ويح السّماح وويح الجود لو سلما ... وحسرة الدّين والدّنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعبّاس هامية ... تعزى إليهم سماحا لا إلى المطر
ثلاثة ما ارتقى [١] النّسران حيث رقوا ... وكلّ ما طار من نسر ولم يطر
ثلاثة ما رأى العصران مثلهم ... فضلا ولو عزّزا بالشمس والقمر
ومرّ من كل شىء فيه أطيبه ... حتى التمتع بالآصال والبكر
من للجلال الذى عمّت مهابته [٢] ... قلوبنا وعيون الأنجم الزّهر
أين الإباء الذى أرسوا قواعده ... على دعائم من عزّ ومن ظفر
أين الوفاء الذى أصفوا مشاربه ... فلم يرد أحد منها على كدر
كانوا رواسى أرض الله منذ نأوا ... عنها استطارت بمن فيها ولم تقر
كانوا مصابيحها فمذ خبوا غبرت ... هذى الخليقة يالله فى سدر
كانوا شجا الدهر فاستهوتهم خدع ... منه بأحلام عاد فى خطا الخضر
من لى ولا من بهم إن أطبقت محن ... ولم يكن وردها يفضى إلى صدر
من لى ولا من بهم إن أظلمت نوب ... ولم يكن ليلها يفضى إلى سحر
من لى ولا من بهم إن عطّلت سنن ... وأخفتت ألسن الأيام والسّير
على الفضائل إلّا الصبر بعدهم ... سلام مرتقب للأجر [٣] منتظر
يرجو عسى، وله فى أختها طمع ... والدّهر ذو عقب شتّى وذو غير،
قرّطت آذان من فيها بفاضحة ... على [٤] الحسان حصى الياقوت والدّرر
стр. 1752
ومن أجود الرثاء وأصنعه وأتقنه وأبدعه مراثى أبى تمام حبيب بن أوس الطائى؛ فمن ذلك ما قاله يرثى به غالب بن السّعدىّ:
هو الدّهر لا يشوى وهنّ المصائب ... وأكثر آمال الرّجال كواذب
فيا غالبا لا غالب لرزيّة ... بل الموت لا شك الذى هو غالب
وقلت: أخى، قالوا: أخ من قرابة؟ ... فقلت لهم إن الشّكول أقارب
نسيبى فى رأى وعزم ومنصب [١] ... وإن باعدتنا فى الأصول المناسب
كأن لم يقل يوما: كأنّ، فتنثنى ... إلى قوله الأسماع وهى رواغب [٢]
ولم يصدع النادى بلفظة فيصل ... سنانيّة فى صفحتيها التّجارب [٣]
ومنها:
مضى صاحبى واستخلف البثّ والأسى ... علىّ، فلى من ذا وهذاك صاحب
عجبت لصبرى بعده وهو ميّت ... وكنت امرأ أبكى دما وهو غائب
على أنّها الأيام قد صرن كلّها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
وقال يرثى محمد بن الفضل الحميرىّ:
ريب دهر أصمّ دون العتاب ... مرصد بالأوجال والأوصاب
جفّ درّ الدنيا فقد أصبحت تك ... تال أرواحنا بغير حساب
لو بدت سافرا أهينت ولكن ... شغف الخلق أنّها فى النّقاب
إن ريب الزمان يحسن أن يه ... دى الرّزايا إلى ذوى الأحساب
فلهذا يجفّ بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الرّوابى
стр. 1753
جاء منها:
ذهبت يا محمد الغرّ من أيّ ... امك الواضحات أىّ ذهاب
عبّس اللحد والثرى منك وجها ... غير ما عابس ولا قطّاب
أطفأ اللحد والثرى لبّك المس ... روج فى وقت ظلمة الألباب
وتبدّلت منزلا ظاهر الجد ... ب يسمّى مقطّع الأسباب
منزلا موحشا وإن كان معمو ... را بجلّ الصديق والأحباب
يا شهابا خبا لآل عبيد الله ... أعزز بفقد هذا الشّهاب
ومنها:
أنزلته الأيّام عن ظهرها من ... بعد إثبات رجله فى الرّكاب
حين تمّ الشّباب [١] واغتدت الدن ... يا إليه مفتوحة الأبواب
وحكى الصارم المحلّى سوى أنّ ... حلاه جواهر الآداب
قصدت نحوه المنيّة حتى ... وهبت حسن وجهه للتراب
وقال يرثى إسحاق بن أبى ربعىّ:
أىّ ندى بين الثرى والجيوب [٢] ... وسؤدد لدن ورأى صليب
يا بن أبى ربعىّ استقبلت ... من يومك الدنيا بيوم عصيب
شقّ جيوبا من أناس لو اس ... تطاعوا لشقّوا ما وراء الجيوب
كنت على البعد قريبا فقد ... صرت على قربك غير القريب
راحت وفود الأرض عن قبره ... فارغة الأيدى ملاء القلوب
قد علمت ما رزئت، إنما ... يعرف فقد الشّمس بعد المغيب
стр. 1754
إذا البعيد الوطن انتابه ... حلّ إلى نهى وواد خصيب
أدنته أيدى العيس من ساحة ... كأنها مسقط رأس الغريب
أظلمت الآمال من بعده ... وعرّيت من كل حسن وطيب
كانت خدودا صقلت برهة [١] ... واليوم صارت مألفا للشّحوب
كم حاجة صارت ركوبا به ... ولم تكن من قبله بالرّكوب
حلّ عقاليها كما أطلقت ... من عقد المزنة ريح الجنوب
إذا تيمّمناه فى مطلب ... كان قليبا ورشاء القليب
ونعمة منه تسربلتها ... كأنها طرّة برد قشيب
من اللّواتى إن ونى شاكر ... قامت لمسديها مقام الخطيب
متى تنخ ترحل بتفضيله ... أو غاب يوما حضرت بالمغيب
فما لنا اليوم ولا للعلا ... من بعده غير الأسى والنّحيب
وقال يرثى أحمد بن هارون القرشىّ:
دأب عينى البكاء، والحزن دابى ... فاتركينى- وقيت ما بى- لمابى
سأجزّى بقاء أيام عمرى ... بين بثّى وعبرتى واكتئابى
فيك يا أحمد بن هارون خصّت ... ثم عمّت رزيّتى ومصابى
فجعتنى الأيّام فى الصادق النّط ... ق فتى المكرمات والآداب
بخليل دون الأخلّاء [لا [٢]] بل ... صاحبى المصطفى على أصحابى
أفلمّا تسربل المجد واجتا ... ب من الحمد أيّما مجتاب
وتراءته أعين النّاظريه ... قمرا باهرا ورئبال غاب
стр. 1755
وعلا عارضيه ماء النّدى الجا ... رى وماء الحجا وماء الشباب
أرسلت نحوه المنيّة عينا ... قطّعت منه أوثق الأسباب
وقال يرثى أبا الصقر:
لو صحّح الدمع لى أو ناصح الكمد ... لقلّما صحبانى الرّوح والجسد
خان الصفاء أخ خان الزمان له ... أخا فلم يتخوّن جسمه الكمد
تساقط الدمع أدنى ما بليت به ... للوجد إذ لم تساقط مهجة ويد
فو الذى رتكت [١] تطوى الفجاج له ... سفائن البرّ فى خدّ الثرى تخد
لأنفدنّ أسى إن لم أمت أسفا ... وينفد العمر بى أو ينفد الأمد
عنّى إليك فإنى عنك فى شغل ... لى منه يوم سيبلى مهجتى وغد
وإن بجريّة [٢] نابت جأرت لها ... إلى ذرى جلدى فاستؤهل الجلد
هى النوائب فاشجى أوفعى عظة ... فإنها شجر [٣] أثمارها رشد
هبّى ترى قلقا من تحته أرق ... يحدوهما كمد يعنو [٤] له الجسد
صمّاء سمّ العدا فى جنبها ضرب ... وشرب كأس الردى فى ظلّها شهد
هناك أمّ النّهى لم تود من حزن ... ولم تجد لبنى الدنيا بما تجد
لو يعلم الناس علمى بالزمان وما ... عائت يداه لما ربّوا ولا ولدوا
لا يبعد الله ملحودا أقام به ... شخص الحجا وسقاه الواحد الصّمد
يا صاحب القبر، دعوى غير متّئب [٥] ... إن قال أودى النّدى والبدر والأسد
стр. 1756
بات الثرى بأخى جذلان مبتهجا ... وبتّ يحكم فى أجفانى السّهد
لهفى عليك وما لهفى بمجدية ... ما لم يزرك بنفسى حرّ ما أجد
أمسى أبو الصقر يعفو الترب أحسنه ... دونى ودلو الرّدى فى مائه يرد
ويل لأمّك أقصر إنه حدث ... لم يعتقد مثله قلب ولا خلد [١]
غال الزمان شقيق [٢] الجود لم يقه ... أهل ولم يفده مال ولا ولد
حين ارتوى الماء وافترّت شبيبته ... عن مضحك للمعالى ثغره برد
وقيل: أحمدها، بل قيل: أمجدها ... بل قيل: أنجدها إن فرّت النّجد
رؤد الشباب كنصل السيف لا جعد ... فى راحتيه ولا فى عوده أود
سقى الحبيس ومحبوسا ببرزخه ... من السّمىّ كغيث الودق يطّرد
بحيث حلّ أبو صقر فودّعه ... صفو الحياة ومن لذّاتها الرّغد
بحيث حلّ فقيد المجد مغتربا ... ومورثا حسرات ليس تفتقد
وقال يرثى عمير بن الوليد:
أعيدى النّوح معولة أعيدى ... وزيدى فى بكائك ثم زيدى
وقومى حاسرا فى حاسرات ... خوامش للنّحور وللخدود
هو الخطب الذى ابتدأ الرّزايا ... وقال لأعين الثّقلين جودى
ألا رزئت خراسان فتاها ... غداة ثوى عمير بن الوليد
