← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

أنّ قرابته من فضله أمسّ؛ والله يعلم أنّنى لأرى له ولا أرى فيه، وأسدّ عنه كلّ خرق تعجز عنه يد رافيه؛ ضنّا بالصدور أن تخلو من صدر كقلبها، ومحاماة عن حقوق تقدمته التى أوجبها أن تعارض بسلبها. ومن آخر: وصل كتاب الحضرة فجعل مستقرّه النّعمة فى الصدور، وأخرجتنى ظلمات خطّه إلى نور السرور؛ ووقفت وكأنّى واقف على طلل من الأحبّة قد بكى عليه السحاب بطلّه، وابتسم له الروض عن أخبار أهله وآثار منهلّه؛ فلم أزل أرشف مسك سطوره ولماها، وأنزّه العين والقلب بين حسنها وجناها؛ وأطلق عنان شوق جعلت الأقلام له لجما، وحسبت النّقس ليلا، والكتاب طيفا، والوقوف عليه حلما؛ إلى أن قضت النفوس وطرا، وحملت الخواطر خطرا، وقرنت «١» بما ظنّه سحابا ما ظنّه مطرا؛ هذا على أنه قريب العهد بيد النّعماء، فإن هرب فمن ماء إلى ماء. ومن آخر: فلمّا وقف على الكتاب جدّد العهد بلثمه ما لم يصل إلى اليد [التى «٢» ] بعثته، وشفى القلب بضمّه عوضا عن الجوانح التى نفثته وأين المطامع من وصله ... ولكن أعلّل قلبا عليلا. ومن آخر: وصل كتابه، وكان من لقائه طيفا إلا أنه أنس بالضّحى، وأثار حرب الشوق وكان قطب الرّحى تخطّى إلىّ الهول والقفر دونه ... وأخطاره لا أصغر الله ممشاه.

стр. 2592

ومن كلامه ﵀ يصف بلاغة كتاب، قال: كتاب إلى نحرى ضممته، وذكرت به الزمن الذى ما ذممته، وأكبرت قدره فحين تسلّمته [استلمته «١» ] والتقطت زهره فحين لمحته استملحته، وامتزج بأجزاء نفسى فحين لحظته حفظته؛ وجمعت بينه وبين مستقرّه من صدرى، واستطلت به مع قصره على حادثات دهرى، وجعلت سحره بين سحرى «٢» ونحرى، واستضأت به ورشفته فهو نهارى وهو نهرى؛ فإن أردت العطر بلا أثر أمسكت مسكه بيدى، وإن أردت السكر بلا إثم أدرت كأسه فى خلدى؛ فلله أنامل رقمته، ما أشرف آثارها! وخواطر أملته، ما أشرق أنوارها! ولم أزل متنقلا منه بين روضة فيها غدير، وليلة فيها سمير؛ وإمارة لها سرير، ومسرّة أنالها طليق أسير، ونعمة أنا لها عبد بل بها أمير؛ حتى أدبرت عنى جيوش الأسى مفلوله، وقصرت عنّى يد الهمّ مغلوله؛ وملئت منّى مسامع المكارم حمدا، وخواطر الصنائع ودّا؛ وحطّ الأمل بربعى رحله، وأنبت الربيع بفنائى بقله؛ ولبست من الإقبال أشرف خلعه، ووردت من القبول أغزر شرعه، وانتجعت من رياض الرجاء أرجى نجعه. وقال أيضا من آخر: هذا من عفو الخواطر، فكيف إذا استدعى المجلس خطّيّة «٣» خطّه فجاءت تعسل «٤» ، وحشد حشود بلاغته فأتت من كل حدب «٥» تنسل!.

стр. 2593

ومن آخر: ورتع فى رياض بلاغته التى لم يقتطفهنّ من قبله غارس ولا جان، واجتلى الحور المقصورات فى الطروس التى لم يطمثهنّ «١» إنس قبله ولا جانّ؛ وغنى بتلك المحاسن غنى خيرا من المال، واعتقد «٢» فيها كنوزا إذا شاء أنفق منها الجمل، وإذا شاء أمسك منها الجمال. وقال أيضا: كتاب اشتمل على بديع المعانى وباهرها، وزخرت بحار الفضل إلا أننى ما تعبت فى استخراج جواهرها؛ بل سبحت حتى تناولتها، وجنحت إلىّ فما حاولتها؛ واقتبست من محاسن أوصافه، وبدائع أصنافه؛ نكتا استقلت أجسادها بالارواح، وزهيت جيادها بما فيها من الغرر والأوضاح؛ فيا لله من بدائع وروائع، ولطائف وطرائف! فيها ما تشتهى الأنفس وتلذّ الأعين، وما يقرّط الأسماع ويقرّط «٣» الألسن؛ فكأنه طرف طرف «٤» صوبه مدرار، وعلم علم منصوب فى رأسه نار؛ صحّح السحر وإن كان ظنّا، وفضح الدّرّ إذ كان أبرع معنى، وأسنى حسنا، وأدنى مجنى، وأغنى مغنى؛ فما ضره تأخير زمانه، مع تقدّم بيانه؛ ولا من سبقه فى عصره، مع أنه قد سبق فى شعره.

стр. 2594

ومن آخر: ولله هو من كتاب لمّا وقفت عليه الغلّة شفاها، ورأت وردها كلّ ماء غيره سفاها «١» ، ووطّأ مضاجع أنسها بعد أن كان الشوق يقلّب «٢» الجنوب على سفاها «٣» ؛ فلا عدم ودّها الذى به عن كلّ مودّة سلوة، ولا برحت كفاية الله تحلّها فى الذّرا وتعلى قدرها فى الذّروه، ولا فقد مما ينعم به أىّ نعمه، ولا مما ينشيه أىّ نشوه. ومن آخر: كتاب كريم تبسّم إلىّ ضاحكا، وظنّ مداده أنه قد جلا سطره علىّ حالكا؛ فما هو إلّا سواد الحدقة منه انبعثت الأنوار، وما هو إلا سويداء «٤» ليلة الوصل اشتملت على دجى تحته نهار، فلله هو من كتاب استغفر الدهر ذنب المشيب بسواده، واستدرك الزمان غلطه بسداده. ومن آخر: كتاب تقارعت الجوارح عليه فكادت تتساهم، فقالت اليد: أنا أولى به، شددت على مولاه ومولاى عقد خنصرى، ورفعت اسمه فوق منبرى؛ وقبضت عليه قبضتى، وبسطت فى بسط راحته وقت الدّعاء راحتى؛ وقالت العين: أنا أولى به، أنا وعاء شخصه، والىّ يرجع القلب فى تمثيله ونصّه «٥» ؛ وأنا سهرت بعد رحيله وحشة، وأنا إذا ذكر هجير القلب عللته «٦» رشّة بعد رشّة؛ فقال القلب: طمعتها فى حقّى لأنى غائب، وهل أنت لى يايد إلّا خادم؟ وهل أنت لى

