بعزم إذا ما الليل مد رواقه ... بكر على ظلمائه فتنير
أخو كلف بالمجد لا يستفزه ... مهاده إذا جن الظلام وثير
إذا ما طوى يوماً على السر كشحه ... فليس له حتى الممات نشور
وإني وان كنت الممنع جاره ... لتسبي فؤادي أعين وثغور
(٩٩ ب) ومتا تعتريني فترة في مدى العلا ... إلى أن أرى لحظا عليه فتور
وفي السرب من نجد تعلقت ظبية ... تصول على ألبابنا ونغير
وتمنع ميسور الكلام أخا الهوى ... وتبخل حتى بالخيال يزور
أساكن نجد جادها واكف الحيا ... هواكم بقلبي منجد ومغير
ويا سكنا بالاجرع الفرد من منى ... وأيسر حظ من رضاك كثير
ذكرتك فوق البحر والبعد بيننا ... فمدته من فيض الدموع بحور
وأومض خفاق الذؤابة بارق ... فطارت بقلبي أنه وزفير
ويهفو فؤادي كلما هبت الصبا ... أما لفؤادي في هواك نصير
ووالله ما أدري أذكرك هزني ... أم الكأس ما بين الخيام تدور
فمن مبلغ عنا النوى ما يسوءها ... وللبين حكم يعتدي ويجور
بانا غدا من (١) بعده سوف نلتقي ... ونمسي ومنا زائر ومزور
إلى كم أرى أكني ووجدي مصرح ... وأخفي أسم من أهواه وهو شهير
أمنجد آمالي ومنفق كاسدي ... ومصدر جاهي والحديث كثير
стр. 282
أأنسى ولا أنسى مجالسك التي ... بها تلتقيني نضرة وسرور
نزورك في جنح الظلام ونلتقي ... وبين يديك (١) من حديثك نور
على أنني إن غبت عنك فلم تغب (٢) ... لطائف لم يحجب لهن سفور
فظلك فوقي حيثما كنت وارف ... ومورد آمالي لديك نمير
وعذرا فإني إن أطلت (٣) فإنما ... قصاراي من بعد البيان قصور وكتب إلي في مثل هذه الأغراض، صدر رسالة:
يكلفني مولاي رجع جوابه ... وما لتعاطي المعجزات وما ليا
أجيبك للفضل الذي أنت أهله ... واكتب مما قد أفدت الأماليا
(١٠٠آ) فأنت الذي طوقتني كل منة ... وصيرت أحرار الكلام مواليا
فلا زلت للفعل الجميل مواصلا ... ولا زلت للشكر الجزيل مواليا ومن شعره في هذه الأغراض قوله:
قيادي قد تملكه الغرام ... ووجدي لا يطاق ولا يرام
ودمعي دونه صوب الغوادي ... وشوقي فوق ما يشكي الحمام
إذا ما الوجد لم يبرح فؤادي ... على الدنيا وساكنها السلام
стр. 283
٩٦ - الكاتب أبو القاسم محمد بن أبي بكر بن محمد
ابن احمد بن قطبة الهرميسي:
شاعر محصل، وللأغراض متوصل، نفسه ممتد، وساعده بالنظم مشتد، وبالطبع؟ (١) راضي الدهر طيله،وحث الحظ المطي له، رفع علم الشهرة، وسلم منه السبق إلى راكب المهرة، وإجادته مقصورة على المطاولات لإفراط سكونه، واختصاص جانب المدح بركونه.
