← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

لتجهيز جيش العسرة «١» فعرف الله ورسوله معروفه، ومنهم من عمل صالحا أرضى ربه فأصلح فى ذريّته الشريفه؛ وبعد، فإن من الطاف الله بعباده، واكتناف عواطفه ببلاده «٢» ؛ أن جعلنا كلّما وهى للملك ركن شديد شيّدنا ركنا عوضه، وكلّما اعترضت للمقادير جملة بدّلنا آية مكان آية وتناسينا تجلّدا تلك الجملة المعترضه؛ فلم نحوج اليوم لأمسه وإن كان حميدا، ولا الغارس لغرسه وإن كان ثمره يانعا وظلّه مديدا؛ فأطلعنا فى أفق السلطنة كوكب سعد «٣» كان لحسن الاستخلاف معدّا، ومن لقبيل المسلمين خير ثوابا وخير مردّا، ومن بشّر الله به الأولياء المتقين وينذر به من الأعداء قوما لدّا، ومن لم يبق [إلّا به «٤» ] أنسنا بعد ذهاب الذين نحبّهم [وبقى «٥» ] كالسيف

стр. 2662

فردا، والذى ما أمضى حدّه [فى «١» ] ضريبة إلا قدّ البيض «٢» والأبدان قدّا، ولا جهّز «٣» راية كتيبة إلا أغنى «٤» غناء الذاهبين ... وعدّ «٥» للأعداء عدّا ولا بعثه جزع فقال: «كم من أخ لى صالح» إلا لقيه ورع فقال: «وخلقت يوم خلقت «٦» جلدا» ؛ وهو الذى بقواعد السلطنة الأدرى وقوانينها الأعرف، وعلى الأولياء الأعطف وبالرعايا الأرأف، والذى ما قيل لبناء ملك: هذا عليه قد وهى إلا وقيل: هذا بناء مثله منه أسمى ملكا وأشرف، والذى ما برح النصر يتنسّم من مهابّ

стр. 2663

تأميله والفلاح، ويتبسّم ثغره فتتوسّم الثغور من تبسّمه النجاح، وينقسم نوره على البسيطة فلا مصر من الأمصار إلا وهو يشرئبّ الى ملاحظة جبين عهده الوضّاح ويتّفق اشتقاق النعوت فيقول التسلّى للتملّى سواء الصالح والصلاح؛ والذى ما برح لشعار السلطنة الى توقّله «١» وتنقّله أتمّ حنين، وكأنّما كوشفت الإمامة العبّاسيّة بشرف مسمّاه فيما تقدّم من زمن من سلف من حين «٢» ، فسمّت ووسمت باسمه أكابر الملوك [وأخاير «٣» السلاطين] فخوطب كلّ منهم مجازا لا كهذه الحقيقة ب «خليل» أمير المؤمنين؛ والذى كم جلا بهاء جبينه من بهيم، وكم غدا الملك بحسن رأيه «٤» ويمن آرائه يهيم وكم أبرأ مورده العذب هيم عطاش ولا ينكر الخليل اذا قيل عنه: إنه إبراهيم «٥» ؛ ومن تشخص الأبصار لكماله يوم ركوبه حسيره، وتلقى البنان سلاحها ذهلا وهى لا تدرى لكثرة الإيماء إلى جلاله إذا يبدو مسيره؛ والذى ألهم الله الأمّة بجوده ووجوده صبرا جميلا، وآتاهم من نفاسة كرمه وحراسة سيفه وقلمه تأمينا وتأميلا، وعظم فى القلوب والعيون، بما من برّه سيكون، فسمّته الأبوّة الشريفة ولدا «٦» وسمّاه الله: خليلا؛ ولمّا تحتّم من تفويض أمر الملك اليه ما كان الى

стр. 2664

وقته المعلوم قد تأخّر، وتحيّن «١» حينه فكمل بزيادة «٢» كزيادة الهلال حين بادر تمامه فأبدر؛ اقتضى حسن المناسبة لنصائح الجمهور، والمراقبة لمصالح الأمور، والمصاقبة «٣» لمناحج البلاد والثغور، والمقاربة «٤» من فواتح كل أمر ميسور؛ أن نفوّض اليه ولاية العهد الشريف بالسلطنة الشريفة المعظّمه، المكّرمة المفخّمة المنظّمة؛ وأن تبسط يده المنيفة لمصافتحها بالعهود، وتحكيمها فى العساكر والجنود، وفى البحور والثغور وفى التّهائم والنجود؛ وأن يعقد بسيفها وقلمها كلّ قطع ووصل، وكلّ فرع وأصل وكلّ نصر ونصل؛ وكلّ ما يحمى سرحا، ويهمى منحا، وفى المثيرات فى الإعداء «٥» على الأعداء نقعا وفى المغيرات صبحا؛ وفى المنع والإطلاق، وفى الإرفاد «٦» والإرفاق وفى الخميس إذا ساق «٧» ، وفى الخمس «٨» اذا انساق، وفى السيوف «إذا بلغت التّراقى وقيل: من راق» ، وفى الرماح إذا التفّت الساق منها بالساق؛ وفى المعاهدات والهدن

стр. 2665

وفى الفداء بما عرض من عرض وبالبدن للبدن «١» ، وفيما ظهر من أمور الملك وما بطن، وفى جميع ما تستدعيه بواعثه فى السرّ والعلن، وتسترعيه «٢» نوافثه من كبت وكتب متفرّقين أو فى قرن؛ عهدا مباركة عوذه «٣» وتمائمه، وفواتحه وخواتمه، ومناسمه «٤» ومواسمه، وشروطه ولوازمه [على «٥» عاتق الملك الأغرّ نجاده ... وفى يد جبّار السموات قائمه] لا رادّ لحكمه، ولا ناقض لبرمه «٦» ، ولا داحض لما أثبتته الأقلام من مكنون علمه. ويزيده «٧» مرّ الليالى جدّة ... وتقادم الأيام حسن شباب

стр. 2666

وتلزم السنون والأحقاب، استيداعه حتى «١» الذّرارىّ والأعقاب؛ فلا سلطان ذا قدر وقدره، وذا أمر وإمره؛ ولا نائب فى مملكة قربت أو بعدت، ولا مقدّم جيوش أتهمت أو أنجدت؛ ولا راعى ولا رعيّه، ولا ذا حكم فى الأمور الشرعيّه؛ ولا قلم إنشاء ولا قلم حساب، ولا ذوى أنساب ولا ذوى أسباب؛ إلا وكلّ داخل «٢» فى قبول عقد هذا العهد الميمون، ومتمسّك بمحكم آيات كتابه المكنون والتسليم لنصّه الذى شهدته من الملائكة الكرام الكاتبون؛ وأمست بيعته بالرضوان محفوفه، والأعداء يدعونها تضرّعا وخيفه، فليشكروا الصنع الذى بعد أن كانت الخلفاء تسلطن الملوك قد صار سلطانهم يقيم لهم من ولاة العهد خليفة بعد خليفه؛ وأمّا الوصايا فأنت يا ولدنا الملك الأشرف- أعزّك الله- بها الدّرب ولسماع شدوها وحدوها الطّرب، الذى للّغو لا يضطرب؛ فعليك بتقوى الله فإنها ملاك سدادك، وهلاك أضدادك؛ وبها يراش جناح نجاحك، ويحسن اقتداء اقتداحك؛ فاجعلها دفين جوانح تأمّلك ووعيك، ونصب عينى أمرك ونهيك؛ والشرع الشريف فهو قانون الحقّ المتّبع، وناموس «٣» الأمر المستمع؛ وعليه مدار إيعاء كلّ إيعاز «٤» ، وبه يتمسّك من أشار «٥» وامتاز، وهو جنّة والباطل نار

стр. 2667

فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ؛ فلا تخرج فى كلّ حال عن لوازمه وشروطه ولا تنكب عن معلّقه ومنوطه؛ والعدل، فهو مثمّر غروس الأموال، ومعمر بيوت الرجاء والرجال، وبه تزكو الأعمار والأعمال؛ فاجعله جامع أطراف مراسمك، وأفضل أيّام مواسمك؛ وسم به فعلك، وسمّ به فرضك ونفلك؛ ولا تفرد به فلانا دون فلان ولا مكانا دون مكان، واقرنه «١» بالفضل، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ؛ وأحسن التخويل، وأجمل «٢» التنويل، وكثّر لمن حولك التموين والتمويل؛ وضاعف الخير فى كلّ مضاف لمقامك، ومستضيف «٣» بإنعامك، حتى لا تعدم فى كلّ مكان وكلّ زمان من النعماء ضيافة الخليل «٤» ؛ والثغور، فهى للممالك مباسمها فاجعل نواجذها تفترّ عن أحسن ثنايا الصّون، ومراشفها شنبة «٥» الشّفاه «٦» بحسن العون؛ ومنها بما يحمى السّرح منها، وأعنها بما يدفع المكاره عنها؛ فإنها للنصر مقاعد، وبها حفظ البلاد من كلّ مارّ من الأعداء مارد؛ وأمراء الجيوش، فهم السّور الواقى بين يدى كلّ