ألا رزئت بمسئول منيل ... ألا رزئت بمتلاف مفيد
ألا إنّ النّدى والجود حلّا ... بحيث حللت من حفر الصّعيد
بنفسى أنت من ملك رمته ... منيّته بسهم ردّى سديد
стр. 1757
تجلّت غمرة الهيجاء عنه ... خضيب الوجه من دمه الجسيد
فيابحر المنون ذهبت منه ... ببحر الجود فى السّنة الصّلود
ويا أسد المنون فرست منه ... غداة فرسته أسد الأسود
أبا لبطل النّجيد فتكت [١] منه ... نعم وبقاتل البطل النّجيد
تراءى للطّعان وقد تراءت ... وجوه الموت من حمر وسود
فيالك وقعة جللا أعادت ... أسى وصبابة جلد الجليد
ويا لك ساعة أهدت غليلا ... الى أكبادنا أبد الأبيد
ألا أبلغ مقالتى الإمام ال ... خليفة والأمين بن الرشيد
بأن أميرنا لم يأل عدلا ... ونصحا فى الرّعايا والجنود
أفاض نوال راحته عليهم ... وسامح بالطّريف وبالتّليد
وأضحى دونهم للموت حتى ... سقاه الموت من مقر هبيد [٢]
وما ظفروا به حتى قراهم ... قشاعم أنسر وضباع بيد
بطعن فى نحورهم رشيق ... وضرب فى رءوسهم عتيد
فيا يوم الثلاثاء اصطبحنا ... غداة منك هائلة الورود
ويا يوم الثلاثاء اعتمدنا ... بفقد فيك للسّند العميد
وكم أسخنت فينا من عيون ... وكم أعثرت فينا من جدود
فما زجرت طيورك عن سنيح ... ولا طلعت نجومك بالسّعود
ألا يأيها الملك المردّى ... رداء الموت فى جدث جديد
حضرت فناء بابك واعترانى ... شجى بين المخنّق والوريد
стр. 1758
رأيت به مطايا مهملات ... وأفراسا صوافن بالوصيد
فكنت عتاد إما فكّ عان ... وإما قتل طاغية عنود
رأيت مؤمّليك عدت عليهم ... عواد صعّدتهم فى كؤود
وأضحت عند غيرك فى هبوط ... حظوظ كنّ عندك فى صعود
وأصبحت الوفود إليك وقفا ... على أن لا مفاد لمستفيد
فكلّهم أعدّ اليأس وقفا ... عليك ونصّ راحلة القعود
لقد سخنت عيون الجود لمّا ... ثويت وأقصدت غرر القصيد
وقال يرثى محمد بن حميد الطّوسىّ:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
توفّيت الآمال بعد محمد ... وأصبح فى شغل عن السّفر السّفر
وما كان إلا مال من قلّ ماله ... وذخرا لمن أمسى وليس له ذخر
وما كان يدرى المجتدى جود كفّه ... إذا ما استهلّت أنه خلق العسر
ألا فى سبيل الله من عطّلت له ... فجاج سبيل الله واثّغر الثغر [١]
فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دما ضحكت عنه الأحاديث والذّكر
[فتى دهره شطران فيما ينوبه ... ففى بأسه شطر وفى جوده شطر [٢]]
فتى مات بين الضرب والطعن ميتة ... تقوم مقام النّصر إذ فاته النّصر
وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الشّلّ [٣] واعتلّت عليه القنا السّمر
وقد كان فوت الموت سهلا فردّه ... عليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر
ونفس تعاف العار حتى كأنه ... هو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر
стр. 1759
فأثبت فى مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر
غدا غدوة والحمد نسج رداثه ... فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهى من سندس خضر
كأنّ بنى نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر
يعزّون عن ثاو تعزّى به العلا ... ويبكى عليه الجود والبأس والشعر
وأنّى لهم صبر عليه وقد مشى ... إلى الموت حتى استشهدا هو والصّبر!
فتى كان عذب الروح لا عن غضاضة ... ولكنّ كبرا أن يكون له كبر [١]
فتى سلبته الحيل وهو حمى لها ... وبزّته نار الحرب وهو لها جمر
وقد كانت البيض المآثير فى الوغى ... بواتر فهى الآن من بعده بتر
أمن بعد طىّ الحادثات محمدا ... يكون لأثواب العلا أبدا نشر!
[إذا شجرات العرف جذّت أصولها ... ففى أىّ فرع يوجد الورق النّضر! [٢]]
لئن أبغض الدهر الخؤن لفقده ... لعهدى به ممّن يحبّ له الدهر
لئن غدرت فى الرّوع أيامه به ... لما زالت الأيام شميتها الغدر
لئن ألبست فيه المصيبة طيئ ... لما عرّيت منها تميم ولا بكر
كذلك ما ننفكّ نفقد هالكا ... يشاركنا فى فقده البدو والحضر
سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصه ... وإن لم يكن فيها سحاب ولا قطر
وكيف احتمالى للسّحاب صنيعة ... بإسقائها قبرا وفى لحده البحر
ثوى فى الثّرى من كان يحيا به الثّرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
стр. 1760
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
عليك سلام الله وقفا فإننى ... رأيت الكريم الحرّ ليس له عمر
وقال يرثى إدريس بن بدر السّامىّ:
دموع أجابت داعى الحزن همّع ... توصّل منا عن قلوب تقطّع
عفاء على الدنيا طويل فإنها ... تفرّق من حيث ابتدت تتجمّع
تبدّلت الأشياء حتى لخلتها ... ستثنى غروب الشمس من حيث تطلع
لها صيحة فى كل روح ومهجة ... وليست لشىء ما خلا القلب تسمع
أإدريس ضاع المجد بعدك كلّه ... ورأى الذى يرجوه بعدك أضيع
وغودر وجه العرف أسود بعد ما ... يرى وهو كالبكر الكعاب تصنّع
وأصبحت الأحزان لا لمبرّة ... تسلّم شزرا والمعالى تودّع
وضلّ بك المرتاد من حيث يهتدى ... وضرّت بك الأيام من حيث تنفع
وأضحت قريحات القلوب من الجوى ... تقيظ [١] ولكن المدامع تربع [٢]
عيون حفظن الليل فيك محرّما ... وأعطينك الدمع الذى كان يمنع
وقد كان يدعى لابس الصبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع
وقالوا عزاء: ليس للموت مدفع ... فقلت: ولا للحزن للمرء مدفع
لإدريس يوم ما تزال لذكره ... دموعى وإن سكّنتها تتفرّع
ولما نضا ثوب الحياة وأوقعت ... به نائبات الدهر ما يتوقّع
غدا ليس يدرى كيف يصنع معدم ... درى دمعه من وجده كيف يصنع
وماتت نفوس الغالبيّين كلهم ... وإلا فصبر الغالبيّين أجمع
стр. 1761
غدوا فى زوايا نعشه وكأنما ... قريش قريش حين مات مجمّع [١]
ولم أنس سعى الجود خلف سريره ... بأكسف بال يستقيم ويظلع
وتكبيره خمسا عليه معالنا ... وإن كان تكبير المصلّين أربع
وما كنت أدرى يعلم الله قبلها ... بأن النّدى فى أهله يتشيّع
وقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى ... به ما يقال فى السّحابة تقلع
- هذا مأخوذ من قول مسلم:
فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار-
ألم تك ترعانا من الدّهر إن سطا ... وتحفظ من أموالنا ما نضيّع
وتبسط كفّا فى الحقوق كأنما ... أناملها فى البأس والجود أذرع
وتلبس أخلاقا كراما كأنها ... على العرض من فرط الحصانة أدرع
وتربط جأشا والكماة قلوبهم ... تزعزع خوفا من قنا تتزعزع
وأمنيّة المرتاد يحضرك النّدى ... فيشفع فى مثل الفلا [٢] فيشفّع
فأنطق فيه حامد وهو مفحم ... وأفحم فيه حاسد وهو مصقع
ألا إنّ فى ظفر المنيّة مهجة ... تظلّ لها عين العلا وهى تدمع
هى النفس إن تبك المكارم فقدها ... فمن بين أحشاء المكارم تنزع
ألا إنّ أنفا لم يعد وهو أجدع ... لفقدك عند المكرمات لأجدع
وإن امرأ لم يمس فيك مفجّعا ... بملحوده، فى عقله لمفجّع
وقال يرثى القاسم بن طوق بن مالك:
جوى ساور الأحشاء والقلب واغله ... ودمع يضيم [٣] العين والجفن هامله
стр. 1762
وفاجع موت لا عدوّ يخافه ... فيبقى، ولا يبقى صديقا يجامله
وأىّ أخى عزّ [١] وذى جبرية ... ينابذه أو أىّ، رام يناضله
إذا ما جرى مجرى دم المرء حكمه ... وبثّت على طرق النفوس حبائله!
