← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

حسنة لم أرها فى امرأة غيرها قطّ. قال حماد: فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم، فقال: صدق أبو محمد، هى كذلك. قلت: أفسمعتها؟ قال: نعم، هناك (يعنى فى دار المأمون) . قلت: أفكانت كما ذكر أبو محمد فى الحذق؟ قال يحيى: هذه مسئلة الجواب فيها على أبيك، هو أعلم منّى بها. فأخبرت أبى بذلك، فضحك ثم قال: أما استحييت من قاضى القضاة أن تسأله عن مثل هذا! وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ: استدعانى المأمون يوما فدخلت عليه، فسألنى عن صوت وقال لى: أتدرى لمن هو؟ فقلت: أسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله بذلك. فأمر جارية من وراء السّتارة أن تغنّيه، فضربت فإذا هى قد شبّهته بالقديم؛ فقلت: زدنى معها عودا آخر، فإنه أثبت لى؛ فزادنى عودا آخر. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا صوت محدث لامرأة ضاربة. قال: من أين قلت ذلك؟ فقلت: إنى لمّا سمعت لينه عرفت أنه محدث من غناء النساء، ولمّا رأيت جودة مقاطعه علمت أنّ صاحبته ضاربة حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر فلم أشكّ. قال: صدقت، الغناء لعريب. وقال ابن المعتزّ: قال علىّ بن يحيى: أمرنى المعتمد على الله أن أجمع غناء عريب الذى صنعته، فأخذت منها دفاترها وصحفها التى كانت قد جمعت فيها غناءها، فكتبته فكان ألف صوت، وقد قيل أكثر من ذلك. وقد وصفها أبو الفرج الأصفهانىّ وأطنب فى وصفها وتفضيلها، واستدلّ على ذلك وبسط القول فيه. وأمّا ما قيل فى نسبها وسنّها وكيف تنقّلت بها الحال إلى أن اتصلت بالمأمون، فقد روى عن إسماعيل بن الحسين خال المعتصم أنها ابنة جعفر بن يحيى، وأنّ البرامكة لما نهبوا سرقت وهى صغيرة فبيعت. قال أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبىّ:

стр. 1647

إن أمّ عريب كانت تسمّى فاطمة، وكانت يتيمة؛ فتزوّجها جعفر بن يحيى بن خالد؛ فأنكر عليه أبوه، وقال له: تتزوّج بمن لا يعرف لها أمّ ولا أب! اشتر مكانها ألف جارية. فأخرجها جعفر وأسكنها فى دار فى ناحية باب الأنبار سرّا من أبيه، ووكّل بها من يحفظها، وكان يتردّد إليها؛ فولدت عريب فى سنة إحدى وثمانين ومائة. وكانت سنوها إلى أن ماتت ستّا وتسعين سنة. قال: وماتت أمّ عريب فى حياة جعفر، فدفعها إلى امرأة نصرانيّة وجعلها داية [١] لها. فلما حدثت بالبرامكة تلك الحادثة باعتها من سنبس النخّاس، فباعها من المراكبىّ. قال ابن المعتزّ: وأخبرنى يوسف بن يعقوب قال: كنت إذا نظرت قدمى عريب شبّهتهما بقدمى جعفر بن يحيى. قال: وسمعت من يحكى أنّ بلاغتها فى كتبها ذكرت لبعض الكتّاب، فقال: وما يمنعها من ذلك وهى بنت جعفر بن يحيى! هذا ملخص ما حكاه أبو الفرج فى نسبها. وأمّا أخبارها مع من ملكها وكيف تنقّلت بها الحال، فقد حكى ابن المعتزّ عن الهشامىّ أنّ مولاها خرج بها إلى البصرة فأدّبها وخرّجها وعلّمها الخطّ والنحو والشعر والغناء، فبرعت فى ذلك أجمع، وتزايدت حتى قالت الشعر. وكان لمولاها صديق يقال له حاتم بن عدىّ من قوّاد خراسان، وقد قيل: إنه كان يكتب لعجيف على ديوان العرض؛ فكان مولاها يدعوه كثيرا ويخالطه. فركبه دين فاستتر عنده؛ فمدّ عينه الى عريب وكاتبها فأجابته، ودامت المواصلة بينهما وعشقته؛ ثم انتقل من منزل مولاها. فلم تزل تحتال حتى اتّخذت سلّما من سبّ [٢] ، وقيل: من خيوط غلاظ، وكان قد اتخذ لها موضعا، ثم لفّت ثيابها وجعلتها فى فراشها بالليل ودثّرتها

стр. 1648

بدثارها، ثم تسوّرت الحائط وهربت، وأتته فمكثت عنده؛ ومولاها لا يتهمه بشىء من أمرها. فقال عيسى بن عبد الله بن إسماعيل المراكبىّ يهجو أباه ويعيّره بها- وكان كثيرا ما يهجوه-: قاتل الله عريبا ... فعلت فعلا عجيبا ركبت والليل داج ... مركبا صعبا مهيبا فارتقت متّصلا بالنّ ... جم أو منه قريبا صبرت حتى إذا ما ... أقصد النوم الرّقيبا مثّلث بين حشايا ... ها، لكى لا تستريبا خلفا منها إذا نو ... دى لم يلف [١] مجيبا ومضت يحملها الخو ... ف قضيبا وكثيبا محّة لو حرّكت خف ... ت عليها أن تذوبا فتدلّت لمحبّ ... فتلقّاها حبيبا جذلا قد نال فى الدّن ... يا من الدّنيا نصيبا أيّها الظبى الذى تس ... حر عيناه القلوبا والذى يأكل بعضا ... بعضه حسنا وطيبا كنت نهبا لذئاب ... فلقد أطمعت ذيبا وكذا الشاة إذا لم ... يك راعيها لبيبا لا يبالى وبأ المر ... عى إذا كان خصيبا ولقد أصبح عبد اللّ ... هـ كشخانا جريبا

стр. 1649

قد لعمرى لطم الخدّ ... وقد شقّ الجيوبا وجرت منه دموع ... بلّت الذّقن الخضيبا قال ابن المعتزّ: وحدّثنى محمد بن موسى بن يونس: أنها ملّته بعد ذلك فهربت منه، فكانت تغنّى عند أقوام عرفتهم ببغداد وهى مستترة متخفّية. فلمّا كان يوم من الأيام اجتاز ابن أخى المراكبىّ ببستان كانت فيه مع قوم تغنّى، فسمع غناءها فعرفه؛ فبعث إلى عمّه وأقام هو مكانه، فلم يبرح حتى جاء عمّه وكبسها، فأخذها وضربها مائة مقرعة وهى تصيح: يا هذا، لم تقتلنى! لست أصبر عليك، أنا امرأة حرّة، فإن كنت مملوكة فبعنى، لست أصبر على الضّيق. فلما كان من الغد ندم على فعله وصار إليها فقبّل رأسها ويدها ورجلها ووهب لها عشرة آلاف درهم. ثم بلغ محمدا الأمين خبرها فأخذها. قال: وكان الأمين فى حياة أبيه طلبها منه فلم يجبه إلى ذلك. فلما أفضت إليه الخلافة جاء المراكبىّ ومحمد راكب ليقبّل يده؛ فأمر بمنعه ودفعه، ففعل ذلك الشاكرىّ [١] ؛ فضربه المراكبىّ وقال: أتمنعنى من تقبيل يد مولاى! فجاء الشاكرىّ لمّا نزل محمد الأمين فشكاه؛ فأمر بإحضار المراكبىّ فأمر بضرب عنقه، فسئل فى أمره فعفا عنه وحبسه، وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع؛ وبعث فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له. فلمّا قتل محمد الأمين هربت عريب الى المراكبىّ فكانت عنده. قال ابن المعتزّ: وأمّا رواية إسماعيل بن الحسن خال المعتصم فإنها تخالف هذا، وذكر أنها إنما هربت من دار مولاها المراكبىّ إلى محمد بن حامد الخاقانىّ المعروف بالخشن أحد قوّاد خراسان، وكان أشقر أصهب أزرق العين. وفيه تقول عريب ولها فيه غناء:

стр. 1650

بأبى كلّ أصهب ... أزرق العين أشقر جنّ قلبى به ولي ... س جنونى بمنكر وقال إسحاق بن إبراهيم: لمّا نمى إلى الأمين خبر عريب بعث فى إحضارها وإحضار مولاها فأحضرا، فغنّت بحضرة إبراهيم بن المهدىّ، فطرب الأمين واستعادها، وقال لإبراهيم: كيف سمعت؟ قال: سمعت يا سيّدى حسنا، وإن تطاولت بها الأيام وسكن روعها ازداد غناؤها حسنا وطيبا. فقال للفضل بن الربيع: خذها إليك وساوم بها ففعل، فاشتطّ مولاها فى السّوم ثم أوجبها له بمائة ألف درهم. وانتقض أمر الأمين وشغل عنها فلم يأمر لمولاها بشىء حتى قتل بعد أن افتضّها؛ فرجعت إلى مولاها، ثم هربت منه إلى ابن حامد؛ فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد فتظلم المراكبىّ من محمد بن حامد، فأمر المأمون بإحضاره وسئل عنها فأنكرها. فقال له المأمون: كذبت، وقد سقط إلىّ خبرك، وأمر صاحب الشّرط أن يجرّده فى مجلس الشّرط ويضع عليه السّياط حتى يردّها فأخذه. فبلغها الخبر، فركبت حمار مكار وجاءت وقد جرّد ليضرب، وهى مكشوفة الوجه وهى تصيح: إن كنت مملوكة فليبعنى، وإن كنت حرّة فلا سبيل علىّ. فرفع خبرها إلى المأمون، فأمر بتعديلها عند قتيبة بن زياد القاضى فعدّلت عنده. وتقدّم إليه المراكبىّ مطالبا بها، فسأله البيّنة على ملكه إياها فعاد متظلّما إلى المأمون وقال: قد طولبت بما لم يطالب به أحد فى رقيق. وتظلمت زبيدة بنة جعفر إليه وقالت: من أغلظ ما جرى علىّ، بعد قتل ابنى، هجوم المراكبىّ على دارى [١] وأخذ عريب منها. فقال المراكبىّ: إنما أخذت ملكى، لأنه لم ينقدنى الثمن. فأمر المأمون بدفعها إلى محمد ابن عمر الواقدىّ، وكان قد ولّاه القضاء بالجانب الشرقىّ، فأخذها من قتيبة بن زياد

