كامل البها ثم بعد هذا الظهور التام، عدل عن معرفته جلُ الأنام، إلا مَن سبقت له العناية من المِلك العلام. وبالله التوفيق. ثم برهن على كمال قدرته، فقال: [سورة الأنعام (٦) : آية ٢] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) قلت: (أجل) : مبتدأ. و (مُسَمى) : صفته. و (عنده) : خبر، وتخصيصه بالصفة أغنَى عن تقديم الخبر. يقول الحق ﷻ : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أي: ابتدأ خلقكم منه، وهو آدم، لأنه المادة الأولى، وهو أصل البشر. ثُمَّ قَضى أَجَلًا تنتهون في حياتكم إليه، وهو الموت. وَأَجَلٌ مُسَمًّى مُعيَّن للبعث، لا يقبل التغيير، ولا يتقدم ولا يتأخر، عِنْدَهُ استأثر بعلمه، لا مدخل لغيره فيه بعلم ولا قدرة، وهو المقصود بالبيان، ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ أي: تشكُّون في هذا الأجل المسمى الذي هو البعث. وثُمَّ: لاستبعاد امترائهم بعد ما ثبت عنه أنه خالقهم، وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم، فإن مَن قدر على خلق المواد وجمعها، وإيداع الحياة فيها وإبقائها ما شاء، كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيًا. قاله البيضاوي.

стр. 690

الإشارة: القوالب من الطين، والأرواح من نور رب العالمين، فالطينية ظرف لنور الربوبية، الذي هو الروح لأن الروح نور من أنوار القدس، وسر من أسرار الله، فمن نظَّف طينته ولطَّفها ظهرت عليها أسرار الربوبية والعلوم اللدنية، وكُشف للروح عن أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، وانخنَست الطينية، واستولت عليها الروح النورانية، ومن لطّخ طينته بالمعاصي وكثّفها باتباع الشهوات، انحجبت الأنوار واستترت، واستولت الطينية الظُلمانية على الروح النُورانية، وحجبتها عن العلوم اللدنية والأسرار القدسية، بحكمته تعالى وعدله وظهور قهره. وبالله التوفيق. ثم برهن على وحدانيته الخاصة، فقال: [سورة الأنعام (٦) : آية ٣] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) قلت: (هو) : مبتدأ، و (الله) : خبره. و (في السموات) : خبر ثان، أي: وهو الله كائن أو موجود فى السموات وفي الأرض بنوره وعلمه. قال تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «١» . و (يعلم سركم وجهركم) : تقرير له. يقول الحق ﷻ : هذا الذي اختص بالحمد وأبدع الكائنات كلها- هُوَ اللَّهُ ظاهر فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ بنوره وقدرته وعلمه وإحاطته، فلا شريك معه يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ من خير أو شر، فيثيب عليه ويعاقب، ولعله أراد بالسر والجهر ما يظهر من أحوال النفس، وبالمكتسب أعمال الجوارح. فالآية الأولى دليل القدرة التي ختم بها السورة، والآية الثانية دليل البعث، والآية الثالثة دليل الوَحدة. الإشارة: قال بعض العارفين: الحق تعالى منزّه عن الأين والجهة، والكيف، والمادة، والصورة، ومع ذلك لا يخلو منه أين، ولا مكان، ولا كم، ولا كيف، ولا جسم، ولا جوهر، ولا عرض. لأنه للطفه سارٍ في كل شيء، ولنوريته ظاهر في كل شيء، ولإطلاقه وإحاطته متكيّف بكل كيف، غير متقيد بذلك، فمن لم يعرف هذا ولم يذقه ولم يشهده، فهو أعمى البصيرة، محروم من مشاهدة الحق تعالى. ولابن وفا: هُوَ الحَقُّ المُحُيطُ بِكُلِّ شيءٍ ... هُوَ الرحمَنُ ذُو العَرشِ المَجيدِ هَوَ المَشهُودُ في الأشهَادِ يَبدُو ... فَيُخفِيه الشهُودُ عَن الشِّهِيدِ هَوَ العَينُ العيَانُ لِكُلِّ غَيبٍ ... هُوَ المَقصُودُ مِن بَيتِ القَصِيدِ جَميعُ العَالِمَينَ له ظِلالٌ ... سُجُودٌ في القَريبِ وَفي البَعِيدِ وَهَذا القَدرُ في التَّحقِيقِ كافٍ ... فَكُفَّ النَّفسَ عَن طَلَبِ المَزيدِ

