← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] مقدمة المحقق القاضي أبو عليّ، المحسّن بن عليّ التنوخيّ «١» ، ووالده القاضي أبو القاسم، عليّ بن محمد «٢» ، وولده القاضي أبو القاسم عليّ بن المحسّن «٣» ، أسماء لامعة في عالم الأدب والشعر والقضاء. وكتاب نشوار المحاضرة، تأليف القاضي أبي عليّ، المحسّن التنوخيّ، من الكتب النادرة المثال، في عالم الكتاب العربي. قضى التنوخيّ، في تصنيف كتابه هذا، عشرين عاما «٤» ، وأخرجه في أحد عشر مجلدا «٥» ، واشترط فيه على نفسه، أن لا يضمّنه شيئا نقله من كتاب «٦» . وقدّم المؤلف، كتابه النشوار، للقرّاء، بأنّه «كتاب يشتمل على ما تناثر من أفواه الرجال، وما دار بينهم في المجالس» «٧» . وقال: إنّه سمّاه «نشوار المحاضرة «٨» ، لأنّ النشوار ما يظهر من كلام

стр. 2

حسن. يقال: إنّ لفلان نشوارا حسنا، أي كلاما حسنا» . وذكر عن سبب تأليفه الكتاب «إنّه اجتمع قديما مع مشايخ، قد عرفوا أخبار الدول، وشاهدوا كل غريب عجيب، وكانوا يوردون كلّ فنّ من تلك الفنون، فيحفظ ذلك، ويتمثل به. فلما تطاولت السنون، ومات أكثرهم، خشي أن يضيع هذا الجنس، فأثبته في هذا الكتاب» . وقال: إنّه ألّف هذا الكتاب «ليستفيد منه العاقل اللبيب، والفطن الأريب، ويجد فيه ما يحثّه على العلم بالمعاش والمعاد، والمعرفة بعواقب الصلاح والفساد، وما تفضي إليه أواخر الأمور، وتساس به كافة الجمهور» . وقال المؤلف مزهوّا بكتابه: «إنّه ما سبق إلى كتب مثل هذا الكتاب، ولم تخلّد بطون الصحف، بشيء من جنسه وشكله» . وإنّ كثيرا مما ورد في الكتاب «لا نظير له، ولا شكل، وهو وحده جنس وأصل» . ثم تراجع عن زهوه، فختم المقدمة متواضعا، وقال: «إنّه يرجو أن لا يبور ما قد جمعه، ولا يضيع ما قد تعب فيه وكتبه، فلو لم يكن فيه إلّا أنّه خير من أن يكون موضعه بياضا، لكانت فائدة» . بدأ تعلّقي بكتاب النشوار، عند مطالعتي ما أصدرته المطابع من أجزائه «١»

стр. 3

وكنت كلما أعدت مطالعة جزء من تلك الأجزاء، زاد تعلّقي به، وحاولت مرّات ومرّات، أن أبحث عن الأجزاء الضائعة، فأضمّها إلى المطبوعة، في طبعة جديدة، أبذل الجهد في تحقيقها، والعناية في إخراجها، ولكنّ انصرافي إلى عملي في المحاماة، كان يحول بيني وبين ذلك، ثم انفسح لي من بعد ذلك، وقت قصرته على تحقيق رغبتي السالفة، في البحث عن الأجزاء الضائعة من النشوار، وتحقيق ما طبع من تلك الأجزاء. وبدأت، فجمعت أفلاما للنسخ المخطوطة من كتاب النشوار، فاجتمع عندي، فلم مخطوطة الجزء الأول، من المكتبة الوطنية بباريس «١» ، وفلم مخطوطة مجلّد يشتمل على الجزئين الأول والثاني، من مكتبة مراد ملا باصطنبول «٢» ، وفلم مخطوطة تشتمل على أحد أجزاء النشوار، كانت من جملة كتب مكتبة العلامة أحمد تيمور ﵀ في القاهرة «٣» ، وفلم مخطوطة تشتمل على الجزء الثامن من النشوار، من مكتبة المتحف البريطاني في لندن «٤» ، وفلم مخطوطة بعنوان «نشوان المحاضرة» بعث به إليّ أحد إخواني من مصر، حسبه أحد أجزاء النشوار، وتبيّن لي أنّه من تأليف سبط بن الجوزي المتوفى سنة ٦٥٤، وتشتمل هذا المخطوطة على أقاصيص وحكايات، على غرار النشوار، ولم يخل اطّلاعي عليها من فائدة، فقد وقعت فيها على بعض حكايات النشوار الضائعة.

стр. 4

وقد أدرجت، بعد هذه المقدمة، وصفا مختصرا، لكل واحدة من هذه المخطوطات. وتبيّن لي من المقارنة، بين مخطوطة باريس (ب) ، ومخطوطة اصطنبول (ط) ، أن مخطوطة باريس، وإن كان قد وصفت بأنّها الجزء الأول، إلا أنها قد اشتملت على أكثر ما ورد في مخطوطة اصطنبول التي ضمّت الجزئين الأول والثاني، وحيث أن المؤلف، ﵀، عيّن لنا، في مقدمة الجزء الأول، حجم كل جزء من أجزاء مؤلفه، بأنّه مائة ورقة، فقد رأيت أن هذا الوصف، ينطبق على ما ورد في مخطوطة اصطنبول، فاتخذت تلك المخطوطة أساسا للتفريق بين الجزئين، وأثبتّ ما انفردت به كلّ مخطوطة، مضافا إلى ما اتّفقتا في استيعابه، لئلا تضيع الفائدة من إيراد ما اشتملت عليه المخطوطتان، بصورة كاملة. ولمّا كان الجزء الثاني من النشوار، قد تعيّن، بظهوره في مخطوطة اصطنبول، فقد اعتبرت جزءا ثالثا من النشوار، المخطوطة التي اشتملت عليها المكتبة التيمورية، وهي المخطوطة التي سبق أن طبعت بدمشق، باعتبارها جزءا ثانيا، ونشرت في أجزاء مجلة المجمع العلمي العربي. ثم حاولت، من بعد ذلك، أن أتتبّع الفقرات الضائعة من النشوار، في ثنايا الكتب، فأعيد جمعها، وكان ذلك بدء عمل مضن، بذلت فيه وقتا، وجهدا، وصبرا، وراجعت مؤلّفات ابن الجوزي: المنتظم، والأذكياء، وأخبار الحمقى والمغفلين، وذم الهوى، وتلبيس إبليس، كما راجعت تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ الوزراء للصابي، ومؤلّفي ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ومعجم البلدان، ووفيات الأعيان، وغيرها من الكتب، فوجدت فيها ينبوعا ثرّا، من القصص التي تروى عن

стр. 5

مؤلف النشوار، غير أنّها وردت بأسماء مختلفة «١» ، ووجدت أن قسما من تلك القصص، قد أثبتت في الأجزاء المنشورة من النشوار «٢» فتأيّد لي من ذلك،

стр. 6

أن القصص التي وردت مرويّة عن أصحاب تلك الأسماء، إنّما هي مرويّة عن صاحب النشوار، وإنّها قد اقتطعت من ذلك الكتاب، فاستللتها من مواضعها، وضممتها إلى بعضها، واعتبرتها من الفقرات الضائعة من النشوار، وسأعنى بتحقيقها، ونشرها، إن شاء الله، في أجزاء متتابعة.