стр. 2668

سور، وما منهم إلّا بطل بالنصر مشهور كما سيفه مشهور؛ وهم ذخائر الملوك وجواهر السلوك، وأخاير الأكابر الذين خلصوا من الشكوك؛ وما منهم إلا من له حرمات «١» سلفت، وحقوق عرفت، وموات على استلزام «٢» الرعاية للعهود وقفت؛ فكن لجنودهم «٣» متحبّبا، ولمرابعهم مخصبا، ولمصالحهم مرتّبا، ولآرائهم مستصوبا وللاعتضاد بهم مستصحبا، وفى حمدهم مطنبا، وفى شكرهم مسهبا؛ والأولياء المنصوريّين الذين هم كالأولاد، ولهم سوابق أمتّ من سوابق الإيجاد «٤» ؛ وهم من عملت استكانة «٥» من «٦» قربنا، ومكانة من قلبنا، وهم المساهمون فيما ناب، وما برحوا للدولة الظفر والناب؛ فأسهم لكلّ منهم من احترامك نصيبا، وأدم لهم ارتياحك، وألن «٧» جماحك وقوّ بهم سلاحك، تجد منهم ضروبا، وتر كلّا منهم فى أعدائك ضروبا؛ وكما أنّا نوصيك بجيوش الإسلام، كذلك نوصيك بالجيش الذى له المنشآت فى البحر كالأعلام؛ فهو جيش الأمواه والأمواج، المضاف الى الأفواج من جيش الفجاج؛ وهو الجيش السّليمانىّ فى إسراع السّير، وما سمّيت شوانيه «٨» غربانا إلا ليجمع بها لنا

стр. 2669

ما اجتمع لسليمان ﷺ من تسخير الريح والطير؛ وهى من الديار المصريّة على ثبج البحر الأسوار، فإن قذفت قذفت الرعب فى قلوب الأعداء وإن أقلعت «١» قلعت منهم الآثار؛ فلا تخله من تجهيز جيشه، وسكّن طيش البحر بطيشه؛ فيصبح لك جيشان كلّ منهما ذو كرّ وفرّ، هذا فى برّ بحر وهذا ببحر برّ؛ وبيوت العبادات فهى التى الى مصلّى سميّك خليل الله تنتهى محاريبها، وبها لنا ولك وللمسلمين سرى الدعوات وتأويبها «٢» ؛ فوفّها نصيبها المفروض غير منقوص، ومر برفعها وذكر اسم الله فيها حسب الأمر المنصوص؛ وأخواتها من بيوت الأموال الواجدات» الواجبات من حيث أنها كلّها بيوت لله هذه للصّلاة وهذه للصلات؛ وهذه كهذه فى رفع المنار، وجمع المبارّ، واذا كانت تلك مما أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فهذه ترفع ويذكر فيها اسمه حتى على الدرهم والدينار؛ فاصرف اليها اجتهادك فيما يعود [عليها] بالتثمير، كما يعود على تلك بالتنوير؛ وعلى هذه بإشحانها «٤» بأنواع الصروف، كإشحان «٥» تلك باستواء الصفوف؛ فإنها إذا أصبحت مصونه، احتملت بحمد الله المعونه

стр. 2670

وكفلت بالمؤونة وبالزيادة على المؤونه، فتكمّل هذه لكلّ ولىّ دنياه كما كمّلت تلك لكل ولىّ دينه؛ وحدود الله، فلا يتعدّاها أحد، ولا يرأف فيها ولد بوالد ولا والد بولد؛ فأقمها وقم فى أمرها حتى تنضبط أتم الضبط، ولا تجعل يد القتل مغلولة إلى عنقها ولا تبسطها كلّ البسط، فلكلّ من الجنايات والقصاص شرط شرطه الله وحدّ حدّه فلا يتجاوز أحد ذلك الحدّ ولا يخرج عن ذلك الشرط؛ والجهاد فهو الدّيدن المألوف من حين نشأتنا ونشأتك فى بطون الأرض وعلى ظهور الخيل فمل على الأعداء كل الميل، وصبّحهم من فتكاتك بالويل بعد الويل، وارمهم بكلّ شمّرىّ «١» قد شمّر من يده عن الساعد ومن رمحه عن الساق ومن جواده الذّيل «٢» ؛ واذهب بهم فى ذلك كلّ مذهب، وأبن «٣» بنجوم الخرصان «٤» كلّ غىّ وغيهب وتكثّر «٥» فى غزوهم من الليل بكلّ أدهم ومن الشّفق بكلّ أحمر وأشقر [ومن الأصيل بكلّ أصفر «٦» ] ومن الصبح بكلّ أشهب، وانتهب «٧» أعمارهم واجعلها آخر ما يسلب

стр. 2671

وأوّل ما ينهب؛ ونرجو أن يكون الله قد خبأ لك من الفتوحات ما يستنجزها لك صادق وعده، وأن ينصر بك جيوش الإسلام فى كلّ إنجاد وإتهام وما النصر إلا من عنده؛ وبيت الله المحجوج من كلّ فجّ، المقصود من كل نهج؛ يسّر سبيله، ووسّع الخير وأحسن تسبيله «١» ، وأوصل من برّك لكلّ من الحرمين ما هو «٢» له، لتصبح ربوعه بذلك مأهوله؛ واحمه ممّن يرد فيه بإلحاد بظلم، وطهّره من كلّ مكس «٣» وغرم؛ ليعود نفعك على البادى والعاكف، ويصبح واديه وناديه مستغنيين بذلك عن السحاب الواكف؛ والرّعايا، فهم للعدل زروع، وللاستثمار فروع، ولاستلزام «٤» العمارة شروع «٥» ؛ فمتى جادهم غيث أعجب الزّرّاع نباتهم، ونمت بالصلاح أقواتهم، وصلحت بالنّماء أوقاتهم، وكثرت للجنود مستغلّاتهم، وتوافرت زكواتهم، وتنوّرت مشكاتهم «والله يضاعف لمن يشاء» ؛ هذا عهدنا للسيّد الأجلّ الولد الملك الأشرف صلاح الدنيا والدّين، فخر الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين- أعزّنا الله ببقائه- فليكن

стр. 2672

بعروته متمسّكا، وبنفحته متمسّكا «١» ؛ وليتقلّد سيف هذا التقليد، ويفتح مغلق كلّ فتح منه بخير إقليد «٢» ، وها نحن قد كثّرنا لديه جواهره فدونه ما يشاء تحليته: من تتويج مفرّق وتختيم أنامل وتسوير زند وتطويق جيد، ففى كلّ ذلك تبجيل وتمجيد؛ والله تعالى يجعل استخلافه للمتقين إماما، وللدين قواما، وللمجاهدين اعتصاما، وللمعتدين انقصاما، ويطفئ بمياه سيوفه نار كلّ خطب حتى تصبح كما أصبحت نار سميّه ﷺ بردا وسلاما؛ إن شاء الله تعالى. وكلامه ﵀ كثير ورسائله مشهورة، وبيد الناس من إنشائه ما لو استقصيناه لطال وانبسط، وقد قدّمنا فى كتابنا هذا من كلامه فى باب التهانى بالفتوح ما تجده فى موضعه ونختم كلامه بشىء من أدعية الملوك، وهى: ومكّن الله له فى الأرض، وجعل طاعته واجبة وجوب الفرض، وأيّد آراءه بالملائكة فى الحلّ والعقد والإبرام والنقض. آخر: وأنجز له من النصر صادق وعده، وجعل الملوك من عبيده والملائكة من جنده، ومتّعه بما وهبه من الملك الذى لا ينبغى لأحد من بعده. آخر: وحفظه بمعقّبات من أمره، وحمى حمى الدين بقصار بيضه وطوال سمره، وجعل قدر مملكته فى الدهر كليالى قدره، وألبس أولياءه من طاعته ما يجرّون أذيال فخره.