стр. 691

ثم ذم من أعرض عن دلائل توحيده، فقال: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤ الى ٥] وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) قلت: (مِن) الأولى: مزيدة للاستغراق، والثانية للتبعيض. يقول الحق ﷻ : وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ دالّة على توحيد الله وكمال صفاته، إلا أعرَضوا عنها، أي: الكفار، أو: ما تأتيهم معجزة من المعجزات الدالة على قدرة الله وصدق رسوله، أو: ما تأتيهم آية من آيات القرآن تدل على وحدانيته وكمال ذاته، إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تاركين للنظر فيها، غير ملتفتين إليها. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ وهو القرآن لَمَّا جاءَهُمْ، وهو كالدليل لِما قبله، لأنهم لمّا كذبوا بالقرآن- وهو أعظم الآيات- فكيف لا يُعرضون عن غيره من الآيات؟ ثم هدَّدهم بقوله: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ أي: أخبار ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: سيظهر لهم، عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة، ما كانوا يستهزئون به من البعث والحساب، أو عند ظهور الإسلام وارتفاعه. الإشارة: مَن سبق له الخُذلان لا تنفعه الأدلة وتواتُر البرهان، ولا تزيده ظهور المعجزات أو الكرامات إلا التحاسد وظهور العداوات، ولا يزيده الدعاء إلى الله والتناد، إلاَّ الإعراض عنه والبعاد، نعود بالله من الشقاء وسوء القضاء. ثم أمر أهل الإنكار بالنظر والاعتبار، فقال: [سورة الأنعام (٦) : آية ٦] أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦) قلت: (كم) : خبرية، مفعول «أهلكنا» ، أي: كثيرًا أهلكنا من القرون، والقرن مدة من الزمان تهلك أشياخُها وتقوم أطفالُها، واخُتلف في حدِّها، قيل: مائة، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: القرن: أهل زمان فيه نبي أو فائق في العلم، قلَّت المدةُ أو كثُرَت، مشتق من قرين الرجل. والمطر المِدرار هو الغزير، وهي من أمثلة المبالغة، كمِذكار وميناث. يقول الحق ﷻ : أَلَمْ يَرَوْا ببصائرهم رؤيةَ اعتبار، كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ من أهل عصر مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أي: جعلناهم متمكّنين فيها بالقرار والسُّكنَى والطمأنينة فيها، أو أعطيناهم من القوة والآلات

стр. 692

ما تمكَّنُوا بها من أنواع التصرف فيها فقد مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يا أهل مكة، فقد جعلنا لهم من السعة وطول المقام ما لم نجعله لكم، أو أعطيناهم من القوة والسَّعة في المال والاستظهار على الناس بالعُدَّة والعدَد وتَهَيُّؤ الأسباب ما لم نجعله لكم،. وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ أي: المطر أو السحاب عَلَيْهِمْ مِدْراراً أي: مغزارا على قدر المنفعة بحسب الحاجة، وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ أي: أجرينا الأودية من تحت ديارهم وأراضيهم، فعاشوا في الخصب والريف، بين الأنهار والثمار، فعَصوا وطَغوا وبَطرُوا النعمة، فلم يُغنِ ذلك عنهم شيئًا. فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا أي: أحدثنا، مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ بدلاً منهم. والمعنى: أنه تعالى كما قدَّر أن يُهلك مَن تقدم مِن القُرون، بعد أن مكَّنهم في البلاد واستظهروا على العباد، كعاد وثمود، وأنشأ بعدهم آخرين عمَّر بهم بلاده، يقدر أن يفعل ذلك بكم يا معشر الكفار المعاصرين لمحمد ﷺ . الإشارة: النظر والاعتبار يُوجب للقلب الرقَّة والانكسار. وهي عبادة كبرى عند العُباد والزهاد، أُولي العزم والاجتهاد. وفوقها: فكرة الشهود والعيان، وهي الفكرة التي تطوي وجود الأكوان، وتُغيب الأواني بظهور المعاني، أو تريها حاملة لها قائمة بها، فالأُولى فكرة تصديق وإيمان، والثانية فكرة شُهُود وعِيان. وبالله التوفيق. ثم ذكر عنادهم، وأنهم لا تنفع فيهم المعجزة، فقال: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧ الى ٩] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) يقول الحق ﷻ : وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ يا محمد كِتاباً مكتوبًا فِي قِرْطاسٍ أي: رَقٍّ، فرأوه بأعينهم، ولمسوه بأيديهم، حتى لا يبقى فيه تزوير، لعاندوا، ولَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا منهم بعد ذلك: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ تعنتًا وعنادًا، وتخصيص اللمس لأن التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز، فإنه قد يُتَجوز فيه فيطلق على الفحص كقوله: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ «١» . ثم اقترحوا معجزة أخرى، وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يكلمنا أنه نبي، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أو شهيدًا له بالرسالة، رُوِي أن العاص بن وائل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود هم الذين سألوا ذلك. قال تعالى:

стр. 693

وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً، كما طلبوا لَقُضِيَ الْأَمْرُ بهلاكهم، فإنَّ سُنة الله جرَت بذلك فيمن قبلهم مهما اقترحوا آية، فظهرت ثم كفروا، عجَّل الله هلاكهم، ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ أي: لا يُمهلون بعد نزولها ساعة. وعلى تقدير لو أنزلنا عليهم الملك- كما اقترحوا- فلا يمكن أن يظهر إلا على صورة البشر ليُطيقوا رؤيته، وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ليتمكنوا من رؤيته، كما مثّل جبريل في صورة دِحية، فإن القوة البشرية لا تقوَى على رؤية الملائكة. وإنما رأوهم كذلك الأفرادُ من الأنبياء، لامتلاء أسرارهم بالأنوار القدسية، فإذا ظهر على صورة البشر التبس الأمر عليهم فقالوا: إنما هو بشر لا ملك. فهذا معنى قوله: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ أي: لخلَطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، أو لفعلنا لهم في ذلك فعلاً مُلبسًا يطرق لهم إلى أن يُلبِسوا به على أنفسهم وضعفائهم فإن عادة الله في إظهار قدرته أن تكون مرتدية برداء حكمته ليبقى سر الربوبية مَصُونًا، فمن سبقت له العناية خلق الله في قلبه التصديق بها، حتى علمها ضرورة، وغيره يلبس الأمر عليه فيها. وبالله التوفيق. الإشارة: كرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء، لا تظهر إلاَّ لأهل الصدق والتصديق، ولا يتحقق بولايتهم إلاَّ مَن سبق له الوصول إلى عين التحقيق. «سبحان مَن لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا مَن أراد أن يوصله إليه» ، فأهل الإنكار عليهم لا يرون إلا ما يقتضي البعد عنهم. وأهل الإقرار لا يرون إلا ما يقتضي القرب منهم والمحبة فيهم. والله تعالى أعلم. ثم سلّى رسوله- عليه الصلاة السلام- فقال: [سورة الأنعام (٦) : آية ١٠] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قلت: حاق يَحِيق حَيقًا، أي: نزل وأحاط، و (منهم) : يتعلق بسخروا، و (ما كانوا) : الموصول اسمي أو حرفي. يقول الحق ﷻ في تسلية رسوله ﷺ : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ كثير مِنْ قَبْلِكَ فصبروا على أذى قومهم حتى أهلكهم الله، فَحاقَ أي: أحاط بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزءون به ويستبعدونه، أو: نزل بهم وبالُ استهزائهم وهو الهلاك. الإشارة: كل ما سُلِّيت به الرسل تسلى به الأولياء، فما من ولي صِدِّيق إلا ابتلاه الله بتسليط الخلق عليه حتى ترحلَ رُوحه عن هذا العالم لضِيقه عليها، وتتمكن من شهود عالم الملكوت، فإذا طهرت منه البقايا، وكملت فيه المزايا، ردَّه إليهم غنيًّا عنهم، وغائبًا عنهم، جسمُه مع الخلق وقلبه مع الحق. هذه سُنة الله في أوليائه، فكل وليّ يتسلى بمن قبله في إيذاء الخلق له. غير أن أولياء هذه الأمة إذا كمل مقامهم صاروا على قَدَم نبيهم، يكونون رحمة

стр. 694

للعباد، مَن آذاهم لا يُعاجَل بالعقوبة غالبًا، كما كان نبيهم رحمة للعالمين، فقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» . والله تعالى أعلم. ثم جددّ الأمر بالاعتبار، فقال: [سورة الأنعام (٦) : آية ١١] قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قلت: قال الزمخشري: فإن قلت: أيُّ فرق بين قوله: (فانظروا) ، وبين قوله: (ثم انظروا) ؟ فالجواب: أنه جعل النظر مسبَّبًا على السير فى قوله: انْظُرُوا، كأنه قال: سيروا لأجل النظر، وأما قوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا، فمعناه: إباحة السير للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في الهالكين. هـ. ولم يقل: كانت لأن العاقبة مُجَاز تأنيثُها. يقول الحق ﷻ : قُلْ لهم: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ وجُولوا في أقطارها، ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ قبلكم، كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مَديَن، كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال، كي تعتبروا وتنزجروا عن تكذيب محمد- عليه الصلاة السلام-. الإشارة: يقال لأهل التنكير على أهل الذكر والتذكير: سِيروا في الأرض، وانظروا كيف كان عاقبة المنكرين على المتوجهين، كانت عاقبتهم الخذلان، وسوء الذكر بعد الموت والخسران كابن البراء وغيره من أهل التنكير. نعوذ بالله من التعرّض لمقت الله. لكن الأمر كله بيد الله، كما قال تعالى: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢ الى ١٣] قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قلت: جملة (ليجمعنّكم) : مقطوعة، جواب لقسَم محذوف، وقيل: بدل من الرحمة، وهو ضعيف لدخول النون الثقيلة في غير موضعها. و «إلى» : هنا، للغاية، كما تقول: جمعتُ القوم إلى داري. وقيل: بمعنى «في» ، و (الذين خسروا) : مبتدأ، وجملة: (فهم لا يؤمنون) : خبر، و (له ماسكن) : عطف على (لله) ، وهو إما من السكنى فلا حذف، أو من السكون، فيكون حذف المعطوف. أي: ما سكن وتحرَّك.

стр. 695

يقول الحق ﷻ : قُلْ للمشركين يا محمد: لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا؟. قُلْ لهم هو: لِلَّهِ لا لغيره، والقصد بالآية: إقامة البرهان على التوحيد وإبطال الشرك. وجاء ذلك بصيغة الاستفهام لإقامة الحجة على الكفار، فسأل أولاً، ثم أجاب عن سؤاله بنفسه لأنَّ الكفار يُوافقون على ذلك ضرورة، فثبت أن الإله الحق هو الذي له ما في السموات والأرض، وإنما يحسُن أن يكون السائلُ مجيبًا إذا عُلِم أن خَصمَه لا يخالفُه في الجواب الذي يقيم به الحجة عليه. ثم دعاهم إلى الإيمان والتوبة بتلطُّف وإحسان فقال: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» كما في الآية الأخرى، والكتابةُ هنا عبارة عن القضاء السابق، وقد فسرها رسول الله ﷺ بقوله: «إنَّ اللهَ كتَبَ كتابًا قبلَ أن يَخلُقَ السّموات والإرضَ فَهُوَ عِندَه» وفيه: «أنَّ رَحمَتِي سبقَت غَضَبي» «٢» وفي رواية: «تَغّلِبُ غضبي» «٣» . قال البيضاوي: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي: التزمها تفضلاً وإحسانًا، والمراد بالرحمة: ما يعُمُّ الدارين، ومن ذلك: الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده، بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإمهال على الكفر. هـ. ثم ذكر محل ظهور هذه الرحمة، فقال: واللهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي: ليجمعنكم من القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيُجازي أهل التوبة والإيمان، ويعاقب أهل الشرك والكفران، لا رَيْبَ في ذلك اليوم، أو في ذلك الجمع، فيظهر أهل الخسران من أهل الإحسان، ولذلك قال: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بتضييع رأس مالهم، وهو النظر الصحيح الموجِب للإيمان والتوحيد فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ حتى أدركهم الموت فلا خسران أعظم من ذلك. ودخلت الفاء في الخبر للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبّب عن خسرانهم فإن إبطال النظر، والانهماك في التقليد واتباع الوهم، أدَّى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناع من الإيمان إلى الممات. فخسروا أولاً بتضييع النظر، فتسبب عنه عدم الإيمان. ثم تمّم جوابه فقال: وَلَهُ ما سَكَنَ أي: قل لهم: ما في السمواتِ والإرض لله، وله أيضًا ما سكن فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي: ما استقر فيهما وما اشتملتا عليه، أو ما سكن فيهما وتحرك، وَهُوَ السَّمِيعُ لكل مسموع، الْعَلِيمُ بكل معلوم فلا يخفى عليه شيء في الليل والنهار، فى جميع الأقطار.