стр. 7

وتبيّن لي من دراسة قصص النشوار، ما طبع منها، وما لم يطبع، أن المؤلف بدأ بجمع كتابه هذا في السنة ٣٦٠ «١» ، ثم بدأ في السنة ٣٧٣ أو بعدها، فاقتطع منه مجموعة من القصص التي تشتمل على أحاديث تتعلق بمن ابتلي، ثم سرّي عنه، وضمّها إلى قصص أخرى نقلها من الكتب، فأخرجها كتابا سمّاه «كتاب الفرج بعد الشدّة» «٢» . قال القاضي التنوخيّ: إنّه لم يسبقه أحد إلى كتب مثل هذا الكتاب، وأقول أنا: إنّه لم يسبقني أحد، إلى ما قمت به من استخلاص الفقرات الضائعة من النشوار، والبحث عنها في مظانّها، حتى تمكّنت، بعد الكد والتعب، أن أستخلص فقرات، قد تتّسع لها مجلدات أربعة، وإن مد الله في عمري، فسوف أخرج هذه المجلدات المشتملة على الفقرات الضائعة. ولعلّ بعض القصص التي نقلتها، كانت من رواية أبي القاسم التنوخي، ابن المؤلف، ولعلّ بعض القصص، وإن كانت من رواية المؤلف، إلّا أنّه ليس ثمّة دليل قاطع، على أنّها مما اشتمل عليه كتاب النشوار، وردّي على من اعترض على إيرادها، عين ما كتبه المؤلف في خاتمة مقدمة الجزء

стр. 8

الأول من الكتاب، حيث قال: «لو كان في إيراد هذه القصص، وتسجيلها، خير من موضعها بياضا، لكانت فائدة» . ولا بد لي، في موقفي هذا، من توجيه الشكر الوافر، والثناء العاطر، إلى كل من أعانني في عملي هذا، وفي مقدمتهم الأساتذة قاسم محمد الرجب، صاحب مكتبة المثنى، والدكتور إحسان عباس الأستاذ في الجامعة الأمريكية ببيروت، والسيد ميخائيل عواد، الباحث المحقق، والدكتور صالح أحمد العلي الأستاذ في جامعة بغداد، والذوات الكرام القائمين بإدارة مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، والذوات الكرام القائمين بإدارة المعهد الألماني للأبحاث الشرقية ببيروت، فقد كان لمعونتهم، الأثر البيّن في إخراج هذا السفر. والله أسأل، أن يكلل مهمتي بالنجاح، وأن يعينني على إخراج الأجزاء الباقية من هذا الكتاب القيّم، وأن ينفع به طلاب العلم والمعرفة. إنّه سميع مجيب. بحمدون في ٢/٣/١٩٧١ عبود الشالجي المحامي

стр. 9

وصف محطوطة باريس (ب) تشتمل هذه المخطوطة على الجزء الأول من كتاب نشوار المحاضرة، ورقمها في المكتبة الوطنية بباريس ٣٤٨٢ عربي، وقد رمز إليها في هذا الكتاب بحرف (ب) . تشتمل على ١٩٣ ورقة كل ورقة في صفحتين، في كل صفحة ١٧ سطرا. الخط جيّد قديم. في صدر الكتاب: «كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة تأليف القاضي أبي عليّ المحسّن بن علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي غفر الله له ولوالديه ولنا ولوالدينا ولجميع المسلمين» . وقد أضاف ناسخ آخر، إلى ما تقدّم، بخطّ حديث، هذه الجملة: «كتاب جامع التواريخ المسمى» ، وهذه الإضافة هي التي أدّت إلى الوهم الذي وقع فيه ناشر والأجزاء المطبوعة من النشوار، فسمّوه «جامع التواريخ» . وفي آخر الكتاب، ورد ما يلي: «وكان الفراغ من كتابته في يوم الجمعة مستهل رجب الفرد سنة ثلاثين وسبعمائة الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلم» .

стр. 10

وصف مخطوطة اصطنبول (ط) تشتمل هذه المخطوطة على الجزئين، الأول والثاني من النشوار، وهي محفوظة في مكتبة مراد ملا في اصطنبول، وقد رمزت إليها في هذا الكتاب بحرف (ط) . الخط حسن قديم، وفيه تصحيف كثير. تشتمل المخطوطة على ٢١٣ ورقة، كل ورقة، في صفحتين. في كل صفحة ١٧ سطرا. الجزء الأول من ١ إلى ١٠٥، وصدر النسخة مدوّن فيه: «الجزء الأول من نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، للتنوخيّ. وعلى النسخة أسماء أشخاص ملكوها، أحدهم: أبو بكر بن رستم بن أحمد الشيرواني. وفي آخر النسخة: «تمّ الجزء الأول، ويتلوه في الجزء الثاني بمشيئة الله، قد قدمت في الجزء الأول الحمد لله والثناء عليه، وذكرت من الأخبار ما لم تدر، مما لم تجر العادة بكتب مثلها، ولا ما يكاد أن يتجاوز به الحفظ» . الجزء الثاني من ١٠٦ إلى ٢١٣. وصدر النسخة مدوّن فيه: «الجزء الثاني من نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» . وفي آخر النسخة: «الحمد لله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما» . وبعد هذا مطالعة ورد فيها: أنهيته مطالعة. أبو بكر بن رستم الشيرواني سنة ١٠٩٧

стр. 11

وصف المخطوطة التيمورية تشتمل هذه المخطوطة على ١٢٩ ورقة، في كلّ ورقة صفحتان، في كلّ صفحة ١٥ سطرا. خطّها قديم، وسط، وفيه تصحيف كثير. مخرومة الآخر. وصف مخطوطة المتحف البريطاني تشتمل هذه المخطوطة على الجزء الثامن من كتاب نشوار المحاضرة ورقمها في مكتبة المتحف البريطاني ٩٥٨٦ شرقي. تشتمل على ١١٠ ورقة، في كل ورقة صفحتان، في كل صفحة ١٥ سطرا. الخط جيد وقديم، والتصحيف قليل. جزء من المقدمة مخروم. في آخر الكتاب، ورد: «تمّ الجزء الثامن ويتلوه التاسع، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين» .

стр. 12

وصف مخطوطة كتاب نشوان «١» المحاضرة تأليف سبط بن الجوزي تشتمل هذه المخطوطة، على ١٨٠ ورقة، الورقة في صفحتين، الصفحة ١٩ سطرا. وجه الكتاب: نشوان «٢» المحاضرة للعلامة سبط بن الجوزي عفي عنه آمين وأول الكتاب: «الحمد لله الذي صرف أفكار قلوبنا إلى السراط المستقيم ونورها بنور الهداية إلى الدين القويم، وتوحد بالعزة والجبروت، وتفرّد بالملك والملكوت» . وآخر الكتاب: «تم الكتاب بحمد الله وعونه، والحمد لله وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله» .