فلو شاء هذا الدهر أقصر شرّه ... كما أقصرت عنّا لهاه ونائله
سنشكوه إعلانا وسرّا ونيّة ... شكيّة من لا يستطيع يقاتله
فمن مبلغ عنّى ربيعة أنّه ... تقشّع طلّ الجود عنها ووابله
وأنّ الحجا منها استطارت صدوعه ... وأنّ الندى منها أصيبت مقاتله
مضى للزّيال القاسم الواهب اللهى ... ولو لم يزايلنا لكنّا نزايله
ولم يعلموا أنّ الزمان يريده ... بفجع ولا أنّ المنايا تراسله
ومنها:
طواه الردى طىّ الرّداء وغيبّت ... فضائله عن قومه وفواضله
طوى شيما كانت تروح وتغتدى ... وسائل من أعيت عليه وسائله
فيا عارضا للعرف أقلع مزنه ... ويا واديا للجود [٢] جفّت مسايله
وقال يرثى محمد بن حميد وأخاه [٣] قحطبة:
بأبى وغير أبى- وذاك قليل- ... ثاو عليه ثرى النّباج مهيل
стр. 1763
خذلته أسرته كأنّ سراتهم ... جهلوا بأن الخاذل المخذول
أكّال أشلاء الفوارس بالقنا ... أضحى بهنّ وشلوه مأكول
كفّى، فقتل محمد لى شاهد ... أن العزيز مع القضاء ذليل
ومنها:
هيهات لا يأتى الزمان بمثله ... إنّ الزمان بمثله لبخيل
ما أنت بالمقتول صبرا إنّما ... أملى غداة نعيّك المقتول
ومنها:
من ذا يحدّث بالبقاء ضميره! ... هيهات! أنت على الفناء دليل
يا ليت شعرى بالمكارم كلّها ... ماذا، وقد فقدت نداك، تقول؟
ومنها:
يا يوم قحطبة لقد أبقيت لى ... حرقا أرى أيّامها ستطول
ليث لو انّ الليث قام مقامه ... لانصاع [١] وهو يراعة إجفيل
لمّا رأى جمعا قليلا فى الوغى ... وأولو الحفاظ من القليل قليل
لاقى الكريهة وهو مغمد روعه ... فيها ولكن بأسه [٢] مسلول
ومشى إلى الموت الزّؤام كأنما ... هو من محبّته إليه خليل
ومنها:
أضحت عراص محمد ومحمد ... وأخيهما وكأنهنّ طلول
أبنى حميد ليس أوّل ما عفا ... بعد الأسود من الأسود الغيل
ما زال ذاك الصبر وهو عليكم ... بالموت فى ظلّ السيوف كفيل
ستبسلون كأنّما مهجاتهم ... ليست لهم إلا غداة تسيل
стр. 1764
ألفوا المنايا فالقتيل لديهم ... من لم يخلّ [١] العيش وهو قتيل
إن كان ريب الدهر أثكلنيكم ... فالموت أيضا ميّت مثكول
وقال يعزّى مالك بن طوق:
أمالك إنّ الحزن أحلام حالم ... ومهما تدم فالحزن ليس بدائم
امالك إفراط الصبابة تارك ... حنا واعوجاجا فى قناة المكارم
تأمّل رويدا هل تعدّن سالما ... إلى آدم أم هل تعدّ ابن سالم!
متى ترع هذا الموت عينا بصيرة ... تجد عادلا منه شبيها بظالم
فإن تك مفجوعا بأبيض لم تكن ... تشدّ على جدواه عقد التمائم
بفارس دغمىّ وهضبة وائل ... وكوكب عتّاب وحمزة هاشم
شجا الريح فازدادت حنينا لفقده ... وأحدث شجوا فى بكاء الحمائم
فمن قبله ما قد أصيب نبيّنا ... أبو القاسم النور المبين بقاسم
وخبّر قيس بالجليّة فى ابنه ... فلم يتغيّر وجه قيس بن عاصم
وقال علىّ فى التعازى لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم:
أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر، أم تسلو سلوّ البهائم؟
خلقنا رجالا للتجلّد والأسى ... وتلك الغوانى للبكا والمآتم
وأىّ فتى فى الناس أحرض [٢] من فتى ... غدافى خفارات الدموع السّواجم
وهل من حكيم ضيّع الصبر بعدما ... رأى الحكماء الصبر ضربة لازم
فلا برحت تسطو ربيعة منكم ... بأرقم عطّاف وراء الأراقم
стр. 1765
فأنت وصنواك الشقيقان إخوة ... خلقتم سعوطا للانوف الرواغم
ثلاثة أركان، وما انهدّ سؤدد ... إذا ثبتت فيه ثلاث دعائم
وقال يرثى عمير بن الوليد:
كفّ الندى أمست بغير بنان ... وقناته أضحت بغير سنان
جبل الجبال غدت عليه ملمّة ... تركته وهو مهدّم الأركان
أنعى عمير بن الوليد لغارة ... بكر من الغارات أو لعوان
أنعى فتى الفتيان غير مكذّب ... قولى، وأنعى فارس الفرسان
عثر الزمان ونائبات صروفه ... بمقيلنا عثرات كلّ زمان
لم يترك الحدثان يوم سطابه ... أحدا نصول به على الحدثان
قد كنت حشو الدرع ثم أراك قد ... أصبحت حشو اللحد والأكفان
شغلت قلوب الناس ثم عيونهم ... مذ متّ بالخفقان والهملان
واستعذبوا الأحزان حتى إنّهم ... يتحاسدون مضاضة الأحزان
ما يرعوى أحد الى أحد ولا ... يشتاق إنسان الى إنسان
أأصاب منك الموت فرصة ساعة ... فعدا عليك وأنتما أخوان!
فمن الذى أبقى ليوم تكرّم ... ومن الذى أبقى ليوم طعان [١] !
