← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وفعل بنفسه ما شاء. قال: والذى يضطرّ الإنسان إليه من الجاه والمال ليس بمحدود؛ فالزائد منه على الحاجة سمّ قاتل، والاقتصار على قدر الضرورة دواء نافع، وما بينهما درجات متشابهة، فما يقرب من الزيادة وإن لم يكن سمّا قاتلا فهو مضرّ، وما يقرب من الضرورة فهو وإن لم يكن دواء نافعا لكنّه قليل الضرر. والسمّ محظور شربه، والدواء فرض تناوله، وما بينهما مشتبه أمره. فمن احتاط فإنما يحتاط لنفسه، ومن تساهل فإنما يتساهل على نفسه، ومن استبرأ لدينه وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه وردّ نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم وهو من الفرقة الناجية لا محالة. والمقتصر على [قدر [١]] الضرورة والمهمّ لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا، بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين لأنه شرط الدين، والشرط من جملة المشروط. وقد روى أن إبراهيم الخليل ﵇ أصابته حاجة فذهب إلى صديق له يستقرضه شيئا فلم يقرضه فرجع مهموما. فأوحى الله تعالى إليه: لو سألت خليلك لأعطاك. فقال: يا ربّ، عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها شيئا. فأوحى الله إليه: ليس الحاجة من الدنيا. فعلى هذا يكون قدر الحاجة من الدين وما وراء ذلك وبال فى الآخرة؛ وهو أيضا فى الدنيا كذلك، يعرفه من يخبر أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة فى كسب المال وجمعه وحفظه واحتمال الذّلّ فيه؛ وغاية سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلوه، وربما يكونون أعداء له، وقد يستعينون به على المعاصى فيكون هو معينا لهم عليها. ولذلك شبّه جامع الدنيا ومتّبع الشهوات بدود القزّ إذ لا يزال ينسج على نفسه حيّا [٢] ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت ويهلك بسبب عمله الذى عمله بنفسه؛ فكذلك كلّ من اتبع شهوات الدنيا. قال الشاعر:

стр. 1822

كدود كدود القزّ ينسج دائما ... ويهلك غمّا وسط ما هو ناسجه قال: ولما انكشف لأولياء الله تعالى أنّ العبد مهلك نفسه بأعماله واتبّاعه هوى نفسه إهلاك دود القزّ نفسه رفضوا الدنيا بالكلّيّة؛ حتى قال الحسن: رأيت سبعين بدريّا كانوا فيما أحلّ الله لهم أزهد منكم فيما حرّم الله عليكم. وفى لفظ آخر: كانوا بالبلاء أشدّ فرحا منكم بالخصب والرخاء، لو رأيتموهم قلتم: مجانين، ولو رأوا خياركم قالوا: ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم قالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب. وكان أحدهم يعرض له المال الحلال فلا يأخذه ويقول: أخاف أن يفسد علىّ قلبى. فمن كان له قلب فهو لا محالة يخاف من فساده، والذين أمات حبّ الدنيا قلوبهم فقد أخبر الله عنهم فقال: وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ؛ وقال تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ؛ وقال تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ؛ فأحال ذلك كلّه على الغفلة وعدم الفكر. وقال بعضهم: ما من يوم ذرّ شارقه إلا وأربعة أملاك ينادون فى الآفاق بأربعة أصوات: ملكان بالمشرق وملكان بالمغرب يقول أحدهم بالمشرق: يا باغى الخير هلّم، ويا باغى الشرّ أقصر. ويقول الآخر: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا. ويقول اللذان بالمغرب أحدهما: لدوا للموت وابنوا للخراب؛ ويقول الآخر: كلوا وتمتّعوا لطول الحساب. ذكر بيان علامات الزهد قال الغزالىّ رحمه الله تعالى: اعلم أنه قد يظنّ أنّ تارك المال زاهد، وليس كذلك؛ فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد. فكم

стр. 1823

من الرّهابين [١] من ردّوا أنفسهم كل يوم الى نزر يسير من الطعام ولازموا ديّرا لا باب له، وإنما مسرّة أحدهم معرفة الناس حاله ونظرهم إليه ومدحهم له؛ فذلك لا يدلّ على الزهد دلالة قاطعة؛ بل لا بدّ من الزهد فى المال والجاه جميعا حتى يكمل الزهد فى [٢] جميع حظوظ النفس من الدنيا؛ بل قد يدّعى جماعة الزهد مع لبس الأصواف الفاخرة والثياب الرفيعة كما قال الخوّاص فى وصف المدّعين إذ قال: وقوم ادّعوا الزهد ولبسوا الفاخر من الثياب يموّهون بذلك على الناس ليهدى إليهم مثل لباسهم لئلّا ينظر إليهم بالعين التى ينظر بها الى الفقراء فيحقروا فيعطوا كما يعطى المساكين ويحتجّون لأنفسهم باتّباع العلم وأنّهم على السنّة وأنّ الأشياء داخلة إليهم وهم خارجون منها، وإنما يأخذون [ما يأخذون [٣]] بعلّة غيرهم؛ هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضايق. وكلّ هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب أخلاق نفوسهم، فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادّعوها حالا لهم، فهم مائلون إلى الدنيا متبعون للهوى. هذا كلام الخوّاص. قال الغزالىّ ﵀: فإذا معرفة الزهد أمر مشكل، [بل حال الزهد على الزاهد مشكل [٢]] ؛ فينبغى أن يعوّل فى باطنه على ثلاث علامات: العلامة الأولى: ألّا يفرح بموجود، ولا يحزن على مفقود، كما قال الله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ، بل ينبغى أن يكون بالضدّ من ذلك وهو أن يحزن لوجود المال ويفرح لفقده. العلامة الثانية: أن يستوى عنده ذامّه ومادحه؛ فالأولى علامة الزهد فى المال، والثانية علامة الزهد فى الجاه.

стр. 1824

العلامة الثالثة: أن يكون أنسه بالله ، والغالب على قلبه حلاوة الطاعة، إذ لا يخلو القلب من حلاوة المحبّة، إما محبّة الدنيا وإما محبّة الله، وهما فى القلب كالماء والهواء فى القدح؛ فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان؛ وكلّ من أنس بالله اشتغل به ولم يشتغل بغيره. وقد قال أهل المعرفة: إذا تعلّق الإيمان بظاهر القلب أحبّ الدنيا والآخرة جميعا وعمل لهما، وإذا بطن الإيمان فى سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا ولم ينظر إليها ولم يعمل لها. وقد ورد فى دعاء آدم ﵇: اللهمّ إنّى أسألك إيمانا يباشر قلبى. وقال أبو سليمان: من شغل بنفسه شغل عن الناس، وهذا مقام العاملين. ومن شغل بربّه شغل عن نفسه، وهذا مقام العارفين. والزاهد لا بدّ أن يكون فى أحد هذين المقامين. وبالجملة فعلامة الزهد استواء الفقر والغنى والعزّ والذّلّ والمدح والذمّ، وذلك لغلبة الأنس بالله. ويتفرّع عن هذه العلامات علامات أخر مثل أن يترك الدنيا ولا يبالى من أخذها. وقيل: علامته أن يترك الدنيا كما هى فلا يقول: أبنى رباطا أو أعمر مسجدا؛ وهذا من كلام الأستاذ أبى علىّ الدقّاق. وقال ابن خفيف: علامته وجود الراحة فى الخروج من الملك. وقال الجنيد: علامته خلوّ القلب عمّا خلت منه اليد. وقال أحمد بن حنبل وسفيان: علامة الزهد قصر الأمل. وقال رجل ليحيى بن معاذ: متى أدخل حانوت التوكّل وألبس برد الزهد وأقعد مع الزاهدين؟ فقال: إذا صرت من رياضتك لنفسك فى السرّ إلى حدّ لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف فى نفسك؛ فأمّا ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح. قالوا: ولا يتمّ الزهد إلا بالتوكّل؛ فلنذكر التوكّل.

стр. 1825

ذكر ما ورد فى التوكل من فضيلته وحقيقته أمّا فضيلته فقد قال الله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، وقال الله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ . وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ . وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ؛ وناهيك بذلك مقاما. وقال رسول الله ﷺ : «أريت الأمم فى الموسم فرأيت أمّتى قد ملئوا السهل والجبل فأعجبتنى كثرتهم وهيئتهم فقيل لى أرضيت قلت نعم قال ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب قيل من هم يا رسول الله قال هم الذين لا يكتوون ولا يتطيّرون ولا يسترقون وعلى ربّهم يتوكّلون» . وقال ﷺ : «من انقطع إلى الله كفاه الله تعالى مئونة رزقه [١] من حيث لا يحتسب ومن انقطع الى الدنيا وكله الله اليها» . وأمّا حقيقة التوكل فقد قال الغزالىّ ﵀: التوكّل مشتقّ من الوكالة يقال: وكل أمره إلى فلان أى فوّضه إليه واعتمد عليه [فيه [٢]] . ويسمّى الموكول [٣] إليه وكيلا، ويسمّى المفوّض اليه متّكلا عليه ومتوكّلا عليه مهما [٤] اطمأنت إليه نفسه ووثق به ولم يتّهمه فيه [بتقصيره ولم يعتقد فيه عجزا ولا قصورا [٥]] . ثم قال بعد أن ضرب لذلك أمثلة يطول شرحها: واعلم أن حالة التوكّل فى القوّة والضعف ثلاث درجات: الأولى: أن يكون حاله فى حقّ الله تعالى والثقة بكفالته وعنايته كحاله فى الثقة بالوكيل.