стр. 13

ترجمة المؤلف القاضي أبي عليّ المحسّن بن عليّ التنوخيّ القاضي أبو عليّ، المحسّن بن عليّ التنوخيّ، وقد ساق ياقوت الحمويّ، نسبه إلى قضاعة «١» هو ابن القاضي أبي القاسم، عليّ بن محمد التنوخي «٢» ، ولد الأب سنة ٢٧٨ في أنطاكية، ونشأ بها، ولمّا زار الخليفة المعتضد أنطاكية في السنة ٢٨٧ «٣» ، كان التنوخيّ الأب، صبيّا في المكتب «٤» ، وكان لأبيه- جدّ المحسّن- موقف محمود، مع المعتضد، إذ أقنعه بالرجوع عمّا صمّم عليه، من هدم سور المدينة. قدم التنوخيّ الأب، بغداد، في حداثته «٥» ، فأتمّ دروسه فيها، وتفقّه، وكان من الذكاء، والفطنة، وقوّة الحافظة، على جانب عظيم «٦» . وكان قاضي القضاة- إذ ذاك- أبو جعفر، أحمد بن إسحاق بن البهلول، وهو تنوخيّ، وأبو القاسم تنوخيّ، فصادفت لياقة أبي القاسم، وذكاؤه، وفهمه، هذه الصلة بينه وبين قاضي القضاة «٧» ، فقلّده القضاء بعسكر مكرم، وتستر، وجنديسابور، والسوس، وأعمال ذلك، وكان ذلك في السنة ٣١١، وكانت سنّ أبي القاسم إذ ذاك ٣٣ سنة «٨» . ولمّا سلّم قاضي القضاة، إلى أبي القاسم التنوخيّ، عهده بالقضاء، أوصاه بتقوى الله، وبأشياء من أمور العمل، وسياسته في الدين والدنيا،

стр. 14

وبأمر جاريه، أي راتبه، فقد كان مسبّبا، أي مقرّرا، على خزينة الأهواز «١» . ولم ينس قاضي القضاة، أن يشدّد على أبي القاسم التنوخيّ، في النصيحة، بأن يكتم عن الناس، حقيقة سنّه، كيلا ينسب إلى الحداثة، وقلّة الحنكة. ويقول أبو القاسم التنوخيّ، إنّ الصدفة الحسنة، أطلعت له، خلال سفره إلى محلّ عمله، شعرة بيضاء في لحيته، فأخذ يتعمّل لإخراجها، ليراها الناس، متجّملا بها «٢» . وكان تقليد أبي القاسم التنوخيّ، القضاء في جنوبي العراق، مبدأ صلة ربطت هذه العائلة بتلك المنطقة. تقلّد أبو القاسم التنوخيّ، القضاء بهذه المنطقة، سنين، ثم صرف، فقصد الأمير سيف الدولة الحمدانيّ، زائرا ومادحا، فأكرم سيف الدولة مثواه «٣» ، وأحسن قراه، وكتب في معناه إلى الحضرة «٤» ببغداد، فاعيد إلى عمله، وزيد في رزقه، وولي القضاء رئاسة، بعهد كتبه له الوزير أبو عليّ ابن مقلة، وشهد الشهود عنده، فيما حكم بين أهل عمله بالحضرة، والظاهر أنّه تقلّد القضاء بالكرخ من الحضرة «٥» . إنّ ذكاء أبي القاسم التنوخيّ، وألمعيّته، أيّام تقلّده القضاء في جنوب العراق، نبّهت إليه أبا عبد الله البريديّ، شيخ البريديّين، وكان إذ ذاك، عاملا من عمّال السلطان في تلك المنطقة، فلمّا علت منزلته، وقويت سطوته، اجتذب إليه أبا القاسم التنوخيّ، فألحقه بخدمته، ونصبه مستشارا له، وأناط به الترسّل في أموره البالغة الأهميّة، التي لا يمكن أن يعوّل فيها، إلّا على شخص مثل أبي القاسم التنوخيّ، وافر الذكاء، عظيم الحرمة. فقد كان في السنة ٣٢٤ رسول البريديّ إلى القائد ياقوت، حيث عقد

стр. 15

معه صلحا، وزوّج ابنة البريديّ من ابن ياقوت «١» . وفي السنة ٣٢٥ كان رسول البريدي إلى الأمير أبي بكر بن رائق «٢» . كما إنّه في السنة ٣٢٦ كان رسول البريديّ إلى أمير الأمراء بجكم، حيث عقد بينهما مصالحة، توّجت بزواج بجكم من سارة ابنة أبي عبد الله البريديّ «٣» . وفي هذا الوقت، ولد للقاضي أبي القاسم التنوخيّ، في السنة ٣٢٧، بالبصرة، غلام سمّاه المحسّن، وهو صاحب النشوار «٤» . ولد المحسّن، في بيت فقه وعلم، فنشأ منذ طفولته محبّا للدرس، وهو يحدّثنا عن ذكرياته في الكتّاب «٥» ، كما إنّه سمع من أبي بكر الصولي، وهو حدث «٦» ، وكان أوّل سماعه الحديث، وهو في السابعة من عمره «٧» . والمحسّن، يعتبر البصرة بلده، ويتحدّث عن نفسه، باعتباره بصريّا، فيقول في إحدى قصصه: ولي الجهنيّ «عندنا بالبصرة» الحسبة «٨» ، كما إنّه يروي في نشواره كثيرا من القصص، عن حوادث وقعت بالبصرة، وعن أشخاص بصريّين، لا يتسنّى لغير البصريّ، أن يتحدّث عنهم. وتوفّي أبو عبد الله البريدي، في السنة ٣٣٢، فأقام أبو القاسم التنوخيّ بالبصرة، وانضاف إلى المهلّبيّ، صديقه القديم «٩» ، الذي بدأ نجمه يلمع في سماء العراق، منذ أن ترك خدمة أبي زكريا، يحيى بن سعيد السوسيّ «١٠» ، واتّصل بالأمير أبي الحسين أحمد بن بويه، الذي أصبح بعد أن استولى على العراق، الأمير معزّ الدولة.

стр. 16

ولقي أبو القاسم التنوخيّ، من الوزير المهلّبيّ، كل رعاية وعناية، وكان يميل إليه جدا، ويتعصّب له، ويعدّه ريحانة الندماء «١» ، وكان من جملة القضاة الذين يجتمعون، مع الوزير المهلّبي، مرّتين في كل أسبوع، على اطّراح الحشمة، والتبسّط في القصف واللهو «٢» . وبلغ من وفاء المهلبيّ، لأبي القاسم التنوخيّ، انّه لما توفيّ التنوخيّ في السنة ٣٤٢، صلى عليه المهلبيّ، وقضى ما عليه من الديون، وكان مقدارها خمسون ألف درهم «٣» . نشأ المحسّن التنوخيّ، بالبصرة، وسمع من أبي بكر الصولي، وأبي العبّاس الأثرم، والحسين بن محمد النسويّ، وطبقتهم «٤» ، وشبّ، وتفقّه، وشهد عند القاضي أحمد بن سيّار، قاضي الأهواز» ، ولمّا نزل الوزير المهلبيّ بالسوس، قصده المحسّن التنوخيّ، للسلام عليه، وتجديد العهد بخدمته، فرحّب الوزير به، وطالبه بأن يلحق به في بغداد، ليقلّده القضاء «٦» ، فأطاع، ولحق بالمهلبيّ الذي كلّم في أمره قاضي القضاة، فقلّده في السنة ٣٤٩ قضاء القصر، وبابل، بسقي الفرات «٧» ، ثم ولاه المطيع لله القضاء بعسكر مكرم وايذج ورامهرمز «٨» . واستقر المحسّن التنوخيّ ببغداد، وشملته عناية الوزير المهلبيّ، فأصبح من ملازمي مجلسه، وقد أثبت في نشواره، قصصا عدّة، عن مكارم أخلاق المهلبيّ، وشريف طباعه «٩» . إنّ استعراض القصص التي أدرجها التنوخيّ في النشوار، ينير لنا الطريق