стр. 2595

يا عين إلا حاجب؟ أنا مستقرّه ومستودعه، ومرتعه ومشرعه، وأنا أذكره وبه أذكركما، وأحضره ولخدمته أحضركما؛ فاليد استخدمها مرّة فى الكتابة إليه، ومرّة فى شدّ الخنصر عليه؛ ومرّة فى الإشارة الى فضله، ومرّة فى الدعاء بكلّ صالح هو من أهله؛ والعين استخدمتها فى ملاحظة وجهه آئبا، وفى توقع لقائه غائبا «١» ؛ وفى السهد شوقا الى قربه، والمطالعة لما يخرج أمرى بكتبه من كتبه؛ فهنالك سلّمتا واستجرّتا «٢» ، وألقتا واستأخرتا؛ وكدت أرشف نقسه «٣» لأنقله الى سويداه، لولا أنّ سواد العين قال: أنا أحوج الى الاستمداد من هداه. ومن كلامه رحمه الله تعالى ما ركّب نصف قرائنه على نصف بيت نحو قوله: وصل كتاب مولاى بعد ما ... أصات «٤» المنادى للصلاة «٥» فأعتما فلما استقرّ لدىّ، «تجلّى الذى من جانب البدر أظلما» فقرأته، «بعين اذا استمطرتها أمطرت دما» وساءلته، «فساءلت مصروفا عن النطق أعجما» ولم يردّ جوابا، «وماذا عليه لو أجاب المتيّما» وردّدته قراءة، «فعوجلت دون الحلم أن أتحلما» وحفظته، «كما يحفظ الحرّ الحديث المكتّما» وكرّرته، «فمن حيثما واجهته قد تبسّما» وقبّلته، «فقبّلت درّا فى العقود منظّما» وقمت له، «فكنت بمفروض

стр. 2596

المحبّة قيّما» وأخلصت لكاتبه، «وليس «١» على حكم الحوادث محكما» ولم أصدّفه «٢» ، «ولكنّه قد خالط اللحم والدما» وأرّخت وصوله، «فكان لأيام المواسم موسما» وداويت عليل «حشا ضرّ ما فيه من النار ضرّما» وشفيت غليل «فؤاد أمنّيه وقد بلغ الظما» فأما تلك الأيام التى «حماها من «٣» اللوم المقام على الحمى» والليالى العذاب التى «ملأن نحور الليل بيضا «٤» وأنجما» [فإنّى «٥» لأذكرها، «بصبر كما قد صرّمت قد تصرّما» ] وأرسل «٦» الزفره «فلو «٧» صافحت رضوى لرضّ «٨» وهدّما» وأرسل العبره، «كما أنشأ «٩» الأفق السحاب المديّما «١٠» » وأخطب السلوه، «فأسأل معدوما وأقفل «١١» معدما»

стр. 2597

فأما الشكر فإنما «أفضّ به مسكا عليك مختما» وأقوم منه بفرض «أرانى به دون البريّة أقوما» وأوفّى واجب قرض، «وكيف توفّى الأرض قرضا من السما» . وقال أيضا: وصل «١» كتاب الحضرة بعد أن عددت الليالى لطلوع صديعه «٢» «وقد عشت دهرا لا أعدّ اللياليا» ، وبعد أن انتظرت القيظ والشتاء لفصل ربيعه «فما للنوى ترمى بليلى المراميا» ! واستروحت إلى نسيم سحره، «إذا الصيف ألقى فى الديار المراسيا» ومددت يدى لاقتطاف ثمره، «فلله ما أحلى وأحمى المجانيا «٣» !» ووقفت على شكواه من زمانه، «فبث لشكواه من الدهر شاكيا» وعجبت لعمى الحظّ عن مكانه «وقد جمع الرحمن فيه المعانيا» وتوقّعت له دولة يعلو بها الفضل «إذا هزّ من تلك اليراع عواليا» ورتبة يرتقى صهوتها بحكم العدل «فربّ مراق يعتددن مهاويا» وإلى الله أرغب فى إطلاع سعوده، «زواهر فى أفق المعالى زواهيا» وفى إنهاض عثرات جدوده، «فقد أعثرت بعد النهوض المعاليا» . وقال أيضا: وصل من الحضرة كتاب به ماء الحياة ونقعة ال ... حيا فكأنى إذ ظفرت به الخضر ووقف عبدها منه على عقود هى الدرّ الذى أنت بحره ... وذلك ما لا يدّعى مثله البحر

стр. 2598

ورتعت منه فى رياض [يد «١» ] تجنى وعين وخاطر ... تسابق فيها النّور والزهر والثّمر «٢» وكرعت منه فى حياض تسرّ مجانيها اذا ما جنى الظما ... وتروى مجاريها اذا بخل القطر وما زلت منه أنشد كانّى سار فى سريرة ليلة ... فلمّا بدا كبّرت إذ طلع الفجر ووافى على ما كنت أعهد ف خلت بأنّ العين من سحب كفّه ... فمن ذى ومن ذى [فيه «٣» ] ينثر الدرّ وأسترجع فائت الدنيا من مورده وما كان عندى بعد ذنب فراقه ... بأنّى أرى يوما به يعد الدهر ونفّس عن النفس بأبيض ثماده «٤» ، ... وعن العين بأسود إثمده به لهما سبح طويل فهذه ... على خاطر برد وفى خطر «٥» بدر وجدّد اليه أشواقا جديدها يمرّ به ثوب الجديدين دائما ... فيبلى ولا تبلى وإن بلى الدهر وذكّر أياما لا يزال يستعيدها وهيهات أن يأتى من الدهر فائت ... فدع عنك هذا الأمر قد قضى الأمر.

стр. 2599

وكلام «١» القاضى الفاضل- ﵀ كثير، بأيدى الناس منه عدّة مجلّدات، أخبرنى من أثق بقوله من القضاة الحكام الأعيان أنه يزيد على خمسين مجلّدا قد جمعت، أما ما لم يجمعه الناس فكثير جدا؛ وقد نقل بعض من أرّخ، أنه وجد للقاضى الفاضل مسوّدات كتب صدرت عنه وأجوبة تزيد اذا جمعت على مائة مجلّد، ولا يحتمل الحال أن نورد له أكثر مما أوردناه، ورسائله المختارة كثيرة قد يكون فيها أجود مما اخترناه ونحوه، وإنما أوردنا له ما حضر فى هذا الوقت، إذ لم يمكن البحث عن كلامه والاستقصاء، وإن كان كلّ رسائله مختارة ﵀. ذكر شىء من رسائل الشيخ الإمام الفاضل ضياء الدين أبى العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العابد القدوة أبى عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن عمر «٢» بن عبد المنعم الأنصارىّ القرطبىّ ﵀،- وكانت وفاته بقنا من أعمال قوص فى سنة اثنتين وسبعين وستمائة- كتب إلى شيخنا الإمام العلّامة تقىّ الدين محمد ابن الشيخ الإمام الحبر مجد الدين أبى الحسن علىّ بن وهب بن مطيع القشيرىّ المعروف بابن دقيق العيد رحمهم الله تعالى: تخدم المجلس العالى صفات يقف الفضل عندها، ويقفو الشرف مجدها، وتلتزم المعالى حمدها؛ وسمات يبتسم ثغر الرياسة منها، وتروى أحاديث السيادة عنها؛ الصدرىّ الرئيسىّ المفيدىّ؛ معان استحقّها بالتمييز، واستوجبها بالتبريز، وسبكته الإمامة لها فألفته خالص الإبريز؛ ومعال أقرّته فى سويدائها، وأطلعته فى سمائها،