стр. 2673

آخر: ولا زالت الدنيا بعدله مخضرّة الوهاد والرّبا، والامال بفضله قائلا لها النجح: مرحبا، والأقدار لنصره مسدّدة السهام مرهفة الظّبا، والأيّام لا تعدم من جميل أثره وجليل تأثيره فعلا مطربا، ووصفا مطيّبا. وجعلت ملكه موصولا بحبل لا يحلّ عقده، وحرمه محروسا بسيف التوفيق لا يفلّ حدّه. ولا زالت راياته ألسنة تنذر أعداءه بالفرار، وتبشّر أولياءه بالقرار، وآراؤه أعلاما عالية المنار واضحة الأنوار. وأنجز له عداته فى عداته، وجعل النصر والتوفيق مصاحبين لآرائه وراياته. وأناله النصر الذى يغنيه عن الحيلة والحول، وعقد السعد بعرا «١» ما يمضيه من الفعل والقول، وبوّأ أولياءه جنّة من النصر ما فيها غائلة وجنّة من العزّ ما فيها غول. وقصم بمهابته كلّ جبّار عنيد، وعصم كلّ من يأوى من رجائه إلى ركن شديد. وآتاه من التأييد سلطانا نصيرا، وجعل جيشه أكثر قوى وأقوى نفيرا. ولا زالت الآمال بسحابه مخضرّة الرّبا والوهاد، والتأييد بتمكينه مناديا فى كلّ ناد، والدنيا بملكه مسرورة الأسرار «٢» حالية الأجياد، والأقدار لأمره متكفّلة بالنفاد «٣» . وطرّز بأيامه ملابس السّير، وأحلّ أمره أعلى هضبات النصر والظّفر، وحلّى أجياد الممالك من عدله وبذله بأشرف الدّرر، ولا برح القدر يوافق قصوده «٤» فيقول للقدر:

стр. 2674

«لقد جئت على قدر» . وأتمّ نعمته عليه كما أتمّها «١» ، وعمر بعدله الآفاق وعمّها، وأوضح مناهج كرمه لمن قصدها وأمّها، وأنجز عداته فى عداته فأصماها وأصمّها. وأتمّ نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبله، وحمى حمى الدين بنصره وفضله، وكسا الدنيا بملكه حلّة فخار معلمة بإحسانه وعدله، وجعل أقاليم الأرض معمورة بسلطانه مغمورة بعطائه وبذله. ذكر شىء من إنشاء المولى الماجد السالك من طريقى الفضل والفضائل أوضح الطرق وأنهج المسالك، المفصح بلسان براعته والموضح بأنوار بلاغته ما أبهم واستبهم من ليل العىّ الحالك، المتصرّف بقلمه وكلمه لوثوق «٢» ملوك الإسلام بديانته وأمانته وأصالته ونزاهته فى الأقاليم والثغور والحصون والممالك، العامر بفضله وفضائله والغامر بجوده ونائله باطن وظاهر من أمّله وأمّ له من زائر وقاطن ومارّ وسالك؛ فينفصل هذا عن بابه وهو بجوده مغمور، وهذا عن مجلسه وقلبه بولائه لما أولاه من إحسانه معمور؛ وهذا وهو ينفق الجمل من ماله، وذاك وهو يجود على المعدم من فضل نواله؛ والآخر وقد امتلأ صدره سرورا، وأشرق وجهه بهجة ونورا؛ وانطلق لسانه من عقاله بعد تقييده، وانبسط أمله لطلب الفضائل لمّا ظفر بمعدنها بعد تعقيده «٣» ؛ فتجده وقد اعتلق «٤» منه جملا واعتنق جمالا، وأنفق الدّرر بعد ضنّه بالأصداف فهو لا يخشى عدما ولا يخاف إقلالا؛ والمولى المعنىّ

стр. 2675

بهذه المعالى التى ابتسمت ثغورها، وتحلّت نحورها؛ والمكارم التى جادت سحائبها وامتدّت مذانبها «١» ، وترادفت مواهبها، واتّسعت مذاهبها؛ والفضائل التى لجنابه الكريم تعزى ولفضله العميم تنتسب، والسيادة التى شادها لنفسه لاستغنائه عمّا مهدته له آباؤه النّجب، والمراد بهذه الأوصاف التى خلّيت والحسن تأخذه ... تنتقى منه وتنتخب «٢» هو لسان الدولة ويمينها، وسفير المملكة وأمينها؛ وجامع أشتات الفضائل، وناظم أخبار الأواخر وسير الأوائل؛ وسيّد الرؤساء وجليس الملوك، ومؤلّف كتاب نظم السلوك؛ المولى المالك علاء الدين علىّ ابن المولى المرحوم فتح الدين محمد ابن المولى المرحوم محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر، ذو الفضائل والمآثر، والنسب العريق والأصل الطاهر، والسبب الوثيق والفضل الباهر؛ فهذه نبذة من أوصافه أثبتناها، ولمعة من محاسنه أوردناها، أسام لم تزده معرفة وإنما لذّة ذكرناها؛ وله- أعزّه الله وأوفر نعمه لديه، وأتمّ نعمته عليه كما أتمها على أبويه؛ وأرانا فى نجله الكريم ما رأيناه فى سلفه وفيه، وأنطق الواصف لمحاسنهم بملء فيه- من الرسائل البليغه، والتّقاليد البديعه؛ والعهود التى عاهدتها البلاغة ألا تتعدّاها فوفت بعهدها، وأقسمت معانيها أنها لم تقصد سواه من قبل لعلمها أنّ غيره لا يوفّيها حقّ قصدها؛ وسنورد إن شاء الله من كلامه ما هو بالنسبة الى مجموعه نبذة يسيره، ونرصّع فى كتابنا هذا من فضائله لمعة خطيره؛ ونرفع بما نضعه فيه من كلامه قدر هذا التصنيف، ونطرّز به

стр. 2676

أردان هذا التأليف، ولا نحتاج إلى التعريف بمكانه وتمكّنه من هذه الصناعة فالشمس تستغنى عن التعريف؛ ونحن الآن نعتذر من التقصير فى الانتهاء إلى وصف محاسنه، ونعترف بالعجز عن إدراك كنه مناقبه الشريفة وميامنه؛ ونأخذ فى ذكر كلامه لنمحو ذنب التقصير بحسن الإخبار «١» ، ونسأل الصفح عن اختصارنا واجب حقّه ونرجو قبول كلمات الاعتذار فمن إنشائه ما كتبه عن الخليفة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان- جمّل الله به الدين، وأيّد ببقائه الإسلام والمسلمين- للسلطان الملك المظفّر ركن الدين بيبرس المنصورىّ فى شوّال سنة ثمان وسبعمائة، ابتدأه بأن قال: هذا عقد شريف انتظمت به عقود مصالح الممالك، وابتسمت ثغور الثغور ببيعته التى شهدت بصحّتها الكرام الملائك؛ وتمسّكت النفوس بمحكم عقده النّضيد ومبرم عهده «٢» النظيم، ووثقت الآمال ببركة ميثاقه فتقرأه الألسنة مستفتحة فيه بقول الله الكريم: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذى جعل الملّة الإسلاميّة تأوى من سلطانها الى ركن شديد، وتحوى من مبايعة «٣» مظفّرها كلّ ما كانت ترومه من تأييد التأييد، وتروى أحاديث النصر عن ملك لا يملّ من نصرة الدّين الحنيفىّ وإن ملّ الحديد من الحديد؛ مؤتى ملكه من يشاء من عباده وملقى مقاليده للولىّ الملىّ «٤» بقمع أهل عناده؛ ومانحه من لم يزل بعزائمه ومكارمه

стр. 2677

مرهوبا مرغوبا، وموليه [ومولّيه «١» ] من غدا محبوّا من الأنام بواجب الطاعة محبوبا وباسط أيدى الرغبات لمن حكم له كمال وصفه ووصف كماله بأن يكون مسئولا مخطوبا ومفوّض «٢» أمره ونهيه إلى من طالما صرف خطّيّه عن حمى الدين أخطارا وخطوبا؛ والحمد لله مجرى الأقدار برفع الأقدار، ومظهر سرّ الملك فيمن أضحى عند الإمامة العباسيّة بحسن الاختبار من المصطفين الأخيار، جامع أشتات الفخار، ورافع لواء الاستظهار «٣» ، ودافع لاواء «٤» الأضرار، بجميل الالتجاء الى ركن أمسى بقوّة الله تعالى عالى المنار وافى المبارّ، بادى الآثار الجميلة فى «٥» الإيثار؛ والحمد لله على أن قلّد أمور السلطنة الشريفة لكافلها وكافيها، وأسند عقدها وحلّها لمن يدرك بكريم فطنته وسليم فطرته عواقب الأمور من مباديها، وأيّد الكتائب الإيمانيّة بمن لم تزل عواليه تبلّغها من ذرا الأمانىّ معاليها؛ يحمده أمير المؤمنين على إعلاء كلمة الإيمان بأعيان أعوانها، وإعزاز نصرها بأركان تشييدها وتشييد أركانها؛ ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة [لا] تبرح الألسن ترويها، والقلوب تنويها، والمواهب تجزل لقائلها تنويلا وتنويها؛ ويشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أكمل نبىّ وأفضل مبعوث، وأشرف مورّث لأجلّ موروث؛ صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تنمو بركاتها وتنمّ «٦» ، وتخصّ حسناتها وتعمّ؛ ورضى الله عن عمّه العباس بن عبد المطلب جدّ أمير المؤمنين، وعن أبنائه الأئمّة المهديّين؛ الذين ورثوا الخلافة كابرا عن كابر، وسمت ووسمت بأسمائهم ونعوتهم