стр. 17

من آجل معرفة المدّة التي قضاها ببغداد، وما صادفه فيها من حوادث. فهو يروي، في إحدى قصصه، حديثا سمعه من الأمير جعفر بن ورقاء الشيباني، في السنة ٣٤٩ «١» . كما يروي لنا، في قصّة أخرى، حديثا سمعه في السنة نفسها من أبي أحمد بن أبي الورد، شيخ من أبناء القضاة «٢» . وهو في إحدى قصصه، يروي لنا، أنّه اجتمع في السنة ٣٥٠ بأبي عليّ بن أبي عبد الله ابن الجصّاص، وسأله عن أخبار والده، وأثبت أجوبته التي أجاب بها «٣» . كما يروي لنا، في قصّة أخرى، حديثا بلغه في نفس السنة، وهو ببغداد عن صوفيّ، سمع، فطرب، فتواجد، فمات «٤» . وقد اشتملت بعض قصصه عن مجالس الوزير المهلبيّ، على حوادث نصّ التنوخيّ على وقوعها في السنة ٣٥٠ «٥» والسنة ٣٥١ «٦» . وأورد، في موضع آخر من كتابه، أنّه حضر مجلس أبي العبّاس بن أبي الشوارب «٧» ، قاضي القضاة- إذ ذاك-، وأنّه، أي التنوخيّ، كان يكتب له، على الحكم والوقوف بمدينة السلام «٨» ، مضافا إلى ما كان

стр. 18

يخلفه عليه، بتكريت «١» ودقوقا «٢» ، وخانيجار «٣» ، وقصر بن هبيرة «٤» ، والجامعين «٥» ، وسوراء «٦» ، وبابل «٧» ، والإيغارين «٨» ، وخطرنية «٩» . وقد تقلّد أبو العبّاس هذا، قضاء القضاة، في النصف الثاني من السنة ٣٥٠ «١٠» ، وعزل في النصف الأول من السنة ٣٥٢ «١١» . وهو في إحدى القصص «١٢» يخبرنا بأنّه كان في السنة ٣٥٢ ببغداد، وأنّه زار أبا الغنائم ابن الوزير المهلبيّ وهنّأه بحلول شهر رمضان. قصّ التنوخيّ علينا، في إحدى قصصه، أنّه سأل أبا الطيّب المتنبي، عن نسبه، وأنّ المتنبي اعتذر عن الإفصاح من حقيقة نسبه «١٣» ، وكان المتنبّي. قد مرّ ببغداد، في السنة ٣٥٣. وكان وجود التنوخيّ في بغداد، قد سهّل له الاتّصال بمجموعة من العلماء، والأدباء، والشعراء، فهو في قصصه يروي لنا، ما أملاه عليه أبو

стр. 19

إسحاق الصابي «١» ، وما سمعه من ابن سكّرة الهاشميّ «٢» ، ومن ابن الحجّاج «٣» ، وإليه بعث أبو العلاء المعريّ، قصيدته الشهيرة، «هات الحديث عن الزوراء أو هيتا» «٤» . وأورد التنوخيّ، في إحدى قصصه، أنّه شاهد بيع ضياع شخص من أهالي عمان، اغتاله نقيب ديلميّ، اسمه كردك، واستولى على أمواله ظلما «٥» ، ويلوح لي أنّ ذلك وقع في السنة ٣٥٤. والظاهر، أنّ المحسّن التنوخيّ، قد بارح بغداد، ما بين السنة ٣٥٥ والسنة ٣٦٠، ويتّضح هذا من فقرة وردت، في مقدّمة الجزء الأول من النشوار، حيث قال: واتّفق أنّني حضرت بمدينة السلام، في السنة ٣٦٠، بعد غيبتي عنها سنين، فوجدتها محيلة ممّن كانت به عامرة ... الخ، وأنّ ذلك هو الذي دفعه إلى تأليف كتابه النشوار، حيث بدأ به في السنة ٣٦٠، وأنهاه في السنة ٣٨٠، على ما رواه غرس النعمة «٦» ، وأثبته ياقوت في ترجمته» . واستقرّ التنوخيّ، ببغداد، منذ السنة ٣٦٠، وكانت حرمته باقية، فهو في إحدى قصصه، يحدّثنا عن شعر سمعه من الشاعر ابن الحجّاج في السنة ٣٦٠ وهو ينشده في مجلس الوزير أبي الفضل الشيرازيّ «٨» .

стр. 20

وهو يروي لنا، في إحدى قصصه، أنّ أبا الحسن ابن الأزرق التنوخيّ، أخبره في السنة ٣٦١، بأنّ خاطف المغنّية التي تغنّي بالقضيب، قد توفيت بمنزلها في جواره، في تلك السنة «١» . أمّا في السنة ٣٦٣، فقد روى لنا التنوخيّ، أنّه كان متولّيا القضاء بواسط «٢» ، وهو في إحدى قصصه، يحدّثنا عن شيخ لقيه بواسط، في ربيع الأول من السنة ٣٦٣ «٣» . وفيما بعد السنة ٣٦٣، لجأ التنوخيّ، إلى البطيحة «٤» ، هاربا من ابن بقيّة «٥» ، وزير عزّ الدولة، بختيار «٦» ، بن معزّ الدولة، حيث ألفى هناك جماعة من معارفه، كانوا يجتمعون في الجامع هناك، ويتشاكون أحوالهم. ولعلّ فساد الصلة بين التنوخيّ، وبين الوزير ابن بقيّة، كان من أهمّ الأسباب التي قوّت علاقته بعضد الدولة، فإنّ التنوخيّ، تقدّم في عهد عضد الدولة، تقدّما عظيما، وتقلّد القضاء في أماكن عدّة، وأثبته عضد الدولة نديما له، وخصّص له كرسيا يجلس عليه في مجلس شرابه، وكثير من الندماء قيام «٧» .