فمن شعره ما كتب به ألي:
يا نديما أدرن كاس الهوى ... واسقنيها عللا بعد نهل
واعد تذكار (٢) سكان اللوى ... إذ سروا فهو حديث لا يمل
آه من جسم مقيم بعدهم ... وفؤاد أثرهم قد ارتحل
وجفون أن تقس بالبحر ما ... سال منها ظهر البحر وشل
في ضمان الشوق قلب مغرم ... سار (٣) في الناس هواه كالمثل
يا وميض البرق إن جئت الحمى ... واسلت الغيث في رسم الطلل
سل أهيل الجزع عن جيرتنا ... وعن المضنى المعنى لا تسل
стр. 284
(١٠٠ ب) ما تخلفت اختيارا بعدهم ... لا ولا عهد هواهم انتقل
ثبط الدهر واني في النوى ... مكره بعد أخوك لا بطل
ليت شعري والأماني ضلة ... أخو الأشواق يغنى بالأمل
هل لجمع الشمل من مرتجع ... أو لأيام النوى من مرتحل
حفظ الله عشيات الحمى ... ورعى عهد هواها المقتبل
لم يكن غير خيال طارق ... زارني تم انثنى على عجل
أين أيام بها قد سلفت ... حشد الأنس إليها فاحتفل
إذ عذاري يانع ريحانه ... وقريضي كله فيها غزل
وبمغنى اللهو من شرقيه ... قمر مغربه تحت الكلل
كم يروم البدر إن يشبهه ... فينال الحسن عمدا بالحيل
أودع الشوق ضلوعي عابثا ... ورمى النار بقلبي فاشتعل
وأباح ظالما سفك دمي ... ليت شعري إحلال ما ستحل
ورماني لحظه فخلته ... قد رمى قلبي رام من ثعل
كيف أرجو وضله ودونه ... قضب الهند ومياد الاسل
وليوث إن سطوا يوم الوغى ... نسيت (١) صفين أو يوم الجمل
يا أمير الحسن (٢) ( ... ) الهوى ... قلب مضناك على طوع فذل
كيف يرجو الصحو في حبك من ... أسكرته (؟) (٣) تلك المقل
أيها العاذل رفقا في الهوى ... فتمادي العذل ليس يحتمل
لحظ من أهواه سيف فاتك ... في فؤادي؛ سبق السيف العذل
كيف أسلو في الهوى عن حبكم ... جار في الحكم علي أو عدل
стр. 285
لا تعير بالضنى فربما ... (١) صحت الأجسام يوما بالعلل
(١٠١ أ) كيف أخشى من ضنى في حبه ... إغريق البحر يخشى من بلل
خط قاضي الحسن في رسم الهوى ... فاكتفى عقد هواك واستقل
ولكم ليل نعمناه وقد ... سحب الذيل علينا وسدل
واتاني زائرا مستخفيا ... يقصر الخطو ألي من وجل
فلثمت البدر من تحت الدجى ... وضممت الغصن من تحت الحلل
وأدرت الكأس تحكي خده ... (٢) نقلنا عند تساقيها القبل
وتعانقنا كغصنين هوى ... ذاك قد غض وهذا قد ذبل
وشكوت ما ألاقيه له ... فاعترى وجنته مني الخجل
وغدا مبتسما يقول لي: ... أنت عبدي في الهوى، قلت: أجل
لم أزل أضاجعه حتى سرى ... عجلا جنح الظلام واضمحل
وبدا الإصباح يحكي خد من ... فاق كل الناس علما وعمل وهي طويلة غفر الله لي وله.
وقال في الغرض الذي نظمت فيه الحلبة من الأبيات اللزوميات الموجهة إلى تلمسان حسبما ثبت في أسمائهم، وطلعت زواهره في سمائهم:
ما للمعاهد تصبينا وأصبيها ... وللمدامع تهمي في روابيها (؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟) (٣)
стр. 286
من لي بنفس لجوج كلما جنحت ... يوما إلى الرشد عادت في تصابيها
لما دعتها دواعي الحب عن كثب ... (١) أضحت حشاشتها يوما تلبيها
ما عذرها والهوى العذري شيمتها ... (٢) يطوي جناحيها وجدا ثم يثنيها
يا ليت شعري هل تقضي ديون هوى ... ذات الوشاح لديها من محبيها
ويا ديار الهوى لازلت مطلعة ... للنور سحب الحيا إياك تخبيها
(١٠١ب) كم قد أدرنا بها صهباء طاف به ... بدر حكت خده في اللون تشبيها
مدامة عتقت في الدن من زمن ... استخرجت من جوابيها خوابيها
في روضة حاكت الأنواء حلتها ... ودبج الزهر وشيا في روابيها
كأن زهر رباها كلما جليت ... دراهم وسفير الريح يجبيها
كم ذا تموه بالأزهار نفس شج ... ولن ترى غير نور العلم يصبيها