стр. 2678

ذرا المنابر؛ أما بعد، فإن الله تعالى لمّا عدق «١» لمولانا أمير المؤمنين مصالح الجمهور وعقد له البيعة فى أعناق أهل الإيمان فزادتهم نورا على نور؛ وأورثه عن أسلافه الطاهرين إمامة خير أمّه، وكشف بمصابرته من بأس العدا غمام كلّ غمّه؛ وأنزل عليه السكينة فى مواطن النصر والفتح المبين، وثبّته عند تزلزل الأقدام وثبّت به قلوب المؤمنين؛ وأفاض عليه من مهابة الخلافة ومواهبها ما هو من أهله، وأتمّ نعمته عليه كما أتمّها على أبويه من قبله؛ بايع الله تعالى على أن يختار للتمليك على البرايا، والتحكيم فى الممالك والرّعايا؛ من أسّس بنيانه على التقوى، وتمسّك من خشية الله سبحانه بالسبب الأقوى؛ ووقف عند أوامر الشرع الشريف فى قضائه وحكمه، ونهض لأداء فرض الجهاد بمعالى عزمه وحزمه؛ وكان المقام الأشرف العالى المولوىّ السلطانىّ الملكىّ المظفّرىّ الركنىّ، سلطان الإسلام والمسلمين، سيّد الملوك والسلاطين؛ ناصر الملّة المحمّديّه، محيى الدولة العباسيّه (أبو الفتح بيبرس) قسيم أمير المؤمنين- أعزّ الله تعالى ببقائه حمى الخلافة وقد فعل، وبلغ فى دوام دولته الأمل- هو الملك الذى انعقد الإجماع على تفضيله، وشهدت مناقبه الطاهرة باستحقاقه لتحويل الملك [اليه «٢» ] وتخويله؛ وحكم التوفيق والاتفاق بترقّيه إلى كرسىّ السلطنة وصعوده، وقضت الأقدار بأن يلقى اليه أمير المؤمنين أزمّة عهوده؛ والذى كم خفقت قلوب الأعادى عند رؤية رايات نصره، ونطقت ألسنة الأقدار بأن سيكون مليك عصره وعزيز مصره؛ واهتزّت أعطاف المنابر شوقا للافتخار باسمه، واعتزّت الممالك بمن زاده الله بسطة فى علمه وجسمه؛ وهو الذى ما برح

стр. 2679

مذ نشأ يجاهد فى الله حقّ جهاده، ويساعد فى كل معركة بمرهفات سيوفه ومتلفات صعاده، ويبدى فى الهيجاء صفحته للصّفاح فيقيه الله ويبقيه ليجعله ظلّه فى الأرض على عباده وبلاده، فيردى الأعداء فى مواقف تأييده فكم عفّر من خدّ لملوك الكفر تحت سنابك جياده؛ ويشفى بصدور سيوفه صدور قوم مؤمنين، ويسقى ظماء أسنّته فيرويها من مورد ورود «١» المشركين؛ ويطلع فى «٢» سماء الملك من غرر رأيه نيّرات لا تأفل ولا تغور، ويظهر من مواهبه ومهابته ما تحسّن به انمالك وتحصّن به الثغور؛ فما من حصن أغلقه «٣» الكفر إلا وسيفه مفتاحه، ولا ليل خطب دجا إلا وغرّته الميمونة صباحه، ولا عزّ أمل لأهل الإسلام إلّا وكان فى رأيه المسدّد نجاحه، ولا حصل خلل فى قطر «٤» من الممالك إلّا وكان بمشيئة الله تعالى وبسداد تدبيره صلاحه؛ ولا اتّفق مشهد غزو إلا والملائكة بمضافرته فيه أعدل شهود، ولا تجدّد فتوح للإسلام إلا جاد فيه بنفسه وأجاد، «والجود بالنفس أقصى غاية الجود» كم أسلف فى غزو الأعداء من يوم أغرّ محجّل، وأنفق ماله ابتغاء مرضات الله فحاز النصر المعجّل والأجر

стр. 2680

المؤجّل؛ وأحيا من معالم العلوم ودوارس المدارس كلّ داثر، وحثّه إيمانه على عمارة بيوت الله تعالى الجامعة لكلّ تال وذاكر، «إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر» ؛ وهو الذى ما زالت الأولياء تتخيّل مخايل السلطنة فى أعطافه معنى وصوره، والأعداء يرومون إطفاء ما أفاضه الله عليه من أشعّة أنواره «ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره» ؛ طالما تطاولت إليه أعناق الممالك فأعرض عنها جانبا، وتطفّلت «١» عليه «٢» فغدا لها رعاية لذمّة الوفاء مجانبا؛ حتى أذن الله سبحانه لكلمة سلطانه أن ترفع وحكم له بالصعود فى درج الملك الى المحلّ الأعلى والمكان الأرفع، وأدّى له من المواهب ما هو على اسمه فى ذخائر الغيوب مستودع؛ فعند ذلك استخار الله تعالى سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين (المستكفى بالله) جعل الله الخلافة [كلمة «٣» ] باقية فى عقبه، وأمتع الإسلام والمسلمين بشريفى حسبه ونسبه- وعهد إلى المقام العالى السلطانىّ بكلّ ما وراء سرير خلافته، وقلّده جميع ما هو متقلّده من أحكام إمامته؛ وبسط يده فى السلطنة المعظّمه، وجعل أوامره هى النافذة وأحكامه [هى «٤» ] المحكّمه؛ وذلك بالدّيار المصريّة والممالك الشاميّه، والفراتيّة والحلبيّة «٥» والساحليّه، والقلاع والثغور المحروسة والبلاد الحجازيّة واليمانيّه؛ وكلّ ما هو من الممالك الإسلاميّة الى خلافة أمير المؤمنين منسوب، وفى أقطار إمامته محسوب؛ وألقى إلى أوامره أزمّة البسط والقبض

стр. 2681

والإبرام والنقض، والرفع والخفض، وما جعله الله فى يده من حكم الأرض، ومن إقامة سنّة وفرض؛ وفى كلّ هبة وتمليك، وتصرّف فى ولاية أمير «١» المؤمنين من غير شريك؛ وفى تولية القضاة والحكام، وفصل القضايا والأحكام؛ وفى سائر التّحكّم فى الوجود، وعقد الألوية والبنود، وتجنيد الكتائب والجنود، وتجهيز الجيوش الإسلامية فى التأييد لكلّ مقام محمود؛ وفى قهر الأعداء الذين نرجو بقوّة الله تعالى أن يمكّنه من نواصيهم، ويحكّم قواضبه فى استنزالهم من صياصيهم، واستئصال شأفة عاصيهم؛ حتى يمحو الله بمصابيح سيوفه سواد خطوب الشّرك المدلهمّه، وتغدو سراياه فى اقتلاع قلاع الكفر مستهمّه «٢» ؛ وترهبهم خيل بعوثه وخيالها فى اليقظة والمنام، ويدخل فى أيّامه أهل الإسلام مدينة السلام بسلام؛ تفويضا تامّا عامّا منضّدا منظّما، محكما محكّما؛ أقامه مولانا أمير المؤمنين فى ذلك مقام نفسه الشريفه، واستشهد الكرام الكاتبين فى ثبوت هذه البيعة المنيفه؛ فليتقلّد المقام الأشرف السلطانىّ- أعزّ الله نصره- عقد هذا العهد الذى لا تطمح لمثله الآمال، وليستمسك منه بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها ولا انفصال؛ فقد عوّل أمير المؤمنين على يمن أرائك «٣» التى ما برحت الأمّة بها فى المعضلات تستشفى، واستكفى بكفايتك وكفالتك فى حياطة الملك فأضحى وهو بذلك (المستكفى) ؛ وهو يقصّ عليك من أنباء الوصايا أحسن القصص، وينصّ لديك ما أنت آخذ منه بالعزائم اذا أخذ