стр. 1651

وأمر ببيعها ساذجة؛ فآشتراها المأمون بخمسين ألف درهم، وقيل: اشتراها بخمسة آلاف درهم. ودعا عبد الله بن إسماعيل وقال له: لولا أنّى حلفت ألّا أشترى مملوكا بأكثر من هذا لزدتك، ولكنى سأولّيك عملا تكسب فيه أضعاف هذا الثمن، ورمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر قيمتهما ألف دينار، وخلع عليه خلعا سنيّة. فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ينتفع بهذا الأحياء، وأمّا أنا فإنى لا محالة ميّت؛ لأن هذه الجارية كانت حياتى. وخرج فاختلط وتغيّر عقله ومات بعد أربعين يوما. وذهبت بالمأمون كلّ مذهب ميلا إليها ومحبّة لها، حتى قيل: إن المأمون قبّل رجلها فى بعض الأيام وإنها قالت أثر ذلك: والله يا أمير المؤمنين، لولا ما شرّفها الله به من وضع فمك الكريم عليها لقطعتها! ولكن لله علىّ ألّا أغسلها لغير وضوء أو طهر إلا بماء الورد ما عشت. فكانت تفعل ذلك إلى أن ماتت. وحكى علىّ بن يحيى المنجّم أنّ المأمون لمّا مات بيعت فى ميراثه- ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها- فاشتراها المعتصم بمائة ألف وأعتقها فهى مولاته. وقيل: إنه لمّا مات محمد الأمين تدلّت عريب من قصر الخلد بحبل إلى الطريق وهربت إلى حاتم بن عدىّ. وحكى إبراهيم بن رباح قال: كنت أتولّى نفقات المأمون، فوصف له إسحاق ابن إبراهيم الموصلىّ عريب، فأمره أن يشتريها له، فاشتراها بمائة ألف درهم؛ فأمرنى المأمون بحملها، وأن أحمل إلى إسحاق مائة ألف درهم، ففعلت ذلك؛ فلم أدر كيف أثبتها، فكتبت فى الدّيوان أنّ مائة الألف خرجت فى ثمن جوهرة، ومائة الألف الأخرى خرجت لصائغها ودلّالها. فجاء الفضل بن مروان الى المأمون وقد رأى ذلك وأنكره، وسألنى عنه فقلت: نعم، هو ما رأيت. فسأل المأمون عن ذلك فقال: وهبت لدلّال وصائغ مائة ألف درهم! وغلّظ القصّة؛ فأنكرها

стр. 1652

المأمون، ودعانى فدنوت وأخبرته أنّ المال الذى خرج فى ثمن عريب وصلة إسحاق، وقلت: أيّما أصوب يا أمير المؤمنين: ما فعلت، أم أثبت فى الديوان أنها خرجت ثمن مغنيّة وصلة مغنّ. فضحك المأمون وقال: الذى فعلت أصوب. ثم قال للفضل ابن مروان: يا نبطىّ، لا تعترض على كاتبى هذا فى شىء. ولعريب أخبار قد بسط أبو الفرج الأصبهانىّ القول بها فى كتابه الذى ترجمه «تحف الوسائد فى أخبار الولائد» ، وذكر أيضا نتفا من أخبارها فى كتابه المترجم «بالأغانى» . منها خبرها مع محمد بن حامد المعروف بابن الخشن، وأخبار لها مع المأمون، وأخبار مع صالح المنذرىّ الخادم، وإبراهيم بن المدبّر، وغير ذلك من أخبارها. وقد رأينا أن نثبت لمعا من ذلك. أما أخبارها مع محمد بن حامد- وهو أحد من كانت تعشقه وتهواه وتخاطر بنفسها فى الاجتماع به- فمنها ما روى عن ابن عبد الملك الضرير أنها لمّا صارت فى دار المأمون احتالت حتى وصلت إليه، وكانت تلقاه فى الوقت بعد الوقت حتى حملت منه وولدت بنتا؛ فبلغ ذلك المأمون فزوّجه إياها. وقال محمد بن موسى: اصطبح المأمون يوما ومعه ندماؤه وفيهم محمد بن حامد وجماعة من المغنّين وعريب معه على مصلاة؛ فأومأ إليها محمد بن حامد بقبلة؛ فاندفعت فغنّت ابتداء: رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليمانى المسهّم تريد بغنائها جواب محمد بن حامد بأن تقول له: طعنة. فقال المأمون للندماء: أيّكم أومأ إلى عريب بقبلة؟ والله لئن لم يصدقنى لأضربنّ عنقه! فقال محمد بن حامد: أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها، والعفو أقرب للتقوى. فقال: قد عفوت عنك. فقال: كيف استدلّ أمير المؤمنين على ذلك؟ فقال: ابتدأت صوتا، وهى لا تغنّى

стр. 1653

ابتداء إلا لمعنّى، فعلمت أنها لم تبتدئ هذا الصوت إلا لشىء أومئ إليها به، ولم يكن من شرط هذا الموضع إلا إيماء بقبلة، فعلمت أنها أجابته بطعنة. وقد حكى أنّ المأمون قال فى هذه الواقعة عن محمد بن حامد: نكشخنه قبل أن يكشخننا [١] ؛ فزوّجه إياها، واشترط عليه أن يحضرها إلى مجلسه فى أوقات عيّنها له المأمون. وقال حمدون: كنت ليلة فى مجلس المأمون ببلاد الروم بعد العشاء الآخرة فى ليلة ظلماء ذات رعود وبروق؛ فقال لى المأمون: اركب الساعة فرس النّوبة وسر إلى عسكر أبى إسحاق، (يعنى المعتصم) ، فأدّ إليه رسالتى وهى كيت وكيت. فركبت فلم تثبت معى شمعة، وسمعت وقع حافر دابّة فرهبت ذلك فجعلت أتوقّاه حتى صكّ ركابى تلك الدابّة، وبرقت بارقة فأبصرت وجه الراكب فإذا عريب؛ فقلت: عريب؟ قالت: نعم، حمدون؟ قلت نعم. ثم قلت لها: من أين أقبلت فى هذا الوقت؟ قالت: من عند محمد بن حامد. قلت: وما صنعت عنده؟ قالت: يانكس، عريب تجىء فى هذا الوقت من عند محمد بن حامد خارجة من مضرب الخليفة راجعة إليه تقول لها: أىّ شئ عملت معه! صلّيت معه التراويح، أو قرأت عليه أجزاء من القرآن، أو دارسته شيئا من الفقه! يا أحمق، تحادثنا وتعاتبنا وآصطلحنا ولعبنا وشربنا وغنّينا وانصرفنا. قال: فأخجلتنى وغاظتنى وافترقنا. ومضيت فأدّيت الرسالة؛ ثم عدت إلى المأمون وأخذنا فى الحديث وتناشدنا الأشعار، فهممت أن أحدّثه بحديثها ثم هبته، فقلت: أقدّم قبل ذلك تعريضا بشىء من الشعر فأنشدته: ألا حىّ أطلالا لقاطعة الحبل ... ألوف تساوى صالح القوم بالرّذل فلو أنّ من أمسى بجانب تلعة ... الى جبلى طىّ فساقطة النعل

стр. 1654

جلوس إلى أن يقصر الظّلّ عندها ... لراحوا وكلّ القوم منها على وصل فقال لى المأمون: اخفض صوتك لا تسمع عريب فتغضب وتظنّ أنّا فى حديثها؛ فأمسكت عما أردت أن أخبره به، وخار الله لى فى ذلك. وقال محمد بن عيسى الواثقىّ: قال لى محمد بن حامد ليلة: أحبّ أن تفرّغ لى مضربك، فإنى أريد أن أجيئك فأقيم عندك؛ ففعلت وأتانى. فلما جلس جاءت عريب فدخلت وجلسنا؛ فجعل محمد يعاتبها ويقول: فعلت كذا وفعلت كذا! فقالت لى: يا محمد، هذا عندك رأى! ثم أقبلت عليه فقالت: يا عاجز، خذ بنا فيما نحن فيه، واجعل سراويلى مخنقتى وألصق خلخالى بقرطى، فإذا كان غد فاكتب بعتابك فى طومار حتى أكتب اليك بعذرى فى مثله، ودع عنك هذا الفضول؛ فقد قال الشاعر: دعى عدّ الذنوب إذا التقينا ... تعالى لا نعدّ ولا تعدّى فأقسم لو هممت بمدّ شعرى ... إلى باب [١] الجحيم لقلت مدّى وقال أحمد بن حمدون: وقع بين عريب وبين محمد بن حامد شرّ حتى كادا يخرجان إلى القطيعة، وكان فى قلبها منه أكثر مما فى قلبه منها. فلقيته يوما فقالت: كيف قلبك يا محمد؟ قال: أشقى ما كان وأقرحه. فقالت: استبدل تسل. فقال لها: لو كانت البلوى باختيار لفعلت! فقالت: لقد طال إذا تعبك. فقال: وما يكون! أصبر مكرها! أما سمعت قول العبّاس بن الأحنف: تعب يطول مع الرّجاء لذى الهوى ... خير له من راحة فى الياس لولا كرامتكم لما عاتبتكم ... ولكنتم عندى كبعض النّاس قال: فذرفت عيناها، واعتذرت اليه واعتنقته، واصطلحا وعادا إلى ما كانا عليه.