بدائع سحبت ذيل الفخار على ... سحبانها وصبا منهن صابيها
بمجلس ابن الخطيب أنقاد شاردها ... وذل منها بحكم القهر آبيها
أزاهر من مجاني غرسه اقتطفت ... وكل ما راق منها فهو حابيها
فالله يبقيه فخرا للخلافة ما ... سرت ركاب وجاب الأرض جابيها
وبنصر الملك المولى الذي بندى ... كفيه تفهق بالنعمى جوابيها
وهاكها في قصور النظم في خجل ... ومثل علمك لا يحتاج تنبيها
من فكرة زارت الأمراض ساحتها ... فغادرت خيلها قد كل كابيها
стр. 287
٩٧ - الكاتب عبد العزيز بن احمد بن برشيت
من أبناء الحضرة الغرناطية:
فتى دمت الخلائق، متمسك من الأدب ببعض العلائق، منتسب إلى بيت عفاف، تبلغ بكفاف، لا تنبو العين عن صورته المقبولة، ولا ينكر الإنجاب على قريحته المجبولة، يقوم على الحساب، ويمت إلى بعض المتصوفة بالانتساب، وهو بسبب اقتناء للفضائل واكتساب، ومن شعره ما خاطبني به:
أطلت عتب زمان مل من أملي ... وشمته الذم في حل ومرتحل
عاتبته ليلين العتب جانبه ... فما تراجع من مطل ومن بخل
(١٠٢آ) فعدت أمنحه العتبى ليشفق بي ... فقال لي: إن سمعي عنك في شغل
فالعتب عندي كالعتبى فلست أرى ... أصغي لمدحك إذ لم أصغ للعذل
فقلت للنفس: كفي عن معاتبة ... لا تنقضي وجواب صيغ من جدل
من يعتلق في الدنا بابن الخطيب فقد ... سما عن الذل واستولى على الجذل
стр. 288
فقلت من لي بتقريبي لخدمته ... فقد أجاب جوابا من جوابك لي
قد اشتغلت عن الدنيا باخرتي ... وكان ما كان في أيامك الأول
وقد رعيت وما أهملت من منح ... فكيف يختلط المرعي بالهمل
ولست ارجع للدنيا وزخرفيها ... من بعد شيب غدا في الرأس مشتعل
الست تبصر إطماري وبعدي عن ... نيل الحظوظ وإعدادي إلى اجل
فقال ذلك قول صح محمله ... لكن من شأنه التفصيل للجمل
ما أنت طالب أمر تستعين به ... على المظالم في جاه ومقتبل
ولا تحل حراما أو تحرم ما ... أحل ربك في قول ولا عمل
ولا تبع آجل الدنيا بعاجلها ... كما الولاة تبيع اليم بالوشل
وأين عنك الرشا إن كنت تطلبها ... هذا لعمري أمر غير منفعل
هل أنت تطلب إلا أن تعود إلى ... كتب المقام الرفيع القدر في الدول
فما لأوحد أهل الأرض قاطبة ... وأسمح الناس من حاف ومنتعل
لم يلتفت نحو ما تبغيه من وطر ... ولم يسد الذي قد بان من خلل
أن لم تقع نظرة منه عليك فلا ... يصفو لديك الذي أملت من أمل
فدونك السيد الأعلى، فطالبه ... قل النظير له عندي فلا تسل
فقد قصدتك يا أسمى الورى نسبا ... وليس لي من علاك اليوم من وجل
فما سواك لما أملت من أمل ... وليس عندك من زيغ ولا ملل
(١٠٢ب) ودم لها ولدين الله ترفعه ... ما أعقبت بكر الأيام بالأصل وقال من قصيدة طويلة لعل ما نجلبه منها يصلح من حال هذه الأبيات كما ترى:
القلب يعشق والمدامع تنطق ... برح الخفاء فكل عضو ينطق
أن كنت أكتم ما أجن من الجوى ... فشحوب لوني في الغرام مصدق
стр. 289
وتذللي عند اللقا وتملقي ... أن المحب إذا دنا يتملق
فلكم سترت من الوجود محبتي ... والدمع يفضح ما يسر المنطق
ولكم أموه بالطول وبالكنى ... وأخوض بحر الكتم وهو الأليق
ظهر الحبيب فلست أبصر غيره ... فبكل مرئي أرى يتحقق
ما للجود تكثر لمكثر ... أن المكثر بالأباطل يعلق
فمتى نظرت فأنت موضع نظرتي ... ومتى نطقت فما بغيرك أنطق
يا سائلي عن بعض كنه صبابتي ... كل البيان وكل عنه المفلق
فأسلك مقامات الرجال تحققا ... أن المحقق شأوه لا يلحق
مزق حجاب الوهم لا تحفل به ... فالوهم يستر ما العقول تحقق
وأخلص إذا شئت الوصول فلا تبل ... (١) فالعجز عن طلب الأباطل (....)