стр. 1826

الثانية وهى أقوى: أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل فى حق أمّه فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى سواها ولا يعتمد [١] إلا إياها؛ فإن رآها تعلّق فى كلّ حال بها، وإن نابه أمر فى غيبتها كان أوّل سابق إلى لسانه: يا أمّاه، وأوّل خاطر يخطر على قلبه أمه لوثوقه بكفالنها وكفايتها وشفقتها. الثالثة وهى أعلاها: أن يكون بين يدى الله تعالى فى حركاته وسكناته مثل الميّت بين يدى الغاسل يقلّبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا تدبير. قال: وهذا المقام فى التوكل يثمر ترك الدعاء والسؤال منه ثقة بكرمه وعنايته، وأنه يعطى ابتداء أفضل مما يسأل. وقد تكلّم المشايخ فى التوكّل وبيان حدّه واختلفت عباراتهم وتكلّم كلّ واحد عن مقام نفسه وأخبر عن حدّه. قال أبو موسى الدّيلى: قلت لأبى يزيد: ما التوكل؟ فقال: ما تقول أنت؟ قلت: إن أصحابنا يقولون: لو أن السباع والأفاعى عن يمينك ويسارك ما تحرّك لذلك سرّك. فقال أبو يزيد: نعم هذا قريب، ولكن لو أن أهل الجنة فى الجنّة يتنّعمون، وأهل النار فى النار يعذبون، ثم وقع بك تمييز عليهما خرجت من جملة التوكّل. وسئل أبو عبد الله القرشىّ عن التوكّل فقال: التعلّق بالله تعالى فى كلّ حال. فقال السائل: زدنى؛ فقال: ترك كلّ سبب يوصّل إلى سبب حتى يكون [الحق [٢]] هو المتولّى لذلك. وهذا مثل توكّل إبراهيم الخليل ﵇ إذ قال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا؛ إذ كان سؤاله يفضى الى سبب فترك ذلك ثقة بأن الله يتولّى ذلك.

стр. 1827

قال أبو سعيد الخرّاز: التوكّل اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب. أشار بالأوّل إلى فزعه إلى الله تعالى وابتهاله وتضرّعه بين يديه كاضطراب الطفل بيديه إلى أمّه؛ وبالثانى إلى سكون القلب إلى الوكيل وثقته به [١] . وقال أبو علىّ الدقّاق: التوكّل على ثلاث درجات: التوكّل ثم التسليم ثم التفويض، فالمتوكّل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفى بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه. وقال: التوكّل بداية، والتسليم وسائط، والتفويض نهاية. وقال: التوكّل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحّدين. وسئل ابن عطاء عن حقيقة التوكّل فقال: ألّا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدّة فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحقّ مع وقوفك عليها. وقال أبو نصر السرّاج: شرط التوكّل ما قاله أبو تراب النّخشبىّ وهو طرح البدن فى العبودية وتعلّق القلب بالربوبيّة والطّمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطى شكر [٢] ، وإن منع صبر. وكما قال ذو النّون: التوكّل ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوّة. وقال أبو بكر الدقّاق: التوكّل ردّ العيش إلى يوم واحد وإسقاط همّ غد. وسئل ذو النون: ما التوكّل؟ فقال: خلع الأرباب، وقطع الأسباب. فقال السائل: زدنى؛ فقال: إلقاء النفس فى العبودية وإخراجها من الرّبوبيّة. وقال مسروق: التوكّل الاستسلام لجريان [٣] القضاء والأحكام. وقال أبو عثمان: التوكّل الاكتفاء بالله مع الاعتماد عليه. وقيل: التوكل الثقة بما فى يد الله واليأس مما فى يد الناس. وقيل: التوكّل فراغ السرّ عن التفكّر فى التقاضى فى طلب الرزق.

стр. 1828

ذكر بيان أعمال المتوكلين قال الغزالىّ ﵀: قد يظنّ أن معنى التوكّل ترك الكسب [بالبدن [١]] وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة وكاللحم على الوضم؛ وهذا ظنّ الجهّال، فإنّ ذلك حرام فى الشرع؛ والشرع قد أثنى على المتوكّلين فكيف ينال مقام من مقامات الدّين بمحظورات الدّين! بل إنما يظهر تأثير التوكّل فى حركة العبد وسعيه بعمله إلى مقاصده. وسعى العبد باختياره إمّا أن يكون لأجل جلب نافع هو مفقود [٢] عنده كالكسب، أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادّخار، أو لدفع ضارّ لم ينزل به كدفع الصائل والسارق والسباع، أو لإزالة ضارّ قد نزل به كالتداوى من المرض. فمقصود حركات العبد لا يعدو هذه الحالات الأربع التى هى جلب النافع أو حفظه أو دفع الضارّ أو قطعه. ثم ذكر شرط التوكّل ودرجاته فى كل واحد منها، وقرن ذلك بشواهد الشرع، فقال ما مختصره ومعناه: امّا جلب النافع، فالأسباب التى بها يجلب النافع على ثلاث درجات: مقطوع به، ومظنون ظنّا يوثق به، وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامّة ولا تطمئنّ إليه. فالدرجة الأولى: المقطوع به كالطعام إذا وضع بين يدى الرجل وهو جائع محتاج إلى تناوله فامتنع من مدّ يده إليه وقال: أنا متوكّل، وشرط التوكل ترك السعى، ومدّ اليد إليه سعى وحركة، وكذلك مضغه بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالى الحنك على أسفله؛ فهذا جنون وليس من التوكّل فى شىء، فإنه إن انتظر أنّ الله تعالى يخلق فيه شبعا دون الخبز أو يسخّر ملكا يمضغه ويوصله الى معدته فهذا رجل جهل سنّة الله

стр. 1829

تعالى؛ وكذلك لو لم يزرع الأرض وطمع أنّ الله تعالى يخلق نباتا من غير بذر أو تلد زوجه من غير مباضعة كمريم، فكلّ ذلك جنون؛ بل يجب عليه أن يعلم أن الله تعالى خالق الطعام واليد والأسنان وقوة الحركة، وأنّه الذى يطعمه ويسقيه، وأن يكون قلبه واعتماده على فضل الله تعالى لا على اليد والطعام، فليمدّ يده ويأكل فإنه متوكل. والدرجة الثانية: الأسباب التى ليست متعيّنة، ولكن الغالب أن المسبّبات لا تحصل دونها واحتمال حصولها دونها بعيد كالذى يفارق الأمصار والقوافل ويسافر فى البوادى التى لا يطرقها الناس إلا نادرا ويكون سفره من غير استصحاب زاد، فهذا ليس شرطا فى التوكّل، بل استصحاب الزاد فى البوادى سنّة الأوّلين مع الاعتماد على فضل الله لا على الزاد؛ ولكن فعل ذلك جائز، وهو من أعلى مقامات التوكل وهو فعل الخواصّ. قال الغزالىّ: فإن قلت: فهذا سعى فى الهلاك وإلقاء النفس إلى التّهلكة، فاعلم أن ذلك يخرج عن كونه حراما بشرطين: أحدهما أن يكون الرجل قد راض نفسه وجاهدها حتى صبرت عن الطعام أسبوعا أو ما يقاربه بحيث إنه لا يناله ضيق قلب ولا تشويش خاطر. والثانى أن يكون بحيث يقوى على التقوّت بالحشيش وما يتّفق من الأشياء الخسيسة، فإنه لا يخلو غالب الأمر فى البوادى فى كلّ أسبوع أن يلقاه آدمى أو ينتهى إلى محلّة أو قرية أو الى حشيش يتقوّت به؛ وعلى هذا كان يعوّل الخوّاص ونظراؤه من المتوكّلين. وقد كان الخوّاص مع توكّله لا تفارقه الإبرة والمقراض والحبل والركوة، ويقول: هذا لا يقدح فى التوكّل. وأمّا لو انحاز الى شعب من شعاب الجبال حيث لا ماء ولا حشيش ولا يطرقه طارق فيه وجلس متوكلا فهو آثم به ساع فى إهلاك نفسه.