стр. 2600

وألبسته أفضل صفاتها وأشرف أسمائها؛ العلّامىّ الفاضلىّ التقوىّ؛ نسب اختص به اختصاص التشريف، لا تعريفا «١» فالشمس تستغنى عن التعريف؛ لا زالت إمامته كافلة بصون الشرائع، واردة من دين الله وكفالة أمّة رسول الله أشرف الموارد وأعذب الشرائع «٢» ، آخذة بآفاق سماء الشرف فلها قمراها والنجوم الطّوالع «٣» ، قاطعة أطماع الآمال عن إدراك فضله وما زالت تقطّع أعناق الرجال المطامع «٤» ، صارفة عن جلاله مكاره الأيام صرفا لا تعتوره القواطع، ولا تعترضه الموانع؛ وينهى ورود عذرائه التى «لها الشمس خدن «٥» والنجوم ولائد» وحسنائه التى «لها الدرّ لفظ والدّرارى «٦» قلائد» ومشرّفته التى «لها من براهين البيان شواهد» وكريمته التى «لها الفضل ورد والمعالى موائد «٧» ووديعته التى «لها بين أحشائى وقلبى معاهد» وآيته الكبرى التى دلّ فضلها ... على أن من لم يشهد الفضل جاحد وأنك سيف سلّه الله للهدى ... وليس لسيف سلّه الله غامد

стр. 2601

فلمثلها يحسن صوغ السوار، ولفضلها يقال: «أناة أيها الفلك المدار» وإنها فى العلم أصل فرع نابت، والأصل علّة النشأة والقرار، وفرع أصل «١» ثابت، والفرع فيه الورق والثمار؛ هذه التى وقفت قرائح الفضلاء على استحسانها، وأوقفتنى «٢» على قدم التعبّد لإحسانها، وأيقنت أنّ مفترق الفضائل مجتمع فى إنسانها، وكنت أعلم علمها بالأحكام الشرعية فاذا هى فى النثر ابن مقفّعها، وفى القصائد أخو حسّانها؛ هذه وأبيك أمّ الرسائل المبتكره، وبنت الأفكار التى هذّبتها الآداب فهى فى سهل الإيجاز البرزة «٣» وفى صون الإعجاز المخدّره، والمليئة ببدائع البدائه، فمتى تقاضاها متقاض لم تقل: «فنظرة الى ميسرة» ؛ والبديعة التى لم توجّه اليها الآمال فكرها لاستحالة غير مسبوق بالشعور، ولم تسم اليها مقل الخواطر لعدم الإحاطة بغيب الصدور قبل الصدور، والبديهة التى فصّل البيان كلماتها تفصيل الدرر بالشذور؛ إنّ كلمها ليميس فى صدورها وإعجازها، ويختال فى سطورها وإعجازها، وتنثال «٤» عليها أغراض المعانى بين إسهابها وإيجازها؛ فهى فرائد ائتلفت من أفكار الوائلىّ والإيادىّ، وقلائد انتظمت انتظام الدرارىّ، ولطائم «٥» فضّت عن العنبر الشّحرىّ «٦» والمسك الدارىّ «٧» ؛ لا جرم أن غوّاصى الفضائل ظلوا فى غمراتها خائضين، وفرسان

стр. 2602

الكلام أضحوا فى حلباتها راكضين، وأبناء البيان تليت عليهم آياتها «فظلّت أعناقهم لها خاضعين» . ما إن لها فى الفضل مثل كائن ... وبيانها أحلى البيان وأمثل فالعجز عنها معجز «١» متيقّن ... ونبيّها بالفضل فينا مرسل ما ذاك إلا أنّ ما يأتى به ... وحى الكلام على اليراعة ينزل بزغت شمسا لا ترضى غير صدره فلكا، وانقادت معانيها طاعة لا تختار سواه ملكا، وانتبذت بالعراء فلا تخشى إدراك الإنكار ولا تخاف دركا، وندّت شواردها فلا تقتنصها الخواطر ولو نصبت هدب الجفون شركا فللأصائل «٢» فى عليائها سمر ... إن الحديث عن العلياء أسمار «٣» وللبصائر هاد من فضائلها ... يهدى أولى الفضل إن ضلّوا وإن جاروا بادى الإبانة لا يخفى على أحد ... «كأنه علم فى رأسه نار» أعجب بها من كلم جاءت كغمام الظّلال على سماء الأنهار! وسرت كعليل النسيم عن أندية الأسحار، وجليت محاسنها كلؤلؤ الطلّ على خدود الأزهار، وتجلّت كوجنة الحسناء فى فلك الأزرار، وأهدت نفحة الروض متأوّد الغصن بليل الإزار، فأحيتنا بذلك النفس المعطار، وحيّتنا بأحسن [من «٤» ] كأسى لمى وعقار، وآسى ريحان وعذار؛

стр. 2603

ولؤلؤى حبب وثغر، وعقيقى شفة وخمر، وربيعى زهر ونهر، وبديعى نظم ونثر؛ ولم أدر ما هى أثغور ولائد؟ أم شذور قلائد؛ أم توريد خدود، أم هيف قدود؛ أم نهود صدور، أم عقود نحور؛ أم بدور ائتلفت فى أضوائها، أم شموس أشرقت فى سمائها؟ جمعن شتيت الحسن من كلّ وجهة ... فحيّرن أفكارى وشيّبن مفرقى وغازلها قلبى بودّ محقّق ... وواصلها ذكرى بحمد مصدّق وما كنت عشّاقا لذات محاسن ... ولكن من يبصر جفونك يعشق ولم أدر والألفاظ منها شريفة ... الى البدر تسمو أم إلى الشمس ترتقى إنما هى جملة إحسان يلقى الله الرّوح من أمره على قلبها، أو روضة بيان «تؤتى أكلها كلّ حين بإذن ربّها» ؛ أو ذات فضل اشتملت على ذوات الفضائل، وجنت ثمر العلوم فأجنتها بالضحى والأصائل؛ أو نفس زكت فى صنيعها، ونفث روح القدس فى روعها؛ فسلكت سبل البيان ذللا، وعدمت مماثلا فأضحت فى أبناء المعالى مثلا؛ وسرت الى حوز الأمانى والأنام نيام، فوهب لها واهب النعم أشرف الأقسام؛ فجادت فى الإنفاق، ولم تمسك خشية إملاق، وقيّدت نفسها فى طلق «١» الطاعة فجاءها توقيع التفضيل على الإطلاق أبن لى معزاها أخا الفهم إنها ... الى الفضل تعزى أم الى المجد تنسب هى الشمس إلّا أنّ فكرك مشرق ... لإبدائها عندى وصدرى مغرب وقد أبدعت فى فضلها وبديعها ... فجاءت الينا وهى عنقاء مغرب «٢»

стр. 2604

فأعرب عن كلّ المعانى فصيحها ... بما عجزت عنه نزار ويعرب ومذ أشرقت قبل التناهى بأوجها ... عفا فى سناها بدر تمّ وكوكب تناهت علاء والشباب رداؤها ... فما ظنكم بالفضل والرأس أشيب لئن كان ثغرى بالفصاحة باسما ... فثغرك بسّام الفصاحة أشنب وإن ناسبتنى بالمجاز بلاغة ... فأنت إليها بالحقيقة أنسب ومذ وردت سمعى وقلبى فإنها ... لتؤكل حسنا بالضمير وتشرب وإنى لأشدو فى الورى بثنائها ... كما ناح فى الغصن الحمام المطرّب وتشهد أبناء البيان إذا انتدوا ... بأنى من قسّ الإيادى أخطب وإنّى لتدنينى الى المجد عصبة ... كرام حوتهم «١» أوّل الدهر يثرب وانّى إذا خان الزمان وفاءه ... وفىّ على الضراء حرّ مجرّب إباء أبت نفسى سواه وشيمة ... قضى لى بها فى المجد أصل مهذّب ونفس أبت الا اهتزازا إلى العلا ... كما اهتزّ يوم الرّوع رمح ومقضب «٢» ولى نسب فى الأكرمين تعرّفت ... إليه المعالى فهو ريّان «٣» مخصب «٤» نمته أصول فى العلاء أصيلة ... لها المجد خدن والسيادة مركب تلاقى عليه المطعمون تكرّما ... اذا احمرّ «٥» أفق بالمجرّة «٦» مجدب من اليمنيّين الذين سما بهم ... الى العزّ بيت فى المعالى مطنّب