وقال يرمى ابنا له:
كان الذى خقت أن يكونا ... إنّا إلى الله راجعونا
أمسى المرجّى أبو علىّ ... موسّدا فى الثرى يمينا
حين استوى وانتهى شبابا ... وحقّق الرأى والظنونا
стр. 1766
أصبت فيه وكان عندى ... على المصيبات لى معينا
كنت كثيرا به عزيزا ... وكنت صبّا به ضنينا
دافعت إلا المنون عنه ... والمرء لا يدفع المنونا
آخر عهدى به صريعا ... للموت بالداء مستكينا
إذا شكا غصّة وكربا ... لا حظ أو راجع الأنينا
يدير فى رجعه لسانا ... يمنعه الموت أن يبينا
يشخص طورا بناظريه ... وتارة يطبق الجفونا
ثم قضى نحبه وأمسى ... فى جدث للثرى دفينا
باشر برد الثرى بوجه ... قد كان من قبله مصونا
بعيد دار قريب جار ... قد فارق الإلف والقرينا
بنىّ يا واحد البنينا ... غادرتنى مفردا حزينا
هوّن رزئى بك الرزايا ... علىّ فى الناس أجمعينا
آليت أنساك ما تجلّى ... صبح [١] نهار لمصبحينا
وما دعا طائر هديلا ... ورجّعت واله حنينا
تصرّف الدهر بى صروفا ... وعاد لى شأنه شؤونا
وحزّ فى اللحم بل براه ... واجتثّ من طلحتى فنونا
أصاب منّى صميم قلبى ... وخفت أن يقطع الوتينا
والمرء رهن بحالتيه ... فشدّة مرّة ولينا
стр. 1767
ومما قيل فى شواذّ المراثى:
من ذلك ما قالته جليلة بنت مرّة أخت جسّاس زوج كليب لما قتل أخوها جسّاس زوجها كليبا؛ وكان نساء الحىّ لما اجتمعن للمأتم قلن لأخت كليب:
رحّلى جليلة عنك فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب، فقالت لها: أخرجى عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا، فخرجت وهى تجرّ أعطافها؛ فلقيها أبوها مرّة فقال لها: ما وراءك يا جليلة؟ فقالت: ثكل العدد، وحزن الأبد؛ وفقد حليل، وقتل أخ عن قليل؛ وبين ذلك [١] غرس الأحقاد، وتفّتت الأكباد. فقال لها: أو يكفّ ذلك كرم الصّفح وإغلاء الدّيات؟ فقالت جليلة: أمنيّة مخدوع وربّ الكعبة، ابا لبدن تدع لك وائل [٢] دم ربّها! قال: ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب: رحلة المعتدى وفراق الشامت! ويل [غدا [٣]] لآل مرّة، من الكرّة بعد الكرّة! وبلغ قولها جليلة فقالت: وكيف تشمت الحرّة بهتك سترها وترقّب وترها! [أسعد الله أختى، ألا قالت: نفرة الحياء وخوف الأعداء [٣]] ثم أنشأت تقول:
يابنة الأقوام إن لمت فلا ... تعجلى باللوم حتى تسألى
فإذا أنت تبينت الذى ... يوجب اللوم فلومى واعذلى
إن تكن أخت امرئ ليمت على ... جزع منها عليه فافعلى
جلّ عندى فعل جسّاس فيا ... حسرتا عما انجلت أو تنجلى
فعل جسّاس على ضنّى به ... قاطع ظهرى ومدن أجلى
стр. 1768
لو بعين فقئت [١] عين سوى ... أختها وانفقأت لم أحفل
تحمل العين قذى العين كما ... تحمل الأمّ أذى ما تفتلى [٢]
إنّنى قاتلة مقتولة ... فلعلّ الله أن يرتاح لى
يا قتيلا قوّض الدهر به ... سقف بيتىّ جميعا من عل
ورمانى فقده [٣] من كثب ... رمية المصمى به المستأصل
هدم البيت الذى استحدثته ... وبدا [٤] فى هدم بيتى الأوّل
يا نسائى دونكنّ اليوم قد ... خصّنى الدهر برزء معضل
مسّنى فقد كليب بلظى ... من ورائى ولظى مستقبلى
ليس من يبكى ليومين كمن ... إنما يبكى ليوم ينجلى
درك الثائر شافيه وفى [٥] ... دركى ثارى ثكل المثكل
ليته كان دمى فاحتلبوا ... دررا منه دما من أكحلى
ولما مات معاوية بن أبى سفيان اجتمع الناس بباب يزيد فلم يقدروا على الجمع بين التهنئة والتعزية، حتى أتى عبد الله بن همّام فقال: يا أمير المؤمنين، أجزل الله أجرك على الرزيّة. وبارك لك فى العطيّة، وأعانك على الرعية؛ فقد رزئت عظيما، وأعطيت جسيما؛ فآشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رزيت؛ فقد فقدت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله؛ ففارقت جليلا، وأعطيت جزيلا؛ إذ قضى معاوية نحبه؛ ووليت الرياسة، وأعطيت السياسة؛ فأورده الله موارد السرور، ووفّقك فى جميع الأمور:
стр. 1769
فاشكر يزيد فقد فارقت ذا مقة ... واشكر حباء الذى بالملك حاباكا [١]
[أصبحت تملك هذا الخلق كلّهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا [٢]]
لارزء أعظم فى الأقوام قد علموا ... مما رزئت، ولا عقبى كعقباكا
وفى معاوية الباقى لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا
ففتح للناس باب الرثاء وجروا على منواله.
وقال أبو نواس الحسن بن هانىء يعزّى الفضل بن الربيع عن الرشيد ويهنّئه بالأمين:
تعزّ أبا العبّاس عن خير هالك ... بأكرم حىّ كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفها ... لهنّ مساو مرّة ومحاسن
وفى الحىّ بالميت الذى غيّب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن
وقال أبو تمام يرثى المعتصم ويهنىء الواثق:
ما للدموع تروم كلّ مرام ... والجفن ثاكل هجعة ومنام
يا حفرة المعصوم تربك مودع ... ماء الحياة وقاتل الإعدام
إن الصفاتح منك قد نضدت على ... ملقى عظام لو علمت عظام
فتق المدامع أن لحدك حلّه ... سكن الزمان وممسك الأيام
ومصرّف الملك الجموح كأنه ... قد زمّ مصعبه له بزمام
هدمت صروف الدهر أرفع حائط ... ضربت دعائمه على الإسلام
دخلت على ملك الملوك رواقه ... وتسرّبت لمقوّم القوّام
стр. 1770
مفتاح كلّ مدينة قد أبهمت ... غلقا ومخلى كلّ دار مقام
ومعرّف الخلفاء أنّ حظوظها ... فى حيّز الإسراج والإلجام
أخذ الخلافة عن أسنّته التى ... منعت حمى الآباء والأعمام
فلسورة الأنفال فى ميراثه ... آثارها ولسورة الأنعام
ما دام هارون الخليفة فالهدى ... فى غبطة موصولة بدوام
إنّا رحلنا واثقين بواثق ... بالله شمس ضحى وبدر تمام
لله أىّ حياة انبعثت لنا ... يوم الخميس وبعد أىّ حمام
أودى بخير إمام اضطربت به ... شعب الرجال وقام خير إمام
تلك الرزيّة لا رزيّة مثلها ... والقسم ليس كسائر الأقسام
جاء منها:
نقض كرجع الطّرف قد أبرمته ... يابن الخلائف أيّما إبرام
ما إن رأى الأقوام شمسا قبلها ... أفلت فلم تعقبهم بظلام
أكرم بيومهم الذى ملّكتهم ... فى صدره وبعامهم من عام
ثم أخذ فى مدح الواثق.
وفى هذه الواقعة يقول ابن الزيّات:
قد قلت إذ غيّبوك واصطفقت ... عليك أيد بالتّرب والطين
اذهب فنعم المعين كنت على الد ... نيا ونعم الظهير للدين
لن يجبر الله أمّة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون
ومن أشدّ الرثاء صعوبة على الشاعر وأضيقه مجالا أن يرثى امرأة أو طفلا.
وقد أخذ على المتنبىّ فى قوله يرثى أمّ سيف الدولة بن حمدان:
سلام الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفّن بالجمال
стр. 1771
وقالوا: ما له ولهذه العجوز يصف جمالها! ووبّخه الصاحب بن عبّاد فى قوله فيها:
رواق العز فوقك مسبطّر ... وملك علىّ ابنك فى كمال
قال أبو الحسن علىّ بن رشيق الأزدى فى كتابه المترجم بالعمدة وبالأغانى [١] أيضا: أشدّ ما هجّن هذه اللفظة وجعلها مقام قصيدة من الهجاء أنه قرنها «بفوقك» فجاء عملا تامّا لم يبق فيه إلا الإفضاء. وإن يكن المتنبى أخطأ فى هذا فلقد أجاد فى غيره؛ والفاضل من عدّت سقطاته، وحفظت هفواته وفلتاته؛ وانظر إلى قوله فى أخت سيف الدولة:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب
أجلّ قدرك أن تدعى مؤنّثة ... ومن يصفك فقد سمّاك للعرب
وقوله أيضا:
ولو كان النساء كمن فقدنا ... لفضّلت النساء على الرجال
مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زفّ [٢] الرئال
ومن جيّد ما رثى النساء به وأشدّه تأثيرا فى القلب وإثارة للحزن قول ابن عبد الملك ابن الزيّات فى أمّ ولده:
ألا من رأى الطفل المفارق أمّه ... بعيد الكرى عيناه تبتدران
رأى كلّ أمّ وابنها غير أمّه ... يبيتان تحت الليل ينتجيان
وبات وحيدا فى الفراش تحثّه ... بلابل قلب دائم الخفقان
стр. 1772
ومنها بعد أبيات:
ألا إنّ سجلا واحدا قد أرقته ... من الدمع أو سجلين قد شفيانى
فلا تلحيانى إن بكيت فإنما ... أداوى بهذا الدمع ما تريان
وإنّ مكانا فى الثّرى خطّ لحده ... لمن كان من قلبى بكلّ مكان
أحقّ مكان بالزيارة والهوى، ... فهل أنتما إن عجت منتظران؟
فهبنى عزمت الصبر عنها لأنّنى ... جليد فمن بالصبر لابن ثمان
ضعيف القوى لا يعرف الأجر حسبة ... ولا يأنسى بالناس فى الحدثان
ألا من أمنّيه المنى وأعدّه ... لعثرة أيّام وصرف زمان
ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسى ... وإن غبت عنه حاطنى ورعانى
فلم أر كالأقدار كيف تصيبنى ... ولا مثل هذا الدهر كيف رمانى
وقال أبو تمّام يرثى جارية له:
ألم ترنى خلّيت عينى وشانها ... ولم أحفل الدنيا ولا حدثانها
لقد خوّفتنى النائبات صروفها ... ولو أمّنتنى ما قبلت أمانها
وكيف على نار الليالى معرّسى ... إذا كان شيب العارضين دخانها
أصبت بخود سوف أغبر بعدها ... حليف أسى أبكى زمانى زمانها
عنان من اللذّات قد كان فى يدى ... فلما مضى الإلف استردّت عنانها
منحت الدّمى هجرى فلا محسناتها ... أودّ ولا يهوى فؤادى حسانها
يقولون: هل يبكى الفتى لخريدة ... متى ما أراد اعتاض عشرا مكانها!