стр. 1655

وحكى أحمد بن جعفر بن حامد قال: لمّا توفّى عمّى محمد بن حامد، صار جدّى إلى منزله، فنظر إلى تركته وجعل يقلّب ما خلّف، ويخرج إليه منها الشىء بعد الشىء، إلى أن أخرج إليه سفط مختوم؛ ففضّ الخاتم وفتحه، فاذا فيه رقاع عريب إليه؛ فجعل يتصفّحها ويبتسم، فوقعت فى يده رقعة فقرأها ووضعها بين يديه، وقام لحاجته؛ فقرأتها فإذا فيها: ويلى عليك ومنكا! ... أوقعت فى الحقّ شكّا زعمت أنّى خؤون ... جورا علىّ وإفكا إن كان ما قلت حقّا ... أو كنت أزمعت تركا فأبدل الله ما بى ... من ذلّة الحبّ نسكا قال: وهذا الشعر لعريب. وامّا أخبارها مع المأمون وإخوته وغير ذلك من أخبارها- قال صالح ابن علىّ بن الرشيد المعروف بزعفرانة: تمارى خالى أبو علىّ والمأمون فى صوت، فقال المأمون: أين عريب؟ فجاءت وهى محمومة، فسألها عن الصوت؛ فقالت فيه بعلمها. فقال لها: غنّيه. فولّت لتجىء بالعود؛ فقال: غنّيه بلا عود. فاعتمدت من الحمّى على الحائط وغنّت، وأقبلت عقرب فرأيتها وقد لسبت يدها مرّتين أو ثلاثا، فما نحّت يدها ولا سكتت حتى فرغت من الصوت؛ ثم سقطت وقد غشى عليها. قال عثمان بن العلاء عن أبيه: عتب المأمون على عريب فهجرها [١] أياما؛ ثم اعتلّت فعادها فقال: كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لولا مرارة

стр. 1656

الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذمّ بدء الغضب حمد عاقبة الرضا. فخرج المأمون إلى جلسائه فحدّثهم بالقصة؛ ثم قال: أترى لو كان هذا من كلام النّظام لم يكن كثيرا! وقال أحمد بن أبى دواد: جرى بين المأمون وبين عريب كلام، فكلّمها المأمون بشىء غضبت منه فهجرته أياما. فدخلت على المأمون، فقال: يا أحمد، اقض بيننا. فقالت عريب: لا حاجة لى فى قضائه ودخوله بيننا، وأنشأت تقول: ونخلط الهجر بالوصال ولا ... يدخل [١] فى الصّلح بيننا أحد وكانت قد تمكّنت من المأمون وأخذت بمجامع قلبه، وذهب به حبّها كلّ مذهب؛ وقد قدّمنا أنه قبّل رجلها. وكانت عريب تهوى أبا عيسى بن الرشيد أخا المأمون، وكان المثل يضرب بحسنه وحسن غنائه، وكانت تزعم أنها ما عشقت أحدا من بنى هاشم وأصفته من الخلفاء وأولادهم سواه. ولم تزل عريب مبجّلة عند الخلفاء محبوبة اليهم مكرّمة لديهم إلى أن غضب عليها المعتصم والواثق وانحرفا عنها. وكان سبب ذلك أن المعتصم وجد لها كتابا إلى العبّاس بن المأمون ببلد الروم تقول فيه: اقتل أنت العلج حتى أقتل أنا الأعور الليلىّ هاهنا (تعنى الواثق، وكان المعتصم استخلفه ببغداد) . ولعمرى إنّ هذا من الأمور العظيمة التى لا تحتمل من الأولاد والإخوة فكيف من أمة مغنّية! ولو لم تكن لها عندهم المكانة العظمى والمحلّ الكبير لما أبقوها بعد الاطّلاع من باطن حالها على هذه الطّويّة. وكانت عريب تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان، وتصوغ فى ذلك الشعر تغنّيه لحنا فيكون أجود من لحنه.

стр. 1657

قال: وكانت عريب تتعشّق صالحا المنذرىّ الخادم، فتزوّجته سرّا. فحكى عنها أنّ بعض الجوارى دخلت عليها يوما؛ فقالت لها عريب: ويحك! تعالى إلىّ! فجاءت؛ فقالت: قبّلى هذا الموضع منّى، فإنك تجدين ريح الجنّة، وأومأت إلى سالفتها، ففعلت ثم قالت لها: ما السبب فى هذا؟ قالت: قبّلنى الساعة صالح المنذرىّ فى هذا الموضع. قال: ووجّهه المتوكل إلى مكان بعيد فى حاجة؛ فقالت عريب فيه: أمّا الحبيب فقد مضى ... بالرّغم منّى لا الرّضا أخطأت فى تركى لمن ... لم ألق [١] منه عوضا وكانت عريب تهوى إبراهيم بن المدبّر ويهواها، ولها معه أخبار وحكايات، وبينهما أشعار وفكاهات. فمن مكاتباتها إليه ما روى عن ابن المعتز قال: كتبت إليه تدعو له فى شهر رمضان: أفديك بسمعى وبصرى، وأهلّ الله عليك هذا الشهر باليمن والمغفرة، وأعانك على المفترض منه والمتنفّل، وبلّغك مثله أعواما، وفرّج عنك وعنّى فيه [٢] . وكتبت فى شىء بلغها عنه: وهب الله لنا بقاءك ممتّعا بالنّعم. ما زلت أمس فى ذكرك، فمرّة بمدحك، ومرّة بأكلك وبذكرك بما فيك لونا لونا. اجحد ذنبك الآن، وهات حجج الكتّاب ونفاقهم. فأمّا خبرنا أمس فإنا شربنا من فضل نبيذك على تذكارك رطلا، وقد رفعنا حسابنا إليك، فارفع حسابك إلينا، وخبّرنا من زارك أمس وألهاك، وأىّ شىء كانت القصّة على جهتها. [ولا تخطرف [٣] فتحوجنا إلى كشفك والبحث عليك وعن حالك] ، وقل الحق، فمن صدق [نجا [٤]] . وما أحوجك إلى تأديب، فإنك لا تحسن أن [٥] تودّ. [والحقّ أقول إنه يعتريك كزاز [٦]

стр. 1658

شديد يجوز حدّ البرد. وكفاك بهذا من قولى عقوبة. وإن عدت سمعت أكثر منه [١]] . والسلام. ولما نكب عبد الله بن يحيى بن خاقان ابن المدبّر وحبسه، كتبت إليه كتابا تتشوّقه وتخبره استيحاشها له واهتمامها بأمره، وأنها قد سألت الخليفة فى أمره فوعدها ما تحبّ. فأجابها عن كتابها، وكتب فى آخر الجواب: لعمرك ما صوت بديع لمعبد ... بأحسن عندى من كتاب عريب تأمّلت فى أثنائه خطّ كاتب ... ورقّة مشتاق ولفظ خطيب وراجعنى من وصلها ما استفزّنى ... وزهّدنى فى وصل كلّ حبيب فصرت لها عبدا مقرّا بملكها ... ومستمسكا من ودّها بنصيب وقال أبو عبد الله بن حمدون: اجتمعت أنا وإبراهيم بن المدبّر وابن ميّادة والقاسم بن زرزر فى بستان بالمطيرة فى يوم غيم ورذاذ يقطر أحسن قطر ونحن فى أطيب عيش وأحسن يوم، فلم نشعر إلا بعريب قد أقبلت من بعيد؛ فوثب إبراهيم من بيننا فخرج حافيا حتى تلقاها، وأخذ بركابها حتى نزلت، وقبّل الأرض بين يديها. وكانت قد هجرته مدّة لشىء أنكرته عليه. فجاءت وجلست وأقبلت عليه متبسمة، ثم قالت: إنما جئت إلى من هاهنا لا إليك. فآعتذر وشفعنا له فرضيت. وأقامت عندنا يومئذ وباتت، واصطبحنا من غد وأقامت عندنا. فقال إبراهيم: بأبى من حقّق الظنّ به ... وأتانا زائرا مبتديا كان كالغيث تراخى مدّة ... وأتى بعد قنوط مرويا طاب يومان لنا فى قربه ... بعد شهرين لهجر مضيا فأقرّ الله عينى و؟؟؟ ... سقما كان لجسمى مبليا