стр. 2605

قروا تبّعا بيض المواضى ضحاءه «١» ... وكوم «٢» عشار بالعشيّات تضهب «٣» فرحّله الجود العميم ومنصل «٤» ... له الغمد شرق والذوائب مغرب وهم «٥» نصروا والدين عزّ نصيره ... وآووا وقد كادت يد الدين تقضب وخاضوا غمار الموت فى حومة الوغى ... فعاد نهارا بالهدى وهو غيهب أولئك قومى حسبى الله مثنيا ... عليهم وآى الله تتلى وتكتب هذه اليتيمة أيدك الله ملحتها الإحماض «٦» ، وتحليتها «٧» الألفاظ فى أبعاض الاعتراض لتسرح مقل «٨» الخواطر فى مختلفات الأنواع، ويتنوع «٩» الوارد على القلوب والأسماع، وإلا فلا تماثل فى الأدوات، وان وقع التماثل فى الذوات، كالجمع بين النّوريّة فى

стр. 2606

السراج والشمس، واشتمال الإنسانيّة على «١» القلامة والنفس، والتوارد الإدراكىّ بين كلّىّ بالعقل، وجزئىّ بالحسّ «٢» ؛ وكالعناصر فى افتقار الذوات اليها، وان تميّزت الحرارة عليها؛ وكالمشاركة الحيوانيّة فى البضعة اللسانيّة، واختصاص الناطقيّة بالذات الإنسانيّة؛ فسيّدنا ثمر الروض ونسيمه، وسواه ثراه وهشيمه، وزهره وأنداؤه، وغيره شوكه وغثاؤه؛ والبدر وإشراقه، وسواه هلاليّته ومحاقه؛ اشتراك فى الأشخاص، وامتياز فى الخواصّ؛ ومشابهة فى الأنواع والأجناس، ومغايرة فى العقول والحواسّ؛ كالورد والشّقيق، والقهرمان «٣» والعقيق؛ تماثلا فى الجواهر والأعراض، وتغايرا فى تمييز الأغراض؛ فسيّدنا من كلّ جنس رئيسه، ومن كلّ جوهر نفيسه؛ وأما حسناء المملوك على مذهبهم فى تسمية القبيح بالحسن، والحسن بالقبيح، والضرير بالبصير والأخرس بالفصيح؛ فما صدّت ولا صدّت يمنى» كاسها. ولا شذّت فى مذهب ولائه عن اطّراد قياسها، ولا زوت عن وجه جلالته وجه إيناسها، ولا جهلت أنه فى العلوم الشرعيّة ابن أنسها، وفى المعانى الأدبيّة أبو نواسها؛ ولا خفى عنها أن سيّدنا مجرى اليمين «٥» ، وفى وجه السيادة إنسان المقلة وغرّة الجبين، والدرّة فى تاج الجلالة

стр. 2607

والشّذرة فى العقد الثمين؛ وأنه الصدر الذى يأرز «١» العلم إلى صدره، وتقترح «٢» عقائل المعانى من فكره، وتأتمّ الهداة ببدره، وتنتمى «٣» الهداية الى سرّه، وانّها فى الإيمان بمحمديّته أمّ عمارة «٤» لا أمّ عمره؛ وانّه غاية فخارها؛ ونهاية إيثارها، [وآية نهارها «٥» ] ومستوطن إفادتها بين شموس فضائله وأقمارها؛ فكيف تصدّ وفيه كلّيّة أغراضها، ومنه علّيّة جملتها وأبعاضها، وفى محلّه قامت حقائق جواهرها وأعراضها؛ لكنّها توارت بالحجاب، ولاذت بالاحتجاب؛ وقرب بالمجلس الكمالى ليكمّل ما بها من نقص كمال وكمال عيب، وتجمع بين حقيقتى إيمان الشهادة والغيب، وتعرض على الرأى التقوىّ سليمة الصدر نقيّة الجيب، وأشهد أنها جاءت تمشى على استحياء وليست كبنت شعيب «٦» ؛ هذا ولم تشاهد وجه حسنائه، ولا عاينت سكينة «٧» حسينه وهند «٨»

стр. 2608

أسمائه، ولا قابلت نيّر فضله وبدر سمائه؛ أقسم لقد كان يصرفها الوجل، ويقيّدها الخجل؛ عالمة أنّ البحر لا يساجل، والشمس لا تماثل؛ والسيف لا يخاشن، والبدر لا يحاسن؛ والأسد لا يكعم «١» ، والطّود لا يزحم؛ والسحاب لا يبارى، والسيل لا يجارى؛ وأنّى تبلغ الفلك هامة المتطاول، «وأين الثريّا من يد المتناول» ؛ تلك عوارف استولت على المعالى استيلاءها على المعالم، وشهدت لها الفضائل بالسيادة شهادة النبوّة بسيادة قيس بن عاصم «٢» ؛ ولا خفاء بواضح هذا الصواب، عند مقابلة البداية بالجواب؛ فالشمس أوضح من ضياء الأنجم ... ما البيّن الأعلى كداج مظلم يا مثريا من كلّ علم نافع ... أيقاس مثر فى العلوم بمعدم أو كفت «٣» فضلك فى رذاذ غمائمى ... ما للرذاذ يد بنوء المرزم «٤» وانصبّ بحرك فى ربيع «٥» خواطرى ... ما للربيع وفيض بحر أعظم وسللت سيف العلم أبيض مخذما ... كالبرق يلمع فى غمام مثجم «٦» فللت حدّى معضد «٧» فى راحتى ... ما للكهام وحدّ أبيض مخذم «٨»

стр. 2609

يا سابقا جهدى «١» مصلّى عفوه ... ما للسّكيت «٢» يد بعفو مظهم «٣» بذّ السوابق فى العلوم وحازها ... بالكسب منه والتراث الأعظم العلم علم محمد وكفى به ... وعلىّ الباب المبلّغ فاعلم ما كنت أوّل محجم عن مورد ... عذبت موارده لقرن مجحم «٤» سابقت سبّاقا شأوت «٥» بيانهم ... ببديع نثر أو بليغ منظّم وسقيت بالكأس الكبيرة منهما ... لما سقوا بالأصغر المتثلّم حتى اذا سابقته وهو «٦» ابن بح ... رأو أبو بحر إليه ينتمى طارت فضائله إلى عليائها ... بجناح فتخاء «٧» ونسر قشعم وسما به العلم الأجلّ محلّه ... حتى توقّل «٨» فى المحلّ الأعظم ومشى حضارا «٩» فانثنيت مقصّرا ... أتجول خيلى فى مقرّ الهيثم «١٠»