أن التجلي في التخلي فأقصدن ... ذاك الجناب فبابه لا يغلق
ولتقتبس نار الكليم ولا تخف ... والغ الهوى أن كنت منه تفرق
ومتى تجلى فيك سر جماله ... وصعقت خوفا فالمكلم يصعق
دع رتبة التكليف عنك ولا تفه ... تلف الذي قيدت وهو المطلق
وأقطع حبال علائق وعوائق ... أن العوائق بالمكاره تطرق
جرد حسام النفس عن جفن الهوى ... أن العوائد بالتجرد تخرق
(١٠٣آ) فإذا فهمت السر منك فلا تبح ... فالسيف من بث الحقائق أصدق
بالذوق لا بالعلم يدرك سرنا ... سر بمكنون الكتاب مصدق
стр. 290
٩٨ - الكابت أبو محمد بن أبي القاسم محمد بن قطبة الدوسي (١) :
الصبي الشاعر، أتى الشعر صبيا، وأستمطر منه حبيا، وفي كعبته رجبيا (٢) ، وأن أصبح من كل ما سواه أجنبيا، كأنما ارتضعه من ثدي الخنساء، والأخيلة ذات الكساء، وأمثالها من شعراء النساء، أو تحساه في الحسا، مع الإصباح والامسا، فروي من سجله، وأنتظم في سلك الكتاب من أجله، وشفعت في تقصير أبيه إجادة نجله، وتميز بالهجاء، والسلاح في الأرجاء، وفي ذلك يقول بعض الالباء من الأدباء:
وقالوا توق الجرو وأحذره إنه ... يضر وما قتله لك من حوب
فقلت لهم: أنيابه بعد عضه ... إذا عض تبقى للحداثة في الثوب
" وقد عضد ... ناجل (٣) جروه " ... فعاملت في رفقي به قابل التوب فمن شعره:
لأمر ما تحملت الحمول ... وقلبك في الضلوع له حلول
أخفت العاذلين فحلت عما ... عهدت، وعهد مثلك لا يحول
أم اخترت التصبر عن حبيب ... جميل بان أنت به جميل
أما وأبي لقد رحلت قلوب ... غداة رحيلهم ونأت عقول
стр. 291
وقفت بربعهم ابكي اشتياقا ... وصبري مثل نسمته عليل
أسائل عنهم طللا محيلا ... كلانا بعدهم طلل محيل
كأن الصبر فاض على جفوني ... فكان بربعهم دمعا يسيل
عهدتك ربع أفراح ولهو ... تبشر بالقبول بك القبول
(١٠٣ب) تلوح لنا القباب بها شموسا ... وليس لها إذا أمسى أفول
ويبدو البدر فيها ليس يخفي ... محاسنها صباح أو أصيل
تخاف ظباءها الأسد الضواري ... وتخشى بطشها الصيد القيول
تحل بها اللواحظ والمواضي ... وتختلس المواعد والعقول
فكم صب له سر مصون ... لأدمعه وسلوته مذيل
وكم من عاشق عاصته فيها ... شمول، ذكر من يهوى الشمول
يكابد وجده ليلا طويلا ... إلى من ليل وفرته طويل
ويقنع أن يقال له سقيم ... لكي يحكيه محزمه الضئيل
كأن غرامه وقف عليه ... فليس إلى السلو له سبيل
وتجرح وجنتيه شهود دمع ... عدول للكرى عنها عدول
وكم من شادن أحوى غرير ... يغر الناس منظره الجميل
إذا ما تنسمه (١) مشوقا ... يضل سلوه طرف كحيل
ومهما ضل كفرانا محب ... هداه من لواحظه رسول
جواد حين تسأله نوالا ... ولكن بالوصال لنا بخيل
قنعت وأن نقعت به غليلا ... كذاك الحر يقنعه القليل
كأن وصاله العيوق عزا ... فليس له لمن يهوى وصول
سقاه شبابه كأسا دهاقا ... لذلك عطفه طربا يميل
стр. 292
كسيت بهجره ذلا ولكن ... عزيز في محبته ذليل
خليلي والتصبر عنه عار ... ولا صبر إذا ينادي الخليل
رعاك الله كم سفهت رأيي ... وليس لنجم آمالي أفول
وأن مطل الزمان لنا بوعد ... فان ابن الخطيب له كفيل (١٠٤آ) ٩٩ - الكاتب أبو القاسم محمد بن محمد بن محمد
ابن أبي عاصم، وقد مر ذكر أبيه (١) :