стр. 696

الإشارة: إذا علِم العبدُ أن الخلق كلهم في قبضة الله، وأمورهم كلها بيد الله، أحاط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا، لم يبق له على أحد عتاب، ولا ترتيبُ خطأ ولا صواب، إلاَّ ما أمرت به الشريعةُ على ظاهر اللسان. بل شأنه أن ينظر إلى ما يفعل المالك في ملكه، فيتلقاه بالقبول والرضى، وفي الحِكَم: «ما تَركَ من الجهل شيئا مَن أراد أن يُظهر في الوقت غيرَ ما أظهره الله فيه» ، هذا شأن أهل التوحيد يدوُرون مع رياح الأقدار حيثما دارت، غيرَ أنهم يتحنَّنون بقلوبهم إلى رحمة الكريم المنان، وينهضون بهمتهم إلى مَظانّ السعادة والغفران، ويرجون منه الجمع عليه في رَوْح وريحان، وجنة ورضوان، بمحض فضل منه وإحسان. جعَلَنَا الله منهم بفضله وكرمه. آمين. ثم أقام الحجة على أهل الشرك، فقال: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤ الى ١٨] قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قلت: (فاطر) : نعت لله، ومعناه: خالق ومبدع. قال ابن عباس رضى الله عنه: (ما كُنت أعرف معنى فاطر، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطَرتها بيدي) . وجملة: (وهو يطعم) : حال، وقُرِىء بعكس الأول ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على أن ضمير (هو) راجع لغير الله، وببنائهما للفاعل على معنى يُطعِم تارة، ويمنع أخرى، كقوله: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ «١» ، وجملة (إن عصيتُ) : معترضة بين الفعل والمفعول، والجواب: محذوف دلَّ عليه ما قبله، أي: إن عصيتُ فإني أخاف عذاب يوم عظيم. يقول الحق ﷻ : قُلْ لهم يا محمد: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا أي: معبودًا أُواليه بالعبادة والمحبة، وأُشركه مع الله الذي أبدع السموات والإرض، وَهُوَ الغني عما سواه، الصّمدانى، يُطْعِمُ عباده ولا يُطْعِمُ ولا يحتاج إلى من يُطعمه، فهو يَرزُق ولا يُرزق، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه. قُلْ لهم: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ، وأنقاد بكُلّيتي إلى هذا الإله الحقيقي، الغنى بالإطلاق، وأرفضُ كل ما سواه، ممن عمّه الفقرُ ابتداءً ودواما. فكان ﵊ هو أولَ سابق إلى الدين. ثم قيل له: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تنفيراً لغيره من الشرك، وإلاّ فهو مبرَّأ منه- ﵊.

стр. 697

قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بالشرك وغيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وهذه مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة، مستوجبون للعذاب، مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ ذلك العذاب، يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة، فَقَدْ رَحِمَهُ أي: نجاه، وأنعم عليه، وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ أي: وذلك الصرف أو الرحمة هو الفلاح المبين. ثم ذكر حجة أخرى على استحقاقه للعبادة والولاية، فقال: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ كمرض أو فقر، فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ إذ لا يقدر على صرفه غيره، وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ بنعمة، كصحة وغنى ومعرفة وعلم، فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فهو قادر على حفظه وإدامته، ولا يقدر أحدٌ على دفعه، كقوله تعالى: فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ «١» ، وَهُوَ الْقاهِرُ لجميع خلقه كلهم في قبضته، فَوْقَ عِبادِهِ بهذه القهرية والغلبة والقدرة، وَهُوَ الْحَكِيمُ في صنعه وتدبيره، الْخَبِيرُ بخفايا أمور عباده، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم الباطنة والظاهرة. الإشارة: في الآية حَضٌّ على محبة الحق، وولايته على الدوام، ورفض كل ما سواه ممن عمَّه الفقر من الأنام، وفيها أيضًا: حثّ على المسابقة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات، اقتداء بسيد أهل الأرض والسموات، فكان- عليه الصلاة السلام- أول من عبد الله، وأول من توجه إلى مولاه، قال تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ «٢» ، فلو جاز أن يتخذ ولدًا، لكنت أنا أولى به، لأني أنا أول مَن عبده. قال الورتجبي: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أي: أمرني حين كنت جوهر فطرة الكون- حيث لم يكن غيري في الحضرة- أن أكون أول الخلق في المحبة والعشق والشوق، وأول الخلق له منقادًا بنعت محبتي له، راضيًا بربوبيته، غير منازع لأمر مشيئته. وقال بعضهم: أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر. هـ. ولما قالت قريش للنبى ﷺ : يا محمد: لقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من شهد لك؟ أنزل الله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : آية ١٩] قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) قلت: (قل الله شهيد) : يحتمل المبتدأ والخبر، أو يكون (الله) خبرًا عن مضمر، أو مبتدأ حُذف خبره، و «شهيد» : خبر عن مضمر، أي: قل هو الله، أو الله أكبر شهادة، وهو شهيد بيني وبينكم، و (من بلغ) : عطف على مفعول، «أنذر» ، أي: لأنذركم يا أهل مكة، وأنذر من بلغه القرآن، وحذف مفعول (بلغ) .