стр. 2610

لا عار إن عضلت بدائه فكرتى ... بابن المقفّع أو بنجل الأهتم «١» يا أعلم الفضلاء لست مقاولا ... فصحى بناتك «٢» باللسان الأعجم لو حاولت فكرى مساواة لها ... يوما لجاءت بالغراب الأعصم «٣» أقتصر فللبيان فى بحر فضائله سبح طويل، وللسعى فى غاياته معرّس ومقيل، وللمحامد ببثينة محاسنه صبابة جميل، وإنّى وإن كنت كثّير عزّة ودّه، إلا أنّى فى حلبة الفضل لست من فرسان ذلك الرّعيل؛ لا سيّما وقد وردت مشرع ألفاظه التى راقت معانيها، ورقّت حواشيها، وأدنت ثمرات الفضل من يمين جانيها؛ فجاءت كالنسيم العليل، والشذا من نفحة الأصيل، والشراب البارد والظلّ الظليل طبع تدفّق رقّة وسلاسة ... كالماء عن متن الصفاة يسيل كالمقلة الحسناء زان جفونها ... كحل وأخرى زانها التكحيل والروضة الغناء يحسن عرفها ... وتزاد حسنا والنسيم عليل والخاطر التقوىّ كمّل ذاته ... علما وليس لكامل تكميل والله تعالى يبقيه جامعا للعلوم جمع الراحة بنانها، رافعا له رفع القناة سنانها، حافظا له حفظ العقائد أديانها، والقلوب إيمانها

стр. 2611

ليضحى نديما للمعالى كأنه ... نديما صفاء مالك وعقيل «١» ويصبح ظلّ الفضل من فىء ظلّه ... على كنف الإسلام وهو ظليل وينشأ أبناء العلوم وكلّهم ... بحسنائه فى العاشقين جميل دلالته فى الفضل من ذات نفسه ... وليس على شمس النهار دليل وكتب- رحمه الله تعالى- رسالة الى الصاحب شرف الدين الفائزىّ «٢» عند ما ورد عليه كتاب يذكر أن رسول الخليفة وصل يلتمس إجابة الملك المعزّ «٣» أوّل ملوك الترك إلى صلح الملك الناصر صلاح الدين يوسف «٤» - وقد كان الناس يذكرون أن الملك الناصر يريد أن يهجم بعساكره على الديار المصرية، وأنه لا يجيب إلى الصلح، [فلما «٥» ] جاء الرسول بذلك ظهر للناس خلاف ما ظنّوه-:

стр. 2612

لأمرك أمر الله بالنجح عاضد ... فصل آمرا فالدهر سيف وساعد وقل ما اقتضت علياك فالعزّ قائم ... بأمرك والمجد المؤثّل «١» قاعد ونم وادعا فالجدّ يقظان حارس ... لمجدك والعادى لبأسك راقد فما تبرم الأيّام ما الله ناقض ... ولا تنقض الأيّام ما الله عاقد وقد برزت بكر المكارم والعلا ... وفى جيدها من راحتيك قلائد فحفّت بها الأملاك وهى مواهب ... وسارت بها الرّكبان وهى محامد وزفّت لها النعماء وهى مصادر ... رفعنا لها الأمداح «٢» وهى موارد فنثّرها الإحسان وهى لآلئ ... ونظّمها الإفضال وهى فرائد فلا زلت محروس العلا يا ابن صاعد ... وجدّك فى أفق السيادة صاعد تسرّ بك الدنيا ويبتهج الورى ... وتستوكف النّعمى وتحوى المقاصد ورد كتاب كريم، ونبأ عظيم؛ لم تجر ينبوعه جياد الأقلام، ولم تجد بنوئه عهاد الأيام، ولم تظفر بمثله أعياد الإسلام؛ فتلى على عذبات «٣» المنابر، وجلى على آماق الأبصار وأحداق البصائر؛ وكانت بشراه البكر العوان «٤» ، لما ابتدأت «٥» به من البشارة

стр. 2613

ولما تلده من البشائر، وطليعة المسارّ التى واجهت الآمال ووجه السعد سافر، ومقدّمة الأمن التى لا يسرّ بها إلا مؤمن ولا يساء بها إلّا كافر؛ وتحيّة الله التى أحيت قلوب العباد، ومنّة «١» الله التى سكنت لها السيوف فى الأغماد، ونعمة الله التى عمّت كلّ حاضر وباد؛ ورحمة الله التى رحم بها هذه الأمّة وما زال بالمؤمنين رحيما، وفضل الله على هذه الملّة «٢» وكان فضل الله عليها عظيما؛ وسعادة سارت بها الأيام الى المقام المعزّىّ بين الخبب والتقريب، ومركب عزّ قدّمته عناية الله تقدمة الجنيب، وكتابا عنايته «٣» هذا عطاء الله، وعنوانه «نصر من الله وفتح قريب» ، وسلّم «٤» جلّل وجه الإسلام برد لباسه القشيب، وسلامة جنت يمين الإيمان ثمر غصنها الرطيب، وعزّ ألبس الملك خلع شبابه بعد ما خلع غبار الوقائع [عليه «٥» ] رداء المشيب، وشمس سعادة منذ طلعت فى أفقها لم تجنح للمغيب، ولطف خفىّ قعد له كلّ حمد وقام به كلّ خطيب، ومملكة تسمعها الأيّام: قفا نضحك بمسارّ الإنعام لا قفا نبك من ذكرى حبيب، وغنيمة باردة حازتها يد الملك ولسان السنان غير ناطق وكفّ السيف غير خضيب بتسديد «٦» رأى لو رأته أميّة ... لما احتفلت «٧» يوما بقتل شبيب «٨»

стр. 2614

الى غير ذلك من فكرة صاحبيّة شرفيّة سكن الملك تحت ظلالها ونام، وقعد بأمرها وقام؛ وتحرّكت لها العزائم، وسكنت لها الصوارم، واستنزلت العصم وذعرت العواصم، وهمم إذا سمت سامت السماء واذا همّت أهمت الغمائم، وعزّ تحت ظل ظلاله الشرف مقيم وفى خدمته المجد قائم، وعزم استيقظ له جفن النصر والسيف فى جفنه نائم، وسيف حزم على عاتق الملك منه نجاد وفى يد جبّار السموات منه قائم؛ وآراء استفتح عقائلها فأنجبت «١» ، ورمى غرض إصابتها فأكثبت، (أى أصابت «٢» ) وأعمل رائدها فاستيقظت له الهمم والأنام نيام، وجلس فى صدور رياستها والعالمون قيام، وتدبير أحكم بإبرام النقض ونقض الإبرام، وذعر به رابض الأسد وأنس به نافر الآرام؛ وأجال به خيله فى مسارى الأرقم، ومقرّ الهيثم، وأمضاه فى مضايق خطبه فأغناه عن سنّ السّنان وشفة اللهذم؛ هذا ولما «٣» صدقت عزائم المملكة التى نظم الله قلادة ملكها فليس لها انتثار، ولمعت كواكب أسلها «٤» فى ليل الرّهج وسماء الغبار، وبنت حوافر خيلها سورا من متراكم النّقع المثار، وحصّنتها يد الله بما أظهرته من