стр. 21

ويقصّ التنوخيّ علينا في إحدى قصصه «١» ، أنّه كان، ذات يوم، يماشي عضد الدولة، في دار المملكة بالمخرّم، وأنّ الملك حدّثه عن مقدار ما صرف على البستان والمسنّاة. وفي السنة ٣٦٧، كان التنوخيّ، في صحبة عضد الدولة «٢» ، في حملته التي قام بها لاستئصال أبي تغلب بن حمدان، وقد قلّد التنوخيّ، جميع ما فتحه ممّا كان في يد أبي تغلب، مضافا إلى ما كان قد تقلّده من قبل، وهو: حلوان وقطعة من طريق خراسان. وهو في إحدى قصصه «٣» يروي لنا، كيف ورد محمد بن ناصر الدولة، يحجل في قيوده، حتى دخل على عضد الدولة في الموصل، فأمر بقيوده ففكّت، وبالخلع فأفيضت عليه، وبالجنائب فقيدت معه. وقيام التنوخيّ في السنة ٣٦٩ بالخطبة في الاحتفال الذي جرى عند عقد زواج الخليفة الطائع، على ابنة الملك عضد الدولة «٤» ، يدلّنا، على قوّة صلته، في ذلك الحين، ببلاطي الخليفة والملك. وهو في إحدى قصصه «٥» يروي لنا حديثا، حدّثه به، في السنة ٣٧٠ الملك عضد الدولة، عن شقيق له اعتبط، وعن حلم حلمت به أمّه، ممّا

стр. 22

لا يتحدّث به أحد، إلّا لأخصّ الأصدقاء. وبلغت الصلة بين التنوخيّ وعضد الدولة، من القوّة، بحيث أصبح يرافقه في أسفاره، وكانت هذه المرافقة، من أهمّ الأسباب التي جرّت عليه المصائب، فقد كان في همذان في السنة ٣٧١ «١» ، في معسكر الملك، وزار صديقه أبا بكر بن شاهويه، فحدّثه أبو بكر، حديثا، أخطأ التنوخيّ في الإفضاء به إلى أبي الفضل بن أبي أحمد الشيرازيّ، الذي نقله بنصّه وفصّه إلى عضد الدولة، فغضب عضد الدولة على التنوخيّ «٢» ، غير أنّ غضبه ما برح أن انفثأ، وعاد معه إلى بغداد. وكان عضد الدولة، قد زوّج ابنته من الخليفة الطائع لله، مؤمّلا أن تلد له حفيدا، يكون وليّ عهد الخلافة، وتصبح الخلافة في بيت بني بويه، ويصير الملك والخلافة، مشتملين على الدولة الديلميّة «٣» . ولكنّ الخليفة الطائع لله «٤» الذي أحسّ بما أضمره عضد الدولة، أبعد هذه الابنة عن فراشه، فاهتمّ والدها بالأمر، ولم يجد خيرا من القاضي التنوخيّ، يتوسّط في القضية، بالنظر لعلاقته الطيّبة بالبلاطين، ولأنّه هو الذي خطب خطبة عقد النكاح «٥» .

стр. 23

فطلب من التنوخيّ «أن يمضي إلى الخليفة، وأن يقول له عن والدة الصبيّة، إنّها مستزيدة لإقبال مولانا عليها» «١» . وكأنّ التنوخي خشي مغبّة الدخول في هذا الحديث، أو كأنّه استشعر أن لا فائدة من التحدّث فيه، فقد أحسّ بأنّه أصبح بين نارين، إن كلّم الخليفة أغضبه، وإن اعتذر أغضب عضد الدولة، وهما أمران أحلاهما مرّ، فاختار لنفسه أن يتمارض، وحبس نفسه في داره، متعلّلا بالتواء ساقه، وأنّه لا يطيق مبارحة فراشه. ولكنّ عضد الدولة، أحسّ بأنّ التنوخيّ متمارض، فبعث إليه من كشف أمره، وعندئذ صبّ جام غضبه عليه، فعزله من جميع أعماله، ونصب بدلا منه، قضاة ستّة، يقومون بالعمل الذي كان منوطا به وحده، كما أنّه أصدر إليه أمره، بأن يظلّ في داره حبيسا، لا يبارحها «٢» ، وظلّ التنوخيّ على حاله هذه، حتى توفّي عضد الدولة في السنة ٣٧٢. وليس فيما بين أيدينا من قصص النشوار، ما نستطيع أن نتبيّن منه، كيفيّة حياة القاضي المحسّن التنوخي، بعد وفاة عضد الدولة، والذي يلوح لنا، أنّه لم يتقلّد عملا من أعمال السلطان. وأنّه قصر وقته، على إتمام كتابه «النشوار» ، الذي بدأ به في السنة ٣٦٠، وعلى تأليف كتاب «الفرج بعد الشدة» ، الذي بدأ به في السنة ٣٧٣ «٣» ، وقد استخلص أكثر أخباره من النشوار، وعلى تربية ولده أبي القاسم عليّ، الذي ولد في السنة ٣٧٠. وكما أنّ المحسّن التنوخيّ، كان وحيد والديه، على ما يظهر، وقد ولد،

стр. 24

وأبوه كهل في الخمسين، فكذلك أبو القاسم عليّ بن المحسّن، كان وحيد والديه، وقد ولد، وأبوه كهل عبر الأربعين، والعجيب أنّ أبا القاسم، عليّ بن المحسن، قد ولد له ولد، سمّاه محمدا، وهو وحيده أيضا، وقد ولد له، والأب شيخ قد تجاوز السبعين «١» . وهؤلاء الثلاثة، الجدّ، والأب، والابن، يشبه أحدهم الآخر، في الفضل، وفي الذكاء، وفي كرم النفس، وفي انخراطهم في سلك القضاء، وفي تمذهبهم بمذهب أبي حنيفة، وفي تمسّكهم بالاعتزال، والدفاع عنه. ويتضح تعصّب المحسّن للمعتزلة، من القصص التي أوردها في النشوار، فهو يثني عليهم، كلّما ورد ذكرهم «٢» . وقد أضاف المحسّن التنوخيّ، إلى تعلّقه بالاعتزال، تعرّضه للتصوّف والصوفيّة «٣» . كما أنّ القصص التي أوردها عن الحنابلة، وعن رئيسهم البر بهاري «٤» ، تدلّ على مقدار ضيقه بهم، وانزعاجه من تصرّفاتهم، وعلى عنف رئيسهم البر بهاري، واستهانته بالأنفس والأرواح «٥» . اتّهم ابن الأثير، في كتابه الكامل في التاريخ «٦» ، المحسّن التنوخيّ،

стр. 25

بأنّه كان شديد التعصّب على الشافعيّ، يطلق لسانه فيه. وهذه تهمة لم يقم عليها دليل، وهذه مؤلّفات التنوخيّ، ما تيسّر لنا منها، تنفي عنه هذه التهمة، والمحسّن التنوخي، اتقى لله، من أن يعرض للشافعيّ بسوء. ويلاحظ، أنّ التنوخي، قد أدرج في نشواره، قصصا عدة، دلّت على اعتقاده بالتنجيم «١» ، ولعلّ عدم الاستقرار الذي رافق القرن الرابع الهجريّ، كان من الأسباب التي دفعت التنوخيّ، وأباه، إلى الاعتقاد بالتنجيم، والعيافة، والزجر، وغيرها، مما يتمسّك به الإنسان، رغبة منه في الفرار من الحقيقة المرّة، إلى خيال يبشّر بمستقبل أطيب من حاضر لا خير فيه. وفي النشوار، قصص لا تحصر، عن القضاة، وأخبارهم، وعمّا قام به بعضهم من أفعال كريمة في رفع المظالم، وردع المعتدي الظالم، بل إنّ هذا الموضوع، هو الموضوع الرئيسي الذي اشتمل عليه هذا الكتاب، بالنظر لاختصاص المؤلف واطّلاعه على خباياه «٢» ، اطّلاعا تاما. ولما كانت المنافسة، بين أبناء الصناعة. الواحدة، أمر مترقّب منتظر، فالذي لا شكّ فيه، أنّ التنوخي المؤلّف، ووالده، وبعض أقربائه من التنوخيّين، من قضاة وشهود، قد حصلت بين بعضهم، وبين بعض القضاة، منافرة، ولذلك، فإنّ التنوخيّ، لم يتأخّر عن إثبات القدح في أولئك القضاة، ولكنّه لكمال عقله، لم يشتم أحدا من هؤلاء القضاة بلسانه، وإنّما شتمهم بلسان غيره، فهو يورد شعرا للشاعر الفلاني، هجا به القاضي الفلاني، أو يثبت قولا قاله الفقيه الفلاني، في القاضي الفلاني «٣» .