стр. 1659

وقال فيها أيضا: ألا يا عريب وقيت الرّدى ... وجنّبك الله صرف الزّمن فإنّك أصبحت زين النساء ... وواحدة النّاس فى كلّ فنّ فقربك يدنى لذيذ الحياة ... وبعدك ينفى لذيذ الوسن فنعم الأنيس ونعم الجليس ... ونعم السمير ونعم السّكن وقال أيضا فيها وفى جاريتين بدعة وتحفة: إنّ عريبا خلقت وحدها ... فى كلّ ما يحسن من أمرها ونعمة لله فى خلقه ... يقصّر العالم فى شكرها أشهدنى جاريتاها على ... أنّهما محسنتا دهرها فبدعة تبدع فى شجوها ... وتحفة تتحف فى زمرها يا ربّ أمتعها بما خوّلت ... وامدد لها يا ربّ فى عمرها وقال علىّ بن العباس بن أبى طلحة الكاتب: كنت عند إبراهيم بن المدبّر، فزارته بدعة وتحفة، وأخرجتا رقعة من عريب؛ فقرأها فإذا فيها: بنفسى أنت وسمعى وبصرى، وقلّ ذلك لك. أصبح يومنا هذا طيبا- طيّب الله عيشك- قد احتجبت سماؤه، ورق هواؤه، وتكامل صفاؤه، وكأنه أنت فى رقّة شمائلك وطيب محضرك ومخبرك، لا فقدت ذلك أبدا منك! ولم يصادف حسنه وطيبه منّا نشاطا ولا طربا لأمور صدّتنى عن ذلك، أكره تنغيص ما أشتهيه لك من السرور بشرحها. وقد بعثت إليك ببدعة وتحفة ليؤنساك وتسرّ بهما، سرّك الله وسرّنى بك!. فكتب إليها: كيف السرور وأنت نازحة ... عنّى! وكيف يسوغ لى الطرب! إن غبت غاب العيش وانقطعت ... أسبابه وألحّت الكرب

стр. 1660

وأنفذ الجواب [١] [اليها] . فلم تلبث أن جاءت على حمار مصرىّ، فبادر إليها وتلقاها حافيا حتى جاء بها إلى صدر المجلس، يطأ الحمار بساطه وما عليه، حتى أخذ بركابها فأجلسها فى مجلسه وجلس بين يديها. ثم قال: ألا ربّ يوم قصر الله طوله ... بقرب عريب، حبّذا هو من قرب بها تحسن الدّنيا وينعم عيشها ... وتجتمع السّرّاء للعين والقلب وقال إبراهيم بن اليزيدىّ: كنت مع المأمون فى بلد الروم. فبينما أنا أسير فى ليلة مظلمة شاتية ذات غيم وريح وإلى جانبى قبّة، إذ برقت برقة فإذا فى القبّة عريب. فقالت: يا إبراهيم بن اليزيدىّ. فقلت: لبّيك! قالت: قل فى هذا البرق أبيانا ملاحا لأغنّى فيها. فقلت: ماذا بقلبى من أليم الخفق ... إذا رأيت لمعان البرق من قبل الأردنّ أو دمشق ... لأن من أهوى بذاك الأفق فارقته وهو أعزّ الخلق ... علىّ والزّور خلاف الحقّ ذاك الذى يملك منّى رقّى ... ولست أبغى ما حييت عتقى فتنفّست نفسا ظننته قد قطع حيازيمها؛ فقلت: ويحك! على من هذا التنفس؟ فضحكت ثم قالت: على الوطن. فقلت: هيهات! ليس هذا كله على الوطن. فقالت: ويلك! أظننت أنك تستفزّنى! والله لقد نظرت نظرة مريبة فى مجلس فادّعاها أكثر من ثلاثين رئيسا، والله ما علم أحد منهم لمن كانت إلى هذا الوقت.

стр. 1661

وقال أبو العبيس بن حمدون: غضبت عريب على بعض جواريها، فجئت إليها وسألتها أن تعفو عنها؛ فقالت- فى بعض ما تقوله مما تعتدّ به عليها من ذنوبها-: يا أبا العباس، إن كنت تشتهى أن ترى زناى وصفاقة وجهى وجرأتى على كلّ عظيمة أيّام شبابى، فانظر إليها واعرف أخبارها. قال: وكانت فى شبابها يقدّم إليها البرذون فتطفر عليه بلا ركاب. وقال أبو العبّاس بن الفرات: حدّثتنى بدعة جارية عريب: أنّ عريب كانت تجد فى رأسها بردا وكانت تغلّف رأسها بستين مثقالا مسكا وعنبرا، وتغسله من جمعة إلى جمعة، فإذا غسلته جدّدت غيره، وتقتسم الجوارى غسالة رأسها. وقال علىّ بن المنجّم: دخلت يوما على عريب مسلّما عليها، فلما جلست هطلت السماء بمطر عظيم. فقالت: أقم عندى اليوم حتى أغنّيك أنا وجوارىّ، وابعث إلى من أحببت من إخوانك، فأمرت بدوابّى فردّت، وجلسنا نتحدّث. فسألتنى عن خبرنا بالأمس فى مجلس الخليفة ومن كان يغنيّنا، وأىّ شىء استحسنّاه من الغناء. فأخبرتها أنّ صوت الخليفة كان لحنا صنعه بنان من الماخورىّ. فقالت: وما هو؟ فقلت: تجافى ثم تنطبق ... جفون حشوها الأرق وذى كلف بكى جزعا ... وسفر القوم منطلق به قلق يململه ... وكان وما به قلق جوانحه على خطر ... بنار الشّوق تحترق فوجّهت رسولا إلى بنان، فحضر وقد بلّته السماء؛ فأمرت بخلع فاخرة فخلعت عليه، وقدّم له طعام فأكل، وجلس يشرب معنا. فسألته عن الصوت فغنّاها إياه. فأخذت دواة ورقعة وكتبت:

стр. 1662

أجاب الوابل الغدق ... وصاح النّرجس الغرق وقد غنّى بنان لنا: ... «جفون حشوها الأرق» فهاك الكأس مترعة ... كأنّ ختامها حدق قال: فما شربنا بقيّة يومنا إلا على هذه الأبيات. وأخبار عريب كثيرة، قد وضع عبد الله بن المعتز فيها ديوانا. وفيما أوردناه من أخبارها كفاية لا تحتمل المختصرات أكثر منها. والله تعالى أعلم. ذكر أخبار محبوبة قال أبو الفرج: كانت مولّدة من مولدات البصرة، شاعرة، سريعة الخاطر، مطبوعة، لا تكاد فضل الشاعرة اليمانية تتقدّمها، وكانت أجمل من فضل وأعفّ، وكانت تغنّى غناء غير فاخر. وقال علىّ بن الجهم: كانت محبوبة لعبد الله بن طاهر أهداها إلى المتوكّل فى جملة أربعمائة جارية. وكانت بارعة الحسن والظّرف والأدب، مغنّية محسنة، فحظيت عند المتوكل حتى كان يجلسها خلف السّتارة وراء ظهره إذا جلس للشّرب، فيدخل رأسه إليها فيراها ويحدّثها فى كل ساعة. وقال علىّ بن يحيى المنجّم: كان علىّ بن الجهم يقرب من أنس المتوكل جدّا، فلا يكتمه شيئا من سرّه مع حرمه وأحاديث خلواته. فقال له يوما: إنّى دخلت على قبيحة فوجدتها قد كتبت اسمى على خدّها بغالية، فلا والله ما رأيت شيئا أحسن من سواد تلك الغالية على بياض ذاك الخدّ؛ فقل فى هذا شيئا- قال: وكانت محبوبة حاضرة الكلام من وراء الستارة- فدعا علىّ بن الجهم بدواة، فإلى أن أتى بها وابتدأ يفكّر قالت محبوبة على البديهة من غير فكرة ولا رويّة:

стр. 1663

وكاتبة فى الخدّ بالمسك جعفرا ... بنفسى مخطّ المسك من حيث أثّرا لئن كتبت فى الخدّ سطرا بكفّها ... لقد أودعت قلبى من الحبّ أسطرا فيامن لمملوك لملك يمينه ... مطيع له فيما أسرّ وأظهرا! ويا من هواها فى السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا قال: فبقى علىّ بن الجهم واجما لا ينطق بحرف، وأمر المتوكّل بالأبيات فبعثت إلى عريب وأمرها أن تغنّى فيها. قال علىّ بن الجهم: فتحيّرت والله وتقلّبت خواطرى، فو الله ما قدرت على حرف واحد أقوله. وقال أيضا: غاضب المتوكل يوما محبوبة وهجرها ومنع جواريها جميعا من كلامها؛ ثم نازعته نفسه إليها وأراد ذلك، ثم نازعته العزّة منها وامتنع من ابتدائها، وامتنعت من ابتدائه دلالا عليه لمحلّها منه. قال علىّ: فبكّرت إليه يوما؛ فقال لى: يا علىّ، إنى رأيت البارحة فى نومى كأنّى صالحت محبوبة. فقلت: أقرّ الله عينك يا أمير المؤمنين وأنامك على خير وأيقظك على سرور! أرجو أن يكون هذا الصلح فى اليقظة. فبينا هو يحدّثنى وأحدّثه إذا بوصيفة قد جاءت فأسرّت إليه شيئا، فقال: أتدرى ما أسرّت إلىّ هذه؟ قلت لا. قال: حدّثتنى أنها اجتازت بمحبوبة الساعة وهى فى حجرتها تغنّى، أفلا تعجب من هذا؟ أنا مغاضبها وهى متهاونة بذلك، لا تبدؤنى بصلح ثم لا ترضى حتى تغنّى فى حجرتها؛ فقم بنا حتى نسمع ما تغنّى. ثم قام وتبعته حتى انتهى إلى حجرتها، وإذا هى تغنّى: أدور فى القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه ولا يكلّمنى حتى كأنّى أتيت معصية ... ليست لها توبة تخلّصنى فهل لنا شافع إلى ملك ... قد زارنى فى الكرى وصالحنى حتى إذا ما الصّباح لاح لنا ... عاد إلى هجره فصارمنى