فاضل السمة، عاصب في فريضته المنقسمة، بلغ في القسمة إلى اقصر حده، وورث الجلالة عن أبيه وجده؛ وزها منه فصل الحياء بوردة خده، تبث فيما يكتب، معتب لما يعتب، وأما الأدب فهو شارع في غديره، وماد يده إلى كأس مديره، ولم أقف على شعره إلا على مثل من منظومه في اللزومية التي تقدم فيها الكلام، وكلف بالمراكضة في ميدانها الأعلام، وهي:
أمن تذكر عهد من تلاقيها ... أضحت جفونك لا ترقى مآقيها
لم يترك الحب من نفسي سوى رمق ... والبين يجهد في أتلاف باقيها
ما للنوى ولشملي لا تفارقه ... مهما تباعد عنها فهو لاقيها
ما ضر من سقيت نفسي عليه هوى ... لو صار ساعدها من كان يشقيها
стр. 293
لله أيام أنس قد نعمت بها ... والسعد من أعين الحساد واقيها
في روضة جمعت شمل السرور وقد ... حفت حوالي سواقيها سواقيها
غدت عليها قيان الورق منشدة ... وبات نجم الثريا وهو يسقيها
ألقت عليها الصبا من سحرها سحرا ... فهمت الطير بالألحان ترقيها
ولا كروضة نظم قد فتنت به ... يظل نشوان منها من يلاقيها
أنشدتها فانثنى طرفي لها طربا ... فهل سقاني منها الراح يسقيها
لآلئ تتمنى كل غانية ... لو أنها نظمتها في تراقيها
من فارسين بميدان البلاغة إذ ... فرسانها قد تولت عن تلاقيها
ترقيا في بديع القول منزلة ... يكل قس أياد عن ترقيها
(١٠٤ب) تجاوزت شأو أهل النظم قاطبة ... فكيف تطمع نفسي في لحاقيها
هذا وما رتبة في القول قد بهرت ... بني البلاغة إلا كنت راقيها
وكنت أزداد من هذي البدائع لو ... ألفيت قافية في النظم ألقيها
أنوار علم وآداب قد اقتبست ... من حضرة ابن الخطيب الله يبقيها ١٠٠؟ الكاتب أبو القاسم بن أبي العلاء محمد ين محمد بن سماك
من كتاب الدولة (١) ، تولاه الله تعالى:
فاضل نجيب، ولدواعي المجادة والإجادة مجيب، ونواره مرعى خصيب، وفائز من سهام الإدراك بنصيب، خصاله بارعة، ونصاله شارعة،
стр. 294
وشمائله إلى نداء الفضل مسارعة، على حداثة يندر معها الكمال، وتستظرف الأعمال، فأن انفسح مداه، بلغت السماك يداه. ومن شعره، وقد كلف الكتاب بلزوم، وشد جبر حيزوم، حسبما تكر في أسماء نظرائه، ما يغني عن إطرائه:
دعها تحن إلى السقيا ظواميها ... أن السرى عن جمام ( ... (١)) يحميها
محلآت وورد الماء من كثب ... وواردات وبرح الشوق يظميها
وممحلات ولو تهدى مراشدها ... لاستمطرت من سحاب الدمع هاميها
هلا حسبن دموعي من مواردها ... فكن يحسبن من آمال ظاميها
هن القسي ضمورا بين أرحلها ... مثل السهام وأيدي العزم ترميها
قد شاقها بعد خمس وهي خالصة ... ري ومرعى تناءى عن مراميها
فاستتبعت كنجوم الرمي مرسلة ... يقفو عراقيها آثار شاميها
يبدو ويخفي لرؤيا العين ماثلها ... والدهر يخفضها والوجد بسميها
سفائن في بحار الآل خائفة ... تكاد تغرقها منها طواميها
(١٠٥آ) دام المسير بها يدمي مناسمها ... فأقتص فوق الثرى آثار داميها
كأن (٢) آثارها في كل مجهلة ... كئوس راح تمليها دواميها
رحمى لأهل الهوى كانت قلوبهم ... تصح لولا سهام البين تصميها
هذا أوان حلال السحر في كلم ... هن الدراري (٣) وباسم الدر نسميها
أنوار علم يفوت الفكر مدركها ... إن أبصرتها عيون الشهب ترميها