стр. 1830

وأمّا القاعد فى البلد بغير كسب فليس ذلك حراما، لأنه لا يبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخّر عنه. فإن أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام. فإن فتح باب البيت وهو بطّال غير مشغول بعبادة فالكسب والخروج له أولى، ولكن ليس فعله حراما إلّا أن يشرف على الموت، فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال والكسب. وإن كان مشغول القلب بالله غير متطلّع إلى الناس ولا إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزق، بل تطلّعه إلى فضل الله تعالى واشتغاله بالله فهو أفضل وهو من مقامات التوكّل، فإن الرزق يأتيه لا محالة. فلو هرب العبد من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه. قال ابن عباس رضى الله عنهما: اختلف الناس فى كلّ شىء إلا فى الرزق والأجل [فإنّهم [١]] أجمعوا أن لا رازق ولا مميت إلا الله تعالى. وقال رسول الله ﷺ : «لو توكّلتم على الله تعالى حقّ توكّله لرزقكم [٢] كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ولزالت بدعائكم الجبال» . وقال عيسى ﵇: انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدّخر والله تعالى يرزقها يوما بيوم، فإن قلتم نحن أكبر بطونا، فانظروا إلى الأنعام كيف قيّض الله تعالى لها هذا الخلق [للرزق [١]] . وقال أبو يعقوب السوسى: المتوكّلون تجرى أرزاقهم على أيدى العباد بلا تعب منهم وغبرهم مشغولون مكدودون. وقال بعضهم: العبيد كلّهم فى رزق الله تعالى، لكن بعضهم يأكل بذلّ كالسّؤال، وبعضهم يأكل بتعب كالتجّار، وبعضهم بامتهان كالصنّاع، وبعضهم بعزّ كالصوفيّة، يشهدون العزيز فيأخذون رزقهم من يده ولا يرون الواسطة. والدرجة الثالثة: ملابسة الأسباب التى يتوهّم إفضاؤها إلى المسبّبات من غير ثقة ظاهرة، كالذى يستقصى فى التدبيرات الدقيقة فى تفصيل الاكتساب ووجوهه،

стр. 1831

وذلك يخرج بالكلّيّة عن درجات التوكّل كلّها، وهو الذى الناس كلّهم فيه من التكسّب بالحيل الدقيقة اكتسابا مباحا لمال مباح. هذا ملخص ما أورده رحمه الله تعالى فى جلب النافع، وذكر لذلك أمثلة ونظائر تركناها اختصارا. وأمّا حفظ النافع فهو التعرض لأسباب الادّخار، فمن حصل له مال بإرث أو كسب أو سؤال أو سبب من الأسباب فله فى الادّخار ثلاث أحوال: الأولى: أن يأخذ قدر حاجته فى الوقت فيأكل إن كان جائعا، ويلبس إن كان عاريا، ويشترى مسكنا مختصرا إن كان محتاجا، ويفرّق الباقى فى الحال ولا يدّخر منه إلا ما أرصده لمحتاج؛ فهذا هو الموفى بموجب التوكّل تحقيقا، وهى الدرجة العليا. الحالة الثانية المقابلة لهذه المخرجة له عن حدود التوكّل: أن يدّخر لسنة فما فوقها، فهذا ليس من المتوكّلين أصلا. الحالة الثالثة: أن يدّخر لأربعين يوما فما دونها، فهذا يوجب حرمانه من المقام المحمود الموعود فى الآخرة للمتوكّلين. وقال الخوّاص: لا يخرج بأربعين يوما ويخرج بما زاد عليها. وامّا دفع الضارّ عن النفس والمال فقد قال الغزالىّ ﵀: ليس من شرط التوكل ترك الأسباب الدافعة للضرر. أمّا فى النفس فكالنوم فى الأرض المسبعة أو فى مجارى السيل من الوادى أو تحت الجدار المائل أو السقف المتكسّر، فإنّ ذلك منهىّ عنه وصاحبه قد عرّض نفسه إلى الهلاك بغير فائدة. وأمّا فى المال فلا ينقص التوكّل إغلاق باب البيت عند الخروج منه ولا أن يعقل البعير. فهذه أسباب عرفت بسنّة الله تعالى، فقد روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أنه

стр. 1832

قال: جاء رجل على ناقة فقال: يا رسول الله، أدعها وأتوكل؟ فقال رسول الله ﷺ : «اعقلها وتوكّل» . وأمّا إزالة الضرر فقد قال الغزالىّ رحمه الله تعالى: إن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش والخبز المزيل لضرر الجوع؛ وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء وسائر أبواب الطبّ؛ وإلى موهوم كالكىّ والرّقية. أمّا المقطوع به فليس من التوكّل تركه بل تركه حرام عند خوف الموت. وأمّا الموهوم، فشرط التوكل تركه، إذ بتركه وصف رسول الله ﷺ المتوكّلين، قال رسول الله ﷺ : «لم يتوكّل من استرقى واكتوى» . وقال سعيد بن جبير: لدغتنى عقرب فأقسمت علىّ أمّى لتسترقينّ، فناولت الراقى يدى التى لم تلدغ. وأمّا الدرجة الوسطى وهى المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطبّاء ففعل ذلك لا يناقض التوكّل بخلاف الموهوم، وتركه ليس بمحظور بحلاف المقطوع به. وقد تداوى رسول الله ﷺ وأمر بالتداوى وقال: «ما من داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلّا السام» يعنى الموت؛ وتضافرت الأحاديث بالأمر بالدواء. ومنهم من رأى أن ترك التداوى قد يحمد فى بعض الأحيان إذا اقترن به أحد أسباب ستة: الأوّل: أن يكون المريض من المكاشفين وقد كوشف بأنه انتهى أجله وأن الدواء لا ينفعه، وتحقّق ذلك إما برؤيا صادقة أو بحدس وظنّ أو بكشف محقّق

стр. 1833

كحال أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه لمّا قيل له فى مرض موته: لو دعونا لك طبيبا! فقال: الطبيب نظر إلىّ وقال إنّى فعّال لما أريد. وكان رضى الله عنه من المكاشفين؛ والدليل على ذلك أنّه قال لعائشة رضى الله عنها فى أمر الميراث: إنما هنّ أختاك؛ وما كان لها إلا أخت واحدة وكانت امرأته حاملا فولدت أنثى؛ فلا يبعد أن يكون كوشف بانتهاء أجله؛ ومحال أن ينكر التداوى وقد رأى رسول الله ﷺ فعله. الثانى: أن يكون المريض مشغولا بحاله وبخوف عاقبته واطّلاع الله تعالى عليه، فينسيه ذلك ألم المرض فلا يتفرّغ قلبه للتداوى شغلا بحاله، كحال أبى ذرّ لمّا رمدت عيناه، فقيل له: لو داويتهما! فقال: إنّى عنهما مشغول. فقيل له: لو سألت الله أن يعافيك! فقال: أسأل فيما هو أهمّ علىّ منهما. وكحال أبى الدرداء فإنه قيل له فى مرضه: ما تشتكى؟ قال: ذنوبى. قيل: فما تشتهى؟ قال: مغفرة ربى. قالوا: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضنى. ويكون حال هذا كالمصاب بموت عزيز من أحبابه أو كالخائف من ملك فيشغله ذلك عن ألم الجوع. الثالث: أن تكون العلّة مزمنة والدواء الذى يؤمر به بالإضافة إلى علّته موهوم كالكىّ والرقية، فتركه للتوكّل كالربيع بن خيثم فإنه أصابه فالج، فقيل له: لو تداويت! فقال: لقد هممت ثم ذكرت عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا وكان فيهم الإطبّاء فهلك المداوى والمداوى ولم تغن الرّقى شيئا. أى إن الدواء غير موثوق به. الرابع: أن يقصد العبد ترك التداوى استيفاء للمرض لينال ثواب المرض بحسن الصبر على بلاء الله تعالى وليجرّب نفسه فى القدرة على الصبر. الخامس: أن يكون العبد قد سبق له ذنوب وهو خائف منها عاجز عن تكفيرها فيرى المرض إذا طال تكفيرا، وترك التداوى خوفا من أن يسرع زوال

стр. 1834

المرض ورغب فى مضاعفة الأجر. فقد ورد عن النبىّ ﷺ أنه قال: «حمّى يوم كفّارة سنة» . السادس: أن يستشعر العبد فى نفسه مبادئ البطر والطّغيان بطول مدّة الصحّة، فيترك التداوى خوفا من أن يعاجله زوال المرض فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان أو طول الأمل والتسويف فى تدارك الفائت وتأخير الخيرات؛ فإن الصحة تحرّك الهوى وتبعث على الشهوات وتدعو إلى المعاصى، وأقلّها أن تدعو إلى التنعّم فى المباحات وهو تضييع الأوقات وإهمال الربح العظيم فى مخالفة النفس وملازمة الطاعات. وإذا أراد الله بعبد خيرا لم يخله عن التنبيه بالأمراض والمصائب؛ ولذلك قيل: لا يخلو المؤمنون من علّة أو قلّة أو ذلّة. قال: فلما أن كثرت فوائد المرض رأى جماعة ترك الحيلة فى زوالها، إذ رأوا لأنفسهم مزيدا فيها لا من حيث رأوا التداوى نقصانا، وكيف يكون ذلك نقصانا وقد فعله رسول الله ﷺ !. فهذه نبذة كافية فى مقامى الزهد والتوكل. فلنذكر الأدعية. الباب الرابع من القسم الرابع من الفن الثانى فى الأدعية وهذا الباب- يقبل الله منا ومنك وفينا وفيك صالح الدعوات، وجعلنا وإيّاك ممن اعتمد على كرمه ومنّته فى الحركات والسكنات؛ ووفّقنا للتضرع والسكون إلى فضله، وعاملنا بما هو من أهله لا ما نحن من أهله- هو مشرع الظمآن إلى موارد الكرم العذبة، ومفزع الحيران إذا ألّمت به الضائقة وحصرته الكربة؛ فبه يتوسّل الى الله تعالى فى مطالب الدنيا والآخرة، ويتوصّل إلى النعم الوافية والخيرات الوافرة؛ كيف لا وقد