وهل يستعيض المرء من خمس كفّه ... ولو صاغ من حرّ الّلجين بنانها!
وقال أبو الفتح كشاجم يعزّى بابنة:
تأسّ يا أبا بكر ... لموت الحرّة البكر
стр. 1773
فقد زوّجتها القبر ... وما كالقبر من صهر
وعوّضت بها الأجر ... وما كالأجر من مهر
زفاف أهديت فيه ... من الخدر إلى القبر
فتاة أسبغ الله ... عليها أفضل السّتر
ورزء أشبه النعم ... ة فى الموقع والقدر
وقد يختار فى المكرو ... هـ للمرء وما يدرى
فقابل نعمة الله ... وما أولاك من شكر
وعزّ النفس عمّا فا ... ت بالتسليم والصبر
وقال أبو مروان بن أبى الخصال الأندلسىّ فى مثل ذلك:
ألا يا موت كنت بنا رءوفا ... فجدّدت الحياة لنا بزوره
حمدت لفعلك المأثور لمّا ... كفيت مؤونة وسترت عوره
فأنكحنا الضريح بغير مهر ... وجهّزنا الفتاة بغير شوره
وقال أبو تمّام حبيب بن أوس الطائىّ فى ابنين لعبد الله بن طاهر ماتا صغيرين فى يوم واحد من قصيدة:
نجمان شاء الله ألّا يطلعا ... إلا ارتداد الطّرف حتى يأفلا
إنّ الفجيعة بالرياض نواضرا ... لأجلّ منها بالرياض ذوابلا
لو ينسآن لكان هذا غاربا ... للمكرمات وكان هذا كاهلا
لهفى على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا
لغدا سكونهما حجا وصباهما ... حلما وتلك الأريحيّة نائلا
إنّ الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
стр. 1774
وقال أبو الحسن الأنبارى فى محمد بن بقيّة وزير عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة ابن بويه لما صلبه عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه عند خلع بختيار، وهى من نوادر المراثى:
علوّ فى الحياة وفى الممات ... لحقّ أنت إحدى المعجزات
كأنّ الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيّام الصّلات
كأنّك قائم فيهم خطيبا ... وكلّهم قيام للصّلاة
مددت يديك نحوهم جميعا [١] ... كمدّهما إليهم بالهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضمّ علاك من بعد الممات
أصاروا الجوّ قبرك واستنابوا ... عن الأكفان ثوب السافيات
لعظمك فى النفوس بقيت ترعى ... بحرّاس وحفّاظ ثقات
وتشعل عندك النيران ليلا ... كذلك كنت أيّام الحياة
ولم أر قبل جذعك قطّ جذعا ... تمكّن من عناق المكرمات
ركبت مطيّة من قبل زيد ... علاها فى السنين الذاهبات
أشار فى هذا البيت إلى زيد بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب لمّا قتل وصلب فى أيّام هشام بن عبد الملك.
ومما يدخل فى هذا الباب ويلتحق به ما يطرأ من الحوادث التى تعمّ بها البليّة، وتشمل بسببها الرزيّة، كاستيلاء أهل الكفر على بلد من بلاد الإسلام، وهزيمتهم لجيشه اللهام؛ فمن ذلك ما كتب به القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى إلى الأمير عزّ الدين سامة لما استعاد الفرنج- خذلهم الله تعالى- مدينة بيروت:
ابتدأ كتابه بأن قال بعد البسملة: قال الله سبحانه فى كتابه العزيز مسلّيا لنبيّه الكريم
стр. 1775
صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ
، فإذا كان من الناس من خان الله ورسوله ﷺ فكيف لا يخون الناس الناس! وأين الموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرون فى البأساء والضرّاء وحين الباس:
وقد كانوا إذا عدّوا قليلا ... فقد صاروا أقلّ من القليل
والمولى- أعزّه الله بنصره، وعوّضه أحسن العوض من أجره، وكتب له ثواب تسليمه إليه وصبره- ليس بأوّل من وثق بمن خان، وقضيّة بيروت بأوّل مقدور قال الله له: كن فكان؛ والقدر السابق لا يدفعه الهمّ اللاحق، ومن الخجلات المستعارة خجلة الواثق، والموثوق به لائق به الخجل الصادق؛ ومعاذ الله أن ينكس المجلس رأسه حياء، أو أن يسخط لله قضاء؛ أو أن يأسف على مال نقله من مودعه الذى لا يؤمن من الآفات عليه، إلى مودع الله الذى يحفظه إلى أن يأتيه به أحوج ما كان إليه؛ والحمد لله الذى جعل مصائبنا فى الدنيا فوائدنا فى الأخرى، ثم الحمد لله الذى جعل البادرة للعدوان والعاقبة للتقوى. وقد علم الله أنى مقاسمه ومساهمه، ومضمر من الهمّ بما اتفق من هذا المقدور ما مقدّره عالمه؛ غير أنه لا حيلة لمن لا حيلة له إلا الصبر، وإن صبر جرى عليه القدر وجرى له الأجر، وإن لم يصبر جرى عليه القدر وكتب عليه الوزر؛ وكل ما ذهب من صاحبه قبل أن يذهب صاحبه فقد أنعم الله عليه، حيث أخرج ما فى يديه وأبقى يديه؛ والمال غاد ورائح، والمال بالحقيقة هو العمل الصالح؛ وإن اجتمع موصلها بحضرته فهو ينهى ما عندى، ويؤدّى حقيقة ودّى؛ ورأية الموفّق.
وقال أبو المظفّر الأبيوردىّ [١] لما استولى الفرنج على البيت المقدّس فى سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة قصيدة منها:
стр. 1776
مزجنا دماء بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرضة للمراجم
وشرّ سلاح المرء دمع يفيضه ... إذا الحرب شبّت نارها بالصوارم
فإيّها بنى الإسلام! إن وراءكم ... وقائع يلحقن الذّرى بالمناسم
أتهويمة فى ظلّ أمن وغبطة ... وعيش كنوّار الخميله ناعم!
وكيف تنام العين ملء جفونها ... على هبوات أيقظت كلّ نائم
وإخوانكم بالشأم يضحى مقيلهم ... ظهور المذاكى أو بطون القشاعم
يسومهم الروم الهوان وأنتم ... تجرّون ذيل الخفض فعل المسالم
وكم من دماء قد أبيحت، ومن دمّى ... توارى حياء حسنها بالمعاصم
بحيث السيوف البيض محمّرة الظّبى ... وسمر العوالى داميات اللهاذم
وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة ... تظلّى لها الولدان شيب القوادم
وتلك حروب من يغب عن غمارها ... ليسلم يقرع بعدها سنّ نادم
سللن بأيدى المسلمين قواضيا ... ستغمد منهم فى الطّلى والجماجم
يكاد بهنّ المستجنّ بطيبة ... ينادى بأعلى الصوت: يا آل هاشم
أرى أمّتى لا يشرعون إلى العدا ... رماحهم والدّين واهى الدعائم
ويجتنبون النار خوفا من العدا ... ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى ... وتغضى على ذلّ كماة الأعاجم!
فليتهم إذ لم يذودوا حميّة ... عن الدين ضنّوا غيرة بالمحارم
وإن زهدوا فى الأجر إذ حمى [١] الوغى ... فهلّا أتوه رغبة فى المغانم!