стр. 698

يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد للذين سألوك مَن يشهد لك بالنبوة: أَيُّ شَيْءٍ عندكم هو أَكْبَرُ شَهادَةً؟ فإن لم يجيبوا فقل لهم: هو اللَّهُ فإنه أكبر الشاهدين، وهو الذي يشهد لي بالنبوة والرسالة بإقامة البراهين وإظهار المعجزات، وهو شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وكفى به شهيدًا. وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ أي: لأخوّفكم به، إن أعرضتم عنه، وأُبشِّركم به إن آمنتم به، واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة لأنه مصرح به في موضع آخر، ولأن الأهم هنا هو الإنذار لغلبة الكفر حينئذٍ، وأُنذر به أيضًا كل من بلغه القرآن من الأحمر والأسود، والجن والإنس إلى يوم القيامة. وفيه دليل على أنَّ أحكام القرآن تعُم الموجودين وقت النزول ومَن بعدَهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه، وهو نادر، قال سعيد بن جبير: (مَن بلَغه القرآن فكأنما رأى محمدا ﷺ . الإشارة: في الآية حثٌّ على الاكتفاء بعلم الله، والاستغناء به عما سواه، وعلامةُ الاكتفاء بعلم الله ثلاث: استواء المدح والذم، والرضى بالقليل والكثير، والرجوع إلى الله وحده في السراء والضراء. واعلم أنَّ الحق تعالى إذا شهد لك بالخصوصية، ثم اكتفيت بشهادته فأنت من أهل الخصوصية، وإن لم تكتف بشهادته، وتطلعت إلى أن يعلم الناس بخصوصيتك، فأنت كاذب في دعوى الخصوصية. واطلاع الحق تعالى على ثبوت خصوصيتك هو شهادته لك، فاقنع بعلم الله، ولا تلتفت إلى أحد سواه، لئلا ينزعَها مِن قلبك، حيث لم تقنع بعلم الله فيك. وبالله التوفيق. ولمّا أتى قومٌ من الكفار إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد أما تعلم أن مع الله إلها آخر؟ أنزل الله تعالى: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ قلت: الاستفهام للإنكار والتوبيخ. يقول الحق ﷻ ، في الإنكار على المشركين: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى تستحق أن تعبد قُلْ لهم يا محمد: أنا لا أَشْهَدُ بما تشهدون به، قُلْ لهم: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ بل أشهد ألا إله إلا هو، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ به من الأصنام.

стр. 699

الإشارة: لم يَبرَأ من الشرك الخفي والجلِي إلا أهلُ الفناء الذين وحدوا الله في وجوده، فلم يروَا معه سواه. قال بعضُ من بلغ هذا التوحيد: (لو كُلفت أن أرى غيره لم أستطع فإنه لا غير معه حتى أشهده) وقال آخر: مُحال أن تشهده وتشهد معه سواه. وقال شاعرهم: مُذْ عَرفْتُ الإِلَهَ لَمْ أَرَ غَيْراً ... وكَذّا الْغَيْرُ عِندَنَا مَمنُوعُ إلى غير ذلك من مقالاتهم الدالة على تحقيق وجدانهم. نفعنا الله بذكرهم ومحبتهم. آمين. ولمّا قالت قريش: قد سألنا اليهود والنصارى عنك، فلم يجدوا لك عندهم ذكرا، ردّ الله عليهم، فقال: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٠ الى ٢١] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) يقول الحق ﷻ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِن اليهود والنصارى، يَعْرِفُونَهُ أي: محمدا ﷺ بحليته المذكورة في التوراة والإنجيل، كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أو أشد، وإنما كتموه جحدًا وخوفًا على رياستهم.. الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ من أهل الكتاب حيث كذَّبوا وكتموا، ومن المشركين حيث كفروا وجحدوا، فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لتضييعهم ما به يُكتسب الإيمان من النظر والتفكير والإنصاف للحق، فقد ظلموا أنفسهم وبخسوها. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن كتم شهادة الحق، وهي صفة الرسول- ﵊ أو ادّعاء الملائكة بذات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ كالقرآن والمعجزات وسمَّوها سِحرًا، أي: لا أحد أظلم ممن فَعل هذا، وإنما عبَّر ب «أو» ، وهم قد جمعوا بين الأمرين تنبيهًا على أن كل واحد منهما وحده بالِغٌ غاية الإفراط في الظلم على النفس، إِنَّهُ أي: الأمر والشأن لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، فضلاً عمّن لا أحد أظلم منه. الإشارة: أقبحُ الناس منزلة عند الله، من تحقق بخصوصية وليّ من أولياء الله، ثم كَتمها وجَحدها حسدًا وعنادًا، وجعل يُنكر عليه، فقد آذن بحرب من الله، فالتسليمُ عناية، والانتقاد جناية، والاستنصافُ من شأن الكرام، والتعصب من شأن اللئام. وبالله التوفيق.