стр. 2682

غيرك فيه بالرّخص؛ فإن نبّهت على التقوى فطالما تمسّكت منها بأوثق عروه، وإن هديت الى سبيل الرشاد فما زلت ترقى منه أشرف ذروه؛ وإن استرهفنا «١» عزمك الماضى الغرار، واستدعينا حزمك الذى أضاء به دهرك وأنار «٢» واستنار؛ فى إقامة منار الشرع الشريف، والوقوف عند أمره ونهيه فى كل حكم وتصريف؛ فما زلت- خلّد الله سلطانك- قائما بسننه وفرضه، دائبا فى رضى الله تعالى بإصلاح عقائد عباده فى أرضه؛ وما برح سيفك المظفّر للأحكام الشرعيّة خادما، ولموادّ الباطل حاسما، ولأنوف ذوى الزّيغ والبدع مرغما؛ وكلّ ما نوصيك به من الخير فقد جبلت عليه طباعك، ولم يزل مشتدّا فيه ساعدك ممتدّا إليه باعك؛ غير أننا نورد لمعة اقتضاها أمر الله تعالى فى الاقتداء بالتذكرة فى كتابه المبين، وأوجبها نصّ قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ، ويندرج تحت أصولها فروع يستغنى بدقيق ذهنه الشريف عن نصّها، وبفكره الثاقب عن قصّها؛ فأعظمها للملّة نفعا، وأكثرها للباطل دفعا؛ الشرع الشريف، فليكن- أعزّ الله نصره- عاملا على تشييد قواعد أحكامه، وتنفيذ أوامر حكّامه؛ فالسعيد من قرن أمره بأمره، ورضى فيه بحلو الحق ومرّه؛ والعدل، فلينشر لواءه حتى يأوى اليه الخائف وينكفّ بردعه حيف كلّ حائف؛ ويتساوى فى ظلّه الغنىّ والفقير، والمأمور والأمير؛ ويمسى الظلم فى أيامك وقد خمدت ناره، وعفت آثاره؛ وأهمّ ما احتفلت به العزائم، واشتملت عليه همم الملوك العظائم «٣» ، وأشرعت له الأسنّة وأرهفت من أجله الصوارم؛ أمر الجهاد الذى جعله الله سبحانه حصنا للإسلام وجنّه، واشترى

стр. 2683

فيه من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنّة؛ فجنّد له الجنود وجمّع له الكتائب واقض فى مواقفه على الأعداء من بأسك بالقواضى القواضب؛ واغزهم فى عقر الدار، وأرهف سيفك البتّار، لتأخذ منهم للمسلمين بالثار؛ والثغور والحصون، فهى سرّ الملك المصون، وهى معاقل النفوس «اذا دارت رحى الحرب الزّبون «١» » ؛ فلتقلّد أمرها لكفاتها، وتحصّن حماها بحماتها، وتضاعف لمن بها أسباب قوّتها ومادّة أقواتها؛ وأمراء الإسلام، وجنود الإيمان، فهم أولياء نصرك، وحفظة شامك ومصرك؛ وحزبك الغالب، وفريقك الذى تفرق منه قلوب العدوّ فى المشارق والمغارب؛ فليكن المقام العالى السلطانىّ- نصره الله تعالى- لأحوالهم متفقّدا وببسط وجهه لهم متودّدا؛ حتى تتأكّد لمقامه العالى طاعتهم، وتتجدّد لسلطانه العزيز ضراعتهم؛ وأما غير ذلك من المصالح فما برح تدبيره الجميل لها ينفّذ ورأيه الأصيل بها يشير، ولا يحتاج مع علمه بغوامضها الى إيضاحها «ولا ينبئّك مثل خبير» والله تعالى يخصّ دولته من العدل والإحسان بأوفر نصيب، ويمنح سلطانه ما يرجوه من النصر المعجّل والفتح القريب؛ بمنّه وكرمه. وكتب تقليدا مظفّريّا للأمير سيف الدين سلار المنصورىّ بنبابة السلطنة الشريفة فى سنة ثمان وسبعمائة، وهو: الحمد لله الذى شيّد ركن الإسلام بسيفه المنتضى، وجدّد للملك مزيد التأييد بكافله الذى ما برح وفاؤه للملوك الأواخر والأوائل مرتضى، وأنجز من وعوده الاتفاق والتوفيق ما كان من ذمّة الدهر مقتضى، جامع شمل الأوامر والنواهى بتفويضها

стр. 2684

الى من تبيت العدا من مهابته على جمر الغضى، ومنيل المنى بمواهبه التى تحوز موادّ الاختيار وتجوز أمد الرضا، وملقى مقاليد التدبير الى من أضحى جميل التأثير اذا تصرّف فى الرفع والخفض حكم القضا، ومصرّف أزمّة الأمور فى يد من غدا ثابت العزمات فى الأزمات، فما أظلم خطب إلا انجلى بمصابيح آرائه وأضا؛ نحمده على أن عضّد دولتنا بالكافل الكافى الذى اختاره الله لنا على علم، ومنح أيّامنا موالاة الولىّ الذى جمعت فيه خلّتان يحبّهما الله ورسوله: وهما الأناة والحلم؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مشرقة الأنوار، مغدقة سحبها بأنواء المنن الغزاز؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى بعثه الله لإقامة شعائر الإيمان، وخصّ ملّته فى الدنيا والآخرة باليمن والأمان؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من أضحى بفضل السّبق للإيمان به صدّيقه وصديقه، وأمسى لفرط الألفة أنيسه فى الغار ورفيقه؛ ومنهم من ضافره فى إظهار النبوّة ووازره «١» ، وظاهره على إقامة منارها بإطفاء كل تائرة وإخماد كلّ نائره «٢» ؛ ومنهم من ساعد وساعف فى تجهيز جيش العسره «٣» ، وأحسن وحسّن مع إخوانه المؤمنين الصحبة والعشره؛ ومنهم من كان سيفه الماضى الحدّ، ومهنّده الذى كم فلّ بين يديه الجموع فما اعترض إلا قطّ «٤» ولا اعتلى إلا قدّ؛ وسلّم تسليما كثيرا؛ أما بعد، فان الله تعالى لما هنّأ لنا مواهب الظّفر، وهيّأ لنا من الملك موادّ إدراك المنى وبلوغ الوطر، وأيدنا من أنصارنا بكلّ ذى فعل أبرّ ووجه أغرّ؛ وشدّ أزرنا بمضافرة سيف يزهى الملك بتقليده، وأمدّنا بمؤازر تتصرّف المنى والمنون

стр. 2685

بين وعده ووعيده؛ وجب علينا أن نحوط دولتنا بمن لم تزل حقوق مودّته بحسن الثناء حقيقه، وعهود محبّته فى ذمام الوفاء متمكّنة وثيقه، وطريقته المثلى فى المحاسن والإحسان مشهورة ولا نرى مثلا لتلك الطريقه؛ وتقلّد كفالة ممالكنا للولىّ الذى ما برح يتلقّى أمورنا بفسيح صدره، ويتوقّى حدوث كلّ ما نكرهه فينهض فى دفعه بصائب رأيه وثاقب فكره؛ وكان الجناب الكريم العالى الأميرىّ الكبيرىّ العالمىّ العادلىّ الكافلىّ المؤيّدىّ الزعيمىّ الغياثىّ «١» المسندىّ الممهّدىّ المثاغرىّ المظفّرىّ المنصورىّ السّيفىّ، معزّ الإسلام والمسلمين، سيّد أمراء العالمين؛ سند الممالك، مدبّر الدّول، مقدّم العساكر، أمير الجيوش، كهف الله، حصن الأمّة، نصرة الملوك والسلاطين، (سلار المنصورىّ) نائب السلطنة المعظّمة، وكافل الممالك الاسلامية،- أعز الله نصره- هو واسطة عقد الأولياء، وسيف الدولة الفاتك بالأعداء، والذى أسلف فى نصرة الإسلام حقوقا غدت مرقومة فى صحف الفخار، واستأنف فى مصالح الأمّة المحمديّة تدبيرات أظهر بها أسباب التأييد على الأعداء والاستظهار؛ كم أصلح بيمن سياسته ذات البين، وكم أبهج ببركة تأتّيه «٢» وتأنّيه كلّ قلب وأقرّ كلّ عين؛ وكم ساس من ملك فأضحى ثابت الأساس، وجعل شعاره دفعا للباس ونفعا للناس؛ ما عوهد إلا وأوفى، ولا عوند إلا وعفّ وعفا، ولا استشفى فى طبّ معضلة إلا وشفى، ولا استدرك تدبيره فارط «٣» أمر كان على شفا؛ فما يومه فى الفضل بواحد، ولا أحد لمثل محاسنه الجميلة بواجد؛ لعزماته فى مواقف الجهاد السوابق