من علية في سماء المجد طالعة ... من للكواكب علوا أن تساميها
стр. 295
تظل أندلس تزري بمنشأها ... (١) على العراق وناشيها وناميها
قد كنت أوسعها حمدا وأشكرها ... وإنما العجز قد أعيا مراميها
لكن إذا نسبت لابن الخطيب فقد ... كفاني الفخر منها أن أسميها
له الحقيقة منها وهو مظهرها ... وإنما لهم منها أساميها
يا أوحدا قد سما في الفخر مرقبة ... فالشهب ينحط عنه قدر ساميها
أبناء حام وسام أنت سيدها ... يوم الفخار وساميها وحاميها
حطت الذمار ذمار المسلمين فما ... تنفك طوع مراضي الله تحميها
وقل ما ضل يوم الروع أسرتها ... إلا وهديك هدي الله ينهيها
لازلت ذا صولة مهما رميت بها ... مرام روح فان الله راميها ١٠١؟ الكاتب أبو العباس بن السيد الشريف القاضي أبي القاسم
محمد بن أحمد الحسني كلأه الله:
بارق ينتمي إلى راعدة، وبناء على قاعدة، لا تختلف منه المخيلة ولا تغر، ولا ينكر على الصدف الدر، فأبوه الطود الأشم، والروض الذي له المجتلى والمشم، ولما هلك، وأشجى الفلك، رسمت هذا الفتى في الكتبة، سني المرتبة، ثم استعملته في القضاء، خالعاً عليه ملابس (١٠٥ب) الارتضاء،
стр. 296
فبدت عليه للنجابة مخيلة ترقي وتزلف، وترجى إنها لا تخلف، ومن شعره في هذا الغرض الذي تجارى فيه أصحابه، وما سحت على عدم استحكام فضله سحابه، قوله:
أهدت إليك وقد غابت لواحيها ... أسرار حب برجع الطرف توحيها
حوراء أصبت بسحر اللحظ سالمها ... وأسكرت من رحيق الريق صاحبها
محاسن جليت من ثغرها درراً ... كروضة أينعت فيها أقاحيها
تبسمت فجلا الظلماء مبسمها ... كما تألق برق في نواحيها
لو أشرقت في سماء الحبر مذهبة ... تغشى نواظر راويها وواحيها
أبدت فنوناً من الآداب رائقة ... تفنن السحر في شتى مناحيها
لاحت من السحر في حرز فعوذها ... من نقد حاسدها أو لوم لاحيها
يا ابن الخطيب أفدنا كل مأثرةٍ ... ليس الليالي وإن طالت مواحيها
أبقى الإله على الدنيا مثابته ... فهي التي زان منها الأرض داحيها
قد كنت أوسعها شكراً فقصر بي ... (١) لزومي الحاء عن إدراك مدحيها
لو كنت أعلم إن الحاء تخذلني ... لكنت من قبل لقياها أنحيها ١٠٢؟ الكاتب أبو القاسم محمد إبراهيم بن محمد
بن حميد التجيبي، تولاه الله تعالى:
طوير سانح، إلى دوحة البر جانح، والله خير مانح، عدل عن سنن
стр. 297
أبيه من العمل، والصحو والثمل، ومطاردة الأمل، إلى اقتعاد كرسي تدريس، وإحياء رسم للأدب دريس، وكتب في الجملة فما قصر، فيما أسهب واختصر، فمن شعره في غرض المدح:
جاد الغمام بصوبه الهتان ... يحكي أنسكاب الدمع من أجفاني
وحكت بروق أبرقت بخلال ... نار الصبابة والهوى بجنابي
وسرت على البطحاء أنفاس الصبا ... فسرى الجوى بجوانح الهيمان
(١٠٦آ) مه يا نسيم فقد أذبت حشاشتي ... وفصمت عن قلبي عرى السلوان
وأرقت من جفني وهجت بأضلعي ... ما شئت من ماء ومن نيران
يا صاح إن جئت الخيام بيثرب ... وثويت من ذاك الحمى بمكان
وسريت في تلك الاجارع والربى ... وجررت في واديه فضل عنان
فانشر لواء محبتي بفنائه ... وافضض هناك خواتم الكتمان
واشرح قضيات الهوى وأقم على ... صدق المحبة واضح البرهان