стр. 1835

أمرنا الرب العظيم بالدعاء والإنابة، ووعدنا وهو الوفىّ الكريم بالقبول والإجابة؛ وترادفت بفضله الأخبار الصحيحة، وجاءت بشرفه الآثار الصريحة؛ على ما ستقف على ذلك إن شاء الله تعالى واضحا، وتعوّل عليه مقيما وظاعنا وغاديا ورائحا. فلازمه فى سائر أحوالك، وتعاهده فى بكرك وآصالك؛ فستجنى إن شاء الله منه ثمار غرسك، وتجد حلاوة ذلك فى قلبك وأنسه فى نفسك. واعلم أن للدعاء، كما قال ابن عطاء، أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا. قال: فإن وافق أركانه قوى، وإن وافق أجنحته طار فى السموات، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح. فأركانه حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله وقطعه من الأسباب. وأجنحته الصدق. ومواقيته الأسحار. وأسبابه الصلاة على محمد ﷺ . قال الله : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة أكنت ترى لبعض دعائك الإجابة ولا ترى لبعضه فيقول نعم فيقول له أما إنك ما دعوتنى بدعوة إلا وقد استجبت لك فيها أليس دعوتنى يوم كذا وكذا فرأيت الإجابة فيقول نعم ويقول ودعوتنى يوم كذا وكذا فلم تر الإجابة فيقول نعم فيقول فإنى ادّخرتها لك فى الجنة فلا يبقى له دعوة إلا بيّنها له حتى يتمنّى المؤمن أن دعواته كلها كانت ذخائره فى الآخرة» . وعن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الدعاء هو العبادة» قال: وقرأ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ. وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «ليس شىء أكرم على الله من الدعاء» . وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الدعاء ينفع

стр. 1836

مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدّعاء» . وعن أنس رضى الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ : «إن الله حيّى كريم يستحيى إذا بسط الرجل إليه يديه أن يردّهما صفرا ليس فيهما شىء» . وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «دعوة المسلم لا تردّ إلا بإحدى ثلاث ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم إمّا أن يستجيب الله له فيما دعا أو يدّخر له فى الآخرة أو يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا» . وعن أنس رضى الله عنه قال: قيل يا رسول الله: إنا ندعو بدعاء كثير منه ما نرى إجابته ومنه ما لا نرى إجابته فقال: «والذى نفسى بيده ما من أحد يدعو بدعوة إلا استجيب له أو صرف عنه مثلها شرّا» . قالوا: يا رسول الله، إذا نكثر؟ قال: «الله أكثر وأكثر» ثلاث مرات. وعنه رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ : «دعوة فى السر تعدل سبعين دعوة فى العلانية» . وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله فى الليل والنهار عتقاء من النار ولكلّ مسلم ومسلمة فى كلّ يوم وليلة دعوة مستجابة» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبىّ ﷺ قال: «إن الله تعالى يقول من ذا الذى دعانى فلم أجبه وسألنى فلم أعطه واستغفرنى فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين» . وعن أنس رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا فتح الله على عبد باب الدعاء فليكثر فإنّ الله يستجيب له» . وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبىّ ﷺ أنه قال: «من فتح له باب فى الدعاء فتحت له أبواب الإجابة» . وعن أبى هريرة عن النبىّ ﷺ أنه قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه» . وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن النبىّ ﷺ قرأ قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ الآية فقال ﷺ : «اللهم إنّك

стр. 1837

أمرت بالدعاء وتوكّلت بالإجابة لبّيك اللهم لبّيك لبّيك لا شريك لك لبيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك أشهد أنّك فرد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأشهد أنّ وعدك حق ولقاءك حقّ والجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأنّك تبعث من فى القبور» . هذا مما ورد فى الحثّ على الدعاء. وأمّا ما ورد فى نفع الدعاء ودفعه للبلاء؛ روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أنواع البرّ كلّها نصف العبادة والنصف الآخر الدعاء» . وعن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا ينفع حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الدعاء ينفع مما نزل ومما لم لا ينزل وإن الدعاء ليردّ القضاء المبرم وإن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فلا يزال أحدهما يدفع صاحبه إلى يوم القيامة» . وعن سلمان الفارسىّ رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يردّ القضاء إلا الدعاء ولا يزيد فى العمر إلا البرّ» . وعن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدّين ونور السموات والأرض» . وأمّا ما ورد فى الإلحاح فى الدعاء وهيئة الذّلّة والإنابة؛ قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يحبّ الملحّين فى الدعاء» . وعن أبى هريرة

стр. 1838

رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب ساه لاه» . وعن أنس رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه فى الدعاء حتى يرى بياض [١] إبطيه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا جعل باطن كفّيه إلى وجهه. وعنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «سلوا الله ببطون أكفّكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم» وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ربكم حيىّ كريم يستحيى أن يرفع العبد يديه فيردّهما صفرا لا خير فيهما فإذا رفع أحدكم يده فليقل يا حىّ لا إله إلا أنت يا أرحم الراحمين ثلاث مرات ثم إذا ردّ يده فليفرغ ذلك الخير على وجهه» . وعن عمر رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ اذا مدّ يديه فى الدعاء لم يردّهما حتى يمسح بهما وجهه. وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «الإخلاص هكذا ورفع إصبعا واحدا من اليد اليمنى والدعاء هكذا وجعل بطونهما مما يلى السماء والابتهال هكذا ومدّ يديه شيئا وجعل ظهر الكفّ مما يلى السماء» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» . وأمّا ما ورد من كراهية استعجال الإجابة ورفع البصر والسجع فى الدعاء قال تعالى: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ. وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل

стр. 1839

فيقول قد دعوت فلم يستجب لى» . وعنه ﷺ : «لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل» . قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: «يقول قد دعوت الله مرارا فلا أراه يستجيب لى» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: لينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء فى الصلاة إلى السماء أو لتخطفنّ أبصارهم» . وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال: إيّاك والسجع فى الدعاء فإنّى شهدت النبىّ ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك. وأمّا ما ورد فيمن تجاب دعواتهم. قال الله : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ . وقال تعالى: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ. وروى عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «خمس دعوات لا تردّ دعوة الحاجّ حتّى يصدر ودعوة الغازى حتى يرجع ودعوة المظلوم حتى ينتصر ودعوة المريض حتى يبرأ ودعوة الأخ لأخيه بالغيب وأسرع هؤلاء الدعوات إجابة دعوة الأخ لأخيه بالغيب» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شكّ فيهنّ دعوة الوالد ودعوة المسافر ودعوة المظلوم» . وفى حديث آخر: «دعوة الصائم بدل دعوة الوالد» . وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «إنّك تأتى قوما أهل كتاب فاتّق دعوة المظلوم» . وعنه صلى الله وسلم: «الإمام العادل لا تردّ دعوته» . وقال ﷺ : «ثلاثة لا تردّ دعوتهم إمام مقسط ودعوة الصائم ودعوة المظلوم تفتح لها أبواب السماء ويقول الله لأنصرنّك ولو بعد حين» . وعنه ﷺ : «دعاء الوالد لولده مثل دعاء النبى لأمته» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1840

«أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب» . وعن أبى الدرداء، رضى الله عنه، عنه ﷺ أنه قال: «دعوة الرجل لأخيه بظهر الغيب تعدل سبعين دعوة مستجابة ويوكّل الله ملكا يقول آمين ولك مثل ما دعوت» . وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر الغيب إلّا قال له ملك عن يمينه وملك عن شماله ولك مثله» . وعن أبى أمامة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «حامل القرآن له دعوة مستجابة» . وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبىّ ﷺ أنه قال: «إذا دخلت على المريض فسله يدعو لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة» . وعن أنس رضى الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ : «من ألهم الدعاء لم يحرم الإجابة لأن الله تعالى يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ومن ألهم التوبة لم يحرم القبول لأن الله تعالى يقول: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة لأن الله تعالى يقول: ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ومن ألهم الاستغفار لم يحرم المغفرة لأن الله تعالى يقول: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ومن ألهم النفقة لم يحرم الخلف لقوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ » ذكر الأوقات التى ترجى فيها إجابة الدعاء قال الله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ . وقال تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ينزل الله حين يبقى ثلث اللّيل إلى السماء الدّنيا فيقول من يسألنى فأعطيه ومن يدعونى فأستجيب له ومن يستغفرنى فأغفر له» . وعنه ﷺ : «تفتح أبواب السماء ويستجاب دعاء المسلم عند إقامة الصلاة وعند

стр. 1841

نزول الغيث وعند زحف الصفوف فى سبيل الله وعند رؤية الكعبة» . وعنه ﷺ أنه قال: «إذا فاءت الأفياء وهبّت الرياح فارفعوا إلى الله حوائجكم فإنّها ساعة الأوّابين إنه كان للأوّابين غفورا» . وعن أبى أمامة قال قلت: يا رسول الله، أىّ الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل وأدبار المكتوبات» . وعن ابن عمر قال: أفضل الساعات مواقيت الصّلاة فادعوا فيها. وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ : «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة إن فيه لساعة لا يوافقها عبد يصلّى يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إيّاه» . وقد اختلف فى ابتداء وقت هذه الساعة فقيل: أوّل ساعة من طلوع الشمس، وقيل: آخر ساعة من غروبها، وقيل: عند جلوس الإمام على المنبر، وقيل: من الزوال إلى ابتداء الصلاة، وقيل: من بعد العصر إلى الغروب، وقيل: إنها تنتقل فى ساعات اليوم كما تنتقل ليلة القدر فى شهر رمضان. روى عن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرىّ قال: قال لى عبد الله بن عمر رضى الله عنهم: أسمعت أباك يحدّث عن رسول الله ﷺ فى شأن ساعة الجمعة؟ قال: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ فى شأن ساعة الجمعة يقول: «هى ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة» . وعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضى عنها عن أبيها ﷺ أنه قال: «إن فى الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه» . فقلت: يا أبت، أىّ ساعة هى؟ قال: «إذا تدلّى نصف الشمس للغروب» . فكانت فاطمة رضى الله عنها إذا كان يوم الجمعة تأمر غلاما لها يقال له زيد يرصد لها الشمس، فإذا تدلّى نصف الشمس للغروب أعلمها، فتقوم فتدخل المسجد فتدعو حتى تغرب الشمس وتصلّى. وحيث ذكرنا هذه المراتب فلنذكر الأدعية المنصوص عليها.