стр. 2686

الغرّ المحجّله، ولتدبيراته فى مصالح العباد والبلاد المنافع المعجّلة والمؤجّله؛ وهو الذى خافت مهابته الكتائب، وأمّلت مواهبه الرغائب «١» ، ولعبت «٢» سطواته للعدا خيالا فى المراقد وخيلا فى المراقب، وامتطى من الشهامة كاهلها فأحجم عنه لمّا أقدم كلّ محارب، وصدق من نعته بالسيف، فلو لم ينعت به لقيل: هذا سيف يفتك بالضّريبة ولا تفلّ له مضارب؛ وكم لقى بصدره الألوف من التتار- خذلهم الله- والمنايا قد بلغت من النفوس المنى، وأمضى سيفه فى الحروب وما شكا الضنى؛ وحمل حملة فرّق بها كلّ شمل للكفّار اجتمع، وقطع أعناق العدافى رضى الله تعالى ولا ينكر السيف إذا قطع؛ ووصل من العلياء إلى غاية تزاحم الكواكب بالمناكب، وتفرّد بأمر الجيوش فأضحى بدر الكتائب وصدر المواكب؛ إذا جاش الجيش ثبت عند مشتجر الرماح، وإذا أظلم ليل النّقع وضحت أسارير جبينه وضوح الصباح، وإذا أقدم فى كتيبة «رأيت البرّ بحرا من سلاح» واذا رفعت راياته يوم الوغى كبّرت بالظّفر على ألسنة الرماح، وإذا كان فى جحفل كانت عزائمه للقلب قلبا وصوارمه جناحا للجناح، وإذا قدر فى السلم عفا لكنه فى الحرب قليل الصفح بيّن الصّفاح؛ وهو الذى ما برحت أيدى انتقامه تهدم من أهل الشرك العمائر والأعمار، وبروق سيوفه تذهب بالنفوس لا بالأبصار، ويمن يمينه وصبح جبينة هذا يستهلّ بالأنواء وذا بالأنوار؛ اقتضى حسن الرأى الشريف أن نوفى حقوق مودّته التى أسلفها لنا فى كل نعمى وبوسى، وأن نضاعف علوّ مكانه من أخوّتنا ليكون منا كهرون

стр. 2687

من موسى؛ فلذلك رسم بالأمر الشريف العالى المولوىّ السلطانىّ الملكىّ المظفّرىّ الركنى- لا برح يوفى بعهود الأولياء ويفى، ويمنح من أخلص النّية فى ولائه البرّ الخفىّ والفضل الحفى- أن تكون كلمة الجناب الكريم العالى الأميرىّ السيفىّ المشار إليه- أعزّ الله نصره- نافذة فى كفالة الممالك الإسلاميّة، متحكّمة فى نيابة السلطنة المعظّمة، وأوامره المطاعة فى إمرة الجيوش وحياطة الثغور التى غدت بدوام كفالته متبسّمة؛ على أجمل عوائده «١» ، وأكمل قواعده؛ نيابة ثابتة الأساس، نامية الغراس؛ لا يضاهى فيها ولا يشارك، ولا يخرج شىء من أحوالها عن رأيه المبارك؛ فليبسط نهيه وأمره فى التدبير والإحكام، وليضبط الممالك حتى لا تسامى ولا تسام؛ وليطلع من آرائه فى سماء الملك نجوما بها فى المصالح يهتدى، وليرفع من قواعده ما يخفض به قدر العدا؛ وليضاعف ما ألفته الأمّة من عدله، وليجر على أكرم عاداته من نشر إنصافه وشمول فضله، وليعضّد جانب الشرع المطهّر فى عقده وحلّه، وتحريمه وحلّه؛ ولينفذ كلمته على ما هو من ديانته مألوف، وليستكثر من الافتداء بأحكامه فى النهى عن المنكر والأمر بالمعروف؛ وأمراء الإسلام وجنوده، فهم ودائع سرّه، وصنائع شكره، وطلائع نصره، وما منهم إلا من غذى بلبان «٢» درّه، وغدا [من «٣» ] ثناء «٤» عصره متقلدا لعقود درّه؛ فليستخدم حنوّه عليهم وإشفاقه، وليوال إليهم برّه وإرفاده وإرفاقه؛ والوصايا كثيرة لكنها منه تستملى، والتنبيهات على المصالح منه تستفاد نقلا وعقلا، وما زلنا نستضئ فى المهمّات بيمن آرائه التى جمعت للمصالح شملا؛ فمثله لا يدلّ على صواب وهو المتفرّد بالسداد، والخبير بتفريج كرب الخطوب والسيوف

стр. 2688

غامضة الجفون فى الأغماد؛ والله تعالى يمتعنا من بركة كفالته بالخلّ الموافى «١» والأخ المواسى، ويشدّ أزر سلطاننا من مضافرته بمن أمسى جبل الحلوم «٢» الرواسى؛ إن شاء الله تعالى. ومن انشائه أيضا أعزه الله تعالى مقامة عملها فى سنة اثنتين وسبعمائة ، على لسان من التمسها منه، فقال: حكى أليف الغرام، وحليف السّقام؛ وقتيل العيون، وصريع الجفون؛ وفريسة الأسود، والمصاب بنبال الحدق السود؛ عن قصّته فى هواه، وقضيته التى كان فى أوّلها غناه، وفى آخرها عناه «٣» ؛ قال: لم أزل فى مدّة العمر أترقّب حبيبا أتلذّذ بحبّه، وأتنعّم بقربه؛ وأحيا بانعطافه، وأسكر من ريقه بسلافه؛ وأستعذب العذاب فيه، وأرشف خمر الرضاب من فيه، وأقتطف ورد السرور من وجنتيه وأجتنيه؛ وأكتسى به لطفا، وأكتسب بمصاحبته ظرفا؛ حتى ظفرت يداى بمن رقّ وراق، ولطفت حدائق معانيه حتى كادت تخفى عن الأحداق لطفت معانيه فهبّ مع الصّبا ... ورقيبه بهبوبه لا يعرف قد جمع أوصاف المحاسن والمعانى، وفاق كلّ مليح فليس له فى الحسن ثانى؛ أما قوامه، فقد ملك الفؤاد فأضحى ملكا عادلا، واستباح النفوس من اعتداله فلا غرو إن أضحى لها قاتلا

стр. 2689

عجبا لقدّك ما ترنّح مائلا ... إلا وقد سلب الغصون شمائلا وأما لحاظه فقد غنيت عن الكحل بالكحل، وأذابت حبّات القلوب فى حبّ تلك المقل وإذا رأيت الطرف يعمل فى الحشا ... عمل الأسنّة فالقوام مثقّف إلى غير ذلك من وجه كالبدر فى تمامه، يعلوه من شعره ما يصير به كالبدر تحت غمامه قمر تبلّج وجهه فى حندس ... من شعره فأضاء منه الحندس ومقبّل أشهى من الراح، وأعطر من زهر الربا تفتّحت أكمامه عند الصباح ومقبّل عذب كأنّ ... رضابه برد وراح وخدّ أمسى شقيق الشّقيق «١» ، ومبسم يرشف من شفاهه العقيق الرحيق شفة كمحمرّ العقيق ... ومبسم مثل الأقاح «٢» وصدغ سال على خدّه القانى، وامتدّ كدمع محبّه الأسير العانى صبّ له دمع كصدغك سائل ... فعساك يا مثرى الجمال تواسى وخصر لطف ودقّ، وعلاه كثيب ردف فأثقله حتى ضنى ورقّ يا ردفه رفقا على خصره ... بينكما حرمة جيران الى غير ذلك من أنواع حسن قصر عن وصفها قلمى، وعجز عن حصرها كلمى؛ وأشفقت من شرحها خوفا أن أنمّ عليه، أو أذكر ما تفرّد به من الحسن فأكون