стр. 1664

فعجب المتوكل، وأحسّت بمكانه فأمرت بخدمها فخرجوا وتنحيّنا، وخرجت إليه فحدّثته أنها رأته فى منامها فانتبهت وقالت هذه الأبيات وغنّت فيها؛ فحدّثها هو أيضا رؤياه واصطلحا. فلما قتل المتوكل سلاه جميع جواريه غيرها؛ فإنها لم تزل حزينة هاجرة لكل لذّة حتى ماتت. ولها فيه مراث. حكى أبو الفرج: أنّ وصيفا بعد قتل المتوكل أحضرها يوما وأحضر الجوارى، فجئن وعليهن الثياب الملوّنة المذهبة والحلىّ وقد تزيّنّ وتعطّرن، وجاءت محبوبة وعليها ثياب بيض غير فاخرة حزنا على المتوكل. فغنّى الجوارى جميعا وشربن، وطرب وصيف وشرب. ثم قال: يا محبوبة، غنّى؛ فأخذت العود وغنّت وهى تبكى: أىّ عيش يطيب لى ... لا أرى فيه جعفرا ملكا قد رأته عي ... نى قتيلا معفّرا كلّ من كان ذا هيا ... م وحزن فقد برا غير محبوبة التى ... لو ترى الموت يشترى لاشترته بملكها ... كلّ هذا لتقبرا إنّ موت الكثيب أص ... لح من أن يعمّرا فاشتدّ ذلك على وصيف وأمر بقتلها؛ فاستوهبها بغا منه فوهبها له. فأعتقها وأمر بإخراجها وأن تكون حيث تختار من البلاد. فخرجت إلى بغداد من سرّ من رأى، وأخملت ذكرها طول عمرها؛ وما طمع فيها أحد. رحمها الله تعالى. ذكر أخبار عبيدة الطّنبوريّة قال أبو الفرج الأصفهانى: كانت عبيدة الطّنبوريّة من المحسنات المتقدّمات فى الصّنعة والأدب، شهد لها بذلك إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ؛ قال: وحسبها

стр. 1665

بشهادته. قال: وكان أبو حشيشة يعظّمها ويعترف لها بالرياسة والأستاذيّة. وكانت من أحسن الناس وجها وأطيبهم صوتا، وكانت لا تخلو من عشق. قال: ولم يعرف فى الدنيا امرأة أعظم صنعة منها فى الطّنبور. وكانت لها صنعة عجيبة. فمنها فى الرمل: كن لى شفيعا إليكا ... إن خفّ ذاك عليكا وأعفنى من سؤالى ... سواك ما فى يديكا يا من أعزّ وأهوى ... مالى أهون لديكا قال: وحضرت يوما عند علىّ بن الهيثم اليزيدىّ وعنده عمرو بن مسعدة وهارون بن أحمد بن هشام؛ فجاءه إسحاق بن إبراهيم الموصلى فأخبره خبرهم. فقال له إسحاق: إنى كنت أشتهى أن أسمع عبيدة، ولكنها إن عرفتنى وسألتمونى أن أغنّى بحضرتها انقطعت ولم تصنع شيئا، فدعوها على جبلّتها [١] ؛ فوافقوه على ذلك، ودخل وكتموها أمره، وكانت لا تعرف إسحاق. وقدّم النبيذ، فغنّت لحنا لها: قريب غير مقترب ... ومؤتلف كمجتنب له ودّى ولى منه ... دواعى الهمّ والكرب أواصله على سبب ... ويهجرنى بلا سبب ويظلمنى على ثقة ... بأنّ إليه منقلبى قال: فطرب إسحاق وشرب نصفا، ثم تغنّت وشرب، حتى والى بين عشرة أنصاف؛ قال علىّ بن الهيثم: وشربنا معه. وقام إسحاق ليصلّى؛ فقال لها هارون: ويحك يا عبيدة! ما تبالين والله متى متّ! قالت: ولم؟ قال: أتدرين من المستحسن غناءك والشارب عليه ما شرب؟ قالت: لا والله. قال: إسحاق بن إبراهيم، فلا

стр. 1666

تعرّفيه أنك قد عرفتيه. فلما جاء إسحاق ابتدأت تغنّى فلحقتها هيبة له واختلاط، فنقصت نقصانا بيّنا. قال: أعرّفتموها من أنا؟ فقلت: نعم، عرّفها هارون. فقال إسحاق: نقوم إذا فننصرف؛ فإنه لا خير فى عشرتكم الليلة ولا فائدة لى ولا لكم؛ وقام فانصرف. وقال ملاحظ غلام أبى العبّاس: اجتمع الطّنبوريّون عند أبى العباس بن الرشيد يوما وفيهم المسدود وعبيدة. فقالوا للمسدود: غنّ؛ فقال: لا والله، لا تقدّمت على عبيدة وهى الأستاذ، فما غنّى حتى غنّت. وقال محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعىّ: سمعت إسحاق يقول: الطنبور إذا تجاوز عبيدة هذيان. هذا ما أمكن إيراده فى هذا الباب من أخبار من اشتهر بالغناء، وأخبار القيان، وهو مختصر مما أورده أبو الفرج الأصفهانى- رحمه الله تعالى- فى كتابه المترجم بالأغانى من أخبارهم. ولم نلتزم استيعابهم بل ذكرنا أكثرهم وأشهرهم بالغناء، وذكرنا من أخبارهم ما فيه كفاية. فلنذكر خلاف ذلك.

стр. 1667

الباب السابع من القسم الثالث من الفنّ الثانى فيما يحتاج إليه المغنّى ويضطرّ إلى معرفته، وما قيل فى الغناء، وما وصفت به القيان، ووصف آلات الطّرب ذكر ما يحتاج إليه المغنّى ويضطرّ إلى معرفته وما قيل فى الغناء والقيان من جيّد الشعر قال مالك بن أبى السّمح: سألت ابن أبى إسرائيل عن المحسن المصيب من المغنّين، فقال: هو الذى يشبع الألحان، ويملا الأنفاس، ويعدّل الأوزان، ويفخّم الألفاظ، ويعرف الصواب، ويقيم الإعراب، ويستوفى النّغم الطّوال، ويحسن مقاطع النّغم القصار، ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواضع النّبرات، ويستوفى ما يشاكلها من النّقرات. فعرضت ما قال على معبد، فاستحسنه وقال: ما يقال فيه أكثر من هذا. وقد رويت هذه المقالة عن ابن سريج. وقال إبراهيم الموصلىّ: الغناء على ثلاثة أضرب: فضرب مله مطرب يحرّك ويستخفّ، وضرب ثان له شجى ورقّة، وضرب ثالث حكمة وإتقان صنعة. وقال: كان هذا كله مجموعا فى غناء ابن سريج. وقال أبو عثمان الناجم: بحوحة الحلق الطيّب تشبه مرض الأجفان الفاترة. وأمّا ما قيل فى الغناء وما وصفت به القيان. حكى أنّ بعض المحدثين سمع غناء بخراسان بالفارسيّة، فلم يدر ما هو غير أنه شوقه لشجاه وحسنه؛ فقال فى ذلك، وقيل إنه لأبى تمّام:

стр. 1668

حمدتك ليلة شرفت وطابت ... أقام سهادها ومضى كراها سمعت بها غناء كان أولى ... بأن يقتاد نفسى من عناها ومسمعة بحار السّمع فيها ... ولم تصممه، لا يصمم صداها مرت أوتارها فشفت وشاقت ... فلو يسطيع حاسدها فداها ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدى فلم أجهل شجاها فكنت كأننى أعمى معنّى ... بحبّ الغانيات وما رآها وقال كشاجم فى بحّة حلق المغنّى: أشتهى فى الغناء بحّة حلق ... ناعم الصوت متعب مكدود كأنين المحبّ أضعفه الشو ... ق فضاهى به أنين العود لا أحبّ الأوتار تعلو كما لا ... أشتهى الضرب لازما للعمود وأحبّ المحنبات [١] كحبّى ... للمبادى موصولة بالنّشيد كهبوب الصّبا توسّط حالا ... بين حالين شدّة وركود وقال الناجم: شدو ألذّ من ابتدا ... ء العين فى إغفائها أحلى وأشهى من منى ... نفس وصدق رجائها وقال محمد بن بشير: وصوت لبنى الأحرا ... ر أهل السّيرة الحسنى شج يستغرق الأوتا ... ر حتى كلّها تفنى فما أدرى اليد اليسرى ... به أشقى أم اليمنى؟

стр. 1669

وقلنا لمغنّيه ... وقد غنّى على المثنى ألا يا ليت هذا الصو ... ت حتى الصّبح لا يفنى فقد أيقظت اللذّا ... ت عينا لم تزل وسنى وما أفهم ما يعنى ... مغنّيه إذا غنّى ولكنّى من حبّى ... له أستحسن المعنى وقال الثّعالبىّ: غناؤك يهزم جيش الكروب ... وعيناك للناس عذر الذنوب فويل القلوب إذا ما رنوت ... وإمّا شدوت فويل الجيوب وقال أيضا: وسائلة تسائل عنك قلنا ... لها فى وصفك العجب العجيبا رنا ظبيا وغنّى عندليبا ... ولاح شقائقا ومشى قضيبا وقال عكاشة يصف قينة: من كفّ جارية كأنّ بنانها ... من فضّة قد طرّفت عنّابا وكأنّ يمناها إذا نطقت به ... تلقى على يدها الشّمال حسابا وقال ابن الرومىّ: وقيان كأنها أمّهات ... عاطفات على بنيها حوانى مطفلات وما حملن جنينا ... مرضعات ولسن ذات لبان كلّ طفل يدعى بأسماء شتّى ... بين عود ومزهر وكران [١] أمّه دهرها تترجم عنه ... وهو بادى الغنى عن التّرجمان