стр. 1777
لئن أذعنت تلك الخياشيم للثرى ... فلا عطسوا إلا بأجدع راغم
دعوناكم والحرب ترنو ملحّة ... إلينا بألحاظ النسور القشاعم
تراقب فينا غارة عربيّة ... تطيل عليها الروم عضّ الأباهم
فإن أنتم لم تغضبوا عند هذه ... رمتنا إلى أعدائنا بالجرائم
وقال علاء الدين علىّ الأوتارىّ الدمشقىّ فى مثل ذلك لما استولى التتار على دمشق فى سنة تسع وتسعين وستمائة:
لك علم بما جرى يا سهادى ... من جفونى على افتقاد رقادى
لم أجد عند شدّتى مؤنسا لى ... غير سهدى ملازما لسوادى
وحبيب العين الرقاد جفاها ... مذ رآها خليفة الأنكاد
أحسن الله يا دمشق عزاك ... فى مغانيك يا عماد البلاد
وبرستقا نير بيك مع الم ... زّة مع رونق بذاك الوادى
وبأنس بقاسيون وناس ... أصبحوا مغنما لأهل الفساد
طرقتهم حوادث الدهر بالقت ... ل ونهب الأموال والأولاد
وبنات محجّبات عن الشم ... س تناءت بهنّ أيدى الأعادى
وقصور مشيّدات تقضّت ... فى ذراها الأيام كالأعياد
وبيوت فيها التّلاوة والذك ... ر وعالى الحديث بالإسناد
حرّقوها وخرّبوها وبادت ... بقضاء الإله ربّ العباد
وكذا شارع العقيبة والقص ... ر وشاغورها وذاك النادى
أصبحوا اليوم مثل أمس تقضّى ... وبكتهم سماؤهم والغوادى
ولكم سورها حوى من معنى ... مقرح القلب والحشى والفؤاد
إن بكى لا يفيده أو تشكّى ... وجد المشتكى حليف سهاد
стр. 1778
يشتكى فوق ما اشتكاه بأضعا ... ف فيغدو وهمه فى ازدياد
فالغلا والجلا مع الجوع والعر ... ى ونهب الأفوات والأزواد
والحصار الشديد والحبس والخو ... ف مع السادة العراة المكادى [١]
وبوزن الأموال من غير وجد ... بآعتساف الغتم [٢] الغلاظ الشداد
كاتر آقچاكبر خوار أنت ياغيه ... لمحمود غازان قاآن البلاد [٣]
يا ترى هل لكربنا من مجير ... أم لتشديد أسرنا من مفادى
لهف نفسى على جيوش تولّت ... ثم ولّت جريحة الأكباد
كلّ ندب عضب حمىّ كمىّ ... أمجد أصيد شجاع جواد
إن سطا فى هباته كان بحرا ... أو سطا خلته من الآساد
أو بدا حاملا تخل عنتريّا ... أو غدا سابق الجواد فغادى
إن أتانى مبشّر بلقاهم ... حاز روحى ومهجتى وقيادى
ولثمت التراب شكرا وعفّر ... ت خدودى على بلوغ مرادى
لست أرجو غير البشير شفيعا ... عند ربّى فى المنّ بالإنجاد
فهو الصادق الذى وعد الدي ... ن بنصر جار على الاباد
غير أنّ الفساد يكسب ذلّا ... ويعمّى الفساد طرق السّداد
وارتكاب الفساد يورث فقرا ... وخراب البيوت عقبى الفساد
يا حبيب الإله لا تتخلّى ... عن عضاة غمرتهم بالأيادى
стр. 1779
يا حبيب الإله قد مسّنا الض ... رّ فجد بالإسعاف والإسعاد
يا حبيب الإله تبنا إلى الل ... هـ وأنت العماد حتّى المعاد
من لأسرى كسرى حيارى دهتهم ... دهمتهم جياد أهل العناد
واضع اللقط فى الحساب عناه ... - لو يعش- حصر كثرة الأعداد
منهم الطفل والصبيّة والشا ... بّ ينادى، فمن يجيب المنادى!
وينادى عليهم برغيف ... وبنزر بخس بسوق الكساد
عوّضوا عن سرورهم بغرور ... وقصور البلاد سكنى البوادى
وبأهل الوداد شرّ أناس ... وبلين المهاد شوك القتاد
أىّ عين عليهم ليس تبكى ... أىّ قلب عليهم غير صادى!
فلأنت الرحيم قلبا ولبّا ... ولأنت الهادى لسبل الرّشاد
ولأنت البديع خلقا وخلقا ... ولأنت السميع للإنشاد
ولأنت الظّراز فى كلّ معنى ... ولسيف المقال شبه النّجاد
ولأنت الحاوى فنون صفات ... دون حصر لها فناء المداد
ولأنت الممدوح من فوق عرش ... بعد ماذا يقول قسّ الإيادى
جلّ قصد الفصيح بالنظم معنى ... نشر فضل الممدوح بين العباد
فإذا كان منشئ المدح ربّى ... عاد مدح الفصيح جمع سواد
فعليك الصلاة يرجو بها الأم ... ن علىّ من سائر الأنكاد
وحيث انتهينا من المرائى والنوادب إلى هذه الغاية، فلنذكر نبذة من الزهد والتوكّل.
стр. 1780
الباب الثالث من القسم الرابع من الفن الثانى فى الزهد والتوكل
وهذا الباب- وفّقنا الله وإياك لقصدنا، وألهمنا سلوك سبيل رشدنا؛ واستعملنا فى مراضيه، وجنّبنا عن الالتفات بالقول والفعل إلى معاصيه- من هذا الفنّ هو واسطة عقده، وعضد زنده، وقائم مرهفه وحدّ فرنده؛ وشبا سنانه، ومثنى عناته، وإنسان حدقته، وحدقة إنسانه؛ وكيف لا وهو للنفس درّة تاجها، وطبيب علاجها، وواضح منهاجها؛ ودليلها المرشد إذا ضلّ الدليل، ومنجيها من الهول الأعظم إذا فرّ المرء من الأخ والأمّ والأب والابن والصاحبة والخليل. فتأمله أيها المطالع بعين قلبك قبل ناظرك، واتخذه من أحصن جنتّك وأعدّ عددك وأنفس ذخائرك؛ ورض به نفسك إذا جمحت، وسكّن به آمالك إذا مالت إلى المطالع وجنحت. واعلم أن الدنيا ظلّ زائل، وعدوّ قد نصب لك الشّباك ومدّ الحبائل، وأنك لا بدّ مسئول عما اكتسبته منها، فليت شعرى ما أعددت لجواب المسائل؟
فهى العدوّ الذى أشبه بالصديق، والغادر الماكر الذى ما أخوفنى أنّ مكره بى وبك سيحيق. فاقتصر على القليل منها، واعلم أنك سترحل فى غد عنها؛ وأن الموت نازل بك فلا ينفعك ما جمعته من مال وخول، ولا يصحبك من الدنيا إلا ما قدّمته لآخرتك من صالح العمل؛ وأنّ مالك سيقتسمه من لعلّه لا يشكرك عليه، وماذا ينفعك شكره أن لو فعل! وغاية ما ينالك من دنياك، وإن بلغت منها مناك، وطال بها مداك؛ أن تتمتّع بزهرتها، وتنال من لذّتها؛ وقد علمت بالمشاهدة من حالك وحال غيرك ما يؤول أمر ملاذّها إليه فى العاجل، وما يتوقّع لمن اقتصر من دنياه عليها فى الآجل؛ فالمأكل والمشرب صائران إلى ما علمته وإنما تحصل اللذّة
стр. 1781
بهما قبل الزدراد؛ والمنكح والمركب فأنت وهما فى الموت والفناء على ميعاد، والملابس فستخلقها الأيام بعد الجدّة، والمساكن فستعفّى الليالى آثارها ولو بعد مدّة.
فإذا علمت أن مآل الدنيا إلى الزوال، وقصاراها إلى الانتقال؛ وملاذّها إلى هذه الغاية، والعمر فيها وإن طال سريع النهاية؛ فتقلّل منها حسب طاقتك، واقتصر على ما تسدّ به بعض خلّتك وفاقتك؛ واعمل لآخرتك التى لا ينقضى أمدها، ولا يفنى من النعيم الدائم مددها. وقد أمرتك الخير وليتنى به لو ائتمرت، وأوضحت لك سبيل الرشاد وليتنى به لو مررت.
أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به ... وما استقمت فما قولى لك: استقم!
وسأورد إن شاء الله على سمعك من هذا الباب ما إن تمسّكت به كان سببا لإرشادك، وذخيرة تجدها فى يوم معادك.
ذكر بيان حقيقة الزهد
قال الإمام الأوحد العالم زين الدين حجّة المتكلّمين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالىّ الطّوسىّ رحمه الله تعالى فى كتابه المترجم بإحياء علوم الدين: إعلم أن الزهد فى الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين. وينتظم هذا المقام من علم وحال وعمل كسائر المقامات؛ لأن أبواب الإيمان كلّها كما قال السلف ترجع إلى عقد وقول وعمل. وكأن القول لظهوره أقيم مقام الحال، إذ به يظهر الحال الباطن، وإلا فليس القول مرادا بعينه؛ وإذا لم يكن صادرا عن حال سمّى إسلاما ولم يسمّ إيمانا.