стр. 1842

ذكر دعوات ساعات الأيام السبعة ولياليها قد أورد الشيخ أبو العباس أحمد بن علىّ بن يوسف القرشىّ البونى رحمه الله تعالى دعوات الساعات فى اللّمعة النورانيّة [١] فبدأ بيوم الأحد وذكر دعاء كل ساعة منه، ثم ذكر يوم الاثنين فقال: ساعة كذا يدعى فيها بدعاء ساعة كذا من يوم الأحد، ثم ذكر يوم الثلاثاء فقال: ساعة كذا يدعى فيها بدعاء ساعة كذا من يوم الاثنين وكذلك فى بقيّة ساعات الأيام والليالى، يذكر كلّ ساعة ويحيل فى دعائها على ساعة من اليوم أو الليلة التى قبلها. فرأيت أن الراغب فى الدعاء يحتاج فى معرفته إلى كشف طويل وتحقيق إلى أن يصل إلى تلك الساعة من يوم الأحد، وربما تعذّر ذلك على كثير من الناس، فرتّبت الأدعية على ما ستقف إن شاء الله تعالى عليه ليسهل على المتناول طريقها ويدنو من المحاول تحقيقها؛ فقلت وبالله التوفيق: دعاء يدعى به فى الساعة الأولى من يوم الأحد، وفى الثامنة من ليلة الاثنين، وفى العاشرة من يوم الاثنين، وفى الخامسة من ليلة الثلاثاء، وفى السابعة من يوم الثلاثاء، وفى الثانية من ليلة الأربعاء وفى الرابعة من يوم الأربعاء، وفى الحادية عشرة من ليلة الخميس وفى الأولى من يوم الخميس، والحادية عشرة من ليلة الجمعة والعاشرة من يوم الجمعة، وفى الثامنة من ليلة السبت وفى السابعة من يوم السبت، وفى الخامسة من ليلة الأحد، وهو: «ربّ اغمسنى فى بحر [من [٢]] نور هيبتك حتى أخرج منه وفى وجهى شعاعات هيبة تخطف أبصار الحاسدين من الجنّ والإنس فتعميهم عن رمى سهام الحسد فى قرطاس

стр. 1843

نعمتى، واحجبنى عنهم بحجاب النور الذى باطنه النور وظاهره النار. أسألك باسمك النور وبوجهك النور يا نور النور أن تحجبنى فى نور اسمك بنور اسمك حجابا يمنعنى من كلّ نقص يمازج منّى جوهرا أو عرضا إنّك نور الكلّ ومنوّر الكل بنورك» . قال البونى: تدعو بهذا الدعاء ثمانيا وأربعين مرّة فى هذه الساعة على وضوء بعد صلاة ركعتين فيما يتعلق بسؤال الهيبة وإقامة الكلمة وقهر العدوّ. ويناسب هذا الدعاء من القرآن قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية، قال: من قرأ هذه الآية هذا العدد المتقدّم فى بيت مظلم وعيناه مغلقتان شاهد أنوارا عجيبة تملا قلبه، وإن استدام ذلك تشكّلت له فى عالم الحسّ. وهو ذكر يصلح لأرباب الهمم وأهل الخلوات، وكاتبه وحامله تظهر له زيادات فى قوى نفسه وقهر عدوّه وخصمه لم يكن يعهدها من قبل؛ ومن أمكنه أن يداوى به العلل الكائنة فى الرأس خصوصا من البرودة وجد تأثير ذلك لوقته. دعاء يدعى به فى الساعة الثانية من يوم الأحد والتاسعة من ليلة الاثنين وفى الحادية عشرة من يوم الاثنين، وفى السادسة من ليلة الثلاثاء وفى الثامنة من يوم الثلاثاء، وفى الثالثة من ليلة الأربعاء وفى الخامسة من يوم الأربعاء، وفى الثانية عشرة من ليلة الخميس وفى الثانية من يوم الخميس، وفى الحادية عشرة من يوم الجمعة، وفى التاسعة من ليلة السبت وفى الثامنة من يوم السبت، وفى السادسة من ليلة الأحد وهو: «ربّ فرّحنى بما ترضى به عنّى فرحا يبهجنى بجميل المسارّ، حتى لا ينبسط شىء من وجودى إلا بما بسطه جودك العلىّ. ربّ فرّحنى بنيل المراد منك بفناء إرادتى منّى حتى لا يكون فى كونى إرادة إلا إرادتك محفوظة من عوارض التكوين، وأبهج

стр. 1844

بذلك فى سرّ سماء الأفراح فى الوجودين برزق الباطن والظاهر، إنك باسط الرزق والرحمة يا ذا الجود الباسط يا ذا البسط والجود» . هذا الذكر من ذكره فى ساعة من هذه الساعات تسعا وأربعين مرة أذهب الله تعالى عن قلبه الحزن وعن صدره الحرج والضّيق، ونفى عنه كل همّ وغمّ، وبه يدعو المسجونون والمأسورون والمحزونون فيفرّج الله تعالى عنهم، وذلك بعد صلاة تسليمتين؛ والآيات [١] المناسبة لهذا القسم فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآية، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ الآية. قال البونى: ويقدّم على ذكر هذه الآيات [١] : اللهم اجعلنى من الفرحين بما آتاهم الله من فضله، يقول ذلك [٢] بعد الذكر الأوّل مثل العدد المذكور، فيرى المهموم من فضل الله تعالى به عجبا، ويزداد [به [٣]] ذو السرور سرورا لا يعرف سببه. ويصلح هذا الذكر لأرباب الفيض من أهل الخلوات فإنّهم يستروحون منه أنسا فى خلواتهم ومخاطبات بألفاظ مختلفة بقدر الفيض والمقام والسبب، يعرف ذلك من كانت له إحاطة بكشف أسرار الدعوات والأسماء. دعاء يدعى به فى الساعة الثالثة من يوم الأحد، والعاشرة من ليلة الاثنين وفى الثانية عشرة من يوم الاثنين، وفى السابعة من ليلة الثلاثاء وفى التاسعة من يوم الثلاثاء، وفى الرابعة من ليلة الأربعاء وفى السادسة من يوم الأربعاء، وفى الأولى من ليلة الخميس وفى الثالثة من يوم الخميس، وفى الأولى من ليلة الجمعة وفى الثانية عشرة من يوم الجمعة، وفى العاشرة من ليلة السبت وفى التاسعة من يوم السبت، وفى السابعة من ليلة الأحد. وهو:

стр. 1845

«ربّ قلّبنى فى أطوار معارف أسمائك تقليبا تشهدنى به فى ذرّات وجودى ما أودعته ذرّات [١] وجودى الملك والملكوت حتّى أعاين سريان سرّ قدرك [٢] فى معالم المعلومات، فلا يبقى معلوم إلا وبيدى سرّ دقيقة منه مجذوبة بيد الكمال ونور الطوع؛ وأذهب [٣] ظلمة الإكراه حتى أتصرّف فى المهج بمبهجات المحبّة إنك أنت المحبّ المحبوب يا مقلّب القلوب» . قال: من دعا بهذا الاسم والذكر ستّ عشرة مرة بعد صلاة ثلاث تسليمات قلب الله قلبه عن كل خاطر فيه نقص [٤] إلى كلّ خاطر فيه كمال [فى حقّه [٥]] ، ويصلح لأرباب الاستخارات، وفيه لسرعة قضاء الحاجات معنى بديع. والآيات [٦] المناسبة له قَوْلُهُ الْحَقُّ [وَلَهُ الْمُلْكُ ، وقوله تعالى [٥]] : يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ إلى آخر الآية، وقوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً الآية؛ وما يناسب ذلك من القرآن. وهو ذكر يصلح لأرباب القلوب من تكرار الخواطر والوساوس، وله فى تقلّب الأحوال أمور عجيبة عظيمة لمن فهم ذلك؛ وكذلك من كتب الذكر كله وعلّقه عليه عصمه الله فى تقلّباته من الآفات حتى فى أمور دنياه وآخرته.