стр. 700

ثم ذكر وعيد أهل الشرك، فقال: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٢ الى ٢٤] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) قلت: لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا، من قرأ بالرفع والتأنيث: ففتنة اسمها، و (إلاَّ أن قالوا) : خبرها، ومن قرأ بالنصب: فخبرٌ مقدم، والتأنيث لأجل الخبر، ومن قرأ بالتذكير والنصب، فخبر مقدم، و (إلاَّ أن قالوا) : أسمها. يقول الحق ﷻ : وَاذكر يا محمد يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ أي: المشركين، جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، الَّذِينَ كُنْتُمْ تزعمونهم شركاء، وتودونها وتنتصرون لها، فيُحالُ بينهم وبينها، ويتبرأون منها، كما قال تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ أي: لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به، إلا التبرؤ منه، بعد الانتصار له والتعصب عليه، أو: لم يكن جواب اختبارهم إلا التبرؤ من الشرك، فيكذبون ويحلفون عليه، مع علمهم بأنه لا ينفع من فَرط الحيرة والدهشة. فإن قلت: كيف يجحدون مع قوله: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً «١» فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف الطوائف والمواطن، فيكتم قومٌ ويُقر آخرون، ويكتمون في موطن ويُقرون في موطن آخر لأن يوم القيامة طويل، وقال ابن عباس لَمَّا سئل عن هذا: (إنهم جحدوا، طَمَعًا في النجاة، فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم، فلا يكتمون حديثًا) . قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ بِنفِي الشرك عنها بعد تحققها به ونظيره قوله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ «٢» وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ «٣» أي: غاب عنهم ما كانوا يعبدونه من الشركاء افتراء على الله. الإشارة: من أحب شيئًا فهو عبد له، ويوم القيامة يتبرأ منه، ويرى وبال فتنته والاشتغال به، فينبغي لمن أراد السلامة من الفتنة، أن يُفرد محبته لله، ويتبرأ من كل ما سواه، ويُفرد وجهته لله، ولا يشتغل ظاهرًا ولا باطنًا إلا

стр. 701

بما يقربه من الله ويبعده عما سواه وفي الحديث: «تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ والدِّرهَمِ والخَمِيصَةِ، تَعِسَ وانتَكَسَ، وإذَا شِيكَ فلا انتَقَشَ» «١» . ثم ذكر أحوالهم فى الدنيا باعتبار الكفر والعناد، فقال: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٥ الى ٢٦] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) قلت: «مَنْ» : لفظها مفرد ومعناها جمع، فيجوز في الضمير مراعاة اللفظ فيُفرد، كقوله هنا: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، ويجوز مراعاة المعنى فيجمع، كقوله في يونس: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ «٢» والأكِنَّة: الأغطِية، جمع كنان، و (أن يفقهوه) : مفعول له أي: كراهية أن يفقهوه، و (حتى) : غاية، أي: انتهى التكذيب حتى وصلوا إليك يجادلونك، والجملة بعدها: إمَّا في محل جر بها ويجادلونك جواب لها، و (يقول) : تبيين لها، وإما لا محل لها فتكون ابتدائية. والأساطير: جمع أسطورة، أو أسطار جمع سَطر، فيكون جمع الجمع. يقول الحق ﷻ : ومن الكفار مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حين تقرأ القرآن، والمراد: أبو سفيان والوليد والنضر وعُتبة وشَيبَة وأبو جهل وأضرابهم، اجتمعوا فسمعوا رسول الله ﷺ يقرأ، فقالوا للنضر: ما تقول؟ فقال: والذي جعلها بيننا وبينه ما أدري ما يقول، إلا أنه يحرك لسانه، ويقول أساطير الأولين، مثل ما جئتُكم به. قال السُّهَيلي: حيث ما ورد في القرآن: «أساطير الأولين» فإنَّ قائلها هو النضر بن الحارث، وكان قد دخل بلاد فارس وتعلَّم أخبار ملوكِهم، فكان يقول: حديثي أحسنُ من حديث محمد، فنزلت فيه وفي أصحابه. وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أي: أغطية كراهة أَنْ يَفْقَهُوهُ لمَا سبق لهم من الشقاء، وَجعلنا فِي آذانِهِمْ وَقْراً أي: ثقلاً وصمَمًا فلا يسمعون معانيه، ولا يتدبرونها. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ ومعجزة لا يُؤْمِنُوا بِها لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، وسبقِ الشقاء لهم، فلا يزال التكذيب والشك يعظُم فيهم حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ أي: حتى ينتهي بهم التكذيب إلى أن يجيؤوك يجادلونك يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أي: ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ أي: أكاذيب الْأَوَّلِينَ، فإنَّ جَعلَ أصدق الحديث خرافاتِ الأولين غاية التكذيب.