والعلم هو السبب فى الحال يجرى مجرى المثمر، والعمل يجرى مجرى الثمرة.
فأما الحال فنعنى بها ما يسمّى زهدا، وهو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشئ إلى ما هو خير منه؛ فكلّ من عدل عن شئ إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنّما عدل
стр. 1782
عنه لرغبته عنه، وإنما عدل إلى غيره لرغبته فيه. فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمّى [زهدا، وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمّى [١]] رغبة وحبّا. فإذا يستدعى حال الزهد مرغوبا عنه ومرغوبا فيه [٢] هو خير من المرغوب عنه. وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضا مرغوبا فيه بوجه من الوجوه؛ فمن رغب عما ليس مطلوبا فى نفسه لا يسمّى زاهدا، فتارك التراب والحجارة والحشرات لا يسمّى زاهدا، لأن ذلك ليس فى مظنّة الرغبة، وإنما يسمّى زاهدا تارك الدراهم والدنانير. وشرط المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه حتى تغلب هذه الرغبة؛ فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشترى عنده خير من المبيع، فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهدا فيه، وبالإضافة إلى العوض رغبة وحبّا؛ ولذلك قال الله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
وشروه بمعنى باعوه، ووصف إخوة يوسف بالزهد فيه إذ طمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم، وكان ذلك عندهم أحبّ إليهم من يوسف فباعوه طمعا فى العوض. فإذا كلّ من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد فى الدنيا، وكلّ من باع الاخرة بالدنيا فهو أيضا زاهد ولكن فى الاخرة؛ ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن زهد فى الدنيا؛ كما خصّص اسم الإلحاد بمن يميل إلى الباطل خاصّة، وإن كان هو الميل فى وضع اللسان. قال: ولما كان الزهد رغبة عن محبوب بالجملة لم يتصوّر إلا بالعدول إلى شىء هو أحبّ منه، وإلا فترك المحبوب بغير الأحبّ محال. والذى يرغب عن كلّ ما سوى الله تعالى حتى الفردوس ولا يحبّ إلا الله تعالى فهو الزاهد المطلق. والذى يرغب عن كل حظّ ينال فى الدنيا ولم يزهد فى مثل تلك الحظوظ فى الآخرة بل طمع فى الحور العين
стр. 1783
والقصور والفواكه والأنهار فهو أيضا زاهد ولكنّه دون الأوّل. والذى يترك من حظوظ الدنيا البعض دون البعض، كالذى يترك المال دون الجاه، أو يترك التوسّع فى الأكل ولا يترك التجمّل فى الزينة، فلا يستحقّ اسم الزهد مطلقا؛ ودرجته فى الزّهاد درجة من يتوب عن بعض المعاصى فى التائبين، وهو زهد صحيح كما أن التوبة عن بعض المعاصى صحيحة؛ فإنّ التوبة عبارة عن ترك المحظورات، والزهد عبارة عن ترك المباحات التى هى حظّ النفس. والمقتصر على ترك المحظورات لا يسمّى زاهدا، وإن كان زهد فى المحظور وانصرف عنه، ولكنّ العادة تخصّص هذا الاسم بتارك المباحات. فإذا الزهد عبارة عن رغبة عن الدنيا عدولا إلى الآخرة أو عن غير الله عدولا إلى الله، وهى الدرجة العليا. وكما يشترط فى المرغوب فيه [١] أن يكون خيرا عنده؛ فيشترط فى المرغوب عنه أن يكون مقدورا عليه، فإنّ ترك ما لا يقدر عليه محال، وبالترك يتبيّن زوال الرغبة؛ ولذلك قيل لابن المبارك:
يا زاهد؛ فقال: الزاهد عمر بن عبد العزيز، إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها، وأما أنا ففيم زهدت! وأمّا العلم الذى هو المثمر لهذا الحال فهو العلم يكون المتروك حقيرا بالإضافة إلى المأخوذ، كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه؛ وما لم يتحقّق هذا العلم لا يتصوّر أن تزول الرغبة عن المبيع، فكذلك من عرف أن ما عند الله باق وأن الآخرة خير وأبقى، أى لذّتها خير فى نفسها وأبقى. فبقدر قوّة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة فى البيع والمعاملة؛ حتّى إنّ من قوى يقينه يبيع نفسه وماله، كما قال الله :
стр. 1784
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ...
الآية، ثم بيّن أن صفقتهم رابحة فقال تعالى: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ
. فليس يحتاج من العلم فى الزهد إلا إلى هذا القدر وهو أنّ الآخرة خير وأبقى؛ وقد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا إمّا لضعف علمه ويقينه، وإما لاستيلاء الدنيا والشهوة فى الحال عليه ولكونه مقهورا فى يد الشيطان، وإما لاغتراره بمواعيد الشيطان فى التسويف يوما فيوما إلى أن يختطفه الموت، ولا يبقى معه إلا الحسرة بعد الفوت. قال: وإلى تعريف خساسة الدنيا الإشارة بقوله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
، وإلى تعريف نفاسة الآخرة الإشارة بقوله : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ
؛ فنبّه على أنّ العلم بنفاسته هو المرغّب عن عوضه. قال:
ولمّا لم يتصور الزهد إلا بمعاوضة ورغبة عن محبوب فى أحبّ منه
قال رجل:
اللهمّ أرنى الدنيا كما تراها؛ فقال رسول الله ﷺ : «لا تقل هذا ولكن قل اللهمّ أرنى الدنيا كما أريتها الصالحين من عبادك»
. وهذا لأن الله يراها حقيرة كما هى، وكلّ مخلوق فهو بالإضافة إلى جلاله حقير، والعبد يراها حقيرة فى حقّ نفسه بالإضافة إلى ما هو خير له [١] ، ولا يتصوّر أن يرى بائع الفرس وإن رغب عن فرسه كما يرى حشرات الأرض [مثلا [٢]] ، لأنّه مستغن عن الحشرات أصلا وليس مستغنيا عن الفرس؛ والله تعالى غنىّ بذاته عن كلّ ما سواه، فيرى الكلّ فى درجة واحدة بالإضافة إلى جلاله، ويراها متفاوتة بالإضافة إلى غيره، والزاهد هو الذى يرى تفاوتها بالإضافة إلى نفسه لا إلى غيره.
стр. 1785
وأمّا العمل الصادر عن حال الزهد فهو ترك وأخذ، لأنه بيع ومعاملة واستبدال الذى هو خير بالذى هو أدنى. فكما أنّ العمل الصادر من عقد البيع هو ترك المبيع [١] وإخراجه عن اليد وأخذ العوض، فكذلك الزهد يوجب ترك المزهود فيه بالكلّية وهى الدنيا بأسرها مع أسبابها ومقدماتها وعلائقها، فيخرج من القلب حبّها ويدخل حبّ الطاعات ويخرج من اليد والعين ما أخرجه من القلب، ويوظّف على اليد والعين وسائر الجوارح وظائف من الطاعات، وإلّا كان كمن سلّم المبيع ولم يأخذ الثمن. فإذا وفّى شرط الحالتين فى الأخذ والترك فليستبشر ببيعه الذى بايع به، فإن الذى بايعه بهذا البيع وفىّ بالعهد؛ فمن سلّم حاضرا فى غائب وسلّم الحاضر وأخذ يسعى فى طلب الغائب سلّم إليه الغائب حين فراغه من سعيه إن كان العاقد ممن يوثق بصدقه وقدرته ووفائه بالعهد. وما دام ممسكا للدّنيا فلا يصح زهده أصلا، ولذلك لم يصف الله تعالى إخوة يوسف بالزهد فى بنيامين وإن كانوا قد قالوا:
لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا
، وعزموا على إبعاده كما عزموا على إبعاد يوسف حتى شفع فيه أحدهم فترك، ولا وصفهم أيضا بالزهد فى يوسف عند العزم على إخراجه إلا عند التسليم والبيع. فعلامة الرغبة الإمساك، وعلامة الزهد الإخراج. فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقط، ولست زاهدا مطلقا؛ وإن لم يكن لك مال ولم تساعدك الدنيا لم يتصوّر منك الزهد، لإنّ ما لا تقدر عليه لا تقدر على تركه. وربما يستهو يك الشيطان بغروره ويخيّل [إليك [٢]] أنّ الدنيا وإن لم تأتك فأنت زاهد فيها، فلا ينبغى أن تتدلّى بحبل
стр. 1786
غروره دون أن [تستوثق [١] و] تستظهر بموثق غليظ [٢] من الله تعالى؛ فإنّك إذا لم تجرّب حال القدرة فلا تثق بالقدرة على الترك عندها؛ فكم من ظانّ بنفسه كراهة المعاصى عند تعذّرها فلما تيسّرت له أسبابها من غير مكدّر ولا مخوف من الخلق وقع فيها.