стр. 1846

دعاء يدى به فى الساعة الرابعة من يوم الأحد، وفى الحادية عشرة من ليلة الاثنين وفى الأولى من يوم الاثنين، وفى الثامنة من ليلة الثلاثاء وفى العاشرة من يوم الثلاثاء، وفى الخامسة من ليلة الأربعاء وفى السابعة من يوم الأربعاء، وفى الثانية من ليلة الخميس وفى الرابعة من يوم الخميس، وفى الثانية من ليلة الجمعة والأولى من يوم الجمعة، وفى الحادية عشرة من ليلة السبت وفى العاشرة من يوم السبت، وفى الثامنة من ليلة الأحد. وهو: «ربّ قابلنى بنور اسمك مقابلة تملأ وجودى ظاهرا وباطنا حتى تمحو منّى حظوظ الأشكال كلها فيبدو لى فى وجودى ومن وجودى سرّ ما كتبه قلم تقديرك من كل مستودع فى مستقرّ ومستقرّ فى مستودع فلا يخفى علىّ ما غاب عنّى فأنظرنى بك وأنظر من سواى بنور اسمك [١] فأرى الكمال المطلق فى الملك المطلق، يا مودع الأنوار قلوب عباده الأبرار يا سريع يا قريب» . قال: من دعا بهذا الدعاء فى ساعة من هذه الساعات ست عشرة مرة ثم قصد أىّ حاجة أراد، أسرع الله تعالى قضاءها ونمّى له ما يملكه من مال أو جاه أو حال أو مقام. ومن خاصّة هذا الذكر وضع البركة فى أىّ شىء وضع عليه. ويصلح هذا الذكر لطالبى المكاشفات من أرباب الخلوات فإنهم اذا داوموا هذا الذكر ألقى اليهم الخاطر الصحيح. قال: وإن أضيف له يا سريع يا قريب يا مبين ظهر له ما يريد من كشف العواقب فى الأفعال المرتبطة بعالم الغيب والشهادة. دعاء يدعى به فى الساعة الخامسة من يوم الأحد، وفى الثانية عشرة من ليلة الاثنين وفى الثانية من يوم الاثنين، وفى التاسعة من ليلة الثلاثاء وفى الحادية عشرة

стр. 1847

من يوم الثلاثاء، وفى السادسة من ليلة الأربعاء وفى الثامنة من يوم الأربعاء، وفى الثالثة من ليلة الخميس وفى الخامسة من يوم الخميس، وفى الثالثة من ليلة الجمعة وفى الثانية من يوم الجمعة، وفى الثانية عشرة من ليلة السبت وفى الحادية عشرة من يوم السبت، وفى التاسعة من ليلة الأحد. وهو: «ربّ أسألك مددا روحانيّا تقوى به قواى الكلّية والجزئيّة حتى أقهر بمبادئ نفسى كلّ نفس قاهرة فتنقبض لى رقابها انقباضا تسقط به قواها، فلا يبقى فى الكون ذو روح إلّا ونار القهر أخمدت ظهوره، يا شديد يا ذا البطش يا قهّار يا جبّار أسألك بما أودعته عزرائيل من قوى أسمائك القهريّة فانفعلت له النفوس بالقهر أن تكسونى [١] ذلك السرّ فى هذه الساعة حتى أليّن به كلّ صعب، وأذلّ به كلّ منيع بقوّتك يا ذا القوّة المتين» . قال: من دعا بهذا الدعاء فى ساعة من هذه الساعات تسعا وثمانين مرة، ثم دعا على ظالم أخذ لوقته، وذلك بعد صلاة خمس تسليمات بالفاتحة لا غير. ويناسب هذا الدعاء من آى القرآن العظيم وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ . قال: فى هذا الذكر قمع الجبابرة، وقطع دابر الظالمين، وخراب ديار الماردين، وما شابه ذلك. وهو ذكر يليق بالسالكين فى مبادئ الرياضات والمنتهين فى مقامات التجلّى إلى الخلوة؛ وهو من الأسرار العجيبة، ولا يذكره من غلبته الشيخوخة إلّا وجد فى قلبه خفقانا بالخاصيّة، ولا يذكره محموم إلا برئ من حمّاه لوقته، وإن كتبه وعلّقه عليه دامت صحّته. دعاء يدعى به فى الساعة السادسة من يوم الأحد، وفى الأولى من ليلة الاثنين وفى الثالثة من يوم الاثنين، وفى العاشرة من ليلة الثلاثاء وفى الثانية عشرة من يوم

стр. 1848

الثلاثاء، وفى السابعة من ليلة الأربعاء وفى التاسعة من يوم الأربعاء، وفى الرابعة من ليلة الخميس وفى السادسة من يوم الخميس، وفى الرابعة من ليلة الجمعة وفى الثالثة من يوم الجمعة، وفى الأولى من ليلة السبت وفى الثانية عشرة من يوم السبت، وفى العاشرة من ليلة الأحد. وهو: «رب صفّنى [من كدرات الأغيار [١]] صفاء من صفّته يد عنايتك من نقص التكوين [٢] حتى ينجلى فى مرآة قلبى ومستوى نفسى كلّ اسم انطبع فى قوّة جبرائيل فقوى به على كشف ما فى اللوح من أسرار أسمائك ومجامع رسائلك، فكلّ نفس منفوسة امتدّت لها من دقائقه [٣] دقيقة طرفها منه والثانى لمن هو به، ومجامع هذه الدقائق [٣] فى دقيقة [٣] الاسم الجبرائيلى العالم العليم العّلام، يا ذا الكرم الذى علّم بالقلم، فموادّ الوحى والإلهام والتحديث والفهم تسرى بنفحة منه فى هذه الساعة إلى مثلها. إلهى منطقنى بالدقيقة العظمى منه حتى أتلقّى عنك بما به تلقّى [عنك جبرائيل [١]] مما أملأ به وجودى بلا ميل لغلبة حتى أتلذّذ بمصافاتك تلذّذ جبريل برسائلك، إنك علّام الغيوب» . قال: من دعا به خمسا وعشرين مرة فى ساعة من هذه الساعات ألهم رشده فى عواقب أموره. والاسم اللائق بهذا الدعاء يا علّام الغيوب يا عالم الخفيّات وما شاكل هذا النمط من الأسماء، ومن القرآن العظيم وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ الآية. قال: وهو من الكبريت الأحمر وبعضه من الدّرياق الأكبر. وهذا الذكر للذى فتح عليه باب من المعارف فإنّه مهما استدامه ألهم قلبه إلى علوم جليلة، ويخاطب

стр. 1849

فى نفسه بإلقاءات [١] من وحى الإلهام، ويخاطبه الحيوان بمعنى يفهمه فيستفيد علوما عظيمة، يعرف ذلك أرباب المنازلات لفهم الحديث. دعاء يدعى به فى الساعة السابعة من يوم الأحد، وفى الثانية من ليلة الاثنين وفى الرابعة من يوم الاثنين، وفى الحادية عشرة من ليلة الثلاثاء وفى الأولى من يوم الثلاثاء، وفى الثامنة من ليلة الأربعاء وفى العاشرة من يوم الأربعاء، وفى الخامسة من ليلة الخميس وفى السابعة من يوم الخميس، وفى الخامسة من ليلة الجمعة وفى الرابعة من يوم الجمعة، وفى الثانية من ليلة السبت وفى الأولى من يوم السبت، وفى الحادية عشرة من ليلة الأحد. وهو: «ربّ أوقفنى موقف العزّ حتّى لا أجد فىّ ذرّة ولا رقيقة ولا دقيقة إلا وقد غشّاها من عزّ عزّتك ما منعها من الذّلّ لغيرك، حتى لا أشهد ذلّ من سواى لعزّتى بك مؤيّدا برقيقة من الرعب يخضع لها [٢] كلّ شيطان مريد، وجبّار عنيد؛ وأبق علىّ ذلّ العبوديّة فى العزّة بقاء يبسط لسان الاعتراف، ويقبض لسان الدعوى، إنّك العزيز الجبّار المتكبّر القّهار» . قال: من دعا بهذا الدعاء فى هذه الساعة أو فى ساعة من هذه الساعات ستّ عشرة مرة بعد صلاة [٣] وحضور قلب نصر على أىّ عدوّ قصده ظاهرا وباطنا. دعاء يدعى به فى الساعة الثامنة من يوم الأحد، وفى الثالثة من ليلة الاثنين وفى الخامسة من يوم الاثنين، وفى الثانية عشرة من ليلة الثلاثاء، وفى الثانية من يوم