стр. 2690

قد أشرت اليه؛ وأنا قد تدرّعت ثوب الكتمان، وتستّرت حتى غاض من الدمع وأغضى الطرف وسكت اللسان يقولون من هذا الذى متّ فى الهوى ... به كلفا يا ربّ لا علموا الذى غير أنّى قد متعت بذكر ملاحته فؤادى، ولا بدّ أن أوردها مجملة لأكمد «١» بلفظها «٢» المعادى حكاه من الغصن الرطيب وريقه ... وما الخمر إلّا وجنتاه وريقه هلال ولكن أفق قلبى محلّه ... غزال ولكن سفح عينى عقيقه بديع التثنّى راح قلبى أسيره ... على أن دمعى فى الغرام طليقه أقرّ له من كل حسن جليله ... ووافقه من كل معنى دقيقه من التّرك لا يصبيه وجد إلى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوير «٣» يشوقه ولا حلّ فى حىّ تلوح قبابه ... ولا ساق فى ركب يساق وسيقه «٤» ولا بات صبّا للفريق «٥» وأهله ... ولكن إلى خاقان يعزى فريقه يهدّد منه الطرف من ليس خصمه ... ويسكر منه الريق من لا يذوقه على خدّه جمر من الحسن مضرم ... يشبّ ولكن فى فؤادى حريقه له مبسم ينسى المدام بريقه ... ويخجل نوّار الأقاحى بريقه

стр. 2691

قال الراوى: فأعلمته ما خامر قلبى من هواه، وبذلت نفسى ابتغاء لرضاه بثثت له سرّى ونحن بروضة ... فمالت لتصغى للحديث غصون فتلقّى ضراعتى بالرّحب والإقبال، وسفر عن وجه الرضا فبشّرت نفسى ببلوغ الآمال؛ وقلت «١» : تذلّلت فى الشكوى إليه فرقّ لى ... حنوّا لدمعى فى الهوى وتذلّلى غزال لبست السّقم خلعة جفنه ... على أننى فيه خلعت تجمّلى تعدّل بالأعذار حتى خدعته ... بسحر الرّقى أفديه من متعلّل فراقب إغفاء الرقيب وهجعة السّمير ... وراعى حين غفلة عذّلى ووافى أخا الأشواق حلف صبابة ... أسير هوى من وجده فى تململ فلم أر روضا كان أحسن بهجة ... - لعمر الهوى- من وجهه المتهلّل فأعظمت مسراه وقبّلت خاضعا ... ثرى خطوه شكرا الفضل التطوّل وانعطف علىّ انعطاف الغصن الرطيب، وتمازجت قلوبنا حتى أشكل علىّ أينا «٢» الحبيب؛ وفزت منه ببديع جمال تلذّ به النفوس، ورشفت من رضابه أحلى ما ترشفه الأفواه من شفاه الكؤوس تعلّقته صائدا للقلوب ... بألحاظه سالبا للنّهى بديع الجمال إذا ما بدا ... ترى فيه للعين مستنزها «٣» فكم فيه للعين من روضة ... وكم فيه للنفس من مشتهى

стр. 2692

يا حسنه لمّا أتى بوعد وعلى غير وعد، ويا لذاذة قربه ويا حرارة ما ذقناه بعدها من هجر وصدّ؛ فلم نزل على ذلك مدّة أغفى الدهر عنّا فيها، أقضّى حياة طابت تلذّذا وترفيها رعى الله محبوبا نعمت بوصله ... وقد بعدت عنّا الغداة عيون حتى شعر بنا الدهر الخؤون، ورمانى بسهم فرقة أبعدت المنى وجلبت المنون؛ وعلم بما كتمناه الرقيب، وعجز عن داء قلبى الطبيب لو كان للعشاق حظّ فى الهوى ... ما كان يخلق فى الزمان فراق فتجرّعت بعد الشّهد علقما، ولم أستطع أفتح «١» من الحزن فما؛ وهمت فى ساحة الشوق والالتياح «٢» ، وفضحتنى الأدمع التى طال بها على المحبّين الافتضاح لا جزى الله دمع عينىّ خيرا ... وجزى الله كلّ خير لسانى نمّ دمعى فليس يكتم شيئا ... ووجدت اللسان ذا كتمان كنت مثل الكتاب أخفاه طىّ ... فاستدلّوا عليه بالعنوان فاذا هو مرّ المذاق، وأمنع الدمع فيقول: وهل خبأتنى لأعظم من يوم الفراق أبى الوجد أن يخفيه قلب متيّم ... يكابده والدمع يبديه والضّنى

стр. 2693

وكم ذاب القلب حسره، وتفتّتت الكبد فى تلك الفتره؛ على خلوة أبثّ فيها حزنى، وأفسح فيها المجال الذى ضاق به عطنى؛ فلم أظفر بخلوة فى لمحة بصر، ولا فزت بذكر كلمة أفرّج بها ما عرض من حصر تعرّضت من شوق إليه فأعرضا ... ولولا الهوى لم أمنح الحبّ مبغضا وبحت إليه أنّ عندى رياضة «١» ... عليه وما تلك الرّياضة عن رضا قضى حبّه أنّى إذا عزّ فى الهوى ... أذلّ وإنى قد رضيت بما قضى لقلبى من عينيه سقم وصحّة ... فكم مرّة فى الحبّ داوى وأمرضا مضى لى به عيش بكيت لفقده ... وهيهات أن يرتدّ عيش إذا مضى وبليت «٢» برقيب قد سلب الله من قلبه الإيمان، وسلّطه علىّ بغلظ الطباع وفظاظة اللسان؛ كأنه شيطان لا بل هو بعينه، لكنّه أربى عليه فى بهتانه ومينه؛ يحاقّ «٣» على الكلمة الواحده، ولا يسمح بأن طرفى يمتدّ إلى تلك المحاسن التى غدت القلوب بها واجده؛ يودّ لو غطّى على بصرى، ويبدلنى مغيبى من محضرى؛ لا يفتر عن اللّوم والعذل، ولا يرى أن يقضى ساعاته إلّا فى بذل الحيل؛ يرغب فى شتات شملى، وانقطاع وصلى؛ وليس لى فى دفعه حيله، ولا فى الانتقام منه وسيله؛ وما زال حتى أحال الحبيب عن وداده، وكدر ما صفا من حسن ظنّه واعتقاده؛ وأنا أروض نفسا كادت تذوب، وأتسلّى بأيام وصاله وأقول: لعلها ترجع وتؤوب لئن ذقت مرّ الصبر أو ملح أدمعى ... لقد أعذبت تلك المذاقات منهلى

стр. 2694

فلم يقنع الدهر لى بذلك، ولا رضى بالصدّ والعذل والهجر الذى هو أعظم المهالك؛ حتى قضى بالفرقة والبعاد، ورمتنى النوى بسهم فلم يخطئ الفؤاد؛ وكنت أتعلّل بالنظر، وأقول: مشاهدة هذا الوجه القمرىّ عندى أكبر وطر؛ حتى منعت الوصال والمشاهده، وندبت قلبى القريح بأدمع عينى الجامده أحباب قلبى لقد قاسيت بعدكم ... نوائبا صيرتنى فى الهوى مثلا وقد تعجّبت أنّى بعد فرقتكم ... أحيا وأيسر ما لاقيت «١» ما قتلا وانقطعت عنّى الرسائل، وذهبت لذاذة ما اعتدته من تلك الوسائل هل مخبر عنكم يعيش بقربه ... ميت الرجا والصبر بعد إياس أحبابنا قسما بساعة وصلنا ... لم أكتحل من بعدكم بنعاس غبتم فعندى بالفراق مآتم ... فمتى تعود بعودكم أعراسى وذوى غصن السرور بعد أن كان رطيبا، وفقدت لنداء ألمى مجيبا؛ وأغلقت باب الدّعه، وأسبلت هواطل أدمعى قائلا للأجفان: لا تخشى فأنت متفقة من سعه؛ ولولا التعلّل بالذكرى، والتأمّل «٢» فى حسنه «٣» الذى تشكّل فى مرآة القلب فسرّ سرّا؛ لقلت: كأنّك قد ختمت على ضميرى ... فغيرك لا يمر على لسانى ولى عين تراك وأنت تنآى ... كما ترنو إليك وأنت دانى وأقرب ما يكون هواك منّى ... إذا ما غاب شخصك عن عيانى

стр. 2695

شغلت عن الورى بصرى وسمعى ... كأنهما بحبّك مفردان فهأنا لا أعاين ما بدا لى ... سواك ولا أصيخ لمن دعانى ثم إنّى فارقت الحياه، وبذلتها راغبا فى هواه؛ ولم أزل كذلك الى أن ظهرت آثار قربه، وسرى النسيم عطرا فعلمت قرب ركبه وأذكرنى ذاك الصّبا «١» زمن الصّبا ... وما الشوق إلا ما تجدّد بالذكر فكاد قلبى يطير للقائه، ولولا تستّره بحجب الفؤاد لخرج من قوّة برحائه؛ وتذكرت كيف يكون اللقاء والاجتماع، والرقباء قد أزمعوا على المنع والدّفاع، وقلت: فارقنى على غير رضا، وجفانى من غير ذنب، ونآى عنّى من غير وداع؛ وهأنا فى غيابه وحضوره، وسخطه وسروره؛ لا أحول عن ودّه، ولا أرى إلا الوفاء بعهده هيهات ما وجدى عليك بزائل ... فإلام يطنب فى الملامة عاذلى ناشدتك العهد القديم ومنا ... بلوى الصّريم وبانه المتمايل «٢» هل تعلمنّ سوى هواك وسيلة ... تدنى رضاك وقد جهلت وسائلى أدنيتنى حتى إذا تيّمتنى ... بمحاسن ومعاطف «٣» وشمائل وبحسن وجه لو تجلّى فى الدجى ... سجد الصباح لضوئه المتكامل ونواظر سحّارة لجفونها ... فضل الصناعة «٤» لا لساكن بابل «٥»