وافتق بأربعه تحية مسكة ... عن ذي اغتراب نازح الأوطان
والثم بطيبة قبر من حبست له ... شمس النهار وخص بالفرقان
وجرت بأنمله حياة فارتوت ... منها عساكر جيشه الظمآن
والجذع حن له وسبحت الحصى ... (١) في كفه العظمى بغير لسان
والضب كلمه كلاماً بيناً ... والبدر شق ولاح رأي عيان
لله منه نبي صدق مرسل ... أبداً دليل الحق والإيمان
رفعت منار الرشد آية هديه ... ومحت رسوم الغي والبهتان
ذاك النبي محمد ذاك الذي ... تعنو الوجه لجاهه الرباني
ذاك الذي نرجو شفاعته غداً ... ونفوز منه بجنة الرضوان
стр. 298
من أجله حق السجود لآدم ... وبفضله يستشفع الثقلان
أكرم بمولده وليلته التي ... ظفر الهدى منها بنيل أمان
طلعت بها شمس النبوة فانجلى ... عنا ظلام الشرك والعدوان
أحيا أمير المسلمين محمد ... آثارها بسوابغ الإحسان
وأقام فيها للعباد مواسماً ... يجنى بها أبداً رضى الرحمن
وجرى بميدان السماح من الصبا ... فغدا مجلي ذلك الميدان
والوبل جاد فكاد يحكي جوده ... لو كان جود الوبل كل زمان
(١٠٦ب) سله تنل ما شئت إن يممته ... والبحر في بذل الندى سيان
هو للعدا كأس الردى ولذي الهدى ... بدر بدا ما عيب بالنقصان يهمي بسحب كتائب، يسعى صوارم، يرمي بنجم سنان ...
فاح الندى بمديحه فكأنه ... متنفس عن نفحة البستان
في حسن طلعته وفصل خطابه ... مستمتع الأبصار والآذان
وإليك من روض الكلام حديقة ... فتفت مائمها بغر معان
جاءت تريك الدر في الأسلاك أو ... تهديك نواراً على أفنان
فاصعد وسد واسعد وجد وأهنأ ودم ... وانعم بملك ثابت الأركان
لا زلت ترقى في مراقي ما ... عطف النسيم معاطف الأغصان
стр. 299
١٠٣ -؟ الكاتب أحمد بن سليمان بن أحمد بن فركون (١) ،
خديمي في النسخ من يد الكتبة وربيبي:
جرو محقور، وفي جلدة كلب عقور، ولسان ناقور، سمع المجد عنه موقور، وشرارة قدحتها شرور، أخرق نشأ من صلف، ورمى من الوضاعة والدناءة بكلف، فلو تعلق بسبب من أبي دلف، لسعى عليه في تلف، ولو شهده مجمع الثريا لم يعد إلى مؤتلف، وفرد لا ينطبق وصف اللؤم إلا عليه، وسفيه يقال عند ذكره كفاك الله شر من أحسنت إليه، رضع الغدر في مجثم أمه، وصافن أباه المرور في قارورة سمه، فلن تنفع المداراة في افعوانه، ولا تمنع المصانعة من عدوانه، جليد على شره، وسيئة مختومة على مره، أهداه إليّ أبوه سليمان معدن الحمق الذي أعيا الراقي، وسحر المركب العراقي، جرواً مسدود العينين، منسوباً إلى جنين هجينين، يغط في السيرة، ويحار في طلب الثدي الكلبي أعظم الحيرة، فأنفت من إضاعته، واحتلت لرضاعته، ثم انتخبت له المرس، وعلقت في عنقه الجرس، ثم جللته بالحرير، ومهدت له بجنب السرير،
стр. 300