стр. 1850

الثلاثاء، وفى التاسعة من لبلة الأربعاء وفى الحادية عشرة من يوم الأربعاء، وفى السادسة من ليلة الخميس وفى الثامنة من يوم الخميس، وفى السادسة من ليلة الجمعة وفى الخامسة من يوم الجمعة، وفى الثالثة من ليلة السبت وفى الثانية من يوم السبت، وفى الثانية عشرة من ليلة الأحد. وهو: «إلهى أطلع على وجودى شمس شهودى منك فى الأكوان والألوان حتى أمشى بما أشهدتنى فى آفاق الملكوت فأكشف منه معنى كلمة التكوين فينفعل لى كلّ مكوّن انفعاله للكلمة بإذنك الذى سخّرت به ما فى الوجودين بلا ظلمة وضع ولا ظلمة طبع، إنك منوّر الكلّ بكلّك ومنوّر الأنوار بنورك الذى صدوره عن اسمك النور والظاهر والحى والقيّوم، كلّ شىء هالك إلّا وجهه» الآية. قال البونى: لا يذكر أحد هذا الذكر فى ساعة من هذه الساعات تسعا وأربعين مرة إلا كساه الله نورا يجد ذلك فى نفسه، وييسّر عليه المقسوم من الرزق، وتسرى كلمته فى الأسباب سريانا عجيبا. وهو ذكر يصلح لأرباب المكاشفات يثبت لهم ما يكاشفون. دعاء يدعى به فى الساعة التاسعة من يوم الأحد، وفى الرابعة من ليلة الاثنين وفى السادسة من يوم الاثنين، وفى الأولى من ليلة الثلاثاء وفى الثالثة من يوم الثلاثاء، وفى العاشرة من ليلة الأربعاء وفى الثانية عشرة من يوم الأربعاء، وفى السابعة من ليلة الخميس وفى التاسعة من يوم الخميس، وفى السابعة من ليلة الجمعة وفى السادسة من يوم الجمعة، وفى الرابعة من ليلة السبت وفى الثالثة من يوم السبت، وفى الأولى من ليلة الأحد. وهو: «سيّدى أدخلنى فى بواطن رياض اسمك من الباب الخاصّ الذى لا يحجب بنور ولا بظلمة ولا بشىء منه ولا بشىء خارج عنه، وأطلق يد قواى فى نيل النعمة،

стр. 1851

وألهمنى تحقيق ذوق كلّ مذوق منه حتى أكون بك فيه وأكون فيه بك مبتهجا منك وبك، ربّ إنك لطيف عطوف رحيم رحمن» . قال: هذا الذكر بخاصيّة فيه يجلب الفرح ويذهب الحزن ويطيب الوقت ويجلو الكرب؛ ومن دعا به أربعين مرة فى ساعة من هذه الساعات على طهارة [١] واستقبال فرّج به كربه وانجلى غمّه. دعاء يدعى به فى الساعة العاشرة من يوم الأحد، وفى الخامسة من ليلة الاثنين وفى السابعة من يوم الاثنين، وفى الثانية من ليلة الثلاثاء وفى الرابعة من يوم الثلاثاء، وفى الحادية عشرة من ليلة الأربعاء وفى الأولى من يوم الأربعاء، وفى الثامنة من ليلة الخميس وفى العاشرة من يوم الخميس، وفى الثامنة من ليلة الجمعة وفى السابعة من يوم الجمعة، وفى الخامسة من ليلة السبت وفى الرابعة من يوم السبت، وفى الثانية من ليلة الأحد. وهو: «يا من نسبة العلوم إلى علمه نسبة لا شىء لشىء لا يتناهى، أظهرت الحروف بالقلم فكان لها صريف فى ألواح الملكوت قام لها مقام مخارج الحروف من الحلق والصدر واللها واللسان، كلّ جنس صدر عنه اسم لا يعلم تركيبه سوى ملك قلمك؛ وكلّ نوع صدر عنه مركّبا، فلوح إسرافيل أظهره بقوّة ما فى آحاد كليّاته من جزئيّات تراكيبه، أسألك بهذا السرّ الخفىّ الذى وقف العقل دونه وتقدّم إليك السرّ بسرّ أودعته فيه يوم إمكان وجوده، أسألك كشف حجاب الغيب حتى أعاين الغيب [٢] بما به حىّ الرّوح الباقى، يا حىّ، ياه يا هو، يا أنت يا مهيمن يا خالق يا بارىء أنت هو» .

стр. 1852

قال البونى: هذا الذكر من ذكره فى ساعة من هذه الساعات مائة مرة يسّر له قضاء أىّ حاجة قصدها بغير مشقّة. دعاء يدعى به فى الساعة الحادية عشرة من يوم الأحد، وفى السادسة من ليلة الاثنين وفى الثامنة من يوم الاثنين، وفى الثالثة من ليلة الثلاثاء وفى الخامسة من يو الثلاثاء، وفى الثانية عشرة من ليلة الأربعاء وفى الثانية من يوم الأربعاء، وفى التاسعة من ليلة الخميس وفى الحادية عشرة من يوم الخميس، وفى التاسعة من من ليلة الجمعة وفى الثامنة من يوم الجمعة، وفى السادسة من ليلة السبت وفى الخامسة من يوم السبت، وفى الثالثة من ليلة الأحد. وهو: «يا من لوجوده العلىّ باعتبار حكمته إلى كلّ موجود حصل من وجوده [١] اسم يليق به هو مفتاحه الخاصّ، ومعناه المغيّب، وحقيقته الوجودية وسرّه القابل؛ فما فى الأكوان جوهر فرد من جواهر آحاد العالم العلوىّ والسّفلىّ إلا ومقاليد أحكامه متعلّقة باسم من أسمائه، واجتماعها برقائقها بيد اسمك الذى استأثرت به عن جميع خلقك فلم يظهر لهم إلا ما ناسب الأفعال، فأسماؤك إلهى لا تحصى، ومعلوماتك لا نهاية لها، أسألك غمسة فى بحر هذا النور حتى أعود إلى الكمال الأوّل فأتصرّف فى الكون باسم الكمال تصرّفا ينفى النقص بالوقوف على عبوديّة النقص، إنّك المعزّ المذلّ اللطيف الخبير العدل المجيب» . قال: من ذكر هذا الذكر ستّ عشرة مرة فى ساعة من هذه الساعات ثم سأل الله تعالى فيها رزقا [٢] ، ويتسير أسباب، وسكون بحر هائج [٣] ، وسلطان غاصب، ونفس

стр. 1853

متمرّدة من شيطانى الإنس والجنّ وما ناسب ذلك إلّا أجيب له لوقته، وذلك على طهارة وصلاة [١] وجمع همة فى موضع خال من الأصوات. دعاء يدعى به فى الساعة الثانية عشرة من يوم الأحد، والسابعة من ليلة الاثنين والتاسعة من يوم الاثنين، وفى الرابعة من ليلة الثلاثاء وفى السادسة من يوم الثلاثاء، وفى الأولى من ليلة الأربعاء وفى الثالثة من يوم الأربعاء، وفى العاشرة من ليلة الخميس وفى الثانية عشرة من يوم الخميس، وفى العاشرة من ليلة الجمعة وفى التاسعة من يوم الجمعة، وفى السابعة من ليلة السبت وفى السادسة من يوم السبت، وفى الرابعة من ليلة الأحد. وهو: «تعاليت يا من تقاصر كلّ فكر عن حصر مغنى من معانى أسمائه، فكل علوّ ورفعة فمن ذلك [٢] العلوّ والرفعة صدوره ظاهرا وباطنا؛ تقدّس مجدك يا من أستار عرشه أظهر فيها كبرياءه ومجده، أسألك بالصفات التى لا تعلّق لها بموجود، يا ذا العظمة والكبرياء والجلال والجمال والبهاء، أسألك الأنس بمقابلات سرّ القدر أنسا يمحو آثار وحشة الفكر حتى يطيب وقتى بك فأطيب بوقتى لك، فلا يتحرّك ذو طبع لمخالفتى إلا صغر لعظمتك وقصم بكبريائك، إنك جبّار الأرض والسماء، وقاهر الكلّ بقهرك يا مجيب» . قال البونى: من ذكر هذا الذكر سبعا وعشرين مرة فى ساعة من هذه الساعات ودعا [بما يريد [٣]] كفى لوقته [شرّ ما يحاذره [٣]] . فهذه دعوات ساعات الأيّام واللّيالى.

стр. 1854

ذكر ما يدعى به فى المساء والصباح، والغدوّ والرواح، والصلاة والصوم، والجماع والنوم؛ والورد والصدر، والسفر والحضر؛ وغير ذلك . فأمّا ما يقال عند المساء والصباح؛ فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لأبى بكر الصدّيق رضى الله عنه وقد سأله فقال: يا رسول الله مرنى بشىء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. فقال: «قل اللهمّ عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض ربّ كلّ شىء ومليكه أشهد أن لا إله إلّا أنت أعوذ بك من شرّ نفسى وشرّ الشيطان وشركه قلهن إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك» . وكان رسول الله ﷺ إذا أصبح يقول: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبيّنا [٢] محمد ﷺ وملّة أبينا إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين» . وكان ﷺ إذا أصبح قال: «أصبحنا وأصبح الملك والكبرياء والعظمة والخلق والأمر واللّيل والنهار وما سكن فيهما من شىء لله وحده لا شريك له اللهم اجعل أوّل هذا النهار لنا صلاحا وأوسطه فلاحا وآخره نجاحا أسألك خير الدنيا وخير الآخرة يا أرحم الراحمين» . وكان ﷺ يقول إذا أصبح: «اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور» . وإذا أمسى قال: «اللهم بك أمسينا وبك نحيا وبك نموت» . وعنه ﷺ أنه قال: «من قال حين يصبح أو يمسى اللهم أنت ربّى لا إله إلّا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شرّ ما صنعت أبوء