стр. 2615

كامن الغيب وأخفته «١» من طلائع الأقدار، وحضنتها «٢» رعاية الله وله من القدر أعوان ومن الملائكة أنصار فعمّت عموم اللّيل واللّيل مظلم ... وجاءت مجىء الصبح والصبح مشرق ومدّت غماما من سنابك خيلها ... بسلّ المواضى المشرفيّات يبرق فى كتائب إذا سارت سوابقها ملأت عرض الغبراء، واذا نشرت خوافقها سترت وجه الخضراء؛ وكادت تذعر الآساد بمواضى حتوفها، وتسكن المنايا تحت ظلال سيوفها؛ لا سيما إذا أنجمت «٣» أنجم عواليها، ولمعت بروق مواضيها؛ وجاءت خيلها كالصخر الأصمّ والطود الأشم أعجازها وهواديها؛ من كلّ كميت «٤» حلو فى الإزار، بين الشّقرة والاحمرار، كأنه ورديّة العقار يحسّ وقع الرزايا وهى نازلة ... فينهب الجرى نفس الحادث «٥» المكر وكلّ أشقر «٦» كأنما قدّ أديمه من لهب النار، معار رداء الحسن، وأحقّ الخيل

стр. 2616

بالركض المعار «١» ، لا تعلق به المذاكى «٢» يوم رهان ولا تشقّ له الحوادث وجه غبار كأنما لبس ثوبا من خالص النّضار عتاق لو جرت والريح شأوا ... لفاتته وأوثقه «٣» إسار غدت ولها حجول من لجين ... وراحت وهى من علق نضار وكلّ أدهم كريم النّجار، غذىّ اللّبان «٤» الغزار، كأنما فصّلت ثيابه من سواد الليل وصيغت حجوله من بياض النهار بأغرّ يبتسم الصباح بوجهه ... حسنا ويسفر عن محيّا مسفر خلع الظلام عليه فضل ردائه ... وثنى من التحجيل ثوب مقصّر وكلّ أشهب أفرغ فى قالب الكمال، وجيهىّ» الأب أعوجىّ «٦» الخال، إن مشى ضاق بزهوه فسيح المجال، وإن سعى رأيت البرق ملجما بالثريّا مسرجا بالهلال، كأنّما انتعل خدّ الجنوب واشتمل بثوب «٧» الشّمال

стр. 2617

من الجياد التى لم تبد فى رهج ... إلّا أرتك بياض الصبح فى غسق ولا جرين مع النّكباء «١» فى طلق «٢» ... إلّا احتقرت التماع البرق فى الأفق وكلّ مطهّم إن ركض قلق السماط لركضه، وخلت بعضه منفصلا عن بعضه وإن مشى رأيت الطود فى سمائه والرياح فى أرضه؛ وإن خطا ظننته يرتع فى روض المجرّة ويكرع فى حوض الغمام، وخلته الأشمّ من ابنى شمام «٣» ، همّه جهة الأمام وصوته حركة اللجام، كأنه قطعة من سماء أو ظلّة من غمام جرى «٤» والريح فى طلقى رهان ... فقامت دونه ومضى أماما ومدّ من السنابك ثوب غيم ... ولم أر قبلها ثوبا غماما عليها كلّ كمىّ لابس الحرب ولابسته «٥» ، ومارسها ومارسته؛ وكتبت عليه المواضى فى صدره كتابا أعجمته أطراف الأسل، وجنى ثمر الحديد أحلى عنده من العسل وسار إلى مهج الأبطال كسيف القضاء وحثّ «٦» الأجل؛ له حنكة الأشيب ونجدة الغلام، وصنعة الضرب الفدّ والطعن التّؤام، والفتكات التى تطلع صبح الصوارم

стр. 2618

فى ليل القتام، والفعلات التى لها فتكات الأورق «١» فى النّقد وصولات الأسد فى السّوام يمشى الى الموت عالى الكعب معتقلا ... أظمى «٢» الكعوب كمشى الكاعب الفضل «٣» يحسن فى بحار الدروع سبح «٤» الفوارس، بين بدور اليلب «٥» ونجوم القوانس «٦» ؛ من كلّ سابغة لا تصل إليها ألسنة الحداد، كأنها أثواب الأراقم خيطت بأعين الجراد؛ كفيلة بحماية الأنفس وصيانة المهج، تنير مسالك لابسها فى دياجى الرّهج، إنما هى البحر ولا حرج «٧» اذا ما مشوا فى السابغات حسبتهم ... سيولا وقد سالت بهنّ الأباطح وكلّ أبيض هندىّ تألّفت من الملح أبعاضه، البرد جسمه والبرق إياضه؛ المفارق مغاربه والأجفان مطالعه، والأنفس موارده والمنايا منابعه؛ لو أثمر لأنبت رءوسا ولو تفجّر لسال نفوسا، ولو تكشّف صافى حديده لرأيت فيه عبوسا

стр. 2619

سليل «١» النار دقّ ورقّ حتى ... كأنّ أباه أورثه السّلالا ودبّت فوقه حمر المنايا ... ولكن بعد ما مسخت نمالا وكل أسمر اذا انتحى فهو صاح واذا انثنى فهو نشوان، واذا ورد دم القلب فهو ظمآن القناة ريّان السنان؛ اذا خطب النواصى وخط «٢» ، واذا كتبت المواضى نقط؛ واذا قصرت يد القرن طال، واذا صليت نار الحرب العوالى صال توهّم كلّ سابغة غديرا ... فرنّق «٣» يشرب الحلق الدّخالا «٤» وكلّ صفراء رقشاء «٥» الأديم، كانها أرقم الصّريم «٦» ؛ لها فلك بالرزيّة دائر، وسهم بالمنيّة طائر، إن ركب فهو مقيم وإن نزل فهو سائر؛ مع عزائم بنت على «٧» الدولة سورا، وجعلت بينها وبين الذين لا يؤمنون بالدولة المعزّيّة حجابا مستورا؛ على أنها غنيمة لم تحتج إلى الإيجاف والإيضاع، وطلبة ألفاها على طرف الثمام «٨» وحبل الذراع «٩» ؛ وعناية جاءت على اختيار المراد ومراد الاختيار، ونعمة كرّت هى والتوفيق فى قرن

стр. 2620

وجرت والسعادة فى مضمار، ومنحة ركضت بها الى المقام المعزّىّ سوابق الأقدار ومعنى خفى من نعم الله لم تلجه عقائل الأفكار؛ واذا سبقت عناية الله فليس لأمر حتمه الله رافع، واذا لحظت السعادة امرأ وقفت دونه آمال المطالب وتقطّعت خلفه أعناق المطامع، واستولت يمينه على آفاق سماء «١» الشرف فلها قمراها والنجوم الطوالع، وهذه مواهب لا تدركها دقائق الأسطرلاب «٢» ولا درج الشمس ولا رصد الطوالع لعمرك ما تدرى الضّوارب بالحصا ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع. وينهى «٣» أنّ حاملها من عقدت عليه الملوك خناصرها، واختصّ منها بالصحبة ناصرها؛ وله فضل لا يذاد عن منهل العلم سوامه، ولا تجهل فى مسالك الشرف