стр. 26

إنّ كثيرا من القصص الواردة في النشوار، تؤيّد علاقة التنوخيّين أبي القاسم، وولده أبي عليّ المحسّن، بالأهواز، هذه المنطقة، التي سمّاها هارون الرشيد «سرة الدنيا» «١» ، وسماها عبد الله المأمون «سلّة الخبز» » ، فقد كان لهما أقارب في الأهواز «٣» ، وكان لكلّ منهما فيها ضيعة «٤» ، وقد تقلّد أبو القاسم الأب القضاء في الأهواز «٥» ، كما تقلّده أبو عليّ المحسّن أيضا «٦» . بقيت ملاحظة، يجدر بي أن أثبتها هنا، وهي أنّ التنوخيّ، اختار في نشواره، شعرا لشعراء مفلقين، كأبي فراس الحمداني مثلا، ثم قرن بشعرهم شعرا لا يتعدى درجة النظم، وليس التنوخيّ، بالذي يصعب عليه التمييز بين الشعر الجيّد والشعر الرديء، ولكنّه أثبت بعض الرديء، لأنّه قيل في مدحه، أو مدح أبيه، ولعمري، إنّ حبّ الإنسان نفسه، يدفعه إلى إثبات ما قيل في مدحه، حتى ولو لم يكن من جيّد الشعر «٧» . وللمحسّن التنوخيّ شعر، مجموع في ديوان، قال عنه أبو نصر، سهل ابن المرزبان «٨» إنّه رآه في بغداد، وإنّ حجمه كان أكبر من حجم ديوان

стр. 27

أبي القاسم والده، وإنّ بعض العوائق حالت بينه وبين تحصيله، فاشتدّ أسفه عليه «١» . ونحن نشارك أبا نصر، في أسفه، فإن ديوان التنوخيّ، معتبر الآن، في جملة الدواوين الضائعة. وقد أورد الثعالبي «٢» ، في اليتيمة، شعرا في مدح المحسّن التنوخيّ من نظم أبي عبد الله بن الحجّاج «٣» . كما روى في ترجمة المحسّن، أبياتا من شعره، قال إنّه مرتاب في نسبتها إليه، لفرط جودتها «٤» . والثعالبيّ على حقّ في ارتيابه، فإنّ الباقي المتوفّر لدينا من شعر التنوخيّ، لا يرتفع إلى مستوى تلك الأبيات. أمّا مؤلفات المحسّن التنوخيّ، فإنّ أشهرها نشوار المحاضرة، الذي أسلفنا إنّه ألّفه في عشرين سنة، في أحد عشر مجلدا. وله: كتاب الفرج بعد الشدّة، في ثلاث مجلدات، ألّفه بعد كتاب النشوار «٥» . وله أيضا: كتاب المستجاد من فعلات الأجواد، وقد طبع بدمشق، حقّقه الأستاذ محمد كرد علي، وفي المطبوع مآخذ كنت أتمنّى لو أشار إليها المحقّق ﵀، منها: أنّ بعض القصص الواردة في الكتاب «٦» جاءت على لسان «القاضي أبي القاسم عليّ بن المحسّن مؤلف كتاب الفرج بعد الشدة» .

стр. 28

مع أنّ مؤلّف الكتاب هو والده المحسّن. ومنها: أنّ بعض القصص «١» ، جاء فيها: «قال القاضي أبو القاسم عليّ بن المحسّن التنوخي، حدثني أبو الفرج الأصبهاني من حفظه ... الخ» ، مع أنّ أبا الفرج الأصبهاني توفيّ في السنة ٣٥٦ والقاضي أبو القاسم عليّ بن المحسّن ولد سنة ٣٧٠. وللمحسّن التنوخي أيضا: مجموعة أقوال في الحكمة، سمّاها «عنوان الحكمة والبيان» ؛ ذكر ذلك المستشرق مرجليوث، في مقدمة الترجمة الإنكليزية للجزء الأول من النشوار «٢» . توفّي أبو عليّ، المحسّن التنوخيّ، في السنة ٣٨٤، عن ٥٧ عاما، وخلّف ولده أبا القاسم عليّ بن المحسّن، صبيّا في الرابعة عشرة، وقد صاحب التوفيق هذا الصبيّ، فجرى على سنن والده، ودرس الفقه، وقبلت شهادته عند الحكّام في حداثته «٣» ، وتقلّد القضاء والإشراف على دار الضرب «٤» . ولأبي القاسم هذا، ترجمة في معجم الأدباء جديرة بالمطالعة «٥» . هذا ما أمكنني استخلاصه، عن حياة القاضي التنوخيّ، ممّا تيسّر لديّ من القصص التي قصّها علينا، ولو تيسّر لديّ عدد من القصص أكثر لكان ما استخلصته أوفر. ولعلّ الحظ الحسن، يقود أحدا في مستقبل الأيّام، إلى العثور على بعض الأجزاء الضائعة من النشوار، فيضيف بنشرها، إلى الكتاب العربيّ، ثروة عظيمة. بحمدون في ٢/٣/١٩٧١ عبود الشالجي المحامي

стр. 29

الجزء الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم يسّر وأعن الحمد لله الواحد العدل، وصلى الله على محمد نبيه خاتم الرسل، وعلى آله الطيّبين ذوي الطهارة والفضل. هذه ألفاظ تلقّطتها من أفواه الرجال، وما دار بينهم في المجالس، وأكثرها ممّا لا يكاد يتجاوز به الحفظ في الضمائر، إلى التخليد في الدفاتر، وأظنّها ما سبقت إلى كتب مثله، ولا تخليد بطون الصحف بشيء من جنسه وشكله، والعادة جارية في مثله، أن يحفظ إذا سمع ليذاكر به إذا جرى ما يشبهه ويقتضيه، وعرض ما يوجبه ويستدعيه. ولعلّ قارئها والناظر فيها أن يستضعفها إذا وجدها خارجة عن السّنن «١» المعروفة في الأخبار، والطريق المألوف في الحكايات والآثار، الراتبة «٢» في الكتب، المتداولة بين أهل الأدب، ولا سيّما ما لم يعلم السبب الذي رغّبني في كتبها، وهو أنّي اجتمعت قديما مع مشايخ فضلا، علماء أدباء «٣» ، قد عرفوا أحاديث الملل، وأخبار الممالك والدول، وحفظوا مناقب الأمم ومعايبهم، وفضائلهم ومثالبهم، وشاهدوا كل فنّ غريب، ولون «٤» طريف