стр. 1855

لك [١]] بنعمتك [عليك [١]] وأبوء بذنبى فاغفرلى إنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت فمات من يومه أو من ليلته دخل الجنة» . وعنه ﷺ أنه قال: «من قال لا إله إلّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شىء قدير بعد ما يصلّى الغداة عشر مرّات كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيّئات ورفع له عشر درجات وكنّ له عدل رقبتين من ولد إسماعيل وكنّ له حجابا من الشيطان حتّى يمسى فإن قالها حين يمسى كان له مثل ذلك وكنّ له حجابا من الشيطان حتى يصبح» ، وفى رواية: «من قالها فى يوم مائة مرّة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيّئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتّى يمسى ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه ومن قال سبحان الله وبحمده فى اليوم مائة مرة حطّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» . وعنه ﷺ أنه قال: «من قال حين يمسى أعوذ بكلمات الله التامّات كلّها من شرّ ما خلق لم تضرّه لدغة عقرب حتى يصبح» . وعنه ﷺ : «من قال حين يصبح فى أوّل يومه أو فى أوّل ليلته باسم الله الذى لا يضرّ مع اسمه شىء فى الأرض ولا فى السماء وهو السميع العليم ثلاثا لم يضرّه شىء فى ذلك اليوم أو تلك الليلة» . وعنه ﷺ . «من قال إذا أصبح باسم الله العلىّ الأعلى الذى لا ولد له ولا صاحبة ولا شريك أشهد أنّ نوحا رسول الله وأنّ إبراهيم خليل الله وأنّ موسى نجىّ الله وأنّ داود خليفة الله وأنّ عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وأنّ محمدا رسول الله وخاتم النبيّين لا نبىّ بعده لم تلسعه حيّة ولا عقرب ولم يخف من سلطان ولا كاهن ولا ساحر حتى يمسى وإذا قالها إذا أمسى لم يخف شيئا من ذلك حتى يصبح» .

стр. 1856

وأمّا ما يقال عند النوم؛ روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وإذا أخذت مضجعك فتوضّا وضوءك للصّلاة ثم اضطجع على شقّك الأيمن ثم قل أسلمت وجهى إليك وفوّضت أمرى اليك وألجأت ظهرى إليك رهبة ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك اللهم آمنت بكتابك الذى أنزلت ونبيّك الذى أرسلت فإن متّ من ليلتك متّ على فطرة الإسلام واجعلهنّ آخر ما تتكلّم به» . قال البراء بن عازب: فردّدتها على النبىّ ﷺ ، فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذى أنزلت قلت: ورسولك قال: «ونبيك الذى أرسلت» . وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قام من اللّيل يقول: «اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ولك الحمد أنت قيّام السموات والأرض ومن فيهنّ أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنّة حق والنار حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكّلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لى ما قدّمت وما أخّرت [١] وما أسررت وما أعلنت أنت إلهى لا إله إلا أنت» . وأمّا ما يقال عند دخول المنزل والمسجد والخروج منهما؛ روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذ ولج الرجل بيته فليقل باسم الله اللهم إنّى أسألك خير المولج وخير المخرج باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنا وعلى الله توكّلنا ثم ليسلّم على أهله» . وعنه ﷺ : «إذا دخل الرجل بيته فقال باسم الله قعد الشيطان على الباب وقال ما من مقيل فهل من غداء فاذا أتى بغدائه فقال باسم الله

стр. 1857

قال ما من غداء ولا مقيل» . وعنه ﷺ : «إذا خرج الرجل من بيته فقال سبحان الله قال الملك هديت واذا قال لا حول ولا قوّة إلا بالله قال الملك وقيت فإذا قال توكّلت على الله يقول الملك كفيت يقول الشيطان عند ذلك كيف أعمل بمن كفى وهدى ووقى» . وعن أمّ سلمة رضى الله عنها قالت: ما خرج رسول الله ﷺ من بيته صباحا قطّ إلا قال: «اللهم إنّى أعوذ بك أن أزلّ أو أضلّ أو أظلم أو أجهل أو يجهل علىّ» . وعنه ﷺ : «ما من مسلم خرج من بيته يريد سفرا أو غيره فقال حين يخرج باسم الله آمنت بالله اعتصمت بالله توكّلت على الله لا حول ولا قوّة إلا بالله إلا رزق خير ذلك المخرج وصرف عنه شرّ ذلك المخرج» . وعن أبى سعيد رضى الله عنه قال فضيل بن مرزوق- أحسبه رفعه- قال: «من قال حين يخرج إلى الصّلاة اللهم إنى أسألك بحقّ السائلين عليك وبحقّ ممشاى هذا إنى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت خوف سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذنى من النّار وأن تغفر ذنوبى إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وكلّ الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته» . وعن فاطمة [١] رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: «باسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لى وافتح لى أبواب رحمتك وإذا خرج قال باسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح لى أبواب فضلك» . وقال ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لى أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إنى أسألك من فضلك» .

стр. 1858

وأمّا ما يقال عند النداء؛ فقد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «إذا كان عند الأذان فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء وإذا كان عند الإقامة لم تردّ دعوة» . وعنه ﷺ : «من قال حين يسمع المؤذّن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربّا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه» . وعنه ﷺ أنه قال: «من سمع المؤذّن فقال اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته حلّت له شفاعتى يوم القيامة» .- وعنه ﷺ : «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا علىّ فإنه من صلّى علىّ مرّة صلى الله عليه بها عشرا» . وأمّا ما يقال عند دخول الخلاء؛ فقد كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث» وإذا خرج قال «غفرانك» . وفى لفظ إذا خرج قال: «الحمد لله الذى أذهب عنّى الأذى وعافانى» . وعن أنس رضى الله عنه قال: كان النبىّ ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إنّى أعوذ بك من الرّجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم» ، وإذا خرج قال: «الحمد لله الذى أذهب عنّى الأذى وعافانى» . وأمّا ما يقال عند الوضوء وغسل الأعضاء؛ قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» . وعن علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه قال: قال لى رسول الله ﷺ : «يا علىّ

стр. 1859

إذا توضّأت فقل باسم الله والصلاة على رسول الله» . وعن محمد بن الحنفيّة قال: دخلت على والدى علىّ بن أبى طالب- رضى الله عنهما- وإذا عن يمينه إناء من ماء، فسمّى ثم سكب على يمينه ثم تمضمض فقال: اللهم حصّن فرجى واستر عورتى ولا تشمت بى الأعداء؛ ثم تمضمض واستنشق وقال: اللهم لقّنّى حجّتى ولا تحرمنى رائحة الجنّة. ثم غسل وجهه وقال: اللهم بيّض وجهى يوم تسودّ الوجوه ولا تسوّد وجهى يوم تبيضّ الوجوه. ثم سكب على يمينه فقال: اللهم أعطنى كتابى بيمينى والخلد بشمالى. ثم سكب على شماله وقال: اللهم لا تعطنى كتابى بشمالى ولا تجعلها مغلولة إلى عنقى. ثم مسح برأسه وقال: اللهم غشّنا برحمتك فإنّا نخشى عذابك، اللهم لا تجمع بين نواصينا وأقدامنا. ثم مسح عنقه فقال: اللهم نجّنا من مقطّعات [١] النيران وأغلالها. ثم غسل قدميه فقال: اللهم ثبّت قدمىّ على الصراط المستقيم يوم تزلّ فيه الأقدام. ثم استوى قائما فقال: اللهم كما طهّرتنا بالماء فطهّرنا من الذنوب، ثم قال بيده هكذا، يقطر الماء من أنامله، ثم قال: يا بنىّ، افعل كفعلى هذا فإنه ما من قطرة تقطر من أناملك إلا خلق الله منها ملكا يستغفر لك إلى يوم القيامة. يا بنىّ؛ من فعل كفعلى هذا تساقطت عنه الذنوب كما يتساقط الورق عن الشجر يوم الريح العاصف. وعن علىّ رضى الله عنه قال: دعانى رسول الله ﷺ فقال: «يا علىّ إذا توضّأت فقل اللهم إنى أسألك تمام الوضوء وتمام مغفرتك ورضوانك» . وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن النبىّ ﷺ قال: «من توضّأ فأحسن وضوءه ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صادقا من قلبه فتح الله له ثمانية أبواب الجنّة يدخل من أيّها شاء» . وعن

стр. 1860

علىّ رضى الله عنه قال: قال لى رسول الله ﷺ : «يا علىّ إذا فرغت من وضوئك فقل أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلنى من التوّابين واجعلنى من المتطهّرين تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمّك وتفتح لك ثمانية أبواب الجنة فيقال ادخل من أيّها شئت» . وأمّا ادعية الصلاة، فهى إمّا أن تقع قبلها أو فيها أو بعدها. فأمّا ما يقال قبلها فقد روى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها بأىّ شىء كان نبىّ الله ﷺ يفتتح الصلاة إذا قام من الليل؟ قالت: إذا قام يفتتح صلاته يقول: «اللهم ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنى لما اختلفت فيه من الحقّ بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم» . وأمّا ما يدعى به فى نفس الصلاة، فقد روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ثم يقول: «سبحانك اللهمّ وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: كان النبىّ ﷺ إذا كبّر فى الصلاة سكت هنيّة قبل أن يقرأ. فقلت: يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، ما تقول فى سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: «أقول اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقّنى من الخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض من الدّنس واغسلنى من خطاياى بالثلج والماء والبرد» . وعن جبير بن مطعم رضى الله عنه أنه رأى
следующие страницы →