وإذا كان هذا غرور النفس فى المحظورات فإيّاك أن تثق بوعدها فى المباحات.
والموثق الغليظ الذى تأخذه عليها أن تجرّبها مرّة بعد مرّة فى حال القدرة، فاذا وفّت بما وعدت على الدوام مع انتفاء الصوارف والأعذار ظاهرا وباطنا فلا بأس أن تثق بها وثوقا ما، ولكن تكون من تغيّرها على حذر، فإنها سريعة النقض للعهد، قريبة الرجوع إلى مقتضى الطبع. وبالجملة فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ما تركت فقط وذلك عند القدرة. قال: وليس من الزهد بذل المال على سبيل السخاء والفتوّة وعلى سبيل استمالة القلوب ولا على سبيل الطمع، فذلك كلّه من محاسن العادات ولا مدخل له فى العبادات، إنما الزهد أن تترك الدنيا لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة. [فأمّا كل نوع من الترك فإنه يتصوّر ممن لا يؤمن بالآخرة [١]] فذلك قد يكون مروءة وفتوّة وسخاء وحسن خلق، وحسن الذكر وميل القلوب من حظوظ العالجة، وهى ألذّ وأهنأ من المال؛ بل الزاهد من أتته الدنيا راغمة عفوا وصفوا وهو قادر على التنعّم بها من غير نقصان جاه وقبح اسم وفوات حظّ للنفس، فتركها خوفا من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير الله ومحبّا لما سوى الله، ويكون مشركا فى حبّ الله غير الله؛ أو تركها طمعا فى ثواب آخر فترك التمتّع بأشربة الدنيا طمعا فى أشربة الجنّة، وترك التمتّع بالسرارى والنسوان طمعا فى الحور العين، وترك التفرّج فى البساتين طمعا فى بساتين الجنّة وأشجارها، وترك التزيّن والتجمّل بزينة الدنيا طمعا فى زينة الجنّة، وترك المطاعم اللذيذة طمعا
стр. 1787
فى فواكه الجنّة وخوفا من أن يقال له: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
فآثر فى جميع ذلك ما وعد به فى الجنّة على ما تيسّر له فى الدنيا عفوا صفوا، لعلمه بأن ما فى الآخرة خير وأبقى؛ وما سوى هذه فمعا ملات دنيويّة لا جدوى لها فى الآخرة أصلا. وحيث قدّمنا هذه المقدّمة من أحوال الزهد فى الحال والعلم فلنذكر بيان فضيلة الزهد وذم الدنيا.
ذكر فضيلة الزهد وبغض الدنيا
قال الله تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
، فنسب الزهد الى العلماء ووصف أهله بالعلم، وذلك غاية الثناء. وقال تعالى: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا
جاء فى التفسير: على الزهد فى الدنيا. وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
. قيل: معناه أيّهم أزهد فى الدنيا، فوصف الزهد بأنه من أحسن الأعمال. وقال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
. وقال تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ...
إلى قوله: وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى.
وقال رسول الله ﷺ : «من أصبح وهمّه الدّنيا شتّت الله عليه أمره وفرّق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمّه الآخرة جمع الله له أمره وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه فى قلبه وأتته الدنيا وهى راغمة»
. وقال ﷺ : «إذا رأيتم العبد قد أوتى [١] منطقا وزهدا فى الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقّن الحكمة»
. وقال تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
؛ ولذلك
стр. 1788
قيل: من زهد فى الدنيا أربعين يوما اجرى الله ينابيع الحكمة فى قلبه وأطلق بها لسانه.
وقال رسول الله ﷺ : «إن أردت أن يحبّك الله فازهد فى الدنيا»
فجعل الزهد سببا للمحبّة؛ فمن أحبّه الله فهو فى أعلى الدرجات، فينبغى أن يكون الزهد فى أفضل المقامات. ولما
سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
وقيل له: ما هذا الشرح؟ قال: «إن النّور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح» . قيل:
يا رسول الله، هل لذلك من علامة؟ قال: «نعم التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله» .
وقال رسول الله ﷺ : «استحيوا من الله حقّ الحياء» قالوا: إنا نستحيى من الله، فقال: « [ليس كذلك [١]] تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون»
. فبيّن أن ذلك يناقض الحياء من الله.
وقدم وفد على رسول الله ﷺ فقالوا: إنّا مؤمنون. قال: «وما علامة إيمانكم؟» فذكروا الصبر على البلاء، والشكر على الرخاء، والرّضا بمواقع القضاء، وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء. قال: «إن كنتم كذلك فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون»
؛ فجعل الزهد تكملة إيمانهم.
وروى أن رسول الله ﷺ مرّ فى أصحابه بإبل عشار حفّل وهى الحوامل، وكانت من أحبّ أموالهم إليهم وأنفسها عندهم، لأنها تجمع بين اللحم واللبن والوبر والظّهر، فأعرض عنها رسول الله ﷺ وغضّ بصره. فقيل له: يا رسول الله، هذه أنفس أموالنا، لم لا تنظر إليها؟ فقال: قد نهانى الله عن ذلك، ثم تلا قوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى.
стр. 1789
وروى مسروق عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: قلت:
يا رسول الله، ألا تستطعم الله فيطعمك؟ قالت: وبكيت لما رأيت به من الجوع.
فقال: «يا عائشة والذى نفسى بيده لو سألت ربّى أن يجرى معى جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها يا عائشة إنّ الدنيا لا تنبغى لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض لأولى العزم من الرسل إلا الصبر على مكروه الدنيا والصبر عن محبوبها ثم لم يرض إلا أن يكلّفنى ما كلّفهم فقال فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
والله مالى بدّ من طاعته وإنّى والله لأصبرنّ كما صبروا جهدى ولا حول ولا قوّة إلا بالله» .
وروى عن عمر بن الخطّاب رضى الله عنه أنه حين فتح عليه الفتوحات قالت له ابنته حفصة: البس ليّن الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق، ومر بصنعة طعام تطعمه وتطعم من حضر. فقال: يا حفصة، ألست تعلمين أنّ أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته؟ قالت بلى. قال: ناشدتك الله، هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ لبث فى النبوّة كذا وكذا سنة لم يشبع هو ولا أهل بيته غدوة إلّا جاعوا عشيّة، ولا شبعوا عشيّة إلا جاعوا غدوة؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أن النبىّ ﷺ لبث فى النبوّة كذا وكذا سنة لم يشبع من التمر هو وأهله حتى فتح الله عليه خيبر؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ قرّبتم إليه [يوما [١]] طعاما على مائدة فيها ارتفاع فشقّ ذلك عليه حتى تغيّر لونه ثم أمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على دون ذلك أو وضع على الأرض؟ ناشدتك الله، هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ كان ينام على عباءة مثنيّة فثنيت له ليلة أربع
стр. 1790
طاقات فنام عليها، فلما استيقظ قال: «منعتمونى قيام الليلة بهذه العباءة اثنوها بآثنتين كما كنتم تننونها» ؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ كان يضع ثيابه لتغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوبا يخرج به إلى الصلاة حتى تجفّ ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أنّ رسول الله ﷺ صنعت له امرأة من بنى ظفر كساءين إزارا ورداء وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر، فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره قد عقد طرفيه إلى عنقه فصلّى كذلك؟ فما زال [يقول [١]] حتى أبكاها، وبكى عمر رضى الله عنه وانتحب حتى ظننّا أنّ نفسه ستخرج. وفى بعض الروايات زيادة من قول عمر وهو أنّه قال: كان لى صاحبان سلكا طريقا، فإن سلكت غير طريقهما سلك بى طريق غير طريقهما، وإنّى والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلّى أدرك معهما عيشهما الرّغيد.
وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «لقد كان الأنبياء قبلى يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس إلا العباءة وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحبّ إليهم من العطاء إليكم» .
وعن ابن عبّاس رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «لما ورد موسى ﵇ ماء مدين كانت خضرة البقل ترى فى بطنه من الهزال»
. وفى حديث عمر رضى الله عنه أنه لمّا نزل قوله تعالى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الآية، قال رسول الله ﷺ : «تبّا للدّنيا! تبّا للدّينار والدرهم!» فقلنا: نهانا الله عن كنز الذهب والفضّة قأىّ شىء ندّخر؟ فقال ﷺ : «ليتّخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة صالحة تعينه على أمر آخرته»
. وفى حديث حذيفة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ : «من آثر