стр. 1670

وقال أيضا: كأنما رقة مسموعها ... رقّة شكوى سبقت دمعه غنّت فلم تحتج إلى زامر ... هل تحوج الشمس إلى شمعه كأنما غنّت لشمس الضّحى ... فألبستها حسنها خلعه وقال الناجم: ما صدحت عاتب ومزهرها ... إلّا وثقنا باللهو والفرح لها غناء كالبرء فى جسد ... أضناه طول السّقام والتّرح تعبدها الرّاح فهى ما صدحت ... إبريقنا ساجد على القدح وقال أيضا: ما تغنّت إلّا تكشّف همّ ... عن فؤاد وأقشعت أحزان تفضل المسمعين طيبا وحسنا ... مثل ما يفضل السّماع العيان وقال أبو عبادة البحترىّ: وأشارت على الغناء بألحا ... ظ مراض من التّصابى، صحاح فطربنا لهنّ قبل المثانى ... وسكرنا لهنّ قبل الراح وقال كشاجم وهو أبو الفتح محمود: أفدى التى أهدت لنا ... شمس الضّحى والليل حالك مملوكة جلّت فلي ... س تفى بقيمتها الممالك عرضت فأعطت عودها ... ضربا يعرّض للمهالك وتبعتها فتصرّفت ... بالضّرب فى كلّ المسالك ويئست من إدراكها ... فجعلت صوتى عند ذلك: قصرت يدى عنك الغدا ... ة، فكيف لى بيد تنالك

стр. 1671

وقال أيضا: بدت فى نسوة مثل ال ... مها أدمجن إدماجا يجاذبن من الأردا ... ف كثبانا وأمواجا ويسترن من الأبشا ... ر فى الدّيباج ديباجا وقضبانا من الفضّ ... ة قد أثمرت العاجا وقد لاثت من الكور ... على مفرقها تاجا فلما طفن بالمجل ... س أفرادا وأزواجا تجاوبن فغنّين ... ك أرمالا وأهزاجا وحرّكن من الأوتا ... ر إمساكا وإدماجا فلا لوم على قلب ... ك إن هيّج فاهتاجا وقال علىّ بن عبد الرحمن بن يونس المنجّم فى عوّادة: غنّت فأخفت صوتها فى عودها ... فكأنما الصوتان صوت العود غيداء تأمر عودها فيطيعها ... أبدا ويتبعها اتّباع ودود أندى من النّوار صبحا صوتها ... وأرقّ من نشر الثّنا المعهود فكأنما الصوتان حين تمازجا ... ماء الغمامة وابنة العنقود وقال أبو عون الكاتب: تشدو فيرقص بالرءو ... س لها ويزمر بالكئوس وقال الناجم: طفقت تغنّينا فحلنا أنّها ... لسرورنا بغنائها تعنينا وقال أبو هلال العسكرىّ: وهيّجت لى من شجو ومن فرح ... أيد نثرن على الأوتار عنّابا لا عيب فى العيش إلّا خوف غيبتكم ... إنّ السرور إذا ما غبتمو غابا

стр. 1672

وقال هارون بن علىّ المنجّم: غصن على دعص نقّا منهال ... سعى بكأس مثل لمع الآل وفاتنات الطّرف والدّلال ... هيف الخصور رجّح الأكفال يأخذن من طرائف الأرمال ... ومحكم الخفاف والثّقال تجرى مع النّاس بلا انفصال ... مثل اختلاط الخمر بالزّلال تدعو إلى الصّبوة كلّ سال ... تصرع كلّ فاتك بطّال بين حرام اللهو والحلال ... أكرم من مصارع الأبطال وقال شاعر يذمّ مغنّيا: ومغنّ بارد النّغ ... مة مختلّ اليدين ما رآه أحد فى ... دار قوم مرّتين صوته أقطع للّذّ ... ات من سطوة بين وقال ابن الرومىّ: فظلت أشرب بالأرطال لا طربا ... عليه بل طلبا للسّكر والنّوم ذكر ما قيل فى وصف آلات الطرب فمن ذلك ما وصف به العود. نظم أبو الفتح محمود المعروف بكشاجم قول الحكماء: إنّ العود مركّب على الطبائع الأربع، فقال: شدت فجلت أسماعنا بمخفّف ... يحدّثها عن سرّها وتحدّثه مشاكلة أوتاره فى طباعها ... عناصر منها أحدث [١] الخلق محدثه فللنار منه الزّير والبمّ أرضه ... وللريح مثناه وللماء مثلثه

стр. 1673

وكلّ امرئ يرتاح منه لنغمة ... على حسب الطّبع الذى منه يبعثه شكاضرب يمناها فظلّت يسارها ... تطوّقه طورا وطورا ترعّثه فما برحت حتى أرتنا مخارقا ... يجاوبه فى أحسن النّقر عثعثه وحتى حسبت البابليّين [٢] ألقيا ... على لفظها السّحر الذى فيه تنفثه وقال آخر: جاءت بعود تناغيه فيسعدها ... انظر بدائع ما تأتى به الشّجر غنّت على عوده الأطيار من طرب ... رطبا، فلما ذوى غنّت به البشر فلا يزال عليه أو به طرب ... يهيجه الأعجمان: الطير والوتر وقال آخر: سقى الله أرضا أنبتت عودك الذى ... ذكت منه أنفاس وطابت مغارس تغنّت عليه الورق والعود أخضر ... وغنّت عليه الغيد والعود يابس وقال آخر: لا تحسب العود إن غنّتك شادنة ... جاءتك بالطّيف فيه نغمة الوتر وإنما الطير ألقت عنده خبرا ... فعذّبوه فنمّ العود بالخبر وقال آخر: فكأنه فى حجرها ولد لها ... ضمّته بين ترائب ولبان طورا تدغدغ بطنه فإذا هفا ... عركت له أذنا من الآذان وقال الناجم: إذا احتضنت عودها عابث ... وناغته أحسن أن يعربا تدغدغ فى مهل بطنه ... فيسمعنا مضحكا معجبا

стр. 1674

وقال الحمدونىّ: وناطق بلسان لا ضمير له ... كأنه فخذ نيطت إلى قدم يبدى ضمير سواه فى الحديث كما ... يبدى ضمير سواه الخطّ بالقلم وقال كشاجم: جاءت بعود كأنّ نغمته ... صوت فتاة تشكو فراق فتى مخفّف خفّت النفوس به ... كأنما الزّهر حوله نبتا دارت ملاويه فيه واختلفت ... مثل اختلاف الكفّين شبّكتا لو حرّكته وراء منهزم ... على بريد لعاج والتفتا يا حسن صوتيهما كأنّهما ... أختان فى صنعة تراسلتا وهو على ذا ينوب إن سكتت ... عنها، وعنه تنوب إن سكتا وقال أيضا: وجارية مثل شمس النّهار ... أو البدر بين النجوم الدّرارى أتتك تميس بقدّ القضيب ... وترنو بعين مهاة القفار وترفل فى مصمت أبيض ... تلوّن من خدّها الجلّنارى وتحمل عودا فصبح الجواب ... يشارك أرواحنا فى المجارى له عنق كذراع الفتاة ... ودستانة بمكان السّوار فجادت عليه وجادت له ... بعسف اليمين ولطف اليسار فما أمهلته ولا نهنهته ... من الظّهر حتى تقضّى النهار ولمّا تغنّت غناء الوداع ... بكيت وقلت لبعض الجوارى: لئن عشت عند هزار اللّقاء ... لقد متّ عند هزار الإزار

стр. 1675

وقال أيضا: وكثيرة النّغمات تحسبها ... فى كلّ عضو أوتيت حلقا غنّت فظلت إخالنى طربا ... أسمو إلى الأملاك أو أرقى وتكلّمت أوتارها فأنا ... فيها أخبّر بالذى ألقى تحكى أنينى وهى شاكية ... مما أجنّ وتشتكى عشقا وترى لها عودا تعانقه ... وكلامه وكلامها وفقا لو لم تحرّكه أناملها ... كان الهواء يفيده نطقا جسّته عالمة بحالته ... جسّ الطبيب لمدنف عرقا فحسبت يمناها تحرّكه ... رعدا، وخلت يسارها برقا وقال أيضا: تميس من الوشى فى حلّة ... تجرّر من فضل أذيالها وتحمل عودا فصيح الجواب ... يضاهى اللّحون بأشكالها له عنق مثل ساق الفتاة ... ودستانة مثل خلخالها فظلّت تطارح أوتاره ... بأهزاجها وبأرمالها وتعمل جسّا لجسّ العروق ... وتلوى الملاوى بأمثالها وقال آخر يصف الطّنبور: مخطف الخصر أجوف ... جيده نصف سائره أنطقته يدا فتى ... فاتر اللّحظ ساحره فجلا عن ضميره ... ما حوى فى خواطره

стр. 1676

وقال سيف الدين المشدّ فى دفّ: وطاريّة قرعت طارها ... وغنّت عليه بصوت عجيب فعاينت شمس الضّحى أقبلت ... وبدر تقدّمها عن قريب وقال أيضا يصف شبّابة: وعارية من كلّ عيب، حبيبة ... إلى كل قلب بات بالبين مجروحا لها جسد ميت يعيش بنفخة ... متى داخلته الريح صارت به روحا تعيد الذى يلقى عليها بلذّة ... تزيد فؤاد الصّبّ وجدا وتبريحا وتنطق بالسحر الحلال عن الهوى ... وتوحى إلى الأسماع أطيب ما يوحى