стр. 2696

ووقعت من قلبى بودّ قد جرى «١» ... مجرى دمى بجوانحى ومفاصلى قاطعتنى وسمعت قول حواسدى ... وصرمت من بعد الوصال حبائلى «٢» ولرب ليل بتّ فيه مسهّدا ... فردا أسامر لوعتى وبلابلى أطوى على حرّ الغرام أضالعا ... يطوين فيه «٣» على قداح «٤» النابل «٥» وهأنا أترقّب وصله، وأتوقّع عدله. أتراه من جور الصبابة ينصف ... ويرقّ للعانى عليه ويعطف صبّ يرى السّلوان عنه محرّما ... فله إليه تولّه وتلهّف يا أهل كاظمة «٦» وحقّ هواكم ... قسما بكم وبغيركم لا يحلف مشتاقكم ألف الصبابة فيكم ... فكأنه لسواكم لا يعرف فعدوه منكم بالوصال تعلّة ... ولكم بأن تعدوا الوصال ولا تفوا وحياتكم «٧» يرعاكم فى بعدكم ... ولقربكم فى بعدكم «٨» يتشوّف

стр. 2697

وليس لى ما أمت به إلا صدق الغرام، والإقدام فى حبّه «١» على ارتكاب «٢» الحمام جدّد عهود تواصل وتلاق ... واستبق لى رمقا فليس بباق واشفع إلى ما رقّ من ترف الصّبا ... من وجنتيك برقّة الأخلاق ما حقّ ذى قلب صفا لك ودّه ... تقطيعه بقطيعه وفراق مع ذا وذا كيف استهنت فكن أنا ال ... موثوق «٣» بى مولاى فى الميثاق قال الراوى: فسمع شكواى وما أشكى «٤» ، وقابل رقّتى بجفوة بها القلب أنكى «٥» والطرف أبكى؛ ولفق أعذارا، وأقسمت عليه أن يزور فلم ير لقسمى إبرارا هذا ما اتّفق إيراده من كلامه- أدام الله علوّه- فى هذا الموضع، وسنورد إن شاء الله من كلامه أيضا ما تقف عليه فى آخر فن الحيوان فى السفر الذى يليه إن شاء الله تعالى. ذكر شىء من إنشاء المولى الفاضل الصدر الكبير الكامل؛ البارع الأصيل، الأوحد النبيل؛ تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد اليمانى هو الذى أتقن صناعة الأدب فى غرّة شبابه، وبرزّ على من اكتهل فى طلبها وشاب فى الترقّى الى رتبها، فما ظنّك بأترابه؛ وجارى «٦» ذوى الفضل فى «٧» الأقطار اليمنيّة

стр. 2698

فطلع مجلّى «١» الحلبة، وبارى نجباء الأفاضل بالمملكة التّعزّيّة «٢» وكان المؤمّل «٣» منهم بالنسبة إليه أرفعهم رتبه؛ وسما إلى سماء البلاغة فكان نجمها الزاهر، وارتقى إلى أفلاك البراعة فكان نيّرها الباهر، ورام من سواه الارتقاء إلى محلّه والمناوأة «٤» لفضله فغدا وهو فى ذيول حيرته عاثر؛ فعند ذلك علموا عجزهم عن إدراك غاياته، واعترفوا بالتقصير عن مجاراته ومباراته؛ وحين لم يجد لفضله مجاريا، ولا عاين لفضائله مباريا؛ صار بها كالغريب وإن كان فى أهله ووطنه، والفريد «٥» مع كثرة أبنائه وإخوان زمنه؛ فسمت «٦» به نفسه إلى طلب العلوم من مظانّها، والاحتواء عليها فى إبّانها؛ واللّحاق بأعيان أهلها، والاختلاط بمن ارتدى بأردية فضلها؛ ورؤية من توشّح بقلائدها، وترشّح لبذل فوائدها ونظم فرائدها؛ ففارق الأقطار اليمنيّة وهى تسأله التأنّى، وتبذل لرضاه الرغبة والتمنّى؛ وهو لا يجيب مناديها ولا يعرّج على ناديها، ولا يميل الى حاضرها ولا ينظر الى باديها؛ وصرف وجهه عنها، ونفض يده منها؛ والتحق «٧» بالديار

стр. 2699

المصريّه، وانبتّ «١» فى طلب العلوم بأجمل سريرة وأحسن سيرة وأخلص نيّه؛ فبلغ فيها «٢» مناه، وأدرك بها ما تمنّاه؛ وغدا وثغر فصاحته بالعلوم أشنب، وبرد بلاغته بالآداب مذهب تناهى علاء والشباب رداؤه ... فما ظنّكم بالفضل والرأس أشيب ولما عاينه أعيان أهل هذا الوادى، وشاهدوه يبكّر فى طلب العلوم ويغادى؛ تلقّوه بالإكرام والترحيب، وقابلوه بالتبجيل والتقريب، وأنزلوه بالمحلّ الأرفع والفناء الخصيب؛ وعاملوه بمحض الوداد، وساواه شبابهم بالإخوة ومشايخهم بالأولاد؛ وخلطوه بالنفس والمال، وظهر له فى ابتداء أمره بقرائن الأحوال حسن المآل؛ فأصبح من عدول المصر، وأمسى وهو من أعيان العصر؛ فشكر عاقبة مسيره وحمد صباح سراه، وأجابه لسان الفضائل بالتّلبية لمّا دعاه؛ ثم ارتحل الى الشأم فجعل دمشق مقرّ وطنه، وموطن سكنه؛ ومحلّ استفادته وإفادته، ونهاية رحلته وغاية إرادته؛ فعامله أهلها بفوق «٣» ما فى نفسه، فحمد يومه بها على أمسه؛ وغدا لأهل المصرين شاكرا، ولمناقبهم تاليا ولمحاسنهم ذاكرا؛ وله من النظم ما رقّت حواشيه، وراقت معانيه؛ ومن النثر ما عذب وصفا، وكمل بلاغة ولطفا؛ وحسن إعجازا، وتناسب صدورا وأعجازا؛ وقد قدّمنا من كلامه فى هذا الكتاب ما باسمه ترجمناه، ولفضائله نسبناه؛ مما تقف عليه فى مواضعه، وتغتذى بلبان مراضعه؛ فلنورد له

стр. 2700

فى هذا الباب غير ما تقدّم إيراده وما تأخّر، ونأخذ لتصنيفنا من بلاغته بالنصيب الأوفى والحظّ الأوفر. فمن إنشائه كتاب عن الخليفة المستكفى بالله أمير المؤمنين أبى الربيع سليمان لملك «١» اليمن- عمله تجربة لخاطره عند ما رسم بمكاتبته، ابتدأه بأن قال: أما بعد حمد الله مانح القلوب السليمة هداها، ومرشد العقول إلى أمر معادها ومبتداها؛ وموفّق من اختاره الى محجّة صواب لا يضلّ سالكها، ولا تظلم عند اختلاف الأمور العظام مسالكها؛ وملهم من اصطفاه اقتفاء آثار السنن النبويّه، والعمل بموجب القواعد الشرعيّه؛ والانتظام فى سلك من طوّقته الخلافة عقودها، وأفاضت على سدّته الجليلة برودها؛ وملّكته أقاصى البلاد، وناطت بأحكامه السديدة أمور العباد؛ وسارت تحت خوافق أعلامه الملوك الأكاسره، وسرت «٢» بأحكامه النيّرة مناجح الدنيا ومصالح الآخره؛ وتبختر «٣» كلّ منبر من ذكره فى ثوب من السيادة معلم، وتهلّلت من ألقابه الشريفة أسارير كلّ دينار ودرهم؛ يحمده أمير المؤمنين على أن جعل أمور الخلافة ببنى العباس منوطه، وجعلها كلمة باقية فى عقبه الى يوم
следующие страницы →