стр. 2621

أعلامه؛ وله نفس سمت حتى أخذت سماء السيادة بيمينها، وهمّة اذا رأيت ذاتها الكريمة توسّمت الرّياسة فى جبينها، وأبوّة لا تتّجر من المعالى إلّا فى ثمينها؛ وقد أكلته السنة بل السنوات، وترادفت عليه الملمّات بل المؤلمات؛ وقد صيّر الجناب الزينىّ لما يحاوله ذريعه، وورد المنهل الرّحب وإنه لعذب الشريعه، وقد أصاب به مولانا طريق المصنع فألبسه ثياب الصنيعه؛ ومولانا أولى من أولاه شرف جلاله ونظر اليه بعين كريمة يقابل بها ما يقابله من كرم خلاله؛ فالإبريز قد يشتبه إلّا على نقّاده، والغيث قد يخلف إلا «١» على روّاده، والماء قد يأجن إلا على ورّاده؛ وسيّدنا مصعبىّ الهمم وهذا ابن قيس «٢» رقيّاته، ومهلبىّ الشّيم وهذا حبيب أبنائه «٣» ، وواثقىّ الإحسان وهذا فى الجلالة ابن [أبى «٤» ] دواده وفى الأدب ابن زيّاته «٥» ؛ فليضعه حيث

стр. 2622

وضعته السيادة صدرا، وليطلعه كما أطلعته الفضائل بدرا؛ وليصرف اليه عناية تعلّق بها الحمد علاقة غيلان «١» بميّه، والحكم «٢» بأميّه؛ وهو يعلم- أدام الله أيامه- أن المناصب عرائس، والصنائع قلائدها، والولايات مآدب، والمكارم موائدها، والليالى- كما علمت- حبالى، والسيّئات والحسنات ولائدها؛ وخير من لبس ثوب نعمة كاهل هذا الإمام، وإن الحسنة اليه لأشرف مواهب الأيام، فاغتنمها فإنّها غاية الأغتنام؛ وأعيذ مولانا بالله أن يجعل نظره إليه لمحا، أو يضرب عنه الذكر صفحا، أو يكون مولانا روضة ثم لا يجد هذا الصدر منها نفحا، ومطلع آفاق الشرف ثم لا يستوضح هذا الملتمس من أفقها صبحا. ومثل صدر هذه الرسالة لبعض الكتاب المتقدّمين «٣» : الحمد لله مقلّب القلوب، وعالم الغيوب؛ الجاعل بعد عسر يسرا، وبعد عداوة ودّا، وبعد تحارب اجتماعا، وبعد تباين اقترابا؛ رأفة منه بعباده ولطفا، وتحنّنا عليهم وعطفا؛ لئلا يستتمّهم «٤» التتايع، فى التدابر والتقاطع؛ وليكونوا بررة إخوانا، وعلى الحقّ أعوانا؛ لا يتنكّبون منهجا، ولا يركبون من الشبهة ثبجا؛ بغير دليل يهديهم

стр. 2623

قصد المسالك، ولا مرشد يذودهم عن درك المهالك؛ أحمده على نعمه التى لا يحصى الواصفون إحصاءها، ومننه التى لا تحمل الخلق أعباءها؛ حمدا يتجدّد على ممرّ الأزمان والدهور، ويزيد على فناء الأحقاب والعصور؛ وإنّ أحقّ ما استعمله العاملون ولحق به التالون، وآثره المؤمنون، وتعاطى بينهم المسلمون؛ فيما ساء وسرّ، ونفع وضرّ؛ ما أصبح به الشّمل ملتئما، والأمر منتظما؛ والفتق مرتتقا؛ والسيف مغمودا ورواق الأمن ممدودا؛ فحقنت به الدماء، وسكنت معه الدهماء، وانقمع به «١» الأعداء؛ واتصل به السرور، وأمنت معه الشرور؛ وليس بذلك أولى، والى إحراز الثواب به أدنى من الصلح الذى أمر الله ﵎ به، وخصّ وعمّ ورغّب «٢» . ولنعد الى كلام الشيخ ضياء الدين بن القرطبى فمن ذلك ما كتب به أيضا الى الصاحب شرف الدين الفائزىّ جوابا عن كتاب شفاعة يوصى على أخيه نجم الدين، فأجابه الشيخ: يخدم الجناب الشرفىّ- رفع الله قدره بين أوليائه، وأطاب ذكره فى مقام عليائه؛ وأطال عمره مقترنا بعزّه، وأقرّه فى كنف سلامته وكهف حرزه- وردت الأوامر المطاعه، المقابلة بالسمع والطاعه؛ فى حق أخى المملوك مولانا نجم الدين، فتلقّى راية طاعتها بيمينه، وأقرّها من تعظيمه فى أسرّة جبينه، وأحلّها من شرف الامتثال فى مستودع دينه؛ وقابل حاملها بأوفر ترحيبه، وأقرب تقريبه؛ وواجهه بإجلال الأخوّه، وخلال «٣» البنوّه؛ وأحلّه كنف قلبه، وأودعه بين شغاف «٤» القلب وخلبه «٥» ، وأعاده الى معهود ولائه وحسبه؛ وقرّر له

стр. 2624

فى كلّ شهر عشرة دنانير وهى نهاية قدرته، وأعلمه أنّها أعود نفعا من ولايته وأقرب عونا من إمرته؛ وعاهد الله ألا يتعرّض لجنديّة أبدا، ولا يمدّ لطلب ولاية يدا؛ ولا يقف بين يدى الأمراء بعدها، ولا يتجاوز بجلالة أبويه حدّها، ولا يهمل شرف نسبته التى لم تصاعر «١» [لها «٢» ] الأيّام خدّها؛ وأخذ عليه عهود الله والمملوك فى الوفاء مهما عهدها؛ وقد توجّه الى المشارع الصاحبيّة التى استعذب وردها والمكارم الشرفيّة التى ألف حمدها، والصنائع الإحسانيّة التى وجد فى مرارة الفقر حلوها وفى حرارة الغربة بردها؛ وعاود عشّ الفضل الذى منه درج، وبيت الكرم الذى اليه دخل ومنه «٣» خرج، وسماء الإحسان التى أطلعت نجم إمامته فعرّج عليها وإليها عرج، وبحر المعروف الذى اذا أطنب لسان ثنائه قالت شواهد بيانه: «حدّث عن البحر ولا حرج» ؛ ومولانا يضعه تحت كنفه، ويرفعه لله ولسلفه، ويقابله الجناب الشرفىّ بما عرفه من شرفه؛ ويعينه على جاريه الذى هو مادّة رفقه، وأوّل ما أجراه الله على يد مولانا من رزقه؛ بكتاب يجزل له العزمات وينميها «٤» ، ويسكن روح الحياة فى جسد فاقته ويبقيها؛ فهو ذو ضرّاء لا تسدّها إلا القناعه، وذو فاقة لا ترفعها إلا السّعة التى تمدّ باعه؛ والله يجعل مولانا وقاية لمن لجأ إليه، وإعانة لمن اعتمد عليه؛ إن شاء الله تعالى.