стр. 30

عجيب، من أخبار الملوك والخلفاء، والكتّاب والوزراء، والسادة والأمراء، والرؤساء والفضلاء، والمحصّلين والعقلاء، والأجواد والبخلاء، وذوي الكبر والخيلاء «١» ، والأشراف والظرفاء «٢» ، والمخرّفين والجلساء «٣» ، والمحادثين والندماء، والأذكياء والفهماء، والأسخياء والكرماء، والسفهاء والحلماء، والفلاسفة والحكماء «٤» ، والمتكلّمين والعلماء «٥» ، والمحدّثين والفقهاء «٦» ، وأهل الآراء والأهواء «٧» ، والمتأدبين والأدباء، والمترسّلين والفصحاء، والرّجّاز والخطباء، والعروضيّين والشعراء، والنسّابين والرواة، والحفّاظ والدراة «٨» ، واللّغويين والنحاة، والشهود والقضاة «٩» ، والأمناء والولاة «١٠» ، والمتصرّفين والكفاة، والفرسان والأمجاد، والشجعان والأنجاد، والجند والقوّاد،

стр. 31

وأصحاب القنص والاصطياد، والجواسيس والمتخبّرين» ، والسعاة والغمّازين «٢» ، والورّاقين «٣» والمعلّمين، والحسّاب والمحرّرين «٤» ، والعمّال وأصحاب الدواوين «٥» ، والتنّاء «٦» والمزارعين، وأرباب الخراج والأرضين، والأكرة «٧» والفلّاحين، والمتكلمين على الطرق «٨» ، [وأصحاب الحادور والحلق] «٩» ، والواعظين والقصّاص «١٠» ، وذوي التّنمّس والإخلاص «١١» ، وأهل الصوامع والخلوات، والسيّاح في الجبال والفلوات، والنسّاك والصالحين، والأبدال والمتفرّدين، «١٢»

стр. 32

والمريدين والمخبتين «١» ، والعبّاد والمتبتّلين «٢» ، والزهّاد والمتوحّشين «٣» ، والصوفيّة «٤» والمتواجدين «٥» ، والأئمّة والمؤذّنين، والقرّاء والملحّنين، [٢ ب] والرّجحاء والمبرّزين، وأهل النقص والمقصّرين، [والأغنياء والمملقين] «٦» والأغبياء والمتخلّفين، والفطناء والمتقدّمين، والشطّار والمتّقين «٧» ، وأصحاب العصبيّة والسكاكين «٨» ، وقطّاع الطّريق والمتلصّصين، والجيران والمتغرّبين، وأهل الخسارة والعيّارين «٩» ، ولعّاب النرد والشطرنجيّين «١٠» ، والملاح والمتطايبين «١١» ،

стр. 33

[والمسامرين والمضاحكين] «١» وأصحاب النادرة والمضحكين، والمورثين والمبذّرين «٢» ، والطفيليّة والمتطرّحين «٣» ، والأكلة والمواكلين، والشرّاب [٢ ط] والمعاقرين، والمغنّيات والمغنّين، والرقّاصين والمخنّثين «٤» ، وأصحاب الستائر «٥» والمقيّنين «٦» ، والمتقاينين «٧» والمستمعين «٨» ، وأهل الهزل والمتخالعين، والمجّان والمجانين «٩» ، والبله والمغفّلين، والمفكّرين والموسوسين «١٠» ، وأهل المذهب والسوداويّين «١١» ، والمشعبذين والمحتالين «١٢» ،

стр. 34

والملحدة والمتنبّين «١» ، والأطبّاء والمنجّمين «٢» ، والكحّالين والفصّادين «٣» ، والأساة والمجبّرين «٤» ، ومعالجي الجرائح والقمائحيّين «٥» ، وأصحاب الزجر «٦» ، والزّراقين «٧» ، وأهل القرعة «٨» والمقالين «٩» ، والطوّاف بالسهام «١٠» والمفسّرين «١١» ، والشحّاذين والمجتدين «١٢» ، والمجدودين والمحدودين «١٣» ، والسعاة

стр. 35

والمسافرين «١» والمشاة والمتغرّبين، والسبّاح والغوّاصين، [والبانانية والملّاحين] «٢» ، وسلّاك البحار والمفازات «٣» ، وأهل المهن والصناعات، والمياسير والفقراء، والتجّار والأغنياء، والفواضل من النساء، وحرايرهنّ والإماء، وخواصّ الأحجار والحيوانات، وغريب الأدوية والعلاجات، والرقى «٤» والنيرنجيّات «٥» ، والأحاديث المفردات، وشاذّ الاتفاقات، وطريف المنامات، وشريف الحكايات، وغير ذلك من ضروب أحاديث أهل الخير والشرّ، والنفع والضرّ، وسكّان المدر والوبر «٦» ، والبدو والحضر، شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وكان القوم الذين استكثرت منهم، وأخذت ذلك عنهم، يحكونه في أثناء «٧» مذاكراتهم، وفي عرض مجاراتهم، وبعد انقضاء ملحهم «٨» وآدابهم،

стр. 36

والخوف من ملل يلحق السامعين لعلومهم وحكمهم، نفيا للمساكنة، واجترارا للمثافنة «١» ، وصلة للمجالسة، وفتحا للمؤانسة، وسبرا «٢» لأحاديث الدنيا ماضيها وباقيها، وتواصفا لسير أهلها وما جرى فيها، وتمثيلا بين ما شاهدوه منها، وسمعوه عنها، [وعابوه من فعلها] «٣» وعانوه من تقلّبها، وقاسوه من تصرّفها، وأخبروا به من عجائبها، ويوردون كل فنّ من تلك الفنون على حسب ما تقتضيه المحادثة، وتبتغيه المفاوضة، فأحفظ عنهم ذلك في الحال وأتمثّل به وأستفيده في أحوال. فلمّا تطاولت السنون، ومات [أكثر أولئك] «٤» المشيخة الذين كانوا مادّة هذا الفنّ، ولم يبق من نظرائهم إلّا اليسير الذي إن مات ولم يحفظ عنه ما يحكيه، مات بموته ما يرويه، ووجدت أخلاق ملوكنا [٣ ب] ورؤسائنا لا تأتي من الفضل، بمثل ما تحتوي عليه تلك الأخبار من النّبل، فيستغنى بما يشاهد من نظيره، عن حفظ ما سلف وتحبيره، بل هي مضادّة لما تدلّ عليه تلك الحكايات من أخلاق المتقدّمين وضرائبهم، وطبائعهم ومذاهبهم، حتى إنّ من بقي من هؤلاء الشيوخ إذا ذكر ما يحفظه من هذا الجنس بحضرة أرباب الدولة، ورؤساء الوقت، خاصّة ما كان منه متعلّقا بالكرم، ودالا على حسن الشيم، ومتضمّنا ذكر وفور النعم، وكبر الهمم، وسعة الأنفس، وغضارة الزمان «٥» ، ومكارم الأخلاق، كذّبوا به ودفعوه، وحصّلوه في أقسام الباطل واستبعدوه، ضعفا عن إتيان مثله، واستعظاما منهم لصغير ما وصلوا إليه، بالإضافة إلى كبير