ثم علمته قص أثر الحجيلة، مخضوب البنان والرجيلة، ثم أغريته بالذب (١٠٧آ) عن المنديل، ثم دربته على إمساك القنديل، ثم أغريته على القطوط، ثم أرسلته على القنائص السارية على الشطوط، وبعد ذلك رقيته من طور المسخ، إلى الاستعمال في مهنة النسخ، ثم نقلته محتمل العتاب، إلى بيت الكتاب، فأصبح جروه ممرحاً بالمصيد، باسطاً ذراعيه من كهفهم بالوصيد، مجارياً في نظم المقطوعة وإنشاد القصيد؛ فلما ظهر أيده، واستقام صيده، انصرف إليّ كيده، فلم الق شراً من لهثته المجلبة، وعضته الكلبة، فأنكر المعروف، ونسي الظرف والمظروف، وأوسع البينات هدماً، ووجوه الجاه لدماً، وعض عرقوبي فأدمى، وأفرط في الشعار، وخلق السعار، ولم يدع وجهاً من وجوه العار، والأطواق تحجه، والأحداق تثجه، والكفران يصحمه، والنعم تخصمه، والله تعالى لا يعصمه. فتركها مثلاً في الإجراء، ومزهداً للمكلبين في اصطناع الجراء، وهرول بعد ما لهث ونقر، وعض وعقر، والفضلاء تصيح خلف مهربه، والكلاب تفر من طلبه، وعدوى جربه، وعدل الله تعالى كفيل باتباعه، وقص باعه، ومجازاة ختله، وإهداء كبده إليّ من بعد قتله، ليجعل منها على العضة الدامية، ويشوى باقيها على النار الحامية، وعلى ذلك فخطه الذي نفق من كساده، واغتفر لصلاحه كل قبيح من فساده، مسرح الطرف، ومعدن الظرف، وأدبه يطريه سوق الصرف؛ فمما خاطبني به يشكو والده وقد سرق له بعض ما أحسنت به له قوله:
مولاي إن سليمان تعمدني ... بالليل فاسترق الموهوب من نعمك
فلو غدا غيره والله سارقه ... لكنت أسعى له في المر من نقمك
لكن حسبي أن بلغت فعلته ... للحاكم العدل يا مولاي من كرمك
стр. 301
(١٠٧ب) وكتب ألي جواباً عن إحسان وصله:
" قسما بإحسان مولاي الذي أوجد وأكسب، وآمالي أحسب، لقد غمر رفدكم اللسان الذي يشكر، فبأي جارحة اصف المواهب وأذكر، التفقد لا يغب، والقبول نسماته تهب، تبارك الرب؛ والعبد لم يعمل في الخروج من الكر ألفاته، حتى أستدرك من خدمة النسخ ما فاته:
أمولاي عذرا عن مغيبتي فلم أكن ... لأغفل عن طرس لديك أجيده
يراعي في الكراس طورا ركوعه ... وطورا بمحراب الدواة سجوده
ولكن طرفي لم يغب عنك لحظه ... يفارقني طوع اشتياقي هجوده
وهل أنا إلا غرس انعمك التي ... غيوث الهدايا كل يوم تجوده
فبريها فيه شفاء ورحمة ... وبحريها مما يعز وجوده
فماذا عسى أنهيه من شكر منعم ... يؤلف بين الضب والنون جوده الحمد لله
يوجد في الأصول المكتوب منها بطرتها ما نصه: " إلى هنا توجد هذه الكتيبة، ولعل مؤلفها اخترته المنية قبل تمامها، والله تعالى اعلم ".
стр. 302
تعليق
كتب إلي الأخ الكريم الأستاذ فؤاد السيد أمين المخطوطات بدار الكتب المصرية يصف نسخة الكتيبة الكامنة المحفوظة بالدار تحت رقم ١٢٣٩٥ز. ويستفاد مما ذكره أنها تحتوي على عبارة الختام نفسها، وهي العبارة التي ترجح أن مؤلف الكتيبة ربما اخترمته المنية قبل تمامها، وأنها صورة عن نسخة حديثة تم نسخها يوم الأحد العشرين من شعبان سنة١٣٣٨، نقلت عن نسخة أخرى تاريخها التاسع والعشرون من رمضان سنة ١٢٧٦ وأنها في ٢٠٨ صفحات. وفيها فهرست يشغل الصفحات ٢٠٩ - ٢١٣؛ وقد دلتني هذه الحقائق على أنها مشبهة للنسخ التي اعتمدتها في مجملها، وأن آخر ترجمة فيها هي ترجمة أحمد بن سليمان بن فركون، وعلى هذا لم تستطع هذه النسخة الجديدة أن تمكنني من الإجابة على السؤال الذي أثرته حول كمال الكتيبة أو نقصانها. هذا ولا يفوتني أن أشكر أخي الأستاذ فؤاد السيد، فما يزال علمه مستمدا أغترف منه، وما يزال فضله على المكتبة الأندلسية شاهدا على صدق إخلاصه في خدمة التراث العربي، حفظه الله ورعاه.