стр. 702

وَهُمْ أيضًا يَنْهَوْنَ عَنْهُ أي: ينهون الناس عن القرآن، أو عن الرسول والإيمان به، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي: يبعدون عنه، فقد ضلوا وأضلوا، أو يَنهون عن التعرض لرسول الله ﷺ ، وينأون عنه فلا يؤمنون، كأبي طالب ومن كان معه، يحمي رسول الله ﷺ وهو في مكة. وفي (ينهون) ضربٌ من ضروب التجنيس من علم البلاغة. قال تعالى: وَإِنْ أي: ما يُهْلِكُونَ بذلك إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ أن ضررهم لا يتعداهم إلى غيرهم. الإشارة: اعلم أن القلب تحجبه عن تدبر كلام الله والتمتع بحلاوته أربعةُ حُجُب: الأول: حجاب الكفر والشرك ويندفع بالإيمان والإسلام.. والثاني: حجاب المعاصي والذنوب، وينخرق بالتوبة والانقلاع. والثالث: حجاب الانهماك في الحظوظ والشهوات واتباع الهوى، وينخرق بالزهد والورع والتعفف ونوع من الرياضة. والرابع: حجاب الغفلة والخوض فيما لا يعني، والاشتغال بالبطالة، وينخرق باليقظة والتوجه إلى الحق، والانقطاع إلى الله بكليته، فإذا انخرقت هذه الحجب عن القلب، تمتع بحلاوة القرآن، ومناجاة الحق على نعت القرب والمراقبة. وبقي حجابان آخران، إذا خرقهما العبد أفضى إلى مشاهدة المتكلم دون واسطة، أولهما: حجاب حلاوة الطاعة والمعاملة الظاهرة، والوقوف مع المقامات أو الكرامات، فإنها عند العارفين سموم قاتلة. وثانيهما: حجاب الوهم والوقوف مع ظاهر الحس، دون الوصول إلى باطنه، فيقف مع الأواني دون شهود المعاني، وقد قال الششتري: لا تنظر إلى الاواني ... وخض بحر المعاني لعلك تَرَانِي. وقال الغزالي: الموانع التي تحجب القلب عن الفهم أربعة: الأول: جعل الفهم مقصورًا على تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، فهذا يتولى حفظه شيطان وكُلِّ بالقراء، يصرفهم عن معاني كلام الله تعالى. الثاني: أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه، من غير وصول إليه ببصيرة. الثالث: أن يكون مصرًّا على ذنب، أو متصفاً بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب، وهو كالخبءِ على المرآة، فيمنع جلية الحق فيه، وهو أعظم حجب القلب، وبه حُجب الأكثرون، الرابع: أن يكون قد قرأ تفسيراً ظاهراً، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلاَّ ما يتأوّل عن ابن عباس، ومجاهد وغيرهما، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي منهي عنه، فهذا أيضًا من الحجب العظيمة، فإن القرآن بحر لا ساحل له، وهو مبذول لمن يغرف منه إلى يوم القيامة، كل على قدر سعته وصفاء قلبه.. هـ. بالمعنى.

стр. 703

ثم هددهم بما أعد لهم يوم القيامة، فقال: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٧ الى ٢٨] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) قلت: (لو) : شرطية، وجوابها محذوف: أي: لرأيت أمراً فظيعًا هائلاً، وإنما حذف في مثل هذا ليكون أبلغ ما يقدره السامع. و (لا نكذب) و (نكون) : قُرىء بالرفع، على الاستئناف والقطع عن التمني، ومثَّله سيبويه بقولك: (دعني ولا أعود) أي: وأنا لا أعُود، ويحتمل أن يكون حالاً، أي: غير مُكذِّبين، أو عطفًا على: (نُرد) ، وقُرىء بالنصب على إضمار «أن» - بعد واو المعية في جواب التمني. يقول الحق ﷻ : وَلَوْ تَرى يا محمد، أو: يا مَن تصح منه الرؤية، حالَ الكفار إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ حين يعاينونها أو يطّلعون عليها، أو يدخلونها، فيعرفون مقدار عذابها، لرأيت أمرًا شنيعا وهو لا فظيعًا فَقالُوا حينئذٍ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا، وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، ندموا حين لم ينفع الندم، وقد زلّت بهم القدم، قال تعالى: بَلْ بَدا لَهُمْ أي: ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ في دار الدنيا من عيوبهم وقبائح أعمالهم، أو: بدا لهم حِقيّة الإيمان وبطلان ضده، عيانا، لمّا وقفوا على التوحيد وعرفوه ضرورة، وقد كانوا في الدنيا يُخفونه ويُظهرون الشرك، عياذًا بالله. قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور، لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر والمعاصي لأنهم من قبضة الشقاء، والعياذ بالله، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما وعدوا من أنفسهم من الإيمان وعدم التكذيب. وفي هذا: الإخبار بما لا يكون، ولو كان كيف يكون، وهو مما انفرَد الله بعلمه. الإشارة: يوم القيامة هو محل ظهور حقائق الأشياء على ما هي عليه، فإن كانت حقًا ظهرت حقيقتها وصحتها، وإن كانت باطلة، ظهر بطلانها عيانًا، لكن لا تنفع المعرفة حينئذٍ، لرفع حجاب الحكمة وظهور القدرة، فلم يبقَ غيبٌ، وإنما المزِيَّةُ في الإيمان بالغيب، والمعرِفةَ في النكران، والشهود خلف رداء الكبرياء، بشهود المعاني خلف الأواني، فإن ظهرت المعاني فلا إيمان، وإنما يبقَى العيان، لأهل العيان، والخيبة لأهل الخذلان. قال الورتجبي: القوم لم يعرفوا حقائق الكفر في الدنيا، ولو عرفوه لكانوا موحدين، فيظهر لهم يوم القيامة حقيقة الكفر، ولا ينفعهم ذلك لفوتهم السير في النكرات، التي معرفتها توجب المعارف، وذلك المقام في آماكن صُدورهم، وهم كانوا يخفونه بمتابعة صورة الكفر وشهوة العصيان بغير اختيارهم لقلة عرفانهم به، ولا يكون قلبٌ من العرش إلى الثرى إلا ويطرقه هواتف الغيب، بإلهام الله الذي يعرف به طُرُقَ رضى الحق، وصاحبه يعلم ذلك ويسمع ويُخفيه في قلبه، لأنه أدق من الشعرة، وحركته أخفى من دبيب النمل، ومع ذلك يعرفه من نفسه، ولكن من غلَبت شهواتُ نفسه عليه، لا يتبع خطاب الله بالسر، فأبدى الله لهم ما كانوا يخفونه، تعييرًا لهم وحجة عليهم. انتهى.