стр. 37

ما احتوى أولئك عليه، وقصورا عن [٣ ط] أن تنتج خواطرهم أمثال تلك الفضائل والخصال، وأن تتسع صدورهم لفعل ما يقارب تلك المكارم والأفعال هذا مع أن في زمانهم هذا من العلماء المحتسبين «١» في التعليم، [والحكماء] «٢» والأدباء المنتصبين للتأديب والتفهيم، وأهل الفضل والبراعة، في كلّ علم وأدب، وجدّ وهزل وصناعة، من يتقدّم بجودة الخاطر، وحسن الباطن والظاهر، وشدّة الحذق فيما يتعاطاه، والتبريز فيما يعانيه ويتولّاه، كثيرا ممن تقدّمه في الزمان، وسبقه بالمولد في ذلك الأوان، ويقتصر منهم على الأكرام دون الأموال، وقضاء الحاجات دون المغارم والأثقال، فما يرفعون به رأسا، ولا ينظرون إليه الّا اختلاسا، لفساد هذا العصر، وتباعد حكمه من ذلك الدهر، وإنّ موجبات الطبائع فيه متغيّرة متنقّلة، والسنن دارسة متبدّلة، والرغبة في التعلّم معدومة، والهمم باطلة مفقودة، والاشتغال من العامّة بالمعاش قاطع، ومن الرؤساء بلذّاتهم البهيميّة مانع «٣» ، فنحن حاصلون فيما روي من الخبر إنّ الزمان لا يزداد إلّا صعوبة، ولا الناس إلّا شدّة، ولا تقوم الساعة إلّا على شرار الخلق، وما أحسن ما أنشدني أبو الطيّب المتنبّي لنفسه من قصيدة، في وصف صورتنا: أتى الزّمان بنوه في شبيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم «٤»

стр. 38

واتّفق أيضا، أنّني حضرت المجالس بمدينة السلام، في سنة ستين وثلاثمائة، بعد غيبتي عنها [٤ ب] سنين، فوجدتها مختلّة ممّن كانت به عامرة، وبمذاكرة آهلة ناظرة، ولقيت بقايا من نظراء أولئك الأشياخ، وجرت المذاكرة، فوجدت ما كان في حفظي من تلك الحكايات قديما قد قلّ، وما يجري من الأفواه في معناها قد اختلّ، حتى صار من يحكي كثيرا ممّا سمعناه يخلطه بما يحيله ويفسده، ورأيت كلّ حكاية ممّا أنسيته لو كان باقيا في حفظي لصلح لفنّ من المذاكرة، ونوع من نشوار المحاضرة «١» فأثبتّ ما بقي على ما كنت أحفظه قديما، واعتقدت إثبات كلّ ما أسمعه من هذا الجنس، وتلميعه بما يحثّ على قراءته من شعر لمتأخّر من المحدثين، أو مجيد من الكتّاب والمتأدّبين، أو كلام منثور لرجل من أهل العصر، أو رسالة أو كتاب بديع المعنى أو حسن النظم والنثر «٢» ، ممّن لم يكن في الأيدي شعره ولا نثره، ولا تكرّر نسخ ديوانه، ولا تردّدت معاني إحسانه، وما فيه من مثل طريّ، أو حكمة جديدة، أو نادرة حديثة، أو فائدة قريبة المولد، ليعلم أنّ الزمان قد بقّى من القرائح والألباب، في ضروب العلوم

стр. 39

والآداب، أكثر ممّا كان قديما أو مثله، ولكن تقبّل أرباب تلك الدول [٤ ط] للأدب أظهره ونشره «١» ، وزهد هؤلاء الآن في هذا الأدب غمره وستره، ولهذه الحال ما انطمست المحاسن في هذه الدول، وردّت أخبار هؤلاء الملوك، وخلت التواريخ من عجائب ما يجري في هذا الوقت، لأنّ ذوي الفضل لا يفنون أعمارهم بتشييد مفاخر غيرهم، وإنفاق نتائج خواطرهم، مع بعدهم عن الفائدة، وخلوّهم من العائدة، وأكثر الملوك وذوي الأحوال، والرؤساء وأرباب الأموال، لا يجودون عليهم فيجيد هؤلاء لهم نسج الأشعار والخطب، وحوك الرسائل والكتب التي تبقى فيها المآثر، ما أقام الدهر الغابر، فقد بخل هؤلاء، وغفل هؤلاء، ورضي كلّ واحد من الفريقين بالتقصير فيما يجده، والنقص فيما يعتمده، وإلّا فقد خرج في أعمارنا وما قاربها من السنين، من مكنون أسرار العلم، وظهر من دقيق الخواطر والفهم، ما لعلّه كان معتاصا «٢» على الماضين، وممتنعا على كثير من المتقدمين، وجرت في هذه المدّة من الحوادث الكبار، والوقائع العظام [والانقلابات العجيبة] «٣» ، والاتّفاقات الغريبة، والحيل الدقيقة، والأمور المحكمة الوثيقة، التي لا يوجد مثلها سالفا. في أضعاف هذه السنين مضاعفا، ما لو قيّد بتأليف الكتب، وحفظ بتصنيف الأشعار فيه والخطب، أو خلّد على شرحه في تواريخ السنين والحقب، لأوفى على ما سلف، وتقدّم في علوّ الرتب. وقد أثبتّ من هذا أيضا طرفا طفيفا، ونبذا موجزا [٥ ب] خفيفا، لئلّا تخرج هذه الأخبار عن سبيلها، ولا تخلو مع ذلك من فنون لا توجد

стр. 40

إلّا فيها، وليستفيد منها العاقل اللبيب، والفطن الأريب، إذا طرقت سمعه، وخالطت فهمه، من آداب النفس، ولطافة الذهن والحسّ، ما يغنيه عن مباشرة الأحوال، وتلقّي مثله من أفواه الرجال، ويحثّه على العلم «١» بالمعاش والمعاد، والمعرفة بعواقب الصلاح والفساد، وما تفضي إليه أواخر الأمور، ويساس به كافة الجمهور، ويجنّبه من المكاره حتى لا يتوغل في أمثالها، ولا يتورّط بنظائرها وأشكالها، ولا يحتاج معها إلى إنفاد «٢» عمره في التجارب، وانتظار ما تكشفه له السنون من العواقب. فأوردت ما كتبته ممّا كان في حفظي سالفا، مختلطا بما سمعته آنفا، من غير أن أجعله أبوابا مبوّبة، ولا أصنّفه أنواعا مرتّبة، لأن فيها أخبارا تصلح أن يذاكر بكلّ واحد منها في عدّة معاني «٣» وأكثرها ما لو شغلت نفسي فيه، بالنظم والتأليف، والتصنيف والترتيب، لبرد واستثقل، وكان إذا وقف قارئه على خبر من أوّل كلّ باب فيه، علم أن مثله باقيه، فقلّ لقراءة جميعه ارتياحه ونشاطه، وضاق فيه توسّعه وانبساطه، ولكان ذلك أيضا يفسد ما في أثنائه من الفصول والأشعار، والرسائل والأمثال، والفصول التي إن رتّبت على الأبواب وجب أن توصل بما تقدّم من أشباهها، وتردّد في الكتب من أمثالها، فينتقض ما شرطناه، ويبطل [٥ ط] ما ذكرناه، من أنّ هذه الأخبار جنس لم يسبق إلى كتبه «٤» ، وأنا إنّما تلقّطتها من الأفواه دون الأوراق، ويخرج بذلك عن القصد والمراد، والغرض
следующие страницы →