стр. 1677

القسم الرابع من الفنّ الثانى فى التهانى والبشائر والمراثى والنوادب والزهد والتوكل والأدعية وفيه أربعة أبواب الباب الأوّل من هذا القسم فى التهانى والبشائر والتهانى تنقسم إلى قسمين وتنحاز فى جهتين: خصوص وعموم. فالخصوص هو ما يتعلّق بالرجل من منصب يليه، ونعمة تواليه؛ وولد رزقه، وشفاء من مرض أقلقه وأرّقه؛ وقدوم من سفر، وزواج قضى به الأرب والوطر. والعموم هو ما يتعلّق بالجمهور، ويتساوى فيه الملك والمملوك والآمر والمأمور: من انصباب غيث عمّ الرّبا والوهاد، وجريان نيل شمل بريّه البلاد وآمن العباد؛ وهزيمة عدوّ زاد فى عدوانه وتمادى فى طغيانه، وفتوح حصن أمن أهله بتشييد أركانه وإتقان بنيانه. ذكر شىء مما هنّئ به ولاة المناصب كتب بعض الفضلاء تهنئة بخلافة فقال: أمّا بعد، فإن أولى النعم بالدوام، وأرجاها للبقاء والتمام، وأجدرها بالخلود، وأقربها إلى المزيد، وأحراها بالسلامة على نوب الأيام وتصاريف الأحداث، نعمة نشأت بفنائه، وسكنت ذراه فحمدت مثواه، وساسها أولياؤها بحسن المجاورة وكرم المصاحبة سياسة الحانى الشفيق، وكفلوها كفالة الحدب الرفيق؛ فنمت وتمّت، وخصّت وعمّت؛ ثم اعترضها من ريب الزمان ما هاج سواكنها، وأزعج كوامنها؛

стр. 1678

وأصارها إلى الوحشة بعد الأنس، والنّفرة بعد الإلف، تتقلقل تقلقل العوادى، وتشرد شرود الضوالّ، لافظة لها الأقطار ونابية بها المحالّ؛ إلى أن أعادها الله تعالى بلطفه إلى مغناها المعروف، وربعها المألوف؛ واستقرّت بعد الاضطراب، وفاءت بعد الاغتراب. وتلك نعمة الله عند سيّدنا أمير المؤمنين، لما جدّد له من كرامته، واصطفاه له من خلافته، وطوّقه إياه من إمامته؛ وردّه إليه من تدبير الملك، واعتمد عليه من سياسة الأنام؛ فأحيا به السّنن القاصرة، وأزال به الرسوم الجائرة؛ ونهج به سبيل العدل، وأقام به منار الفضل. وقال طريح بن إسماعيل الثّقفىّ فى المنصور لمّا أفضت الخلافة إليه: لمّا أتى الناس أنّ ملكهم ... إليك قد صار أمره سجدوا واستبشروا بالرضا تباشرهم ... بالخلد لو قيل إنهم خلدوا كنت أرى أنّ ما وجدت من الفر ... حة لم يلق مثله أحد حتى رأيت العباد كلّهم ... قد وجدوا فيك مثل ما أجد قد طلب الناس ما بلغت فما ... نالوا ولا قاربوا ولا جهدوا يرفعك الله بالتّكرّم والتق ... وى فتعلو وأنت تقتصد وقال زيد السّندىّ يهنئ الوزير يعقوب بن كلّس بوزارة العزيز بمصر: إنّ الوزارة لم تزل بك صبّة ... تهواك لم يخطر سواك ببالها خطبت فلم تعط القياد لطالب ... وأبت على طلّابها بوصالها وقال ابن بشر الصّقلّىّ الكاتب يهنّئ الحسن بن إبراهيم التّسترىّ بوزارة مصر، وقد وزر للمستنصر فى سنة أربع وخمسين وأربعمائة: بيومك طارت فى البلاد البشائر ... وطابت بمرجوع الحديث المحاضر وأصبحت الأمصار أمنا وغبطة ... أسرّتها مهتزّة والمنابر وقام خطيب الحمد فى كل موقف ... يعدّد ما تملى عليه المآثر

стр. 1679

ومنها: لقد عاشرت منك الوزارة ما جدا ... له كنف لا يجتويه المعاشر فسيح امتداد الظّلّ بين رحابه ... وبين المعالى آهل الرّبع عامر «فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر» وما زلت ملحوظا لها ومؤهّلا ... لذا الأمر مذ شدّت عليك المآزر وقال آخر: كلّما رمت أن أهنّيك وقتا ... بمحلّ من العلا ترتقيه شمت مقدارك الذى أعجز الوا ... صف أعلى من الذى أنت فيه وكتب الحمدونىّ أخو صاحب التّذكرة يهنّئ بالسلامة من حريق وقع فى دار الخلافة: الدّنيا- أعزّ الله أنصار الخدمة الشريفة- دار الامتحان والاختبار، ومجاز الابتلاء والاعتبار؛ ولله فيما نزّله فيها إلى عباده من نعمه، وتخوّلهم من مواهبه وقسمه، عادات يقتضيها بالغ حكمته، وماضى إرادته ومشيئته؛ ليستيقظ الذاهل، ويعترف الجاهل؛ ويزداد العالم اللبيب اعتبارا، ويستفيد العاقل الأريب تفكّرا واستبصارا؛ فلا يغفل عن واجب الشكر إذا سيقت النعمة إليه، ولا يلهو عن استدعاء المزيد منها بالاعتراف إذا أسبغت عليه؛ وهو أن البارى سبحانه إذا تابع آلاءه إلى عبد ووالاها، [وجرّدها [١]] له من الشوائب وأخلاها؛ أماط عن مشاربها أكدار الدنيا المطبوعة على الكدر، وغمر مساربها بالأمن من طوارق الغير؛ خيف عليها الانتقاض والزوال، وتوقّع لها الانتهاء والانتقال. ومن ذلك الخبر المروىّ: أنه لما أنزل الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا) ابتهج الصحابة رضى الله تعالى عنهم إلا عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فإنه بكى. فقالوا:

стр. 1680

ما يبكيك وقد أكمل الله لنا ديننا برحمته، وأتمّ لنا سابغ نعمته؟ فقال: يبكينى أنه ماتم أمر إلا بدا نقصه. فقبض رسول الله ﷺ عن قريب. وإذا كانت مشوبة برائع يتخلّل صفوها، وطارق يجهم فى بعض الأوقات عفوها [١] ؛ كان ذلك صارفا عنها عين الكمال، مؤذنا بطول الآجال؛ حاكما لها بتراخى عمر البقاء، دالّا على الصعود بها إلى درج المكث الطويل والارتقاء؛ وحكمه حكم المرض الذى تصحّ به الأجساد، وتمحّص ذنوب من يسلّط عليه من العباد: فلا يبهج الأعداء سوء ظنونهم ... فلله صنع فى الذى ساء ظاهر فكم طالب شيئا به الشرّ كامن ... وكم كاره أمرا به الخير وافر فلله الحمد الذى جعل ما جرت به الأقدار من الألم الواقع ظاهره، الوجل لوقعه ناظره؛ لعنايته جلّت عظمته عنوانا، وعلى دوام نعمته دليلا واضحا وبرهانا. وإليه الرغبة فى أن يجعل الديار وساكنيها، والناس فى أقاصى الدّنيا وأدانيها؛ لشريف الحوزة التى بها صلاح العالم فداء، وعنها للمكروه وقاء. فكل حادث مع دوام هذه الأيام الزاهرة جلل، وكل غمر [٢] من نوائب الدهر ما دافع لطف الله عنها وشل. وقال أبو عبادة البحترىّ يهنّئ الفتح بن خاقان بسلامته من الغرق: بعدوّك الحدث الجليل الواقع ... ولمن يكايدك الحمام الفاجع قلنا: لعا لمّا عثرت ولا تزل ... نوب الليالى وهى عنك رواجع ولربما عثر الجواد وشأوه ... متقدّم ونبا الحسام القاطع لن [٣] تظفر الأعداء منك بزلّة ... والله دونك حاجز ومدافع إحدى الحوادث شارفتك فردّها ... صنع الإله ولطفه المتتابع

стр. 1681

حتى برزت لنا وجأشك ساكن ... من نجدة وضياء وجهك ساطع ما حال لون عند ذاك ولاهفا ... عزم ولا راع الجوانح رائع وقال المتنبّى يهنّئ بعافية: المجد عوفى إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم وما أخصّك فى برء [١] بتهنئة ... إذا سلمت فكلّ الناس قد سلموا ومما هنّئ به من اتّصل بزوجة ذات جمال وحسب، وأصالة وأدب. وقلما تقع التهنئة بذلك إلامين صديقين صحّ بينهما الالتئام، وسقطت بينهما مؤنة الاحتشام؛ وتساويا فى الرتبة، واتّحدا فى الصحبة. فمن ذلك ما كتب به الوزير أبو الحسن العامرىّ إلى بعض إخوانه وقد ابتنى بأهل: بأيمن طائر وأتمّ سعد ... يكون من الكريمين اجتماع أما إنّه المجد اليفاع، والحسن المطاع، تعارفت الطباع، فالتأمت الأنفس الشّعاع؛ كما التقى الثّريّان، واقترن النيّران؛ كما حاصر الرئم الضيغم، وهاصر النسيم الغصن المنعّم؛ كما راق فوق المعطف الصارم العضب، كما التقت الصهباء والبارد العذب؛ بل كما فازت القداح، ونظم الوشاح؛ واعتنق شنّ طبقه، واعتلق الرّوض عبقه. فحبّذا النّسب شابكه الصّهر، والحسب عاقده التّقى والبرّ؛ على حين جرت الأيامن، واكتنف الحرم الآمن. وبالبنين والرّفاء، والنعيم والصّفاء، والثروة والنماء والزمن الرّغد والعزّة القعساء الشّماء؛ على الوفاق، والوئام والاتّساق؛ والحظوظ والجدود، والفسطاط الممدود، وهصر العيش الأملود، والالتئام وتتابع البشرى بالفارس المولود. ومالى تأوّدت أعطافا، وتأنّقت أوصافا! وتهلّلت جذلا، وبسطت فى الدعاء مذلا [٢] ! أهنأنى الأرب، أم صفا لى المشرب! وقد غبت عن اليوم المشهود،