стр. 2625

وكتب إليه أيضا شفاعة فى بعض الأعيان فقال: وينهى أنّ الله تعالى متولّى سرائر عباده، ومجازيهم على مخالفة أمره وإن كان على وفق مراده؛ أعدّ دارى ثوابه وعقابه، وحذّر أولى العقوبة من أليم عذابه؛ ثم عمّت رحمته فشفّع فى العصاه، وعفا عن الجناه؛ فقال: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ ثم بذلت عوارف الإحسان، وعواطف الحنان؛ حتى شفع الى خلقه، فى العفو عن حقّهم وحقّه؛ صفة كرم رحمانيّه، وصلة عفو إحسانيّه، وصنائع الطاف ربانيّه، فشفع إلى الصدّيق فى مسطح، فقال: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا فقدّم موجبات العطف بما قدّم من القرابة والمسكنة والمهاجرة، ثم تلقّاها من أجر الآخرة بكرم المجازاة وربح المعاملة، وحسن جزاء المنعم، تعريفا بمواقع الإحسان، وتكريما لنوع الإنسان؛ ومملوك مولانا فلان الذى أنزل حاجته بعبدك «١» ، وقصده قبل قصدك؛ وأسكن حريمه مجاورا لحريمه وتشفّع به إلى صدر الزمن وكريمه، واستوهبه الذنب وإن كان معترفا بعظيمه؛ والصنع الجميل ثمرة الأيام، والفضل أثبتته ألسن الأقلام؛ ولله لحظات تلحظ عباده ويرحم الراحمين، ويجزى المتصدّقين، ولا يضيع أجر المحسنين؛ وإن مولانا «٢» عقال الشرف وذو الفضل الانف «٣» ، والعارف فى صنائع الإحسان كيف تؤكل الكتف؛ وقد أحلته

стр. 2626

على ملاءة «١» أياديك، وألبسته ملاءة معاليك، وأحللته بضمان الله كنف ناديك؛ وأنت الكريم أخلاقا ونسبا، والطّيّب أعراقا وأبا، والصّدر الذى إذا سامته الأيّام خطّة ضيم ابى، وإذا أوطأته مهانة «٢» وخسفا نبا؛ وأحقّ من قبل هذه الشفاعة كرمك «٣» وأولى من رعاها شيمك، والمعالى جنود الشرف وأحقّ علم رفع «٤» عليها علمك؛ والله تعالى يبقيه للأنام ملاذا، وللأمل معاذا، ويهب عزمه مضاء وقلمه نفاذا؛ إن شاء الله تعالى. وكتب الى «٥» قاضى القضاة تاج الدين بن خلف: يخدم الجناب التاجىّ- أدام الله شرف الملّة ببقائه، وأعلى كلمة الأمّة بعلائه وأجرى ألسنة الأقلام بثنائه، ورفع ألوية أوليائه بولائه- وينهى ورود مشرّفته الّتى تجلّت فى سماء السيادة حسنا، وسهلت لفظا وجزلت معنى، وغدا لسان الإحسان عليها يثنى، وعنان الفضائل اليها يثنى؛ وقد أخذت برقاب المعانى، وأطربت إطراب المثانى، وبعثت روح الحياة الى روح الأمانى، وثنت إلى فضلها الأوّل عنان الثانى فحىّ «٦» هلا بالمكرمات وبالعلا ... وحىّ هلا بالفضل والسّؤدد المحض

стр. 2627

لا جرم أنّ المملوك سجد لله ثم لجلالة «١» ذلك الاستغفار، وقبول كلمات الاعتذار؛ وعلم أنّ مولانا لبس حلّة التواضع لتمام شرف الاصطناع، وليحوز أقسام السيادة بالصدر الرّحب والخلق الوساع «٢» سجيّة «٣» نفس شرّف الله مجدها ... بما شاء من فضل لديها ومن حلم وسؤدد آباء وكسب سيادة ... تضمّ إلى عزّ العلا شرف العلم هذا مع إساءتنا التى تسوّد وجوه الأمل، ويقضى كفرها- لولا إيمان مولانا- بإحباط العمل، على أنها ملازمة المعلولات للعلل وما كنت جانى فتنة غير أنّها ... إذا وقعت أردت مسيئا ومحسنا ولو رشقتنى مصميات سهامها ... لألفت لها حكما من الله بيّنا وإن جلال الله يشهد أنّنى ... بذلت من الوسع الذى كان ممكنا وحذّرت حتى لم أجد متحرّزا «٤» ... وأسمعت لكن لم أجد ثمّ أذّنا «٥» وكانت صعاب «٦» تقتضيها مشيئة ... وهل لقضاء الله ردّ إذا دنا وأما إشارة مولانا إلى الحاجب الذى هو لمولانا أشرف من حاجب بن زراره بما «٧» أودعه أثناء تلك الكلم من لطيف الإشارة وشريف العباره؛ فجزاء مولانا على الله فى جبره لقلب المملوك المنصدع، وصلة أمله المنقطع.

стр. 2628

وكتب إلى الصاحب قاضى القضاة بدر الدين السنجارى - وهو يوم ذلك متولى الحكم والوزارة بالديار المصرية: لا زال الإسلام يستضىء ببدره، والإيمان يأرز «١» إلى صدره، والشرف يتضاءل عند قدر جلالته وجلالة قدره، والآمال والآجال مصرّفة بين بسطة نعمته وسطوة قهره، هذه على ذكره وهذه على شكره، والمكارم والمحامد تتعلّق وتتألّق هذه بنشره وهذه ببشره، والعزم والرأى إذا فلّ أو فال «٢» استغاث واستضاء هذا بنصره وهذا بفكره ولا غرو أن تثنى الوزارة جيدها ... إلى ناظم فى جيدها عقد فخره الى أحوذىّ «٣» الرأى إن ناب معضل ... أراك جلىّ الأمر إيحاء سرّه إذا استغزر الذهن «٤» الذكىّ تضاءلت ... له فكرتا قيس «٥» الذكاء وعمره «٦»

стр. 2629

فيطلع رأيا واضحا من سداده ... كما انشقّ برد الليل عن ضوء فجره إلى سؤدد أجرت معاليه خيله ... سوابق غرّا «١» فى بهيمات دهره وكم سابق أجرى إلى غاية العلا ... ولكن طوى سبقا ملاءة حضره بحلم تجلّى فى أسرّة وجهه ... وجود تجلّى من طلاقة بشره يمينا لقد أضحت جلالة قدرها ... على شرف المقدار من دون قدره سطّرها المملوك بعد ما لبست الوزارة حلّة فخرها، وسحبت ذيل افتخارها، وبدا معصم شرفها فى حلية سوارها، وتجلت معانيها بين شموس فضلها وأقمارها، وجنينا الغضّ من زهرها، والطيّب من ثمرها، وحمدنا جميل تأثيرها وحميد آثارها وحيّت على بعد المدى نفثاتها ... بأطيب من رند «٢» الرّبا وعرارها «٣» واجتلى المملوك حسناء إحسانها فما ضارعتها البدور مذ فارقت سرارها، ولا الأنجم ولو نظم الفلك أنوارها، ولا الروضة وقد عقدت الغمائم إزارها «٤» ، ولا أطلال ميّة وقد دبجت يد الأنواء «٥» أزهارها، ولا أردان عزّة «وقد أوقدت بالمندل «٦» الرطب

стр. 2630

نارها» ؛ صلة جاءت كبرد الشباب «١» ، وبرد الشراب؛ اقتضابا قبل السؤال، وابتداء الآمال؛ والمملوك يحضر عقيبها ليجتلى وجه المنعم قريبا، ويجتنى غصن النّعم رطيبا ومتى لم أقم بشكرك للنا ... س خطيبا فلا وقيت الخطوبا وكتب الى الصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب بهاء «٢» الدين على بن محمد المعروف بابن حنّاء «٣» : رفع الله قدر الجناب الصاحبىّ التاجىّ فى شرف الأقدار، وأجرى بإرادته وسعادته سوابق الأقدار، وألبسه حلية الشرف التى هى على رأس رياسته تاج وفى معصم سيادته سوار، وحلّة النعم التى ينكمش «٤» لأجلها ردن المساءة وينسحب بمثلها ذيل المسار، وأمضى عزائم آرائه التى اذا سطت يوم البأس نفذت نفوذ
следующие страницы →