стр. 704

قلت: قوله: ولا يكون قلب ... الخ، حاصل كلامه: أن القلب من حيث هو لا بد أن يطرقه الخصم إن حاد عن الحق، وهو المراد بهواتف الغيب، لكنه أخفى من دبيب النمل في حق الغافلين. فإن كان القلب حيًّا متيقظًا تتبع ذلك الخصم حتى يزيله بظهور الحق، وإن كان ميتًا بغلبة الشهوات أخفاه حتى يموت، فيبدو له ما كان يخفيه من قبل. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اعتقادهم الفاسد، وما أداهم إليه، فقال: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٩ الى ٣٢] وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) يقول الحق ﷻ : وَقالُوا أي: الكفار في إنكار البعث: إِنْ هِيَ أي: الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا لا حياة بعدها، وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، قال ﷻ : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ، كناية عن حبسهم للسؤال والتوبيخ، أو: وقفوا على قضاء ربهم بين عباده، وعرفوه حق التعريف، قال لهم الحق ﷻ : أَلَيْسَ هذا الذي كنتم تُنكرونه، بِالْحَقِّ. قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنه لحق، ولكنا كنا قومًا ضالين، وهو إقرار مؤكد باليمين، لانجلاء الأمر غاية الجلاء، قال تعالى لهم: فَذُوقُوا أي: باشروا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: بسبب كفركم. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ، حيث فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب المقيم، والمراد بلقاء الله: البعث وما يتبعه. فاستمروا على التكذيب حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أي: فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا أي: يا هلكتنا عَلى ما فَرَّطْنا أي: قصَّرنا فِيها أي: في الحياة الدنيا، أو في الساعة، أي: في شأنها والاستعداد لها، وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ، كناية عن تحمل الذنوب، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: أنهم يحملونها حقيقة، وقد رُوِي: أن الكافر يركبه عمله، بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله، بعد أن يتصور له في أحسن صورة. قال تعالى في شأن الكفار: أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي: بئس شيئًا يَزِرُونَهُ ويرتكبونه في الدنيا وزرهم هذا، الذي يتحملونه على ظهورهم يوم القيامة.

стр. 705

وسبب هذا: الركون إلى دار الغرور، ونسيان دار الخلود، ولذلك قال تعالى بإثره: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي: وما أعمالها إلا لعب ولهو، تُلهي الناس وتشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وما مدة بقائها مع ما يعقبها من الفناء إلاَّ كمدة اللعب واللهو، إذ لا طائل تحته لمن لم يعمر أوقاتها بطاعة ربه، وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ لدوامها وخلوص نعيمها وصفاء لذاتها، أَفَلا تَعْقِلُونَ أيّ الأمرين خير، هل دار الخراب والفناء، أو دار النعيم والبقاء، وفي قوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ: تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين كله لعب ولهو. الإشارة: إذا كمل نور العقل حصل لصاحبه التمييز بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، فنظر بعين اعتباره إلى الدنيا، فوجدها ذاهبة فانية، ونظر إلى الآخرة، فرآها مقبلة باقية دائمة، فصدف عن الدنيا مُوليًا، وأعرض عن زهرتها مدبرًا، وأقبل بكليته إلى مولاه، غائباً عن كل ما سواه، فجعل الموت وما بعده نصب عينيه، وخلف الدنيا وراء ظهره أو تحت قدميه. وفي الحِكم: «لو أشرق نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت الدنيا، وكسفَةُ الفناء ظاهرة عليها» وقال بعض الحكماء: (لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لاختار العاقل ما يبقى على ما يفنى. ولا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى والآخرة من ذهب يبقى) . فلا يختار هذه الدار إلا من لا عقل له أصلاً. وفي الحديث عنه ﷺ : «الدُّنيا دَارُ مَن لا دَار لَه، وَمَالُ مَن لا مَالَ لَهُ، لَهَا يَجَمعُ مَن لاَ عَقل لَهُ، وعلَيها يُعَادى مَن لا عِلم عِنده» «١» . أو كما قال ﵊. ثم سلى رسول الله ﷺ على ما لَقِيَ من قومه، فقال: [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٥] قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) قلت: «قد» للتحقيق، وإنه ضمير الشأن، وقرأ نافع: «يُحزن» ، بضم الياء حيث وقع، إلا قوله: لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ «٢» والباقون: بفتح الياء، وفيه لغتان: حزن يحزُن، كنصر ينصر، وأحزن يحزِن. والأول أشهر.
следующие страницы →