стр. 1682

وعطّلت سدّة الإذن للوفود، ولم أقم فى السّماط، سافرا عن وجه الاغتباط؛ أتلقّى الوالج بمبرور التحيّة، وأفدّى الخارج بحكم السرور والأريحيّة؛ وأتخدّم رفع الوحى والإيماء، وأتقدّم من المصافاة والموالاة فى الغفير الجمّاء، كلا! ولا شهدت ليلة الزّفاف، وما حلت من محاسنها الأفواف؛ حيث دارت المنى سلافا؛ وصارت العلا دوحة ألفافا؛ وأبدى رونق السيف جلاء، وأبرز عقيلة الحىّ هداء؛ هنالك حلّت النعماء، ونهلت الأظماء؛ فياله منظرا، ووعدا منتظرا؛ لو ناجيته من كثب، وكرعت منه فى المنهل الأعذب! بلى! إنه [١] وقع، فشفى ونفع؛ والرّكب سنح، فنعم ما منح؛ أهداها حملا، فكأنما أسداها أملا؛ أثلج الفؤاد، وأورى الزّناد، وفى بالنفس أو كاد؛ وملت [٢] عن قراه، نفس جذلت بسراه، وأرجت لذكراه. ولله ما أحظاه مقدما وأعلاه فى الإحسان قدما، لو وهبت لمقتضاه من الكرامة دما. وقد كان فى الحق أن أهاجر، وأعصى الناهى والزاجر؛ فابسط لى عذرا، وأعدّنى لك ذخرا، وطب مدى الدهر خبرا وخبرا. ومما هنئ به من رزقه الله ولدا وزاده به قوّة وعددا. فمن ذلك ما كتب به الأستاذ ابن العميد فى فصل يهنئ عضد الدولة بن بويه وقد ولد له ابنان توءمان: وصل كتاب الأمير بالبشرى التى أبت النعمة بها أن تقع مفردة، وامتنعت العارفة فيها أن تسنح موحدة، حتى تيسّرت منحتان فى وطن، وانتظمت موهبتان فى قرن، وطلع من النجيبين أبى القاسم وأبى كاليجار- أدام الله عزّهما- طالعا ملك، ونجما سعد، وشهابا عزّ، وكوكبا مجد؛ فتأهلت بهما رباع المحاسن، ووطّئت لهما أكناف المكارم، واستشرفت إليهما صدور الأسرّة والمنابر. وفهمته وشكرت

стр. 1683

الله تعالى شكر من نادى الامال فأجابته مكتّبة، ودعا الأمانى فجاءته [١] مصحبة [٢] ، وحمدته حمدا مكافئا جسيم ما أتاح وعظيم ما أفاد؛ واكتنفنى من السرور ما فسح مناهج الغبطة، وسهّل موارد البهجة؛ وأشعت ما ورد إشاعة شرحت صدور الأولياء بمسارّها، وأزعجت قلوب الأعداء عن مقارّها؛ وسألت الله إتمام ما آذن [٣] به الأميران السيّدان من سعادة لا يهتدى إليها الاختيار علوّا، ولا ترتقى اليها الأفكار سموّا؛ وسلطان تضيق البحار عن اتساعه، وتنخفض الأفلاك عن ارتفاعه؛ ويبلّغهما أفضل ما تقسمه السعود، وتعلو به الجدود، حتى يستغرقا مع السابقين إخوتهما مساعى الفضل، ويشيدا قواعد الفخر، ويرجما صروف الدهر، ويضبطا أطراف الأرض، وهو تعالى قريب مجيب. ومن كلام الوزير الفقيه أبى القاسم محمد بن الجدّ الأندلسىّ: إنّ أحقّ ما انبسط فيه للتهنئة لسان، وتصرّف فى ميادين معانيه بيان وبنان؛ أمل رجّى فتأبّى زمانا، واستدعى فلوى عنانا؛ وطاردته الأمانىّ فأتعبها حينا، وغازلته الهمم فأشعرها حنينا؛ ثم طلع غير مرتقب، وورد من صحبة المناجح فى عسكر لجب؛ وكان كالمشير إلى ما بعده من مواكب الآمال، والدليل على ما وراءه من كواكب الإقبال؛ أو كالصّبح افترّت عن أنوار الشمس مباسمه، والبرق تتابعت إثر وميضه غمائمه. وفى هذه الجملة ما دلّ على المولود، المؤذن بترادف الحظوظ وتضاعف السعود. فياله نجم سعادة، طلع فى أفق سيادة؛ وغصن سناء، تفرّع عن دوحة علاء. لقد تهلّلت وجوه المحاسن باستهلاله، وأقبلت وفود الميامن لاستقباله؛ ونظمت له قلائد التّمائم، من جواهر المكارم؛ وخصّ بالثّدىّ الحوافل، بلبان الفضائل. وما كان منبت الشرف بإفراد

стр. 1684

تلك الأرومة الكريمة إلا مقشعرّ الرّبا، مغبرّ الثرى، متهافت أغصان الرضا. فأمّا وقد اهتزّ أيكة السّيادة قضيب، ونشأ من نبتة النّجابة نجيب؛ فأخلق بذلك المنبت أن تعاوده نضرته، وترفّ عليه حبرته؛ ويراجعه رونقه وبهاؤه، وتضاحكه أرضه وسماؤه. فالحمد لله على ما أتاحه من انثناء الأمل من جماحه، واختيال الجذل فى حلبة غرره وأوضاحه. وهو المسئول أن يهبك منه صنعا يحسن فى مثله الحسد، ويتمنّى لفضله النسل والولد، بعزّته. وقال أبو هلال العسكرىّ: قد زاد فى عدد الكرام كريم ... محض صريح فى الكرام صميم عالى المحلّة لا يزال كأنه ... للفرقدين وللسّماك نديم فلأمره التتميم كيف تصرّفت ... حالاته، ولشأنه التفخيم فابشر فقد وافاك يوم رزقته ... حظّ بتخليد السرور زعيم فرع تكفّل دهره بتمامه ... حتى يكّر الدهر وهو أروم إنّ الهلال يصير بدرا كاملا ... ويهدّ سدّ اللّيل وهو بهيم وهو الوجيه إذا تبدّى وجهه ... وغدا إذا نزل العظيم عظيم فلأهله شرف به متوطّد ... ولهم به شرف أشمّ عميم فاقرر به عينا فإنّ خلاله ... تصفو وتسلس أو يقال نسيم ولجدّه التصميم حيث تلاحقت ... أقرانه ولشأوه التّقديم ومن كلام الصاحب بن عبّاد تهنئة ببنت: أهلا وسهلا بعقيلة النساء، وأمّ الأبناء؛ وجالبة الأصهار، وأولاد الأطهار؛ والمبشّرة بإخوة يتنافسون، ونجباء يتلاحقون. فلو كان النّساء كمثل هذى ... لفضّلت النّساء على الرّجال

стр. 1685

وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال فادّرع يا سيّدى اغتباطا، واستأنف نشاطا؛ فالدنيا مؤنّثة والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها؛ والأرض مؤنّثة ومنها خلقت البرية؛ وفيها كثرت الذّرّيّة؛ والسماء مؤنّثة وقد تزيّنت بالكواكب، وحليت بالنجم الثّاقب؛ والنّفس مؤنّثة وهى قوام الأبدان، وملاك الحيوان؛ والجنّة مؤنّثة وبها وعد المتّقون، وفيها ينعم المرسلون. فهنيئا هنيئا ما أوليت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت؛ وأطال بقاءك ما عرف النسل والولد، وما بقى الأبد، وكما عمّر لبد. ومن كلام أبى المكارم بن عبد السلام من شعراء الخريدة: هذا شعيب النبىّ بابنته صفوراء استأجر موسى كليم الله. وهذا سيّد المرسلين، أبقى الله بفاطمة ابنته نسله إلى يوم الدّين. وهذه أمّ الكتاب سمّيت الفاتحة، وهى لأبواب مناجاة الرحمن فاتحة. وهذه محكمات القرآن، بها ثبتت شرائع الإيمان. وهذه سورة النساء وسمّيت بهنّ وهى من الطّوال، ولا سورة من القصار سمّيت بالرجال. على أنّ الدّنيا بأسرها مؤنّثة والملوك من خدّامها، والشّمس مؤنّثة والضّياء والبهاء من تمامها؛ والنفس تؤنّث وبها فضّل الناس، والحياة تؤنّث وهى أساس الحواس؛ والعين تؤنّث وبها يتوسّل الى علم الدقائق؛ واليد تؤنّث وهى المتصدّية لتحبير الأشياء، والعضد تؤنّث وبها استعانة سائر الأعضاء؛ والسماء تؤنّث وهى تزجى الأمطار، والأرض تؤنّث وهى مجمع أطايب الثّمار، والجنّة تؤنّث وبها وعد الأبرار الأخيار؛ والعين (أعنى الذهب) تؤنّث وبها يدفع الهلك، والقوس تؤنّث وبها عزّ الملك. ومما هنّئ به فى المواسم والقدوم- قال ابن الرومى تهنئة بعيد الفطر: قد مضى الصّوم صاحبا محمودا ... وأتى الفطر صاحبا مودودا ذهب الصّوم وهو يحكيك نسكا ... وأتى الفطر وهو يحكيك جودا
следующие страницы →